المدينة اغتسلت ودخلت المسجد، ونظرت فاذا أنا بالصفة التي أريت في المنام، واذا هو مالك بن أنس والناس حوله يعرضون عليه، فعرفت أنه الذى قيل لي في النوم أنه عالم الآفاق، فلزمته.
وقال أصبغ: قال ابن القاسم: حملت أحاديث المصريين، فوقع في نفسى طلب الفقه، فأتيت أبا شريح، وكان صالحا حكيما، فاستشرته وقلت: أردت أن أشخص الى مالك؛
فقال لى: ما أحسن الفقه، وان كان أهله يعتريهم الكبر، ولكن اطلب، فلأن توسد العلم خير من أن توسد الجهل.
قال: ثم نمت باثر ذلك، فرأيت في منامى كأن عقابا انقض على رأسى -وقال غيره: كأن بازيا رفرف على رأسه أو على حجره- فأخذه فنشر جوفه، فقال له قائل، لا تضيع جوفه، فان حشوه جوهر، وفي رواية: فجعلت أبتلعه حتى أتيت عليه، فعبر الرؤيا على أبي شريح - قال غيره: على رجل كان بصيرًا بالعبارة يقال انه زين بن شعيب - فقال: البازي سيد الطير، والجوهر العلم، هذا عالـ، هذا عالم أمرت أن تأخذ من علمه، وأن تأتيه.
وفي حديث أصبغ: العقاب سيد الطير، والعالم سيد الناس، ولئن صدقت رؤياك لتوتين علم عالم، فاتق الله يا عبد الرحمان. وأمرني أن أخرج الى مالك وألزمه، فخرج الى مالك فسمع منه ولازمه.
وفى رواية أنه قال له: لعلك حدثت نفسك بشيء من طلب العلم؟
قلت: نعم. قال: فمن ذكرت؟
قلت: مالك؟
قال: هو بازيك الذي صدت.
стр. 702
قال ابن القاسم: كنت أسمع من مالك كل يوم غلسا اذا خرج من المسجد ثلاثة أحاديث، سوى ما أسمع مع الناس بالنهار.
وفي رواية كنت أتى مالكا غلسا فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة،
وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت أتى كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتنى عينى فنمت، وخرج مالك الى المسجد ولم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لى: ان مولاك قد خرج، ليس يغفل كما تنفل أنت، اليوم له تسع وأربعون * سنة قلما صلى الصبح الا بوضوء العتمة. ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه اليه.
وفي خبر آخر: أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئا. قال فبينما أنا عنده اذ قيل: أقبل حاج مصر، فاذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك، فقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير الى، فأقبل يقبل عينى، ووجدت منه ريحا طيبة، فاذا هي رائحة الولد، واذا هو ابني؛ وكان ترك أمه به حاملا، وكانت ابنة عمه، وكان اسمه عبد الله، وكان خير أمه عند سفره لطول اقامته، فاختارت البقاء.
ولم يذكر الناس عبد الله بن عبد الرحمان بن القاسم هذا في ولده، وسنذكرهم، ولعله مات شابًا قبله، والله أعلم.
قال أبو زيد: سمعت ابن القاسم يقول: ما ضن أحد بعلمه فأفلح، لقد كنت أحضر مجلس مالك فأسمع منه، فاذا لم يحضر أصحابي سألوني ما سمعت، فأخبرهم، ويحضرون ولا أحضر، فأسألهم فلا يخبرونني.
قال ابن القاسم: كأنى كنت أنا وأشهب نختلف الى عالمين مختلفين، لاختلافهما في الرواية.
стр. 703
قال الصمادحى: من أجل هذا تركت السماع من أشهب.
وذكر الطالبي، أن ابن القاسم لما رجع الى مصر، اجتمع حوله الناس في المسجد، فسأل عن ذلك الليث، فقيل له: هذا ابن القاسم، فقال: يأبى الله ذلك والمسلمون.
فرأى في المنام تلك الليلة هاتفا ينكر عليه ذلك، فاستيقظ وهو يقول: بل لا يأبى الله ذلك ولا المسلمون، ثم أتى الجامع فحدث الناس حوله برؤياه:
ولابن القاسم سماع من مالك عشرون كتابا وكتاب المسائل في بيوع الآجال.
ذكر فضله وعبادته وزهده وورعه وكراماته وشي من خبره
قال ابنه موسى: قال لنا أبى -وأمرنا بالصلاة والخير-: كنت وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أختم فى كل يوم -أحسبه قال وليلة- القرآن.
قال الحارث بن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا منى وامنعني منها، بما منعت به صالحى عبادك، فكان في الورع والزهد شئًا عجيًا.
***
قال غيره: ذكر أنه شهد عند بعض قضاة مصر، فلم يعرفه، فطلب من يعد له لخموله وانقباضه، فخرج وهو يقول: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى عرف به، فلما عرف به حكم بشهادته ويمين الطالب، وكان عراقيًا لا يرى ذلك، ولكنه فعل لفضل ابن القاسم.
***
стр. 704
وقيل بل شهد عند أحد القضاة فقال القاضي: الاسم عدل، ولا أعرف العين، فجئنى بمن يعينها، اذ كان لا يداخل القضاة. قال: وانما كان مشتغلا بالعبادة والعفاف.
***
قال سحنون: كان مالك معلم ابن القاسم في العلم، وكان معلمه في العبادة سليمان بن القاسم.
وقال ابن القاسم فيهما: رجلان أقتدى بهما في ديني، سليمان في الورع، ومالك في العلم.
***
وذكر أن بعض مياسير مصر، أراد أن يزوجه ابنته وينقد عنه، ويتكلف كل مؤونته، فقال: حتى أشاور؛
فشاور عمه سليمان بن القاسم، فقال له: تحب أن يخدمك الخصيان، وتلبس الخز، وتركب الخيل، ويراح عليك غدوة وعشية بالجفان؟
قال: لا.
فقال: فلم تشغل نفسك بمال فلان؟ فترك ذلك.
***
قال أسد: كان ابن القاسم يختم فى كل يوم وليلة ختمتين، فنزل لى حين جئته عن ختمة رغبة في احياء العلم.
***
قال يحيى بن يحيى -وقيل له: بلغنا أن ابن القاسم كان لا يأكل من حنطة مصر. فقال: كذبوا ما كان * يأكل هو ومالك الا منها، ولقد لقيت
стр. 705
ابن القاسم مقبلا من سوق مصر ومعه حمال بطعام، فسألته، فقال: طعام اشتريته،، فأدخلت يدى فيه لأبصره، فاذا هو كثير الغلث، فقلت له: فهلا كان أطيب من هذا؟
فقال لى: يا أبا محمد، محمد، اني رضيت باليسير، ما يكفيني من الدنيا لنفسي، فاستجزيت به.
