← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي مولى آل جعفر بن أبي طالب. قال ابن أبي دليم: يقال: معاوية بن أحمد، بن عون، بن معاوية، بن عون، بن عبد الله، بن جعفر، بن أبي طالب. ويقال: أن عون بن عبد الله أودع جارية له مالا فجحدته، فأخرجها إلى غلام له اسمه صمادح، فقدم بها إلى أفريقية وهي حامل من عون فيما يقال، فقال الناس: ابن جعفر، على هذا، والله أعلم، فاستوطن القيروان. وقال ابن اللباد عن شيوخه: أن معاوية بن عون بن عبد الله بن جعفر، قدم على عبد العزيز بن مروان، فوصله واتخذ عنده جارية، فأولدها ولدا سماه عونا، فمات، فغيبت المال، وتزوجت غلاما له يقال له الصمادحى، فقدم به أفريقية، واشترى له ضياعا كثيرة، فعرف بالصمادحي. قال: ويقال: أن موسى بن معاوية الصمادحى، ابن الفضل بن عون بن عبد الله بن جعفر. رحل موسى من أفريقية في طلب العلم، في رجب سنة أربع وثمانين ومائة، وانصرف إلى القيروان سنة تسع وثمانين. ثناء العلماء عليه وفضله قال أبو العرب: وكان على فقهه ثقة مأمونا، عالما بالحديث والفقه، كثير الأخذ عن رجاله المدنيين والكوفيين والبصريين وغيرهم، سمع وكيع بن الجراح، والفضيل بن عياض، وعلى بن مهدى، وطبقتهم، وجرير بن عبد الله، وأبا معاوية الضرير، وسمع من ابن القاسم وغيره. سمع منه سحنون، وعامة أهل أفريقية، وسمع منه ابن وضاح، وأحمد بن يزيد القرشي.

стр. 947

وعمى بعد قدومه من المشرق بيسير، ثم أصابه الفالج. قال أبو الحسن الكوفي: لم يكن بأفريقية محدث إلا موسى بن معاوية الصمادحى، وعباس الفارسي. قال معتب: قلت لسحنون: أن موسى جلس. يعني: في الجامع. فقال سحنون: ما جلس في الجامع منذ ثلاثين سنة أحق بالفتوى منه. وكان سحنون يجله ويعظمه، ويعرف حقه في العلم، ويقدمه بين يديه في المجالس. قال فرات عن سحنون: كنا نرابط بالمنستير في جماعة، فكان موسى أطولهم صلاة وأدومهم عليها (١٠٦)، فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من رمضان، طبقها (١٠٧) من أولها إلى آخرها، فإذا أصبح، قال: توجهوا بنا إلى القيروان. فنقول له: أقم حتى نتعبد (١٠٨) ها هنا. فيقول: كان النبي ﷺ ، يجتهد في العشر الأواخر، فإذا مضت ليلة سبع وعشرين ريئت فيه الفترة. قال سحنون: فلا نجد بدا من مساعدته. بقية أخباره ولقى موسى محمد بن الحسن، فلم يأخذ عنه، فسئل عن ذلك، فقال: لو ملئ لي مسجدى هذا ذهبا وفضة ما سمعت منه حرفا. وذكر أنه بلغه عنه شيء من مخالفة السنة. وامتحنه ابن أبي الجواد، قاضى القيروان، وكان معتزليا، فسأله عن القرآن، فقال موسى: سمعت فلانا وفلانا - وذكر جماعة من أهل العلم - يقولون: من قال (القرآن مخلوق) فهو كافر.

стр. 948

فقال له ابن أبي الجواد: لقد أعمى الله قلبك كما أعمى بصرك. وكان موسى إذا نزل عنده إسماعيل بن رباح الزاهد، يستنجد له الطعام، فلا يأكل إسماعيل منه شيئا، فيذهب موسى إلى السوال وأهل الطريق، فيجمعهم إليه، ويقرب الطعام إليهم، فإذا رآهم إسماعيل كذلك، أكل معهم. وألف موسى بن معاوية كتاب الزهد، وكتاب مواعظ الحسن. قال ابن أبي دليم: والأغلب عليه الحديث والرواية. وكان من أهل الورع والدين، منافيا لأهل البدع. وذكر لبعض الشيوخ نقص الفقه، مع كثرة الرواية، فقال: هذا الصمادحى، على كثرة جمعه، عرضت له مسألة في حمار، فما عرف ما يجب له، حتى استفتى. قال فرات: حضرت الأمير زيادة الله يسأل الصمادحى عن عمود في مسجد خرب، أراد تحويله إلى الجامع، فقال: لا تحركه من موضعه، وجعل يحتج له. قال (١٠٩) أبو الفضل بن حمزة: كنا نسمع من الصمادحى وقد كف بصره، فاستدعى ماء، فجئت إلى الماجل، فإذا فيه ماء قليل وفأر كبير (١١٠)، فأعلمناه، فقال: ايتونى منه، فاستشمه، فلم يجد له رائحة فقال: كيف ترون الماء؟ فقلنا: صافيا.

стр. 949

فشرب منه وشربنا، وتوضأ وتوضأنا. وتوفى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى القعدة، سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائتين. وسنه خمس وستون سنة. قال ابن سحنون في تاريخه: ويقال أربع وستون، بعد أن أصابه ريح أبطله، فكان كالخشبة الملقاة. مولده - فيما ذكر أبو العرب - مولد سحنون، بينهما ليلة وقيل سنة. وكان موسى إذا رأى تقديم سحنون له، يقول: ما أبرك علينا تلك اللية! يريد أن بسببها كان يجله سحنون. وأما أبوه معاوية، فله سماع من الثورى، وابن أنعم، وحنظلة بن أبي سفيان، وكان معدودا في شيوخ أفريقية. روى عنه ابنه، وسحنون، وأبو داود العطار، وكان ثقة، ورمى برأى الصفرية، ولعله لا يصح عنه. وتوفى معاوية والد موسى، سنة تسع وتسعين ومائة. محمد بن رشيد مولى عبد السلام بن الفرج الربعى العابد. قال المالكي: مولى رعين. يكنى أبا زكريا. كانت رحلته ورحلة سحنون إلى الحجاز، والى إبن القاسم إلى مصر، واحدة، وكان سماعهما واحدا، وإنما فاته سحنون برجال الشام، لأنه رحل إليها دونه. قال ابن سحنون: كان فقيها نبيها طويل اللسان حسن البيان. قال غيره: كان من أهل العلم والفقه، ثقة في نقله. قال أبو سعيد بن يونس: روى عن سفيان بن عيينة، وابن القاسم، وابن وهب.

