← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

متصل بالآخرة. أدبهم في معابشهم، ودفع ظالمهم عن مظلومهم، وأخذهم الأمور من وجوهها، أدب لآخرتهم، لأن بصلاح دنياهم تصلح لهم آخرتهم، وبفساد الدنيا تفسد الآخرة. وقد حدثني ابن وهب - ورفع سحنون سنده - أن النبي ﷺ قال: نعم المطية الدنيا فارتحلوها فانها تبلغكم الآخرة. ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله. وأما قولك: "وليت أمر هذه الأمة" فإني لم أزل مبتلى، ينفذ قولى منذ أربعين سنة في أشعار المسلمين وأبشارهم. حدثني ابن وهب أن عبد الله بن أبي جعفر قال: لن تزالوا بخير ما تعلمتم، فإذا احتيج اليكم، فانظروا كيف تكونون. قال ابن أبي جعفر: فرأيت في المنام: إنما المفتى قاض، يجوز قوله في أبشار المسلمين وأموالهم. فعنيك بالدعاء، فألزم ذلك نفسك. والسلام. *** قال سليمان بن عمران: لما ولى سحنون قال لي: إذا ولي القاضي استفتى: كيف يكتب كذا؟ فكتبت له ذلك. وكان سليمان يكتب لسحنون في قضائه، إلى أن ولاه بجاية وباجة والاريس، فلما مات سحنون ولى سليمان مكانه. قال سليمان: قال لي سحنون، ابتليتنى، فوالله لأبتلينك. فولاني القضاء، وقال لي: عليك يا أبا الربيع بالحجازية، الحجازية. فقلت: القاضي مفت، فما كنت أفتى به فيه أقضى. فسكت عنى. وكان سليمان عراقى المذهب. قال: فلما ولى سحنون سليمان القضاء، دخل عليه من الغد، فقال له سحنون: عزمت يا أبا الربيع؟ فقال له: ان قلت: (لا) كذبتك، أنا أريد. فقال سحنون لمن عنده: انظروا إن كان دخله رياء أو أظهر

стр. 912

تصنعا (٨٤)! مثلك يا أبا الربيع يكون ناظرا للمسلمين. قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان في قضائه كله، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب. قال ابن سحنون: وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني ما في بيت مالك - أو قال له: لو ملأت مجلسك هذا لي دراهم أو دنانير - ما سألني الله أن أقبل منك ذلك، ولا آخذ منه شيئا. ويقول: لو أخذته لجاز لي، ولكنه تورع. وسمعته يقول للأمير: حبست أرزاق أعوانى وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك، ولا يحل لك ذلك. وقد قال رسول الله ﷺ : أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه. *** قال ابن مسكين: كان سحنون قبل أن يلى، أشرف منه بعدما ولى، ولقد امتنع من النظر، وجلس في بيته مدة، حتى حضر جنازة، فرأى منكرا، فأمر بتغييره، وانصرف فنظر بين الناس. قال ابن سحنون: وكان سحنون يضرب الخصوم، إذا آذى بعضهم بعضا بكلام، أو تعرضوا للشهود، ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم، إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح، أو يقول: سل لي عن البينة فإنهم كذا، حتى يسأله هو عن تجريحه. ويقول الخصم: أنا أعنى منك بذلك، وهو على، دونك. وكان إذا دخل عليه الشاهد ورعب منه، أعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه، فإن طال ذلك به هون عليه، وقال له: ليس معى سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أد ما علمت، ودع ما لم تعلم. قال جبلة: كان سحنون يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق، حتى لا يحلفوا بغير الله، ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم، وما نهى عنه، ويأمرهم بحسن السيرة والقصد.

стр. 913

قال ابنه محمد: وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ممن نظر في العلم، فأقامهما، وأبى أن يسمع منهما، وقال: استرا على ما ستر الله عليكما. *** قال غير واحد: أول ما نظر سحنون في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة، فنظر فيما يصلح من المعايش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفى من الأسواق من يستحق ذلك، وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة، وأمر الناس بتغيير المنكر، وأول القضاة فرق حلق أهل البدع من الجامع، وشرد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والأباضية والمعتزلة، وكانوا فيه حلقا يتناظرون به، ويظهرون زينهم، وعزلهم أن يكونوا أئمة للناس، أو معلمين لصبيانهم، أو مؤذنين، وأمرهم ألا يجتمعوا، وأدب جماعة منهم بعد هذا خالفوا أمره، وأطافهم، وتوب جماعة منهم، فكان يقيم من أظهر التوبة منهم على البر أو غيره، فيعلن توبته عن بدعته. وهو أول القضاة جعل في الجامع إماما يصلى بالناس، وكان ذلك للأمراء، وأولهم جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة، وأول من قدم الأمناء في البوادى، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم، فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده. وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم، فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما في دعواهما، وسائر الناس عنه بمعزل، لا يراهم ولا يسمع لغطهم، ولا يشغل باله أمرهم. فصار الجلوس في ذلك البيت سنة لقضاة المالكية، فإذا ولى عراقي هدمه، وإذا ولى مدنى بناه وحكم فيه. *** وكان سحنون يكتب للناس أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه، ويدعو بهم واحدا واحدا، إلا أن يأتى مضطر أو ملهوف.

стр. 914

وكان يضرب بالدرة وما خف من الأدب في الجامع، فإذا أقام الحدود أخرجهم عن الجامع. وكان كثيرا ما يؤدب بلطم القفا. وقيد امرأة كانت تتهم بسوء، حتى شهد عنده أنها تابت. وضرب أخرى، كانت تتهم بالجمع بين الرجال والنساء، بالسوط في قبة، وبنى باب دارها، ونقلها بين قوم صالحين. وجاءت إليه امرأة من القصر غاب عنها زوجها، فأرادت أن تقطع بشرطها، فأبى، ثم قال لها: إياك أن تشهدى أحدا من أهل القصر، لا أقبل شهادتهم. وكتب مرارا يأمر بقتل الكلاب، وبث وراءها الأعوان بالحراب. ويعطى الطابع لأهل العدوى، فإذا جاءه المستعدى بصاحبه، أخذ منه الطابع لئلا يعبث به الناس. ويضرب على اللدد. قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله. قال سعيد بن إسحاق: كل من ولى قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون. *** وكان سحنون أيام قضاء ابن أبي الجواد يقول: إن لأمره لآخرا، ولكني أخشى أن الوالي بعده لا يحسبن أن يقتص منه. فكان هو الوالي بعده. وخاصم ابن أبي الجواد رجل بين يدى سحنون، فحكم له على ابن أبى الجواد، وحبسه، وقال له: إن لم تؤد ضربتك بالسوط. فقال: ما عندى مال.

стр. 915

فيقال: أنه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط. (وقيل أكثر من ذلك) (٨٥) حتى أسال دمه على كعبه، فمر في طريقه على صباغ، نصب عليه قصرية مصارة (٨٦)، وقال: اقتلوا الزنديق، ورد إلى السجن فمات فيه. وقيل: كان سبب ضربه، أنه شهد عليه بقبض وديعة، فأنكرها، فضربه ثمانية عشر سوطا، مجردا، في السماط. يضربه سبعة بعد سبعة، وهو متماد. وقيل: إنها وجدت بخطه، فأنكره، وشهد على خطه، فحبسه أياما، وضربه عشرة أسواط، وكان يخرجه في كل جمعة، فيضربه عشرة كل جمعة إلى أن مرض. وقيل: بل فعل ذلك به لما كان عليه من البدعة. وكانت أسماء، بنت أسد بن الفرات، زوج ابن أبي الجواد، قالت السحنون: أنا أهبه هذا المال يقضيه عن نفسه. فلم يقبل ذلك سحنون، وقال لها: حتى يقول: أؤدى ما لزمني. وقيل: فعل ذلك به لأن مالكا لا يلزم قبول الهبة، ولو قالت: "أنا أقضى عنه ما طلب منه" لما رد ذلك سحنون، والله أعلم. وقيل: بل قالت له: أفدى به زوجى. فقال لها: إن أقر أن ذلك هو المال أو بدل منه، أطلقته. فامتنع، وأبى سحنون من قبول المال إلا بإقراره. * ذ كر أخباره مع الملوك وثبوته في الحق قال أبو العرب: كان لا يهب سلطانا في حق يقيمه عليه، ولما أكثر من رد الظلامات من رجال ابن الأغلب، وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم، وجه إليه الأمير - وقد شكوه إليه بأنه يغلظ