قال يحيى: ولو أراد ابن القاسم أن يحمله له كبراء أهل مصر على ظهورهم لفعلت، ولكنه كان لا يفعل ذلك ولا يشتهيه من أحد.
***
قال: وسمعت ابن القاسم يقول: ما كذبت مذ شددت على مئزرى، يعنى الحلم، قال يحيى: وما كان أخلقه بذلك.
***
قال يحيى: سمع رجلان من أهل الأندلس، عن ابن القاسم، وكتبا عنه، فلما أفتاهما قالا له: تشهد لنا رجالا من أهل بلدنا بما سمعنا منك، فأنكر ذلك، وقال: لا خير فى قوم لا يصدقهم أهل بلدهم فيما ينقلون اليهم الا بالبيئة.
***
قال يحيى: ولما قرأ أسد على ابن القاسم الأسدية، وضع أشهب يده في مثلها، فخالفه فى جلها -قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: وهى المعروفة بمدونة أشهب، وبكتاب أشهب- فقلت لابن القاسم: يا يا أبا عبد الله، لو أعدت نظرك في هذه الكتب، فان صاحبك قد خالفك، فما لا يمك عليه أقررته، وما خالفك فيه أعدت النظر فيه.
стр. 706
فقال: أفعل ان شاء الله تعالى.
فلما تقاضيته بعد أيام في ذلك، قال لى: يا أبا محمد نظرت في مقالتك، فوجدت اجابتي يوم أحبت الله وحده، فرجوت أن أوفق، واجابتى الآن انما تكون نقضًا على صاحبي، وأخاف أن لا أوفق في الآخرة فتركته.
***
قال يحيى: وكان طول ما يقرأ عليه رافعًا أصبعه، مبتهلا الى الله تعالى في التوفيق والسلامة.
قال: وتذاكرنا يومًا مع ابن القاسم هذا الأمر، فكلنا قال: الورع أشد ما في هذا الدين.
فقال ابن القاسم هو عندى كذا.
فقلت له: يا أبا عبد الله وكيف ذلك؟
فقال: انا أمرنا ونهينا، فمن فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فذلك أورع الناس؛
فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد خف عليك ما ثقل على غيرك، فأي شيء وجدت من هذا الأمر أثقل؟
فقال: ما وجدت شيئا أثقل على من مكابدة أجزاء الليل.
***
وحكى يحيى بن عمر عن بعضهم قال: شهدت العيد مع عبد الرحمان بن القاسم، فلما انصرفنا دخل ابن القاسم المسجد فصلى، ثم سجد فطول، حتى خفت أن يفوتنى الغداء مع أهلى، فدنوت منه فسمعته يقول: الاهى، انقلب عبيدك الى ما أعدوه لهذا اليوم، وانقلب عبد الرحمان اليك، يرجو
стр. 707
مغفرتك في هذا اليوم العظيم، فان كنت فعلت فبخ بخ، وان كنت لم تفعل فاويلي و يا حسرتي؛
قال: فجعلت على ثوبه علامة، ثم سرت الى أهلى، فتغذيت معهم، ووطئت، ونمت، ثم جئت الى المسجد، فوجدته على هيئته، كما تركته.
***
قال يحيى، وخرج ابن القاسم للحج، فلما كان بالأبواء اذ أنته جارية كأحسن الجواري، فناولها شيئا فقالت له: ما أريد هذا، انما أريد منك ما يكون من الرجل الى المرأة، فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، وأتاه أصحابه وهو كذلك، فسألوه فأخبرهم فجعلوا يبكون، فقال لهم: لم تبكون؟
قالوا: لأنا لو ابتلينا بما ابتليت به لم نأمن الفتنة؛
فرأى ابن القاسم في منامه يوسف ﵇، فقال له: لقد كان في شأنك مع امرأة العزيز عجب؛
فقال له يوسف: شأنك مع * صاحبة الأبواء أعجب، اني هممت وأنت لم تهم!.
ومن كتاب الفقيه أبى مروان بن مالك القرطبي، قال ابن القاسم: خرجت الى الاسكندرية ومعى وديعة، فأرسينا في موضع مخوف، فأثرت السمر لحفظ الوديعة، فاذا في نصف الليل برجل أبيض على برذون أشهب، فشق البحر الى حتى وقف على السفينة، فقال لى: نم يا ابن القاسم، فنحن نحرسك.
قال ابن القاسم للحارث: لا تخبر به أحدًا فى حياتى.
стр. 708
وفى رواية أخرى أن الوديعة كانت عشرة آلاف، وان الفارس قال له: ان ربي أرسلنى اليك أحرس لك هذه الأمانة، فنم أمنا، فكنت اذا استيقظت نظرت اليه يجول حوالينا، كان دأبه ذلك ثلاث ليال، حتى مضى الى أسكندرية.
***
وقال يحيى بن يحيى: خرج ابن القاسم الى بعض صحارى مصر، فعطش، وقد كان بعض ملوكها خرج متنزها، فبينما هو يسير اذ وقفت داوبه فلم تنطلق، فضربت فلم تنهض، فقال لمن معه: ما هذا الأمر؟ فانظروا؛
فنظروا فقالوا: هذا شخص.
فقال: سلوه؛
فسألوه، قال: عطشت؛
فسقوه. فانطلقت الدواب.
***
قال عيسى بن دينار: كنت بالاسكندرية مع ابن القاسم في الرباط، ومعه رجل كان يألفه، فبينا نحن في السفينة ليلة وعشرين من رمضان، سبع اذ قال رجل من أهل السفينة: أخبرك بشيء عظيم رأيته في نومي ساعتي هذه، فأخبره، فقال لصاحبه: ان كان ما قال حقا، فهى ليلة القدر، وذكر أن علامة ذلك عذوب ماء البحر، ومالا الى صدر السفينة، فرأيتهما يشربان، ثم استقبلا القبلة، فقمت فأتيت الموضع الذي أتياه، فشربت فوجدته عذبا.
***
قال الحارث: كان ابن القاسم لا يقبل جوائز السلطان، وكان عليه دين، الا أنه كان له من العروض ما يفى به.
стр. 709
قال: وكان يقول: ليس فى قرب الولاة ولا في الدنو منهم خير. وكان أولا يأتيهم، ثم ترك ذلك.
***
قال ابن وضاح: كان ابن القاسم لا يجالسه الا واحد أو اثنان، ولم يكن فيه منفعة للناس، ولا لأبويه، ولا ابنه، ولا نفسه، في شيء من أمور الدنيا الا بالعلم. وكان أشهب وابن وهب يقعدان في جماعة، وتقضى عندهما الحوائج وينفعان الناس.
***
قال سحنون: كثيرًا ما كنت أسمعه يقول: اياك ورق الأحرار، فيسأل فيقول: كثرة الاخوان. ولم يكن يشهد جنازة لأحد، ولا يخرج من المسجد؛ وذكر حديث سليمان ابن القاسم: لا تحمل لغيرك على نفسك، ما لا تحمله لنفسك على نفسك.
