يوسف بن عمرو بن يزيد بن يوسف بن خرخسن الفارسي
كذا قيده أبو نصر الحافظ، بخاءين معجمتين مضمومتين، بينهما راء ساكنة، وبعدها سين مهملة ونون ساكنتين، وقال ابن أبي دليم (خرخسرو) وجعل مكان النون داءًا مضمومة بعدها واو، كذلك قال الكندى، وكنيته أبو يزيد، سمع من مالك، وسمع من ابن وهب وغيره من أصحابه، وكان من فضلاء أصحاب مالك، ذا زهد وفضل.
قال غيره: وسنه قريب من سن هؤلاء، وفى طبقتهم ذكره ابن حبيب.
روى عنه محمد بن عبد الحكم.
قال سعيد الآدم: هو ثقة صالح.
قال الكندى: كان فقيهًا مفتيًا، أحد أوصياء الشافعي، وكان مصابًا بعينه، وكانت لحيته قد ملأت صدره.
قال الحرث بن مسكين: كان يوسف لا يقبل جوائز السلطان،
وكان عليه دين، ولقد مات فما بلغ ما ترك وفاء دينه.
قال يوسف: صحبنا مالكا ونحن شباب نتعاطى النحو، فما أنكرنا لسانه.
قال الحرث: كان أشهب، أو يوسف بن عمرو، وأكثر ظني أنه يوسف، شك الراوى عنه، قد جعل على نفسه ان أتى أحدًا من الولاة صدقة خمسين دينارًا، وكان يأتيهم، ثم ترك ذلك؛
стр. 737
وسئل محمد بن عبد الحكم عن القراءة بالألحان فقال: مالك يكرهه، ولقد كان أبى ويوسف بن عمرو، وغيرهما، في بيت الشافعي، فقال له بعضهم (اقرأ الراهب) أو نحو هذا (٣٦٤)، فاستبشع أبي تلك الكلمة، وقال يوسف: تعال فاقرأ (يوم يجمع الله الرسل) حكاية الرهبان.
قال محمد: أحضر لهيعة القاضي أصحابنا للمشاورة، فيهم أبي ويوسف بن عمرو،، فقال يوسف: لا تحضرنا إن كان فلان يحضر مجلسك، فليس هو ممن يرضى.
قال أبو الربيع الرشديني: كان يوسف بن عمرو يقول ليحيى بن بكير: اذهب بنا إلى رشدين بن سعد، لعل قلوبنا ترق، فيأتونه، وبيته بيت رجل صالح.
قال أبو الربيع: وسمعت يوسف بن عمرو يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما تصلح الدنيا لشيء مما خلق الله، إلا للزهد فيها.
قال محمد بن عبد الحكم: كان أبى، والشافعي، وابن بكير، وجماعة من أصحابنا، في منزل يوسف بن عمرو، في صنع عرس لهم، وكان ثم لهو ودف، فما أنكره واحد منهم.
قال يونس: مرض يوسف مرضًا شديدًا، ثم نقه، فاشتهى رطبًا، فأتاه به بعض أهله من السوق، فأكله وغلبته عليه شهوته، وكان قبل لا يأكل شيئا حتى يبحث عن أصله، فلما فرغ من أكله نام فاستيقظ فزعًا، وسأل الذي اشتراه له من أين هو؟.
стр. 738
فقال: لا أدرى، إلا أني اشتريته من السوق.
فوجهه ليبحث عنه، فقيل له: هو من رطب حلوان.
فقال يوسف: رأيت في منامى كأني آت خنافس، وكان، والله أعلم، في أرض حلوان (٣٦٥) شيء.
وتوفى في صفر سنة خمس ومائتين.
مولده سنة خمس ومائة (٣٦٦)، وسيأتي ذكر ابنيه (٣٦٧) بعد هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 739
سعيد بن هشام بن صالح المخزومي
بصرى نزل الفيوم، قال الحرث بن مسكين: كان من أصحاب مالك، وكان قد تقدم.
قال ابن شعبان: أسند عن مالك حديث "لا تسبوا الدهر" روى عنه الحرث بن مسكين.
وقال الحرث: قدم مصر قاض عمرى، كأنه شعلة نار، وكان يجلس للناس من صلاة الغداة إلى الليل، وكان حسن الطريقة مستقيم الأمر وكان ابن وهب وأشهب وجميع أهل العلم يحضرون مجلسه، فقال: أعينوني، ودلوني على قوم من أهل البلد أستعين يهم ممن يرضى؛
قال سعيد: فكتب إلي يسألني أن أخلفه بالفيوم وأعينه، وكتب إلى أصحابي يسألوننى ذلك، ويخبرونني بصحة ناحيته (٣٦٨)، واستقامة أمره، فأشكل على الأمر، ولم أدر ما أصنع، فسمعت قائلا لا أراه يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ﴾ (٣٦٩)، الآية.
فقلت لقد بين لي ووعظت، فعزمت على أن لا أدخل في شيء، وكتبت إلى أصحابنا أن كفيتموني وإلا انتقلت، فكتب إلى بعضهم يعتذر.
стр. 740
سعيد بن الجهم بن نافع
مولى الحرث بن داحر (٣٧٠) الأصبحي، ثم السحولي (٣٧١)، أبو عثمان الجيزى، مسكنه الجيزة، ذكره أبو عمر الكندي، قال: وكان فقيهًا من أصحاب مالك، وهو أحد أوصياء الشافعي، وقبل شهادته قضاة مصر.
قال الأمير: هو مقبول القول، لا نعلمه أسند إلا حديثا واحدًا.
ويروى عن ابن عفير، والربيع بن سليمان.
روى عنه أبو الربيع الرشديني والحرث بن مسكين.
قال الكندى: لما شهد سعيد بن الجهم عند العمري، تصدق العمرى وأعتق فرحًا بشهادته.
وذكره أبو الربيع الرشديني في كتاب عباد مصر: فقال كان يرجى بعد يوسف بن عمرو، وكان من أصحاب مالك، وقد رأيته وجالسته.
قال سعيد بن الجهم: جمع أبو شريح، عبد الله بن شريح، وعمرو بن الحرث الصلاة في المسجد، يعنى بمصر، فقال أبو شريح لعمرو بن الحرث: ما تقول في رجل ورث مالا حلالا فأراد أن يخرج من جميعه إلى الله زهدًا في الدنيا، ورغبة فيما عنده؟
قال: لا يفعل.
فقال أبو شريح: سبحان الله! لا يفعل؟ لا يزهد في الدنيا؟
стр. 741
فقال عمرو بن الحرث: ما أدب الله به نبيه أفضل من ذلك، قال تعالى لنبيه ﷺ : (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) (٣٧٢) الآية. ولكن تقدم بعضا وتمسك بعضا؛
فقال له أبو شريح: ما أفقهك يا أبا أمية، ازهد في الدنيا يا أبا أمية؛ فقال عمرو: ادع الله لي يا أبا شريح.
توفى سنة تسع ومائتين.
