← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وأبو الطاهر المصرى، والحارث، ويونس، ويحيى بن عمر، ومحمد بن عيسى الأعشى (٤٦). وهو راوية الأسدية، والذي صححها على ابن القاسم بعد ابن الفرات. وله كتب مؤلفة حسنة موعبة لطيفة (٤٧) في مختصر الأسدية وله سماع من ابن القاسم مؤلف. قال ابن وضاح: لقيته بمصر. وهو شيخ ثقة. قال الكندى: وكان فقيها مفتيا. وذكر لسحنون، فقال: أن أبا زيد لم يكن من أهل هذا الشأن، يعني الفقه. قال ابن باز: والذي لا إله إلا هو، ما رأيت أفضل من أبي زيد بن أبى الغمر، لا أحاشي أحدا. وقال ابن أبي دليم: كان رجلا صالحا. قال غيره: كان لا يرى مخالفة ابن القاسم. * * * وكتب أبو زيد إلى أبي سنان القيرواني: عليك يا أخى بنفسك، فلها فاعمل، وعلى حضها فاحرص، وعلى دوام بقائها في النعيم المقيم فقم لها بذلك، فكأن قد حجبت عن القيام بما ذكرت لك، فاغتنم ذلك ما كان لك مبذولا، واعلم أنك لن تقوى على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره، فعند ذلك تقوى على ما تريد، ويهون عليك طلب ذلك، وتقدر عليه إن شاء الله، وأبعد ما تكون منه حين تعطى نفسك مناها، وتدرأ عنها ما تكره،

стр. 877

واعلم أن ذلك بالله ومنه (٤٨)، فعليك بالاستعانة بالله في ذلك (٤٩)، فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيتك. قال ابن باز: سألت أبا زيد بن أبى الغمر عمن تزوج وشرط إن لم يأت بمهر إلى كذا فأمرها بيدها. فقال: النكاح جائز. فقلت له: يروى عن مالك: لا يجوز. فقال لي: ومن أعلم بقول مالك، أنا أو أنت؟ قلت: أنت، ولكن أخبرني سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن أنه لا يجوز. قال إبراهيم: ثم وجدتها رواية كما قال. قال محمد بن عيسى: قال إبراهيم: صليت وراء أبي زيد بن أبي الغمر على جنازة، فرفع يديه في التكبير كله، ثم صليت وراءه على أخرى فلم يرفع لا في الأولى ولا في غيرها. وتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. مولده سنة ستين ومائة. أبو علي بن مقلاص واسمه عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص الخزاعي. وهو ابن بنت سعيد بن أبي أيوب بن قلاص، مولاهم، من أكابر أصحاب ابن وهب، أخذ عنه، وعن الشافعي وعن الهيعة بن عيسى. روى عنه أبو إبراهيم الزهرى، ويعقوب بن سفيان، وابن وضاح وجماعة من الأندلسيين، وابن حارث، وكان فقيها زاهدا صوفيا حسنا، ذكره ابن أبي دليم والكندى.

стр. 878

وتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. وله ابن اسمه عمر، روى عنه ابن قديد. قال ابن وضاح: لقيته بمصر، وكان كثير الرواية، ضابطا للحديث، حافظا له، نعم الشيخ، ثقة. وكان جده لامه سعيد بن أبي أيوب - ويكنى بأبي يحيى - من رواة الحديث، يروى عن عقيل. روى عنه ابن المبارك، والمقرى، وأبو مطيع معاوية بن يحيى. قال ابن معين: هو مولى أبى هريرة، ووثقه هو والنسائى. توفى - فيما قاله البخاري - سنة تسع وأربعين، وقال ابن بكير: سنة إحدى وستين ومائة. سعيد بن عيسى بن تليد بفتح التاء، أبو عثمان القتباني ثم الرعيني، مولاهم. وقتبان قبيلة من رعين، بقاف مكسورة، بعدها تاء باثنتين من فوق ساكنة، وباء موحدة مفتوحة، وألف بعدها نون. فقيه مشهور بمصر. قال الكندى في كتاب الموالى: وهو عم مقدام بن داود * بن عيسى، وكان كاتبًا لغير قاض بمصر. يروى عن المفضل بن فضالة، وبكر بن مضر، وابن عيينة، وابن وهب، وابن القاسم، والليث بن عاصم، وغيرهم. روى عنه ابن أخيه المقدام، وأبو حاتم الرازي، وعلى بن عمر النفيلي (٥٠)، والبخارى، وخرج عنه في صحيحه. قال أبو حاتم: هو ثقة.

стр. 879

قال أبو عمر الكندى في قضاة مصر: ولاه لهيعة بن عيسى على مسائله. وكان أول شأنه خياطا. وقال الجيزى: إن الفضل بن حاتم قاضى مصر، استكتبه بعد أن أبى عليه، فحلف له إن لم يفعل ليعاقبنه. قال الدارقطني: وتوفى سنة تسع عشرة ومائتين. وقال الكندى: سنة أربع عشرة. أبو الزنباع روح بن عبد الجبار بن نصير مولى مراد، وهو أخو أبي الأسود. يروى عن ابن القاسم، وكان مقبولا عند قضاة مصر ذكره ابن أبي دليم في المالكية. قال: وتوفى في ذى القعدة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وأخوه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، كان يكتب للهيعة قاضى مصر، ذكره الكندى في علماء موالى مصر. مولده سنة خمس وأربعين ومائة. وتوفى سنة سبع عشرة ومائتين. وابن أخيهما محمد بن عبد الله بن عبد الجبار، ويكنى بأبي العوام، قال الكندى: كان فقيها مقبول الشهادة. توفي سنة ثمان وستين. أبو عمرو الحارث بن مسكين ابن محمد بن يوسف، مولى محمد بن زيان بن عبد العزيز بن مروان سمع من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، ودون أسمعتهم وبوبها، وبهم تفقه، وعد في أكابر أصحابهم، وله كتاب فيما اتفق فيه رأيهم الثلاثة. ورأى الليث، ومالكا، والمفضل بن فضالة. وروى أيضًا عن سفيان بن عيينة، وسعيد بن الجهم، ويوسف بن عمر، وحدث ببغداد وبمصر.

стр. 880

وممن روى عنه ابن زيان الحضرمي (٥١)، وأبو داود، وابنه، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي، ويحيى ومحمد ابنا عمر، ومحمد بن رمضان، والنسائي، وابن وضاح، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والقاسم بن المغيرة الجوهرى، وحمدان بن علي. سئل أحمد بن حنبل عن الحارث بن مسكين قبل أن يستقضى، فأثنى عليه خيرًا، وقال: ما بلغنى عنه الأخير. قال: وكانوا يتساهلون في الأخذ عن ابن وهب والمصريين تساهلا شديدا. وقال يحيى بن معين: لا بأس به، قال ابن وضاح: هو ثقة الثقات قال الكندى: كان مفتيا فقيها. قال يحيى بن نصر: عرفت الحارث أيام ابن وهب وقبل وفاته (٥٢) على طريقة زهادة وورع وصدق لهجة حتى مات. قال أبو بكر الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، وحكى الخطيب عن علي بن حسين بن حيان، قال: وجدت في كتاب أبى بخطه: قال أبو زكرياء: الحارث بن مسكين خير من أصبغ، وأفضل من عبد الله بن صالح. وقال النسائي: الحارث بن مسكين ثقة مأمون. وللحارث بن مسكين كتاب حسن، دون فيه سماع ابن القاسم وابن وهب. قال أبو حاتم: هو صدوق. وقال عبد الله بن محمد القاضي: كان الحارث من علماء هذه الطبقة بمصر، مع خيره وفضله وثقته في روايته، وكان عدلا في قضائه، محمودا في سيرته.