стр. 950

قال ابن حارث: كان فقيها، وصاحبا لسحنون عند ابن القاسم، وكان ابن القاسم إذا تكلم في العلم، أسرع ابن رشيد إلى فهمه، وكان سحنون يتباطأ، غير أنه كان إذا فهم رسخ في قلبه. قال أبو العرب: وكان أهل الأندلس في أول أمره يسمعون منه، فيأتونه أكثر مما كانوا يأتون سحنون، ثم رخص في المعاملة بالعينة، فاجتنبه كثير من الناس. قال أبو العرب: وأما في نقله للعلم فكان ثقة. وكان رشيد أبوه صقلبيا (١١١)، رجلا صالحا، رأى في منامه، كأنه أتى مسجد الجامع فبال في محرابه، فقص رؤياه على البهلول بن راشد، فقال له: يخرج من صلبك ولد يكون اماما، فولد له محمد. وذكر أن الفرج، والد أصبغ بن الفرج، رأى مثلها. قال حبيب لما مات ابن رشيد كره سحنون أن ينظر في تركته، وأمرني فنظرت فيها. فمات محمد وسحنون قاض، فيما قاله أبو العرب. وذكر ابن الجزار، أنه توفى سنة إحدى وعشرين ومائة، وغلط ابن حارث هذا القول، ولم يسم قائله (١١٢)، قال: والصواب ما رآه أبو العرب. وقال ابن يونس: توفى سنة اثنين ومائتين، وصوب المالكي هذا، وخطأ ما قاله أبو العرب وابن حارث. حماد بن يحيى أبو يحيى السجلماسي، عداده في أهل القيروان. سمع عبد الله بن بكير السهمي، وابن الماجشون، وهو أول من قدم بفقه ابن الماجشون القيروان.

стр. 951

قال محمد بن أحمد بن تميم: وقد سمع منه سحنون، وكان شيخا صالحا، تاجرا، وكان في كتبه تصحيف كثير، لم يكن يقوم بها، سمع منه عامة أصحاب سحنون. وكان له ابن اسمه حسن: روى عن أبيه، مات قديما، سمع من ابن بسطام. زيد بن بشير بن زيد بن عبد الرحمان الأزدي صليبة، أم أبيه مولاة لبني شريح الحضرمي، فجرى على أبيه العتق من قبلها، فكان زيد يقر بولائهم مع صحة نسبه في الأزد، قاله الكندي. يكنى أبا البشر، أصله من أهل مصر، وعداده في أهل تونس، وبها نزل. قال أبو العرب: وقدم أولا القيروان في قضاء سحنون، فأتاه فسلم عليه، ثم لحق بتونس، وكان فقيها، ثقة، مأمونا، عاقلا، أديبا، متصاونا *. سمع من زيد بن أنيس، ومن ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وضمام بن إسماعيل، ويحيى بن سليمان العلائقي (١١٣)، وبشر بن بكر، وغيرهم (١١٤). رحل إليه الناس، سمع منه روح بن الفرج، ويعقوب بن سليمان، وسليمان بن سالم، ويحيى بن عمر، وسعيد بن إسحاق، وغيرهم. قال أبو بكر المالكي: كان رجلا كريم النفس، كثير التواضع، حسن الأدب، وعده ابن شعبان فيمن لقى مالكا، ولا أراه يصح ذلك. قال الكندي: كان في حجر ابن لهيعة، ولم يسمع منه شيئا.

стр. 952

قال: وكان فقيها من أكابر أصحاب ابن وهب، وعده الشيرازي في فقهاء هذه الطبقة. قال ابن وضاح: كان ثقة الثقات. ذكر جمل من أخباره وفضائله والذي أخرجه للناس حتى سمعوا منه، وعرفوا مكانه، محمد بن وضاح. وقال: قال لي سحنون في زيد بن بشير: تؤجر فيه. وكان من أكرم الناس، انصرف ليلة من الجامع بتونس، فانقطع شسع نعله، فوثب إليه حائك من حانوته، فأعطاه شسعا، فأصلح نعله، ونظر في وجه الحائك إلى قنديل معه ليعرفه فيكافئه، فكان بعد ذلك كلما مر إلى الجامع بجماعته، مال إلى الحائك، وسأله عن حاله، وسلم عليه، شكرا لفعله. وقيل: بل دخل الحمام سحرا، وفيه زحمة فقام إليه رجل فأجلسه موضعه، فنظر وجهه إلى القنديل، فسأله الرجل عن ذلك، فقال: أريد مكافأتك. * * * قال ابن أخي هشام: كان طريق زيد بتونس، إلى الجامع، على الخرازين. فأقبل يوما مع الطلبة، إذا بشاب من الخرازين قائم على دكانه، وقال لجار له: ألق الستر، ما رأينا أوحش من هذا الشيخ، ولا أوحش لباسا منه - وكان زيد يلبس المفرج - فنكس زيد رأسه. فلما انصرف من الجامع، عاوده الفتى بقبيح، فلم يلتفت إليه زيد، وهم طلبته بضرب الفتى، فبلغ ذلك زيدا، فسألهم عنه، فقالوا: هو ما قيل، أصلحك الله، لاستخفافه بحقك، وامتهانه علمك. فقال لهم: أعطى الله عهدا، لأن تقدم إليه أحد الأقصينه ولا وطئ لي بساطا، أنا أصلح شأنه.

стр. 953

وصر في صرة عشرة دراهم، وجعلها في جيبه، واستعمل لفرد نعل قبالا واهيا، ثم توجه إلى الجامع، فلما مر بالشاب، قام كعادته، وتكلم بقبيح قوله، فلما حاداه الشيخ، اتكأ على نعله فقطع القبال، ثم مال إلى الشاب فسلم عليه، وقال: أي بني! لعل عندك قبالا. فأعطاه قبالا، فأدخل زيد يده فأخرج الصرة من جيبه، ودفعها له، فقال الشاب: ما هذا؟ قال: صنعت لنا قبالا فكافأناك، ولك عندنا أمثالها. وسار إلى الجامع، فلما كان انصرافه منه، ومر بالشاب، قام على قدميه وقال: الحمد لله الذي خص بلدنا بهذا الشيخ الفاضل، اللهم أبقه لنا، وأحرزه على المسلمين، فلقد انتفع به شباننا وحظي به شيوخنا. فقال له جار له: ما هذا؟ فقال له الشاب: اسكت إنه أعطاني عشرة دراهم على إصلاح قبالة نعله، فليت له ببلدنا آخر! * * * وكان سبب خروجه من مصر، الفرار من المحنة في القرآن، بعد أن منع من السماع، فخرج سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، إذ كان أبو بكر الأصم على قضاء مصر، وأخذ الناس بالمحنة، فاختفى زيد في بيته، ثم خرج فارا. قال ابن سالم عنه: لقيت بالمدينة محمد بن مالك بن أنس، فقلت له: حدثني عن أبيك. فقال: ما أحفظ شيئا. فقلت له: تذكر. قال: إني سمعته يقول: أدركت مسجد النبي ﷺ ، تقوم فيه طائفة من الناس إلى ثلث الليل، ثم تذهب، وتأتي أخرى، فتقوم إلى ثلث الليل الآخر، ثم تذهب فتأتي أخرى وتقوم إلى الصبح.

стр. 954

قال زيد: استفتاني رجل في مسألة، فأفتيته بقول مالك، ثم أدركني ندم، فقلت: تركت قول من هو خير من مالك: زيد بن ثابت! وأصابني شيء، فغلبني النوم، فرأيت كأني في ظلمة، إذ سقطت، فبينا أنا أهوى إذ لقيتني جارية، فالتمستني بكفها فقلت: من أنت؟ قالت: بنت مالك بن أنس. فانتبهت من رطوبة كفها. قال سليمان بن * سالم: كنت عنده، فسأله سائل عن رجل صلى الظهر، فتذكر في الرابعة سجدة لا يدرى من أين هي، فقال له أبو البشر: يأتي بركعة، بسجدتين، ويسجد لسهوه. قال سليمان: فرآني أتحرك، فقال: مالك؟ قلت: أصلحك الله ثم جواب غير هذا. قال: لعلك تريد جواب ابن القاسم: يسجد الآن سجدة، على أن تكون من هذه، ثم يأتي بركعة. قلت: نعم. فقال: أني رأيت السائل لا ينظر لمثل هذا، فأفتيته بقول أشهب. وتوفى بتونس، سنة اثنين وأربعين ومائتين، فيما قاله أبو العرب. وقال الكندي: سنة أربعين. شجرة بن عيسى المعافري أبو سمرة، ويقال أبو يزيد، أصله من العرب. سمع ابن زياد وابن أشرس، وابن أبي كريمة، وأباه عيسى، وعداده في أهل تونس. وأبوه عيسى، ممن روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وأصله أندلسي نزل بتونس، قاله الأصيلي عن الأبياني.

