← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تسأل العلماء عن كل ما يحضر مجلسك مما لا ينبغي أن يحرج دينك، فإنه أزين لك والسلام. وجمع بعض أصحاب يحيى وفوده على ابن القاسم، فأراد أن يقرأها عليه، فتعاظم ذلك وأبى منه؛ فقيل له: أو ليست حسنة؟ فقال: أنا لا أحب كل حسن أكون فيه مخالفا لمالك وابن القاسم، ثم لم يمكن من عرضها عليه. وكان يحيى يقول: تعاونوا على قطع المعانقة، وأول من أحدثها عندنا النساء والصبيان والخصيان. وقيل ليحيى: قال الحسن: لولا الحمقى ما عمرت الدنيا، فقال يحيى: لكني أقول لولا الحلماء ما عمرت الدنيا. وقيل له: قال سفيان الثوري: ما أخاف على نفسي (٤٦٦) إلا القراء والفقهاء، ما أنا قلته، قاله إبراهيم النخعي؛ فجعل يحيى يتعوذ ويقول: اللهم لا تخف (٤٦٧) بنا أحدًا من خلقك، مرارا. ثم قال: إن رجلا يخيفه (٤٦٨) الله خيار خلقه رجل سوء. وكان يحيى يقول: أدخل الحشمة بينك وبين الناس، فإنه أوقر لحرمتك.

стр. 842

وسأله رجل في غير مجلسه عن مسألة، فأنكر ذلك، وقال: إذا جلست مجلس السائل والمجيب أجبناك. وقيل له: لم لا تنبسط في الملأ كانبساطك في الخلاء؟ فقال: لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدى بي كما اقتديت أنا بغيري. وأراد أن يجاوب في مسألة، فاستمد، فلم يجد المداد، ثم تكرر فلم يمكنه، فقال له رجل إلى جنبه: هذه الدواة يا أبا محمد! فقال: لو كان لكان؛ فضم الفتى الدفتر إلى وجهه، وتبسم، ولحظه يحيى ثم قال: لو جلست في بيتك كان أستر لك. وقال: من أراد أن يعمل بما يقول، اقتصد (٤٦٩) ومن لم يرد ذلك، لم يبال ما يقول. وكان يحيى يعجب بكلمة حكمة قالها له الحاجب عبد الكريم بن مغيث، - وقال له يحيى مرة: إني أريد أن أكلمك بشيء يرق وجهي عنك فيه شديدًا - فقال له: يا أبا محمد: كل شيء تبلغ الحشمة منك فيه هذا، فضعه عن نفسك. وكان يحيى يعجبه ويقول: ما أزين الحلم بالرجال. وسمع يحيى بن يحيى يقول في قول الله ﵎: ﴿يَابَنِي

стр. 843

آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (٤٧٠) قال: (لباس التقوى) السكينة والوقار وحسن السمت. ثم يرجع يحيى فيقول: مع العمل بما يشبه ذلك وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: من لم يرض منها إلا بالحلال فهو فيها زاهد، وإن كان عليها مكبا حريصا. وقال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم، لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة. وذكر يحيى أصحاب الأعراف فترجع واسترجع، وقال: قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه؛ فقيل له: أفيرجى مع ذلك لسعيهم ثواب؟ فقال: ليس في خلاف السنة رجاء ثواب. وقال قوم ليحيى: يا أبا محمد لو توكلنا على الله حق توكله، لأتانا بالرزق إلى بيوتنا كما يأتي الطير. قال: والله ما كان يأتي عيسى ابن مريم البقل البري حيث هو جالس، حتى يخرج إليه إلى الصحراء يلتمسه؛ وقيل ليحيى: إن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك وقال: لا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه نبيه ﷺ . وكان يحيى يلبس الوشى الرفيع، يريد القطني، ثمنه المال العظيم، في الأعياد والدخول على الأمراء.

стр. 844

وقال الأمير محمد: ركبت يومًا في حياة أبي، فلقيت يحيى بن يحيى، فراكبني، ثم ضرب على يدي، وقال لي: هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله في عباد الله، فكانت في نفسي حتى صرت إليه، ووليت الأمر بعده. محنة يحيى بن يحيى رحمة الله عليه كان يحيى ممن اتهم بالاجلاب في الهيج بقرطبة على الأمير الحكم بن هشام، فلما أظفره الله بالقائمين عليه واستباحهم، ثم أجلى بقيتهم، كان ممن فر عنه عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى. فذكر أن يحيى خرج مع أخيه فتح - وكان رأسا في أصل الخلاف - متنكرين على باب اليهود بقرطبة، يريدان الفرار، وقد أنذر الأمير أهل الأبواب أن يقتلوا كل من اجتاز بهم ممن ينكرونه، فعدل أخو يحيى إلى كبير أولئك البوابين لصداقة كانت بينه وبينه، وثق بها منه، ليودعه ويوصيه بمن يخلفه، وقد نهاه أخوه يحيى عن ذلك؛ فلما دنا منه كشف له عن وجهه، وطلب خلوته، فساعة وقعت عينه عليه قبض عليه وأمر بضرب عنقه، ويحيى ينظر بناحية، فتزايد ذعره وبالغ في تنكر نفسه؛ ونزل بقوم من مصمودة، قومه (٤٧١)، في طريقه، فراموا الفتك به، لأخذ ما كان على بطنه من المال، فأنذرته ابنة أحدهم بذلك فلما اجتمعوا معه للعشاء، قام كأنه يريد حاجة، وركب رمكة (٤٧٢) وجدها في الدار سائبة عريا، فنجا عليها.

стр. 845

ولما أبطأ عليهم خرجوا فوجدوه قد فات، وسار إلى أن نجا، فلحق بطليطلة، ورد رمكتهم، فتقبله أهلها وأجاروه. وكان مجيره المعروف بأبزى (٤٧٣)، وطالبهم الأمير الحكم بإسلامه إليه، فلم يفعلوا، ومنعوه بعزة أنفسهم، فأتاه كتاب الأمير أخيرا في الرجوع إلى وطنه، وبذل له الأمان، ويرد إليه متاعه وماله، وكان يحيى قد كتب إليه في ذلك، فاستجاب له، وعاد إلى قرطبة، أخريات أيام الحكم، فلم يزل تحت كرامة بقية أيامه وأيام ولده، وعرض جاهه، وشهر فضله وعلمه؛ ولما انصرف إلى قرطبة باع جميع عبيده، واستبدل بهم، فقيل له في ذلك، فقال؟ نكره أن يصحبنا من عرف ما دار علينا من الهرب والذل، وامتدت أيامه إلى أن توفى لثمان بقين من رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي. وقال الرازي: عشية يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة. وقيل إنما توفى سنة ثلاث وثلاثين، حكاه أبو عمر الحافظ. وكان سنه يوم توفى ثنتين وثمانين سنة، وترك ابنين يأتي ذكرهما. ولما مات يحيى أسند وصيته إلى القاضي محمد بن زياد بن ربيع، أحد خاصته، وهو الذي صلى عليه بعد موته. فذكر أن ابنه الأصغر عبيد الله كان قدمه، وأن ابنه الأكبر إسحاق تقدم بتقدمه للصلاة عليه، يكبر بتكبير ابن زياد ويسلم بتسليمه؛