стр. 881

قال الكندى: وكان أصحاب الأصم قد أشاروا عليه بامتحان الحارث في القرآن، عند قدوم الحارث من العراق، فقال لهم: السلطان لم يمتحنه هناك، أنا أمتحنه؟ اسكتوا عن هذا. وذلك أن ابن أبي دؤاد كان أوصاه به، لأن الحارث حضر جنازة له، فشكر ذلك له. * * * قال الأمير أبو نصر: حمل إلى بغداد للفتنة، فحبس بها إلى أن ولى المتوكل، فأطلقه. وقال * الخطيب مثله. وزعم أن الذي حمله، المأمون. وفيه يقول سعدان بن يزيد: لو تراه وأبا زيد معا … وهما للدين حصن وعضد يدرسون العلم في مسجدهم … وإذا جنهم الليل هجد وإذا ما وردت معضلة … أسند القوم إليهم ما ورد نور الله بهم مسجده … بهم المسجد نور يتقد ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزى في كتاب قضاة مصر: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع وثلاثين، في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر الكندى في كتاب طبقات قضاة مصر، وفى كتاب الموالى: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالأسكندرية، فلما قرأه امتنع من الولاية، فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له (٥٣). فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدا من رجليه، فكان يحمل

стр. 882

إلى الجامع في محفة، ويركب حمارا مبرقعا، وطولب بلباس السواد، فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان وتهمته بتولى بني أمية، فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين، فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر، وكان على يدى ابن أكتم قاضى القضاة حينئذ. * * * قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب عن مالك، في الرجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه، أو جلد ظهره، وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ قال: أما هدم داره، وجلد ظهره، وسجنه، فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل، خير له. وأما أن يباح دمه، فلا أدرى ما حد ذلك، ولعله في سعة من ذلك إن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر، وولى، ووالله لقد سألني: ترانى أهلا للفتيا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولى جعفر المتوكل، الحارث، قضاء مصر بعد أن سجنه على إبائه ذلك زمانا. قال محمد بن عبد الوارث: كنا عند الحارث، فأتاه على بن القاسم الكوفى المدني، فقال له رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام فقلت: ما اجتماعكم؟ فقالوا: عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه، وسمر مقعده في الحائط، وانصرف، فتبعته، فلما أحس بي قال: ما تريد؟ قلت: أنظر إليك.

стр. 883

قال: اذهب للحارث، فاقرأه منى السلام، وقل له: تقضى بين الناس، بأمارة أنك كنت في الحبس بالعراق، فقمت من الليل فعثرت، فنكبت أصبعك، ودعوت بذاك الدعاء، فنجيت من الغد (٥٤). فقال له الحارث: صدقت، وهذا شيء ما اطلع عليه أحد إلا الله تعالى. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي عند كل شدة، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسى في كل وحشة، صل على محمد وعلى آل محمد، واجعل لي من أمرى فرجا ومخرجا. * * * قال: ودعى إلى لباس السواد فأبى من ذلك، فخاطب الوالى المتوكل، فورد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلع وركيه. فوجه الوالى وراءه رسلا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوى عن محمد بن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله، فعلمت أنه قصد وجها من الحق خالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه، وقلت له سرا: يا شيخ! لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقنى وقال: أحييتني والله يا أخى بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدا. فلما أتى به إلى الوالى، أمر بكتاب المتوكل فقرئ عليه، فامتنع من لباس السواد، فقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجية، التي تعمل باليمن. فقال الحارث: بلى! أني ربما لبستها. فقال له الوالى: فالبسها.

стр. 884

قال: أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك، وكتب به إلى المتوكل، وخلى عن الشيخ. * * * قال الكندى: وأمر الحارث بإخراج أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصرهم بين العمد، ومنع عامة المؤذنين من الأذان، ومنع قريشا والأنصار من طعمة رمضان، وعمر المساجد، وبنى سقاية (٥٥)، وحفر خليج الإسكندرية، ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها، ونهى عن النداء على الجنائز (٥٦)، وضرب القراء الذين يقرأون بالالحان، وهو أول من ولى على مصاحف الجامع أمينا، وترك تلقى الولاة والسلام عليهم، ولاعن، وقتل ساحرين نصرانيين، وقتل نصرانيا سب النبي ﷺ ، بعد أن جلده الحد، ونفى وحد من سب عائشة، ولم يكن في ولايته خلل، وهدم مسجدا كان بناه خراسانى بين القبور بناحية المقطب (٥٧) في الصحراء، وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير. وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائيا عن القرية حيث لا يصلى فيه أهل القرية، وإنما يصلى فيه من ينتابه. وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان. وبمثله أفتى أبو عمران بالمسجد الذي بني بجبل فاس. * * * وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم، القاضي قبله، وكانوا قد لعنوه لما عزل، ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه،

стр. 885

فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطا، ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أياما. فقال بعضهم للحارث: أنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك فخلى عنه. وألقيت إليه سحاءة، فيها مكتوب: ميزان حراني وصنجات ناقصة! فلما قرأها استبدل بكتابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث أبو إسحاق القسطال، وعلى مسائله عمر ويزيد ابنا يوسف بن عمر. * * * وقال أبو عمر الكندى: وحكم الحارث في حبس بمذهبه مذهب مالك، بإخراج أولاد البنات منه، فشكا أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم، وخطأوا الحارث، ونقضت القضية، فاستعى الحارث إذ ذاك، فأعفى. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين أن كتابا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر، فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك، وإعفائك مما تقلدت منه، إسعافا لك بما سألت، وتفضلا بما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين، فكان أمد قضائه سبع سنين وأحد عشر شهرًا. وولى بعده بكار بن قتيبة، فلم يكشف أحدا من أصحاب الحارث، وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده منى، إلا أن تتبين لي جرحة. وذكر أبو عمر الصدفى: أن رجلا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها ابن صعير، أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث، فقال له الحارث: فما أصنع به؟

стр. 886

نردد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع؟ حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال الحارث: إذا كان صالحا وأحمق فما أصنع؟ قال بعضهم: حضرت جنازة، فأخذ يونس بن عبد الأعلى في كلام الزهاد، حتى بكى بعض من حضر. فقال الحارث: يونس: يونس: تحسن هذا كله وأنت تصنع ما تصنع؟ فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلا تقدم إلى الحارث في خصومة، فناداه رجل باسمه، وكان اسمه إسرافيل، فقال له الحارث: ما حملك على أن تسمى بهذا الاسم، وقد قال ﵊: لا تسموا بأسماء الملائكة؟ فقال له: فلم سمي مالك بن أنس مالكا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾؟ ثم قال له: والله لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك، يعني "الحارث" اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله. ذكر محنته وبقية أخباره قال الكندى: لما قدم المامون مصر، تلقاه الناس يرفعون على عمال مصر، وجاء متظلم من ابن تميم وابن أسباط، فجلس الفضل بن الربيع (٥٨) في الجامع، وحضر مجلسه القاضي بن أكتم، والقاضي بن أبي دؤاد، وإسحاق بن إسماعيل بن حماد - وكان على مظالم مصر - وجماعة من فقهاء مصر ومحدثيها، وأحضر الحارث ليولى قضاء مصر، فدعاه الفضل، فسأله عن ابن تميم وابن أسباط.

стр. 887

فقال: ظالمين غاشمين! فقال: ليس لهذا أحضرناك. واضطرب المسجد، فقام الفضل وسار إلى المأمون؛ وقال له: لقد خشيت على نفسى من قيام الناس الحارث. فأرسل المامون إلى الحارث فسأله عنهما، فقال: ظالمين غاشمين. فقال له: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال: فعاملتهما؟ قال: لا. قال: فكيف شهدت عليهما؟ * * * قال: كما شهدت أنك أمير المؤمنين ولم أرك قط إلا الساعة، وكما شهدت أنك غزوت ولم أحضر غزوك. قال: اخرج من هذه البلاد، فليست لك ببلاد، قليلك وكثيرك، فإنك لا تعاينها أبدا. وحبسه في رأس الجبل في خيمة. ثم انحدر لمحاربة بعض بلاد مصر، وأحدره معه، فلما فتحها سأل حارثا عن مسألته الأولى، فرد عليه جوابه بعينه. فقال له: فما تقول في خروجنا هذا؟ فقال: أخبرني عبد الرحمان بن القاسم، عن مالك، أن الرشيد كتب إليه يسأله عن قتال أهل دهلك، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحل قتالهم، وإن كانوا إنما شقوا العصا فقتالهم حلال. فجاوبه المأمون بجواب قبيح سبه فيه وسب مالكا، وقال له: ارحل عن مصر.