***
قال: وكان سبب موت ابن القاسم أنه اغتسل بماء بارد بمدين، لم يرد أن يسخن له منها، لأنها كانت غصبا لبعض بني أمية.
***
قال سحنون: قمت يوما في المسجد الحرام، أشرب ماء، فقال ابن القاسم: من أين تشرب؟
قلت: أليس لي في الفيء قدر شربة ماء؟
قال: وأى في بمكة؟ انما هي صدقات؛
***
قال سحنون: اشترى عبد الصمد الأطرابلسى لابن القاسم جارية، ثم أخرى، لم يتخذ غيرهما حتى مات، ولما ماتت الأولى أرسل اليه يشترى
стр. 710
له جارية صقلبية كما تنزل، فاشتراها له وبعثها اليه وهى أم ابنيه، وسيأتى ذكرهما بعد هذا، و وكان عبد الصمد هذا من العباد، لزم المحرس باطرابلس.
قال ابن وضاح: وانما قصد للصقالبة لأنهم لا عهد لهم.
***
قال: وحكى أبو محمد بن أبي زيد أن ابن القاسم كان يتصدق بنصف قوته، يعمله كعكا صغيراً، فاذا وقف به السائل أعطاه كعكة صغيرة كما عملت، وأنه باع نصف قوته سنة، فاشتري به تمرا *، يعطى السائل تمرة تمرة؛
قال أبو محمد: كأنه رأى أن هذا أقل للتكلف، وأزكى في القدر، لا شفاقه من رد السائل بغير شيء، وهذا بقدر النية.
***
وقال ابن وهب حين مات ابن القاسم: كان أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة، مارحت رواحا ولا غدوت غدوا قط الى هذا المسجد الا وجدته سبقنى اليه؛
***
وحكى عن ابن القاسم أنه كان يقرأ عليه الموطأ، اذ قام قياما طويلا، ثم جلس، فقيل له فى ذلك، فقال: نزلت أمى تسأل حاجة، فقامت وقمت لقيامها، فلما صعدت جلست.
***
قال فرات: قال سحنون: لما حججت كنت أزامل عبد الله بن وهب، وكان معنا أشهب وابن القاسم، فكنت اذا نزلت ذهبت الى عبد الرحمان أسائله الى وقت الرحيل، فقال لى ابن وهب وأشهب: لو كلمت صاحبك ليلة واحدة ينطر عندنا، فكلمته، فقال. ان ذلك يثقل على؛
стр. 711
فقلت له: فيم يعلم القوم مكاني بك؟
فأجابني، فانتهيت إليهم، فأعلمتهم، فلما كان وقت التعريس، قام، وقمت معه إلى القوم، فوجدت أشهب قد مد أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب دون ذلك، فسلم ابن القاسم وقعد، ثم أدار عينيه فإذا بسكرجة فيها دقة، فأخذها بيده، فحرك الابزار إلى ناحية. ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب، ثم قام وقال: بارك الله لكم؛
قال سحنون فاستحييت أن أقوم، فتكلم أشهب وعظم الأمر، فقال ابن وهب: دعه، دعه؛
***
قال أبو الفضل مولى نجم: كان ابن القاسم يأكل في الشهر عشرين مدًا من دقيق، بعد النبي ﷺ ، وكان فقيهًا عابدًا.
قال غيره: لأنه كان رد قوته إلى ثلث مد شعير في اليوم.
***
وذكر أن رجلا من أهل العلم والخير قدم من العراق، وأراد الاجتماع به، فأتاه رجل في ذلك، فوعده وقتًا لذلك، فلما استنجزه قال له ابن القاسم: إني نظرت في ذلك فرأيت أنه يدخله المباهاة، فيتزين لي وأتزين له، دعنى من ذلك.
***
وكان المصريون يقولون للكوفيين: اذكروا أخلاق سفيان، ونذكر أخلاق ابن القاسم، فيسكتون.
***
قال ابن وضاح: كان أهل الأندلس قد مشوا بين ابن القاسم وأشهب حتى أفسدوا ما بينهما، وحلف أشهب بالمشى إلى مكة ألا يكلم ابن
стр. 712
القاسم، فندم وأراد أن يمشى، فلما سمع بذلك ابن القاسم قال: هو يحنث نفسه ويمشي وأمشى معه، فمشيا جميعا وحجا، وعيسى بن دينار معهما.
***
قال يحيى: سمعت ابن القاسم يدعو على رجلين من أهل الأندلس دخلا بينه وبين أشهب، فسمعته يقول: اللهم عنهما بسعيهما ولا تنفعهما يحملهما. فما ماتا حتى عرف ذلك فيهما.
***
وقيل بل كان ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة، وحلف كل واحد على نفى قول الآخر، فسألا ابن وهب، فأخبرهما أن مالكا قال القولين جميعا، فحجا قضاء لليمين التي حنثا فيها.
ذكر وفاته
قال ابن سحنون وغيره: كانت وفاة ابن القاسم بمصر ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة إحدى وتسعين ومائة، بعد قدومه من مكة بثلاثة أيام، وقيل سنة، وقد ذكرنا سبب ذلك، ومرض ستة أيام، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل توفى سنة اثنين وتسعين، وهو ابن ستين سنة.
قال الكندى والشيرازي: مولده سنة اثنين وثلاثين ومائة وقاله أبو الطاهر وابن بكير؛
وقال أبو عمر بن عبد البر وابن حارث: مولده سنة ثمان وعشرين ومائة، وترك ابنين يأتى ذكرهما.
***
وذكر الكندى عمر بن القاسم أخا عبد الرحمان بن القاسم، قال: وكان مقبولا عند القضاة، وكان فاضلا.
стр. 713
قال الأمير أبو نصر: كانت فيه غفلة؛
***
ورى ابن القاسم بعد موته، فسئل، فأخبر بما لقيه من الخير، فقيل له: بماذا؟
فقال: بركعات ركعناها بالأسكندرية.
فقيل: فالمسائل؟
فقال: لا، وأشار بيده، أي وجدناها هباء.
قال على بن معبد: رأيته في النوم فقلت له: كيف وجدت المسائل؟
قال: أف أف؛
قلت له: فما أحسن ما وجدت؟
قال: الرباط بالأسكندرية.
قال عبد الله بن عبد الحكم: بينا أنا أفكر في وحشة القبر، إلى أن قيل لي: أما في ابن القاسم أسوة؟
قال عبد الله بن عبد الحكم: كنت أرى في النوم كأني أموت، فأجزع من الموت، فيشتد شدة شديدة، ويقال لي: أما ترضى أن تكون مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا، ومع عبد الرحمان بن القاسم؟.
стр. 714
أبو عمرو أشهب
هو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي العامري (٣٥٢)، الجعدي، من ولد جعدة بن كلاب بن ربيعة بن عامر، اسمه مسكين، وأشهب لقب، وكنيته أبو عمرو.