أبو مسعود القاضي بن محمد بن مسعود الغافقي
ويقال أبو يعقوب، ويقال أبو عبد الملك، ذكروه في الرواة عنه (٣٧٣)، وعدوه من القائلين بقوله من علماء مصر؛
وتوفى سنة اثنين وثمانين ومائة.
стр. 742
أبو الحسن على بن زياد الإسكندراني
من رواة مالك المشهورين وأهل الخير والزهد، يعرف بالمحتسب، ولم يشتهر في الفقهاء من أصحاب مالك، ولكن له رواية عن مالك في الحديث والمسائل، وهو روى عن مالك انكار مسألة وطء النساء في أدبارهن.
قال بعض رواة مالك: حضرت على بن زياد يسأل مالكا فقال: عندنا يا أبا عبد الله بمصر قوم يحدثون عنك أنك تجيز وطه النساء في أدبارهن، فقال مالك: كذبوا على عافاك الله.
وقد ذكرناه في باب على بن زياد التونسى في الطبقة قبل هذه.
وذكرنا أخباره وفضائله هناك.
стр. 743
ومن أهل أفريقية:
أسد بن الفرات بن سنان
مولى بني سليم من قيس، كنيته أبو عبد الله،
قال أبو العرب في طبقاته، وأبو على البصري في معربه: انه من خراسان نيسابور؛
قال بعضهم: ولد بحران من ديار بكر؛
وقيل: بل قدم أبوه، وأمه حامل به.
وقد كان علم القرآن ببعض القرى (٣٧٤)، ثم اختلف إلى على بن زياد بتونس فلزمه وتعلم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق، فسمع من مالك بن أنس موطأه وغيره، ثم ذهب إلى العراق فلقى أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو، وكتب عن يحيى بن أبي زائدة، وهشيم، والمسيب، وأبي شريك، وأبى بكر بن عياش، وغيرهم، وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك.
وذكر يحيى بن إسحاق أنه قال: أخذه عنى محمد بن الحسن.
ولا أدري كيف هذا؟ محمد قد سمع الموطأ من مالك، وسمع عليه حديثا كثيرًا.
стр. 744
قال محمد: أقمت عند مالك ثلاث سنين، وسمعت منه لفظا أكثر من سبعمائة حديث؛
قال أسد: رأت أمى كأن حشيشًا نبت على ظهرى ترعاه البهائم، فعبر لها بأنه علم يحمل عنى.
ذكر أخباره في رحلته
قال أسد: لما خرجت إلى المشرق، وأتيت المدينة فقصدت مالكا، وكان إذا أصبح خرج آذنه فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس، فكنت أدخل معهم، فرأى مالك رغبتى في العلم، فقال لآذنه. أدخل القروى مع المصريين؛
فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له: أن لي صاحبين، وقد استوحشت أن أدخل قبلهما، فأمر بإدخالهما معى؛
وكان ابن القاسم وغيره يجعلوننى أسأل مالكا، فإذا أجابني قالوا لي: قل له: (فإن كان كذا وكذا) فضاق على يوما وقال: هذه سلسلة بنت سليسلة، (إن كان كذا كان كذا!) إن أردت فعليك بالعراق؛
فلما ودعته عند خروجى إلى العراق، دخلت عليه وصاحبان لي، وهما حارث التيمي وغالب صهر أسد، فقلنا له: أوصنا؛
فقال لي: أوصيك بتقوى الله العظيم، والقرآن، ومناصحة هذه الأمة خيرًا، فراسة من مالك فيه، فولى أسد بعد هذا القضاء؛
قال: وقال لصاحبى: أوصيكما بتقوى الله والقرآن؛
стр. 745
قال: وما ودعت ابن القاسم قط إلا وقال لي: أوصيك بتقوى الله، والقرآن، ونشر هذا العلم؛
قال سليمان بن خالد: لما سمع أسد الموطأ من مالك قال له: زدني سماعا؛
قال: حسبك ما للناس؛
وكان مالك إذا تكلم بمسألة كتبها أصحابه، فرأى أسد أمرًا يطول، فرحل إلى العراق.
قال: فلما أتيت الكوفة، أتيت أبا يوسف، فوجدته جالسا ومعه شاب وهو يملى عليه مسألة، فلما فرغ منها قال: ليت شعرى ما يقول فيها مالك؟
قلت: يقول كذا وكذا؛
فنظر إلى، فلما كان في اليوم الثاني، كان مثل ذلك، وفى الثالث مثله، فلما افترق الناس دعانى وقال: من أين أنت؟ ومن أين أقبلت؟
قال: فأخبرته؛
قال: وما تطلب؟
قلت: ما ينفعني الله به؟ فعطف على الشاب الجالس، وقال: ضمه إليك لعل الله ينفعك به في الدنيا والآخرة؛
فخرجت معه إلى داره، فإذا هو محمد بن الحسن، فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه؛
قال أسد: قلت لمحمد بن الحسن: أنا غريب، والسماع منك قليل، قال: اسمع مع العراقيين بالنهار، وجئنى بالليل وحدك، تبيت معى وأسمعك؛
فكان إذا رآني نعست نضح وجهى بالماء؛
стр. 746
ورأنى يوما أشرب ماء السبيل، فقال لي: تشربه؟
فقلت له: أنا ابن سبيل.
فلما كان الليل بعث إلى بثمانين دينارا. وقال: ما عرفت أنك ابن سبيل إلا الآن.
فلما أراد الانصراف إلى أفريقية، لم يكن عنده ما يتحمل به، فذكر ذلك لمحمد بن الحسن، فقال له: أذكر شأنك لولى العهد؛
فلقيه ابن الحسن وذاكره أمره،
ثم قال لأسد: قف بالحاجب يوم كذا يدخلك عليه، واعلم أنك حيث تنزل نفسك أنزلوك.
فمضى أسد واستأذن، فأذن له، فدخل حتى انتهى إلى موضع أمر بالجلوس فيه، ومضى الخادم الذي أدخله فجاء بمائدة مغطاة، فجعلها بين يديه؛
قال أسد: ففكرت وقلت ما أرى هذا إلا منقصة، وقلت للخادم: هذا الذي جئتنى به منك أو من مولاك؟
قال: مولاي أمرني به.
قلت: مولاك يرضى بهذا؟ يأكل ضيفه دونه؟ يا غلام هذا بر منك وجبت مكافأتك عليه؛
وكانت في جيبى أربعون درهما لم يبق معى سواها، فدفعتها إلى الخادم وقلت له، ارفع مائدتك.
ففعل وعرف مولاه، فبلغني أنه قال: حر والذي لا إلاه إلا هو.
ثم قال الخادم: ادخل، فدخلت عليه، وهو على سرير، ومعلمه على آخر، وسرير ثالث خال، فأمرنى بالجلوس عليه، فجلست، وجعل يسألني
стр. 747
وأجيبه، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إلى، وقال: قف بهذا إلى صاحب الديوان، وتعود إلى.