стр. 955

وولى شجرة قضاء تونس أيام سحنون وقبله. قال سحنون: ما رأيت (١١٥) أحدا من قضاة البلدان إلا شجرة، وشرحبيل قاضي أطرابلس. وأخذ عن شجرة جماعة من أصحاب سحنون، وغيرهم. وزعم بعضهم، أنه ممن سمع من مالك، وسماه شجرة بن عبد الله بن عيسى القيرواني، فان صح، فلعله آخر، والله أعلم. قال أبو العرب: وكان شجرة من خير القضاة وأعلمهم، ثقة، عدلا، مأمونا. وكان يلبس الثياب الحسنة، ويخضب لحيته وأطرافه بالحناء، ويركب الفرس الفاره، ويجيد الركوب، وكان كثير المعروف والفضائل، وله كتاب في مسائله لسحنون. وعمر حتى توفى سنة اثنين وستين ومائتين. مولده سنة تسع وستين ومائة. وابنه أبو شجرة عمرو بن شجرة، ولى قضاء تونس، وكان صالحا ثقة، روى عنه يحيى بن عمر، وقتل برقادة، سنة إحدى وثمانين ومائتين، في ثورة أهل تونس، على إبراهيم بن أحمد بعد أن حبس. ذكر ابن كدية: أن شجرة خرج يوما للسماع، فنظر في الناس ولده فلم يره، فأمر داية ابنه أن تحركه للسماع، فمضت، ثم رجعت وقالت: هو نائم، وكرهت أن تنبهه من نومه، فأنشأ شجرة يقول: شرب العشى ونوم بالغدوات … موكلان بأخلاق المروءات لا خير فيمن حوت كفاه مكرمة … فباعها بسماع أو بلذات ثم قال: اقرأوا، رحمكم الله، اللهم لا تفتنا، وعافنا من العقاب، فإن ذلك بيدك.

стр. 956

دحنون بن راشد كان من أصحاب البهلول بن راشد، وكان ثقة من شيوخ أفريقية. أبو سنان زيد بن سنان الأسدي قال أبو العرب: كان ثقة، وكان سعيد بن الحداد، وسعيد بن إسحاق، وأحمد بن يزيد، يذكرونه بخير كثير، وكان سعيد بن إسحاق يذكر فقهه. سمع عبد الرحمان بن القاسم، وكان ابن القاسم قد كتب إليه أيضًا من مصر كتابا، وسمع سفيان بن عيينة، وأبا ضمرة، وبهلول بن راشد، ولقى عبد الله بن عبد الحكم، وعنده نزل بمصر، وأدرك أبا معمر صاحب أنس بن مالك، ولم يسمع منه، ولم يسمع من سفيان غير أربعة أحاديث فيما ذكر. سمع منه أبو عثمان بن الحداد، وسعيد بن إسحاق، وسليمان بن سالم، وغيرهم، وكان يفتي بالقيروان، سمع سحنون في أيام قضائه. قال ابن الحداد: ما سمعت الدنيا قط تذكر عنده، وكان خياطا، وكان يحمل خبزه على يده إلى الفرن، ولا يترك طلبته تحمله، تواضعا. قال المالكي: كان رجلا صالحا، ثقة، مأمونا فقيها. قال بعضهم: رأيت البهلول بن راشد في النوم، فقال: جزى الله عني أبا سنان خيرا. فأخبرت بذلك أبا سنان فقال: رحم الله معلمي وجزاه خيرا. قال أبو سنان: رأيت عبد الرحمان بن القاسم مكفنا في النوم، فرفعته في حجري، فرجعت فيه الروح، فأخبرت بذلك أسد بن الفرات، فقال لي: سترجع إلى علمه. قال عيسى بن مسكين *: أتى أبو سنان إلى مسجد سفيان بن عيينة، فلم يجده حينئذ، ووجد أخاه إبراهيم، فقال له: هلم أحدثك يا مغربي.

стр. 957

فقال له أبو سنان: فإذا مضيت إلى بلدي، فقلت حدثني إبراهيم بن عيينة، قالوا: من إبراهيم؟ * * * حكى المالكي عن ابن الحداد، قال: بلغني أن سحنون لما ولى القضاء، لقى أبو سنان بعض أصحابه، فقال له أبو سنان: أن من الأمور أمورا نحسات، التقدم عليها هلكة، والتأخر عنها هلكة، وقد ولى هذا الرجل القضاء، وقد كان يكره فتيانا قبل أن يصير إلى هذا الأمر، فأحب أن تسأله، إن كان يرى لي الفتيا على نحو ما كنت أفتى، فعلت، وإن رأى غير ذلك، تركت. فمضى الرجل إلى سحنون فأخبره، فجعل يقول: كيف قال الخياط؟ من الأمور أمور نحسات، التقدم عليها هلكة، والتأخر عنها هلكة؟ - ويردد كلامه - ثم قال: نعم، مره يفتى على نحو ما كان. قال سليمان بن سالم: قال لي أبو سنان: إذا كان طالب قبل أن يتعلم مسألة في الدين، يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟ وكان لا يتكلم أحد في مجلسه بغيبة في أحد، فإذا تكلم بذلك، نهاه، وأسكته. وتوفى، سنة أربع وأربعين ومائتين. مولده سنة خمس وخمسين ومائة، قاله أبو العرب؟ ودفن بالقيروان. وقال ابن يونس البصري: توفى بسوسة. ومن أهل الأندلس: عبد الرحمان بن دينار ذكر الرازي في كتاب الاستيعاب في أنساب أهل الأندلس، قال: دينار بن واقد الغافقي، أبو أمية، غلبت عليه كنيته، وكان عالما زاهدا.

стр. 958

وذكر عبد الرحمان، فقال: كان فقيها عالما حافظا، يكنى أبا زيد، شوور بقرطبة (١١٦). قال في كتاب آخر: وكانت له رحلات، استوطن في إحداهن المدينة. وهو الذي أدخل الكتب المعروفة بالمدنية، سمعها منه أخوه عيسى، ثم خرج بها عيسى، فعرضها على ابن القاسم. قال: وكان عبد الرحمان قد أخذ بالأندلس، عن محمد بن يحيى السبائي، وابن الصغير. روى عن محمد بن إبراهيم بن دينار المدني وغيره. توفى يوم الجمعة، لسبع خلون من المحرم، سنة إحدى ومائتين. ومولده، سنة ستين ومائة. وكان هو وأخوه، يتوليان إلى يزيد العبسي. وذكر أن أصلهم من طليطلة. وبنو دينار، معروفون في العلم. قال غيره: هو عبد الرحمان بن دينار، بن واقد، بن رجاء، بن عامر، ابن مالك الغافقي. وذكر أنه لقى ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه، وعرض عليه المدنية (١١٧)، وفيها أشياء من رأيه. وكان من الأخيار الصالحين، والحفاظ المتقدمين. استوطن قرطبة. عيسى بن دينار أخوه قال ابن الفرضي: سكن قرطبة ويكنى أبا محمد، وقد رحل فسمع من ابن القاسم، وصحبه، وعول عليه، وانصرف إلى الأندلس، وكانت

