وإذا برجلين على بغلة، فسألا عن الشيخ، وقالا له: رجل له عجل رأى في المنام أنه يخالفه إلى خمير عنده يأكله؛
قال: فقال أبو خارجة له: عبد خلاسي (٣٩٢) يخالفه إلى أهله؛
فقال أحد الرجلين الآخر: قد نهيناه عن دخوله إليه فلم ينته؛
ثم قالا: معنا شيء من زادنا فأخرجا خبز شعير ودجاجة وزيتونا، فأكل من حضر، ولم يأكل هو منه، إذ كانت به أرواح يضرها هذا الطعام.
وسأله رجل أنه يرى كأنه يحرث في صفا؛
ففسر أبو خارجة وقال: هذا رجل يطلب الصبيان.
وكان أبو خارجة يقول: اللهم أمتني قبل أن يخرج من ها هنا قوم ينبحون نباح الكلاب، يشير نحو أرض المغرب.
وكان بنى مسجدًا عظيمًا فيه نحو عشرين سارية عظاما، فقالوا له: من يرفع هذه السواري؟
قال: الذي خلقها.
فأصبحت السواري مرفوعة ورؤوسها عليها.
قال ابن مسكين: كان عندنا رجل له تابع، فقال له يوما: لأخوفن أبا خارجة؛
فنهاه صاحبه، فقال: لأفعلن، فلما كان في الليل ركب أبو خارجة إلى منزله، فلقيه خيال، ثم عرض له شخص، فقصده أبو خارجة وجعل يضربه وهو يفر منه ويصيح، حتى غاب في الزيتون، فذهب أبو خارجة، فأتى التابع صاحبه وهو لما به (٣٩٣)، فأخبره، فقال قد نهيتك.
стр. 772
قال: وكان أبو خارجة يصلي من الليل في مسجد استضافه أهله، فبينا هو يصلي نظر في ركن المسجد - وأراه بعد غلقه - إلى شيخ قائم يصلي، فلما سلم أبو خارجة استل سيفه فهزه وقصده، وهو يقول: أعلى تجسر؟
فالتمع منه (٣٩٤) وذهب.
وكان يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى تمحى كتب أبي حنيفة، فكان كذلك أيام سحنون.
ومن حكمه قوله: ثلاثة من أعلام الإحسان، كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر العيب، وثلاثة من أعلام المعرفة، الإقبال على الله، والانقطاع إلى الله، والافتخار بالله، وثلاثة من أعلام الفكرة، سرعة الإدكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار.
وكان يقول عند إفطاره: الحمد لله الذي هداني فصمت، والحمد لله الذي رزقني فأفطرت، إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك.
وكان يقول ثلاث من أعطيهن فقد اغتبط؛ علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملا متقبلا.
وذكروا أنه أصاب الناس سبع سنين قحط، فأتوا أبا خارجة يستسقي لهم، فقال لهم: تأتون غدًا بنسائكم وصبيانكم وبهائمكم، وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان غدًا قفوا بين يديه، وتضرعوا إليه، فإنه يرق لحالكم، ففعلوا ذلك، وخرج أبو خارجة فصلى بهم وخطب، ودعا، ثم جلس إلى صلاة الظهر، وقد اشتد الحر، وبكى الأطفال، وصاحت البهائم من الحر، فصلى
стр. 773
بهم الظهر ثم بسط يديه وقال: أنت مولانا، ما لنا غيرك ولا سواك، بك نالوا الدرجة الرفيعة والمواهب العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا وقبيح أعمالنا، وما لنا غيرك ولا سواك، وقد قامت آمالنا بك وقد جثونا بين يديك، بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة *، وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية نافعة، تجدد الإيمان في قلوبنا، ولا نبرح بين يدي كريم حتى تسقينا، وسيلتنا إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا ﷺ .
قال: فإذا بريح بيضاء بدت لهم، ثم اندفعت السماء بالغيث، فمضى أبو خارجة يرفع يديه ويقول: بهذا يعرف الكريم، هذا فعلك فيمن قصدك، وبهذا تعرف وتوصف.
وتوفي أبو خارجة في ربيع الآخر سنة عشر ومائتين، وسنه ست وثمانون سنة.
* * *
стр. 774
الحرث بن أسد من أهل قفصة
كان تقيا خيارًا مستجابا، يختم القرآن في كل ليلة من رمضان، أخذ عن مالك.
روى عنه البهلول بن راشد، وعبد الله بن الفارسي (٣٩٥)، ومحمد بن تميم وغيرهم؛
قال الحرث: لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني؛
فقال: اتق الله وانظر عمن تنقل؟
وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت،
وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن.
قال الحرث: لم يرني أهلا للعلم.
وقال محمد بن الحارث: رأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتي فلا يفتي، ويقول لم يرني مالك أهلا للعلم.
стр. 775
محمد بن معاوية الحضرمي الطرابلسي
من أصحاب مالك، وله عنه سماع ثلاثة أجزاء، وله غيرها عن الليث، رواها عنه محمد بن وضاح.
قال أبو العرب التميمي: سمع من أبي معمر، ومالك بن أنس موطأه، ومن الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، مشهور ثقة، وكان له سن وإدراك، سمع من أبي معمر صاحب أنس بن مالك.
سمع منه بكر بن حماد، وفرات بن محمد، وحكى بكر أن سحنون قال فيه شيئا.
قال أبو علي بن البصري: هو أعلم من محمد بن ربيعة الحضرمي الطرابلسي، وكان أيضا ابن ربيعة ممن روى عن مالك، وابن لهيعة، وأبي معمر، وابن أبي حازم، وإبراهيم بن أبي يحيى.
قال أبو العرب: قال محمد بن معاوية: كان بقي على شيء من الموطأ من كتاب الصلاة فأتيت إلى مالك وقد دخل الناس فقال لي: من يقرأ لك؟
قلت: حبيب، وكنت قاطعته بخمسة دراهم، ويقرأ من الكتاب خمسا وعشرين ورقة، فقرأها لي حبيب في مجلس واحد. وقال لي حبيب: لم تفتني دراهمك يا مغربي؛
وفى روايته في الموطأ جامع الجامع، وليس ذلك عند غيره من أصحاب مالك، ذكر ذلك أبو بكر بن محمد المالكي في كتاب الرياض.
стр. 776
زكرياء بن محمد بن الحكم اللخمي أبو يحيى
قال أبو العرب: كان ثقة مأمونا صالحا، وكان من أهل العلم، سمع من مالك وحيوة بن شريح، وكان يستفتي بالقيروان مع أسد وأبي محرز وطبقتهم، وكان في عداد المدنيين منهم؛
ذكر أنه كان مع جماعة من العلماء عند زيادة الله بن الأغلب، فأتى بجراب فيه حلي من حلي النساء ودنانير، فأعطى منه لمن حضر فأخذوا، غير زكرياء، فأبى ثم انصرف.