فأخذت الرقعة وحقرتها، ولقيت محمدًا من الغد فسألني، فأعلمته فقال لي: أوصل الساعة الرقعة، ففعلت، فدفع إلى صاحب الديوان عشرة آلاف درهم، فأعلمت محمد بن الحسن، فقال لي: إن عدت إلى القوم صرت لهم خادما، وفيما أخذت عون لك.
قال أسد: ورغب إلى محمد أن أزامله إلى مكة، فكأني كرهت هذا، فقال لي أصحابه: وددنا لو اشترينا هذا بعشرة آلاف درهم، فزاملته. فكنت أسأله عما أريد، وربما سألته وهو في الصلاة، فيجهر بالقراءة، يعلمني أنه يصلى، فأقول: تشتغل عنى بالصلاة وقد قطعت البلاد إليك؟ فيقطع ويجيبنى.
قال محمد بن حارث وأبو إسحاق الشيرازي، ويحيى بن إسحاق - وبعضهم يزيد على بعض -: رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة، ثم نعى مالك فارتجت العراق لموته. قال أسد: فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها، كلهم يقول مالك، مالك، إنا لله وإنا إليه راجعون؛
قال أسد: فلما رأيت شدة وجدهم، واجتماعهم على ذلك ذكرته لمحمد بن الحسن، وهو المنظور فيهم، وقلت له لأختبره: ما كثرة ذكركم لمالك على أنه يخالفكم كثيرًا؟
فالتفت إلى وقال لي: اسكت، كان والله أمير المؤمنين في الآثار.
فندم أسد على ما فاته منه، وأجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه فقدم مصر؛
ولم يذكر أبو إسحاق أسدًا فيمن أخذ عن مالك ولا أن له عنه سماعًا،
стр. 748
وإنما ذكره في أتباع أصحابه، وأرى أنه لم يبلغه ذلك، وإلا فأخذه عنه صحيح مشهور.
قال ابن حارث: فقال أسد عند ذلك: إن كان فاتني لزوم مالك، فلا يفوتني لزوم أصحابه.
ذكر الكتب الأسدية والمدونة
قال أبو إسحاق الشيرازي (٣٧٥): لما قدم أسد مصر أتى إلى ابن وهب، فقال: هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فتورع ابن وهب وأبي، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب، فأجاب فيما حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك قال: أخال، وأحسب وأظن، ومنها ما قال فيه: سمعته يقول في مسألة كذا، كذا. ومسألتك مثله، ومنه ما قال فيه باجتهاده على أصل قول مالك، وتسمى تلك الكتب الأسدية.
قال أبو زرعة الرازي: كان أسد قد سأل عنها محمد بن الحسن. قال أسد: فكنت أكتب الأسئلة بالليل في فنداق (٣٧٦) من أسئلة العراقيين على قياس قول مالك، وأغدو عليه بها فاسأله عنها، فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها، فأرجع إلى قوله، أو يرجع إلى قولى؛
стр. 749
قال: وقال لي ابن القاسم: كنت أختم في اليوم والليلة ختمتين، فقد نزلت لك عن واحدة رغبة في أحياء العلم.
قال ولما أردت الخروج إلى أفريقية، دفع إلى ابن القاسم سماعه من مالك، وقال لي: ربما أحبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه، ورغب إلى أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها منى؛
قال: وهى الكتب المدونة، وأنا دونتها، وأخذ الناس عن ابن القاسم تلك الكتب؛
وقال سليمان بن سالم: أن أسدًا لما دخل مصر اجتمع مع عبد الله بن وهب، فسأله عن مسألة فأجابه بالرواية، فأراد أن يدخل عليه، فقال له ابن وهب: حسبك إذ أدينا إليك الرواية.
ثم أتى إلى أشهب، فأجابه، فقال: من يقول هذا؟
فقال أشهب: هذا قولى، فدار بينهما كلام، فقال عبد الله بن عبد الحكم لأسد: ما لك ولهذا؟ أجابك بجوابه، فإن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك؛
فرجع إلى ابن القاسم فسأله فأجابه، فأدخل عليه، فأجابه حتى انقطع أسد في السؤال؛
فقال له ابن القاسم: زد يا مغربي، وقل: من أين قلت؟ حتى أبين لك.
فقام أسد على قدميه في المسجد وقال: يا معاشر الناس، إن كان مات مالك فهذا مالك؟
فكان يسأله كل يوم، حتى دون عنه ستين كتابا، وهي الأسدية؛
стр. 750
قال: وطلبها منه أهل مصر فأبى أسد عليهم، فقد موه إلى القاضي فقال لهم: أي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلا فأجابه، وهو بين أظهركم، فاسألوه كما سأله؛
فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم من نسخها، فسأله فأجابه، فنسخوها حتى فرغوا منها، وأتى بها أسد إلى القيروان فكتبها الناس؛
قال أبو إسحاق: وحصلت لأسد بتلك الكتب في القيروان رئاسة.
قال غيره: وأنكر عليه الناس إذ جاء بهذه الكتب، وقالوا: جئتنا بأخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف،
فقال: أما علمتم أن قول السلف هو رأى لهم وأثر لمن بعدهم، ولقد كنت أسأل ابن القاسم عن المسألة فيجيبنى فيها، فأقول له: هو قول مالك؟ فيقول: كذا أخال وأرى، وكان ورعًا يكره أن يهجم على الجواب؛
قال: والناس يتكلمون في هذه المسائل، ومنعها أسد من سحنون، فتلطف سحنون حتى وصلت إليه، ثم ارتحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم فعرضها عليه، فقال له ابن القاسم: فيها شيء لابد من تغييره، وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك منها أشياء كثيرة، لأنه كان أملاها على أسد من حفظه.
قال ابن حارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم، وقد تفقه في علم مالك، فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم، فهذبها مع سحنون.
وحكى أن سحنون لما ورد على ابن القاسم سأله عن أسد، فأخبره بما انتشر من علمه في الآفاق، فسر بذلك، ثم سأله، وأحله ابن القاسم من نفسه بمحل، وقال له سجنون: أريد أن أسمع منك كتب أسد، فاستخار الله
стр. 751
وسمعها عليه، وأسقط منها ما كان يشك فيه من قول مالك، وأجابه فيه على رأيه وكتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون، فإني رجعت عن أشياء مما رويتها عني؛
فغضب أسد، وقال: قل لابن القاسم: أنا صيرتك ابن القاسم، أرجع عما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه؟
فترك أسد اسماعها؛
وذكر أن بعض أصحاب أسد دخل عليه وهو يبكي فسأله، فأخبره بالقصة، وقال: أعرض كتبي على كتبه وأنا ربيته؟
فقال له: هذا، وأنت الذي نوهت بابن القاسم؟
فقال له: لا تفعل، لو رأيته لم تقل هذا.
وذكر أن أسدًا هم بإصلاحها فرده عن ذلك بعض أصحابه، وقال له: تضع قدرك؟ تصلح كتبك من كتبه وأنت سمعتها قبله؟ فترك ذلك؛
فذكر أن ذلك بلغ ابن القاسم فقال: اللهم لا تبارك في الأسدية.
