قال مطرف بن قيس: سمعت منه بمكة، وكان لزمها، وكان عظيم القدر، وله رواية عن مالك، وقال لي محمد بن عبد الحكم: ان لقيته فاحمل عنه.
وقال القاضي وكيع: كان هارون الزهرى من الفقهاء بمذهب أهل المدينة من أصحاب مالك، ومن أهل الأدب الواسع.
قال هو والجيزي: كان في قضائه محمودًا عفيفًا محببا.
ولايته القضاء وسيرته ومحنته
قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة، ثم صرفه، ثم قضاء الرقة، ثم صرفه، ثم قضاء عسكر المهدى ببغداد، ثم صرفه، ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم.
قال الحميدي في قضاة مصر: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاض إلى أن ولى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهرى.
قال هارون: دعانى المأمون فقال: يا هارون! قد وليتك بلدًا يقولون بقولك: مصر.
قال أبو عمر الكندى في كتابه في قضاة مصر، قدم هارون الزهرى مصر في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع، ولم يبق شيئا من أمور القضاء إلا شاهده بنفسه وحضره مع أهل مصر، وتقصى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه وحاسب عليها، وضرب رجلا على حال رآه منه في مال يتيم كان ينظر له، وأطافه، وأورد أموال الغيب، ومن لا وارث له، بيت المال، وسجل بجميع ذلك؛
стр. 807
وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة، فاستعفى من ذلك، فكتب ابن أبي داود إلى بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك، فكان رأسًا في ذلك، وحمل الناس فيها؛
فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري.
فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة، وأن ابن عبد الحكم الكبير (٤١٩) ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا، وامتحن الأصم أيضا أبا الطاهر، وأبا جعفر الأيلى، ويحيى بن بكير، وأبا إسحاق البرقى، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط، وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به، وضرب ابن كاسب، وعبد الله بن زيد بن ظبيان، وقابوس بن أبي ظبيان وغيرهم.
وأجابه بعضهم تقية، وكل من أجابه تركه، ومن أبي عليه بعثه إلى العراق إلى ابن أبي داود؛
وفر جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز؛
واختفى آخرون، منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره.
وذكر الكندى أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر بأخذ القاضي هارون، فزعم أنه أجابه، وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقربه، وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالا لما أمر به.
ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك، وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما نذكره بعد.
стр. 808
قال أبو عمرو الجيزى: وثقل مكانه على ابن أبي داود، فصرفه عن قضاء مصر سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلا إلى عزله، لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه، حتى قرر عند المعتصم أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشنأه المعتصم، كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة، فعزله وولى أبا بكر بن أبي الليث الأصم، فأقام رجلا يرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال، وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة، فأتى عليه منه، فأمر الأصم بإحضار هارون ومناظرته مرة بعد أخرى، فامتهنه وأمر بحبسه، فورد كتاب المعتصم برفع ذلك عنه.
فأخذ الله عما قريب من الأصم ما فعل بهارون، وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولى قضاء مصر، أقام الأصم أياما يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولى بعد ذلك بحلق لحية الأصم ورأسه، وضربه، وطوافه مصر على حمار، وسجنه، وحمله وأصحابه، واستصفاء ماله، ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله.
وكان الأصم مبتدعًا معتزليا خبيثا.
وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.
ذكر ملح وحكم من شعره
أنشد له القاضي وكيع في طبقات القضاة مما قاله عند انصرافه عن ابن أبي داود:
أيام معروفك ما لم تعن … بالصبر أحوال وأحوال
فاصبر لها واصبر لمكروهها … فللذي يدبر إقبال
ورب أمر مرتج بابه … عليه إن فتح أقفال
стр. 809
ضاق بذى الحيلة في فتحه … حيلته والمرء محتال
حتى تلقته مفاتيحه … من حيث لا يخطره البال
والرزق فاطلبه على أنه … آت له وقت وأجال
وليس يبطى عنك في وقته … ولا له عن ذاك اعجال
فلا تقم عبدا على مطمم … فربما أخلفك الحال
فالفقر خير فاعملن من غنى … يكون لك فيه إذلال
والمال للمكترشين إذا … لم يك منه فيه أفضال
والحر حر حيث أمسى ولا … يمنعه من ذاك إقلال
وأنشد الزبير بن بكار له:
هل الشوق إلا أن يحن غريب … وأن يستطال العهد وهو قريب
أرى الشوق يدعونى إلى من أوده … وللشوق داع مسمع ومجيب
سقى الله أكناف المدينة انه … يحل بها شخص إلى حبيب
وإني وإن شطت بي الدار عنهم … إليهم لمشتاق الفؤاد طروب
وقائلة ما بال جسمك شاحبا … وأهون ما بي أن يكون شحوب
فقلت لها في الصدر منى حرارة … تقطع أنفاسي بها وتذوب
إذا ما تذكرت الحجاز وأهله … فللعين من فيض الدموع غروب
وأنشد له أبو عمرو الكندى:
ولما رأيت البين منها فجاءة … وأهون للمكروه أن يتوقعا
ولم يبق إلا أن يشيع ظاعنًا … مقيم، وتذرى عبرة أن تودعا
نظرت إليها نظرة فرأيتها … وقد أبرزت من جانب الخدر أصبعا
وذكر عن هارون أنه قال: أنشدتها لعبد الملك بن الماجشون، ونسبتها إلى رجل من بنى قيس فقال: أحسن والله؛
стр. 810
فقلت: أنا والله قلتها في طريقي إليك؛
فقال: قد عرفت فيها اللين حين أنشدتها؛
وأنشد له القاضي وكيع قصيدة كثيرة الحكم والوصايا أولها:
أمسى مشيبك في المفارق شائعا … ورددت من عهد الشباب ودائعا