فلما ولي جعل زيادة الله يقول وهو ينظر إليه: لله درك يا ابن الحكم.
وذكر أبو العرب أيضا في رواة مالك من أهل أفريقية: محمد بن الحكم اللخمي، وأنه مأمون ثقة، وأنه توفي سنة ست ومائتين.
ويحيى بن زكرياء بن محمد بن الحكم اللخمي؛ قال أبو العرب: هو ثقة صالح.
قال ابن فهر (٣٩٦): روى عن مالك.
قال ابن وضاح: لقيت يحيى بن زكرياء بن الحكم بالقيروان وهو شيخ.
стр. 777
ومن أهل الأندلس:
قرعوس بن العباس بن قرعوس بن حميد
ويقال عبيد بن منصور بن محمد بن يوسف الثقفي؛
قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: من أهل قرطبة يكنى أبا الفضل، ويقال أبا محمد، رحل فسمع من مالك والثوري وابن جريج والليث وابن أبي حازم وغيرهم، وكان رجلا متدينا فاضلا ورعا، كان علمه المسائل على مذهب مالك وأصحابه، ولا علم له بالحديث، وقيل أنه سمع من مالك الموطأ، وغير شيء من مسائله؛
وقال يحيى بن يحيى - وذكره -: هو رجل من أهل العلم، كثير الفقه، لقي مالكا وحمل عنه.
وقال غيره: لم أر بالأندلس أمرأ مروءة من قرعوس؛
قال القاضي أبو الوليد: وكان ممن اتهم في أمر الهيج، فوقاه الله، يعني الذي هلك فيه أصحابه، وذكرنا منه طرفا في خبر يحيى بن مضر في الطبقة الأولى.
روى عنه أصبغ بن الخليل، وابن حبيب، وعثمان بن أيوب،
وسأل قرعوس مالكا عن الضرب الذي كان يضرب أبوه الناس، وكان أبوه ولي السوق، وكان رجلا صالحًا شديدا على أهل الريب، يضرب ضربًا شديدًا؛
стр. 778
فقال له مالك: إن كان فعل ذلك غضبا لله وذبًا عن محارمه فأرجو أن يكون خفيفا.
وكان ممن اتهم بالهيج والقيام بالنهض على السلطان، فسيق فيمن سيق ملببا، ووقف به تحت النطع، وكلمه فتى على لسان الأمير الحكم، وقال له: مثلك من أهل الديانة والأمانة في العلم يتابع السفلة، فلو نفذ لهم أمر كم كان يهتك من الستور، ويستحل من الفروج، إلى أن يقوم إمام يريح الناس؛
فقال: معاذ الله أن أفعل أو أتابع في مثل هذا بيد أو لسان، فقد سمعت مالكا والثوري يقولان، سلطان جائر سبعين سنة، خير من أمة سائبة ساعة من نهار؛
فقال له الحكم: أنت سمعت هذا منهما؟
قال: الله، لقد سمعته منهما؛
فخلى سبيله.
وتوفي قرعوس سنة عشرين ومائتين.
وقد اعترض على ما ذكر من روايته عن سفيان، وابن جريج، فقال علي بن حزم: من المحال أن يروي قرعوس عن ابن جريج، إذ مات ابن جريج سنة خمسين ومائة، وقرعوس مات سنة عشرين ومائتين، ولم يطل عمر قرعوس طولا يحتمل هذا، وكذلك وفاة سفيان سنة إحدى وستين.
стр. 779
محمد بن بشير القاضي
قال الفقيه أبو عبد الله بن حارث: هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل، ويقال إسرافيل، المعافري، أصله من جند باجة، وعداده في عرب مصر، كتب في حداثته للقاضي المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق فلقي، مالكا وجالسه وسمع منه، واقتبس أيضا بمصر، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم ضيعته بباجة، إلى ان استدعى للقضاء بقرطبة.
قال غيره: وروى عن مالك الموطأ.
قال أحمد بن خالد: طلب ابن بشير العلم بقرطبة عند مشيختها، فأخذ منه بحظ وافر، ثم كتب لوالي باجة ليعتصم به من مظلمة نالته، ثم انقبض عنه وخرج حاجًا، فقضى الفريضة واتسع في المعرفة؛
وقال ابن القوطية: كتب أولا لوالي بلده، ثم رغب عن ذلك ومال إلى العلم.
وقال: إن المصعب القاضي إنما استكتبه بعد صدوره من المشرق؛
وحكى عن مالك، أنه كان يقول: انظروا في هذه الكتب ولا تخلطوها بغيرها، يعني الموطأ؛
وكان يحيى بن يحيى كثيرًا ما يحكي عنه عن مالك، من ذلك أنه سأل مالكا عن لبن الأتن، فلم ير به بأسا؛
стр. 780
الثناء عليه
قال: كان يحيى بن يحيى من أشد الناس تعظيما لمحمد بن بشير، وأحسنهم ثناء عليه في حياته وبعد وفاته.
ولقد سئل عن لباس العمائم، فقال: هي لباس الناس بالمشرق، وعليه كان أمرهم في القديم.
فقيل له: لو لبستها لاتبعك الناس؛
فقال: قد لبس محمد بن بشير الخز فلم يتبع فيه، وكان ابن بشير أهلا أن يقتدى به؛
وذكره ابن القوطية فقال فيه: خير القضاة بالأندلس وأفضلهم وأعدلهم؛
وقال عبد الملك بن حبيب: كان ابن بشير من خيار المسلمين، ووصف عدله وفضله.
قال: وكان يصلي بنا الجمعة وعليه قلنسوة خز؛
قال ابن حارث: من مستفيض الأخبار التي لا يتواطأ على مثلها لسعة الإجماع عليها، أنه كان من عيون القضاة الهداة، ومن أولى السداد، والمذاهب الجميلة واجالة الرأي، والسيرة العادلة، والذكر الجميل الخالد، وكان شديد الشكيمة ماضي العزيمة صلبًا في الحق، مؤيدا، لا هوادة عنده لأحد ولا مداهنة لديه لأحد من أصحاب السلطان، لا يؤثر غير الحق في أحكامه، جيد الفطنة، حسن الانبساط، صادق الحدس، قوي الإدراك؛
стр. 781
ولايته القضاء وسيرته
قال ابن القوطية: لما توفى المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وفقهاؤه وأعلام الناس على محمد بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء، فأربى على المصعب، وبعد في الفضل والعدل صيته، وخلدت آثاره بعده، فلم يزل قاضيا إلى أن توفى، فولى ابنه سعيد مكانه.
قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها؛
فقال له صديقه: ما أرى بعثه فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة.