روى عن مالك، والليث، والفضيل بن عياض، وسليمان بن بلال، وابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، وبكر بن مضر، والدراوردي، والمنذر بن عبد الله الخزامى.
وروى عنه الحارث بن مسكين، ويونس الصدفي، وبنو عبد الحكم، وأبو الطاهر، وسعيد بن حسان، وسحنون بن سعيد فيمن لا ينعد كثرة وجماعة.
قال الشيرازي: تفقه بمالك والمدنيين والمصريين.
قال أبو عمرو المقرئ: وقرأ على نافع.
قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه، وكانت لمنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر بعد وفاة ابن القاسم.
قال سحنون: قال لي ابن القاسم: ان كنت مبتغيًا هذا العلم بعدى فابتغه عند أشهب.
***
стр. 715
وقال أسد: أتيت ابن القاسم فقال لي: أنا مشغول بنفسي، وجعلت الآخرة أمامى، ولكن عليك بابن وهب، فأتيته فقال: إنما أنا صاحب آثار، ولكن ايت أشهب.
***
قال أبو عمرو الحافظ: كان أشهب فقيهًا، نبيلا، حسن النظر، من المالكيين المحققين، وكان كاتب خراج مصر، وكان ثقة فيما روى عن مالك، وصنف كتابا في الفقه، رواه عنه سعيد بن حسان وغيره.
قال أبو عمر الكندى، في كتاب قضاة مصر: كان أشهب على مسائل القاضي العمرى بمصر.
قال محمد بن عبد الحكم: أشهب أفقه من ابن القاسم مائة مرة.
قال ابن لبابة: ليس هذا عندنا كما قال، وإنما قاله لأن أشهب شيخه و معلمه.
قال أبو عمر: كلاهما معلمه وشيخه، وهو أعلم بهما.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: لم يسمع محمد بن عبد الحكم من ابن القاسم، وستأتى الحجة على هذا، ولا أدري من أين أتى على أبي عمر في هذا، مع تقدمه في هذا الباب.
***
وسئل سحنون عنهما أيهما أفقه؟ فقال: كانا كفرسي رهان، ربما وفق هذا وخذل هذا، وربما خذل هذا ووفق هذا.
وقال سحنون: حدثني المتحرى في سماعه من أشهب؛
وقال: رحم الله أشهب، ما كان أصدقه وأخوفه الله تعالى! ما كان يزيد حرفا واحدًا.
***
стр. 716
وقال له ابن عبد الحكم يوما: لو أمسكت قليلا؛
قال قد علمت الذي تقول، ولو فعلت ذلك لكنت أجل في عيون الناس، ولقطعت بعض كلامهم، ولكن والله لا أعمل شيئا أبدًا لا أريد به الله.
***
وكان سحنون يعطى لأشهب الورع في سماعه، ولم يسمع منه، وإنما سمعه من ابن نافع.
قال ابن وضاح: سماع أشهب أقرب وأشبه من سماع ابن القاسم، وعدد كتب سماعه عشرون كتابا.
قال ابن وضاح: ولما سمعناه أنا وابن وابن حمير (٣٥٣) من محمد بن عبد الحكم، قال لنا ابن السكرى، وكان يجالس محمد بن عبد الحكم ويسمع قراءتنا: أحب أن تعيداه لي؛
فقلنا له: وقد سمعته؛
فقال: لم أنو سماعه، وقد قال ﵊: إنما الأعمال بالنيات، وسمعته جيد المسائل حسنًا جدًّا، ولو أردت أن أخرج على كل مسألة منه حديثا لفعلت.
***
قال سحنون: ما كان أحد يناظر أشهب إلا اضطره بالحجة، حتى يرجع إلى قوله، ولقد كان يأتينا في حلقة ابن القاسم فيتكلم بأصول العلم ويفسر ويحتج، وابن القاسم ساكت ما يرد عليه حرفا، وكان أشهب يحدثنا، وكان إذا رزق الله من هذا، كلمه إنسان في مسألة فيرفع عينيه إليه تعذرت
стр. 717
المسألة، وكان يلبس قلنسوة سوداء، وكان أمرهم بمعروف وأنهاهم عن منكر. قال: ثم سمعه من محمد بن عبد الحكم، واعتقده؛
***
قال ابن عبد البر: لم يدرك الشافعي بمصر من أصحاب مالك إلا أشهب وابن عبد الحكم، وكان الشافعي وأشهب يتصاحبان بمصر، ويتذاكران الفقه، وكان ما بينهما متقاربا.
وذكره أبو عمر مع عبد الله بن عبد الحكم فيمن أخذ عن الشافعي من كبار أصحاب مالك، وإنما كان يريد الشافعي وأشهب متناظرين.
وألف أشهب كتابه المدونة، رواها عنه سعيد بن حسان وغيره، وهو كتاب جليل كبير كثير العلم.
***
قال ابن حارث: لما كملت الأسدية (٣٥٤)، أخذها أشهب وأقامها لنفسه، واحتج لبعضها، فجاء كتابا شريفا. فبلغني أنه لما بلغ ابن القاسم ذلك قال: أمة وكعاء تفعل مثل هذا! يعنى أنه وجد كتابًا تامًّا فبنى عليه.
فأرسل إليه أشهب: أنت إنما غرفت من عين واحدة، وأنا من عيون كثيرة، فأجابه ابن القاسم: عيونك كدرة وعينى أنا صافية.
وله كتاب الاختلاف في القسامة، وله كتاب في فضائل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
стр. 718
ذكر شيء من فضائله وجوده وأخباره
قال سحنون: كتب أشهب إلى رجل كان يقع فيه: أما بعد فإنه لم يمنعنى أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم أني أرتع في حسناتك كما ترعى الشاة الخضر، والسلام.
وجلس أشهب يوما بمكة إلى ابن القاسم، فسأله رجل عن مسألة، فتكلم فيها عبد الرحمان، فمعر له أشهب وجهه، وقال: ليس هو كذلك، ثم أخذ يفسرها ويحتج فيها؛
فقال له ابن القاسم: الشيخ يقوله عافاك الله؛ يعنى مالكا.
فقال أشهب: لو قاله ستين مرة!
فلم يراده ابن القاسم.
***
قال أشهب: أتيت الفضيل أستشيره في إتيان الوالى وكيف آتيه، فليس أحد يأتيه أقوم بأمره ونهيه منى، متى جئته، وربما قبل فانتفع بذلك المسلمون؛
فقال لي: أنت رجل تسألني عن خاصة نفسك، لأنك لا تأتيهم ولا تودهم، ولا تود من بودهم.
قال ابن وضاح: كان أشهب يقول: إنما الورع في المشتبهات، وأما الكبائر فكل أحد يتقيها.