وتركت وصل الغانيات وطالما … عاصيت فيهن العواذل طائعا
ولقد لبست من الشباب غضارة … ونضارة لو كان ذلك راجعا
أزمان تصغى للصبا وحديثه … سمعا يميل إلى الغواية سامعا
فدع الغواني والشباب وذكره … كم موضع في الغي أصبح نازعا
والله فاخش وخف ذنوبك عنده … يوم الحساب وكن لنفسك وازعا
لا تعط نفسك ما تريد ولا تكن … فيما يضرك إن دعيت مسارعا
لا تمس عبدًا للمطامع ولتكن … للفضل متبوعا ولا تك تابعا
كن للعشيرة في الأمور إذا غدت … كهفا وعنها في الأمور مدافعا
لا تحسدن نبيهها واخضع له … خير من أن تلفى لآخر خاضعا
سهل له فيما يريد طريقه … حتى يكون برفعه لك رافعا
فمتى ينل حظا يكن لك حظه … وتكون فيه مفارقا ومجامعا
فإذا نشا لك ناشيء فانهض به … وامنعه من ضيم يكن لك مانعا
حافظ عليه واتخذه عدة … سيفا إذا لاقى الكريهة قاطعا
أكثر صديقك ما استطعت فما به … ضر إذا ما لم يكن لك نافعا
داو العداوة من عدو بالتقى … واحذر عدوك دانيا أو شاسعا
وإذا دعاك إلى الرجوع مجاملا … فارجع له وليلف سربك واسعا
إلا الحسود فإن تلك عداوة … تبدى الرضى وتكون سما ناقعا
فاصبر عليه فليس فيه حيلة … ولتطلعن ظوالعا وطوالعا
стр. 811
وينشد أيضًا له:
ما ذا على الحي يوم البين لو رفعوا … أو وصلوا من حبال البين ما قطعوا
بل لم يبالوا أسيرًا في الديار ولو … بالوه لم يصنعوا في ذاك ما صنعوا
لما رأيت حمول الحى باكرة … يحثها جذل بالبين مندفع
ناديت ليلى ولا ليلى تودعني … منى السلام فكاد القلب ينصدع
يا ليل أهلك أحموني زيارتكم … والدار واحدة والشمل مجتمع
فالآن مر على العيش بعدكم … فلست بالعيش بعد اليوم أنتفع
هل الزمان الذي قد مر مرتجع … أم هل يرد على ذى العولة الجزع
قالت سليمى علاك الشيب من كبر … والشيب أهون ما لم يأتك الطمع
يا سلم إنى وإن شيب يفزعني … رحب اليدين بما حملت مضطلع
ولن أرى بطرًا يومًا لمفرحة … ولن أرى لصروف الدهر أختشع
قد جربتني صروف الدهر فاعترفت … صلب القناة صبورًا كيفما يقع
فرد الخلائق لا يقتادنى طمع … إن اللئيم الذي يقتاده الطمع
هذا وخائن قوم ظل يشتمني … كالكلب ينبح حينا ثم ينقمع
تركته معرضًا لي واستهنت به … إذ لم يكن فيه لي ري ولا شبع
لا واضعا غضبي في غير موضعه … ولا انتصارًا إذا ما نالنى الفزع
ولا ألين لقوم خاضعًا لهم … ولا أكافئهم بالشر إن جمعوا
حلمًا بحلم، وجهلا إن هم جهلوا … إني كذلك ما أتى وما أدع
стр. 812
ومن أهل المشرق
قتيبة بن سعيد
ابن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفى البلخي البغلاني (٤٢٠)، وبغلان قرية بخراسان، مولى ثقيف، كنيته أبو رجاء، عداده في أهل بلخ؛
وكان طريف أبو جده مولى الحجاج وخبازه؛
قال أبو أحمد بن عدى وغيره: قتيبة لقبه، واسمه يحيى.
قال ابن شعبان: له عن مالك الكثير من جيد الحديث والمسائل، سمع من مالك، والليث، وابن لهيعه، وهو آخر من روى عنه، وبكر بن مضر، ويعقوب الإسكندراني، وحماد بن زيد، وأبي عوانه، وعبد الواحد بن زياد، وإسماعيل بن جعفر.
روى عنه عبد الله بن الزبير الحميدي، وابن حنبل، وابن معين، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير والحسن بن عرفة، وسيف بن موسى القطان، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود، والترمذى، والنسائي، والبخاري، ومسلم، وأخرجا عنه في الصحيح كثيرًا.
وأثنى عليه أحمد بن حنبل.
وقال يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة.
стр. 813
قال عبد الرحمان: سمعت أبي يقول: حضرت قتيبة بن سعيد ببغداد، وجاءه ابن حنبل فسأله عن أحاديث، فحدثه بها، ثم جاءه ابن أبي شيبة وابن نمير بالكوفة، فلم يزالا يلحان عليه وألح معهما إلى الصبح (٤٢١).
وذكر أبو القاسم البلخى في مقالاته، أن حمزة بن محمد الحافظ (٤٢٢) قال: اجتمع قوم من الطلبة بباب قتيبة بن سعيد، فسأله أحدهم أن يسمعه الحديث، وبعضهم يسأله أن يسمعه الفقه، وألح عليه الرحالون، وكان روى كثيرًا ولقى رجالا فتبسم ثم قال:
تسألنى أم صبي جملا … يمشى رويدا ويكون أولا
مهلا رويدا فكلانا مبتلى
قال القاضي وكيع: ولى قتيبة القضاء ببغداد، واستناب (٤٢٣) بشبرا المريسي، فأقامه على صندوق من صناديق المصاحف.
فقال بشر: معاذ الله لست بنائب (٤٢٤)، فكثر الناس عليه حتى كادوا يقتلونه.
قال أبو داود سمعت قتيبة بن سعيد، وقيل له: (الواقفة) يعني في القرءان؛
стр. 814
فقال: الواقفة شر منهم، يعنى ممن قال بالمخلوق.
وذكر أن إسحاق بن راهويه كتب إلى قتيبة مرة وثانية فلم يجبه، فكتب إليه في الثالثة.
إذا الإخوان فاتهم التلاقي … فلا شيء أسر من الكتاب
وإن كتب الصديق إلى أخيه … فحق كتابه رد الجواب
/ [وذكر أبو القاسم البلخي في مقالاته:
قال أبو عبد الله البخارى وتوفى قتيبة غرة شعبان سنة أربعين ومائتين وهو ابن اثنين وتسعين سنة ومولده يبلغ في رجب سنة ثمان وأربعين ومائة] / (٤٢٥).
стр. 815
ومن أهل مصر
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين
ابن الليث، مولى عميرة، امرأة من موالى عثمان بن عفان، ويقال مولى نافع (٤٢٦) مولى عثمان بن عفان، قاله ابن شعبان، يكنى أبا محمد؛
سمع مالكا، والليث، وبكر بن مضر، وعبد الرزاق، والقعنبي، وابن لهيعة / وابن علية / (٤٢٧) وإسماعيل بن أبي عياش، ويعقوب بن عبد الرحمان الزهرى، والعطاف بن خالد وابن عيينة؛
روى عنه ابن نمير، وهارون بن إسحاق، وبنوه، والمقدام بن داود، وأبو يزيد القراطيسي، والربيع بن سليمان، وابن المواز، والعداس، وأحمد بن زكير (٤٢٨)، وابن حبيب،، وأحمد بن صالح، ومحمد بن مسلم، وغير واحد.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان ابن عبد الحكم رجلا صالحا ثقة متحققا بمذهب مالك.
قال الكندى: كان فقيها، قال أبو زرعة الرازي: هو صدوق / [ثقة.
قال محمد بن مسلم: كتبت عنه، وهو شيخ مصر.
وقال مثله أحمد بن صالح.
قال أبو حاتم الرازي: هو صدوق] / (٤٢٩)
стр. 816
قال أحمد بن عبد الله الكوفي: عاقل حليم ثقة، كتبت عنه.