فقال له ابن بشير: فإذ قلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر على؛
قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء، فاصدقني فيها؛
كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟
فقال ابن بشير: والله ما أبالى ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي؛
فقال له: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟
فقال ابن بشير: هذه حالة والله ما استشرفت نفسى إليها قط، ولا خطرت ببالى.
قال: هذه ثانية، فكيف حبك المدح والثناء وكراهتك للعزل وحبك الولاية؟
стр. 782
قال: والله ما أبالى في الحق من مدحنى أو ذمنى، وما أسر بالولاية ولا أستوحش للعزل؛
فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك.
وذكر أن ابن بشير ولى القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته في الحق في الحكومة، ويقول أخشى عليك العزل.
فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛
فما مضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر فيها ابن بشير صلابته، فكانت سببا لعزله، فانصرف إلى بلده كما تمنى؛
فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، يرفعه إلى قرطبة (٣٩٧)، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، واجتمع معه وقال له: قد أرسل في الأمير وأظن أنه يريدنى على القضاء ثانية، فما ترى؟
فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل، فترك الولاية أفضل لك؛
قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالى على من أمررته إذ أظهر لي؛ فقال له: فلست أرى أن تمنع الناس خيرك.
فورد قرطبة وولى القضاء ثانية.
وقال بعضهم: إن سبب عزله أن يده قصرت عن بعض الخاصة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثا، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين.
стр. 783
فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، وأعتق وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالا عوضا من ماله، ومماليك عوضا من مماليكه.
قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء ثلاثة شروط مضمونة، إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل ألبتة؛
- نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق؛
- وإن ظهر لي من نفسى عجز استعفيتك، فأعفيتني؛
- وأن يكون رزقي من الفيء؛
فضمنها له؛
قال ابن حارث: وكان محمد بن بشير فيما قال لي عنه بعض العلماء أنه كان ربما قبل الشاهد عنده على التوسم والفراسة، ولربما عول على تزكية السر من أهل الثقة.
قال: وكان يقضى في سقيفة مغلقة بقبلى مسجد أبي عثمان بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هنالك جلس وحده، وخريطته بين يديه، يتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبه مرتبة (٣٩٨)، فيقف الخصمان على أقدامهما بين يديه، ويدليان بحججهما من غير صخب، فيفصل بينهما؛
وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال، ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر إلى العصر، فلا ينظر غير السماع من البينات، ويقيد
стр. 784
الشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره ولا داره، ولا يقرأ كتابا لأحد في سبب خصومة، ولا يدخل إليه؛
قال ابن وضاح: لما ولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه، لم تزل في خريطته بعينها إلى أن مات، فإذا سأله أحد طابعا لرفع خصم سأله عما يريده له، فإن كان قريبا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه برسم اسمه ومسكنه واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه إذا حضر خصمه، ويعظه ويوعده، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده؛
قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم منه.
وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان (٣٩٩)، والغازى بن قيس، والحرث بن أبي سعد، وإسماعيل بن البشر التجيبي (٤٠٠)، ومحمد بن سعيد السبائي.
قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه كتب إلى مصر، إلى عبد الرحمان بن القاسم وعبد الله بن وهب.
قال القاضي أسلم بن عبد العزيز، عن بقي بن مخلد، قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف، لم تكن لقاض قبله بالأندلس، وما يقارن إلا بمن تقدم من صدر هذه الأمة، ورأيت له غير
стр. 785
سجل، فوجدتها مختصرة جدًّا، محتوية على فص المعنى من غير إكثار، إنما هي أسطار قليلة خلاف ما يجتلب الآن في زماننا من الكلام.
ذكر بعضهم أن ابن سماعة، صاحب الخيل، شكا إلى الأميران ابن بشير يحيف عليه؛
فقال أنا امتحن قولك الساعة بواحدة، اخرج من فورك فاقصده واستأذن عليه، فإن أذن لك صدقت قولك وعزلته، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه؛
فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الآذن له، وقال: إن كانت لك حاجة فاقصد لذكرها مجلس القضاء إذا جلس القاضي، أما القاضي فلا سبيل إلى لقائه:
وأعلم الأمير بذلك فوافقه.
قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية من معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا، وابن مرتنيل، وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟
قلت: لأعدل هذا الرجل؛
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم - وبها كان يفتتح حكومته -؛
قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحول وجهه نحونا، وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو، انه عندكم رضى؟
فقلنا له: يمين أصلحك الله؟
قال: والله لا أكتب له اسما إلا أن تحلفوا بها أنه كذلك؛
فتورعنا وانصرفنا.
стр. 786
وشهد عنده رجل رافقه في الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته، فقال له الخصم: عرفنى بما لم تقبل، لأنظر في تعديله؛
فقال له: هو فلان صاحبي، ولن ينفعك تعديله عندى؛
فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس، وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنى وإياك المنشأ والحضر (٤٠١)، وطلب العلم، وطريق الحج، وعلمت من باطنى ما علمت من باطنك، فعرفنى بالسبب أمام الناس لأعرفه وأعترف فيه أمام الجماعة؛
فقال ابن بشير: صدقت، وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا عن الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا والمقام بها، وشكوت لي العزبة (٤٠٢)، ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادما تساوى على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة؛ فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها، وإنما تشتريها للمتعة، فدعها فلا معنى للزيادة فيها؛
فعصيتني واشتريتها، فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف مالك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها قادتك إلى مثل هذه الشهادة.
وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك، وقال: على محبتى فيك وخاصتي بك!
فقال له: الورع يا أبا اليسع! الورع يا أبا اليسع! ولم يزده على ذلك.
وشهد عنده رجلان ممن يظن بهما خير لمملوك توفى مولاه، أنه
стр. 787
أعتقه وزوجه ابنته وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأرسل إلى القاضي أنه يريد أن يراه، فدخل عليه، فلما بصر به الشاهد وهو في كربته جثا على ركبتيه وجعل ينجر إليه؛
فقال له القاضي: ما شأنك؟
فقال: إني في النار إن لم تنقذنى منها، الشهادة التي شهدنا بها عندك لفلان لم يكن منها شيء، فاتق الله وافسخ الحكم.
فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول له: مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه.
قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار، دون استثناء لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء، وإلا فمشيئة الله في العفو عنه من وراء هذا بفضله، فقبول توبة مثله ومحو سيئته بها، موعود به.