стр. 888

فقال: يا أمير المؤمنين: إلى الثغور؟ قال: الحق بمدينة السلام. فقال أبو صالح الحراني (٥٩): يا أمير المؤمنين تغفر زلته. قال: يا شيخ! شفعت؟ ارتفع. قال: وكان لما حضر، قال له المأمون: يا ساع: يرددها عليه. فقال له: لست بساع، وإن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت. قال: تكلم. قال: والله يا أمير المؤمنين ما أنا بساع، ولكني أحضرت، فسمعت وأطعت حين دعيت، ثم سئلت عن أمر فاستعفيت فلم أعف ثلاثا، فلما رأيت أنه لابد لي من الكلام، كان الحق آثر عندي من غيره. فقال المأمون: هذا رجل أراد أن يرفع له علم في بلده، خذه إليك. ثم حمله إلى العراق، وخرجت إليه امرأته، وحمل ابنه إبراهيم إلى الثغور، فأقام الحارث بالعراق ست عشرة سنة، حتى مات المأمون والمعتصم. وذكره الواثق لابن أبي دؤاد، فقال له: هو حاضر. فقال: ما ظننت أنه حى. فأرسل إلى الحارث وهو ببغداد يقول له: سل حاجتك؟ قال: حاجتى أن لا تحملني إلى سر من رأى. فقال ابن أبي دؤاد للواثق: هو شيخ ضعيف، خفت أن أحمله فيموت. قال: فاكتب إليه يتوجه حيث شاء. فانصرف إلى مصر، سنة اثنين وثلاثين ومائتين، فلما ولى المتوكل ولاه قضاءها.

стр. 889

قال محمد بن عبد الحكم: قال لي ابن أبي دؤاد: لقد قام حارثكم مقام الأنبياء. وكان ابن أبي دؤاد يحسن ذكره ويعظمه جدا، ويكتب إلى الأصم بالوصاة به. وتوفى الحارث سنة خمسين ومائتين، وقيل سنة ثمان وأربعين، والأول الصواب، وسنه خمس وتسعون، وصلى عليه أمير مصر. مولده سنة أربع وخمسين، وقيل سنة ست وخمسين ومائة. محمد بن أبي زكير واسمه يحيى بن إسماعيل، أبو عبد الله، مولى آل خالد بن يزيد بن أسيد الصدفى (٦٠)، مولى لهم. هو أبو مزاحم المحتسب، قاله الكندى في أعيان موالى مصر. وقيل بل اسمه ركين بضم الراء مصغرا، قاله الأمير والدارقطني. كان فقيها من أكابر أصحاب ابن وهب، ويروى عن الشافعي. حدث عنه أبو إبراهيم الزهرى، وأبو زكرياء البردعي، والمصريون. قال أبو عمر الصدفي: سألت عنه أبا جعفر العقيلي (٦١)، وأبا بكر الحضرمي، فقالا: ثقة. وابنه مزاحم: ولى الحسبة، وكان مقبولا بمصر، توفي سنة ثنتين وثلاثين ومائتين. الوقار قال ابن حارث: هو أبو يحيى زكرياء بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الله من موالي قريش، مصري.

стр. 890

قال غيره: هو مولى بني عبد الدار. روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وغيرهم، وكان مختصا بابن وهب. قال أبو العرب في كتابه في علماء أفريقية: قدم علينا أفريقية سنة خمسين ومائتين (٦٢)، وكان إذا حدث عن ابن وهب يقول: حدثني سيدى ابن وهب. قال: وفي حديثه لين وانقطاع، وعن رجال شاميين غير أعلام. وسمع عليه بأفريقية، ثم انصرف إلى مصر، وكان يلقب بالبرطنج، وقرأ القرآن على نافع المدني، وعنه أخذ أبو عبد الرحمان (٦٣) المقرئ حرف نافع. قال: وأوطن أطرابلس. قال أبو عمرو الداني: أبو يحيى، يلقب بالبرطنج، مقرئ، روي القراءة عندنا على نافع بن أبي نعيم، وروى عنه القراءة محمد بن برغوث المقرئ. قال: وأبو يحيى هذا مجهول. قال الفقيه أبو الفضل عياض ﵁: وأبو يحيى هذا المجهول عند أبي عمرو، هو أبو يحيى الوقار، ولم يذكر أبو عمرو، الوقار، جملة، وأراه لم يبلغه خبره، أولم يعلم أن البرطنج هو الوقار، وقد بين أبو العرب وابن حارث ذلك بحمد الله. قال أبو عمر الكندى: كان فقيهًا صاحب عجائب، ولم يكن بالمحمود في روايته. قال: وكان ممن خرج من مصر أيام أبى بكر الأصم، وأخذه الناس بمحنة القرآن.

стр. 891

قال ابن هلال: كان الوقار بمصر يقص، فيجتمع إليه الناس، وكان لا يقعد إلى المزنى إلا النفر اليسير، فقلت في ذلك للوقار - أو قيل له - فقال: إن كل من ترى حولى لو خطرت به دبة أو قردة افترقوا عنى، ولو سقط المسجد على أصحاب المزني لوجدوا حوله. وسمع منه بمصر والقيروان، وكأنه كانت فيه غفلة. قال سهل القيروانى: لما أراد عبد العزيز بن يحيى المدني الخروج عنا، استعنا عليه أن يصبر علينا حتى يستوعب الناس سماعهم منه، فصبر، فقال لنا الوقار: إنى أريد الخروج، فإن استعنتم على كما استعنتم على عبد العزيز جلست، أو كما قال. قال أبو إسحاق الشيرازى: كان الوقار يغلو في مالك ويتعصب له على أبي حنيفة، ويقول: ما مثله ومثل أبي حنيفة إلا كما قال جرير: يعد الناسبون إلى معد … بيوت المجد أربعة كبارا يعدون الرباب وآل سع … وعمرا ثم حنظلة الخيارا ويذهب بيننا المرى لغوا … كما ألغيت في الدية الحوارا * وعده أبو إسحاق الشيرازى في صغار الآخذين عن مالك، ولم يذكر ذلك أحد، ولا أراه يصح. وتوفى سنة أربع وخمسين ومائتين بمصر، هذا المعروف، والذي قاله الكندى وابن أبي دليم وغيرهم، وقيل سنة ثلاث وستين. وقال الأمير أبو نصر: قتلته البحة بالحرس، سنة سبع ومائتين، وسيأتي ذكر ابنه أبي بكر بعد هذا. أبو جعفر أحمد بن صالح يعرف بابن الطبرى، كان أبوه من أصحاب ابن الأشعث من عجم الجند، من أهل طبرستان. سمع ابن وهب، وعنبسة بن خالد.