قال الشيرازي: وإليه أفضت الرئاسة بمصر بعد أشهب، وكان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، ولا بن عبد الحكم سماع من مالك: الموطأ ونحو ثلاثة أجزاء.
وروى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب كثيرًا، وصنف كتابا اختصر فيه أسمعته، ثم اختصر منه كتابا صغيرا، وعلى هذين الكتابين مع غيرهما معول المالكيين من البغداديين في المدارسة، وإياهما شرح أبو بكر الأبهرى وغير واحد من العراقيين، وأهل المشرق.
قال بشر بن بكر (٤٣٠): رأيت مالكا في النوم بعد أن مات بأيام، فقال لي: في بلدكم رجل يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه فإنه ثقة.
جملة من أخباره وفضائله وتواليفه
قال أبو عمر الكندى: ولى ابن عبد الحكم بعد ابن المنكدر، فرد مسائل عيسى بن المنكدر قاضى مصر، فأدخل في العدول من استحق ذلك عنده، وإن لم يكن له قديم، وقبل شهادته، فأضغن ذلك عليه بعض مشيخة المصريين، فقال له يومًا أبو خليفة الرعينى: كان هذا الأمر مستورًا فكشفته، وأدخلت في الشهادة من هو ليس بأهل لها.
فقال له ابن عبد الحكم: هذا الأمر دين، وقد فعلت ما يجب على.
قال: وبلغ بنو عبد الحكم بمصر من الجاه والتقدم ما لم يبلغه أحد.
стр. 817
قال ابن عبد البر: وكان عبد الله صديقا للشافعي، وعليه نزل إذ جاء من بغداد، فأكرم مثواه، وبالغ الغاية في بره، وعنده مات.
قال الشيرازي: يقال انه دفع للشافعى ألف دينار، وأخذ له من بعض أصحابه ألفًا، ومن رجلين آخرين ألفا.
قال ابن عبد البر: وقد روى عبد الله عن الشافعي، وكتب كتبه لنفسه ولبنيه (٤٣١)، وضم ابنه محمدًا إليه.
وكانت بين عبد الله بن عبد الحكم وبين أصبغ منازعة ومباعدة، حتى كان يرمى كل واحد منهما صاحبه بالبهتان، فقيل لابن عبد الحكم: إن هذا الرجل قد وجب لك عليه حد، فحده؛
فأبى وقال: إن جلد صرنا حديثا، يقال حد فلان بسبب فلان.
ومن تواليف عبد الله بن عبد الحكم المختصر الكبير، يقال إنه نحا به اختصار كتب أشهب (٤٣٢)؛
والمختصر الأوسط.
والمختصر الصغير.
فالمختصر الصغير (٤٣٣) قصره على علم الموطأ؛
والمختصر الأوسط صنفان، فالذى من رواية القراطيسي فيه زيادة الآثار، خلاف الذي من رواية محمد ابنه، وسعيد بن حسان؛
стр. 818
وله أيضًا كتاب الأهوال.
وكتاب القضاء في البنيان.
وكتاب فضائل عمر بن عبد العزيز.
وكتاب المناسك.
وقد اعتنى الناس بمختصراته ما لم يعتن بكتاب من كتب الذهب بعد الموطأ والمدونة.
فشرح المختصر الكبير الشيخ أبو بكر الأبهرى.
وللحفاف فيه شرح أيضًا.
ولأبي جعفر بن الحصاص عليه تعليق نحو مائتي جزء فيما ذكر، وقد رأيت بعضه.
وشرح أيضًا الشيخ أبو بكر الأبهري المختصر الصغير.
ولأبى بكر بن الجهم فيه شرح أيضًا كبير، اختصره محمد بن أبي زيد؛
وآخر من شرحه من طبقات شيوخنا (٤٣٤) ابن باخى البصرى؛
ولمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم في الصغير زيادة، خلاف الشافعي وأبي حنيفة، وفيه عمل على هذا لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم البرقي / [زاد على هذا قول سفيان، وابن راهويه، والأوزاعي والنخعي، وبعضهم جعله لابنه أبي القاسم عبيد الله بن محمد البرقى] / (٤٣٥).
стр. 819
ولأبي الحسن على بن يعقوب الزيات المعروف بابن رمضان على هذا زيادة أقوال بعض الفقهاء ممن لم يذكره البرقي، ثم لعبيد الله بن عمر البغدادي الشافعي من أهل قرطبة المعروف بعبيد، على ما ذكر ابن رمضان، زيادة، مذهب داود، وابن عليه، والليث، والطبرى؛
ذكر بعضهم أن مسائل المختصر الكبير ثمانية عشر ألف مسألة، وفى الأوسط أربعة آلاف مسألة.
وفى الصغير ألف ومائتا مسألة.
وذكر بعضهم أن مسائل المدونة ستة وثلاثون ألف مسألة:
وألف أيضًا كتاب الأهوال.
ذكر خبره مع ابن معين ومحنته ووفاته
ذكر الباجي في كتابه خبره مع ابن معين، فاختصرته على المعنى، وذكر أنه كان صديقا له، وأعلمه أنه يحضر مجلسه من الغد، وأمره بالتحفظ.
فغدا عليه يحيى من الغد وهو يحدث بكتاب الأهوال، من تأليفه، فقال حدثنا فلان وفلان، وذكر عدة من شيوخه، بما في هذا الكتاب؛
فقال له يحيى: كلهم حدثك بجميع ما فيه، أو بعضهم ببعضه وبعضهم ببعضه، فجمعت حديثهم؟
فهاب كلامه ابن عبد الحكم ودهش، وقال: كلهم حدثني به.
فقام يحيى، وقال: الشيخ يكذب؛
وذكر أبو العرب التميمي، في كتاب المحن، عن عبد الله بن عبد الحكم، أنه امتحن في القرآن على يد الأصم، وضرب بالسياط في مسجد مصر، أقل من ثلاثين سوطا، أيام المأمون، وابن أبي داود على قضائه.
стр. 820
وترجم أبو العرب في الترجمة عبد الله بن عبد الحكم، وذكر في الحكاية أن الذي فعل به هذا ابن عبد الحكم الكبير، وأراه ابنه، فإن محنة الأصم كانت بعد موت عبد الله على ما ذكرناه في أخبار القاضي الزهرى قبل.
قال أبو عمر الكندى: وكان القاضي عيسى بن المنكدر، قد كتب إلى المأمون كتابا في شأن المعتصم أخيه، لما ولاه مصر، فعرضه المأمون على المعتصم، فلما ورد المعتصم مصر عزل ابن المنكدر وسجنه إلى أن مات في سجنه ببغداد رحمه الله تعالى، وسجن عبد الله بن عبد الحكم بالتهمة في هذا الكتاب، إذ كان الغالب على ابن المنكدر وصاحب مسائله، وكان أشار على ابن المنكدر ألا يفعل فعصاه؛
فمرض عبد الله، فمات لإحدى وعشرين ليلة خلت من رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، وهو ابن ستين سنة (٤٣٦).