***
قال أشهب: أمرنى أبى أن أتخذ سقاية بموضع سماه، فبنيتها مرات ويهدمها على جيران حسدوني فيها، فأدركنى يوما غم لذلك، فقعدت عندها باكيًا مفكرًا، فسمعت صوتًا من الصحراء يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى
стр. 719
الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٣٥٥) فحركت دابتي نحو الصوت فلم أر أحدا، فعدت إلى موضعى فسمعت الصوت، فقمت فلم أر أحدًا. فعدت إلى القعود فعاد الصوت ثالثة، فعلمت أنى المراد، فحمدت الله، وقامت لي في طلب العلم، وبنيتها ووكلت من يحرسها بأجرة، فلم يعد أحد إلى خرابها.
وقد حكيت مثل هذه الحكاية لليث بن سعد حين بنى داره والله أعلم.
وقال: ما مرت بي إلا أعوام يسيرة حتى احتاج أولائك وغيرهم من أهل بلدى إلى؛
***
قال ابن أبي مريم: شيعنا أشهب إلى الرباط ما يملك نصف درهم، فما مات حتى كان ينفق كل يوم على مائدته عشرة مثاقيل، وكان قد فتح عليه في الدنيا.
وقال سحنون: كانت بمصر مجاعة، فحضرته يتصدق بالدنانير من غدوة إلى الليل، وتصدق بما كان معه من طعام.
وذكر عنه سحنون أنه رآه تصدق في يوم واحد بألف دينار.
***
وذكر ابن الجزار في كتاب التعريف أن ابن القاسم ترك كلام أشهب، لأنه تقبل أرض مصر، فسأل رجل ابن القاسم عن قبالة أرض مصر، فقال: لا تجوز؛
فقال له: فأشهب يتقبلها.
فقال له ابن القاسم: افعل أنت ما يفعل أشهب وتقبل الجامع.
***
стр. 720
وذكر أن رجلا سأل أشهب عن الحرث في أرض مصر؛
فقال: لا يجوز.
فقال له: أنت تحرث فيها.
فقال له: فأحمل لنفسي ولك أيضا؟
وسأل عنها ابن وهب فنهاه، فقال له: فأشهب يفعله.
فقال: أعطنا آخر كأشهب، يكفل أيتامنا، ويرق لضعفائنا، ونبيح لك أن تحرث في مسجدنا.
قال سحنون: كان يتصدق بأضعاف كرائها.
***
قال سحنون: حضرنا أشهب يوم عرفة بجامع مصر، وكان من حالهم إقامتهم بمسجدهم إلى غروب الشمس، يعنى للذكر والدعاء كما يفعل أهل عرفة بها، وكان يصلى جالسا، يعنى النافلة، وفي جانبه صرة يعطى منها السوال، فنظرت فإذا بيد السائل دينار مما أعطاه، فذكرته له، فقال لي: وما كنا نعطى من أول النهار؟.
***
وذكر يونس قال: زعم أشهب أنه سمع سليمان السائح في بعض مساجد الصحراء يقول: يا رب، عبدك سليمان جائع لم يأكل منذ ثلاث، فلما فرغ سمعته يمضغ، فكرهت أن أدخل عليه فأحشمه، وكان للمسجد بابان، فخرج من القبلى، ودخلنا من آخر، فإذا بنوى تمر، وتمرة منتبذة، فأكلتها، فأقمت معصومًا عشرة أيام، لا آكل ولا أشرب.
***
قال سحنون: اجتاز أشهب بابن القاسم يوما، وعلى أشهب ثياب
стр. 721
تتقعقع، وتحته بغلة هملاج (٣٥٦)، فقال ابن القاسم: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (٣٥٧) ثم سكت ساعة وقال: يا رب نصبر، ونصبر.
وقد تسبت هذه الحكاية وهذا الكلام للمزني، وقد مر به بنو عبد الحكم في موكبهم بمصر أيضا، والله أعلم.
***
وذكر أن رجلا من أهل العراق لقى أشهب فقال له العراقي: أنتم تحلون إتيان النساء في أدبارهن.
فقال له أشهب: أنتم تحرمونه، تعال أحلف بالله ما فعلته واحلف لي أنت بمثله، فلم يفعل العراقي.
وذكر أن أشهب بينا هو في أصحابه إذ سمع إنسانا ينذر بلص، فقام وأخذ سلاحه وخرج يتبعه، فقيل له في ذلك: إن مثلك لا يليق به هذا؛
فقال: ما كنت لأتخلق بغير ما جبلنى الله عليه.
مولده ووفاته
قال ابن عبد البر وأبو عمرو المقرئ: ولد أشهب سنة أربعين ومائة، وحكاه ابن حزم الصدفي عن أبي الطاهر.
وحكى الشيرازى أنه ولد سنة خمسين ومائة، وتوفى بمصر سنة أربع ومائتين في رجب، وقيل لثلاث وعشرين ليلة خلت من شعبان؛
قال الشيرازي: بعد الشافعي بشهر. وقال ابن عبد البر: بثمانية عشر
стр. 722
يوما، وقيل بثلاثة وعشرين يوما، وهذا هو المشهور من تاريخ وفاته.
وقال أبو على البصرى: في كتاب المعرب: وقيل توفى سنة ثلاث ومائتين.
قال محمد بن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك له، فأنشد متمثلا:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل الذي يبغى خلاف الذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
فمات الشافعي، واشترى أشهب من تركته غلاما طباخًا، فمات بعده بثمانية عشر يوما، واشتريت أنا الغلام من تركة أشهب، ونهيت عن شرائه، وقيل لي دعه فقد دفن العالمين في بضعة عشر يوما، فاشتريته وتركت التطير.
وحكى الربيع بن سليمان قال: سمعنا أشهب يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك، فبلغ ذلك الشافعي، فأنشأ يقول البيتين؛
***
قال محمد بن حفص المعافري في مرض أشهب، رأيت في المنام أن قائلا يقول لي: يا محمد، فأحبته فقال:
ذهب الذين يقال عند فراقهم … ليت البلاد بأهلها تتصدع
فقلت لامرأتى: ما أخوفنى أن يموت أشهب، فخرجت فإذا هو قدمات.
وقال آخر: نمت في القائلة، فرأيت هاتفا يقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملها من كان يقلقه الوعد
стр. 723
فخرجت إلى المسجد، فنعى إلى أشهب رحمه الله تعالى:
قال يونس: دخلت على أشهب في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: يا يونس؛
قلت: لبيك؛
قال: انظر ما ها هنا - وأشار إلى كتبه -: ماذا جمعت من الحجج على هذا البدن الضعيف، ما أستريح إلا أن آخذ المصحف فأضعه على صدرى؛
قال: وكانت كتبه في زنبيل كبير مجلد.