قال الشيرازي: فهي مرفوضة إلى اليوم.
قال الشيرازي: واقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون، ونظر سحنون فيها نظرًا آخر. فهذبها وبوبها ودونها وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث والآثار، إلا كتبا منها مفرقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدونة والمختلطة، وهي أصل المذهب، المرجح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروهم، وشرح شارحوهم، وبها مناظرتهم ومذاكرتهم، ونسيت الأسدية فلا ذكر لها الآن، وكان لمحمد بن عبد الحكم فيها اختصار
стр. 752
ولأبي زيد بن أبي الغمر فيها اختصار، وللبرقي فيها اختصار أيضا، وهو الذي كان صححها على ابن القاسم، وعليها كان مدار أهل مصر؛
قال أحمد بن خالد: كان واضع كلام ابن القاسم - يريد الأسدية - رجل من أهل مصر يقال له الأحدب، فأخذها سحنون ودونها وأدخل فيها الآثار.
قال سحنون: عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح وروايته.
وكان يقول: إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن، تجزئ في الصلاة عن غيرها، ولا يجزئ غيرها عنها، أفرغ الرجال فيها عقولهم، وشرحوها، وبينوها، فما اعتكف أحد على المدونة، ودراستها، إلا عرف ذلك في ورعه وزهده، وما عداها أحد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه، ولو عاش عبد الرحمان أبدا، ما رأيتموني أبدًا.
قال محمد بن عبد الحكم: جاء ابن وهب إلى أبي بعد موت ابن القاسم، فقال له: تبر (٣٧٧) ابن القاسم في قبره، لا ترو عنه شيئا من كتبه، يعني الأسدية. فما روى أبي منها شيئا إلا مثل المسألة والمسألتين على سبيل المذاكرة؛
ومال أسد بعد هذا إلى كتب أبي حنيفة، فرواها وسمعها منه أكثر الكوفيين يومئذ، ومال إليهم؛
ولما أحرق عباس الفارسي كتب المدونة وغيرها من كتب المدنيين،
стр. 753
ضربه أسد دررًا فعتبه (٣٧٨) رجل في ذلك، فقال: إنما أنجيته بضربي هذا من القتل، فبه أمر فيه الأمير لحرقه كتب أهل العلم، وفيها ذكر الله تعالى، فقلت: أيها الأمير دعني أضربه فأشهره، فهو أبلغ له، فاستنقذته بذلك من القتل.
وكان عباس هذا محدثًا يبغض أهل الفقه والرأي، ويقع في أسد وابن القاسم، فيقال إن ابن القاسم دعا الله عليه أن يشهره في بلده، وأنه تشكى منه لأسد.
ذكر مكان أسد من العلم والفضل والسنة
قال أبو العرب: كان أسد ثقة لم يزن ببدعة؛
قال أبو بكر بن حماد: قلت لسحنون: يقولون إن أسدًا قال بخلق القرآن.
فقال: والله ما قاله.
قال داود بن يحيى: رأيت أسدًا يعرض التفسير، فتلا هذه الآية: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ (٣٧٩) الآية.
فقال أسد: ويح أهل البدع، هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله تعالى خلق كلاما يقول ذلك الكلام المخلوق ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ الآية.
قال يحيى بن سلام: حدث أسد يوما بحديث الرؤية، وسليمان القراء (٣٨٠) المعتزلي في آخر المجلس فأنكر الرؤية، فسمعه أسد فقام إليه
стр. 754
وجمع بين طوقيه ولحيته، واستقبله ينعله فضربه حتى أدماه، وطرده من مجلسه.
وقيل بل كان يقرأ عليه في تفسير المسيب بن شريك ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣٨١) وسليمان * حاضر، فقال: من الانتظار يا أبا عبد الله؟ فأخذ أسد بتلبيبه، ونعلا غليظا بيده الأخرى، وقال: يا زنديق! لتقولنها أولا لا تبصر بها عينيك.
فقال سليمان: نعم ننظر.
قال سليمان بن عمران: سمع أسد من هشيم اثنى عشر ألف حديث.
وقال: سمعت من ابن أبي زائدة عشرين ألف حديث.
وقال: ربما رأيت أسدًا يدق صدره ويقول: واحسرتى، إن مت ليدخلن القبر مني علم عظيم.
قال: وبسبب أسد ظهر العلم بافريقية؛
قال غيره: كان أسد أعلم العراقيين بالقيروان كافة، ومذهبه السنة لا يعرف غيرها.
قال: ولما قدم أسد القيروان سمع منه علماؤها ووجوهها، سحنون بن سعيد، وأمثاله من المدنيين، وأصحابه المعروفون به، كمعمر، وبني وهب، وسليمان بن عمران، وبني قادم، وابن المنهال، وسائر الكوفيين، سمعوا منه كتب أبي حنيفة.
وكان أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشايخ المدنيين: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله، فيسرد أقاويل المدنيين.
стр. 755
قال أسد: بعث إلى ابن غانم يشاورني فأجبته، فقال بعد ما خرجت: ما أحب أن أشاور في هذا البلد غير هذا الفتى.
وكان أسد إذا جاء باب ابن غانم فقرعه، فقيل: من؟ قال: أسد الفقيه، فيقول ابن غانم: صدق.
قال عمران بن أبي محرز: جاءنا موت أسد، فاستعظمه أبي وقال: اليوم مات العلم.
قال أسد: كان مالك يقول: من بنى أو غرس في أرض بينه وبين قوم مشاعة، فللشركاء عوض ذلك من الأرض إن كان بقي منها عوض، ثم رجع مالك فقال بقول أهل العراق: إن الأرض تقسم، فإن صار الغرس في نصيب غارسه كان له، وإن صار في نصيب غيره، قيل للفارس: ارفع غرسك.
واستفتى زيادة الله أمير أفريقية، أسدًا، وأبا محرز الكوفي، وزكرياء بن الحكم، في زنديق، فقال أبو محرز وأسد: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛
وقال زكرياء: قد روى أهل العلم أنه إن كان مظهرًا للإسلام ثم اطلع عليه بعد ذلك لم تقبل له توبة؛
فقال أبو محرز: فأعطه السيف يقتله.
فقال زكرياء: إنما رويت هذا ولا آخذ به؛
فقال أبو محرز: يا أحمق! فتجري هذا على قتله (٣٨٢)، وأنت لا تأخذ به؟
قال أسد: لو قتل بعد التوبة كان عندى شهيدًا؛
стр. 756
وكان أسد لا يرى في التعريض الحد، ويقول بتحريم النبيذ؛
وسأله رجل عن الحديث عن النبي ﷺ (لا يكون الرجل مؤمنا حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله وماله والناس أجمعين) وقال له: أخاف أن لا أكون كذلك.
فقال له: أرأيت لو كان النبي ﷺ بين أظهرنا، فقرب ليقتل، أكنت تفديه بنفسك؟
قال: نعم؛
قال: وبأهلك وولدك ومالك؟
قال: نعم؛
فقال: فلا بأس؛
فقال له الرجل: فرجتها عني فرج الله عنك.