стр. 846

فلما ووري يحيى، أنكر ابن زياد على إسحاق ما فعله، ووبخه، وقال له: ما أقدمك على هذا؟ فقال له إسحاق: ومن قدمك أنت على أبي؟ فقال له ابن زياد: أمر الصلاة إلي، ومع هذا فإن أخاك عبيد الله قدمني وهو أرشد منك على شبابه - وكان سن عبيد الله إذ ذاك سبعة عشر سنة - والله لولا حفظي لصاحب الحفرة لأدبتك. فكان ثناء ابن زياد يومئذ على عبيد الله أول أسباب سؤدده. قال يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى، في كتاب المبسوطة (٤٧٤) قال لي أبي. دخلت أنا وعبد الملك زونان على أبي، يحيى، وهو مريض، فسأله عن علته. فقال له: يا أبا الحسن! إنه ليخفف عني ما أنا فيه، تفكري في عظيم ما له خلقت. فكان زونان يردد هذا من كلامه ويعجب به. وقال له مرة أخرى: يا أبا الحسن! ليتني أزحزح عن النار، على أن لا أسمع بذكر الجنة. وليحيى بن يحيى وصية لطلبة العلم مشهورة.

стр. 847

- أ - تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما مولاي أمير المؤمنين، وناصر الملة والدين، جلالة الملك العالم، الحسن الثاني، نصركم الله وأيدكم، ووفقكم ورعاكم، وحفظكم بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاكم ذخرا للإسلام والمسلمين، وأقر عينكم بولي عهدكم المحبوب الأمير الجليل سيدي محمد، وإخوته الكرام، آمين آمين لا أرضى بواحدة … حتى أضيف إليها ألف آمينا * وبعد، فإنه ليسعدني يا مولاي، أن أقدم إلى جنابكم العالي بالله، الجزء الرابع من كتاب (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك) لمفخرة المغرب، وأحد رجال تاريخه العلماء الأعلام، القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي اليحصبي، المتوفى سنة ٥٤٤ هجرية، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته، وأحسن جزاءه في أخراه، على ما بذله طيلة حياته المباركة من مجهودات علمية، تذكر فتشكر، في خدمة الدين الإسلامي الحنيف، وفي خدمة الثقافة العربية الإسلامية.

стр. 848

- ب - وإذا كان لي ما أرجوه بهذه المناسبة يا مولاي، فهو أن أتمكن في أقرب الآجال الممكنة إن شاء الله، من أن أقدم إلى جنابكم العالي بالله، بقية أجزاء هذا الكتاب، الذي يعتبر بحق، موسوعة على جانب كبير من الأهمية، في تاريخ الإمام مالك ﵁، وتاريخ علماء المذهب المالكي في مشارق الأرض ومغاربها. كما أرجو أن أتمكن أيضًا، وفي أقرب الآجال الممكنة إن شاء الله من أن أقدم إلى جنابكم العالي بالله، بقية أجزاء كتاب (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٣ هجرية. وبصفة عامة، فإني لأرجو يا مولاي، أن يوفقني الله ﵎ لأكون دائما عند حسن ظن جلالتكم، وأن يمدني جلت قدرته بعون من عنده، للسهر باستمرار، وللإشراف عن كثب، على سير جميع أعمال التحقيق والتحرير والطبع والنشر، التي تهتم بها وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفق أوامر جلالتكم، وطبقًا لتعليماتكم السديدة، وللتخطيط المحكم الذي وضعتموه لهذه الوزارة، المعتزة بعطفكم الخاص، ورعايتكم الغالية. * وسواء تعلق الأمر بخدمة التراث، والعمل على إبراز مساهمة العبقرية المغربية، في الماضي، في خدمة الثقافة العربية الإسلامية، والحضارة الإنسانية بصفة عامة، أو تعلق الأمر بالتأليف والجمع والتدوين، كما في سلسلة (الدروس الحسنية) وغيرها من الكتب التي صدرت أو تصدر عن هذه الوزارة، أو تعلق الأمر بالأبحاث والدراسات الإسلامية العميقة، التي تتمثل في مجلة (دعوة الحق)، أو بالمقالات الدينية والأخلاقية والتوجيهية التي تتمثل في مجلة (الإرشاد)، سواء تعلق الأمر بهذا أو ذاك،

стр. 849

- ج - فأنتم يا مولاي صاحب الفضل الأول والأخير في كل ذلك، فإنما هو غرس يديكم الكريمتين، وثمرة من ثمرات أعمالكم الطيبة المباركة، وسعيكم المحمود، وتفانيكم في خدمة الإسلام والمسلمين في كل مكان، وبجميع الوسائل الممكنة. * وسلام - يا مولاي - على مقامكم العالي بالله، وحفظكم الله ﵎ بما حفظ به الذكر الحكيم، والله خير حفظا، وهو أرحم الراحمين. أحمد بركايش

стр. 850

- د - تصدير الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما وبعد، فقد تم بحمد الله ﵎ وحسن توفيقه، تحقيق الجزء الرابع من كتاب (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك) لمؤلفه مفخرة المغرب، وأحد رجال تاريخه العلماء الأعلام، القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي اليحصبي، المتوفى سنة ٥٤٤ هجرية تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته. * وليس لدينا، فيما يتعلق بالمنهاج، ما نقوله زيادة على ما ورد في مقدمة الجزء الثالث والجزء الثاني، وإنما نكتفي بأن نعيد إلى الذاكرة مرة أخرى، أن النسخ الخطية التي نعتمدها هي التالية: أولا: النسخة الخطية المحفوظة بالخزانة الملكية العامرة تحت رقم ٣٣٥ ونحن نعتبرها هي النسخة الأم، لذلك تشير إلى أرقام صفحاتها عن يمين المتن أو يساره، كما أننا نرمز إليها في الهوامش بحرف (أ). ثانيا: النسخة المصورة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ٢٦٣٣ د، ونرمز إليها في الهوامش بحرف (ك). ثالثا: النسخة المصورة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ٢٦٣٥ د، ونرمز إليها في الهوامش بحرف (ط).