ذكر زيه
وكان ابن بشير قبل استقضائه يفرق شعره إلى شحمة أذنيه، ويلتحف رداء معصفرا على الرسم الأقدم، وكان حسن الزي جميل الخلق، فتمادى على زيه في قضائه؛
قال ابن وضاح: أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلا على باب المسجد الجامع يوم الجمعة، وعليه رداء معصفر وفي رجليه حذاء صرار، وعليه جمة مفروقة، ثم يقوم فيخطب ويصلي في زيه، وكذا كان يجلس للقضاء بين الناس، وإن العيون لتغضى عنه مهابة، فإن رام أحد نيل شيء منه من دينه، وجده أبعد منالا من الثريا؛
стр. 788
ولقد أتى رجل طار مجلسه لحاجة عنت له، فسأل عنه بعض من جلس إلى قربه، فأرشده إليه، فلما رآه في زيه ذلك وأثر الزينة في أطرافه من الخضاب وانكحل والسواد بمحياه، رابه أمره واتهم من أرشده، وقال: يا هؤلاء، رجل غريب سألكم عن قاضيكم فسخرتم بي، أسألكم عن قاض فتدلوني على زامر!
فأسكتوه، فقالوا: ما كذبناك. وزجر من كل ناحية.
فقال له ابن بشير: تقدم واذكر حاجتك،
ففعل الرجل، فوجد عنده فوق ما ظنه.
قال زونان (٤٠٣): عاتبت محمد بن بشير في إرساله للمته، ولبسه الخز والمعصفر؛
فقال: إني على بينة من أمرى، حدثني مالك أن محمد بن المكندر كان سيد القراء وكانت له لمة، وإن هشام بن عروة كان فقيه هذا البلد، يعني المدينة، وكان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق كان يلبس الخز، فماذا يعيب من له بهؤلاء أسوة.
وكان محمد بن عيسى الأعشى يعرض بالقاضي محمد لزيه هذا، ويسميه في جميع ما ذكره: (معشر الدلال) اسم مخنث كان بالمدينة، حتى بلغ ذلك ابن بشير، فجمعه والأعشى مجلس أمكنه فيه القول، فانعطف إليه ابن بشير، وقال: يا أبا عبد الله، ان الشر لا يعجز عنه أحد، وإن الخير لا يناله إلا أهل الصبر الجميل، ومن يقوم على نفسه بالرياضة المحمودة، فأقصر عما بلغني عنك، فإنه أجمل بك؛
واستحياه وأقصر فيما بعد.
стр. 789
ومن المبسوطة: قال يحيى بن يحيى: لا تجد من يعقل يلزم ما يعاب عليه، ولقد رأيت محمد بن بشير لبس ما لا يعرف ببلده، يعنى الخز، فما لبسه إلا أربعين يوما، ثم ترك ذلك لاستبشاعه، لا لغير ذلك.
ذكر شيء من أعيان أقضيته التي دلت على ثبات قدمه في الحق، وبقية خبره
قال أحمد بن خالد: كان أول ما نفذه ابن بشير من نافذ أحكامه، التسجيل على الأمير الحكم في أرحاء القنطرة (٤٠٤) بباب قرطبة، إذ ثبت عنده حق مدعيها، ولم يكن عند الأمير مدفع، فسجل فيها، وأشهد على نفسه، فلما مضت مديدة، ابتاعها له ابتياعًا صحيحًا، فسر بذلك الحكم بعد مساءة، وجعل يقول: رحم الله ابن بشير، فقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا، إذ كان في أيدينا شيء مشتبه، فصحح ملكه لنا؛
قال ابن وضاح: حكم ابن بشير على ابن فطيس الوزير، في حق ثبت عنده، دون أن يعرفه بالشهود عليه، فشكا ابن فطيس ذلك إلى الأمير. وتظلم [منه، وأوصى إلى ابن بشير بذلك، وذكر له شكوى ابن فطيس] (٤٠٥) من إمضائه الحكم عليه دون أعذار، وهو حق له بإجماع أهل العلم.
فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممن يعرف بمن شهد عليه، لأنه إن لم يجد سبيلًا إلى تجريحهم لم يتحرج عن أذاهم، فيدعون الشهادة هم ومن يقتدى بهم، ويضيع يضيع أمر الناس،
стр. 790
وقال ابن وضاح: وكل سعيد الخير، عم الأمير الحكم، وكيلا يخاصم له عند محمد بن بشير في مطلب قيم به عنده عليه، وكانت في يد سعيد وثيقة فيها شهادة جماعة من العدول، أتى الموت عليهم ما عدا شاهدًا واحدا من أهل القبول مع شهادة الأمير الحكم ابن أخيه، فاضطر عمه إليها في خصومته لما قبل القاضي شهادة الآخر، وضرب الآجال لوكيله في شاهد ثان.
فدخل سعيد على الأمير، وعرفه حاجته إلى شهادته؛
وكان الحكم معظما لعمه، فقال له: يا عم أعفنى من هذه الكلفة، فقد تعلم أنا لسنا من أهل الشهادة عند حكامنا، إذ التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا نرضى به عن أنفسنا، ولا نلومهم على مثل ذلك فينا، ونخشى أن توقفنا مع هذا القاضي موقف خزى نفديه بملكنا، فصر في خصامك حيثما صيرك الحق، وعلينا خلف ما ينقصك وأضعافه.
فلج سعيد في ذلك، وعزم عليه إلى أن وجه شهادته مع فقيهين ليؤدياها إلى القاضي، فأدياه لله؛
فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين، وجاء وكيل سعيد الخير، فتقدم مدلا واثقا، فقال: أيها القاضي قد نقلت إليك شهادة الأمير فما تقول؟
فأخذ كتاب الشهادة وأعاد النظر فيه، ثم قال هذه شهادة لا تعمل عندى، فجئنى بغيرها؛
فمضى الوكيل إلى سعيد فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم فقال: ذهب سلطاننا وأهينت عزتنا، يجترى قاضيك الحرورى على رد شهادتك، هذا ما لا يجب أن تتحمله عليه؛
وأكثر من هذا، وأغرى بابن بشير، والأمير مطرق، فلما فرغ من كلامه قال له: يا عم! هذا ما قد ظننته، وقد آن لك أن تقصر عنه، فالحق
стр. 791
أولى بك، والقاضي قد أخلص يقينًا لله، وفعل ما يجب عليه ويلزمه، ولو لم يفعل ما فعله لأحال الله بصيرتنا فيه، فأحسن الله جزاءه عنا وعن نفسه، ولست والله أعترض القاضي بعد فيما احتاط لنفسه؛
فذكر أن بعض إخوان ابن بشير عاتبه فيما أتاه من ذلك، فقال له: يا عاجز! ألا تعلم أنه لابد من الأعذار في الشهادات، فمن كان يجتريء على الدفع في شهادة الأمير، ولو قبلتها ولم أعذر لبخست المشهود عليه حقه؛
وحكى أنه كانت لمحمد بن بشير أيام نزل قرطبة، خادم سوداء اسمها بلاغ، تخدمه ويستمتع بها عند حاجته، فكان إذا غشيها وقضى وطره منها، دفع في صدرها بيده، وقال: يا بلاغ: إن فيك لبلاغا إلى حين.