стр. 959

الفتيا تدور عليه، لا يتقدمه في وقته أحد بقرطبة، وكانت له بها رياسة، وذلك بعد انصرافه من المشرق. قال ابن أبي دليم: كان ابن القاسم يعظمه ويجله، ويصفه بالفقه والورع، وكان لا يعد في الأندلس أفقه منه في نظرائه. قال الرازي: كان عيسى عالما زاهدا متفننا، حج حجات، وولى قضاء طليطلة للحكم، والشورى بقرطبة. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: كان عيسى عالما متفننا، وهو الذي علم أهل مصرنا المسائل، وكان أفقه من يحيى بن يحيى، على جلالة قدر يحيى وعظمته. قال ابن مزين وابن لبابة: فقيه الأندلس عيسى. قال أبو عمر الصدفي: هو من أهل الفقه والفضل التام والورع. قال ابن حارث: كان عيسى فقيها بارعا غير مدافع، من مقدمي العلماء بالأندلس، خيرا، فاضلا، عابدا، ناسكا، ورعا، من أهل العلم والعمل والخشية. قال أصبغ بن خليل: كان مجاب الدعوة، مضت له أعوام * صلى فيها الصبح بوضوء العتمة، وسمعته يقول - وما قاله فخرا -: والله الذي لا إله إلا هو، ما أعلم أنه كتب بيني، وبين مخلوق، ذنب في ظلم، أو ميل عليه بهوى، أو اعتقاد سوء، منذ ألبسني الله العلم. قال أبو زيد عبد الرحمان بن إبراهيم: خرجت إلى المشرق، ومعي كتاب البيوع من سماع عيسى، فأريته ابن الماجشون، وقرأته عليه فصلا فصلا، فكان لا يمر بفصل إلا قال: أحسن والله! قوله (من سماع عيسى) وهم، فليس في سماع عيسى كتاب بيوع معينة، ولا غيرها، وإنما هو تخليط، وإنما كتاب البيوع من تأليف عيسى،

стр. 960

من كتاب المدنية (١١٨)، وهو الذي يدل عليه ثناء عبد الملك، إذ إنما يثنى على فقهه وتأليفه، لا سماعه. وقال الشيرازى عنه: أنه صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة. وشيعه ابن القاسم عند انصرافه عنه ثلاثة فراسخ، فعوتب في ذلك، فقال: تلومونني أن شيعت رجلا، لم يخلف بعده أفقه منه، ولا أورع. ووصاه ابن القاسم عند ذلك، وقال له: عليك بأعظم مدائن الأندلس، فانزلها، ولا تنزل منزلا يضيع فيه ما حملت من العلم. وقال ابن القاسم: أتانا عيسى، فسألنا سؤال عالم. قال أصبغ بن خليل: وهو أول من أدخل الأندلس رأى ابن القاسم. قال غيره: كان أكثر فقهه بالأندلس، قبل رحلته، على أخيه عبد الرحمان. قال ابن الفرضى: وكان عيسى عابدا فاضلا ورعا، كانوا يرون أنه مستجاب الدعوة، وكان ينتجع بلده طليطلة، وبها توفى سنة اثنتى عشرة ومائتين، وقبره هناك مشهور. قال غيره: توفى منصرفه عن طليطلة، وكان لحقته محنة الهيج، ومبتدأ فتنة الربض بقرطبة، ففر واستخفى، إلى أن أمنه الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمان بن معاوية. وامتحن أيضا، أول وصوله من المشرق إلى بلده طليطلة، ومال الناس إليه، حتى شرق بمكانه القاضي والوالى، وكتبا إلى الأمير: عندنا رجل يعرف بابن دينار - ورفعوا عليه - فوجه الأمير فيه، وسجن بقرطبة نحو عام، إلى أن علم الأمير أنه عيسى، ومكانه من الناس، واختلاف أهل العلم إليه للسجن، فأطلقه وأحضره واعتذر إليه، فقال عيسى: هذا ذنب عجلت عقوبته لي، وأخبره بوصية ابن القاسم له، وتحذيره إياه من

стр. 961

سكنى طليطلة، - وقد وصفها له - وأن يسكن دار السلطان، فلم آخذ بوصيته فعوقبت، فسكن حينئذ قرطبة. وغلط بعض أصحاب التاريخ من الأندلسيين، وهو أبو عبد الملك بن عبد البر، في شأن عيسى، بأن جعله ممن رحل إلى مالك، وعده مع زياد، ويحيى بن مضر، وقرعوس بن العباس. قال: فأما زياد فسمع منه الموطأ، وأما عيسى ويحيى وقرعوس، فلم يبلغنا أنهم سمعوا منه الموطأ، ولا ندري ما الذي منعهم منه، إلا أن نظن أن لقاءهم كان قبل أن يكمله ويخرجه، فانصرفوا كلهم، إلا عيسى، فإنه تلوم بعدهم بالمشرق، ولزم عبد الرحمان بن القاسم، فأخذ منه سماعه في الرأى عن مالك، فجمع علما عظيما. ثم قال: فانتشر بيحيى وبه، علم مالك بالأندلس، ورجعت الفتيا بها إلى رأيه. * * * قال القاضي أبو الفضل: ولم يذكر أحد من أصحاب علم الرجال والأثر سماعا لعيسى عن مالك، ولا أثبتوه، ولا روى أحد من الفقهاء وعلماء الرأى والمسائل له عن مالك مقالا، ولا رفعوا له عنه فتيا، ومثل عيسى في شهرته لا يخفى مثل هذا من فضائله، ويعد أولى مناقبه، كما عد لغيره ممن لم تكن له شهرته. وقد ذكرنا من خبر يحيى بن مضر وقرعوس غير ما ذكر من روايتهما للموطأ عن مالك، ولا شك أن ما ذكر من أن رحلته كانت مع أولئك الأكابر، وأنه تلوم بعدهم، ولم يدر ما الذي منعه من سماع الموطأ من مالك، وهم كله، فقد ذكر أبو محمد بن حزم أن رحلة * عيسى كانت في حدود تسعين ومائة، وهذا بعد موت مالك بنحو عشر سنين. ويصحح هذا، أنه لم يرو عن أحد من أكابر أصحاب مالك الذين ماتوا في هذه المدة، كالمغيرة، وابن أبي حازم، وابن نافع الصائغ، وغيرهم، إنما روى أقوالهم عن أخيه عبد الرحمان، وكانت رحلة أخيه أيضا بعد موت مالك.