стр. 851

- هـ - رابعا: النسخة المصورة عن نسخة مدريد، وهي محفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ٣٤٠٢ د ونرمز إليها في الهوامش بحرف (م). * أما فيما يتعلق بتجزئة الكتاب، فقد اتبعنا منذ البداية تجزئة نسخة مدريد، وهي تقع في سبعة أجزاء، يختص الجزآن الأولان منها بالإمام مالك ﵁، وتختص الأجزاء الباقية بطبقات المذهب المالكي وتراجم أعلامه. إلا أننا فيما يتعلق بهذا الجزء بالذات (الجزء الرابع) وجدنا أن الأمر يدعو إلى شيء من التصرف: ذلك أن الجزء الرابع - حسب تجزئة نسخة مدريد - يبدأ بذكر (الطبقة الأولى من الذين انتهى إليهم فقه مالك والتزموا مذهبه ممن لم يره ولم يسمع منه) فيذكر منهم (أهل المدينة) و (أهل العراق) و (أهل مصر) و (أهل أفريقية وأقصى المغرب) و (أهل الأندلس). ثم يثني بذكر (الطبقة الثانية بعد هؤلاء) فيذكر منهم (من أهل المدينة) و (من أهل العراق) و (من أهل مصر) و (من أهل أفريقية) و (من أهل الأندلس). ثم يتبع ذلك بذكر (الطبقة الثالثة) فيذكر منهم (من أهل المدينة) و (من أهل العراق والمشرق) و (من أهل مصر) و (من أهل أفريقية). ولكنه لا يثبت من تراجم (أهل أفريقية) هؤلاء إلا ترجمة (ابن طالب القاضي) ويترك إلى الجزء الذي يليه تراجم بقيتهم، وتراجم (أهل الأندلس)، من علماء هذه (الطبقة الثالثة) ومجموع أولئك وهؤلاء، نحو من مائة وست وتسعين ترجمة، بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة. وقد وجدنا ذلك غير طبيعي. فإما أن ينتهي الجزء عند نهاية الطبقة الثانية، ولكن حجمه في هذه الحالة سيكون دون المعتاد. وإما أن يستمر إلى نهاية (الطبقة الثالثة) وذلك يقتضي أن نضمنه التراجم.

стр. 852

- و - المائة والستة والتسعين الواردة في بداية الجزء الخامس، حسب تجزئة نسخة مدريد، التي سرنا عليها منذ البداية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وقد آثرنا الحل الثاني، فمضينا إلى نهاية الطبقة الثالثة. ومعنى ذلك أن هذا الجزء، يشمل في الواقع الجزء الرابع، وطرفا مهما من الجزء الخامس، كما هو واضح من قراءة التعليق رقم (٣٨٠) الوارد في هامش صفحة ٣٣١ من هذا المجلد. ومعنى ذلك أيضا، أنه قد يكون من الممكن، اختصار عدد أجزاء الكتاب، بحيث يتم طبعه إن شاء الله، في ستة أجزاء، بدلا من سبعة، كما كان مقررا من قبل. فإذا كان ذلك كذلك، فان الباقي بعد هذا المجلد، إنما هو جزآن اثنان، الخامس والسادس. * وإنا لنرجو أن يتم تحقيق وطبع الباقي من الكتاب في أقرب الآجال الممكنة، وإن كانت مثل هذه الأعمال، تتطلب كثيرا من الأناة والصبر وطول النفس، وغير قليل من الوقت، كما هو معلوم. ومهما يكن، فإننا لنرجو في جميع الأحوال، أن يكون هذا العمل خالصا لوجه الله الكريم، وأن ينال رضى مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك العالم الحسن الثاني، نصره الله وأيده، ووفقه لما يحبه ويرضاه، وأعانه على النهوض ببلاده وشعبه، وعلى خدمة الإسلام والمسلمين في جميع المجالات. * وإحقاقا للحق، واعترافا بالفضل لأهله، فإنه لن يفوتنا أن ننوه هنا، بما يبديه معالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، السيد الحاج أحمد بركاش، من عناية فائقة، واهتمام بالغ، بجميع أعمال التحقيق والتحرير والطبع والنشر، التي تتم بالوزارة المذكورة، وذلك امتثالا من سيادته لأوامر الجناب العالي بالله، واجتهادا في العمل على تنفيذها، وتوفير أحسن الظروف الملائمة لتحقيقها. *

стр. 853

- ز - وكلمة شكر أخيرة لا بد منها، نزجيها للسادة الأفاضل، القائمين على الخزانة الملكية العامرة، والسادة الأفاضل القائمين على الخزانة العامة بالرباط، لما نجده منهم جميعا، وفي جميع الظروف، من روح الزمالة العلمية، ومن حسن الاستقبال والتفهم، ومن المساعدة القيمة. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الرباط ١٧ ربيع الأول ١٣٩٠ ٢٣ مايو ١٩٧٠ عبد القادر الصحراوي

стр. 854

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما قال القاضي الإمام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، رضي الله تعالى عنه: قد انتهى بنا القول في الطبقات الثلاث من أصحاب مالك، الذين أخذوا عنه وسمعوا منه، منتهاه، وبلغ بنا الذكر بعون الله تعالى لتعيين من نصصنا عليه مداه، واستوفينا من أنبائهم ومختلف أحوالهم ما شرطناه. فلنعرج على من بعدهم من أتباعهم ورواتهم، الملتزمين مذهبهم، الناهجين في التفقه على مذهب مالك نهجهم، وإن كان منهم من قارن الطبقة الوسطى والصغرى من أصحاب مالك، ومن تقدم بعضهم في الزمان والظهور، ولكن قدمنا أولئك لمراتبهم، لصحبة إمامهم، وجئنا بهؤلاء، ثم بمن جاء بعدهم إلى زمننا، مرتبا لهم على طبقاتهم من تقدم الزمان وتأخره، ذاكرا لكل واحد ما بلغني عنه من مفيد شمائله وخبره. والله المعين لا رب غيره.

стр. 855

الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك، والتزموا مذهبه، ممن لم يره، ولم يسمع منه فمن أهل المدينة: أبو ثابت محمد بن عبد الله بن محمد بن زيد بن أبي زيد مولى عثمان بن عفان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه. روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وابن نافع. قال الشيرازي: وبهم تفقه. وروى عن أشهب، وعن إبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن علي الرافقي، وابن أبي حازم، وحاتم بن إسماعيل، وحماد بن زيد، وغيرهم. روى عنه إسماعيل القاضي، وأخوه حماد، والبخاري، ومحمد بن إبراهيم. وأخرج البخاري عنه في الصحيح. قال أبو حاتم: صدوق. قال القاضي إسماعيل: كان الإجماع ونحن بالمدينة، أنه ليس بها أفضل من أبي ثابت، "وكان شريك القعنبي، فكان أبو ثابت بالبصرة، فسمع من حماد بن زيد، وكان القعنبي بالمدينة، فسمع من مالك، ولم يسمع منه أبو ثابت. قال أبو ثابت" (١): رآني ابن وهب عند أشهب بعد موت ابن القاسم، فقال لي: أنت كما قال القائل: "تبدلت بعد الخيزران جريدة" البيت.