стр. 724
سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم
أبو عثمان الأنصارى المصرى (٣٥٨)، سمع من مالك الموطأ وغير شيء، وصحبه، وغلب عليه علم الحديث وعلم الخبر، وكان علامة بأخبار الناس، وله تاريخ، وسمع الليث بن سعد، وابن لهيعة، ويعقوب بن إبراهيم، وابن وهب، وكان أحد مشايخ مصر في وقته.
قال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: هو صدوق وليس بالثبت، كان يقرأ في كتب الناس.
روى عنه البخارى، ومسلم، ومحمد بن إسحاق، والصاغاني، وخرج عنه البخاري ومسلم؛
ولما ورد المأمون مصر، وحضر عنده العلماء، كان فيهم سعيد بن عفير، فقال له المأمون: هذه مصر التي قال الله فيها ما قال؟ وأقبل يحقرها؛
فقال له ابن عفير: يا أمير المؤمنين: هذه مصر وقد دمرها الله، فما ظنك بها قبل التدمير؟ قال الله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣٥٩).
فقال المأمون: من المتكلم؟
فقيل له: سعيد بن عفير صاحب مالك.
стр. 725
فقال: يا سعيد! ما تقول فيمن قال: على المشيء إلى مكة؟
قال: عليه المشي،
فقال له المأمون: لقد تيس مالك في هذه المسألة.
فقال سعيد: أنيس من التيس من سمع من التيس، يريد أن أباه الرشيد لما حلف بذلك، أفتاه مالك بالمشى فمشى.
فوجم لها المأمون، فهم كذلك إذ تشكي بعاملين، فقال: يا سعيد! ما تقول فيهما؟
قال: غشومين ظلومين؛
قال: هل غصباك شيئا أو ظلماك؟
قال: لا.
قال: فكيف تشهد عليهما؟
قال: كما شهدت أنك أمير المؤمنين قبل أن أراك.
قال ابن عفير: سمعت في المنام قائلا يقول: أن الله لا يعبأ بصاحب رواية ولا حكاية، وإنما يعبأ بصاحب قلب ودراية.
***
مولده سنة سبع وأربعين ومائة، ومات سنة ست وعشرين ومائتين، وبقى العلم في بيته زمانا طويلا.
وكان لابن عقير ابنان؛
عبد الله؛
وأبو الحارث أسد،
стр. 726
روى أبو الحارث عن أبيه، وابن وهب، والشافعي، وتوفي في صفر سنة ستين ومائتين؟
وإبراهيم بن عبيد الله، ابن ابنه، أبو إسحاق، يعرف بالصيرفي، حدث أيضا، توفى سنة خمس وتسعين ومائتين؛
والحسين بن يزيد بن أسد بن سعيد، أبو عبد الله، ويقال أبو على، توفى في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
أبو عمرو إدريس بن يحيى مولى بني أمية
يعرف بالخولاني، من أصحاب مالك، توفي في أول سنة إحدى عشر ومائتين، وغلبت عليه العبادة.
стр. 727
المفضل بن فضالة
هو المفضل بن فضالة بن عبيد، أبو معاوية، الحميدى القتباني (٣٦٠)، وقتبان بقاف مكسورة، وتاء باثنتين من فوق، وباء بواحدة من أسفل، قبيلة من رعين، إليها ينسب المفضل؛
يروى عن ابن عجلان، ويونس بن يزيد، وعقيل بن خالد.
قال أبو عبد الله الجيزى في كتابه في قضاة مصر: كان المفضل أحد أهل الفضل وخيار الناس؛
قال ابن شاهين: هو رجل صدوق، روى عنه ابنه فضالة، وقتيبة بن سعيد، وحسان الواسطى، وابن بكير، وحجاج، ويونس بن محمد، وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وقال أبو حاتم: هو صدوق. وقال يحيى بن معين: ليس بذاك.
قال أبو زرعة: يكتب حديثه.
وله أخ اسمه عبد الله بن فضالة. قال ابن يونس: لا أعلم له رواية.
قال محمد بن سعد: ولى القضاء وكان محمودًا منكر الحديث.
стр. 728
سيرته وأخباره
ولى المفضل قضاء مصر مرتين؛ إحداهما في سنة ثمان وستين ومائة، وصرف سنة تسع، ثم رجع عند عزل أبي الطاهر الخرمى (٣٦١)، وكان عزله سنة أربع وسبعين، وبقى المفضل قاضيًا إلى صدر سنة تسع وسبعين.
قال الجيزي: وهو أول القضاة بمصر طول الليث، وكان إذا أشكل عليه القضاء في شيء كتب به إلى مالك حتى يأتيه جوابه فيعمل به.
قال غيره: كان يفتى بقول مالك.
قال ابن شاهين: وكان إذا جاءه رجل قد انكسرت يده أو رجله جبرها، وكان يصنع الأرحية.
وذكر أبو الحسن بن ضمضم قال: بلغني أن المفضل بن فضالة بلغه هذا الدعاء، فقال: يا ذا الجلال والإكرام، بحرمة نور وجهك الكريم، أسألك صحة في بصرى، وطول عمر في حسن عمل، ورزقا واسعا، لامنة لأحد على فيه، فأعطى الثلاث.
وذكر الجيزى عنه: قال: كتبت إلى مالك في حبس ابن أبي مدرك، ونسخته له حرفًا بحرف، وأعلمته أن الذين طلبوه وأجازوه ولد البنين، واحتجوا بأن خير بن نعيم القاضي كتب لهم إجازة للآخر فالآخر منهم، وأن القضاة أجازته، ولم يقضوا فيه لنساء البنين ولا غيرهم بميراث *، واحتج غيرهم بأن المحبس لم يذكر في حبسه كونه للآخر، ولم يصرفه بعد انقراض البنين إلى شيء من وجوه الأحباس في سبيل الله؛
стр. 729
فكتب إلى: نظرت في حبس ابن أبي مدرك، وفيما احتج به من أراد رده ميراثا، فوجدت في كتاب ابن أبي مدرك الذي جاء به بنوه وأقروا به وأنفذوه، أن كل دار هي حبس على بنيه، وثلث فضل خراجها بعد مسكن بنيه في سبيل الله، وذكر في الطاحونة مثل ذلك.
وذكر ابن الجراح صاحب كتاب الورقة أن إسحاق بن معاد الشاعر كان يخاصم عند المفضل بمصر، فأتاه يوما وكان قد هجاه ببيتين وهما:
خف الله واسمع واتئد أي مفضل … فانك عن فصل القضاء ستسأل
وقد قال أقوام عجبت لقولهم .. ز أقاض له شعر طويل مرجل؟؟
وكان كتبها وجعلها في كمه مع ظلامته، وحضر عنده، فأدخل يده ليخرج للقاضى رقعة الظلامة، فأخرج له رقعة الهجاء، فلما قرأها ردها إليه وقال: اللهم غفرا، ليست هذه إلينا، يرحمك الله؛
توفى المفضل سنة إحدى وثمانين ومائة.