ولاية أسد للقضاء والإمارة
ولي زيادة الله أسدًا القضاء شريكًا لأبي محرز الكناني، سنة ثلاث أو أربع ومائتين، فاشتركا في القضاء وكان ما بينهما غير جميل، فكان أسد أغزرهما علما وفقها، وأبو محرز أسدهما رأيا وأكثرهما صوابا، فأقام قاضيًا إلى أن خرج إلى صقلية سنة اثنتي عشرة واليا على جيشها، وكان على علمه وفقهه أحد الشجعان، فخرج أسد في عشرة آلاف رجل، منهم تسعمائة فارس؛
وكان سبب غزوة صقلية أنهم كانوا معه في هدنة، وكان في شرطهم أن من دخل إليهم من المسلمين * وأراد أن يرد، فعليهم رده؛
فرفع إلى زيادة الله أن عندهم أسرى، فجاءه رسل طاغيتها، فجمع زيادة الله العلماء وسألهم عن الأمر؛
стр. 757
فقال أبو محرز: يستأنى حتى يتبين؛
وقال أسد: يسأل رسلهم عن ذلك؛
فقال أبو محرز: كيف يقبل قولهم عليهم؟
فقال أسد: بالرسل ها دناهم، وبهم نجعلهم ناقضين، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٣٨٣) الآية. فنحن الأعلون؛ فسئل الرسل، فاعترفوا أنهم في دينهم لا يحل لهم ردهم؛
فأمر زيادة الله بالغدو إليها؛
وقال أسد إذ ذاك لزيادة الله: من بعد القضاء والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟
فقال: لا ولكني وليتك الإمارة وهي أشرف، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت أمير قاض؛
فخرج إلى صقلية، وظفر بكثير منها، وتوفي وهو محاصر سرقوسة (٣٨٤) منها، وكان أيضا قد غزا سردانية، فأشرف على فتحها، وحسده بعض من كان معه، فانهزم، وبلغ ذلك الأمير، فقال له: بلغني كذا، فسم لي من فعل ذلك، فلم يفعل.
ولما خرج أسد إلى سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم والناس يشيعونه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه، فلما نظر الناس حوله من كل جهة، وقد صهلت الخيل وضربت الطبول وخفقت البنود، قال: لا إلاه إلا الله، وحده لا شريك له، والله يا معاشر الناس ما ولى لي أب ولا جد، ولا رأى أحد من سلفي مثل هذا، ولا
стр. 758
بلغت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم فيها وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة؛
وحكى سليمان بن سالم (٣٨٥) أن أسدًا لقي ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفا، قال الراوي: فرأيت أسدًا وفي يده اللواء وهو يزمزم، وأقبل على قراءة (يس) ثم حرض الناس، وحمل وحملوا معه، فهزم الله جموع النصارى، ورأيت أسدًا وقد سالت الدماء مع قناة اللواء حتى صار تحت إبطه، ولقد رد يده في بعض تلك الأيام فلم يستطع، مما اجتمع من الدم تحت إبطه.
بقية أخباره ووفاته
قال عبد الرحيم الزاهد: قلت لأسد لما قدم علينا بكتب أهل المدينة وأهل العراق: أي القولين تأمرني أتبع وأسمع منك؟
فقال لي: إن أردت الله والدار الآخرة، فعليك بقول مالك، وإن أردت الدنيا فعليك بقول أهل العراق.
قال ابن حارث: فكان هذا الرجل بعد، يطعن علي أسد بهذه القصة، وكان يقول: كان الحق عنده في مذهب مالك وكان يفتي بغيره.
ولما غلب عمران بن مجاهد على القيروان، بعث إلى أسد: أن اخرج معنا.
فتمارض ولزم بيته؛
فبعث إليه: إن لم تخرج معي بعثت إليك من يجر برجلك.
стр. 759
فقال للرسول: لئن أخرجتني لأنادين: القاتل والمقتول في النار، فلما سمع ذلك تركه.
قال بعضهم: بعث الأمير إلى أبي محرز وأسد، وهما قاضيان، فأقبل أسد، فإذا أبو محرز ينتظره مع بعض الرسل، فقال: كيف أصبحت أبا محرز؟
فلم يرد عليه شيئا، وصار إلى الأمير، فأجلس أبا محرز عن يمينه، وأسدًا عن شماله، ثم دفع صكا إلى أسد ليقرأه، فلم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال له أبو محرز: أخطأت؛
فقال أسد: أيها الأمير، لقيته فسلمت عليه فلم يرد على السلام، ولم أقرأ إلا كلمتين فقال لي أخطأت؛
فنظر زيادة الله إليه فقال أبو محرز: ما سلم علي، ولو سلم علي لرددت عليه، وإنما قال: كيف أصبحت؟ وأصبحت مغمومًا فلو أخبرته * لسررته؛
ثم دخل عليهم رجل فذكر للأمير أنه رأى كأن جبريل هبط من السماء، ومعه نور، حتى وقف بين يديك وصافحك، وفي رواية: وقبل يدك، فابتهج لها زيادة الله، وقال هذا عدل يجريه الله على يدي؛
فقال أسد: كذب الشيخ أيها الأمير؛
فغضب الأمير، ونظر إلى أبي محرز كالمحرك له، لما يعلم مما بينهما؛
فقال أبو محرز: صدق أسد وكذب الشيخ، إن جبريل لا ينزل بوحي إلا على نبي، وقد انقطع الوحي، وهذا وأمثاله يأتونك بمثل هذا طلبًا لدنياك، فاتق الله،
فسكت الأمير وخرجا، فجزى أسد أبا محرز خيرا، فقال له: لله فعلته لا لك؛
стр. 760
وكانا على تباعدهما لا يستحل أحدهما من صاحبه ما لا يحل، ولم يكن عند أسد عربية، وكان صاحبه معربا قليل الكلام؛
وقيل له: ما هذا الذي يقول الناس في أمر أبي بكر وعلي؟
فقال: والله ما يخفى علينا من يستحق الولاية بعد والينا وقاضينا، فكيف يخفى على أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم ﵇؛
ولما قام منصور على ابن الأغلب، ودنا من القيروان، خرج إليه أسد وأبو محرز وهما قاضيان، فكان من قوله لهما: اخرجا معنا، أما تعلمان أن هذا ظلم المسلمين؟
فقال أبو محرز وقد خاف منه،: نعم، واليهود والنصارى؛
وأما أسد فقال: قد كنتم أعوانا له، وأنتم وهو على مثل هذه الحال.
قال أسد: لما انصرفت من العراق إلى مصر قصدت أشهب،
واعتمدت عليه، وكان في خلقه ضيق، وكان علمه خيرا من دينه، فذكر يوما أبا حنيفة فأزرى عليه، ثم فعل بمالك مثل ذلك، فنهضت إليه، وقلت له: يا أشهب!