стр. 856

أبو بكر بن وثاب المدني من أصحاب محمد بن مسلمة، وعبد الملك بن الماجشون. يحكي عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق في مبسوطه (*). نسبه، ولم يسمه. وكناه القاضي أبو عبد الله التستري. وقرأت بخط الفقيه أبى عبد الله بن عتاب: أن الكتب الثمانية التي أدخل أبو زيد القرطبي من سماعه عن عبد الملك ومطرف وأصبغ، أن ابن وثاب أيضا رواها عنهم، إلا ما منها لأصبغ. وقد روى ابن وثاب أيضا عن ابن بابين. أبو شاكر بن محمد بن مسلمة (٢) ابن محمد، بن هشام، بن إسماعيل، بن الوليد، بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر، بن مخزوم. يروي عن أبيه. روى عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق، وأخوه حماد. يعقوب بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمان ابن عوف الزهري، مدني. ذكر الخطيب أبو بكر، عن محمد بن سعد: أن أبا يوسف هذا كان كثير العلم والسماع للحديث، حافظا له. قال: ولم يجالس مالكا، ولكنه جالس من كان بعده من فقهاء أهل المدينة ورجالهم وأهل العلم منهم. وكذا نسبه الخطيب في النسخة التي وقعت إلي.

стр. 857

ورأيت أنا في كتاب محمد بن سعد، فيه: يعقوب بن محمد بن عيسى. قال الخطيب: وقدم بغداد، فحدث بها عن عبد العزيز الدراوردي، وابن أبي حازم، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن فليح، وصالح بن قدامة، وسفيان بن حمزة، وحاتم بن إسماعيل، وابن أبي فديك. روى عنه الحرث بن أبي أسامة، وعباس الدوري (٣)، وحجاج بن الشاعر، وحاتم بن الليث الجوهري، وأحمد بن زياد السمسار، وإسحاق الحربي (٤)، وأبو العباس الكرسي (٥). * * * قال يعقوب: مررت ببغداد فعرض لي رجلان قاما من مجلس، فأخذا بعنان دابتي، ثم قالا: اختلفنا في شيء فأردنا أن نعرف فيه قول أهل بلدك. فقلت: ما هو؟ فقال أحدهما: قلت: القرآن مخلوق. وقال الآخر: قلت: ليس بمخلوق. فقلت لهما: قول أهل بلدي، لو أخذوكما لأوجعوكما ضربا. * * *

стр. 858

وضعفه ابن حنبل، وقال: ليس بشيء. وسئل عنه ابن معين، فقال: إذا حدث عن الثقات. وقال أيضا: هو صدوق، ولكن لا يبالي عمن حدثك. وقال أيضا: أحاديثه تشبه أحاديث الواقدي. وقال مثله صالح بن محمد، وأبو زرعة الرازي. قال ابن نافع: توفى سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكان أبوه محمد من سراة المدنيين، وأهل المروءة منهم. ومن أهل العراق: أحمد بن المعذل هو أحمد بن المعذل، بن غيلان، بن الحكم، بن مختار، بن ذهل، بن عجل، بن عمرو، بن وديعة، بن بكير، بن أفصى (٦)، بن عبد القيس، العبدي، يكنى أبا الفضل، بصري، وأصله من الكوفة. وأبوه المعذل بن غيلان، بذال معجمة مفتوحة مشددة، كذا ضبطه الدارقطني وغيره. على أن أبا الحسن الدارقطني ذكر اسمين في هذا الباب: المعذل بن غيلان، وأحمد بن المعذل، ولم يقل أنه ابنه، وهو ابنه كما قدمنا. وكان المعدل سريا نبيلا شاعرا. قال الدارقطني: روى المعذل بن غيلان البصري، عن فضيل بن مرزوق. روى عنه محمد بن شبيب (٧). قال: وأحمد بن المعذل بن غيلان البصري الفقيه المتكلم، قال الشيرازي: هو من أصحاب عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن مسلمة،

стр. 859

وكان مفوها ورعا متبعا للسنة، وله مصنفات، وكتاب في الحجة (٨)، وكتاب الرسالة. * * * قال الإمام أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: وسمع أيضا من إسماعيل بن أبي أويس، وبشير بن عمر السندي (٩). روى عنه (١٠) ابن أبي هارون وغيره، وعليه تفقه جماعة من كبار المالكية، كإسماعيل بن إسحاق القاضي وأخيه حماد، ويعقوب بن شيبة (١١). وسمع منه ابنه محمد بن أحمد، وعبد العزيز بن إبراهيم بن عمر (١٢) البصري. ذكر الثناء عليه وفضائله قال أبو عمر الصدفي: هو ثقة، كان أبو حاتم يثني عليه. قال أبو سليمان الخطابي: أحمد بن المعذل مالكي المذهب، يعد في زهاد أهل البصرة وعلمائها. وكان أبو (*) خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي يثني على ابن المعذل. قال أبو بكر النقاش: قال لنا أبو خليفة: أحمدنا - يعني ابن المعذل (١٣) - أفضل من أحمدكم - يعني ابن حنبل - والله أعلم. قال أبو القاسم الشافعي المعروف بعبيد: كان ابن المعذل من العلماء الأدباء الفصحاء النظار.

стр. 860

قال ابن حارث: كان فقيهًا بمذهب مالك، ذا فضل وورع ودين وعبادة. *** ذكر الدينورى في كتاب المجالسة: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كافة غير أحمد. فقال المتوكل لعبيد الله: هذا لا يرى بيعتنا. قال: بلى يا أمير المؤمنين! ولكن في بصره سوء. يريد العذر عنه. فقال أحمد: يا أمير المؤمنين! ما في بصرى سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي ﷺ : "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". فجاء المتوكل، فجلس إلى جنبه. * * * وقال الحسن بن عبد الرحمان بن عبيد البصرى في كتابه: وممن كان يقرض الشعر من الفقهاء النساك، أحمد بن المعذل، وكان من أفصح الناس وأبلغهم وأنسكهم وأصمتهم، حتى نسب بذلك إلى الكبر. وله مواعظ وأخبار حسان، وكان أهل البصرة يسمونه لفقهه ونسكه، الراهب، وكان فقيها بقول مالك. لم يكن لمالك بالعراق أرفع منه، ولا أعلى درجة، ولا أبصر بمذاهب أهل الحجاز، منه. وعنه أخذ إسماعيل بن إسحاق، وهو مفقهه. * * * وذكر الحسن بن عبد الرحمان عنه، وذكرها الجراحى أيضًا -وأحدهما يزيد على الآخر- أنه كان يسكن مع أخيه عبد الصمد في دار واحدة، وكان عبد الصمد منهمكا في الشراب، وكان أحمد يبكر إلى صلاة الصبح، وكان إمام المسجد، فيمر سحرا بأخيه وهو سكران،

стр. 861

فيحركه ويقول: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ (١٤) الآيات. وفى الرواية الأخرى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (١٥). فيرفع عبد الصمد رأسه ويقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١٦) الآية. * * * قال أحمد: دخلت المدينة، فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصني ويعني بي، فلما فاتحني قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع، معك من الحذاء (١٧) والسقاء ما تأكل به لب الشجر، وتشرب به صفو الماء. وكان أحمد يذهب إلى البادية ويكتب عن الأعراب. * * * قال المبرد: رأيت أحمد بعرفات مضحيا للشمس لا يستظل. فقلت: ما هذا يا أبا الفضل؟ فقال: ضحيت لكيما أستظل بظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فيا أسفا إن كان أجرك حابطا … ويا حزنا إن كان حجك ناقصا وحكى الدينورى قال: كان أحمد بن المعذل إذا حج لا يستظل، فلقيه بعض أصحابه بين مكة والمدينة وهو في صائف شديد الحر، ليس له