قيل: مولده بمصر سنة خمس وخمسين، وقيل سنة ست، في السنة التي ولد فيها الحرث بن مسكين، وعبد الله أكبر منه بشهرين.
وقيل سنة خمسين ومائة.
وإليه أوصى ابن القاسم وابن وهب وأشهب.
***
وأبوه عبد الحكم يكنى أبا عثمان، له عن مالك مسائل في المدبر وغيرها.
وتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة.
وأما بنوه فسيأتي ذكرهم بعد هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 821
يحيى بن عبد الله بن بكير بن زكرياء المخزومي
مولاهم (٤٣٧)، قال الكندى: هو مولى عمرة، مولاة أم حجر بنت أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم؛
وقال ابن وزير: ثلاثة من أهل مصر لا يعرف لهم ولاء صحيح، ابن بكير، وأصبغ، وابن عفير.
قال الكندى: كان ابن بكير فقيه الفقهاء بمصر في زمانه، ولاه القاضي العمري مسائله مع أشهب؛
سمع من مالك موطأه وغير ذلك، ومن الليث بن سعد، والعطاف بن خالد، وابن لهيعة، وبكر بن مضر، ومفضل بن فضالة، والمغيرة بن عبد الرحمان، وابن وهب؛
روى عنه البخارى، وخرج عنه في صحيحه، وأبو إبراهيم، والزهرى (٤٣٨)، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأبو داود
стр. 822
السجستاني، وعلى بن عمر التميمي، والرمادى، وأبو زرعة، ويونس بن عبد الأعلى، والذهلي.
قال أحمد بن عبد الله الكوفي: كنت آتي ابن عبد الحكم، فيمر به ابن بكير، ويسلم عليه، ويقول: شيخنا ابن بكير ومحدث بلدنا، ويتبعه ثناء حسنا.
ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: شر العرضات عرضة ابن بكير، وكان حبيب يصفح له ورقتين في ورقة.
وهذه الحكاية باطلة الأصل، والله أعلم، لأن مالكا ﵀، ومن حضره، لم يصح جواز مثل هذا عليهم لحفظهم (٤٣٩) حديث الموطأ. وقد أنكر هذا بعض أصحاب مالك الجلة، وقال: إنما كانت عرضتنا على مالك ورقتين من الموطأ، فكيف يصح هذا؟
قال الباجي: تكلم بعض أهل الحديث في سماعه للموطأ، وأنه إنما سمعه بقراءة حبيب، وهو ثبت في الليث.
وقد روى عنه من طريق بقى بن مخلد وغيره، أنه سمعه من مالك بضعة عشر مرة، وأن بعضها بقراءة مالك.
قال أبو أحمد بن عدى: هو أثبت الناس في الليث.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، كان يفهم هذا الشأن.
يحتج ذكر ليحيى بن معين يحيى بن بكير، فقال: ثقة إلا أن حديثه عن ابن وهب لم يكن جيد القراءة له، وضعفه النسائي.
стр. 823
وذكر ليحيى بن معين أيضًا فقال: لا صلى الله عليه، دخلت عليه مسجده، فلما رآني سجد، وقال: ما كنت أرى أنك تأتيني، وأراه لم يحدث عنه بغير هذه القصة.
وذكر ابن باز (٤٤٠) قرأ لنا يحيى بن بكير بمصر كتابا كان يرويه عن عبد الله بن لهيعة من حديثه، فلما فرغ من قراءته قال للناس: اسمعوا هذا الكتاب، سمعته من ابن لهيعة بعد ما اختلط.
روى عنه من أهل الأندلس وأفريقية والمغرب جماعة، منهم يحيى بن عمر وفرات بن محمد، وإبراهيم بن باز.
توفى في صفر سنة إحدى، ويقال ثنتين، وثلاثين ومائتين.
مولده سنة ثلاث وخمسين.
стр. 824
عبد الملك بن مسلمة بن يزيد مولى بني أمية
أصله من نوبية (٤٤١) يكنى أبا مروان، قال أبو عمر الكندى: كان فقيهًا من أصحاب مالك.
مولده سنة أربعين ومائة.
وتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين.
* * *
يونس بن تميم بن يونس مولي زوف بن مراد أبو معاذ
قال الكندى: كان فقيهًا، وذكر ابن شعبان وابن مفرج روايته عن مالك.
توفى سنة خمس عشرة ومائتين.
* * *
هاني بن المتوكل بن إسحاق بن إبراهيم بن حرملة
مولى بنى شبابة من فهم، نزل الإسكندرية، وذكرت له رواية عن مالك.
قال الكندى: كان مفتيا سنيا.
توفى سنة إحدى وأربعين ومائتين.
مولده، سنة ثمان وثلاثين ومائة.
стр. 825
سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي
قال الكندى مولى أبى فطيمة، مولى بني جمع، كنيته أبو محمد، كذا نسبه الكندى، وكذا قال البخاري وأبو حاتم (٤٤٢).
وحكى اللالكائي عن غيرهما: سعيد بن محمد بن الحكم، يروى عن مالك، وعبد الله العمرى وابن عيينة، والليث وابن وهب، وسليمان بن بلال وغيرهم.
روى عنه ابن معين، والذهلي، وأبو عبيد، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، والبخارى، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان (٤٤٣). وأخرج عنه البخاري ومسلم.
ويقال أنه سمع الموطأ من مالك، وله عنه حديث كثير، وغير ذلك.
قال الكندى: كان فقيها من أهل الفضل والدين.
قال ابن معين فيه: ثقة.
وقال أبو حاتم مثله.
وقال يحيى أيضًا: هو ثقة الثقات.
وسئل أحمد بن حنبل: عمن يكتب بمصر؟
فقال: عن ابن أبي مريم.
وقال أحمد بن عبد الله الكوفي: هو ثقة.
وأثنى عليه ابن أيمن والأعناقى.
стр. 826
وذكره ابن وضاح، فذكر من فضله وثقته فأطنب فيه، وقال: هو ثقة الثقات. كتبت عنه بمصر مسألتين لا غير.
قال ابن وضاح: وسمعت ابن أبي مريم يقول: كان لأبى طوماران (٤٤٤) يكتب في أحدهما شهادته، وفى الآخر أيمانه.
قال بعضهم: كنا عند سعيد بمصر، فأتاه رجل يسأله كتابًا ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه، فامتنع عليه، وسأله رجل آخر فأجابه، فكلمه الأول في ذلك وقال له: ليس هذا من الحق، أو نحوه.
فقال ابن أبي مريم إن كنت تعرف الشيباني من السيباني (٤٤٥) وأبا حمزة من أبي جمرة، وكلاهما عن ابن عباس، حدثناك وخصصناك كما خصصنا هذا.