стр. 962

قال ابن حارث: رحل عيسى فأدرك أصحاب مالك متوافرين: ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، فسمع من ابن القاسم واقتصر عليه، واعتلت في الفقه طبقته، وكان من أهل الزهد الفائق، والدين الكامل. قال: وأحواله في العلم البارع والفضل الكامل مشهورة، مع قوته في التفقه بمذهب مالك وأصحابه، فلقد كان ابن وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه. وقال ابن وضاح: حضر عيسى ويحيى بن يحيى جنازة، فلما صلى عليها، أقبل الناس على عيسى وحفوا به، فقال له يحيى: ما أشك أن الذي ألقى الله لك في قلوب الناس، لخبيئة صالحة عند الله. قال أصبغ بن خليل: كنا نقرأ على عيسى، فإذا مر بذكر الجنة والنار، لم ننتفع به يومنا. وكان ذا هيئة حسنة، وعقل رصين، ومذهب جميل. ولما أصلح سحنون على ابن القاسم كتب أسد، وكان عيسى قد أتى بها، وحضر سؤال أسد لها لابن القاسم، فكتب عيسى إلى ابن القاسم، في رجوعه عما رجع عنه من ذلك مما بلغه، وسأله إعلامه بذلك، فكتب إليه ابن القاسم: اعرضه على عقلك، فما رأيت حسنا فأمضه، وما أنكرته فدعه. وهذا يدل على ثقة ابن القاسم بفقهه. وذكر ابن لبابة عن أبان بن عيسى: أن أباه أجمع في آخر عمره على ترك الفتيا بالرأى، والاعتماد على الأثر، فأعجلته المنية. ولعيسى سماع من ابن القاسم، عشرون كتابا. ولعيسى تأليف في الفقه، يسمى بكتاب الهدية (١١٩) كتب به إلى بعض الأمراء، عشرة أجزاء. قال ابن عتاب: وكتاب الجدار من كتاب الهدية. توفى سنة اثنتى عشرة، وأنجب أولادا فقهاء يأتى ذكرهم.

стр. 963

ومن غريب خبره وكراماته، أنه ذكر أنه سئل في مرضه وحضور موته: من يصلى عليه؟ فقال: ابنى فلان. فحملت جنازته وابنه غائب، فلما وضعت، التمسوا من يصلى عليها، فإذا رجل راكب على حمار، مقبلا نحو الجنازة، فنزل وصلى عليها، فإذا هو ابنه. وقد ذكرت هذه الحكاية أيضا عن إبراهيم بن محمد بن باز، فالله أعلم. عبد الملك زونان وهو عبد الملك بن الحسن، بن محمد، بن زريق، بن عبيد الله، بن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ . من أهل قرطبة، يكنى أبا مروان، وقيل أبا الحسن، ويعرف بزونان بضم الزاي، وبعد الواو نون. قال الحسن: ويقال: اسم جده زريق، بتقديم الزاي وتأخيرها. سمع بالأندلس من صعصعة بن سلام. ورحل فسمع من أشهب، وابن القاسم، وابن وهب، وغيرهم من المدنيين. وهو أقدم هؤلاء كلهم طبقة، وأولهم في الظهور في العلم والفتيا، أفتى في أيام هشام بن عبد الرحمان، وابنه الحكم، وابنه عبد الرحمان بن الحكم، وطال عمره حتى توفى أخريات أيام عبد الرحمان، مع يحيى بن يحيى. قال ابن الفرضى: كان يذهب أولا مذهب الأوزاعي، ثم رجع إلى مدهب مالك، وكان الأغلب عليه الفقه، ولم يكن من أهل الحديث. قال ابن أبي دليم: كان فقيها فاضلا ورعا، أدخل العتبى سماعه في المستخرجة، وزعم الرازى أنه لقى مالكا، ولم يذكر هذا غيره من علماء الرجال والجامعين لرواة مالك من أهل الأندلس وغيرهم، ولا أراه يصح، ولم يرو الفقهاء عنه مسألة.

стр. 964

(٢٨٨) قال أبو عمر الصدفى: له فضل * وخير، ومذهب جميل جدا، من طبقة يحيى، وسعيد بن حسان، وعليه كانت تدور الفتيا. قال الحسن: كان فقيها زاهدا. قال ابن حارث، كان فاضلا، وكان الزهد أغلب خصال الخير عليه. وكتب للقاضى بقرطبة إبراهيم بن العباس، برأى يحيى بن يحيى (١٢٠). وولى أيضا قضاء طليطلة. وكان يحيى بن يحيى يعجب من كلام زونان، أنه قال له: يا أبا محمدا ما أشقى من لم تسعه رحمة الله التي وسعت كل شيء، وضاقت عليه الجنة التي عرضها السماوات والأرض! وتوفى سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة، فيما قاله ابن الفرضي. وقال غيره: سنة أربع وثلاثين. سعيد بن حسان الصائغ مولى الأمير الحكم بن هشام، من أهل قرطبة، يكنى أبا عثمان، رحل إلى المشرق سنة سبع وتسعين ومائة (١٢١)، فروى عن عبد الله بن نافع الزبيرى، وعبد الله بن عبد الحكم، وأشهب بن عبد العزيز، ومنه استكثر، سمع منه سماعه من مالك، وكتب رأيه وغير ذلك، وانصرف إلى الأندلس سنة أربع ومائتين. قال ابن أبي دليم وابن حارث: لم يكن في زمانه أورع منه. وقال ابن حارث: سعيد، يقال أنه كان مجاب الدعوة، لفضله واجتهاده.

стр. 965

قال ابن وضاح: رويت عنه مسائل، وهو ثقة. قال ابن الفرضى: وكان فقيها في المسائل، فاضلا، زاهدا، حافظا، شوور مع يحيى بن يحيى وطبقته، وكان منقطعا إلى مؤاخاة يحيى بن يحيى، آخذا بهديه، معظما له، لا يخالفه في شيء يراه، وكان الأغلب عليه حفظ رأى أشهب وفقهه وروايته عن مالك. حدث عنه ابن باز وغيره. ذكر ابن حارث، أن سعيد بن حسان لقى قاضي قرطبة سعيد بن سليمان الشافعي، وكان ابن حسان منقبضا عنه، فقال له القاضي: أبا عثمان! ما لك تنقبض عنى ولا تأتينى، فوالله ما أريد إلا الحق، ولا أقصد غيره. فقال سعيد بن حسان: والله لو علمت هذا ما قصرت عنك، ولحملت هذه الخريطة بين يديك. قال ابن باز: كنت أعرض على سحنون، فمرت بي مسألة في حاشية كتابي فيها كلام لأصبغ، فذكرته لسحنون، فقال: ايه؟ فظننت أنه يستعيده، فأعدته، فقال: ايه؟ فأعدته. فقال: من جرأك على؟ قلت: أصلحك الله! هو في جانب كتابي، أخبرني به سعيد بن حسان عن أصبغ. فقال: تكذب، سعيد بن حسان أعلم بالله من أن يروى عن أصبغ، إنا لا نعرف بالأندلس إلا يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، وغيرهم حطب النار. وأتاه نصر الفتى يوما، فوجده يصلى متنفلا، فطول صلاته، فانصرف نصر مغضبا يتوعده، فلما أكمل صلاته كلم في ذلك، فقال: كنا بين يدى

стр. 966

الله نناجيه، وسيكفينا أمره من كنا بين يديه، ما كنا لننصرف لنصر، وندع ما كان أولى بنا. ودخل سعيد بن حسان على يحيى بن يحيى، فتعجل له الإذن، وكانت زوجة يحيى حاضرة، فدخلت جنة البيت (١٢٢)، وتركت نعلها في البيت، وكانت زينته بالدر والياقوت، وكانت من المياسير جدا، فلما رآهما سعيد أنكر ذلك جدا، ووبخه، وقال له: هذا من السرف الذي يسأل عنه. وكان متورعا في فتياه، وتوفى سنة ست وثلاثين ومائتين، بعد يحيى بعامين. وسيأتي ذكر ابنه. حارث بن أبي سعيد مولى الأمير عبد الرحمان بن معاوية: قال ابن الفرضى، يكنى أبا عمرو، واسم أبي سعيد "سابق". رحل فسمع من ابن القاسم، وابن كنانة، وغيرهما من المدنيين والمصريين. كان يفتى في آخر أيام الحكم بن هشام، وهو جد بني حارث بقرطبة. وولى الشرطة الصغرى، وهو أول من وليها بالأندلس، فلم يزل عليها إلى أن توفى. (٢٨٩) قال ابن أبي دليم: وعليه مدار * الفتيا في عصره. قال أحمد بن سعيد: هو من أهل العلم والفتيا. قال ابن حارث: واستفتاه ابن بشير. وتوفى حارث، سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فيما قاله أحمد بن عبد البر.