стр. 892

قال أبو عمرو المقرئ: كان حافظا للحديث، وأخذ القراءة عن ورش، وقالون، وابنى أبى أويس، وحرمي بن عمارة. كتب عنه أحمد بن حنبل، والبخارى، والذهلى، وخرج عنه البخارى في الصحيح، وأحمد بن رشدين، والحسن بن أبى مهران، وأبو داود السجستاني، وغيرهم. وكان ابن حنبل والبخارى وابن نمير، وابن المديني، ويحيى، وأبو حاتم، وغيرهم، يوثقونه. قال يحيى: هو ثبت ثقة. وقال أحمد: هو ثبت ثقة صاحب سنة. وقال مسلمة بن القاسم: الناس مجمعون على ثقته وخيره وفضله. قال الكوفي: هو ثقة صاحب سنة. قال الكندى: كان فقيهًا نظارا. قال البخارى فيه: ثقة مأمون، ما رأيت أحدا تكلم فيه بحجة. وقال يحيى: سلوه فإنه ثبت. وقال محمد بن الحسن فيه: أبو جعفر أحد الأئمة. وذكر الرشدينى عنه أنه كان يقول في المخيرة: إنها واحدة وإن اختارت ثلاثا، وبذلك كان يأخذ، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص. قال أبو نعيم: ما قدم علينا فتى أعلم بحديث الحجاج منه. قال أحمد: هو يفهم حديث المدينة. قال ابن خلاد: هو ممن جمع الأقطار في رحلته، اليمن والعراق، ومصر. وتكلم فيه النسائي، فضعفه. قال: وكان سبب ذلك أن ابن صالح، كان لا يحدث أحدا، حتى

стр. 893

يشهد عنده رجلان من المسلمين، أنه من أهل الخير والعدالة، فحينئذ كان يحدثه ويبذل له علمه على مذهب زائدة وغيره، فدخل عليه النسائي دون إذن ولا معرفة ولا تزكية، فأنكره وأمر بإخراجه. قال العقيلى: كان النسائي يصحب قوما من أهل المدينة ليسوا هناك - أو كما قال - فأبى أحمد أن يأذن له، فلم يره، فجمع النسائي أحاديث قد غلط فيها أحمد، فشنع بها، ولم يضر ذلك أحمد شيئا. هو إمام ثقة. قال أبو الوليد الباجي: أحمد بن صالح من أئمة المسلمين الحفاظ المتقنين، لا يؤثر فيه تجريح. قال ابن نمير: حدثنا أحمد بن صالح. وإذا جاوزت الفرات فليس أحد مثله. وقال فيه أبو حاتم: ثقة. قال ابن زنجويه: ذاكر أحمد بن صالح، ببغداد، أحمد بن حنبل، في حديث الزهرى، فما رأيت مذاكرة أحسن منها، وما يغرب أحدهما على الآخر. وذكر خبرا طويلا. قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: من قال القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟ قال: هذا شاك، والشاك كافر. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا صاحب مناظرة، وألف في الصحابة، وكان يرى في الجنب إذا لم يقدر على طهارة الماء من برد وخوف على نفسه، أنه يتوضأ ويصلى، ويجزيه، على ما جاء في بعض الروايات في حديث عمرو بن العاص: (فتوضأ وصلى بهم) ولم يقل بهذا الرأى أحد من فقهاء الأمصار سوى طائفة ممن ينتحل الحديث، لهذا الحديث، ولأن الوضوء عندهم فوق التيمم. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا صاحب مناظرة.

стр. 894

وتوفى في ذى القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومولده سنة ثنتين وسبعين ومائة، قاله الكندى وغيره. وقال أبو عمرو المقرئ: مولده بمصر سنة سبعين ومائة. عيسى بن المنكدر ابن محمد بن المنكدر القرشي، قاضى مصر أيام ابن طاهر، أشار به عبد الله بن عبد الحكم، وأعلمه أنه فقير، فأجرى له سبعة دنانير كل يوم، وأجازه بألف دينار، وكان رجلا صالحا، وكان قد أشار أبو ضمرة الزهرى بأصبغ بن الفرج (٦٤)، فرد عليه سعيد بن عفير، فأشار عبد الله بن عبد الحكم بعيسى. واستكتب أبا الأسود النضر بن عبد الجبار، وداود بن أبى طيبة (٦٥)، واستكتب أيضا - فيما حكاه ابن أبي دليم - أبا إسحاق القسطال. وكان القائم بأمره سليمان بن برد إلى أن مات، فولى بعده مسائله عبد الله بن عبد الحكم. قال محمد بن عبد الحكم: أشار والدى على ابن المنكدر بوجوب اليمين المدعى على المدعى عليه بالمال، وإن لم تقم بينة بخلطة، وبه أخذ، لأن الناس قد فسدوا. وذكر نحوه عن أصبغ، في الغرباء الذين يضربون في الأرض، وهل يشترون ويبيعون إلا ممن لم يعرفوه ويخالطوه؟ قال ابن أخى ابن وهب: سمعت القاضي ابن المنكدر يصيح بالشافعي: يا كذا: يا كذا! دخلت هذه البلدة وأمرنا ورأينا واحد، ففرقت بيننا. ودعا عليه.

стр. 895

وكانت له طائفة من أصحابه يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلما ولى، كانت تأتيه فتعرفه بما حدث، فيترك الحكم، ويصير معهم لتغييره. فكان إذا عذله في هذا أحد، يقول: لابد من القيام بأمر الله. وكان يتنكر بالليل ويمشى، فيستخبر أحوال الشهود، ويسأل عنهم، فولى نحو السنتين، وعزله المعتصم عند قدومه مصر، وأقامه للناس، وسجنه، وأخرجه معه إلى بغداد، فمات بها مسجونا. وكان سبب حقده عليه، ما ذكرناه في خبر عبد الله بن عبد الحكم، قبل هذا. ذكر هذا كله أبو عمر الكندى. وقال الجيزى: قال ابن عبد الحكم: قال لي ابن طاهر، حين طلبت منه لابن المنكدر: كم ترى أن نعطيه؟ فخشيت أن أقول ما يريد أكثر منه، فقلت: يقول الأمير. فقال: أمرنا له بألف دينار. فكرهت أن أعظمها عنده، أو أصغرها، وليست بصغيرة، فقلت: في ألف ما أغناه. فأمر له بها، وأجرى عليه أربعة آلاف درهم في الشهر. وكان أول قاض بها أجرى عليه. قال سعد (٦٦) بن عبد الله بن عبد الحكم: لما ولى ابن المنكدر، وكانت حاشيته الصوفية، فكان إذا بلغ أبى أنه كان منه ما ينكره الناس، بعث إليه أخى عبد الحكم، ينهاه عن ذلك، ويأمره بما يراه، فبعث إليه مرة، فالتفت إلى أخى وقال: ما يظن أبوك إلا أنه أعتق المنكدر!

стр. 896

فأمسك عبد الله أن ينهاه عن شيء، وغلبت عليه الصوفية، فقالوا له: اكتب إلى أمير المؤمنين تشتكى عمال الخراج. فكتب، ودفع المأمون كتابه إلى المعتصم - وكانوا عماله - فأغاظه، فلما قدم مصر عزله وأوقفه للناس، فجعلوا يثنون عليه، ويصيحون. فبعث إلى إخوانه، وذلك بعد موت ابن عبد الحكم في السجن، بسبب المتهمة معه، فاستشارهم فيما نزل به، فقالوا: لم تحتج، أنت تحفظ كل ما قضيت، إذا ناظرك غدا ابن أبي داود، فقل له: لم أقض لأحد ولا عليه، إلا وقد كتبت قضيته في الديوان، فانظروها، فإن كان مما اختلف فيه العلماء، فللقاضى أن يختار، وإن كان مما خرج عن أقاويل المسلمين، لزمني غره. فلما أصبح، ووقف، قال ذلك، فقال ابن أبي داود لأصحابه: علم هذا الرجل، خلاف ما كنا نعتقد (٦٧) فيه. فأعلموا المعتصم، فقال: يفتش الديوان - حنقا عليه -. فأرسل عيسى إلى إخوانه في ذلك، فقالوا له: إذا سألوك أن تحضر الديوان، فقل: هو ديوان أمير المؤمنين، فإن كان أمركم بذلك، فهو بين أيديكم، وأما أنا فلا أدخل يدى فيه. فكره المعتصم هذا، وخاف المأمون وأمر بإشخاصه، وذلك سنة أربع عشرة ومائتين. أبو الأزهر عبد الصمد، وأبو هارون موسى، ابنا عبد الرحمان بن القاسم كانا فاضلين عابدين ورعين، سمعا من أبيهما. وغلب على عبد الصمد علم القرآن، وله في ذلك كتاب.