стр. 730
فتيان بن أبى السمح
وضبطه بقاء مكسورة بعدها تاء باثنتين من فوق ساكنة، وياء باثنتين من أسفل مفتوحة، وألف ونون، مولى تجيب، تقدم نسبه.
قال أبو الحسن الدارقطني وغيره: هو أبو الخيار، مصرى، يروى عن مالك، وكان من كبراء أصحابه المتعصبين لمذهبه؛
وقال ابن حارث في كنيته: أبو السمح؛
قال أبو عمرو الكندى في كتاب أعيان موالى مصر: ومنهم أبو الخيار فتيان بن أبى السمح، واسمه عبد الله بن السمح بن أسامة بن زنبر، مولى بني عامر بن عدى من تجيب، وكان فقيهًا من أصحاب مالك؛
وكنى ابن وضاح أباه أبا السمحاء، وقد تقدم ذكر أبيه في الطبقة الأولى، وكان أيضا من أصحاب مالك.
قال ابن وهب: كان يشترى لمالك حوائجه، وكان له منه عشر مسائل، فيجيبه، فقدم على مالك مرة، فسأله عن مسائله فأجابه، ثم زاد فأجابه. ثم قال مالك: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٣٦٢) الآية.
وقال غيره: كان فتيان يخدم ابن القاسم.
قال أبو عمرو: كان فيما حكى أنه شغب في المناظرة، وكانت بينه
стр. 731
وبين الشافعي مناظرة في بيع الحر في الدين، فكان الشافعي يقول: يباع؛ وفتيان يقول: لا يباع، فقال له فتيان: إن ثبت على هذا فعل بك كيت وكيت.
وذكر عن محمد بن عبد الحكم أن فتيان كلم الشافعي في مناظرة، وكانت فيه عجلة، فخاطب الشافعي بخطاب أغلظ فيه، ثم افترقا، وبعث السرى بن الحكم أمير مصر إلى الشافعي يستخبره عما بلغه من الأمر، فيقال أن الشافعي، أخبره، فضرب السرى فتيانا بالسوط. قال محمد: فرأيته والمنادى ينادى عليه هذا جزاء من سب رسول الله ﷺ ، وفتيان يقول: عائذًا بالله من ذلك.
وقال أبو يزيد: حضرتهما جميعا فتناظرا فيما لا يعجبني إعادته، ثم جرى بينهما الكلام إلى ذكر الأئمة، فقال فتيان: حدثني مالك أن الإمام لا يكون إماما أبدًا إلا على شرط أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، فإنه قال: وليتكم ولست بخيركم، ألا وإن أقواكم عندى الضعيف حتى أخذ له بحقه، ألا وإن أضعفكم عندى القوى، حتى آخذ منه الحق، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني؛ فاحتج الشافعي بأشياء لا أذكرها أبدًا، فبلغ ذلك السرى، فضرب فتيانا، ووثب أهل المسجد بالشافعي، فدخل منزله فلم يخرج منه إلى أن مات.
قال: وقال السرى: لو شهد عندى فيه آخر بمثل ما شهد به عليه الشافعي لضربت عنقه.
قال الطحاوى: وكان أبو زيد فيمن حضر مناظرتهما، وكانت بينه وبين فتيان منازعة في صدقة البقر، فكان فتيان يقول: هي كصدقة الإبل
стр. 732
ويحتج في ذلك بأشياء، حتى تواثبا، فكان أبو زيد ممن دخل إلى السرى مع الشافعي، فيقال: أنه شهد عليه.
وسمع فتيان يقول: الله بيني وبين الشافعي، أولا أحلل الشافعي.
قال الدارقطني: اتهم الشافعي في أمر فتيان، فسئل عن ذلك، فقال: والله ما ذكرته قط للسلطان، ولقد سمعت منه ما لو شهدت به عليه الحل دمه.
قال غيره: ولعصبيته لمالك وافراطه فيها، نشأت العداوة بين المالكيين وبين الشافعيين بمصر، فثاروا بالشافعي وأرادوا نفيه، فضرب له الأمير أجلاء، فمات فيه.
وقال ابن حارث: ولد سنة خمس وعشرين ومائة، ومات سنة اثنين وثلاثين ومائتين.
стр. 733
إسحاق بن الفرات بن الجعد بن سليم أبو نعيم
مولى معاوية بن خديج الكندى قاضى مصر (٣٦٣).
قال ابن وزير: كان من أكابر أصحاب مالك، ولقى أبا يوسف وأخذ عنه.
قال الكندى: كان فقيهًا.
قال الشافعي: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف الناس من إسحاق بن الفرات.
وقال إبراهيم بن علية: ما رأيت ببلدكم أحدًا يحسن العلم إلا إسحاق بن الفرات:
ولى القضاء بمصر سنة أربع وثمانين ومائة، فكان شديدًا رفيقا.
قال الشافعي: أشرت على بعض الولاة أن يولى إسحاق بن الفرات القضاء، وقلت له: انه يتخير، وهو عالم باختلاف من مضى.
قال أحمد بن سعيد الهمداني: قرأ علينا إسحاق بن الفرات موطأ مالك من حفظه، فما أسقط منه حرفا فيما أعلم؛
وصرف عنها صدر سنة خمس وثمانين، وهو أول من ولى مصر من الموالى، ذكر ذلك كله أبو عمر الكندى.
стр. 734
قال الكندى: وقال ابن أبي حازم: إسحاق بن الفرات قاضي مصر، يروى عن يحيى بن أيوب، ومعاذ بن محمد الأنصاري.
روى عنه محمد بن عبد الحكم، ويحيى بن نصر، وعيسى بن أحمد العسقلاني.
قال أبو حاتم: ليس بمشهور، قال العقيلي: لا بأس به، وقال الكوفى: هو ثقة. وتوفى سنة خمس، ويقال أربع ومائتين، وولد سنة خمس وثلاثين ومائة.
стр. 735
سليمان بن برد بن نجيح التجيبي
مولاهم، أبو الربيع، روى عن مالك الموطأ والفقه وغير ذلك.
قال ابن حبيب: كان سليمان بن برد من فقهاء مصر، وعده في طبقاته؛
قال محمد بن عبد الحكم: الموطأ الذي سمع ابن برد أصح موطأ.
وذكره أبو عمر الكندى في كتاب القضاة وكتاب الموالى فقال: كان مقبولا عند قضاة مصر، ولم ير في عصر ابن برد أعلم منه بالقضاء وآلته، وكان القائم بأمر عيسى بن المنكدر أيام قضائه بمصر، فلم يضطرب أمر ابن المنكدر حتى مات ابن برد، وولى عبد الله بن عبد الحكم مسائل ابن المنكدر.
قال مقدام بن داود: ما رأيت أحدًا أعلم بالقضاء ورتبته من سليمان.
وتوفى سنة عشر ومائتين، وقيل ثنتى عشرة ومائتين، وأورث العلم عقبه بمصر، فلم يزل منهم مقدم للمالكية في كل طبقة على ما يأتى ذكره.