стр. 862

مظلة، وقد أحرقته الشمس، فقال له: لو سترت نفسك من الحر! فأنشأ يقول: ضحيت له كى أستظل بظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصا وعادت نفوس الناس عند حلوقهم … يريقون ريقا غائر الماء شاخصا وما كنت ترجو أن ينالك حرها … وقد كنت من حر الظهيرة حائصا (١٨) لعمرى لقد ضاعت أمور لأهلها … ليغتبطن بالسبق من كان خالصا قال: وكان أحمد بن المعذل إذا أحزنه أمر قام في الليل يصلى، ويأمر أهله بذلك، ويتلو: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (١٩) (*) الآية. ثم ينشد: أشكو إليك حوادثا أقلقنني … فتركنني متواصل الأحزان لولا رجاؤك والذي عودتنى … من حسن صنعك لاستطار جناني من لي سواك يكون عند شدائدى … إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني وأنشد ابن عبيد له (٢٠): التمس الأرزاق عند الذي … ما دونه ان سيل من حاجب من يغمر التارك تسآله … جودا، ومن يرضى عن الطالب ومن إذا قال جرى قوله … بغير توقيع ولا كاتب وله قصيدة مشهورة في صفة النخلة، ولاخيه أيضًا أرجوزة مشهورة فيها. وأنشد له الحصري والجراحى: أخو دنف (٢١) رمته فأقصدته … سهام من لحاظك لا تطيش

стр. 863

قواتل، لا قداح سوى أحورار … بهن، ولا سوى اللحظات ريش أصبن سواد مهجته فأضحى … سقيما ما يموت ولا يعيش كئيب أن تحمل عنه جيش … من البلوى ألم به جيوش ذكر القاضي أحمد بن إبراهيم بن حماد، قال: خرج أحمد بن المعدل من البصرة إلى طرسوس (٢٢)، فأطال بها المكث، فكتب إليه ابنه: يا أبت، أوحشت بقاعك، وفقد إخوانك مكانك. فكتب إليه أحمد: أثامن بالنفس النفيسة ربها … وليس لها في الناس كلهم ثمن بها أملك الدنيا، فإن أنا بعتها … بشيء من الدنيا، فذلكم الغبن إذا ذهبت نفسى بدنيا تنالها … فقد ذهبت نفسى وقد ذهب الثمن فبعها بها ممن إليه مصيرها … فإنك فيها للمنية مرتهن ودع لذة الدنيا لتنعم خالدًا … لدى جنة لا خوف فيها ولاحزن فتبذل شيئًا لست تملك منعه … فيجزيك بالإحسان ذو الفضل والمنن وأنشد له القاضي وكيع: وقالت: سل المعروف يحيى بن أكتم … فقلت: سليه رب يحيى بن أكتما وقال ابن الجراح في كتاب الورقة: كان ابن المعدل فقيها نبيلا له أشعار ملاح. قال لي القاضي إسماعيل بن إسحاق -وكان أحمد أستاذه-: إلا أنه كان ورعا حرجا.

стр. 864

بقية أخباره وفضائله وآدابه وشعره قال أبو إسحاق الحصري وغيره: كان أحمد بن المعذل من الفقه والنسك والأدب والحلاوة في غاية، وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه أحمد: أما بعد، فإن أعظم المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، ولقد كنت فينا مرجوا حتى شمل (٢٣) شرك، وعم أذاك، فصرت فيك كأبي الابن العاق، أن عاش نغصه، وإن مات نقصه، واعلم، لقد خشنت صدر أخ ناصح، والسلام. وكان يقول له: أنت كالإصبع الزائدة، أن تركت شانت، وإن قطعت ألمت (٢٤). وذكر أبو على القالى الكلام الأول بقريب من هذا اللفظ. فأجابه عبد الصمد *: أطاع الفريضة والسنه … فتاه على الإنس والجنه كأن لنا النار من دونه … وأفرده الله بالجنه وينظر نحوى إذا زرته … بعين حماة إلى كنه * * * قال أبو العباس المبرد: كان أحمد بن المعذل من الأبهة، والتمسك، بالمنهاج، والتجنب للعيب والتعرض لما في أيدى الناس، وإظهار الزهد، فيه على غاية، فلما حمل إلى بغداد في جملة فقهاء البصرة، وقبل الصلة، نقم ذلك عليه، فتسبب به أخوه إلى أذاه ووجد سبيلا. وذكر له في ذلك أشعارا تركناها.

стр. 865

قال الحصري والجراحي، عن القاضي إسماعيل: وكانت أم عبد الصمد طباخة، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه له: ما عسيت أن أقول فيمن ألقح بين قدر وتنور، ونشأ بين زق وطنبور. قال أبو العباس: وذكر الدولابي (٢٥) في كتاب نزهة الأسرار، أن ابن المعذل قال له أهله حين ورد القاضي يحيى بن أكتم البصرة: لو أتيت يحيي فسألته - لضر أصابهم - فلم يجبها، ثم قال هاذين البيتين. تكلفني إذلال نفسي لعزها … وهان عليها أن أذل فتكرما تقول: سل المعروف يحيى بن أكتم … فقلت: سليه رب يحيى بن أكتما وذكر الدينوري عن محمد بن موسى البصري: كنا عند أحمد بن المعذل بالبصرة يوم مات ابنه، فاسترجع، ثم أنشأ يقول: نؤمل جنة لا موت فيها … ودنيا لا يكدرها البلاء وأنشد الجراحي له: ألا أبلغ أبا سوار عنى … رسالة عاتب أهدى سلاما أفى حق الأخوة أن أقضى … ذمامكم ولا تقضوا ذماما وقد قال الحكيم مقال صدق … رآه الأولون لهم إماما إذا أكرمتكم وأهنتموني … ولم أغضب لذلكم، فذا، ما: (٢٦) وأنشد له في وصف الرطب: انشق جيب قميصها … فالدمع منها واكف

стр. 866

يلفي بقاع إنائها … حيث استقرت قاطف ومن الغرائب أنها … بكر عوان ناصف قال القاضي إسماعيل: عرضت على أحمد بن المعذل هذه الأبيات بكمالها، فقال: هي هكذا، إلا البيت الاخير فإنى لم أقله، وينبغي أن يكون عبد الصمد قاله. قال القاضي: فانظر توقيه التزيد في هذا المقدار من الشعر. وذكر أبو على البصرى، عن المعذل، والد أحمد، أنه ركب إلى الأمير عيسى بن جعفر، فوقف ينتظره، فلما أبطأ عليه أقبل يصلى، فخرج، وكان المعذل لا يقطع الصلاة، فناداه عيسى: يا معذل! يا أبا عمرو! وهو مقبل على صلاته، فغضب عيسى ومضى، فلما أتم الصلاة، لحق عيسى وأنشده شعرا، منه: قد قلت إذ هتف الأمير … يا أيها القمر المنير حرم الكلام فلم أجب … وأجاب دعوتك الضمير وأنشد له ابنه أحمد في كتاب الورقة: ولست بنظار إلى جانب الغنى … إذا كانت العلياء من جانب الفقر * وإنى لذو صبر على ما ينوبني … وحسبك أن الله أثنى على الصبر وأنشد له ابن الجراح أيضًا: إلى الله أشكو، لا إلى الناس، أننى … أرى صالح الأعمال لا أستطيعها أرى خلة في أخوة وقرابة … وذي رحم، ما كنت ممن أضيعها وذكر ابن حارث عنه، أنه كان يقف في القرآن.