стр. 897

وغلب على موسى العبادة. روى عنهما ابن وضاح. وروى عبد الصمد عن ورش، وهو من جلة أصحابه المتصدرين، ومن وقته اعتمد أهل الأندلس على رواية ورش. وروى أيضا عن داود بن أبي طيبة، وسمع سفيان بن عيينة. روى عنه الفضل بن يعقوب والمحاربي، ومحمد بن سعيد الأنماطي وإسماعيل بن عبد الله النحاس، وبكر بن سعيد الدمياطى، وحبيب بن إسحاق القرشى، وابن باز، وابن وضاح، وغيرهم. وقد روى الحارث بن مسكين عن أحد ابنى عبد الرحمان بن القاسم. قال ابن اللباد: كان لابن القاسم ثلاثة من الولد: موسى، وعبد الصمد، وابنة (٦٨). فأما عبد الصمد، فكان يقرأ مقرأ نافع. وأما موسى فكان يروى موطأ مالك. وكان موسى مع أخيه، سدته مقابل سدته في بيت واحد، حتى ماتا شيخين، ولم يتزوج واحد منهما. قال الكندى: كانا يشهدان، ثم امتنعا من الشهادة بعد. وكانا من أفضل الناس. *** ذكر محمد بن عبد الحكم، عن عبد الصمد بن عبد الرحمان بن القاسم: حلف أخى بالمشى إلى مكة، في شيء، فسألت أبي عن ذلك، وأخبرته بيمينه، فاشتد عليه، وأمره أن يكفر يمينه، ولا يعود. ***

стр. 898

قال ابن يونس الصدفى: توفى عبد الصمد بن عبد الرحمان في رجب سنة إحدى وثلاثين. وقال الكندى: سنة خمس (٦٩). قالا: ومات موسى أخوه في جمادى الآخرة، سنة تسع وأربعين. وقرأت أنا بخط بعض الشيوخ، عن ابن القرطبي: أن موت موسى سنة ثمان وأربعين. ومن أهل أفريقية وأقصى المغرب أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي صليبة من العرب، أصله شامى من حمص، وقدم أبوه سعيد في جند حمص. قال محمد ابنه: قلت: يا أبت: أنحن صليبة من تنوخ؟ فقال لي: وما تحتاج إلى ذلك؟ فلم أزل به حتى قال لي: نعم، وما يغني عنك ذلك من الله شيئا إن لم تتقه. قال المهدى: قدم رجل من أهل الشام على سحنون، فقال له: لو رأيت أهل بلدك بالشام لرأيت علماء يؤخذ بأنوفهم. فانتهره سحنون وقال له: اسكت، أتحاضر العلماء بهذا في مجالسهم؟ (٧٠)

стр. 899

و (سحنون) لقب له، واسمه عبد السلام. سمعت بعض مشايخ أهل الحديث، يحكى عن بعض شيوخ أفريقية، أنه قال: سمى (سحنون) باسم طائر حديد، لحدته في المسائل. قال أبو العرب التميمى: وله أخ يقال له حبيب، أسن منه، سمع من ابن الأصم، وابن فروخ، وكان ثقة صالحا، روى عنه أخوه. وقد جمع الناس أخبار سحنون مفردة ومضافة، وممن ألف فيها تأليفا معروفا أبو العرب التميمى ومحمد بن حارث القروى. ذكر طلبه ورحلته أخذ سحنون العلم بالقيروان عن مشايخها: أبي خارجة، وبهلول، وعلى بن زياد، وابن أبي حسان، وابن غانم، وابن أشرس، وابن أبي كريمة، وأخيه حبيب، ومعاوية الصمادحى، وأبي زياد الرعيني. ورحل في طلب العلم أول سنة ثمان وثمانين ومائة، فيما قاله أبو العرب وابن حارث. وقال ابنه: خرج إلى مصر أول سنة ثمان وسبعين (٧١)، في حياة مالك ومات مالك وهو ابن ثمانية عشر عاما، أو تسعة عشرة وكانت رحلته إلى ابن زياد بتونس وقت رحلة ابن بكير إلى مالك. قال سحنون: كنت عند ابن القاسم، وجوابات ما لك ترد عليه. فقيل له: فما منعك من السماع منه؟ قال: قلة الدراهم. وقال مرة أخرى: لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت مالكا. فإن صح هذا، فله رحلتان، وإلا فما قال ابنه أصح، فإنه سمع ممن مات قبل ثمان وثمانين من المدنيين بها، كابن نافع، توفى سنة ست

стр. 900

وثمانين، فسمع سحنون في رحلته إلى مصر والحجاز من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وطليب بن كامل، وعبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، ويوسف بن عمرو (٧٢)، وسفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الرحمان بن مهدى، وحفص بن غياث، وأبى داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، والوليد بن مسلم، وابن نافع الصائغ، ومعن بن عيسى، وأبى ضمرة، وابن الماجشون، ومطرف، وغيرهم. وانصرف إلى أفريقية، سنة إحدى وتسعين ومائة. قال سحنون: سمع منى أهل أحدابية (٧٣) سنة إحدى وتسعين. وفيها مات ابن القاسم. قال: وخرجت إلى ابن القاسم ابن خمس وعشرين، وقدمت أفريقية ابن ثلاثين سنة، وأول من قرأ على عبد الملك زونان. ذكر أن البهلول بن راشد، كتب إلى على بن زياد أن يسمع سحنون، وقال له: إنما كتبت إليك في رجل يطلب العلم لله، - وقد روى وقد روى أنه إنما كتب البهلول في عبد المتعالى الجدرى - فسأله علي عن موضعه، ثم أخذ على، الموطأ، فأتاه ليسمعه في موضعه، وقال له: إن بهلولا كتب إلى يعلمني أنك ممن يطلب العلم لله. قال فرات: سمعت سحنون يقول: انغلقت على مسألة، حتى أردت الرجوع فيها إلى المدينة، حتى اتضحت لي. قال سحنون: لما حججت كنت أزامل ابن وهب، وكان أشهب يزامله يتيمه (٧٤)، وابن القاسم يزامله ابنه موسى، وكنت إذا نزلت سألت ابن القاسم، وكنا نمشي بالنهار ونلقى المسائل، فإذا كان الليل قام كل أحد إلى حزبه من الصلاة، فيقول ابن وهب ألا ترون هذا المغربي يلقى بالنهار ولا يدرس بالليل؟

стр. 901

فيقول ابن القاسم: هو نور يجعله الله في القلوب. ذكر مكانه من العلم والثناء عليه قال محمد بن أحمد بن تميم (٧٥) في كتابه: كان سحنون ثقة، حافظا للعلم، فقيه البدن، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره، الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة. وكان لا يقبل من السلاطين شيئا، وربما وصل أصحابه بثلاثين دينارا أو نحوها. ومناقبه كثيرة. *** قال أبو بكر المالكي: وكان مع هذا رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع، متواضعا، قليل التصنع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر، شديدا على أهل البدع، لا يخاف في الله لومة لائم، انتشرت إمامته في المشرق والمغرب، وسلم له الإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه. ومناقبه كثيرة، قد ألف فيها أبو العرب التميمي كتابا مفردا. وسئل أشهب: من قدم اليكم من المغرب؟ قال: سحنون. قيل: فأسد؟ قال: سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة. وقال أشهب: ما قدم إلينا من المغرب مثله.