وذكر ابن أبي دليم وغيره في رواة مالك، سليمان بن برد في الأسكندرانيين، وذكر أبا الربيع سليمان بن سعيد بن سليمان بن برد في المصريين، ولم يذكره غيره، وهو وهم والله تعالى أعلم.
стр. 736
يوسف بن عمرو بن يزيد بن يوسف بن خرخسن الفارسي
كذا قيده أبو نصر الحافظ، بخاءين معجمتين مضمومتين، بينهما راء ساكنة، وبعدها سين مهملة ونون ساكنتين، وقال ابن أبي دليم (خرخسرو) وجعل مكان النون داءًا مضمومة بعدها واو، كذلك قال الكندى، وكنيته أبو يزيد، سمع من مالك، وسمع من ابن وهب وغيره من أصحابه، وكان من فضلاء أصحاب مالك، ذا زهد وفضل.
قال غيره: وسنه قريب من سن هؤلاء، وفى طبقتهم ذكره ابن حبيب.
روى عنه محمد بن عبد الحكم.
قال سعيد الآدم: هو ثقة صالح.
قال الكندى: كان فقيهًا مفتيًا، أحد أوصياء الشافعي، وكان مصابًا بعينه، وكانت لحيته قد ملأت صدره.
قال الحرث بن مسكين: كان يوسف لا يقبل جوائز السلطان،
وكان عليه دين، ولقد مات فما بلغ ما ترك وفاء دينه.
قال يوسف: صحبنا مالكا ونحن شباب نتعاطى النحو، فما أنكرنا لسانه.
قال الحرث: كان أشهب، أو يوسف بن عمرو، وأكثر ظني أنه يوسف، شك الراوى عنه، قد جعل على نفسه ان أتى أحدًا من الولاة صدقة خمسين دينارًا، وكان يأتيهم، ثم ترك ذلك؛
стр. 737
وسئل محمد بن عبد الحكم عن القراءة بالألحان فقال: مالك يكرهه، ولقد كان أبى ويوسف بن عمرو، وغيرهما، في بيت الشافعي، فقال له بعضهم (اقرأ الراهب) أو نحو هذا (٣٦٤)، فاستبشع أبي تلك الكلمة، وقال يوسف: تعال فاقرأ (يوم يجمع الله الرسل) حكاية الرهبان.
قال محمد: أحضر لهيعة القاضي أصحابنا للمشاورة، فيهم أبي ويوسف بن عمرو،، فقال يوسف: لا تحضرنا إن كان فلان يحضر مجلسك، فليس هو ممن يرضى.
قال أبو الربيع الرشديني: كان يوسف بن عمرو يقول ليحيى بن بكير: اذهب بنا إلى رشدين بن سعد، لعل قلوبنا ترق، فيأتونه، وبيته بيت رجل صالح.
قال أبو الربيع: وسمعت يوسف بن عمرو يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما تصلح الدنيا لشيء مما خلق الله، إلا للزهد فيها.
قال محمد بن عبد الحكم: كان أبى، والشافعي، وابن بكير، وجماعة من أصحابنا، في منزل يوسف بن عمرو، في صنع عرس لهم، وكان ثم لهو ودف، فما أنكره واحد منهم.
قال يونس: مرض يوسف مرضًا شديدًا، ثم نقه، فاشتهى رطبًا، فأتاه به بعض أهله من السوق، فأكله وغلبته عليه شهوته، وكان قبل لا يأكل شيئا حتى يبحث عن أصله، فلما فرغ من أكله نام فاستيقظ فزعًا، وسأل الذي اشتراه له من أين هو؟.
стр. 738
فقال: لا أدرى، إلا أني اشتريته من السوق.
فوجهه ليبحث عنه، فقيل له: هو من رطب حلوان.
فقال يوسف: رأيت في منامى كأني آت خنافس، وكان، والله أعلم، في أرض حلوان (٣٦٥) شيء.
وتوفى في صفر سنة خمس ومائتين.
مولده سنة خمس ومائة (٣٦٦)، وسيأتي ذكر ابنيه (٣٦٧) بعد هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 739
سعيد بن هشام بن صالح المخزومي
بصرى نزل الفيوم، قال الحرث بن مسكين: كان من أصحاب مالك، وكان قد تقدم.
قال ابن شعبان: أسند عن مالك حديث "لا تسبوا الدهر" روى عنه الحرث بن مسكين.
وقال الحرث: قدم مصر قاض عمرى، كأنه شعلة نار، وكان يجلس للناس من صلاة الغداة إلى الليل، وكان حسن الطريقة مستقيم الأمر وكان ابن وهب وأشهب وجميع أهل العلم يحضرون مجلسه، فقال: أعينوني، ودلوني على قوم من أهل البلد أستعين يهم ممن يرضى؛
قال سعيد: فكتب إلي يسألني أن أخلفه بالفيوم وأعينه، وكتب إلى أصحابي يسألوننى ذلك، ويخبرونني بصحة ناحيته (٣٦٨)، واستقامة أمره، فأشكل على الأمر، ولم أدر ما أصنع، فسمعت قائلا لا أراه يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ﴾ (٣٦٩)، الآية.
فقلت لقد بين لي ووعظت، فعزمت على أن لا أدخل في شيء، وكتبت إلى أصحابنا أن كفيتموني وإلا انتقلت، فكتب إلى بعضهم يعتذر.
стр. 740
سعيد بن الجهم بن نافع
مولى الحرث بن داحر (٣٧٠) الأصبحي، ثم السحولي (٣٧١)، أبو عثمان الجيزى، مسكنه الجيزة، ذكره أبو عمر الكندي، قال: وكان فقيهًا من أصحاب مالك، وهو أحد أوصياء الشافعي، وقبل شهادته قضاة مصر.
قال الأمير: هو مقبول القول، لا نعلمه أسند إلا حديثا واحدًا.
ويروى عن ابن عفير، والربيع بن سليمان.
روى عنه أبو الربيع الرشديني والحرث بن مسكين.
قال الكندى: لما شهد سعيد بن الجهم عند العمري، تصدق العمرى وأعتق فرحًا بشهادته.
وذكره أبو الربيع الرشديني في كتاب عباد مصر: فقال كان يرجى بعد يوسف بن عمرو، وكان من أصحاب مالك، وقد رأيته وجالسته.
قال سعيد بن الجهم: جمع أبو شريح، عبد الله بن شريح، وعمرو بن الحرث الصلاة في المسجد، يعنى بمصر، فقال أبو شريح لعمرو بن الحرث: ما تقول في رجل ورث مالا حلالا فأراد أن يخرج من جميعه إلى الله زهدًا في الدنيا، ورغبة فيما عنده؟
قال: لا يفعل.
فقال أبو شريح: سبحان الله! لا يفعل؟ لا يزهد في الدنيا؟