قال الكوفى: كان له دهليز طويل، يقف الرجل فيسلم عليه فيقول: لا سلم الله عليك، وفعل وصنع، ويظن الآخر أنه يرد عليه، فأقول: ما هذا؟
فيقول: قدرى خبيث.
ثم يأتى آخر فيفعل به مثله؛
فأسأله فيقول: جهمي خبيث، / أو رافضي خبيث (٤٤٦) / وكان عاقلا لم أر بمصر أعقل منه ومن ابن عبد الحكم.
قال البخاري: توفى سنة أربع وعشرين ومائتين.
مولده سنة أربع وأربعين ومائة.
стр. 827
عبد الرحمان بن أبي جعفر الدمياطي
قال أبو إسحاق بن شعبان: روى عن مالك وأسند عنه،
قال ابن أبي دليم وابن حارث: سمع من أكابر أصحاب مالك، كابن وهب وابن القاسم، وأشهب، وله عنهم سماع مختصر مؤلف حسن، رواه عنه (٤٤٧) يحيى بن عمر وغيره، وهذه الكتب معروفة باسمه تسمى بالدمياطية.
قال الشيرازي: تفقه بأشهب، وابن وهب، وابن القاسم، ومطرف، وعبد الملك، وابن نافع، وقد روى عن الفضيل بن عياض؛
قال الدمياطي: أتينا الفضيل نسمع منه فلم يخرج إلينا، فقلنا لرجل كان معنا حسن الصوت بالقرآن: اقرأ؛
فخرج إلينا، وإن الدموع على لحيته يبكي،
فقال: ما لي ولكم آذيتموني، العلم تريدون؟ تركتموه والله، كتاب الله؛
وروى عنه يحيى بن عمر، والوليد بن معاوية، وعبيد بن عبد الرحمان وغيرهم؛ وتوفي سنة ست وعشرين ومائتين.
стр. 828
عبد الله بن محمد بن إسحاق البيطاري
نسب إلى ذلك لأنه كان ينزل عند بلال البيطار، مولى لقيس، كنيته أبو من محمد.
قال أبو عمر الكندى: كان فقيها ولقى مالكا، توفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
بلال بن يحيى بن هارون الأسوانى
من بني أمية، قال الكندى: من أصحاب مالك، وذكره فيهم، وكان مقبولا عند قضاة مصر، وغمصه (٤٤٨) ابن عفير بما يقال في أهل أسوان.
стр. 829
محمد بن رمح بن المهاجر بن المحرز بن سلام التجيبي
مولاهم (٤٤٩)، أبو عبد الله، ويقال أبو بكر، صحب صحب مالكا، وسمع الليث، والمفضل (٤٥٠)، وابن لهيعة.
حدث عنه مسلم، وعلى بن الحسن بن المنذر، وحازم بن يحيى الحلواني، وابن وضاح، والحسن بن سفيان، وابن زبان (٤٥١)، وغلبت عليه الرواية، وهو ثقة مأمون؛
قال الكندى: خرج له مسلم في صحيحه كثيرًا.
وقال ابن الجيزى: كان رجلا صالحا أوثق من ابن زرعة.
قال ابن زبان: هو ثقة.
قال ابن وضاح: هو نعم الشيخ.
قال الكندى: كان فقيها.
قال ابن رمح: اختلف عندنا في مالك والليث - فذكر من اختلافهم شيئًا غاظه - حتى كانوا أحزابا، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله! اختلف عندنا في مالك والليث، فما ترى؟
فقال: مالك ورث جدى.
стр. 830
قال الحسن بن علي الأشناني: قال قائلون (جدي) يعني إبراهيم الخليل ﷺ ، وقال آخرون (الدين) وقال آخرون (السنة).
قال أبو عمر الكندى في كتاب القضاة: كان أبو بكر الأصم قاضي مصر، قد أخذ أهلها بترك لباس القلانس الطوال، وكانت زى شيوخهم، وفقهائهم وعدولهم، وقال لهم: لا تشبهوا بلباس القاضي، فلم ينتهوا، فاجتمعوا مرة عنده في الجامع، فأمر الأعوان بضرب رؤوسهم حتى ألقوها، فكان الصبيان يلعبون بها، ولم يلبسوها في مدته، إلا ابن رمح فإنه ثبت على لباسها، فلم يعارض.
توفي في شوال سنة ثنتين / [وأربعين ومائتين، وقال الكندى ثمان وأربعين، مولده سنة ثنتين / وخمسين] / (٤٥٢).
стр. 831
ومن أهل الأندلس:
يحيي بن يحيى الليثي
قال القاضى أبو الوليد ابن الفرضى: يحيى بن يحيى بن كثير بن (٢٤٦) وسلاس بن شمال (٤٥٣) بن منغايا (٤٥٤)، يكنى أبا محمد
قال الأصيلي: ويحيى أبوه هو المكنى بأبي عيسى، وهو من مضمودة طنجة ويتولى بنى ليث، ولا يعلم على الصحة سبب ذلك.
قال الرازي في كتاب الاستيعاب: هو من مصمودة، من مضارة (٤٥٥) قبيل منها.
دخل يحيى بن وسلاس مع ابن أخيه نصر بن عيسى (٤٥٦) في جيش طارق وأسلم وسلاس جدهم على يد يزيد بن عامر الليثى، ليث كنانة، فهذا والله أعلم سبب انتمائهم إلى ليث.
قال الرازى: ثم دخل بعدهما كثير بن وسلاس وهو جد يحيى، وولى ابنه يحيى الجزيرة وشذونه، وطلب يحيى ابنه العلم.
стр. 832
وقال أبو عمر بن عبد البر: وكثير هو المكنى بأبي عيسى، وهو الداخل إلى الأندلس، وكانوا يعرفون يبنى أبي عيسى.
ذكر ابتداء طلبه العلم ورحلته
قال الرازي: كان طلب يحيى بن يحيى العلم، أنه كان يمر بزياد، وهو يقول على أصحابه، فيميل إليه، ويقعد عنده، فأعجب ذلك زيادًا وأدناه يومًا، وقال له: يا بنى ان كنت عازما على التعلم، فخذ من شعرك، وأصلح زيك - وكان بزى الخدمة - ففعل يحيى ذلك، فسر به زياد، واجتهد فى تعليمه حتى برع تلاميذه.
ثم قال له زياد بعد مدة: ان الرجال الذين حملنا العلم عنهم باقون، وعجز بك أن تروى عمن دونهم، فخرج يحيى بعد أن استسلف زياد له مالا، اذ رغب عن مال أبيه ومضى، فحج وسمع مالكا والليث، وكان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين، السنة التي مات فيها مالك، وانصرف إلى الأندلس، فلم يلبث إلا يسيرا حتى هلك أبوه بعمله بالجزيرة، فأخذ ما طاب من مال أبيه، ثم عاد فحج ولقى جلة أصحاب مالك، ثم انصرف.