стр. 902

وقد حثه ابن القاسم على أن يقيم عنده يطلب العلم، ويدع الخروج إلى الغزو، لما استفرس فيه. وقال ابن القاسم لابن رشيد: قل لصاحبك - يعنى سحنون - يقعد، فالعلم أولى به من الجهاد وأكثر ثوابا*، ويعطى هذه الخيل التي قدم بها لمن هو في مثل حاله، يؤديها عنه، فما علينا قدم من أفريقية مثل سحنون، ولا ابن غانم! قال حمديس: رأيت أبا مصعب بالمدينة وغيره، وبمصر أصحاب ابن القاسم، وبمكة علماء وعلماء من أهل بغداد، والله ما رأيت فيهم مثل سحنون، ولا رأيته بعده. وقال عمرو بن يزيد (٧٦): أول ما تعلمت مسائل الصلاة من سحنون. وإن قلت: ان سحنون أفقه من أصحاب مالك كلهم، اني لصادق. *** قال أبو العرب: وكل من لقيت من أصحاب سحنون الذين سمعوا منه، وسمعنا منهم، من مشاهير الفقهاء والشيوخ منهم يحيى بن عمر، وحبيب، وابن مسكين، وابن أبي سليمان، وابن سالم، وابن الحداد، وحمديس، وجبلة، وابن مغيث، وغيرهم، قال: ومنهم من سمع ممن هو أسن من سحنون، ولقى أصحاب مالك، وسفيان الثورى، ورأى الناس في الآفاق، كلهم يقولون: ما رأينا أحدا مثل سحنون في ورعه وفقهه وزهده. وكان يزيد بن بشير (٧٧) يبجل سحنون ويعظمه، وقال: كنت بتونس، فبلغنى مقامه من الإسلام وبركته. ويقدم إلى الرجل من أصحابه فأعرف فيه الأدب، وربما قدم إلى الرجل من عند حرملة فأعرف فيه قلة الأدب، فأقول له: فهلا كنت مثل من يؤدبه سحنون (٧٨)؟

стр. 903

قال أبو زيد بن أبى الغمر: لم يقدم علينا أحد أفقه من سحنون، إلا أنه قدم علينا من هو من هو أطول لسانا منه، يعني ابن حبيب. وقال يونس بن عبد الأعلى: هو سيد أهل المغرب. فقال له حمديس: أولم يكن سيد أهل المشرق والمغرب؟ قال: قد كان رجلا نبيلا فاضلا خيرا، من شأنه ومن شأنه. فأثنى عليه ورفع به، أخذ من ابن وهب مغازيه إجازة، يعني سحنون. *** قال سليم بن عمران (٧٩): كنت إذا سألت أسدا عن مسألة، أجابني من بحر عميق، ومعنى جوابه: لا تزد. وإذا سألت سحنون، أجابنى من بحر عميق، ومعنى جوابه: زد في سؤالك. وكان العلم في صدر سحنون كسورة من القرآن لمن حفظه، وكان سحنون رجلا صالحا. وقال سحنون: إني حفظت هذه الكتب، حتى صارت في صدري كأم القرآن. وكان أبو عياش بن عيشون يقول إذا ذكره: قال الإمام أبو سعيد. وكان ابن طالب وغيره، لا يسميه، ويكنيه إجلالا له. وكان ابن عبد الحكم يقول لبعض من يحضر مجلسه: ما يقول أبو سعيد في هذه المسألة: قال أبو بكر بن حماد (٨٠): سمعت سحنون يقول: عندي في البيت سماع سنتين لسفيان بن عيينة. وقال غيره: كنا عند ابن القاسم، فقال: إن يكن يسعد أحد بهذه الكتب، فسحنون. ثم التفت إلى ابن عبد الحكم، فقال: وإن قبل أبى محمد العلم. والتفت إلى أصبغ، فقال: وإن قبله الرواية.

стр. 904

قال فرات: وقد روى أصبغ أولا عن سحنون، ثم ترك ذلك. قال فرات: قال سحنون: عندى ستة - أو أربعة - وأربعون كتابا من البيوع، منها كتابان أو ثلاثة أصلها أربع مسائل في الموطأ. قال ابن وضاح: كان سحنون يروى تسعة وعشرين سماعا، وما رأيت في الفقه مثل سحنون، في المشرق. قال سعيد بن الحارث: كان سحنون عاقلا بمرة، ورعا بمرة، عالما بمذاهب المدنيين بمرة، ولقد جالست الناس بهذا البلد منذ بلغت، ما رأيت أجود غريزة من سحنون. *** قال محمد بن حارث: كانت أفريقية قبل رحلة سحنون قد غمرها مذهب مالك بن أنس، لأنه رحل منها أكثر من ثلاثين رجلا، كلهم لقى مالك بن أنس وسمع منه، وإن كان الفقه والفتيا إنما كانا في قليل منهم، كما ذلك في علماء البلاد، ثم قدم سحنون* بذلك المذهب، واجتمع له مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين، فمالت إليه الوجوه، وأحبته القلوب، وصار زمانه كأنه مبتدأ، قد امحى ما قبله، فكان أصحابه سرج أهل القيروان، فرأيته عالمها وأكثرهم تأليفا، وابن عبدوس فقيهها، وابن غانم عاقلها، وابن عمر حافظها، وجبلة زاهدها، وحمديس أصلبهم في السنة وأعداهم للبدعة، وسعيد بن الحداد لسانها وفصيحها، وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث، وأشدهم وقارا وتصاونا، كل هذه الصفات مقصورة على وقتهم. *** قال محمد بن سحنون: قال لي أبى: إذا أردت الحج تقدم أطرابلس، وكان فيها رجال مدنيون، ومصر، وفيها الرواة، والمدينة، وفيها عشيرة مالك، ومكة، فاجتهد جهدك فإن قدمت على بلفظة خرجت من دماغ مالك، ليس عند شيخك أصلها، فاعلم أن شيخك كان مفرطا.

стр. 905

قال سليمان بن سلام، في مجالسه: دخلت مصر، فرأيت فيها العلماء متوافرين، بنى عبد الحكم، والحارث بن مسكين، وأبا الطاهر، وأبا إسحاق البرقى، وغيرهم، ودخلت المدينة، وبها أبو المصعب، والفروى، ودخلت مكة، وبها ثلاثة عشر محدثا، ودخلت غيرها من البلدان، ولقيت علماءها ومحدثيها، فما رأيت بعيني مثل سحنون وابنه بعده. وقال عيسى بن مسكين: سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون. وقال أبو الحسن القابسي: إني لأجد في نفسى من خلاف سحنون لمالك، ما لا أجده من خلاف ابن القاسم لمالك، وكان يشق عليه مخالفة مالك وسحنون، ويقول: لا أقدر على مخالفتهما، وأهاب ذلك هيبة عظيمة. وقال سعيد بن الحداد: جالست المتكلمين، وكل من لقيت من أهل العلم، فما رأيت منهم أصح غريزة من سحنون، وكان وقورا مهيبا. وقال بعضهم: دخلت على الملوك وكلمتهم، فما رأيت أحدا أهيب في قلبي من سحنون. قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب، وعلى قوله المعول به، وصنف المدونة، وعليها يعتمد أهل القيروان، وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك، وعنه انتشر علم مالك في المغرب. قال أبو على البصري: سحنون فقيه أهل زمانه، وشيخ عصره، وعالم وقته. قال بعضهم: صحبت أسدا وابن فروخ، فلم أر أنفع من هذا الشامي يعنيه. قال عبد الرحيم الزاهد: لما خرج أسد إلى العراق (٨١)، شاورته

стр. 906

فيمن أقصد بعده أسمع منه، فقال: عليك بهذا الشيخ - يعنى سحنون - فما أعرف أحدا يشبهه. قال ابن حارث: سحنون إمام الناس في علم مالك، وكان فاضلا، عدلا مباركا، أظهر السنة، وأخمد البدعة، وثقف رسوم القضاء بعقله وعلمه. ذكر بقية شمائله قال أبو العرب: كان سحنون ربع القامة، بين البياض والسمرة، حسن اللحية، كثير الشعر، أعين، بعيد ما بين المنكبين، كثير الصمت، تليل الكلام، يتكلم كثيرا بالحكمة، مهيبا جدا، يأخذ من شاربه على المشط، حسن اللباس (٨٢)، وكان به فتق في جوفه، فكان يعصبه بلبد، وكان له برذون يركبه، وقلما رئي متطوعا في المسجد. قال ابن بسطام: وكانت لسحنون قلنسوة طويلة، ربما لبسها وساجا، وربما حمل في يده - وقد لبسها - حزم البصل وغير ذلك إلى داره، تواضعا. قال سليمان بن سالم: رأيت لسحنون ساجا كحليا، وساجا أزرق، ورداء، وقلنسوة حبرة، وقلنسوة زرقاء، وشيا، وقلنسوة تشبه الأغلبي، فإذا قعد للسماع لبس الرداء وقلنسوة الأغلبى، وإذا شهد الجمعة لبس الساج وقلنسوة الحبرة، وإذا حضر جنازة، لبس الساج الأزرق والقلنسوة الزرقاء. هذا كان* أكثر فعله. وقال أبو العرب: وكان عريض الطوق نحو الإصبعين. *** قال سليمان بن سالم: أخذ سحنون بمذهب أهل المدينة في كل شيء، حتى في العيش، كان يقول: ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ذات يده، ولا يتكلف أكثر مما في يديه، وإن احتاج إلى امرأة، طلبها على