стр. 967

وقال ابن حارث: سنة أحدى وثلاثين. وسيأتي ذكر ابنه. حاتم بن سليمان بن يوسف بن أبي مسلم الزهري قرطبي، رحل مع الأعشى وحارث بن أبي سعيد، فسمع من ابن كنانة وغيره من المدنيين والمصريين. قال ابن أبي دليم: وجل روايته عن ابن كنانة، وكان ابن كنانة يصفه بالفقه ويثنى عليه، وكان ذا زهد وتقى وورع وتواضع. قال ابن الفرضى: وكان فقيها في المسائل والرأي، موصوفا بالفضل والزهد، واليه ينسب المسجد الذي على مقبرة بلاط مغيث بقرطبة. قال أبو سعيد الصدفي: توفى آخر أيام عبد الرحمان بن الحكم وذلك قبل الأربعين ومائتين. محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح المعافري المعروف بالأعشى، قرطبي، يكنى أبا عبد الله. قال ابن الفرضى: رحل في العام الذي مات فيه مالك، وذلك سنة تسع وسبعين ومائة، فسمع من سفيان بن عيينة، ووكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وعيسى بن كنانة، والمخزومي، وغيرهم من العراقيين والمدنيين، وكان الغالب عليه الحديث والأثر، وكان عاقلا، سريا، جوادا. قال ابن أبي دليم: كان في بصره شيء، وكانت له وجاهة في العلم، مع فضل وورع. قال الأعشى: دخلت مصر، فرويت بها أربعين ألف مسألة. قال ابن حارث: يعنى عن ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب سوى ما روى عن أصحاب مالك المدنيين.

стр. 968

قال ابن الفرضى: وكان يذهب في الأشربة مذهب أهل العراق، وكانت فيه دعابة، له فيها أخبار فاشية محفوظة، من غرائبها التي كفت من غربه، أنه كان يمازح كثيرا أبا عقبة الأسوار بن عقبة، ويكنيه أبا عقبة بفتح العين والقاف، فلما ولى الأسوار القضاء بقرطبة، أتاه محمد بن عيسى، فشهد عنده مع آخر من أهل القبول، فأعلم على اسم ذلك دونه، وقال له: زدني بينة. وذلك بمحضر الأعشى. فقال له الأعشى: أظنك أكرمك الله لم تقبل شهادتى! فقال له: أنت أكرمك الله جاد في شهادتك هذه أو هازل؟ فاني أعرفك كثير الهزل، فعرفنى، أن كنت صدعت بها عن حق، فمثلك لا ترد شهادته، وإن كانت من أهزالك فقد وقفتها. فقام عنه الأعشى منقطع الحجة، فكان يقول بعد ذلك: قاتل الله الأسوار، فلقد قطعنى عن كثير مما كنت استريح إليه من الدعابة بعد مجلسي معه، فلربما هممت بالشيء، فأذكر كلامه لي، فيقبضني. * * * قال أحمد بن سعيد، وعوتب في كثرة دعابته، وأن يتركها، فقال: على لم يتركها للخلافة، فأتركها أنا للشهادة والعدالة!! قال أحمد بن عبد البر: كان خيرا، عاقلا حليما جوادا. روى عنه بقي بن مخلد، وأصبغ بن خليل، ونظراؤهما. وأصاب الناس مسغبة، وغلا السعر جدا، فأمر مناديا ينادى في الناس: من أحب أن يبتاع طعاما بسعر يومه، بتأخر عام، فليأت وكيل محمد بن عيسى. وأمر وكيله بذلك، فبادر الناس، فأخذوا منه، حتى أوقف الهرى (١٢٣) الذي أباحه لهذا.

стр. 969

ثم أمر مناديا ينادى: من كان لمحمد بن عيسى عنده شيء فقد وضعه عنه. فقيل له: لو تصدقت به كان أفضل. فقال: لو كان ذلك لم يأخذه إلا من يأخذ الصدقة من الطوافين وشبههم، والآن أخذه الشريف المحتاج، والمتعفف المستور، ومن لا ينكشف لأخذ الصدقة. ومن أهزاله، أن صديقا له رد القاضي شهادته، فجاء إليه مستغيثا (٢٩٠) به، راغبا إليه في أن يسير معه إلى القاضي * فيعدله، فركب، وكان ركوبه حمارا بسرج، فلما كان في بعض الطريق، قال له: يا هذا! كم من ركعة في صلاة الاستسقاء؟ قال: لا أدرى. قال له: ففى صلاة الخسوف؟ قال: لا أدرى. فمضى معه هنيئة، ثم قال: يا هذا! كم في البوق من ثقبة؟ قال: لا أدرى. فقال له: يا هذا! لا الخير تدرى، ولا الشر تدرى، وتلوم القاضي أن يرد شهادتك؟ فرجع وتركه. واختلف في وفاته: فقيل توفى سنة ثمان عشرة، وقيل إحدى وعشرين، وقيل اثنين وعشرين، ومائتين. إسماعيل بن البشر ويقال ابن بشير، ويقال بشير بن محمد، التجيبي، أبو محمد، قرطبي، هو جد ابن الأغبش (١٢٤).

стр. 970

قال ابن الفرضى: كان مفتيا أيام الأمير الحكم بن هشام وابنه عبد الرحمان، وولى الصلاة لعبد الرحمان. وقال ابن يونس: كان من طبقة يحيى بن يحيى، ولى الصلاة أيام عبد الرحمان والحكم، وفيها مات. قال ابن حارث: كان القاضي ابن بشير يستفتى في قضائه زونان، ومحمد بن سعيد السبائى، والغازى بن قيس، والحارث بن أبي سعد، وإسماعيل بن بشر، وقد ذكره ابن حبيب في كتابه يحيى وعباس وطبقاتهم (١٢٥). محمد بن خالد بن مرتنيل مولى عبد الرحمان بن معاوية، يعرف بالأشج، قرطبى، نبيه. رحل فسمع من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن نافع، ونظرائهم من المدنيين والمصريين، وكان الغالب عليه الفقه، ولم يكن له علم بالحديث. وقد ذكره العتبى في المستخرجة. ولى الشرطة والصلاة والسوق بقرطبة. قال الصدفى: قيل أنه كان يخطب عند باب المقصورة من خارج، وبيده عصا، وكان صلبا في أحكامه، ورعا، فاضلا، لا تأخذه في الله لومة لائم، فحمدت سيرته، ولم يزل على وثيرة إلى أن توفى، وكان ينفذ حكمه على أصحاب السلطان، وضرب منهم رجلا، وحبسه (١٢٦)، وشنع ذلك عليه عند الأمير، فوجه إليه، وأوصى إليه (١٢٧)، لم فعلت هذا به؟ فقال له: لم أفعله أنا، الأمير أعزه الله فعله، لأنه ولاني، وأمرني بنصفة الحقوق وتغيير المنكر على جميع الناس، ولم يستثن هذا ولا غيره، ولو استثناه كنت أفعل ما يأمرنى به.