وذكر مثل هذا ابن حارث، وأنه كانت ليحيى رحلتان من الأندلس، سمع في أولاهما من مالك، والليث وابن وهب، واقتصر في الأخرى على ابن القاسم، فيه تفقه؛
قال ابن الفرضى وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما ـ وبعضهم يزيد على بعض -: سمع يحيى من زياد، لأول نشأته، موطأ مالك بن أنس، وسمع من يحيى بن مضر، ثم رحل وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك
стр. 833
الموطأ، غير أبواب فى كتاب الاعتكاف شك فيها، فبقى يحدث بها عن زياد، وسمع من نافع بن أبي نعيم القارئ، والقاسم بن عبد الله العمرى وحسين بن ضميرة، وعبد الله بن نافع، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب موطأه وجامعه، وسمع من ابن القاسم مسائل، وحمل عنه عشرة كتب، فكتب سماعه؛
قال أبو عمر: ثم انصرف إلى المدينة ليسمعه من مالك، فوجده عليلا، فأقام بالمدينة إلى أن توفى مالك ﵀ وحضر جنازته، وقدم الأندلس يعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار (٤٥٧) إلى رأيه وقوله، وأخذ عليه في روايته في الموطأ، وفي حديث الليث وغيره، أوهام نقلت، كلم فيها فلم يغيرها في كتابه، واتبعه الرواة عنه، وقد عرفها الناس وبينوا صوابها، وأما ابن وضاح فانه أصلحها ورواها الناس عنه على الاصلاح، وكان يفتى برأى مالك، لا يدع ذلك إلا في مسائل نذكرها بعد؛
قال الشيرازي: رحل يحيى بن يحيى إلى مالك وهو صغير، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أصحابه.
قال أبو عبد الملك بن عبد البر: وبه، وبعيسى بن دينار انتشر مذهب مالك، وانتهى الناس إلى سماع الموطأ من يحيى، وأعجبوا بتقييده فقلدوه وتبعوه؛
قال ابن الفرضى: وسمع منه رجال الأندلس في وقته، وكان آخر من حدث عنه ابنه عبد الله.
стр. 834
ذكر شيء من فضائله وأخباره
قال أحمد بن خالد: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس، منذ دخلها الاسلام، من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر، ما أعطيه يحيى بن يحيى، وكان الأمير عبد الرحمان بن الحكم يبجله تبجيل الأب (٤٥٨)، ولا يرجع عن قوله، ويستشيره في أمره، وفيمن يوليه ويعزله، فلذلك كثر القضاة فى مدته، وكان يفضل بالعقل على علمه؛
وألح عليه الأمير عبد الرحمان في ولايته القضاء فأبى عليه، فوكل عليه من يقعده في الجامع، وقال للناس: هذا قاضيكم؛
فأبى من الحكم، فقال لهم يحيى: ان المكان الذي أنا فيه أنفع وخير لكم مما تريدون، أنا إذا تظلم الناس من قاض أجلستمونى فنظرت لكم في أحكامه، وإذا كنت قاضيا فتظلم منى كما يتظلم من القضاة، من تقصدون ينظر في أحكامي؟
فكفوا عنه؛
قال ابن نبابة: فقيه الأندلس عيسى، وعالمها ابن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى.
قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة بالأندلس في العلم، وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله؛
وروى عنه، أنه كان عنده يومًا جالسا في جملة أصحاب مالك، اذ قال قائل قد حضر الفيل،
стр. 835
فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، فقال له مالك: ما لك لم تخرج فتراه، اذ ليس بأرض الأندلس؟
فقال له يحيى: إنما جئت من بلدى لأنظر اليك؛ وأتعلم من هديك وعلمك، لا إلى النظر إلى الفيل؛
فأعجب به مالك وسماه العاقل.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان يحيى امام أهل بلده، المقتدى به، المنظور إليه، المعول عليه، وكان ثقة عاقلا حسن الهدى والسمت، يشبه سمته سمت مالك، ولم يكن له بصر بالحديث.
قال إبراهيم بن باز: والله الذى لا الاه إلا هو، ما رأيت أوقر من يحيى بن يحيى قط، ما رأيته يبصق ولا يسعل في مجلسه، ولا يتحرك عن حاله، وكان أخذ بزي مالك وسمته.
قال يحيى: لما ودعت مالكًا سألته أن يوصينى فقال لى: عليك بالنصيحة الله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، ثم قدمت على الليث فلما حان فراقي آياه، قلت له مثل مقالتى لمالك، فقال لى مثل قوله سواء.
قال ابن حارث: كان يحيى لا يرى القنوت في الصبح ولا غيرها، اقتداء بالليث، وخالف أيضًا مالكا في الأخذ باليمين مع الشاهد، فلم ير القضاء به، وأخذ بقول الليث أيضًا فيه، وقضى بدار أمين إذا لم يوجد من أهل الزوجين حكمان، ورأى كراء الأرض بما يخرج منها على مذهب الليث.
وذكر أبو عبد الملك بن عبد البر أن يحيى كان لا يرى الحكمين، وأن ذلك مما أنكر عليه، وكان يأتى الجمعة معتما راجلا.
стр. 836
وحكى عبيد الله بن يحيى عن أبيه قال: كنت مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث في الغزو يوم أربونة (٤٥٩)، ومعى صاحبي سعيد بن محمد بن بشير، فكان يكرمنا ويرسل الينا ويستشيرنا، وربما استخصنى بالارسال حتى قلت له: لا تفعل فربما أحفظ ذلك صاحبي؛
ووجه إلى يومًا بصلة مائة دينار، والى سعيد بمثلها، فصرفتها إليه وقلت له: أما أنا فمستغن عنها بحمد الله، ولكن اجمعها لصاحبي لحاجته اليها؛
فلما فتح الله على المسلمين، وقفلنا، قال لى يومًا: يا أبا محمد أردت أن أكرمك أنت وصاحبك، فأمكن بكما الأندلس (٤٦٠)
قلت: وبم ذلك؟
قال: بأن أسمعكما سماعا حسنا عندى؛
فقلت: أنت والله تريد اهانتنا لا اكرامنا؛
فقال لى: يا أبا محمد لا تظن إلا خيرًا، فما كان رأى من قبلك إذا تبلغ في تكريمهم حتى يفعل ذلك بهم؛
فقلت لا جزاهم الله خيرًا عن أنفسهم ولا عنك، فقد والله خانوا * الله ورسوله.
فخجل واعتذر.