стр. 916

غلظة عليهم - فأرسل إليه ابن الأغلب وقال: إنهم فيهم، وقد شكوك، ورأيت معافاتك من شرهم، فلا تنظر في أمرهم. فقال سحنون للرسول: ليس هذا الذي بيني وبينه، قل له: خذلتني، خذلك الله! فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الأمير، قال له: ما نعمل به؟ إنما أراد الله. *** قال ابن أبي سليمان وغيره: إن المحتسبين لم يكونوا يعرفون بأفريقية، حتى كان سحنون جالسا على باب داره، إذ مر به حاتم الجزري، ومعه سبى من سبى تونس، فقال سحنون لأصحابه: قوموا فأتوا بهم. فذهبوا حتى خلصوهم من حاتم، وأتوا بهم، وهرب حاتم على برذونه، وخرق ثيابه، ودخل على الأمير فشكا أمره، فأرسل الأمير إلى سحنون: أن اردد إلى حاتم السبى. فقال سحنون: إنهم أحرار، ولا سبى عليهم، وقد أطلقتهم. فرد الأمير إلى سحنون: لابد من ردهم. فأبي سحنون، وقال للرسول: قل للأمير: جعل الله حاتما شفيعك يوم القيامة. وأقسم عليه ليبلغن ذلك إلى الأمير. ثم قال سحنون: هذا الأسود - يعنى حاتما - يمضى هكذا! وأمر بسجنه. فطرحت عمامته في عنقه، وحمل إلى الحبس، فلحقه معتب، فقال: يا حاتم، لا تلق الشر بين الأمير والقاضى. وأعطاه معتب من عنده سبعة دنانير، فخلى حاتم عن السبى، وأخبر معتب سحنون بذلك، فأمر بإطلاق حاتم من السجن. وحكى ابن اللباد: أن رجلين اختصما إلى سحنون، حلف أحدهما بالطلاق على صاحبه، ليستوفين حقه في حائط بينهما، فأمر سحنون بصفع قفاه، ثم قال له: تحلف بالطلاق؟ فأرسل إلى رجل يقال له عبد الله البنا،

стр. 917

فسأله هل من يمينه مخرج في الاستقصاء؟ فقال: نعم، بالخاتم والشعرة! *** قال ابن الحداد: كنت يوما عند سحنون، إذ جاءه رسول الأمير محمد بن الأغلب، يأمره برد النسوة على حاتم، فإنهن له. قال سحنون: وإن كن إماء، فمثل حاتم لا يؤتمن على الفروج! فانصرف، ثم رجع فقال: يقول لك: أتعبث؟ ارددهن كما أمرتك. فقام سحنون على قدميه وقال: أنا أعبث؟ هو والله الذي لا إله إلا هو يعبث، ثلاثا، والله لا أفعل حتى يفرق بين رأسى وجسدى. وجاء محمد ابنه، وقال له: لا تفعل يا أبت، اكتب إليه ولاطفه. فكتب إليه وابنه يقول: "دون ذا" حتى فرغ من طبع كتابه وبعثه إليه. فأخذه ابن الأغلب، وضرب به الأرض ثم قال: ما أدرى، هو علينا أم نحن عليه؟ واسود وجهه، ولم يدخل عليه أحد إلا بعد العصر، فأذن لأصحابه بالدخول وقال لهم: ما أظن هذا الرجل يزيد بنا إلا خيرا ونحن لا تعلم. أرسلوا إليه، يرسل إلينا المحتسبة، لنكتب لهم السجلات، حتى يذهبوا بها إلى أقصى عملى، ليأخذوا من يجدونه من الحرائر. فكان ذلك. ولم يرض سحنون حتى فض الكتب التي كتبها لهم، وقرأها، ورضيها. وكتب سحنون إلى أبي زكير البربرى، أن يفتش الرفاق، فاعترضها، وكشف البراقع، فمن زعم أنه من سبى تونس، رفعه إلى سحنون، فأطلق منهم عدة. ولما ثار القويبع على محمد بن الأغلب قال بعض القواد: اليوم يستمكن من سحنون، اما أن يخسر دينه أو دنياه. فقالوا للأمير: سحنون داعية مطاع، فأمره بنصرك على هذا الخارجي.

стр. 918

فبعث فيه الأمير وأعلمه بالأمر، واستشاره في قتاله، وأن يعلم الناس بفرض ذلك عليهم. فقال له سحنون: غشك من ذلك على هذا، متى كانت * القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها؟ ونهض من عنده. *** وقال ابن اللباد عن أبيه: رأيت ابن أبي الجواد بين يدى سحنون، وعليه كساء قرمسى وعمامة، فقال: أصلحك الله، بأى قول أخذتنى؟ قاض ينظر منذ ثمانية عشر عاما، يقال له: من أين وأين؟ وقد أخبرني أسد بن الفرات، عن مالك، في القاضي يعزل ثم يلى آخر، هل ينظر فيما نظر فيه؟ فقال: لا، له في نفسه ما يشغله. وفي رواية: فإن الناس اختلفوا، فلو كان للمتولى أن ينظر، لما استقر قضاء ولا صح لأحد. فرد عليه سحنون كلاما، رده عليه ابن أبي الجواد، فقال سحنون: الدرة! فنزعت عمامته، فقال ابن أبي الجواد: سألتك بالله أن تفعل. فتركه. قال ابن طالب: شغلنى معنى قول سحنون لابن أبي الجواد: أضربك حتى تقول: أؤدى. قال: وسألت عنها ابنه وابن عبدوس، فكلهم وقف، حتى بان لي أن معناه، أنه كان أظهر العدم، وكان عند سحنون بذلك ملدا، فضربه ليرجع إلى الحق، ولم يقبل منه ما حاد إليه من أداء زوجته عنه، إذ لو كان كما زعم، عديما، ما لزمه أداء شيء ولا أدى غيره عنه. هذا معنى قول ابن طالب. وعندى أنا، أن امتناعه، لقول زوجته: أفديه به، وقوله: حتى يقر أنه المال أو بدل منه، وإباية ابن أبي الجواد من هذا. فهذا فقه حسن دقيق، وحجة بينة لسحنون، إذ مضمون فعله وفعل زوجته فداء له من مظلمة نزلت به، وأنه بحكم المضغوط الذي لا يلزمه ما بذله، فلم ير إطلاقه بهذا الوجه.

стр. 919

وذكر أنه لما مات من ضربه في السجن، توسوس سحنون، وحفظ عنه أنه كان يردد: ما أنا قتلته، الحق قتله. ولو كان على ما ذهب إليه ابن طالب، لكان من أدى عنه كمال وهب له، يقضى به دينه، فلا يكون حكمه حكم العديم. وقد جاء في كتاب سحنون إلى محمد بن زياد قاضي قرطبة، يأمره بالشد والمعاقبة لمن تفالس، وتكرار الأدب والضرب عليه حتى يؤدى أو يموت. قال له: وبذلك أخذت في ابن أبي الجواد، ضربته أربعا وعشرين ومائة درة، وأوقفته يوم الجمعة للناس في صحن الجامع، وسوف أضربه أبدا حتى يؤدى تحت الدرة أو يموت. *** وقال ابن حارث: قيل لسحنون: هذا منصور دخل تونس بالحرائر، فركب وانتزع منه ما بيده. فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه، وشكا إليه ما نزل به. فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون، أن تصرفهم على منصور، مرة، وثانية، وثالثة. فقال: لا أفعل. وأقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون، وضربت له قبة نزل فيها، وقد استشاط غيظا لمصادمته إياه على منصور، ودعا فتى فقال له: اذهب إلى سحنون فقل له: اردد السبى على منصور، وإلا فائتنى برأسه. فجاء الفتى إلى سحنون يبكى ويتضرع، ويقول له: أمرت فيك بعظيم! فأخذ سحنون رقا، فكتب بعد الاسم: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (٨٧) الآية. ودفع الكتاب للفتى ثم قال: ادفعه لابن الأغلب.

стр. 920

فلما قرأه، أمر برفع مضربه، واحتجب ثلاثا، ثم قال لمنصور: سلنى عما شئت من حوائجك، وأعرض عن خبر سحنون. وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون: إن سحنون لم يركب لنا داية، ولا أثقل كمه بصرة، فهو لا يخافنا. *** وذكر بعضهم، أن بعض قواد ابن الأغلب انصرف من بعض الحروب بعدد حرائر، فأرسل سحنون إلى جميع البوادي في الصوفية، فاجتمع إليه منهم نحو ألف رجل، فقالوا: مرنا بما شئت. فقال: تخيروا منكم مائة رجل. فكانوا عنده إلى المغرب، ولا يعلمون غرضه، فلما صلى ندبهم وقال: تمضون إلى دار فلان فتضربونها عليه. فإذا فتح أبلغوه سلامى، وأن يخرج الحرائر اللاتى أتى بهن من الجزيرة الساعة، ولا تجعلوا له إلى غلق الباب سبيلا، لئلا يجتمع هو ومن معه فيدافعكم، ويفضى الأمر إلى إراقة الدماء. وإن هو لاطفكم، ومانعكم، فاشغلوه حتى يلج سبع مشايخ منكم، حتى ينتهوا إلى الباب الأوسط، وينادوا بهن: أين الحرائر المسبيات بالجزيرة، يخرجن إلى القاضي. فإذا خرج جميعهن، أتيتم بهن وتركتموه. ففعلوا ما أمرهم به، فلما أبى عليهم، قبضوا عليه حتى أخرجهن الشيوخ كما حده سحنون لهم، وحملوهن إلى سحنون، فركب القائد إلى القصر، فوجد الأبواب مغلقة، فبات هناك حتى أصبح، ودخل على ابن الأغلب، وقد شق ثيابه، ونتف لحيته، وأخذ في البكاء، فسأله، فأخبره، فأنكر ذلك، ووجه فتى إلى سحنون يأمره بردهن له. فقال له سحنون: قل له: والله الذي لا إله إلا هو، أن أخرجتهن من دارى، حتى تعزلنى عن القضاء، ويعلم الله أنه لا نظر لي على رجلين من المسلمين.