قال ابن حارث: إن حظية للأمير الحكم بات عندها في بعض لياليه، فافتقدته في بعض الليل ولم تصبه، فهاجت غيرتها وقامت تقفو أثره، فأصابته قائما تحت شجرة في الحائط يصلى ويدعو ويجتهد، فلما انصرف إلى مرقده ألحت عليه في السبب الموجب لذلك، وظنت أن أمرًا طرقه، فقال: ما ذاك إلا أن محمد بن بشير القاضي مات (٤٠٦)، فأشفقت من فقده وأعجزنى الاعتياض منه، فقد كنت جعلته بينى وبين الله في أحكام الناس، فاستندت منه إلى ثقة، إذ كانت نفسى مستريحة إلى عدله، فناجيت الله تعالى ودعوته دعوة مضطر إلى إجابته في أن يحسن عزاءى عنه، ويجمل عوضى منه.
وكانت وفاة ابن بشير سنة ثمان وتسعين ومائة.
فاستقضى الحكم بعده ابنه سعيد بن محمد.
وقيل الفرج بن كنانة.
وسيأتي ذكرهما في طبقتهما لمن شاء الله تعالى.
стр. 792
طالوت بن عبد الجبار المعافرى
من أهل قرطبة، قال أبو بكر بن القوطية: كان آخر (٤٠٧) من أخذ عن مالك بن أنس ونظرائه من أهل العلم، وشهر بالصلاح والفضل، وإليه ينسب المسجد والحفرة بداخل مدينة قرطبة، وهناك كان مسكنه، وكان ممن استخفى من أعلام فقهاء قرطبة في ثورة أهل قرطبة على أميرهم الحكم بن هشام، وظفر بهم، وهو صاحب القصة المشهورة المضروب بها المثل في الوفاء للذمة؛
وكان طالوت قد استخفى خوفًا على نفسه عند رجل من اليهود من جيرانه ووثق به، فتقبله أحسن قبول، ومكث عنده بأفضل حال حولا، حتى طفئت النائرة، وظن الفقيه أنه أمل اليهودى؛
وكانت بينه وبين أبي البسام الوزير وصلة حن بها إليه، رجاء أن يأخذ له الأمان؛
فساء اليهودى تحوله عنه، ونصحه فلج، وقصد الوزير خفية بين العشائين، فأظهر القبول له، وسأله أين كان قبل، فأخبره، فصوب رأيه في انتقاله إليه، ووعده الشفاعة له، وبادر بالركوب إلى الأمير من وقته، وقد وكل به من يحرسه، فقال للأمير: ما رأيك في عجل سمين عاكف على مذوده منذ سنة، يلذ مطعمه، هذا طالوت رأس المنافقين عندى، قد أظفرك الله به.
قال: قم فعجل به؛
стр. 793
ووثب فجلس على كرسى بباب مجلسه يتوقد غيظًا عليه، فلم يلبث أن أدخل طالوت عليه، فجعل يتقرعه بذنوبه، ويقول: طالوت! طالوت! الحمد لله الذي أظفرني بك، ويحك، أخبرني لو أن أباك أو ابنك قعد مقعدى بهذا القصر، أكانا يزيدانك من البر والإكرام على ما فعلته أنابك، هل رددتك قط في حاجة لك أو لغيرك، ألم أشاركك في حلوك ومرك؟ ألم أعدك مرات في علاتك؟ ألم أشاركك في حزنك على زوجتك، فمشيت في جنازتها راجلا إلى مقبرة الريض وانصرفت معك كذلك إلى منزلك؟ وغير شيء من التوقير فعلته بك. ما حملك على ما قابلت به إجمالي، ولم ترض مني إلا بخلع سلطاني، والسعى لسفك دمى، واستباحة حرمى؟
فقال له طالوت: ما أجد لي في هذا الوقت مقالا أنجى من صدقك، أبغضتك لله وحده، فلم ينفعك عندى كل ما صنعته، هي حظوظ دنياك (٤٠٨)؛
فسرى عن الأمير، وسكن غيظه، وملئ عليه رقة وقال: والله لقد أحضرتك وما في الدنيا عذاب إلا وقد عرضته اختار أفظعه لك، فقد حيل بينى وبينك، فأنا أعلمك أن الذي أبغضتنى له قد صرفني عنك، فانصرف في أمان الله تعالى، وتصرف حيث شئت، وارفع إلى حاجاتك، فلن تعدم منى برا ما بقيت، فيا ليت الذي كان لم يكن.
فقال له طالوت: صدقت، فلو لم يكن كان خيرًا لك، ولا مرد لأمر الله.
فلم يزل طالوت بعد لديه مبرورًا إلى أن توفى عن قريب، فأسى له الحكم، وحضر جنازته، وأثنى عليه بصدقه؛
стр. 794
وسأل الحكم طالوت، بعد أن أمنه في ذلك المجلس، كيف ظفر بك صاحبك الوزير؟
قال أنا أظفرته بنفسى عن ثقة، لوصلة بيني وبينه، ليشفع لي عندك، فكان منه ما رأيت؛
فقال له: فأين كان مثواك قبل؟
فأخبره بخير اليهودي؛
فقال الحكم للوزير: سوءة لك، رجل من أعداء الملة حفظ لهذا الشيخ محله من الدين والعلم، فأخطر بنفسه فيه، وناقضت أنت ذلك وهو من خيار أهل ملتك، وأردت أن تزيدنا فيما نحن نادمون عليه من سوء الانتقام، اخرج عنى قبحك الله ولا ترنى وجهك، ووفر أرزاقه وطوى من بيت الوزارة فراشه، فسقط آخر الدهر، وذهب عقبه، وما زالوا في ارتكاس وخمول:
وقد قيل: إن اعلامه إياه بهذه القضية وتباين ما بين الرجلين كان سبب عفو الأمير عن طالوت وانقلاب حقده على الوزير الواشي به والله أعلم.
стр. 795
عبد الرحمان بن موسى الهوارى، أبو موسى من أهل استجة
ذكر ابن حارث أنه استقضى على بلده أيام الأمير عبد الرحمان بن الحكم.
قال القاضي أبو الوليد: رحل أول خلافة الإمام عبد الرحمان بن معاوية، فلقى مالك بن أنس، وابن عيينة، ونظراءهما من الأئمة، ولقى الأصمعي وأبا زيد وغيرهما من رواة الغريب، وداخل العرب وتردد في محالها، ومصدر إلى الأندلس من سفره، فعطب ببحر تدمير فذهبت كتبه، فلما قدم أستجة أتاه أهلها يهنونه بقدومه، ويعزونه بذهاب كتبه، فقال لهم: ذهب الخرج وبقى الدرج، يعنى ما في صدره؛
وكان فصيحا ضربا (٤٠٩) من الإعراب، حافظًا للفقه والتفسير والقراءات.