стр. 867

ولعل ذلك تقية، ولعله في وقت المحنة، أو كراهة للكلام فيما لم يتكلم فيه السلف. كما ذكرنا عن غيره. وأما أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير، فنحله ما لا يقوله ولا يعرف له بوجه. وجدت في بعض الكتب أنه توفى وقد قارب الأربعين. إسحاق بن إسماعيل بن حماد ابن زيد بن بابك، البصرى، أبو يعقوب، الأزدي، الجهضمي، مولى لآل جرير بن حازم، والد إسماعيل القاضي (٢٧). ولى المظالم بمصر أيام المأمون، والخطابة، والإشراف على المعتصم. وولى مظالم البصرة، ولم يكن بالحافظ، لكن ولده وآله تجردوا لمذهب مالك في أيامه، وتفقهوا فيه. مولده سنة ست وسبعين ومائة، وتوفى بالبصرة سنة ثلاثين ومائتين. نقلت هذا كله من الأوراق المؤلفة للحكم بن عبد الرحمان في ذكر المالكية من أهل العراق، ومن كتاب ابن حارث. وذكر أبو بكر الخطيب عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب المأمون عليه، فقلت: هي المقادير تجرى في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال يومًا تريك خسيس الحال ترفعه … إلى السماء، ويوما تخفض العالى فأطرق ساعة ثم قال: عيب الأناة وإن سرت عواقبها … ألا خلود، وأن ليس الفتى حجرا

стр. 868

قال: فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرضى، ودعاه للمجالسة. قال: فالتقيت معه في مجلسه، فقلت ليهنك الرضى. فقال: "ليهنك مثله من متيم" جارية أهواها. فحسن موقع كلامه عندي، فقلت: ومن لي بأن ترضى، وقد صح عندها … ولوعى بأخرى من بنات الأعاجم؟ * * * وجده حماد بن زيد إمام البصرة مشهور، كان أولا بزازا، فلزم العلم فانتفع وانتفع به، وارتفع ولده به. قال الفرغاني: فلا نعلم أحدا من أهل الدنيا بلغ مبلغ آل حماد. يعقوب بن إسماعيل بن حماد أخوه (٢٨)، أبو يوسف. قال محمد بن خلف القاضي في كتاب طبقات القضاة: كان يعقوب هذا العلم، أخذ من حملة العلم، أخذ عن يحيى بن سعيد، وابن مهدى، وغيرهما. وسمع أيضًا من وهب بن جرير، وجرير بن ضمرة. حدث عنه ابنه يوسف، ومحمد بن هارون. وذكر أبو بكر بن ثابت البغدادي، أن ابن ابنه القاضي أبا عمر (٢٩) روى عنه أيضًا حديثا، وأخذ الفقه وهو ابن أربع سنين (٣٠). قال الخطيب: ولى القضاء بمدينة النبي ﷺ ، وقدم بغداد، فحدث بها عن سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن

стр. 869

مهدى، ووهب بن جرير، وروح بن عبادة، وأبي عاصم النبيل (٣١) وأبى أحمد الزبيري. روى عنه إسماعيل القاضي، وعبد الله بن أبي سعد (٣٢) الوراق، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وابن ناجية، وقاسم المطرز، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سألت عنه أبى فقال: صدوق، وكتبت عنه (٣٣). * * * وكان يعقوب في صحابة المعتصم، وقدم إلى المعتصم وهو في صحبته للعشاء هريسة، فقال المعتصم: ليست بطيبة. فقال يعقوب: أنا آكلها. فأتى عليها. فقال له المعتصم: أنت آكل الناس لهريسة ردية. * ** قال ابنه: كان أبي يقول: أهل البيت إذا لم يأكلوا أو يصطلوا فكأنهم غضاب. قال وكيع: ولاه المتوكل قضاء المدينة، ثم صرفه. قال ابن نافع: توفى بفارس (٣٤) وهو يتولى قضاءه سنة ست وأربعين ومائتين.

стр. 870

ومن أهل مصر: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان. قال أبو عمر الكندى في موالى مصر: كذا زعم أصبغ، وكثير من أهل مصر لا يصححون له ولاء. يكنى أبا عبد الله، سكن بالفسطاط. روى عن الدراوردي، وابن سمعان، ويحيى بن سلام، وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم. كان قد رحل إلى المدينة ليسمع من مالك، فدخلها يوم مات، وصحب ابن القاسم وأشهب وابن وهب، وسمع منهم وتفقه معهم. قال أبو أحمد الجرجاني: كان كاتب ابن وهب. قال اللالكائى: كان وراقه وأخص الناس به. روى عنه الذهلى، والبخاري، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن أسد الخشني، وابن زنجويه، وابن وضاح، وسعيد بن حسان، وأخرج عنه البخارى. ذكر مكانه من العلم والثناء عليه قال ابن أبي دليم: كان فقيه البدن (٣٥)، طويل اللسان، حسن القياس، من أفقه هذه الطبقة (٣٦). قال أبو حاتم الرازي: هو أعلى أصحاب ابن وهب. صدوق. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن وضاح مثله.

стр. 871

قال ابن حبيب: كان أصبغ من أفقه أهل مصر، وعليه تفقه ابن المواز، وابن حبيب، وأبو زيد القرطبي، والبرقى، وابن مزين، وعبد الأعلى القرطبي، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبو حاتم الرازي. قال ابن حارث: كان ماهرا في فقهه، فقيه البدن، طويل اللسان، حسن القياس، من أفته هذه الطبقة وأهل التبيان والبيان (٣٧). وتكلم في أصول الفقه. قال ابن حبيب: كان أفقههم -بعد أن ذكر ابن القاسم وطبقته، ثم ذكر أصبغ، وعبد الله بن عبد الحكم. قال أحمد بن صالح الكوفي: هو ثقة صاحب سنة. حكى القاضي (٣٨) أن أشهب مرض فدخل عليه عواده، وفيهم أصبغ، فلما خرجوا قالوا له: من لنا بعدك؟ قال: هذا الخارج عنا. قال: وكان ابن وهب يقول: لولا أن تكون بدعة لسورناك يا أصبغ كما تسور الملوك فرسانها. قال أبو عمر الكندى: كان أصبغ فقيها نظارا. وسأل مطرف بعض المصريين عن عبد الله بن عبد الحكم. فقال: مات. قال: فما فعل أصبغ؟ قال: باق.