стр. 921

ثم وجه ابنه محمدا بسجله مع الفتى إلى الأمير، وقال له: قل له: هذا سجلك، (وجعل الله فلانا شفيعك يوم القيامة، فوصل إليه وأبلغه ما قال، فقال محمد: هذا سجلك) (٨٨) بعثت به، لتولى أمور المسلمين من تراه. فقال أبو العباس: اقرأ على أبيك السلام وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن الإسلام خيرا، فقد أحسنت أولا وأخيرا، ونحن نرضى قائدنا من أموالنا، وامض على حسن نظرك. فبلغ ذلك سحنون، واجتمع إليه وجوه الناس وأهل الخير، وشكروا فعله، فقال لهم: ان الله قد أحب الشكر من عباده، فتقدموا إلى باب الأمير واشكروه على تأييد الحق ففى ذلك صلاح الخاصة والعامة. ففعلوا ذلك. *** قال سليمان بن عمران: ودخل سحنون على محمد بن الأغلب، يشكو إليه رفع الخصوم عن بابه إلى باب الطبني. شريكه في القضاء، وذلك أن ابن الأغلب، لما لم يمكنه عزل سحنون، لمكانه من قلوب الناس، وقصده من تحامل رجاله، وضيق عليهم، ولى الحكم معه الطبنى، رجلا جافيا جاهلا، مضادة لسحنون، فكان يرفع الخصوم عن بابه إلى الطبني. فلما ذكر ذلك محمد بن الأغلب، قال محمد: ما عندى من هذا علم. ثم التفت إلى بعض جلسائه فقال: أعندك من هذا علم؟ قال: لا. فضرب سحنون بيده على لحية نفسه، وقال: يتلعب بي وأنا إمام في العلم منذ ستين سنة، وهذا يشهد لي، يريد ابن عمران. فقلت: وما حاجتك إلى ذلك؟ أدركت الناس بمصر، وهم يتمنون أن لو كنت فيهم.

стр. 922

وأسمعه يعقوب بن المضا (٨٩)، كلا ما غليظا فيما ينفذه من الحق عليهم، بحضرة ابن الأغلب، فقال له سحنون: أين أنت من هذا القول، إذ جيء بك، وفى عنق يعقوب حبل كالكلب؟ ثم خرج سحنون، فقال يعقوب للأمير: شيخ من مشايخك، وعم من أعمامك، يفعل بي سحنون بين يديك مثل هذا، ولا يرى لمجلسك حرمة؟ فقال الأمير لأصحاب الأعمدة: لو قتلتموه ما كنت أصنع بكم. فعافاه الله. *** ولما رأى سحنون حال الطبنى، وفهم المراد، لزم داره مدة، وترك الجامع، وكان الطبني يحكم في الجامع، وحبيب أيضا صاحب مظالم سحنون ينظر، إلى أن بلغه أن الطبنى مد يده إلى بعض أصحابه، فخرج سحنون إلى الجامع، وسمع بذلك الناس، فأتوا إليه من كل جهة، فخرج الطبنى من الجامع إلى داره، فكان ينظر في داره، وسحنون في الجامع، على عادته، نحوا من أربعين يوما، إلى أن توفى رحمه الله تعالى. وكتب زيادة الله بن الأغلب إلى علماء أفريقية يسألهم عن مسألة، فأخبروه، إلا سحنون، فعوتب في ذلك، فقال: أكره أن أجيبه فيكتب إلى ثانية، استثقالا لمعرفة الأمراء. فقال له إبراهيم بن عبدوس في مثلها: اخرج من بلد القوم، أمس لا تصلى خلف قاضيهما واليوم لا تجيب في مسألتهم! فقال سحنون: أجيب رجلا يتفكه بالدين؟ لو علمت أنه يقصد الحق أجبته. وذلك قبل قضائه. ذكر محنته قال غير واحد من العلماء بالأثر: كان سحنون قد حضر جنازة، متقدم ابن أبي الجواد الذي كان قاضيا قبله، وكان يذهب إلى رأى الكوفيين،

стр. 923

ويقول بالمخلوق، فصلى عليها، فرجع سحنون ولم يصل خلفه، فبلغ ذلك الأمير زيادة الله، فأمر بأن يوجه إلى عامل القيروان، بأن يضرب سحنون خمسمائة سوط، ويحلق رأسه ولحيته. فبلغ ذلك وزيره على بن حميد، فأمر البريد أن يتوقف، ولطف حتى دخل على الأمير وقت القائلة وقد نام، فقال له: ما شيء بلغني في كذا؟ قال: نعم. قال: لا تفعل، فإن العكى إنما هلك في ضربه للبهلول بن راشد. غقال: وهذا مثل البهلول؟ قال: نعم، وقد حبست البريد شفقة على الأمير. فشكره ولم ينفذ أمره. وبينا سحنون يقرأ للناس، إذ أتاه الخبر بما أزاح الله عنه، وقيل له: لو ذهبت إلى على بن حميد فشكرته! قال: لا أفعل. قيل له: فلو وجهت ابنك لذلك! فأبى. قيل: فاكتب إليه. فأبى وقال: ولكنى أحمد الله الذي حرك على بن حميد لهذا، فهو أولى بالشكر. وأقبل على إسماعه، فقال له قوم من أصحابه: بهذا والله كتب اسمك بالحبر على الرقوق. قال ابن وضاح: كنت عند سحنون، فجاء إنسان فساره بشيء، فتغير لونه، ثم جاءه آخر فساره، فرجعت إليه نفسه، ثم قال: لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب، إنما يضرب مثل مالك وابن المسيب. ولما ولى أحمد بن الأغلب الإمارة، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن، وخطب به بالقيروان، توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد

стр. 924

فارا، فكان عنده، فوجه في طلبه إلى هناك رجلا يقال له ابن سلطان، وكان مبغضا في سحنون فظا غليظا، اختاره لذلك في خيل وجهها معه، فلما وصل إلى سحنون، قال له ابن سلطان: وجهنى الأمير إليك، وقصدني لبغضى فيك لأبلغ منك، وقد حالت نيتى عن ذلك، وأنا أبذل دمى دون دمك، فاذهب حيث شئت من البلاد فأنا معك، أو أقم وأنا معك. فشكره سحنون وقال: ما كنت أعرضك لهذا، بل أذهب معك. وخرج، فشيعه أصحابه، فقال عبد الرحيم للرسول: قل للأمير: أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم - وكان شهر رمضان - سلبك الله ما أنت فيه، وأوحشك منه. وفي رواية: عارضتنى في ضيفى، فوالله لأعرضنك على رب العالمين. فلما وصل إلى الأمير، جمع له قواده، وقاضيه ابن أبي الجواد، وغيره، وسأله عن القرآن، فقال سحنون: أما شيء أبتديه من نفسي، فلا، ولكني سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه، كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. فقال ابن أبي الجواد: كفر، فاقتله ودمه في عنقى. وقال مثله غيره ممن يرى رأيه. وقال بعضهم: يقطع أربعا، ويجعل كل ربع بموضع من المدينة، ويقال هذا جزاء من لم يقل بكذا. فقال الأمير لداود بن حمزة: ما تقول أنت؟ قال: قتله بالسيف راحة، - ويقال قائل هذا هو على بن حميد والحضرمى ورجال السنة من أصحاب السلطان - ولكن قتل الحياة، نأخذ عليه الضمناء، وينادى عليه بسماط القيروان، لا يفتى ولا يسمع أحدا، ويلزم داره. ففعل ذلك، وأخذ عليه عشرة حملاء.