وله كتاب في تفسير القرآن قد رأيت بعضه، رواه عنه محمد بن أحمد العتبى، ومسيب بن سليمان الأستجي، وروى عنه أيضا أصبغ بن خليل.
وهو كان القائم بالقضاء أيام الحكم بن هشام، بعد صعصعة بن سلام ووفاته؛
قال العتبى: وكان أبو موسى إذا قدم قرطبة لا يفتى عيسى، ولا يحيى، ولا سعيد بن حسان، حتى يرحل عنها، توقيرا له؛
وكان يسكن بعض قرى مورور (٤١٠)، ثم انتقل إلى استجة.
стр. 796
عبد الرحمان بن عبيد الله
من أهل أشبونة، قال ابن الفرضى. قال خالد: كان مترددًا إلى قرطبة، وكان قد سمع من مالك بن أنس وكان له مكرما، وذكر هذا غير واحد.
ويقال: أنه ممن روى عنه الموطأ؛
روى عنه عبد الملك زونان وغيره؟
قال عبد الرحمان: كنت يوما جالسا إلى جنب مالك بن أنس، فنظر إلى ابن وهب، وقال: سبحان الله! أيما فتى لولا الإكثار!
حسان وحفص ابنا عبد السلام السلمي
من أهل سرقسطة، ذكر غير واحد رحلتهما إلى مالك وسماعهما منه، قال ابن أبي دليم: ورويا عنه الموطأ؛
قال ابن الفرضى وكانا جميعا فاضلين، ورحلا معا إلى مالك، وكان حسان أسن من حفص، وكان من أهل العلم والدين، وكان حفص متفننًا في العلوم بليغا حاذقا، كنيته أبو عمر، يحكى أنه لزم مالكا سبعة أعوام، وكان مالك يدنى منزلته، وسرد الصيام أربعين سنة، وكان الأمير الحكم يستقدمه كل عام يؤم به في رمضان.
شبطون بن عبد الله الأنصاري
الطليطلى ولى القضاء ببلده، وذكره أبو سعيد بن مفرج، وابن أبي دليم، وغيرهما في الرواة عن مالك.
وذكر ابن أبي دليم أنه سمع منه الموطأ، وقيل أنه سمع منه كثيرًا، وكان سمع منه حتى مات، وتوفى سنة ثنتى عشرة ومائتين.
стр. 797
محمد بن يحيى السبائي من أهل قرطبة
يكنى أبا عبد الله، كان يعرف بفطيس ابن أم غازية.
روى عن مالك بن أنس الموطأ فيما ذكر ابن أبي دليم، وسمع منه مسائل معروفة؟
روى عنه قاسم بن هلال؛
قال ابن الفرضى: وفى كتاب أحمد: محمد بن سعيد السبائي / [وفى رواية ابن لبابة: محمد بن يحيى، فلا أدرى أهما رجلان أو رجل واحد، اختلف في اسم أبيه؛
وفي كتاب أبي سعيد المصرى في موضع: محمد بن يحيى السبائي] / (٤١١) قرطبى، سمع من مالك بن أنس.
وقال في موضع آخر: محمد بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن مسلم بن خشخاش، بن أبي وعلة السبائي، أندلسي قديم، كان المفتى في أيامه، فجعلهما رجلين؛
وقال أحمد: هو جد السبائيين بقرطبة، قال: ولا أعلم له رحلة.
وتوفى في صدر أيام الأمير عبد الرحمان بن الحكم، بعد ست ومائتين.
وقال ابن حارث: كان ابن بشير القاضي يشاور في قضائه محمد بن سعيد السبائي.
قال الأمير: لعل هذا هو المعروف بابن الملون، ووهم، فإن ابن الملون متأخر عن هذه الطبقة.
стр. 798
وقال ابن حارث: محمد بن سعيد بن عبد الله السبائي، ذكره عبد الملك في كتابه مع يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، وأمثالهم، وكان من أهل الورع والسمت الحسن، يروى عن يحيى بن يحيى، توفي في نحو الثمانين ومائتين.
داود بن جعفر بن الصغير
ويقال ابن أبي الصغير، مولى بني تميم قرطبي سمع من مالك والدراوردي، ومعاوية بن صالح، وابن عيينة، وزكرياء بن منظور.
وقال ابن الفرضى: وقد روى عنه ابن وهب، وابن القاسم، ومن الأندلسيين حسين بن عاصم، والأعشى، ومطرف بن عبد الرحمان بن قيس، ومحمد بن وضاح.
قال ابن وضاح: وروى هو عنى، وكان ولى قضاء قلنبرية.
قال ابن أبي دليم - وذكره في المالكية -: كان يميل إلى الحديث، ولم يذكر له سماعًا من مالك، وذكر سماعه منه ابن الفرضي عن ابن لبابة، وذكره أيضا غيره، وسماعه في المدينة كثير مشهور.
قال داود: رأيت ابن عيينة يطوف بالبيت متكئًا على رجل، فسأله عن حديث، فنحى يده عنه، وقال له نكرًا، فانضممت إليه فاتكأ على حتى فرغ من طوافه، ثم تحول إلى فقال: بارك الله عليك، قال على بن أبي طالب: المؤمن حسن المعونة قليل المئونة.
قال مطرف بن قيس: كان داود بن جعفر لبيبا فاضلا كتب عنه نحو من ثلاثة آلاف حديث أو أكثر.
قال ابن وضاح: وهو جد بني الصغير عندنا بالأندلس؛
стр. 799
الطبقة الصغرى من أصحاب مالك
فمن أهل المدينة:
أبو مصعب أحمد بن أبي بكر
واسم أبي بكر القاسم بن الحرث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمان بن عوف الزهرى (٤١٢).
روى عن مالك الموطأ وغيره من قوله، وتفقه بأصحابه، المغيرة، وابن دينار، وغيرهما، وله كتاب مختصر في قول مالك مشهور.
قال الزبير بن بكار: كان على شرط عبيد الله بن الحسن بالمدينة، ثم ولاه قضاءها.
قال مصعب بن عبد الله: ويعرف بكنيته أبي مصعب، وهو فقيه أهل المدينة غير مدافع.
قال أبو إسحاق الشيرازي: كان من أعلم أهل المدينة، روى أنه قال: يا أهل المدينة! لا تزالون ظاهرين على أهل العراق ما دمت لكم حيا.
روى عن مالك، والمغيرة، وابن دينار، وإبراهيم بن سعد، وابن أبي حازم، وصالح بن قدامة، والدراوردي، والعطاف بن خالد وغيرهم؛
стр. 800
روى عنه البخارى، ومسلم، والذهلي، وإسماعيل القاضي، وأخوه حماد والرازيان، وابن نمير (٤١٣)، ومحمد بن رزين، وغيرهم، وأخرج البخاري ومسلم عنه في صحيحيهما.
قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي، وأبو رزعة وقالا: هو صدوق.
قال القاضي وكيع، في كتاب طبقات القضاة: هو من أهل الثقة في الحديث.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: خرجت في سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكة، فقلت لأبي: عمن أكتب؟
فقال: لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عمن شئت.
قال القاضي (٤١٤): وإنما قال ذلك لأن أبا مصعب كان يميل إلى الرأى، وأبو خيثمة من أهل الحديث، وممن ينافر ذلك، فلذلك نهى عنه، وإلا فهو ثقة، لا نعلم أحدًا ذكره إلا بخير.
قال ابن أبي خيثمة: وأبو مصعب ممن حمل العلم، وولاه عبد الله بن الحسن قضاء الكوفة (٤١٥)، ثم ذكر أنه ولى قضاء المدينة.
قال ابن نمير: سمعت أبا مصعب يقول: سمعت مالكا يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال أبو مصعب: فمن شك أو وقف فهو كافر.
وقال حبيب: قال أبو مصعب: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فمن قال غير هذا فهو كافر؛
стр. 801
قال أبو مصعب. وحدثني عبد العزيز بن أبي حازم قال: قلت لمالك: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟
قال: أبو بكر وعمر. قال ابن أبي حازم: وهذا رأيي. قال أبو مصعب وهو رأيي، ولو كان إلى المحاباة حابيت جدى عبد الرحمان بن عوف.
قال البخارى: ومات سنة اثنين وأربعين ومائتين بالمدينة.
وقال ابن عبد البر وغيره: سنة إحدى وأربعين، قال ابن الجزار في آخرها.
وقال الشيرازي: وعاش تسعين سنة.
أبو محمد الحكم
مدني، ذكره ابن شعبان في جملة رواة مالك، وهو مشهور بصحبة محمد بن مسلمة، وعبد الملك بن الماجشون.
يروى عنه إسماعيل القاضي وأخوه حماد ومحمد بن الحكم.
стр. 802
يعقوب بن حميد بن كاسب
أبو يوسف مدنى سكن مكة (٤١٦). روى عن مالك، وإبراهيم بن سعد، والدراوردي، وابن أبي حازم، والمغيرة، وأنس بن عياض، وعبد الملك بن الماجشون؛
روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، والزبير بن بكار، وعبد الله بن شهاب، وضعفه ابن معين لعلة. قال وهو في سماعه ثقة، وإنما ضعفه لأن الطالبيين حدوه؛
قال أبو داود: فناظرت ابن معين في خبره وتحامل أولائك عليه، فأمسك عنه.
قال ابن وضاح: ما رأيت بالحجاز أعلم بقول أهل المدينة منه. قال سحنون: كان حافظا، وكان يعرف بابن القسام، وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة.
قال البخاري: مات أول سنة إحدى وأربعين أو آخر أربعين ومائتين.
стр. 803
أبو عبد الله محمد بن صدقة الفدكي
كان يسكن ناحية المدينة، قال البخاري: سمع مالكا ومحمد بن يحيى بن سهل.
سمع منه إبراهيم ابن المنذر، وله عن مالك مسائل كثيرة وحديث؛
* * *
قال محمد بن صدقة: سئل مالك عن الرجل يبتاع العبد فيشج عنده موضحة، فيأخذ لها عقلا، ثم يرده بعيب فيطلب سيده أرش الموضحة، أنه لا شيء له منها، لأن الموضحة لا تشينه، وإن كان جرحا يشينه لم يرده إلا بما أخذ.
وقاله ابن القاسم، وكذلك الجائفة والمأمومة.
وقال عيسى بن دينار: إذا شانه كان بالخيار أن يرده، وما نقص الشين ليس العقل الذي أخذ، وإن شاء حبس وأخذ قيمة العيب، وإن لم يشن فأما رد وكل ما أخذ، أو أمسك ولا شيء له؛
стр. 804
الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب
ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام (٤١٧) مدنى، يروى عن مالك وأبى ضمرة وأبيه وعمه، يكنى بأبي عبد الله.
قال ابن أبي خيثمة: هو من أهل العلم، سمعت عمه مصعب بن عبد الله غير مرة يقول لي بالمدينة: ابن أخ، إن بلغ أحد منا فسيبلغ بغيته؛
كان الزبير علامة قريش في وقته، بالحديث والفقه والأدب والشعر والخبر والنسب، وهذا الباب هو الغالب عليه، وله فيه كتاب جمهرة أنساب قريش وغير ذلك.
ولى قضاء مكة، وبها توفى في ذى الحجة سنة ست وخمسين ومائتين.
стр. 805
ومن المكيين ممن عداده في البغداديين:
هارون بن عبد الله الزهرى
أبو يحيى، قال المصعب الزبيري: هو هارون بن عبد الله، بن محمد، بن كثير بن معن بن عبد الرحمان بن عوف، وأمه سهلة بنت معن بن عمر بن معن بن عبد الرحمان، مكي، نزل بغداد؛
وذكره أبو إسحاق الشيرازى في الطبقة الأولى من الأتباع، وقد ذكر أبو إسحاق أنه ممن روى عن مالك، وأسندوا له عنه أحاديث وحكايات تشهد بسماعه.
قال الشيرازي: تفقه بأبي المصعب الزبيري.
قال القاضي: وسمع من ابن وهب، وابن أبي حازم، وللقاضي هارون أيضا رواية عن المغيرة وعبد الملك والواقدى.
روى عنه يحيى بن عمر، ويونس بن عبد الأعلى، والوليد بن مسافر، والعداس، وأبو جعفر بن هارون الأيلى، وجعفر بن يزيد، والقاضي أبو المغيرة محمد بن إسحاق المخزومي، ومطرف بن قيس.
قال الشيرازي: هو أعلم من صنف الكتب في مختلف قول مالك.
قال الزبير (٤١٨) في جمهرته: كان من الفقهاء، وكان يقوم بنصرة قول أهل المدينة فيحسن.
стр. 806
قال مطرف بن قيس: سمعت منه بمكة، وكان لزمها، وكان عظيم القدر، وله رواية عن مالك، وقال لي محمد بن عبد الحكم: ان لقيته فاحمل عنه.
وقال القاضي وكيع: كان هارون الزهرى من الفقهاء بمذهب أهل المدينة من أصحاب مالك، ومن أهل الأدب الواسع.
قال هو والجيزي: كان في قضائه محمودًا عفيفًا محببا.
ولايته القضاء وسيرته ومحنته
قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة، ثم صرفه، ثم قضاء الرقة، ثم صرفه، ثم قضاء عسكر المهدى ببغداد، ثم صرفه، ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم.