стр. 872

فقال مطرف: الحي عندنا أفقه من الميت. قال ابن اللباد: ما انفتح لي طريق الفقه إلا من أصول أصبغ. وقد روى أن ابن القاسم قال: أن قبل أصبغ الرواية (٣٩). قال عبيد بن سعيد: قدمت على أصبغ بن الفرج، فلما كان توجهى إلى المدينة، كتب معى إلى عبد الملك بن الماجشون يسأله أن يجيز له كتبه. قال: فقدمت على عبد الملك بكتابه، وهو يومئذ قد كف بصره فقال لي: قل له: اشخص للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن شخص له. قال: فذاكرته حال أصبغ، فقال: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قلت له: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم - كلفا منه به -. * * * وقال ابن مزين: لما قدمت على أصبغ، سلمت عليه وهو محتب، فأخرج يده من تحت حبوته - وكنت أعرف مروءة أصحابنا بالأندلس - فقلت في نفسي: لقد ضاع سفرى إلى هذا الرجل، ثم جلست، فلما خاض في العلم قلت في نفسي: ما يضرك لو أخرجتها عن طوقك. وكان * أصبغ يستفتى بمصر مع أشهب وغيره من شيوخه. قال ابن غالب: خرجت عن الأندلس وأصبغ عندى أكبر أهل زمانه، لما كنا شاهدناه من تعظيم شيوخنا له. وحكى الكندى عن المزني والربيع، قالا: كنا نأتى أصبغ قبل قدوم الشافعي، فنقول له: علمنا مما علمك الله.

стр. 873

قال ابن معين: كان أصبغ من أعلم خلق الله كلهم برأى مالك، يعرفها مسألة مسألة متى قالها مالك، ومن خالفه فيها. * * * ولأصبغ تواليف حسان، ككتاب الأصول له في عشرة أجزاء، وتفسير غريب الموطأ، وكتاب آداب الصائم، وكتاب سماعه من ابن القاسم اثنان وعشرون كتابا، وكتاب المزارعة، وكتاب آداب القضاة، وكتاب الرد على أهل الأهواء. * * * قال أبو بكر بن أصبغ: قال أبي: أخذ ابن القاسم بيدى يومًا وقال لي: يا أصبغ: أنا وأنت اليوم في هذا الأمر سواء، فلا تسألني عن هذه المسائل الصعبة بحضرة الناس، ولكن بينى وبينك، حتى أنظر وتنظر. قال: وقدم طومار عليه من الأندلس أو من المغرب (٤٠)، فيه مسائل، فقال لي: أجب فيها وائتني بجوابك، وقال لعيسى بن دينار مثله، فجئنا بذلك، وقرأناها عليه، فأخذ جوابي وطبع عليه وأعطاه لصاحب المسألة، وقال: أخبرهم أن هذا جوابي. وما غير منه شيئًا. جمل من أخباره قال أصبغ: خرجت إلى مكة سنة تسع وسبعين للسماع من مالك، فدخلت المدينة، فلم ألق إلا باكيا، أو مسترجعا، أو ضاربا يدا على أخرى، أو معددة (٤١)، فقلت لبعضهم: ما شأن الناس؟ فلم يكلمنى أحد، وجعلت كلما لقيت فوجا (٤٢) أسأله، حتى قال لي رجل جالس متقنع يبكي، وقد رأى حالى: أراك غريبا.

стр. 874

قلت: نعم، الساعة دخلت. قال لي: مات اليوم عالم المشرق والمغرب. قلت: يرحمك الله! ومن هو؟ قال لي: أراك جاهلا: أقول لك عالم المشرق والمغرب، فتقول: من هو؟ قال: فأسكتني. فلما نظر إلى وقد وجمت، قال لي: مات مالك بن أنس. قال: فصحت مات مالك: ومضيت مع الناس إلى منزله، فإذا به قد مات ذلك اليوم، فحضرت جنازته؟ * * * وذكر أبو عمر الكندى في كتاب الموالى، قال: كانت بين عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ منازعة ومباعدة. وقال في طبقات القضاة بمصر: أن أبا ضمرة الزهرى، كان أشار بين يدى ابن طاهر بأصبغ للقضاء. وقال: أصبغ الفقيه العالم لها. فلم يوافقه عليه ابن عفير، وقال: ما بال أبناء الصباغين يذكرون هنا؟ فأشار ابن عبد الحكم بعيسى بن المنكدر، فولى، ولم يكن له رأى في أصبغ. فبلغ قول ابن عفير أصبغ، فقال: من أخبره أن في آبائى صباغا؟ محنته قال أبو العرب: قال يحيى بن عمر: اختفى أصبغ بن الفرج أيام الأصم وأخذه الناس بالمحنة في القرآن، فطلبه الأصم، فاختفى في داره، وكان إخوانه يأتونه فيها الواحد بعد الواحد، حتى مات.

стр. 875

وقال أبو عمر الكندى: أن المعتصم كتب في أصبغ ليحمل في المحنة، فهرب إلى حلوان فاستتر بها، وفى ذلك يقول الجمل المصرى (٤٣) في مدحه للأصم. وطويت أصبغ خيفة في بيته … فسترنه جدر البيوت الستر أبدلته برجاله وجموعه … خوفا، مقاعدة النساء الخدر وتوفى أصبغ بمصر سنة خمس وعشرين ومائتين. قال ابن سحنون: وذلك يوم الأحد لخمس ليال بقين من شوال، منها. وقال نحوه الكندى. وقال أبو نصر الكلاباذي: توفى سنة أربع وعشرين ومائتين. قال الكندى: مولده بعد الخمسين ومائة. أبو زيد بن أبي الغمر واسمه عبد الرحمان بن عمر بن أبى الغمر. كذا قال الكندى والدارقطنى وغيرهما. مولى بني سهم. يروى عن يعقوب بن عبد * الرحمان الإسكندراني، والمفضل (٤٤)، وابن القاسم - وأكثر عنه (٤٥) وحبيب كاتب مالك، وابن وهب، ومعاوية بن يحيى الاطرابلسي. قال ابن أبي دليم: ورأى مالكًا ولم يأخذ عنه شيئًا. وحكى ذلك الكندى عنه. روى عنه ابناه: محمد وزيد، والبخارى وأخرج عنه في الصحيح وأبو زرعة، وأبو الزنباع روح بن الفرج، وأحمد بن رشدين، ومحمد بن المواز، وأبو إسحاق البرقى، ومحمد بن عامر الأندلسي،