стр. 925

ويقال: ان ابن أبي الجواد هو الذي أمر بأخذ الحملاء عليه، حتى يتبين عليه. فرجع، ففعل ذلك، وأمر الحرس أن يأخذوا ثياب من دخل عليه. قال سهد: فدخلت عليه ومعى دراهم أشترى بها ثيابي من الحرس إن أخذوني، فعافاني الله، فقلت: البدعة فاشية وأهلها أعزاء! فقال: أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها. *** قال جبلة: ولما قرب سحنون في قصته هذه من القصر، لقيه من الموالى رجل سكران، علي برذون، بيده قناة، فأدخلها بين رجلي برذون سحنون، ليثب بسحنون فيقتله، فتحامل برذون السكران به، وقفز، فدخل زج القناة في صدر المولى فمات، وسلم سحنون. وقيل: بل الأمير كان أوصى إنسانا بركوب بغل شموس، وقال: له: اقصد به سحنون، بعد أن تحجبه، فلعل الله يريحنا منه. فلما قرب سحنون من القصر، فعل الرجل ما أمر به، فطرحه البغل الشموس فمات. وكان في طريقه نزل تحت شجرة، والرسول الذي جاء به تحت أخرى، فأتى رجل إلى سحنون بقصعة ثريد عليها دجاجة، فأكل سحنون ولم يدع الرسول، فعاتبه في ذلك وقال له: أحسنت صحبتك وتفعل هذا معي؟ فقال له سحنون: ليس من السنة أن أدعوك إلى طعام غيرى، ولو كان لي لفعلت. قال القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: ما قال سحنون، صواب، ولكن لا أدرى لم لم يستأذن رب الطعام في أكله معه، كما فعل ﵊، ولعله فعل ذلك فلم يأذن له.

стр. 926

وفى هذا الحبر قال: كان سحنون يقول في طريقه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٩٠) الآية. وحكى أنه لما دخل سحنون على ابن الأغلب، قال له سحنون: قد كنت خائفا حتى دخلت عليك فأمنت، فأمنه. وكان ابنه محمد قد توارى معه، فلما أتى باب القصر، نفر الشرط إلى انتهابه، فأخذ لجام دابته، فلما دخل على الأمير قال له: تكلم. فقال: إنما يتكلم من معه عقله، وأما أنا فقد ذهب. فسأله، فأعلمه بما جرى عليه، فأمنه، وأمر بصرف لجامه. قال ابن وضاح: دخلت مصر فلقيت الحارث بن مسكين، فسألني عن سحنون، فقلت له: إنه مغموم من قبل الأمير. فقال الحارث: قال الأوزاعي، قال رسول الله ﷺ : إذا أحب الله عبدا سلط عليه من يؤذيه. ذكر بقايا فضائل سحنون وتقاه وخوفه وزهده وتحريه في الفتيا وعبادته وفقر من كلامه ووصاياه وأخباره قال محمد بن أحمد بن تميم: كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد، أكثر ممن يحضره من طلبة العلم، كانوا يأتونه من أقطار الأرض. قال بعض أصحابه: عرست، فدعوت ليلة عرسي جماعة من أصحابنا، وفيهم رجل من أهل المشرق من أصحاب ابن حنبل، قدم علينا وكنا نسمع منه، فكان أصحابنا في أول الليل في قراءة وبكاء وتعبد وخشوع، ثم أخذوا بعد ذلك في مسائل العلم، ثم ابتدروا بعد ذلك إلى زوايا بالدار يصلون أحزابهم، فقال الشيخ: أصحاب من هؤلاء؟ ومن معلمهم؟ فوالله ما رأيت قط أنبل منهم. وما صحبوا رجلا إلا نبلوه. فقالوا: أصحاب سحنون.

стр. 927

فقال: والله لقد رأيت أصحاب العلماء عندنا بالمشرق، فوالله ما رأيت مثل هؤلاء. قال ابن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، ما بورك لسحنون في أصحابه، إنهم في كل بل أئمة. قال ابن حارث: سمعتهم يقولون: كان سحنون أيمن عالم دخل المغرب، كان أصحابه مصابيح في كل بلدة، عد له نحو سبعمائة * رجل ظهروا بصحبته، وانتفعوا بمجالسته. وسمعتهم يقولون: كان سحنون أعقل الناس صاحبا، وأفضل الناس في باب الدين صاحبا، وأفقه الناس صاحبا، وصام سحنون بقصر زياد مرابطا، خمسة عشر رمضان. وحكى ابن اللباد أن سحنون قال لابنه محمد: يا بنى سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة، وسلم على عدوك، وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس. وحكى المالكي، أنه نقب بيت سحنون وهو قائم في تهجده، وأخذ ما كان في البيت وهو لا يشعر، ثم أخذت القلنسوة من رأسه، فلم يلتفت، لشغله بما كان فيه. وجيء إليه للصلاة على مقتول، فقال: لم تحضرني نية. فأتى آخرون فقالوا له: فلان - أصلحك الله - قتل وطرح في بئر، وقد أخرجناه، فصل عليه. فقال: ومن قتله؟ قالوا: هذا المقتول الذي سئلت، قبل، الصلاة عليه. فصلى سحنون على هذا، وكانت منه فراسة. قال سليمان بن سالم: أتى رجل من صطفورة، فسأل سحنون عن مسألة، وتردد عليه، نقال له: أصلحك الله، مسألتي في ثلاثة أيام!

стр. 928

فقال له: وما أصنع لك؟ ما حيلتى؟ مسألتك نازلة معضلة، وفيها أقاويل، وأنا أتخير في ذلك. فقال الصطفورى: وأنت - أصلحك الله - لكل معضلة. فقال: هيهات! ليس يا ابن أخى بقولك أبذل لك لحمى ودمى إلى النار، ما أكثر ما لا أعرف، ان صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت غيري فامض، تجب من ساعتك. فقال: إنما جئت إليك، ولا أبتغى غيرك. قال: فاصبر عافاك الله. ثم أجابه بعد ذلك. وأرسل أسد بن الفرات وهو قاض إلى سحنون، وعون، وابن رشيد، وموسى الصمادحي، فسألهم عن مسألة من الأحكام، فأجاب فيها ابن رشيد وعون، وأبى فيها سحنون من الجواب. فلما خرجوا عذلاه في تركه، فقال لهما: منعنى أنكما بدرتما بالجواب، فأخطأتما، وكرهت أن أخالفكما، فندخل عليه إخوانا ونخرج أعداء، وبين لهما وجه خطأهما، فجزياه خيرا واعترفا، ورجعا إلى أسد فأخبراه برجوعهما. قال القاضي: لعل سحنون عول على ما عرف من فضلهما، من أنهما إذا بين لهما وجه خطأهما رجعا فأعلما أسدا برجوعهما، كما فعلا، وأن الحكم كان بعد لم يحن وقت نفوذه، وإلا فهو في فضله وورعه كان لا يسكت على مثل هذا الإرجاء أن يستبين الحق بلا نقلة ولا مخالفة. قال سحنون: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل باب واحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه. قال سحنون: إني لأسأل عن المسألة فأعرف في أي كتاب وورقة وصفح وسطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدى على الفتيا.

стр. 929

قال سحنون: وأنا أحفظ مسائل، منها ما فيه ثمانية أقاويل من ثمانى أئمة، فكيف يسعنى أن أعجل بالجواب حتى أتخير، وهو الأمر في حبس الجواب، أو كما قال. قال عبد الجبار بن خالد: قال رجل من الطلبة لسحنون: جئت اليوم ولم أسمع منك شيئا. فقال له: إن كنت في وقت خروجك ممن شيعته الملائكة، فقد سمعت وإن لم تسمع، وإن كنت ممن لم تشيعه، فلم تسمع وإن كنت سمعت. قال عيسى: قلت لسحنون: تأتيك المسائل مشهورة مفهومة فتأبى الجواب فيها! فقال سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال. قال يحيى بن عمر: لما قدمت إلى سحنون سألت عنه، فقيل لي: خرج إلى البادية، فجئته فرأيت رجلا أشعر (٩١)، عليه جبة صوف، ومنديل، وهو متول حرثه وشأنه، فاستصغرته، وندمت على ترك من تركت بالمشرق، ومجيئى إليه، وقلت: ما أراه يحفظ شيئا من العلم. فرحب بي، فلما جالسته في العلم، رأيت بحرا لا تكدره الدلاء، والله العظيم ما رأيت مثله قط * كأنما جمع العلم بين عينيه وفى صدره. وقال سحنون: ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه، فيقال: هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شر من علماء بنى إسرائيل، وبلغني أنهم يحدثونهم من الرخص بما يحبون، مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه العمل وفيه النجاة لهم، كراهية أن يستثقلوهم، ولعمرى لو فعلوا ذلك لنجوا، ووجب أجرهم على الله، فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم، فوالله ما أكلت لهم لقمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوبا، ولا ركبت لهم دابة،