стр. 907

قدر ذات يده، في مؤونتها وقناعتها، حتى يبقى في يده ما يستغنى به، فإن كان له مال حلال اعتمد عليه وتفرغ للعبادة، وإن لم يكن عنده فعليه بكسب يده، فذلك أولى به من مسألة الناس، وإن كان مستغنيا عن الزوجة فتركها أحب إلي، وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكله بالعلم والقرآن. قال سليمان: كان سحنون يركب بلجام حديد، ليس فيه فضة، وكان له برنس أسود يلبسه في المطر والبرد. قال غيره: كان سحنون يجلس للسماع على باب داره، ونجلس نحن بالأرض، إلا من أتى منا بحصير، فإذا أتممنا قال: قوموا قيمة رجل واحد، فنفترق. *** وقال عبد الجبار بن خالد: كنا نسمع من سحنون بمنزله بالساحل، فخرج يوما علينا وعلى كتفه المحراث، وبين يديه الزوج، فقال لنا: ان الغلام حم البارحة، فإذا فرغت أسمعتكم. نقلت له: أنا أذهب وأحرث، وتسمع أنت أصحابنا، فإذا جئت قرأت على ما فاتنى. ففعل. فلما جئته قرب إلى غذاءه: خبز شعير، وزيتا قديما. قال حبيب: خرج علينا سحنون يوما وعليه برنس، وكان يلبس الشاشية والطويلة. قال عيسى: كان سحنون، صمته لله، وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت، وإذا أعجبه الصمت تكلم. قال ابن بسطام: دخلنا عليه في مرضه الذي مات فيه، وعند رأسه حقيبة، وما في بيته إلا الحصير. قال غيره: قيل له: يا أبا سعيد، كيف يسعك أن تترك الطلبة وحاجتهم إليك، وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة؟

стр. 908

قال: أتريدون أن تروا كتبى بهذا الغدير؟ قال: أحتاج إلى دراهم هؤلاء - يعنى السلاطين - فآخذها، فتطرح كتبى. قال ابن معتب: كان سحنون يشترى كل يوم ربع رطل لحم يفطر عليه، ثم تركه اقتداء بالصالحين في مطعمهم. ما عمل سحنون قط شيئا إلا لله، ولا تكلم بشيء إلا لله، فلذلك عظم خطره. قال بعض العلماء: كان سحنون أعقل الناس صاحبا، وأفضل الناس صاحبا، وأفقه الناس صاحبا. قال ابن حارث: كانت هذه الصفات صفات سحنون، فتخلق بها أصحابه. قال إبراهيم بن شعيب: كان سحنون يخرج علينا ونحن ننتظره في مجلسه، فوالله ما علمته يسلم في مجلسه علينا قط، وفى خلال ذلك يمشى بالأسواق، فلا يمر بأحد إلا التفت إليه وسلم عليه، توقيرا للعلم، وهيبة له عند طالب. ذكر ولايته القضاء وسيرته ولى سحنون قضاء أفريقية سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة، فلم يزل قاضيا إلى أن مات. قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ول هذه الأمة خيرها وأعدلها. فكان هو الذي ولى بعده. وذكر عريب (٨٣) الكاتب في تاريخه: أن سحنون مر يوما بابن أبي الجواد، فرأى منه ظلما، فقال: اللهم لا تمتنى حتى أراه بين يدى قاض عدل يحكم فيه بالحق. فعزل، وولى سحنون، فامتحنه. فقال الناس: أجبيت دعوته. ***

стр. 909

ولما أراد محمد بن الأغلب أن يولى سحنون، جمع الفقهاء للمشورة، فأشار سحنون بسليمان بن عمران، وأشار سليمان بسحنون، وأشار غيرهما بسليمان. فأدخلوا فرادى، فقالوا كقولهم الأول، وذلك أن أكثر الفقهاء إذ ذاك، كانوا على رأى الكوفيين، وكان سليمان يرى رأيهم. فقال سليمان: ما ظننت أنه يشاور في سحنون، حججت فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين أظهرهم، وما يستحق أحد القضاء وسحنون حي. وبعث ابن الأغلب، ابن قادم، إلى سحنون، يقول له: إني أريد أن أستكفيك قضاء رعيتى، فأعلمه، فقال: أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه، أدلك على من هو أقوى: سليمان بن عمران. قال محمد بن سحنون: ولى سحنون القضاء بعد أن أدير عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب، بأشد الإيمان، فولى يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، فأقام أياما ينظر في القضاء، يلتمس أعوانا، ثم قعد للناس يوم الأحد بعده في المسجد الجامع، بعد أن ركع ودعا بدعاء كثير. وقال سحنون: لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير معنيان: أحدهما، أعطانى كل ما طلبت، وأطلق يدى في كل ما رغبت، حتى إني قلت له: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل، إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلى. فقال لي: نعم، لا تبدأ إلا بهم، وأجر الحق على مفرق رأسى. فقلت له: الله! قال لي: الله، ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا، ما يخاف المرء على نفسه، وفكرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسى سعة في رده.

стр. 910

قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون، تلقاه الناس، فرأيته راكبا على دابة، ما عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، ما يتجرأ أحد يهنيه. فسار حتى دخل على ابنته خديجة، وكانت من خيار النساء، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين. فعلم الناس قبوله للقضاء. ولما ولى، جاءه عون بن يوسف، فقال له: نهنيك أو نعزيك؟ ثم سكت. فقال: بلغني أنه من أتاها من غير مسألة أعين عليها، ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها. فقال له سحنون: من ولته الشفاعة عزلته الشفاعة، ومن ولته الشفاعة حكم بالشفاعة. فقال له رجل من الأندلس: إنا لله وإنا إليه راجعون، وددنا أنا رأيناك اليوم على أعواد نعشك، ولم نرك في هذا المجلس قاعدا. *** وكتب عبد الرحيم الزاهد إلى سحنون، لما ولى القضاء: أما بعد، فإنى عهدتك وشأن نفسك عليك مهم، تعلم الخير وتؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، تؤدبهم على دنياهم، يذل الشريف بين يديك والوضيع، قد اشترك فيك العدو والصديق، ولكل حظه من العدل، فأى حالتيك أفضل، الحالة الأولى أم الثانية؛ والسلام. فكتب إليه سحنون: أما بعد، فإنه جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وإنى أجيبك أنه لا حول ولا قوة في شيء من الأمور إلا بالله تعالى، عليه توكلت، وإليه أنيب. فأما ما كتبت أنك عهدتني وشأن نفسي على مهم، أعلم الخير وأؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أؤدبهم على دنياهم، فلعمرى إنه من لم تصلح له دنياه، فسدت له أخراه، وفى صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب صلاح الآخرة، فكلا الأمرين