قال الحميدي في قضاة مصر: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاض إلى أن ولى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهرى.
قال هارون: دعانى المأمون فقال: يا هارون! قد وليتك بلدًا يقولون بقولك: مصر.
قال أبو عمر الكندى في كتابه في قضاة مصر، قدم هارون الزهرى مصر في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع، ولم يبق شيئا من أمور القضاء إلا شاهده بنفسه وحضره مع أهل مصر، وتقصى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه وحاسب عليها، وضرب رجلا على حال رآه منه في مال يتيم كان ينظر له، وأطافه، وأورد أموال الغيب، ومن لا وارث له، بيت المال، وسجل بجميع ذلك؛
стр. 807
وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة، فاستعفى من ذلك، فكتب ابن أبي داود إلى بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك، فكان رأسًا في ذلك، وحمل الناس فيها؛
فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري.
فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة، وأن ابن عبد الحكم الكبير (٤١٩) ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا، وامتحن الأصم أيضا أبا الطاهر، وأبا جعفر الأيلى، ويحيى بن بكير، وأبا إسحاق البرقى، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط، وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به، وضرب ابن كاسب، وعبد الله بن زيد بن ظبيان، وقابوس بن أبي ظبيان وغيرهم.
وأجابه بعضهم تقية، وكل من أجابه تركه، ومن أبي عليه بعثه إلى العراق إلى ابن أبي داود؛
وفر جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز؛
واختفى آخرون، منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره.
وذكر الكندى أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر بأخذ القاضي هارون، فزعم أنه أجابه، وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقربه، وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالا لما أمر به.
ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك، وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما نذكره بعد.
стр. 808
قال أبو عمرو الجيزى: وثقل مكانه على ابن أبي داود، فصرفه عن قضاء مصر سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلا إلى عزله، لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه، حتى قرر عند المعتصم أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشنأه المعتصم، كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة، فعزله وولى أبا بكر بن أبي الليث الأصم، فأقام رجلا يرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال، وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة، فأتى عليه منه، فأمر الأصم بإحضار هارون ومناظرته مرة بعد أخرى، فامتهنه وأمر بحبسه، فورد كتاب المعتصم برفع ذلك عنه.
فأخذ الله عما قريب من الأصم ما فعل بهارون، وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولى قضاء مصر، أقام الأصم أياما يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولى بعد ذلك بحلق لحية الأصم ورأسه، وضربه، وطوافه مصر على حمار، وسجنه، وحمله وأصحابه، واستصفاء ماله، ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله.
وكان الأصم مبتدعًا معتزليا خبيثا.
وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.
ذكر ملح وحكم من شعره
أنشد له القاضي وكيع في طبقات القضاة مما قاله عند انصرافه عن ابن أبي داود:
أيام معروفك ما لم تعن … بالصبر أحوال وأحوال
فاصبر لها واصبر لمكروهها … فللذي يدبر إقبال
ورب أمر مرتج بابه … عليه إن فتح أقفال
стр. 809
ضاق بذى الحيلة في فتحه … حيلته والمرء محتال
حتى تلقته مفاتيحه … من حيث لا يخطره البال
والرزق فاطلبه على أنه … آت له وقت وأجال
وليس يبطى عنك في وقته … ولا له عن ذاك اعجال
فلا تقم عبدا على مطمم … فربما أخلفك الحال
فالفقر خير فاعملن من غنى … يكون لك فيه إذلال
والمال للمكترشين إذا … لم يك منه فيه أفضال
والحر حر حيث أمسى ولا … يمنعه من ذاك إقلال
وأنشد الزبير بن بكار له:
هل الشوق إلا أن يحن غريب … وأن يستطال العهد وهو قريب
أرى الشوق يدعونى إلى من أوده … وللشوق داع مسمع ومجيب
سقى الله أكناف المدينة انه … يحل بها شخص إلى حبيب
وإني وإن شطت بي الدار عنهم … إليهم لمشتاق الفؤاد طروب
وقائلة ما بال جسمك شاحبا … وأهون ما بي أن يكون شحوب
فقلت لها في الصدر منى حرارة … تقطع أنفاسي بها وتذوب
إذا ما تذكرت الحجاز وأهله … فللعين من فيض الدموع غروب
وأنشد له أبو عمرو الكندى:
ولما رأيت البين منها فجاءة … وأهون للمكروه أن يتوقعا
ولم يبق إلا أن يشيع ظاعنًا … مقيم، وتذرى عبرة أن تودعا
نظرت إليها نظرة فرأيتها … وقد أبرزت من جانب الخدر أصبعا
وذكر عن هارون أنه قال: أنشدتها لعبد الملك بن الماجشون، ونسبتها إلى رجل من بنى قيس فقال: أحسن والله؛
стр. 810
فقلت: أنا والله قلتها في طريقي إليك؛
فقال: قد عرفت فيها اللين حين أنشدتها؛
وأنشد له القاضي وكيع قصيدة كثيرة الحكم والوصايا أولها:
أمسى مشيبك في المفارق شائعا … ورددت من عهد الشباب ودائعا
وتركت وصل الغانيات وطالما … عاصيت فيهن العواذل طائعا
ولقد لبست من الشباب غضارة … ونضارة لو كان ذلك راجعا
أزمان تصغى للصبا وحديثه … سمعا يميل إلى الغواية سامعا
فدع الغواني والشباب وذكره … كم موضع في الغي أصبح نازعا
والله فاخش وخف ذنوبك عنده … يوم الحساب وكن لنفسك وازعا
لا تعط نفسك ما تريد ولا تكن … فيما يضرك إن دعيت مسارعا
لا تمس عبدًا للمطامع ولتكن … للفضل متبوعا ولا تك تابعا
كن للعشيرة في الأمور إذا غدت … كهفا وعنها في الأمور مدافعا
لا تحسدن نبيهها واخضع له … خير من أن تلفى لآخر خاضعا
سهل له فيما يريد طريقه … حتى يكون برفعه لك رافعا
فمتى ينل حظا يكن لك حظه … وتكون فيه مفارقا ومجامعا
فإذا نشا لك ناشيء فانهض به … وامنعه من ضيم يكن لك مانعا
حافظ عليه واتخذه عدة … سيفا إذا لاقى الكريهة قاطعا
أكثر صديقك ما استطعت فما به … ضر إذا ما لم يكن لك نافعا
داو العداوة من عدو بالتقى … واحذر عدوك دانيا أو شاسعا
وإذا دعاك إلى الرجوع مجاملا … فارجع له وليلف سربك واسعا
إلا الحسود فإن تلك عداوة … تبدى الرضى وتكون سما ناقعا
فاصبر عليه فليس فيه حيلة … ولتطلعن ظوالعا وطوالعا