стр. 930

ولا أخذت لهم صلة، وإنى لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه النجاة، ثم أخرج عنهم فأحاسب نفسى فأجد على الدرك، مع ما ألقاهم به من الشدة والغلظة وكثرة مخالفتى لهواهم ووعظى لهم، فلوددت أني أنجو مما دخلت فيه كفافا. وقيل له: أن يعقوب بن المضا لا يحبك. فقال: الحمد لله الذي لم يجمع حبى، وبغض أبي بكر وعمر في قلب واحد. قال سليمان بن سالم: رأيت سحنون إذا قرئ عليه كتاب الجهاد لابن وهب، وكتاب الزهد، يبكى حتى تسيل دموعه على لحيته. قال مرة لرجل: اقرأ على: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ فقرأها، فلما بلغ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ (٩٢) قال: حسبك، وهو يبكى. قال بعضهم: خرج سحنون، وابن رشيد، وابن الصمادحي، إلى المنستير، ومعهم ابن نعيم، قال: فنظرت إلى سحنون تسيل دموعه على لحيته، ثم سكت الفتى، فقال سحنون: "يرتجى أن يرفع صوته لو كان من يقول له" وأبى أن يقول له. قال بعضهم: دخلت على سحنون، وفى عنقه تسبيح يسبح به. قال حبيب: كان سحنون يتمثل بهذه الأبيات: كل شيء قد أراه نكرا … غير ركز الرمح في ظل الفرس وقيام في حناديس الدجى … حارسا للقوم في أقصى الحرس وحكى الأبياني عن سحنون أنه قال في الحديث فيمن أخاف أهل المدينة، قال: ليس هم سكانها، بل من قال بقولهم، حيث كان.

стр. 931

قال المؤلف رحمه الله تعالى: أراه، والله أعلم، من كان على سنتهم وهديهم، وهم جماعة المسلمين. قال ابن وضاح: وكان إنسان يشرب قريبا من سحنون ويغني، فلم يغير عليه، فلما قدمت الأندلس ابتليت بمثله، فأردت رفع أمره، ثم تذكرت أمر سحنون فاقتديت به وصبرت، ثم لقيت سحنون بعد ذلك، فلم أسمع جاره ذلك بعد، فسألته عنه فقال لي: ماذا حملت منه! ولقد كفانيه الصبر (٩٣)، وها هو مؤذن في المسجد، وكنت أقدر أن أغير عليه وأكلم السلطان فيه، فخشيت أن يحملنى في دينى ما هو أضر منه، فرأيت أن أصبر، حتى لا يكون للسطان على منة. قال إبراهيم بن محمد بن باز: كنت أقرأ كتاب الهبات، من النذور، على سحنون، فمرت مسألة في الكتاب، كان في جانب كتابي فيها كلام لأصبغ، فقرأته على سحنون. فقال: ايه؟ فظننت أنه استعادني فقلت: قال أصبغ (٩٤). فقال: ايه؟ فأعدت، فنظر إلى، وقال: من جراك على؟ قلت: أصلحك الله، كذا هو في حاشية كتابى، وحدثني بها سعيد بن حسان عن أصبغ. فقال لي: تكذب! سعيد بن حسان أعلم بالله، يا أهل الأندلس! ما تبالون عمن تأخذون دينكم! قم، والله لا قرأت لكم حرفا.

стр. 932

فقمنا، فلما كان بعد أيام، لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتى عليه فرو، وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت ﵇، وقلت له: أكتب كتابا من المدونة. فقال لي: يا أهل الأندلس، أنا أحبكم لأنكم قوم سنة وخير. ثم مضى، فجئناه يوما ثانيا، وكنت أنا القارئ عليه وأخذتنى زكمة، فربطت رأسى وجلست ناحية، فلما اجتمعنا قال: أين ذا؟ قال: اقرأ. فقلت: عرض لي شيء. قال: اقرأ، كما أقول لك. قال: واستأذنه رجل أن يبنى قنطرة يجوز عليها الناس إلى دار سحنون، فأبى سحنون، لأن كسبه كان من بلاد السودان. وكان لا يشرب من المواجل التي يبنيها السلاطين تورعا، ويفتى بجواز ذلك، ويقول: إنما هي حجارة جمعوها ساق الله إليها الماء. وقال بعض أصحابه: خرج سحنون يوما على أصحابه للسماع مغضبا، على وجهه كآبة، إذ جاءه رجل بدوى - وفي رواية: غلام له - فساره بشيء، فضحك سحنون، وأمر بالقراءة، ثم قال لأصحابه: انا أصبنا في عامنا هذا ثمرة كثيرة وزرعا، ولم أصب بمصيبة، فخفت أن أكون سقطت من عين الله تعالى، وإن هذا جاء فأخبرني أن أفره جمالي مات، فسررت بذلك، وعرفت أن الله ذكرني، ويخلف ما ذهب. وفى رواية أخرى، أن الغلام أخبره بموت زوجه وخادم، وأهلك الريح مائة وخمسين شجرة. * * * قال أحمد بن أبي سليمان: كان العلماء يأكلون طعام على بن حميد الوزير، خلا سحنون، وولده، فلم يكن يأتيهم، ولا يأكل طعامهم، ورغبوا إليه في ترك ولده، فقال: أخشى أن أعودهم عادة.

стр. 933

قال أحمد بن سليمان: كنا يوما جلوسا عنده إذ جاءه غلام بدرهم ونصف فضة، باع له به زيتونا، فقال: الحمد لله، زيتوننا، وغلامنا، ودابتنا. ثم رمى بها وقال لنفسه: يا شقى! تدرى ممن باعها لك؟ قال ابن معتب: كان سحنون يتصدق على الرجل الواحد بالمال الذي تجب فيه الزكاة، الثلاثين دينارا أو أكثر. قال عبد الله بن سعيد الصائغ: دفع سحنون يوما لرجل صرة دنانير وهو في بيته، ثم قال له: اذهب فأول من تلقاه فادفعها إليه، فجعل الرجل يتخلل الأزقة، إذا برجل عليه ثوب أبيض وتحته شيء يحمله، فدفع إليه الصرة، فلما أخذها ألقى الذي بيده. وقال: هي ميتة كانت حلا لنا فحرمت الآن علينا. فكانت فراسة من سحنون. قال حمديس: دخلت عليه يوما وهو يأكل خبزا يبله في الماء ويغطسه في الملح، فقال: أما إنى لم آكله زهادة في الدنيا، ولكن لئلا أحتاج إلى هؤلاء فأهون عليهم، ثم صاح بجارية، فأتت بصرة فيها عشرون دينارا، فقال: ادفعه لثلاثة رجال صالحين ممن يسكن عندكم، فإن لم تجد ثلاثة فإلى اثنين، فإن لم تجدهما فإلى واحد. قال العنبرى: كانت غلة سحنون في زيتونه، خمسمائة دينار في السنة، فما تنقضى السنة إلا والديون عليه لكثرة صدقته ومعروفه. فصل في حكمه وكلامه كان سحنون يقول: ليس للأمور بصاحب، من لم ينظر لها في العواقب. وكان يقول: ترك الحلال أفضل من جميع عبادة الله، وترك الحلال لله أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله. وقال: ترك دانق مما حرم الله، أفضل من سبعين ألف حجة، تتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل

стр. 934

الله بزادها وسلاحها، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت الله العتيق، وأفضل من عتق ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل. فبلغ كلامه هذا لعبد الجبار بن خالد، فقال: نعم! وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة، كسبت وأنفقت في سبيل الله، لا يراد بها إلا وجه الله. وكان سحنون يقول: مثل العلم القليل في الرجل الصالح، مثل العين العذبة في الأرض العذبة يزرع عليها صاحبها ما ينتفع به، ومثل العلم الكثير في الرجل الطالح، مثل العين الخرارة في السبخة، تمر الليل والنهار، ولا ينتفع بها. وكان يقول: انظر أي الأمرين يكون فيه الثواب، فأثقلهما عليك هو أفضل. وكان يقول: كل دابة تعمل على الشبع، إلا ابن آدم، إذا شبع وقد، وقد قال مالك: ألا أدلكم على در بلا ثمن!؟ قيل: وما هو؟ قال: صر الجوع في كمك. وكان سحنون إذا ضاق عليه أمر يقول: ضيقى تنفرجي، يا مالك الدين! إياك نعبد وإياك نستعين. وكان سحنون يقول: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه العلم. وروى عنه عيسى بن أيوب أنه قال: إذا تردد الرجل على القاضي ثلاث مرات بلا حاجة فلا تجوز شهادته. وكان سحنون يقول: من لم يعمل بعلمه لم ينفعه العلم، بل يضره، وإنما العلم نور يضعه الله تعالى في القلوب، فإذا عمل به، نور الله قلبه، وإن لم يعمل به وأحب الدنيا، أعمى حب الدنيا قلبه، ولم ينوره العلم. وذكر أن سحنون إذا رأى إعراض الجهال عن العلماء يقول:

стр. 935

لمنزلة الفقيه من السفيه … كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه أزهد منه فيه باب ذكر كرمه وجوده قال محمد بن عبد الله الرعينى: لما سرت إلى الغزو إلى صفاقس مع سحنون، فتح لنا مطمورة شعير، لعلف دوابنا، فما كنا نأخذ منها بكيل، سماحة منه في ذات الله. قال غيره: وفدى سحنون يومئذ أسارى المسلمين، وظن أن الأمير يعطيه ما فداهم به، وأخذ سحنون الأموال التي فداهم بها سلفا، فلما قدم على الأمير أبى أن يعطيه الفداء، فألزم سحنون الأسارى ما فدوا به، وقال لهم: قد كنتم عبيدا للعدو، ولا تملكون من أموالكم شيئا، ولا تأمنون الفتنة على دينكم، فمن أعطى تركته، ومن أبي حبسته. قال أبو داود القطان: باع سحنون زيتونا له بنحو ثلاثمائة دينار، ودفع ذلك إلى، فكان يبعث إلى البطائق، يتصدق من ذلك المال، إلى أن نفذ، فأتيته بتلك البطائق ليحاسبني عليها، فقال لي: أبقى من المال شيء؟ فقلت: لا. فرمى البطائق ولم يحاسبني، وقال: إذا فرغ المال فلم أحاسبك؟ * * * قال حمديس: ماتت لأبي خادم ثمنها ثمانية وعشرون دينارا، فعرض على سحنون ثمنها لأشترى منه لأبي خادما، فقلت: أنا عن هذا غنى. وحكى المالكي، عن الجزرى، قال: بينما أنا عند سحنون، إذ أتاه رجل فسأله عن مسألتين أو ثلاثة، ثم قال: ما اليوم؟ وما غد؟ وما بعد غد؟

стр. 936

فقال له سحنون مجيبا: اليوم عمل، وغدا حساب، وما بعد غد جزاء. فلما ولى تبعته، حتى دخل المقبرة، فلما خفت فواته قلت له: بالله قف لي! فقال: ما تريد؟ أنا رجل من الجان، كنت أغشى مجلس أبي سعيد، أسأله عن مسائل، فقد حرمتنى المسائل. ثم غاب عني، فحضرني الخروج إلى الحج، فبينا أنا في الطواف، إذ جبذ بثوبي من ورائي، فالتفت، فإذا بالجنى، فسلم على، وأخبرني بخبر من خلفته، ثم قال لي: رأيت الطلبة يختلفون إلى شيخ! فمضيت إلى الرجل معه، فلما أشرفنا على الجماعة، جبذني الجنى بثوبي، وقد تغير لونه، وقال لي: هذا إبليس، والله لو رآني لقتلني. قلت له: فما العمل؟ قال: ارجع فالطمه للرأس، وقل له: يا لعين! يا ملعون! ايش أتى بك ها هنا؟ ففعلت، فاضمحل حتى صار مثل الدخان، وأخبرت الطلبة بالقصة، فعجبوا، وخرقوا ما كتبوا عنه. وحكى ابن اللباد هذه الحكاية، وزاد في أولها: كان فتى يغشى مجلس سحنون، ذو سكينة وصمت، لا يتكلم، فإذا كان آخر المجلس، سأله عن ثلاث مسائل أو أربعة ونحوها، ويستغرب (٩٥)، لا يعرفه أحد من الطلبة، فشغل أحد الطلبة به نفسه، واتبعه حتى خرج. وذكر الحكاية، وفيها زيادة ألفاظ، وفيها: وها هنا قوم من صالحي الجن، فهم يرسلوننى أسأل لهم عن دينهم وما يحتاجون إليه، فقد قطعت حظهم من ذلك. (٩٦).

стр. 937

وفيها: أنه أخبره حين لقيه في الطواف بحال أهله وولده وقال له: عهدي بهم بالأمس. وفيها: فقال له: ها هنا شيطان قد تمثل في صورة شيخ، وحوله جمع يكتبون عنه، فإذا جئته فلا تهبه، وارفع العصا عليه. وذكر تمام الخبر بمعناه. * * * قال القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود، أن الشيطان يتمثل في سورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فينصرفون عنه، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدرى من هو. وفيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أن في البحر شياطين مسجونة، أوثقها سليمان ﵇، يوشك أن تخرج، فتقرأ على الناس قرآنا. * * * وحكى أبو الحسن القابسي، قال: أتى رجل إلى سحنون، فجلس حتى انصرف الناس، فأخذ في البكاء، فسأله سحنون عن سبب ذلك، فذكر له أنه رأى أمرا استعظمه، فلم يزل به حتى ذكر له أنه رأى كأن القيامة قد قامت، وحشر الناس، وأتى سحنون، فرأى أنه ألقى في النار بعد أن لقى من الأغلال والنكال أمرا عظيما. فصبره سحنون، وأرسل في رؤساء كنيسة النصارى، فجاء إليه منهم اثنان، فسألهم: هل مات أكم ميت ممن تعظمونه؟ قالوا: نعم. فقال: أرأيتم له شيئا؟ قالوا: نعم، رؤيا كثيرة. ووصفوا فيها من الخير والترفيع.

стр. 938

فصرفهما، ثم قال للرجل: هل تشك أن هؤلاء وميتهم من أهل النار؟ قال: لا. فقال له: فاعلم أن الشيطان يأتى للمؤمن بما يثبطه على الخير، ويمقت له أهله، وإلى الكافر بما يغبط إليه حاله ويثبته على كفره، وقد رآك تختلف إلينا فأراد أن يضرك. * * * ورأى سحنون الناس يقبلون يد ابن الأغلب، فقال له: لا تعطهم يدك، لو كان هذا يقربك من الجنة ما سبقونا إليه. وستأتى مثل هذه الحكاية في أخبار ابن وضاح، أن شاء الله تعالى. ذكر وفاة سحنون رحمه الله تعالى ومرائي رئيت له لم يختلف أن سحنون توفى في رجب سنة أربعين ومائتين. قال أبو على: يوم الأحد قبيل نصف النهار، لثلاث خلون منه. وقال غيره: لسبع خلون منه. ودفن في يومه، وصلى عليه الأمير محمد بن الأغلب، ووجه إليه بكفن وحنوط، فاحتال ابنه محمد حتى كفن في غيره، وتصدق بذلك. واستعفى رجال ابن الأغلب من الصلاة عليه، وقالوا: قد علمت ما بيننا وبينه، وأنه يكفرنا ونكفره - لأن أكثرهم كانوا معتزلة - وإنما خرجنا طاعة لك، فإن صلينا عليه رأى الناس أنا رضينا حاله. فأعفاهم، فتقدم وصلى في عبيده، وعامة أهل السنة، وجماعة المسلمين. وكان سنه يوم مات ثمانين سنة.

стр. 939

مولده سنة ستين ومائة. ويقال: إحدى وستين. وقال له رجل: يا أبا سعيد! الناس يقولون: إنك دعوت الله ألا يبلغك سنة أربعين. يعني: ومائتين. فقال: ما فعلت، ولكن الناس يقولونه، وما أرى أجلى إلا فيها. قال أبو بكر المالكي: لما مات سحنون، رجت القيروان لموته، وحزن له الناس. قال سليمان بن سالم: لقد رأيت يوم مات سحنون، مشايخ من أهل الأندلس، يبكون ويضربون خدودهم كالنساء، ويقولون: يا أبا سعيد! ليتنا تزودنا منك نظرة نرجع بها إلى بلدنا. قال بعضهم لأبي بكر الحضرمي: رأيت في نومي رجلا صعد إلى السماء الدنيا، ثم من سماء إلى سماء، حتى صار تحت العرش. فقال: ينبغي أن يكون هذا سحنون. فقال الرائى: هو ذاك. وقيل أن الرائى رأى الحضرمى في النوم، فسأله عنها، ففسرها له بمثل ما ذكرنا. وفى أولها: رأيت بابا فتح في السماء، ونودى بسحنون، فأوتى به، فصعد. وقال آخر: رأيت النبي ﷺ مقبورا، والناس يجعلون على قبره التراب، وسحنون ينبشه، فقال: قل لسحنون: هم يدفنون سنة رسول الله ﷺ ، وأنت تحييها. قال عيسى بن مسكين: رأيت في المنام كأن سحنون يبنى الكعبة، فغدوت عليه، فوجدته يقرأ للناس كتاب مختصر المناسك، له (٩٧).