стр. 971

فأعرض عنه وروي أنه عزله مرة، فعزله غدوة، ثم رده عشية، لما رأى في ذلك من الصلاح. وقال لأصحابه: تحفظوا منه. قال يحيى: حملني ابن بشير مسائل أسأل عنها ابن القاسم، فأجابني فيها، ثم قدم محمد بن خالد من المدينة، فسأله أيضا عنها، فخالفت روايتي روايته، فغدوت على ابن القاسم فقلت له: يا أبا عبد الله! وفدنا إليك بمسائل أنا وصاحبي، وأهل بلدنا ينظرون إلينا، وقد اختلفت روايتنا عنك، فمتى سرنا إلى بلدنا عن رجل واحد، بروايتين مختلفتين في شيء واحد، أدخلنا عليهم فتنة، فتدارك النظر فيها. فقال: صدقت ونصحت، ثم أرسل إلى صاحبي فقال له: أوهمت عليك، فرد ما معك إلى ما مع صاحبك. ففعلنا. وتوفى سنة عشرين ومائتين، وقيل سنة أربع وعشرين، وله اثنان وسبعون سنة. وبيته بقرطبة بيت نبيه في العلم والسؤدد وصحبة السلطان. وسيأتي ذكر ولده إن شاء الله. قاسم بن هلال بن يزيد بن عمران بن مالك القيسي أبو محمد، قرطبى. سمع بالأندلس من زياد بن عبد الرحمان. ورحل فسمع من ابن القاسم، وابن وهب، وغيره، وأخذ من المدنيين والمصريين من أصحاب مالك (١٢٨).

стр. 972

وكان عالما بالمسائل، ولم يكن له علم بالحديث، وكان رجلا مفضلا (١٢٩) وقورا، ذا فضل وورع. وكان سحنون يؤثر ابنه لاجتماعه معه عند ابن القاسم. روى عنه بنوه. واختلف في * وقت وفاته، فقيل: سنة إحدى، وقيل سنة سبع، وثلاثين ومائتين. وبيته بيت نبيه في العلم بقرطبة، ساد هو وبنوه، وسيأتي ذكرهم ان شاء الله. سعيد بن محمد بن بشير قد قدمنا في ذكر أبيه نسبه وأوليته. ولى القضاء بقرطبة بعد والده فيما قيل، وكان رجلا صالحا عاقلا، سمع من يحيى وغيره، وكان يشاوره في بعض المجالس، وكان له على محبة وبر وصحبة. قال ابن حارث: وكان نبيلا فاضلا، معينا لأبيه على العدل، بصيرته من بصير أبيه في جميل المذهب، واستقامة الطريقة. وكان سبب ولايته القضاء، أن ربيعا القومس، أودعه وديعة، فلما سخط عليه، وهتف الأمير: "من كان لربيع عنده وديعة ولم يظهرها بعد ثلاث، سفك دمه ونهب ماله" تحير، فأتى يحيى بن يحيى فاستشاره، فاستفظع يحيى الأمر، ثم فكر طويلا فقال له: أرى والله ألا تخفر أمانتك، للحديث الذي جاء: (أد الأمانة إلى البر والفاجر). وفشى الخبر حتى انتهى إلى الأمير، فدعا سعيدا وقال له: ما حملك على ما فعلت، وقد سمعت النداء والعزيمة؟

стр. 973

فقال سعيد: للحديث الذي جاء - وذكره - قال: ولا أفجر من ربيع. فقال الأمير للوزراء: هذا رجل مأمون، فولاه القضاء. توفى فيما قاله الرازى سنة عشر ومائتين، وقال ابن حارث: سنة إحدى عشرة. حسين بن عاصم بن كعب بن محمد بن علقمة ابن حباب، بن مسلمة، بن عدي، بن مرة، بن عوف، الثقفى. ويقال: عاصم بن مسلم، بن كعب، بن حباب، بن علقمة، بن هلال، ابن كعب، بن يوسف، بن الحكم، بن أبي عقيل، بن عروة، بن مسعود الثقفى. ويقال: أنه مولى عبد الرحمان بن يعقوب أبى الحكم الثقفى، وهو المشهور. أبو الوليد، قرطبى حسيب. أبوه عاصم يعرف بالعريان، لأنه أول من شق نهر قرطبة وهو عريان، بين يدى الأمير عبد الرحمان بن معاوية الداخل، عند قصده قرطبة. رحل حسين فسمع من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن نافع، ونظرائهم، وأدخل العتبى سماعه في المستخرجة، وأسقطه منها قوم. قال الشيرازى عنه: كان في سن عيسى بن دينار، ويعتمد عليه ابن حبيب في الأسمعة، ولم يقل الشيرازى شيئا في هذا. قال ابن أبي دليم: كان من الفقهاء بقرطبة، وعدة من ذكر في هذه الطبقة (١٣٠).

стр. 974

وتوفى فيما ذكره أصحاب التاريخ: سنة ثمان ومائتين وأما ابن عبد البر: فزعم أنه ولى السوق أيام الأمير محمد، وكان شديدا على أهلها في القيام بضرب الباعة على ذلك ضربا مبرحا، أنكر عليه، فسقط بذلك. وزعم أنه توفى سنة ثلاث وستين، أيام الأمير محمد، وهذا بعيد من الخلاف. وقال غيره: توفى سنة ثمان وستين ومائتين، وزعم أن سنه يوم توفى سبعون سنة. وهذا أبعد، إذ لو صح هذا، لما صح له سماع من ابن القاسم، وابن وهب، لأنه إن كان مات سنة ثلاث أو ثمان وستين، وسنه سبعون، فلم يولد إلا بعد موتهما، لأن ابن القاسم مات سنة إحدى وتسعين، وابن وهب سنة بضع وتسعين على خلاف في تعيين سنة موته في ذلك، أو يكون مات ابن وهب، وهو من السن في حيز من لا سماع له، كيف ولم يكن ببلده، وإنما رحل إليه في سن من تصح رحلته، فالأشبه، والله أعلم، أن وفاته كانت متقدمة، وإثبات العتبى سماعه في المستخرجة، يبعد تراخى موته إلى هذا الوقت، لأن العتبى توفى سنة خمس وخمسين ومائتين، قبله - على هذا - بمدة. وتوفى ابنه إبراهيم بن حسين بن عاصم، سنة ست وخمسين، وكان أيضا قد تصرف في الولاية، للأمير محمد، وبلغ في الشدة مبلغا حاد فيه عن سنن القضاء. وسيأتي ذكره، فلعل من أجل اشتباه هذا، دخل هذا الوهم والخلاف، والله أعلم. ومات ابن القاسم، وقد بقيت على حسين مقابلة كتبه بأصوله، بعد تمام سماعه منه، فجاء أصبغ بن الفرج (١٣١)، وقال له: أنت خلف أبى عبد الله، فلو أخليت نفسك، قرأت عليك ما بقى على.