فأخذ الطلبة بثوبي وأقعدوني وقالوا لي: ما أردت أن تقول له؟
قلت: أقول إنما مثلك ومثلهما مثل من بال بين بحرين، فرغى بوله، فقال هذا بحر ثالث؛
قال: فتركته وملت إلى ابن القاسم فخير لي، وكان أورع منه؛
стр. 761
وكان أسد يقول: أنا أسد، وهو خير الوحوش، وأبي فرات وهو خير المياه، وجدي سنان، وهو خير السلاح.
وكانت وفاة أسد في حصار سرقوسة (٣٨٦)، من غزوة صقلية، وهو أمير الجيش وقاضيه، سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقيل أربع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقبره ومسجده بصقلية.
مولده سنة خمس وأربعين ومائة، بحران، ويقال سنة ثلاث، ويقال سنة اثنين وأربعين.
وكان قدومه من المشرق سنة إحدى وثمانين ومائة.
стр. 762
عبد الله بن أبي حسان اليحصبي
من أنفسهم، واسم أبي حسان فيما قاله أبو العرب وغيره: يزيد بن عبد الرحمان. وقال ابن سحنون: اسمه عبد الرحمان، ويقال: عبد الرحمان بن يزيد.
قال أبو علي بن أبي سعيد في كتابه: هو من أشراف أفريقية، بشرف أبيه وبيته وفقهه وأدبه، وكان يسكن بالقيروان، بحارة يحصب المنسوبة إليهم، وأبوه من عربها البلديين من أنفسهم، وله في حرب البرابر بلاء حسن، وولي الأربس (٣٨٧).
قال أبو العرب: ورحل إلى مالك فكان عنده مكرما، وسمع من ابن أبي ذيب، وابن عيينة، وابن أنعم، وكان ثقة لم يطعن عليه بشيء، إلا هفوة كانت منه عند زيادة الله، فيما حكى، والله أعلم بها.
روى عنه سحنون بن سعيد، وفرات، وسليمان، ومحمد بن وضاح.
قال ابن أبي حسان: لما أتيت مالكا وجدته قد ارتفع، وباب داره مغلق، فقرعت الباب، فخرجت إلى جارية صفراء، فقالت: من أهل المسائل * أنت أم من أهل الحوائج؟
قلت: غريب أتيته قاصدًا.
стр. 763
فقالت: ليس هذا وقتك، ادخل السقيفة؛
فدخلت، فلما كان وقت خروجه، فتحت الباب - ووصف صورة المجلس - ثم خرج مالك بين تلك الجارية وفتى تخط رجلاه الأرض كبرًا، كأني أنظر إلى جماله وبهائه، وشعر رأسه قد تعقف (٣٨٨) جعودة، فلما استوى جالسا، عم بسلامه فردوا عليه، فقمت فسلمت عليه، ودفعت إليه كتاب ابن غانم؛
فقال لي: صاحبك على القضاء؟
قلت: نعم.
قال: ما ذاك بخير له؛
ثم قرئ عليه، فقال للقوم: هذا كتاب أتاني في هذا الرجل، يخبرني عن حاله في بلده وقدره، وقد قال ﵇: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه؛
فقمت من بين يديه، فأوسع لي رجل منهم، فجلست، فذكروا العلم فقال: لا يؤخذ العلم إلا عن الموثوق بهم في دينهم، ثم جعل يسأل، وأنا قاعد، فربما قال: العلم أوسع من ذلك، فسئل وأنا قاعد عن خمس وعشرين مسألة، فما أجاب منها إلا في اثنتين، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، واختلفت إليه فلم يزل لي مكرما ﵀؛
وكان قد جعل لرجل ثلاثة دراهم كل يوم يأخذ له مجلسا يجلس فيه عند مالك، فإذا جاء ابن أبي حسان، قام له الرجل فجلس فيه؛
وكان ابن أبي حسان إذا جاء مجلس ابن عيينة قال أصحابه: جاءكم الشؤم، لميل سفيان إليه وحديثه معه؛
стр. 764
قال ابن أبي حسان: سمعت مالكا يقول: أهل الذكاء والذهن والعقول من أهل الأمصار ثلاثة، المدينة، ثم الكوفة، ثم القيروان.
قال ابن وهب: ما رأيت مالكا أميل إلى أحد منه لابن أبي حسان.
ذكر علمه وفضله وبقية أخباره
قال سحنون: كنت أول طلبي إذا انغلقت علي مسألة من الفقه، آتي ابن أبي حسان، فكأنما في يده مفتاح لما انغلق؛
وجاء رجل إلى ابن وهب فأخبره بموت ابن غانم، فاسترجع ابن وهب وقال له: من ولي بعده؟
قال: أبو محرز؛
قال: ما أعرفه، فأين ابن أبي حسان؟ فوالله ما رأيت مالكا أميل إلى أحد منه إليه؛
قال أبو علي البصري: كان عبد الله بن أبي حسان غاية في الفقه بمذهب مالك، حسن البيان، عالما بأيام العرب وأنسابها، راوية للشعر، قائلا له، وعنه أخذ الناس أخبار أفريقية وحروبها، روى ذلك عن أبيه، وكان جوادا.
قال المالكي: وكان مفوها، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة، متبعًا لمذهب مالك، شديدًا على أهل البدع، قليل الهيئة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم؛
دخل مرة على الأغلب، فإذا الجعفري والعنبري يتناظران في القرآن! فقال الجعفري: هذا شيخنا أبو محمد، يعينني عليكم؛
стр. 765
فقال ابن أبي حسان للعنبري: ما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بكذا؛
فقال: إن كان معه أبو محمد، فهذا الأمير معي؛
فقال ابن أبي حسان: ما للملوك والكلام في الدين؟
فأحفظ ذلك الأغلب، ثم قال: من أتى السلطان فهو مثله؛
فقال ابن أبي حسان: إنما أتاكم الآتي لأنكم خير ممن هو أشر منكم، ولو أتى من هو خير منكم أتاه الناس ولم يأتوكم؛
وجاء رجل إلى ابن أبي حسان، فأعلمه أن داره تهدمت، وشاوره في بنيانها، ومن يبني عنده؛
فدفع ابن أبي حسان إليه ثلاثين دينارًا، وقال: استعن بها على بنيانك، فقال له بعض ولده: أتاك يشاورك فأعطيته!
قال لست ببناء، وإنما تعرض لمعروفي؛
ولما ثار الجند على زيادة الله، أغاروا على منازل ابن أبي حسان وانتهبوها، وطلبوه فاستخفى، وكان سيء الرأي فيهم، فقال شعرا منه:
أباح طغام الجند جهلا حريمنا … وشقوا عصا الإسلام من كل جانب
وعاثوا وثاروا في البلاد سفاهة … وظنوا بأن الله غير معاقب
وما عجب بغض الأعاجم ضلة … نزارًا وقحطان الكرام المناسب
ولكن من قوم إلينا اعتزاؤهم … فبغضاؤهم فينا لإحدى العجائب
ولما اشتد طلبهم له لجأ ابن أبي حسان إلى من بالسوس من قومه يحصب من جملة الجند الثائرين، ومت إليهم بالنسب واستجار بهم فأجاروه وأمنوه؛
стр. 766
فلما ظفر زيادة الله بعد بالقيروان، جمع العلماء، فسألهم في حال الجند القائمين عليه، فعرفوه ما في العفو، ورغبوه فيه، فقال ابن أبي حسان: العفو مفسدة، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ويقال بل أنشد:
من لم يؤد به الجميل … ففي عقوبته صلاحه
فقال أبو محرز القاضي، وقيل غيره: العفو أقرب للتقوى، وقال لابن أبي حسان: أمن أجل شويهاتك أو رميكاتك تستحل دماء المسلمين؟
ووجد هؤلاء الكوفيون أعداؤه السبيل إلى التشنيع عليه عند الجند والعامة بهذه الكلمة، فحفظت عليه، وسقط بها.