стр. 911

متصل بالآخرة. أدبهم في معابشهم، ودفع ظالمهم عن مظلومهم، وأخذهم الأمور من وجوهها، أدب لآخرتهم، لأن بصلاح دنياهم تصلح لهم آخرتهم، وبفساد الدنيا تفسد الآخرة. وقد حدثني ابن وهب - ورفع سحنون سنده - أن النبي ﷺ قال: نعم المطية الدنيا فارتحلوها فانها تبلغكم الآخرة. ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله. وأما قولك: "وليت أمر هذه الأمة" فإني لم أزل مبتلى، ينفذ قولى منذ أربعين سنة في أشعار المسلمين وأبشارهم. حدثني ابن وهب أن عبد الله بن أبي جعفر قال: لن تزالوا بخير ما تعلمتم، فإذا احتيج اليكم، فانظروا كيف تكونون. قال ابن أبي جعفر: فرأيت في المنام: إنما المفتى قاض، يجوز قوله في أبشار المسلمين وأموالهم. فعنيك بالدعاء، فألزم ذلك نفسك. والسلام. *** قال سليمان بن عمران: لما ولى سحنون قال لي: إذا ولي القاضي استفتى: كيف يكتب كذا؟ فكتبت له ذلك. وكان سليمان يكتب لسحنون في قضائه، إلى أن ولاه بجاية وباجة والاريس، فلما مات سحنون ولى سليمان مكانه. قال سليمان: قال لي سحنون، ابتليتنى، فوالله لأبتلينك. فولاني القضاء، وقال لي: عليك يا أبا الربيع بالحجازية، الحجازية. فقلت: القاضي مفت، فما كنت أفتى به فيه أقضى. فسكت عنى. وكان سليمان عراقى المذهب. قال: فلما ولى سحنون سليمان القضاء، دخل عليه من الغد، فقال له سحنون: عزمت يا أبا الربيع؟ فقال له: ان قلت: (لا) كذبتك، أنا أريد. فقال سحنون لمن عنده: انظروا إن كان دخله رياء أو أظهر

стр. 912

تصنعا (٨٤)! مثلك يا أبا الربيع يكون ناظرا للمسلمين. قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان في قضائه كله، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب. قال ابن سحنون: وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني ما في بيت مالك - أو قال له: لو ملأت مجلسك هذا لي دراهم أو دنانير - ما سألني الله أن أقبل منك ذلك، ولا آخذ منه شيئا. ويقول: لو أخذته لجاز لي، ولكنه تورع. وسمعته يقول للأمير: حبست أرزاق أعوانى وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك، ولا يحل لك ذلك. وقد قال رسول الله ﷺ : أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه. *** قال ابن مسكين: كان سحنون قبل أن يلى، أشرف منه بعدما ولى، ولقد امتنع من النظر، وجلس في بيته مدة، حتى حضر جنازة، فرأى منكرا، فأمر بتغييره، وانصرف فنظر بين الناس. قال ابن سحنون: وكان سحنون يضرب الخصوم، إذا آذى بعضهم بعضا بكلام، أو تعرضوا للشهود، ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم، إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح، أو يقول: سل لي عن البينة فإنهم كذا، حتى يسأله هو عن تجريحه. ويقول الخصم: أنا أعنى منك بذلك، وهو على، دونك. وكان إذا دخل عليه الشاهد ورعب منه، أعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه، فإن طال ذلك به هون عليه، وقال له: ليس معى سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أد ما علمت، ودع ما لم تعلم. قال جبلة: كان سحنون يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق، حتى لا يحلفوا بغير الله، ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم، وما نهى عنه، ويأمرهم بحسن السيرة والقصد.

стр. 913

قال ابنه محمد: وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ممن نظر في العلم، فأقامهما، وأبى أن يسمع منهما، وقال: استرا على ما ستر الله عليكما. *** قال غير واحد: أول ما نظر سحنون في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة، فنظر فيما يصلح من المعايش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفى من الأسواق من يستحق ذلك، وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة، وأمر الناس بتغيير المنكر، وأول القضاة فرق حلق أهل البدع من الجامع، وشرد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والأباضية والمعتزلة، وكانوا فيه حلقا يتناظرون به، ويظهرون زينهم، وعزلهم أن يكونوا أئمة للناس، أو معلمين لصبيانهم، أو مؤذنين، وأمرهم ألا يجتمعوا، وأدب جماعة منهم بعد هذا خالفوا أمره، وأطافهم، وتوب جماعة منهم، فكان يقيم من أظهر التوبة منهم على البر أو غيره، فيعلن توبته عن بدعته. وهو أول القضاة جعل في الجامع إماما يصلى بالناس، وكان ذلك للأمراء، وأولهم جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة، وأول من قدم الأمناء في البوادى، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم، فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده. وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم، فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما في دعواهما، وسائر الناس عنه بمعزل، لا يراهم ولا يسمع لغطهم، ولا يشغل باله أمرهم. فصار الجلوس في ذلك البيت سنة لقضاة المالكية، فإذا ولى عراقي هدمه، وإذا ولى مدنى بناه وحكم فيه. *** وكان سحنون يكتب للناس أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه، ويدعو بهم واحدا واحدا، إلا أن يأتى مضطر أو ملهوف.

стр. 914

وكان يضرب بالدرة وما خف من الأدب في الجامع، فإذا أقام الحدود أخرجهم عن الجامع. وكان كثيرا ما يؤدب بلطم القفا. وقيد امرأة كانت تتهم بسوء، حتى شهد عنده أنها تابت. وضرب أخرى، كانت تتهم بالجمع بين الرجال والنساء، بالسوط في قبة، وبنى باب دارها، ونقلها بين قوم صالحين. وجاءت إليه امرأة من القصر غاب عنها زوجها، فأرادت أن تقطع بشرطها، فأبى، ثم قال لها: إياك أن تشهدى أحدا من أهل القصر، لا أقبل شهادتهم. وكتب مرارا يأمر بقتل الكلاب، وبث وراءها الأعوان بالحراب. ويعطى الطابع لأهل العدوى، فإذا جاءه المستعدى بصاحبه، أخذ منه الطابع لئلا يعبث به الناس. ويضرب على اللدد. قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله. قال سعيد بن إسحاق: كل من ولى قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون. *** وكان سحنون أيام قضاء ابن أبي الجواد يقول: إن لأمره لآخرا، ولكني أخشى أن الوالي بعده لا يحسبن أن يقتص منه. فكان هو الوالي بعده. وخاصم ابن أبي الجواد رجل بين يدى سحنون، فحكم له على ابن أبى الجواد، وحبسه، وقال له: إن لم تؤد ضربتك بالسوط. فقال: ما عندى مال.

стр. 915

فيقال: أنه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط. (وقيل أكثر من ذلك) (٨٥) حتى أسال دمه على كعبه، فمر في طريقه على صباغ، نصب عليه قصرية مصارة (٨٦)، وقال: اقتلوا الزنديق، ورد إلى السجن فمات فيه. وقيل: كان سبب ضربه، أنه شهد عليه بقبض وديعة، فأنكرها، فضربه ثمانية عشر سوطا، مجردا، في السماط. يضربه سبعة بعد سبعة، وهو متماد. وقيل: إنها وجدت بخطه، فأنكره، وشهد على خطه، فحبسه أياما، وضربه عشرة أسواط، وكان يخرجه في كل جمعة، فيضربه عشرة كل جمعة إلى أن مرض. وقيل: بل فعل ذلك به لما كان عليه من البدعة. وكانت أسماء، بنت أسد بن الفرات، زوج ابن أبي الجواد، قالت السحنون: أنا أهبه هذا المال يقضيه عن نفسه. فلم يقبل ذلك سحنون، وقال لها: حتى يقول: أؤدى ما لزمني. وقيل: فعل ذلك به لأن مالكا لا يلزم قبول الهبة، ولو قالت: "أنا أقضى عنه ما طلب منه" لما رد ذلك سحنون، والله أعلم. وقيل: بل قالت له: أفدى به زوجى. فقال لها: إن أقر أن ذلك هو المال أو بدل منه، أطلقته. فامتنع، وأبى سحنون من قبول المال إلا بإقراره. * ذ كر أخباره مع الملوك وثبوته في الحق قال أبو العرب: كان لا يهب سلطانا في حق يقيمه عليه، ولما أكثر من رد الظلامات من رجال ابن الأغلب، وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم، وجه إليه الأمير - وقد شكوه إليه بأنه يغلظ
следующие страницы →