وذكر أحمد بن عبد البر أن قاضيا من قضاة قرطبة - سماه - جميل المذهب، كان أشار به يحيى بن يحيى،، فكان طاعة له في قضائه لا يعدل عن رأيه إذا اختلف الفقهاء عليه، فاتفق أن وقعت قصة تفرد فيها يحيى وخالفه
стр. 837
جميعهم، فأرجأ القاضى القضاء فيها حياء من جماعتهم، وردفته قصة أخرى شاوره فيها أيضًا، فلما أتى كتابه يحيى، وقد أحقده توقفه على انفاذ الأولى، صرفه على رسوله وقال: ما أفك له ختاما، ولا أشير عليه بشيء، اذ قد توقف عن القضاء لفلان بما أشرت عليه به، وعابه؛
فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله، قلق منه وركب من فوره إلى يحيى معتذرًا، وقال له لم أظن الأمر وقع منك هذا الموقع، وسوف أقضى له غد يومي ان شاء الله.
فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقا؟
قال: نعم.
قال له: فالآن هجت غيظي، فانى طننت اذ خالفنى أصحابك، أنك توقفت مستخيرًا لله، متحريا (٤٦١) في الأقوال: فأما إذا صرت تتبع الهوى، وتقضى برضي مخلوق ضعيف، فلا خير فيما تجيء به، ولا فى ان رضيته منك فاستعف من ذلك، فانه أستر لك، والا رفعت في عزلك، فرفع يستعفى، فعزل.
قال عبيد الله بن يحيى: قال لى أبي: لما قام الناس على قاضي قرطبة، يحيى بن معمر (٤٦٢)، وتشاهدوا (٤٦٣) فيما كتب عليه، أتاني سعيد بن حسان، فقال لى: ما ترى فى الشهادة عليه؟
فقلت له: لا تفعل، وانتظر أن تكون مشاورًا في شهادة غيرك، فتكون فتواك أنفذ من شهادتك؛
стр. 838
فغلبته الشهوة وخالفني فشهد، فجاءني كتاب الامير يقول: تصفحت الشهادات على فلان فلم أر لك فيه شهادة، وقد وجهت اليك بكتاب الشهادات عليه، فتصفحها، واكتب الينا برأيك ان شاء الله تعالى.
فأجابه يحيى: ما عندى من أخبار الرجل علم، لأنه لم يكن يحضرني فى مجلسه، ولا يشاورنى فى أحكامه، فأما الشهادات الواقعة عليه فقد تصفحتها، ولو شهد على مالك والليث رحمهما الله تعالى بمثلها ما رفعا بعدها رأسا، فعزل لحينه.
قال يحيى: وأخبرنى الليث أنه أخذ بركاب ربيعة، فقال له ربيعة: يا ليث خدمك العلم.
قال يحيى: وانما أراد ربيعة، أن يبلغ مبلغ الكرامة.
فما خرج، يعنى الليث، من الدنيا حتى رأى ذلك.
قال يحيى: وأخذت أنا بركاب الليث، فقال لى: أقول لك ما قال لى ربيعة: خدمك العلم يا يحيى.
قال يحيى بن اسحاق: وذكر يحيى بن يحيى حديثا يرويه عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم؛
قال: وان رجلا ممن بلغه هذا الحديث، من طلبة العلم، ذكره وهو على بطن امرأته قبل أن يفضي اليها، فأخذ دفترًا من العلم ينظر فيه.
قال يحيى: ولقد طلبت هذا الأمر يوم طلبته وما أريد به إلا نفسى، ها الله ما هنأ، فعلمت أن الناس يحتاجون إلى، ولقد تقت إلى النساء أيامى مع ابن القاسم بمصر، فاشتريت جارية بها، فوالله ما رأيت لها وجها
стр. 839
نهارًا طول ما أقامت عندى، حتى بعتها، اشتغالا بابن القاسم وعلمه، وكان ابن القاسم موضع ذلك وأهله في ورعه وامامته (٤٦٤).
فقيل له: يا أبا محمد: فتمنى هذا الأمر مما يفسد النية؟
فقال: لا والله، وما عقل من لم يتمن ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤٦٥).
قال يحيى: كنت أتى عبد الرحمان بن القاسم فيقول لى: من اين يا أبا محمد؟
فأقول له: من عند عبد الله بن وهب.
فيقول لى: اتق الله، فان أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل، ثم أتى عبد الله بن وهب فيقول لى: من أين؟
فأقول له: من عند ابن القاسم، فيقول لى: اتق الله يا أبا محمد، فإن أكثر * هذه المسائل رأى؛
ثم يرجع يحيى فيقول: رحمهما الله، فكلاهما قد أصاب في مقالته، نهاني ابن القاسم عن اتباع ما ليس عليه العمل من الحديث وأصاب، ونهاني ابن وهب عن غلبة الرأى وكثرته، وأمرني بالاتباع، وأصاب.
ثم يقول يحيى: اتباع ابن القاسم في رأيه رشد، واتباع ابن وهب في أثره هدى؛
وكان يحيى جمع مسائل سأل عنها أشهب وابن نافع وغيرهما من
стр. 840
أصحاب مالك، وكتبها عنهم، فعرضها على ابن القاسم ليرى فيها مذهبه، فجعل ابن القاسم ينتقص عليهم، فلما رأى يحيى ذلك طوى كتابه وأدخله في كمه، فقال له ابن القاسم: ما بالك؟
قال: ان هؤلاء لهم على حق كحقك، وقد كتبت عنهم علمهم، ولم أر أن أعرض بهم للوقوع فيهم، فإذا كان هذا فلا حاجة لي بذلك، ومثله له معه في سماع زياد، وقد ذكرناه في خبره.
ووقع الأمير عبد الرحمان على جارية له في يوم من رمضان، ثم ندم وبعث فى يحيى وأصحابه، فسألهم، فبادر يحيى وقال: يصوم الأمير أكرمه الله شهرين متتابعين.
فلما قال ذلك يحيى سكت القوم، فلما خرجوا سألوه: لم خصه بذلك دون غيره مما هو فيه مخير من الطعام والعتق؟
فقال: لو فتحنا له هذا الباب وطى كل يوم وأعتق، فحمل على الأصعب عليه، لئلا يعود؛
ذكر فصول من كلامه وحكمه وأخبار من تنزهه وعقله وزيه
كتب إلى يحيى رجل من قريش يسأله عن حنث شك فيه، وأنه لم يرض مسألة غيره.
فكتب إليه: أرى لك أن تتورع منها، ولا تهونن الناس عليك، فتكون عليهم أهون، والسلام
وقال لآخر سأله عن مسألة حنث وقعت في مجلسه: لا ينبغي لك أن
стр. 841
تسأل العلماء عن كل ما يحضر مجلسك مما لا ينبغي أن يحرج دينك، فإنه أزين لك والسلام.
وجمع بعض أصحاب يحيى وفوده على ابن القاسم، فأراد أن يقرأها عليه، فتعاظم ذلك وأبى منه؛
فقيل له: أو ليست حسنة؟
فقال: أنا لا أحب كل حسن أكون فيه مخالفا لمالك وابن القاسم، ثم لم يمكن من عرضها عليه.