وقيل: عمد كل من سمع منه علما فكتبه عنه، إلى كتبه، فقطعها على باب داره، وأصبح على باب داره منه شيء كثير، واعتذر عنه من أنصف بأنه إنما أراد فتاك الجند الذين أفسدوا البلد.
قال ابن أبي حسان: رأيت هارون الخليفة وهو يسعى بين الصفا والمروة، فمشى في بطن الوادي، ونسى السعي، فلما جاوزه ذكر، فرأيته رجع القهقرى حتى رجع إلى ما دون بطن الوادي، ثم سعى في بطنه واستدرك ما فاته، فأعجب ذلك من حضره من العلماء؛
ولما أصلح زيادة الله جامع القيروان قال لابن أبي حسان: عاد المسجد مضريا، لأن مختطه عقبة القرشي، وزيادة الله تميمي، وهما مضريان، وكان حسان بن النعمان الغساني ويزيد بن حاتم الأزدي قد جدداه قبل زيادة الله، فقال له ابن أبي حسان: ابل غيرت أحلاسها!
وقال له مرة: محونا آثاركم من الجامع؛
فقال: الأصل لنا والفرع لكم.
стр. 767
قال ابن أبي حسان: وجه إلى زيادة الله، وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحله وأسد يحرمه، فقال: ما تقول في النسذ الشديد؟
فقلت: قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك، وهما فقيها البلد يتناظران فيه؛
قال: لابد لك أن تقول أنت، وقال لهما: اسكتا؛
فقلت: أعزك الله، عقل يساوي ألف درهم يزيله من النبيذ ما يساوي درهما!
فقال لي: ثم يعود؛
قلت: بعد انكشاف السوءة للأم، والعورة للأب؛
وفي رواية: بعد أن قاء في لحيته، وكشف عورته لأهله، وقتل هذا، وضرب هذا.
فقال: صدقت؛
كذا ذكر أبو علي البصري ومحمد بن حارث هذه الحكاية، وإن كان لفظها على نحو ما عند ابن حارث، ولا أدري كيف هي، إذ لا خلاف بينهم أن المسكر منه حرام.
وتوفي ابن أبي حسان سنة سبع، وقيل ست وعشرين ومائتين.
قال ابن سحنون: مات وهو ابن سبع وثمانين سنة.
مولده سنة أربعين ومائة.
стр. 768
أبو عثمان حاتم وأخوه أبو طالب ابنا عثمان المعافري
ويعرف بالأبزاري فيما ذكره بعضهم.
وذكر أبو العرب وابن حارث أبا طالب أخا أبي عثمان، ولم يسمياه ولا قالا فيه الأبزاري.
وذكر أبا طالب عبد الله بن عثمان الأبزاري ممن روى عن مالك على أنه آخر، والله أعلم.
قال أبو العرب: لهما سماع من ابن أنعم، ومن مالك، وأحسب أن رحلتهما كانت مع ابن غانم.
روى عنهما داود بن يحيى الصدفي وغيره، وكان أبو عثمان رسول ابن غانم إلى مالك في مسائله، وكانا تقيين.
قال أبو عثمان: سمعت مالكا يقول: ينبغي للقاضي العدل أن يحترس من الناس بسوء الظن.
قال حاتم: أكلت مع مالك فرأيته يأكل بثلاثة أصابع؛
قال: وسمعت مالكا يقول: حياة الثوب طيه، وعيبه قصر أكمامه.
قال: وكنت إذا أتيت بكتاب ابن غانم إلى مالك قال لي: ادفعه إلى ابن كنانة، فيكتب ابن كنانة الجواب، ثم يأتي به مالكا فيعرضه، فإن أنكر شيئا أصلحه.
قال ابن شعبان: ويقال لأبي عثمان: أبو طالوت، ولم يذكره غيره.
قال: واسم أبي طالوت عبد الله، وقال غيره: اسمه كنيته، ويكنى بأبي محمد.
стр. 769
أبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي
من أنفسهم، قال ابن شعبان: ويقال، أبو خالد أيضا.
سمع من مالك، وسفيان الثوري، والليث، واليسع بن حميد، وعبد الله بن وهب، ورشدين بن سعد، والمغيرة بن عبد الرحمان المخزومي، وسعيد بن عيسى، وله سماع مدون من مالك كسماع ابن القاسم وأشهب.
قال المالكي: كان شيخا صالحا عالما باختلاف العلماء مستجابا، وأكثر اعتماده على مالك، متفننًا في العلوم من الحديث والفقه والعبادة والعربية وغير ذلك، سمع منه نظراؤه بأفريقية، البهلول بن راشد، وغيره، ومن بعدهم، كعون بن يوسف، وعبد الله بن يونس، وسعيد بن حسان القروي (٣٨٩)، والجعفري، وأبي داود، والعطار (٣٩٠) وابنه.
قال: وكان سحنون يجله ويعرف حقه، وإذا سئل بحضرته أحال عليه، وكان أسن من سحنون، وكان سكناه بحصن بجهة صفاقص.
قال أبو العرب: وسماعه من سفيان صحيح وهو ثقة.
وحكى بعضهم قال: دخلت معه إلى سفيان فأصبناه قد مات؛
وسأله بعضهم فقال: أنا سمعت من سفيان؛
стр. 770
قال أبو العرب: أراه كان لقي سفيان في رحلة أخرى قبل هذه والله أعلم، وهو ثقة مأمون، لا يشك في سماعه من سفيان؛
وسئل أحمد بن برد عن أبي خارجة فقال: لمثله يقال ثقة، وهو رجل صالح، ولقي أبا يوسف ولم يأخذ عنه، وروى عن مالك، عن الذي يعتم بالعمامة ولا يجعلها تحت ذقنه، فأنكره إلا أن تكون قصيرة لا تبلغ؛
قال ابن حارث: سمعت كثيرًا من الناس يحكون عن أبي خارجة عجائب من الأخبار والوصف لما لم يكن، فيكون كذلك، مثل ما يحكى بالأندلس عن بقي بن مخلد (٣٩١)، إلا أن الحكاية عن أبي خارجة أكثر استفاضة وأكثر عجائب.