стр. 940

قال عبد الله بن الخشاب الأندلسي - وكان ثقة -: رأيت في المنام النبي ﷺ يمشى (٩٨) في طريق، وأبو بكر خلفه، وعمر خلف أبي بكر، ومالك خلف عمر، وسحنون خلف مالك. قال ابن وضاح: فذكرتها لسحنون، فسر بذلك. قال غيره: رأيت سحنون في النوم، بيده لواء قد بلغ السماء، وقد امتلأ الفضاء فراشا، فكنت أسأل بعض الحضور، فيقال لي: هذا لواء محمد، وهذا الفراش ملائكة. وذكر ابن ابن الحارث، أن رجلا من أهل طرابلس كان على بدعة - وفى رواية: كان يقرأ كتب أهل العراق - فرأى في النوم كأنه في ماء قد غرق فيه إلى الذقن، ويكاد مع ذلك أن يموت عطشا، ولا يقدر على الشرب - وفى رواية: فإذا شرب صار في فيه دما - فأتاه في تلك الحال رجل، فسقاه حتى روي. قال: فانتبهت، وبقيت سورة ذلك الرجل في نفسى، فجعلت أمشى في البلاد، وأتأمل وجوه الناس، لعلى أرى تلك الصفة، حتى رأيت سحنون فعرفته بتلك الصفة، فصحبته، وتركت مذهبي، وصرت إلى مذهبه. قال ابن حارث: أقام سؤدد العلم في دار سحنون نحو مائة عام وثلاثين عاما، من ابتداء طلب سحنون وأخيه، إلى موت ابن ابنه محمد بن محمد بن سحنون. قال أبو الأحوص المتعبد: رأيت سحنون في المنام، وقد تهيأ للخروج إلى المصلى مع ابنه محمد، فأتيته بثوب أبيض، فقال لي: أما علمت أني لا أقبل الهدية؟ فقلت: ليس بهدية، ولكن هذا رسول الله ﷺ أمرني أن أدفعه إليك.

стр. 941

فقال لي: وأين رسول الله؟ فقلت له: ها هنا جالس (٩٩). فما أقام سحنون إلا يسيرا حتى مات. ورأى بعض المتعبدين قائلا يقول: من أراد أن يشرب من ماء الحياة فليسمع من سحنون. قال ابن أبي سليمان: رأيت في شأن سحنون قبل موته رؤيا، فقصصتها على معبر يقال له ابن عياض، فقال: هذا رجل يموت على السنة. ورثاه عبد الملك بن فطر الهذلي بقصيدة أولها (١٠٠): من يبصر البرق فوق الأفق قد لمعا … لما تسربل ثوب الليل وادرعا ولى لعمرى بأرض الغرب قاطبة … ميت له البدو والحضار قد خشعا لله أنت إذا ما هاب فاصلة … من القضاء كليل الحد فارتدعا هناك برزت يا سحنون منفردا … كسابق الخيل لما بان فانقطعا فاذهب فقيدا حباك الله جنته … واحصد من الخير ما قد كنت مزدرعا

стр. 942

عون بن يوسف الخزاعي أبو محمد من أهل القيروان. قال أبو العرب: كان أسن من سحنون بعشر سنين. قال: قدمت المدينة سنة ثمانين ومائة، بعد موت مالك بسنة، فأدركت بها أربعين رجلا من معلمى ابن وهب، منهم عبد الرحمان بن زيد بن أسلم. وسمع من المفضل بن فضالة، وابن وهب، وابن غانم، والبهلول، وغيرهم. سمع منه ابنه، وبكر بن حماد، وابن طالب، وسليمان بن سالم، وجماعة من أصحاب سحنون، وغيرهم. وقال الشيرازى: وبابن وهب تفقه. قال بكر بن حماد: لما فرغت لقراءة كتب ابن وهب، على عون، قلت: يا أبا محمد! كيف كان سماعك من ابن وهب؟ فقال: يا بني! أقال فيها أحد شيئا؟ ثم قال لي: والله ما أحب أن يعذب الله أحدا من أمة محمد ﷺ بالنار، أبطل الله سعيه وصومه وصلاته وسائر عمله، إن كنت أخذتها من ابن وهب شيئا إلا قراءة قرأتها عليه، وقرأ هو على، ولو كانت إجازة لقلت إجازة، ولقد حضرت ابن وهب، فأتاه رجل يتلبس، فقال: يا أبا محمد! هذه كتبك. فقال له ابن وهب: صححت وقابلت؟ فقال له: نعم. فقال له: اذهب فحدث بها، فقد أجزتها لك، فإني حضرت مالكا فعل مثل ذلك. قلت: يا أبا محمد! وكتاب الأهوال سمعته منه؟

стр. 943

قال: لا (١٠١)، حدثني به رجل عنه. وكان عون يفرق بين السماع والإجازة، فيقول في السماع "حدثنا" وفى الإجازة" أخبرنا". ذكر فضله وثناء العلماء عليه كان إبراهيم بن محمد بن باز، يفضل عون بن يوسف، ويذكر دينه، وكان ابن وضاح يفضله، وكان سحنون يقع فيه ويعيب الأخذ عنه، ويقول: لم يسمع من ابن وهب، وإنما أخذ عنه إجازة. قال ابن وضاح: كان عون، والله، خيرا منه، وأتقى لله. قال أبو العرب: كان عون رجلا صالحا ثقة مأمونا؟ وكان أحمد بن خالد يعجب به. وكان يبيع الكتان في حانوت، ومعه حبة شعير، إذا أعطى الدراهم جعلها مع المثقال، وإذا أخذها جعلها مع الدراهم، حتى يعطى زائدا بحبة، ويأخذ ناقصا بحبة. وكانت عنده قفة تين، إذا جاءه السائل أعطاه تينتين، لا يزيد عليهما، ولا يرد السائل. وحكى أبو مروان بن مالك (١٠٢) الفقيه عنه، أنه قال: كنت أجهر بالقراءة، فسمعت من الليل (١٠٣) قراءة جار لي من الجن، يقرأ معى في سورة الرعد. وكان ما بينه وبين سحنون فاسدا، وكان الوالى يكره سحنون، ويدس من يرفع عليه، فقيل له ما بينه وبين عون، وقد أضر به سحنون، فطمع أن يجد السبيل بشهادة عون عليه، فأرسل في عون، فسأله عن سحنون وما يتردد عليه من الشكاية به.

стр. 944

فقال عون: سبحان الله! مثلى يكشف - أو يسأل - عن سحنون؟ والله إن سحنون لأفضل وأخير من أن يسأل مثلى عنه. فزاده ذلك شرفا، فاندفعوا عنه. قال ابن وضاح: لو لم يكن له غير هذه (١٠٤). وكان يقول: والله إني لأحب أن ألقى الله وأنا طالب. ويقول: الخلائق كلهم أعداء بنى آدم، والخلائق وبنو آدم كلهم أعداء المسلمين، وجميعهم أعداء أهل السنة. وكان يعود الأصدقاء، ويتعاهدهم، ويعود المرضى. قال ابن حارث: نزلت نازلة أحضر لها ابن الأغلب فقهاء القيروان، فتقدم عون، فقال له ابن الأغلب: تقدم يا أبا محمد، فلك السن والجلالة، ألم يقل مالك كذا؟ ألم يقل؟ وهو يقول: نعم. وحكى عون عن أبي محمد الضرير، قال: لي جار من الجن، جزاه الله عنى خيرا، أنس لأقوم من الليل أقرأ، فيسايرني بالقراءة. قال سحنون: وأنا أجد ذلك آخر الليل. قال بعضهم: كان عون شديدا على أهل البدع، قائما بالسنة. قال سليمان بن سالم: كنت جالسا عنده إذ جاءه ثلاثة رجال، فأخبروه أن رجلا مات عندهم يقول بخلق القرآن. فقال: أن وجدتم من يكفيكم مؤنته فلا تقربوه. فسكتوا، ثم سألوه ثلاثا، كل ذلك يجيبهم بمثله. فقالوا: لا نجد. قال: اذهبوا فداروه من أجل التوحيد.

стр. 945

وفاته ومات يوم الأحد، ثانى جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين ومائتين، قبل وفاة سحنون بنحو عام على ما قاله أبو العرب. وذكر ابن الجزار وابن يونس، أن وفاته كانت سنة أربعين. قال أبو العرب: ومولده سنة سبع وأربعين ومائة. وقال الآخر: سنة خمسين. وأوصى عون ابنه يحيى، أن يصلى عليه، فإن سحنون يزعم أني كذاب لم أسمع من ابن وهب. فلما قدم للصلاة، تقدم سحنون ليصلى عليه، فتقدم ابنه يحيى وقال له: أوصى ألا يصلى عليه غيرى. فضرب سحنون رأسه بالسوط، وصلى عليه ظهرا. قال سليمان بن سالم: ابتدأنا القراءة على سحنون يوم مات عون بيسير. فقال سحنون للقارئ: ما أفهم عنك ما تقرأ، انصرفوا. وظهر عليه الحزن. ورأت امرأة بيسير من موته، كأن القيامة قامت، وحشر الناس، وقد جيء بثلاثة أفراس بسرجها ولجمها، مكللة بأنواع الجوهر، ويقال: هذه لسليمان المؤذن (١٠٥) المقتول غدا شهيدا. ثم يؤتى بخمسة، وصفتها بأحسن من الأولى، فيقال: هذه لعون. فأقول: هذا شهيد له ثلاثة، ولعون خمسة!؟ فيقال: فضل عليه بالعلم. وأعلمت بذلك عونا، فبكى وقال: لو أن لي دنيا تصدقت بها شكرا لله تعالى لهذه الرؤيا، وما أملك إلا هذين الثوبين اللذين على.