وكان يحيى يقول: تعاونوا على قطع المعانقة، وأول من أحدثها عندنا النساء والصبيان والخصيان.
وقيل ليحيى: قال الحسن: لولا الحمقى ما عمرت الدنيا، فقال يحيى: لكني أقول لولا الحلماء ما عمرت الدنيا.
وقيل له: قال سفيان الثوري: ما أخاف على نفسي (٤٦٦) إلا القراء والفقهاء، ما أنا قلته، قاله إبراهيم النخعي؛
فجعل يحيى يتعوذ ويقول: اللهم لا تخف (٤٦٧) بنا أحدًا من خلقك، مرارا.
ثم قال: إن رجلا يخيفه (٤٦٨) الله خيار خلقه رجل سوء.
وكان يحيى يقول: أدخل الحشمة بينك وبين الناس، فإنه أوقر لحرمتك.
стр. 842
وسأله رجل في غير مجلسه عن مسألة، فأنكر ذلك، وقال: إذا جلست مجلس السائل والمجيب أجبناك.
وقيل له: لم لا تنبسط في الملأ كانبساطك في الخلاء؟
فقال: لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدى بي كما اقتديت أنا بغيري.
وأراد أن يجاوب في مسألة، فاستمد، فلم يجد المداد، ثم تكرر فلم يمكنه، فقال له رجل إلى جنبه: هذه الدواة يا أبا محمد!
فقال: لو كان لكان؛
فضم الفتى الدفتر إلى وجهه، وتبسم، ولحظه يحيى ثم قال: لو جلست في بيتك كان أستر لك.
وقال: من أراد أن يعمل بما يقول، اقتصد (٤٦٩) ومن لم يرد ذلك، لم يبال ما يقول.
وكان يحيى يعجب بكلمة حكمة قالها له الحاجب عبد الكريم بن مغيث، - وقال له يحيى مرة: إني أريد أن أكلمك بشيء يرق وجهي عنك فيه شديدًا - فقال له: يا أبا محمد: كل شيء تبلغ الحشمة منك فيه هذا، فضعه عن نفسك.
وكان يحيى يعجبه ويقول: ما أزين الحلم بالرجال.
وسمع يحيى بن يحيى يقول في قول الله ﵎: ﴿يَابَنِي
стр. 843
آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (٤٧٠) قال: (لباس التقوى) السكينة والوقار وحسن السمت.
ثم يرجع يحيى فيقول: مع العمل بما يشبه ذلك
وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: من لم يرض منها إلا بالحلال فهو فيها زاهد، وإن كان عليها مكبا حريصا.
وقال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم، لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة.
وذكر يحيى أصحاب الأعراف فترجع واسترجع، وقال: قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه؛
فقيل له: أفيرجى مع ذلك لسعيهم ثواب؟
فقال: ليس في خلاف السنة رجاء ثواب.
وقال قوم ليحيى: يا أبا محمد لو توكلنا على الله حق توكله، لأتانا بالرزق إلى بيوتنا كما يأتي الطير.
قال: والله ما كان يأتي عيسى ابن مريم البقل البري حيث هو جالس، حتى يخرج إليه إلى الصحراء يلتمسه؛
وقيل ليحيى: إن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك وقال: لا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه نبيه ﷺ .
وكان يحيى يلبس الوشى الرفيع، يريد القطني، ثمنه المال العظيم، في الأعياد والدخول على الأمراء.
стр. 844
وقال الأمير محمد: ركبت يومًا في حياة أبي، فلقيت يحيى بن يحيى، فراكبني، ثم ضرب على يدي، وقال لي: هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله في عباد الله، فكانت في نفسي حتى صرت إليه، ووليت الأمر بعده.
محنة يحيى بن يحيى رحمة الله عليه
كان يحيى ممن اتهم بالاجلاب في الهيج بقرطبة على الأمير الحكم بن هشام، فلما أظفره الله بالقائمين عليه واستباحهم، ثم أجلى بقيتهم، كان ممن فر عنه عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى.
فذكر أن يحيى خرج مع أخيه فتح - وكان رأسا في أصل الخلاف - متنكرين على باب اليهود بقرطبة، يريدان الفرار، وقد أنذر الأمير أهل الأبواب أن يقتلوا كل من اجتاز بهم ممن ينكرونه، فعدل أخو يحيى إلى كبير أولئك البوابين لصداقة كانت بينه وبينه، وثق بها منه، ليودعه ويوصيه بمن يخلفه، وقد نهاه أخوه يحيى عن ذلك؛
فلما دنا منه كشف له عن وجهه، وطلب خلوته، فساعة وقعت عينه عليه قبض عليه وأمر بضرب عنقه، ويحيى ينظر بناحية، فتزايد ذعره وبالغ في تنكر نفسه؛
ونزل بقوم من مصمودة، قومه (٤٧١)، في طريقه، فراموا الفتك به، لأخذ ما كان على بطنه من المال، فأنذرته ابنة أحدهم بذلك فلما اجتمعوا معه للعشاء، قام كأنه يريد حاجة، وركب رمكة (٤٧٢) وجدها في الدار سائبة عريا، فنجا عليها.
стр. 845
ولما أبطأ عليهم خرجوا فوجدوه قد فات، وسار إلى أن نجا، فلحق بطليطلة، ورد رمكتهم، فتقبله أهلها وأجاروه.
وكان مجيره المعروف بأبزى (٤٧٣)، وطالبهم الأمير الحكم بإسلامه إليه، فلم يفعلوا، ومنعوه بعزة أنفسهم، فأتاه كتاب الأمير أخيرا في الرجوع إلى وطنه، وبذل له الأمان، ويرد إليه متاعه وماله، وكان يحيى قد كتب إليه في ذلك، فاستجاب له، وعاد إلى قرطبة، أخريات أيام الحكم، فلم يزل تحت كرامة بقية أيامه وأيام ولده، وعرض جاهه، وشهر فضله وعلمه؛
ولما انصرف إلى قرطبة باع جميع عبيده، واستبدل بهم، فقيل له في ذلك، فقال؟
نكره أن يصحبنا من عرف ما دار علينا من الهرب والذل،
وامتدت أيامه إلى أن توفى لثمان بقين من رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي.
وقال الرازي: عشية يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة.
وقيل إنما توفى سنة ثلاث وثلاثين، حكاه أبو عمر الحافظ.
وكان سنه يوم توفى ثنتين وثمانين سنة، وترك ابنين يأتي ذكرهما.
ولما مات يحيى أسند وصيته إلى القاضي محمد بن زياد بن ربيع، أحد خاصته، وهو الذي صلى عليه بعد موته.
فذكر أن ابنه الأصغر عبيد الله كان قدمه، وأن ابنه الأكبر إسحاق تقدم بتقدمه للصلاة عليه، يكبر بتكبير ابن زياد ويسلم بتسليمه؛