стр. 876

وأبو الطاهر المصرى، والحارث، ويونس، ويحيى بن عمر، ومحمد بن عيسى الأعشى (٤٦). وهو راوية الأسدية، والذي صححها على ابن القاسم بعد ابن الفرات. وله كتب مؤلفة حسنة موعبة لطيفة (٤٧) في مختصر الأسدية وله سماع من ابن القاسم مؤلف. قال ابن وضاح: لقيته بمصر. وهو شيخ ثقة. قال الكندى: وكان فقيها مفتيا. وذكر لسحنون، فقال: أن أبا زيد لم يكن من أهل هذا الشأن، يعني الفقه. قال ابن باز: والذي لا إله إلا هو، ما رأيت أفضل من أبي زيد بن أبى الغمر، لا أحاشي أحدا. وقال ابن أبي دليم: كان رجلا صالحا. قال غيره: كان لا يرى مخالفة ابن القاسم. * * * وكتب أبو زيد إلى أبي سنان القيرواني: عليك يا أخى بنفسك، فلها فاعمل، وعلى حضها فاحرص، وعلى دوام بقائها في النعيم المقيم فقم لها بذلك، فكأن قد حجبت عن القيام بما ذكرت لك، فاغتنم ذلك ما كان لك مبذولا، واعلم أنك لن تقوى على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره، فعند ذلك تقوى على ما تريد، ويهون عليك طلب ذلك، وتقدر عليه إن شاء الله، وأبعد ما تكون منه حين تعطى نفسك مناها، وتدرأ عنها ما تكره،

стр. 877

واعلم أن ذلك بالله ومنه (٤٨)، فعليك بالاستعانة بالله في ذلك (٤٩)، فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيتك. قال ابن باز: سألت أبا زيد بن أبى الغمر عمن تزوج وشرط إن لم يأت بمهر إلى كذا فأمرها بيدها. فقال: النكاح جائز. فقلت له: يروى عن مالك: لا يجوز. فقال لي: ومن أعلم بقول مالك، أنا أو أنت؟ قلت: أنت، ولكن أخبرني سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن أنه لا يجوز. قال إبراهيم: ثم وجدتها رواية كما قال. قال محمد بن عيسى: قال إبراهيم: صليت وراء أبي زيد بن أبي الغمر على جنازة، فرفع يديه في التكبير كله، ثم صليت وراءه على أخرى فلم يرفع لا في الأولى ولا في غيرها. وتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. مولده سنة ستين ومائة. أبو علي بن مقلاص واسمه عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص الخزاعي. وهو ابن بنت سعيد بن أبي أيوب بن قلاص، مولاهم، من أكابر أصحاب ابن وهب، أخذ عنه، وعن الشافعي وعن الهيعة بن عيسى. روى عنه أبو إبراهيم الزهرى، ويعقوب بن سفيان، وابن وضاح وجماعة من الأندلسيين، وابن حارث، وكان فقيها زاهدا صوفيا حسنا، ذكره ابن أبي دليم والكندى.

стр. 878

وتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. وله ابن اسمه عمر، روى عنه ابن قديد. قال ابن وضاح: لقيته بمصر، وكان كثير الرواية، ضابطا للحديث، حافظا له، نعم الشيخ، ثقة. وكان جده لامه سعيد بن أبي أيوب - ويكنى بأبي يحيى - من رواة الحديث، يروى عن عقيل. روى عنه ابن المبارك، والمقرى، وأبو مطيع معاوية بن يحيى. قال ابن معين: هو مولى أبى هريرة، ووثقه هو والنسائى. توفى - فيما قاله البخاري - سنة تسع وأربعين، وقال ابن بكير: سنة إحدى وستين ومائة. سعيد بن عيسى بن تليد بفتح التاء، أبو عثمان القتباني ثم الرعيني، مولاهم. وقتبان قبيلة من رعين، بقاف مكسورة، بعدها تاء باثنتين من فوق ساكنة، وباء موحدة مفتوحة، وألف بعدها نون. فقيه مشهور بمصر. قال الكندى في كتاب الموالى: وهو عم مقدام بن داود * بن عيسى، وكان كاتبًا لغير قاض بمصر. يروى عن المفضل بن فضالة، وبكر بن مضر، وابن عيينة، وابن وهب، وابن القاسم، والليث بن عاصم، وغيرهم. روى عنه ابن أخيه المقدام، وأبو حاتم الرازي، وعلى بن عمر النفيلي (٥٠)، والبخارى، وخرج عنه في صحيحه. قال أبو حاتم: هو ثقة.

стр. 879

قال أبو عمر الكندى في قضاة مصر: ولاه لهيعة بن عيسى على مسائله. وكان أول شأنه خياطا. وقال الجيزى: إن الفضل بن حاتم قاضى مصر، استكتبه بعد أن أبى عليه، فحلف له إن لم يفعل ليعاقبنه. قال الدارقطني: وتوفى سنة تسع عشرة ومائتين. وقال الكندى: سنة أربع عشرة. أبو الزنباع روح بن عبد الجبار بن نصير مولى مراد، وهو أخو أبي الأسود. يروى عن ابن القاسم، وكان مقبولا عند قضاة مصر ذكره ابن أبي دليم في المالكية. قال: وتوفى في ذى القعدة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وأخوه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، كان يكتب للهيعة قاضى مصر، ذكره الكندى في علماء موالى مصر. مولده سنة خمس وأربعين ومائة. وتوفى سنة سبع عشرة ومائتين. وابن أخيهما محمد بن عبد الله بن عبد الجبار، ويكنى بأبي العوام، قال الكندى: كان فقيها مقبول الشهادة. توفي سنة ثمان وستين. أبو عمرو الحارث بن مسكين ابن محمد بن يوسف، مولى محمد بن زيان بن عبد العزيز بن مروان سمع من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، ودون أسمعتهم وبوبها، وبهم تفقه، وعد في أكابر أصحابهم، وله كتاب فيما اتفق فيه رأيهم الثلاثة. ورأى الليث، ومالكا، والمفضل بن فضالة. وروى أيضًا عن سفيان بن عيينة، وسعيد بن الجهم، ويوسف بن عمر، وحدث ببغداد وبمصر.

стр. 880

وممن روى عنه ابن زيان الحضرمي (٥١)، وأبو داود، وابنه، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي، ويحيى ومحمد ابنا عمر، ومحمد بن رمضان، والنسائي، وابن وضاح، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والقاسم بن المغيرة الجوهرى، وحمدان بن علي. سئل أحمد بن حنبل عن الحارث بن مسكين قبل أن يستقضى، فأثنى عليه خيرًا، وقال: ما بلغنى عنه الأخير. قال: وكانوا يتساهلون في الأخذ عن ابن وهب والمصريين تساهلا شديدا. وقال يحيى بن معين: لا بأس به، قال ابن وضاح: هو ثقة الثقات قال الكندى: كان مفتيا فقيها. قال يحيى بن نصر: عرفت الحارث أيام ابن وهب وقبل وفاته (٥٢) على طريقة زهادة وورع وصدق لهجة حتى مات. قال أبو بكر الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، وحكى الخطيب عن علي بن حسين بن حيان، قال: وجدت في كتاب أبى بخطه: قال أبو زكرياء: الحارث بن مسكين خير من أصبغ، وأفضل من عبد الله بن صالح. وقال النسائي: الحارث بن مسكين ثقة مأمون. وللحارث بن مسكين كتاب حسن، دون فيه سماع ابن القاسم وابن وهب. قال أبو حاتم: هو صدوق. وقال عبد الله بن محمد القاضي: كان الحارث من علماء هذه الطبقة بمصر، مع خيره وفضله وثقته في روايته، وكان عدلا في قضائه، محمودا في سيرته.
следующие страницы →