стр. 946

أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي مولى آل جعفر بن أبي طالب. قال ابن أبي دليم: يقال: معاوية بن أحمد، بن عون، بن معاوية، بن عون، بن عبد الله، بن جعفر، بن أبي طالب. ويقال: أن عون بن عبد الله أودع جارية له مالا فجحدته، فأخرجها إلى غلام له اسمه صمادح، فقدم بها إلى أفريقية وهي حامل من عون فيما يقال، فقال الناس: ابن جعفر، على هذا، والله أعلم، فاستوطن القيروان. وقال ابن اللباد عن شيوخه: أن معاوية بن عون بن عبد الله بن جعفر، قدم على عبد العزيز بن مروان، فوصله واتخذ عنده جارية، فأولدها ولدا سماه عونا، فمات، فغيبت المال، وتزوجت غلاما له يقال له الصمادحى، فقدم به أفريقية، واشترى له ضياعا كثيرة، فعرف بالصمادحي. قال: ويقال: أن موسى بن معاوية الصمادحى، ابن الفضل بن عون بن عبد الله بن جعفر. رحل موسى من أفريقية في طلب العلم، في رجب سنة أربع وثمانين ومائة، وانصرف إلى القيروان سنة تسع وثمانين. ثناء العلماء عليه وفضله قال أبو العرب: وكان على فقهه ثقة مأمونا، عالما بالحديث والفقه، كثير الأخذ عن رجاله المدنيين والكوفيين والبصريين وغيرهم، سمع وكيع بن الجراح، والفضيل بن عياض، وعلى بن مهدى، وطبقتهم، وجرير بن عبد الله، وأبا معاوية الضرير، وسمع من ابن القاسم وغيره. سمع منه سحنون، وعامة أهل أفريقية، وسمع منه ابن وضاح، وأحمد بن يزيد القرشي.

стр. 947

وعمى بعد قدومه من المشرق بيسير، ثم أصابه الفالج. قال أبو الحسن الكوفي: لم يكن بأفريقية محدث إلا موسى بن معاوية الصمادحى، وعباس الفارسي. قال معتب: قلت لسحنون: أن موسى جلس. يعني: في الجامع. فقال سحنون: ما جلس في الجامع منذ ثلاثين سنة أحق بالفتوى منه. وكان سحنون يجله ويعظمه، ويعرف حقه في العلم، ويقدمه بين يديه في المجالس. قال فرات عن سحنون: كنا نرابط بالمنستير في جماعة، فكان موسى أطولهم صلاة وأدومهم عليها (١٠٦)، فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من رمضان، طبقها (١٠٧) من أولها إلى آخرها، فإذا أصبح، قال: توجهوا بنا إلى القيروان. فنقول له: أقم حتى نتعبد (١٠٨) ها هنا. فيقول: كان النبي ﷺ ، يجتهد في العشر الأواخر، فإذا مضت ليلة سبع وعشرين ريئت فيه الفترة. قال سحنون: فلا نجد بدا من مساعدته. بقية أخباره ولقى موسى محمد بن الحسن، فلم يأخذ عنه، فسئل عن ذلك، فقال: لو ملئ لي مسجدى هذا ذهبا وفضة ما سمعت منه حرفا. وذكر أنه بلغه عنه شيء من مخالفة السنة. وامتحنه ابن أبي الجواد، قاضى القيروان، وكان معتزليا، فسأله عن القرآن، فقال موسى: سمعت فلانا وفلانا - وذكر جماعة من أهل العلم - يقولون: من قال (القرآن مخلوق) فهو كافر.

стр. 948

فقال له ابن أبي الجواد: لقد أعمى الله قلبك كما أعمى بصرك. وكان موسى إذا نزل عنده إسماعيل بن رباح الزاهد، يستنجد له الطعام، فلا يأكل إسماعيل منه شيئا، فيذهب موسى إلى السوال وأهل الطريق، فيجمعهم إليه، ويقرب الطعام إليهم، فإذا رآهم إسماعيل كذلك، أكل معهم. وألف موسى بن معاوية كتاب الزهد، وكتاب مواعظ الحسن. قال ابن أبي دليم: والأغلب عليه الحديث والرواية. وكان من أهل الورع والدين، منافيا لأهل البدع. وذكر لبعض الشيوخ نقص الفقه، مع كثرة الرواية، فقال: هذا الصمادحى، على كثرة جمعه، عرضت له مسألة في حمار، فما عرف ما يجب له، حتى استفتى. قال فرات: حضرت الأمير زيادة الله يسأل الصمادحى عن عمود في مسجد خرب، أراد تحويله إلى الجامع، فقال: لا تحركه من موضعه، وجعل يحتج له. قال (١٠٩) أبو الفضل بن حمزة: كنا نسمع من الصمادحى وقد كف بصره، فاستدعى ماء، فجئت إلى الماجل، فإذا فيه ماء قليل وفأر كبير (١١٠)، فأعلمناه، فقال: ايتونى منه، فاستشمه، فلم يجد له رائحة فقال: كيف ترون الماء؟ فقلنا: صافيا.

стр. 949

فشرب منه وشربنا، وتوضأ وتوضأنا. وتوفى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى القعدة، سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائتين. وسنه خمس وستون سنة. قال ابن سحنون في تاريخه: ويقال أربع وستون، بعد أن أصابه ريح أبطله، فكان كالخشبة الملقاة. مولده - فيما ذكر أبو العرب - مولد سحنون، بينهما ليلة وقيل سنة. وكان موسى إذا رأى تقديم سحنون له، يقول: ما أبرك علينا تلك اللية! يريد أن بسببها كان يجله سحنون. وأما أبوه معاوية، فله سماع من الثورى، وابن أنعم، وحنظلة بن أبي سفيان، وكان معدودا في شيوخ أفريقية. روى عنه ابنه، وسحنون، وأبو داود العطار، وكان ثقة، ورمى برأى الصفرية، ولعله لا يصح عنه. وتوفى معاوية والد موسى، سنة تسع وتسعين ومائة. محمد بن رشيد مولى عبد السلام بن الفرج الربعى العابد. قال المالكي: مولى رعين. يكنى أبا زكريا. كانت رحلته ورحلة سحنون إلى الحجاز، والى إبن القاسم إلى مصر، واحدة، وكان سماعهما واحدا، وإنما فاته سحنون برجال الشام، لأنه رحل إليها دونه. قال ابن سحنون: كان فقيها نبيها طويل اللسان حسن البيان. قال غيره: كان من أهل العلم والفقه، ثقة في نقله. قال أبو سعيد بن يونس: روى عن سفيان بن عيينة، وابن القاسم، وابن وهب.

стр. 950

قال ابن حارث: كان فقيها، وصاحبا لسحنون عند ابن القاسم، وكان ابن القاسم إذا تكلم في العلم، أسرع ابن رشيد إلى فهمه، وكان سحنون يتباطأ، غير أنه كان إذا فهم رسخ في قلبه. قال أبو العرب: وكان أهل الأندلس في أول أمره يسمعون منه، فيأتونه أكثر مما كانوا يأتون سحنون، ثم رخص في المعاملة بالعينة، فاجتنبه كثير من الناس. قال أبو العرب: وأما في نقله للعلم فكان ثقة. وكان رشيد أبوه صقلبيا (١١١)، رجلا صالحا، رأى في منامه، كأنه أتى مسجد الجامع فبال في محرابه، فقص رؤياه على البهلول بن راشد، فقال له: يخرج من صلبك ولد يكون اماما، فولد له محمد. وذكر أن الفرج، والد أصبغ بن الفرج، رأى مثلها. قال حبيب لما مات ابن رشيد كره سحنون أن ينظر في تركته، وأمرني فنظرت فيها. فمات محمد وسحنون قاض، فيما قاله أبو العرب. وذكر ابن الجزار، أنه توفى سنة إحدى وعشرين ومائة، وغلط ابن حارث هذا القول، ولم يسم قائله (١١٢)، قال: والصواب ما رآه أبو العرب. وقال ابن يونس: توفى سنة اثنين ومائتين، وصوب المالكي هذا، وخطأ ما قاله أبو العرب وابن حارث. حماد بن يحيى أبو يحيى السجلماسي، عداده في أهل القيروان. سمع عبد الله بن بكير السهمي، وابن الماجشون، وهو أول من قدم بفقه ابن الماجشون القيروان.
следующие страницы →