قال ابن الجزار المتطبب في تعريفه - وذكر مثل ما ذكره ابن حارث - فبعضهم يقول: كان عنده علم من الحدثان، وبعضهم يقول بل علم الزجر، وبعضهم يقول بل من خدمة الجان، ومنهم من يزعم أنه كان صالحا يجري الله الحق على لسانه فينطق به؛
قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض:
وأنا برئ من عهدة هذه التأويلات إلا الأخيرة، فالحديث الصحيح يحتج لها.
ذكر عجائب أخباره وبراهينه ووفاته
* ذكر بعضهم أنه نزل في طريق سوسة فاستلقى، ثم قال لأصحابه: يأتيكم الساعة رجلان يسألان عن شيء، فتسمعون ما تكرهون، ومعهما طعام تأكلونه أنتم ولا أكله أنا؛
стр. 771
وإذا برجلين على بغلة، فسألا عن الشيخ، وقالا له: رجل له عجل رأى في المنام أنه يخالفه إلى خمير عنده يأكله؛
قال: فقال أبو خارجة له: عبد خلاسي (٣٩٢) يخالفه إلى أهله؛
فقال أحد الرجلين الآخر: قد نهيناه عن دخوله إليه فلم ينته؛
ثم قالا: معنا شيء من زادنا فأخرجا خبز شعير ودجاجة وزيتونا، فأكل من حضر، ولم يأكل هو منه، إذ كانت به أرواح يضرها هذا الطعام.
وسأله رجل أنه يرى كأنه يحرث في صفا؛
ففسر أبو خارجة وقال: هذا رجل يطلب الصبيان.
وكان أبو خارجة يقول: اللهم أمتني قبل أن يخرج من ها هنا قوم ينبحون نباح الكلاب، يشير نحو أرض المغرب.
وكان بنى مسجدًا عظيمًا فيه نحو عشرين سارية عظاما، فقالوا له: من يرفع هذه السواري؟
قال: الذي خلقها.
فأصبحت السواري مرفوعة ورؤوسها عليها.
قال ابن مسكين: كان عندنا رجل له تابع، فقال له يوما: لأخوفن أبا خارجة؛
فنهاه صاحبه، فقال: لأفعلن، فلما كان في الليل ركب أبو خارجة إلى منزله، فلقيه خيال، ثم عرض له شخص، فقصده أبو خارجة وجعل يضربه وهو يفر منه ويصيح، حتى غاب في الزيتون، فذهب أبو خارجة، فأتى التابع صاحبه وهو لما به (٣٩٣)، فأخبره، فقال قد نهيتك.
стр. 772
قال: وكان أبو خارجة يصلي من الليل في مسجد استضافه أهله، فبينا هو يصلي نظر في ركن المسجد - وأراه بعد غلقه - إلى شيخ قائم يصلي، فلما سلم أبو خارجة استل سيفه فهزه وقصده، وهو يقول: أعلى تجسر؟
فالتمع منه (٣٩٤) وذهب.
وكان يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى تمحى كتب أبي حنيفة، فكان كذلك أيام سحنون.
ومن حكمه قوله: ثلاثة من أعلام الإحسان، كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر العيب، وثلاثة من أعلام المعرفة، الإقبال على الله، والانقطاع إلى الله، والافتخار بالله، وثلاثة من أعلام الفكرة، سرعة الإدكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار.
وكان يقول عند إفطاره: الحمد لله الذي هداني فصمت، والحمد لله الذي رزقني فأفطرت، إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك.
وكان يقول ثلاث من أعطيهن فقد اغتبط؛ علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملا متقبلا.
وذكروا أنه أصاب الناس سبع سنين قحط، فأتوا أبا خارجة يستسقي لهم، فقال لهم: تأتون غدًا بنسائكم وصبيانكم وبهائمكم، وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان غدًا قفوا بين يديه، وتضرعوا إليه، فإنه يرق لحالكم، ففعلوا ذلك، وخرج أبو خارجة فصلى بهم وخطب، ودعا، ثم جلس إلى صلاة الظهر، وقد اشتد الحر، وبكى الأطفال، وصاحت البهائم من الحر، فصلى
стр. 773
بهم الظهر ثم بسط يديه وقال: أنت مولانا، ما لنا غيرك ولا سواك، بك نالوا الدرجة الرفيعة والمواهب العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا وقبيح أعمالنا، وما لنا غيرك ولا سواك، وقد قامت آمالنا بك وقد جثونا بين يديك، بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة *، وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية نافعة، تجدد الإيمان في قلوبنا، ولا نبرح بين يدي كريم حتى تسقينا، وسيلتنا إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا ﷺ .
قال: فإذا بريح بيضاء بدت لهم، ثم اندفعت السماء بالغيث، فمضى أبو خارجة يرفع يديه ويقول: بهذا يعرف الكريم، هذا فعلك فيمن قصدك، وبهذا تعرف وتوصف.
وتوفي أبو خارجة في ربيع الآخر سنة عشر ومائتين، وسنه ست وثمانون سنة.
* * *
стр. 774
الحرث بن أسد من أهل قفصة
كان تقيا خيارًا مستجابا، يختم القرآن في كل ليلة من رمضان، أخذ عن مالك.
روى عنه البهلول بن راشد، وعبد الله بن الفارسي (٣٩٥)، ومحمد بن تميم وغيرهم؛
قال الحرث: لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني؛
فقال: اتق الله وانظر عمن تنقل؟
وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت،
وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن.
قال الحرث: لم يرني أهلا للعلم.
وقال محمد بن الحارث: رأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتي فلا يفتي، ويقول لم يرني مالك أهلا للعلم.
стр. 775
محمد بن معاوية الحضرمي الطرابلسي
من أصحاب مالك، وله عنه سماع ثلاثة أجزاء، وله غيرها عن الليث، رواها عنه محمد بن وضاح.
قال أبو العرب التميمي: سمع من أبي معمر، ومالك بن أنس موطأه، ومن الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، مشهور ثقة، وكان له سن وإدراك، سمع من أبي معمر صاحب أنس بن مالك.
سمع منه بكر بن حماد، وفرات بن محمد، وحكى بكر أن سحنون قال فيه شيئا.
قال أبو علي بن البصري: هو أعلم من محمد بن ربيعة الحضرمي الطرابلسي، وكان أيضا ابن ربيعة ممن روى عن مالك، وابن لهيعة، وأبي معمر، وابن أبي حازم، وإبراهيم بن أبي يحيى.
قال أبو العرب: قال محمد بن معاوية: كان بقي على شيء من الموطأ من كتاب الصلاة فأتيت إلى مالك وقد دخل الناس فقال لي: من يقرأ لك؟
قلت: حبيب، وكنت قاطعته بخمسة دراهم، ويقرأ من الكتاب خمسا وعشرين ورقة، فقرأها لي حبيب في مجلس واحد. وقال لي حبيب: لم تفتني دراهمك يا مغربي؛
وفى روايته في الموطأ جامع الجامع، وليس ذلك عند غيره من أصحاب مالك، ذكر ذلك أبو بكر بن محمد المالكي في كتاب الرياض.