стр. 975

فقال له أصبغ. أشهب وابن وهب شيخان حيان. فقال: أنت عندى أجل. فأسعفه، فلما تم له مراده، قال له: إنما ذهبت إلى المقابلة لصحة كتبك، وأما السماع فلا تحسب ذلك، فأنى أقدم منك سماعا وعناية، أفأعود إلى الحافرة!؟ قال ابن وضاح: قلت لسحنون: إن ابن عاصم يحلف الناس بقرطبة بالطلاق. قال: ومن أين أخذ هذا؟ قلت له: من قول مالك: "يحدث الناس فتحدث لهم أقضية". فقال سحنون: ابن عاصم يتأول هذا التأويل؟ قال الصدفي: وابن عاصم المذكور، هو هذا. عبد الملك بن حبيب قال القاضي أبو الوليد بن الفرضى في كتابه في رجال الأندلس: هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة (١٣٢) بن عباس، ابن مرداس، السلمى، يكنى أبا مروان. ونقلت عن خط الحكم المستنصر بالله: أنه عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان. وقال على بن معاذ عن علي بن الحسن: أنه عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن حبيب السلمى، وكان يعرف أبوه بحبيب العطار. قال ابن الفرضى: قيل أنه من مواليهم. قال ابن حارث: من أنفسهم، كان بألبيرة. قال بعضهم: كان يعصر الأدهان، ويستخرجها.

стр. 976

كان أصلهم من طليطلة، وانتقل جده سليمان إلى قرطبة، وانتقل أبو حبيب وإخوته في فتنة الربض إلى ألبيرة. وروى بالأندلس عن صعصعة بن سلام، والغازى بن قيس، وزياد بن عبد الرحمان. ورحل سنة ثمان ومائتين، وقيل سنة سبع، فسمع ابن الماجشون، ومطرفا، وإبراهيم بن المنذر، وعبد الله بن نافع الزبيري، وابن أبي أويس، وعبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن المبارك الخزامى، وأصبغ بن الفرج، وأسد بن موسى، وجماعة سواهم، وانصرف إلى الأندلس سنة عشر، وقد جمع علما عظيما. قال ابن حارث: فنزل بلدة ألبيرة، وقد انتشر سموه في العلم والرواية، فنقله الأمير عبد الرحمان بن الحكم إلى قرطبة، ورتبه في طبقة المفتين بها، فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة، وكان الذي بينهما سيئا جدا. وقال غيره: وتقدمه يحيى للممات، فانفرد عبد الملك بعده بالرئاسة مديدة. سمع منه ابناه: محمد وعبد الله، وسعيد بن نمير، وأحمد بن راشد، وإبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن شعيب، ومحمد بن فطيس، وروى عنه من علماء القرطبين مطرف بن قيس، وبقي بن مخلد، وابن وضاح، والمغامى، في جماعة، وكان المغامي آخرهم موتا. ذكر مكانه من العلم وثناء الفضلاء عليه قال ابن الفرضى: كان عبد الملك حافظا للفقه على مذهب مالك نبيلا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا معرفة بصحيحه من سقيمه. وقال ابن لبابة - ويروى مثله عن ابن مزين -: عبد الملك عالم الأندلس.

стр. 977

وسئل ابن الماجشون: من أعلم الرجلين: القروى التنوخي، أم الأندلسي السلمي؟ فقال: السلمي مقدمه علينا *، أعلم من التنوخي منصرفه عنا. ثم قال للسائل: أفهمت؟ قال أحمد بن عبد البر: كان جماعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيه البدن، نحويا، عروضيا، شاعرا، نسابة، أخباريا، وكان أكثر من يختلف إليه، الملوك وأبناؤهم وأهل الأدب. وقال مثله ابن فحلون. قال: وكان يأبى إلا معالى الأمور. وقال إبراهيم بن القاسم بن هلال: رحم الله عبد الملك بن حبيب، فلقد كان ذابا على قول مالك. وذكر أنه لما رحل، قال عيسى: إنه لأفقه ممن يريد أن يأخذ عنه العلم. قال سعيد بن نمير: حدثنا المأمون عبد الملك بن حبيب، لا أراه الله في آخرته قبيحا. قال غيره: رأيته يخرج من الجامع، وخلفه نحو من ثلاثمائة، بين طالب حديث، وفرائض، وفقه، وإعراب. وقد رتب الدول عليه كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ فيها عليه شيء، إلا تواليفه وموطأ مالك (١٣٣). وذكروا أنه كان يلبس الخز والسعيدي. قال ابن نمير: وإنما كان يفعله إجلالا للعلم وتوقيرا له، وأنه كان يلبس إلى جسمه مسح شعر تواضعا، وكان صواما قواما.

стр. 978

قال: وعذلته على مآخذه (١٣٤) على قلة ماله، فقال لي: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: مالان. القناعة بما في يدى، واليأس مما في أيدى الناس. وأنا أقول: لي مالان، غنى في ظاهر أمرى، وقصد في خاصة نفسي. قال غيره: أكثر فقهاء الأندلس وشعرائهم، فعن عبد الملك أخذ، ومن مجلسه نهض. قال المغامى: لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لازدريت غيره. وذكر الزبيرى أنه نعى إلى سحنون، فاسترجع، وقال: مات عالم الأندلس، بل - والله - عالم الدنيا. وبهذا يرد ما روى عنه من خلاف هذا. وذكره الشيرازي فقال: فقيه الأندلس. وذكره أيضا ابن الفرضى في كتابه المؤلف في طبقات الأدباء، فجعله صدرا فيهم، وقال: كان قد جمع إلى إمامته في الفقه، التبحر في الأدب (١٣٥)، والتفنن فيه، وفى ضروب العلوم، وكان فقيها مفتيا نحويا لغويا نسابة أخباريا عروضيا فائقا شاعرا محسنا مرسلا حاذقا مؤلفا متقنا ذكر بعض المشيخة: أنه لما دنا من مصر في رحلته، أصاب جماعة من أهلها بارزين لتلقى الرفقة على عادتهم، فكلما أطل عليهم رجل له هيأة ومنظر، رجموا الظن فيه، وقضوا بفراستهم عليه، حتى رأوه، وكان ذا منظر جميل، فقال قوم: هذا فقيه، وقال آخرون: بل شاعر، وقال آخرون: طبيب، وقال آخرون: خطيب. فلما كثر اختلافهم، تقدموا نحوه، وأخبروه باختلافهم فيه، وسألوه عما هو.

стр. 979

فقال لهم كلكم قد أصاب، وجميع ما قررتم أحسنه، والخبرة تكشف الخبرة، والامتحان يجلى عن الإنسان. فلما حط رحله ولقى الناس، شاع خبره، فقصد إليه كل ذى علم يسأله عن فنه، وهو يجيبه جواب متحقق، فعجبوا من ثبوت علمه. وقصدته طائفة من المتفقهة، وقد أعدوا له مسائل من الحج، لا يزالون يقتنصون بها متفقهة الأندلس، ففطن لمرادهم، وكان عهده بعيدا بمطالعة كتب الحج، فلما فاتحوه بها آخر مجلسهم، اعتذر بقيامه فيما لابد للغريب منه، ووعدهم لغد يومه، وأتى رحله، وسهر ليلته على مطالعة مسائل الحج، حتى أحكم النظر فيها، فلما كان من الغد تهافتوا على مطارحته صعابها، فأجابهم عنها جواب عالم. وذكر أنهم أخذوا عنه وعطلوا حلق علمائهم. قال ابن وضاح: كنت عند الخزامى، فقيل له: ابن حبيب سمع التاريخ؟ فقال رحم الله أبا مروان (١٣٦)، فإنه وإنه - يثنى عليه. ذكر ابن حارث أن ابن المواز أثنى عليه بالعلم والفقه. وكان إبراهيم بن قاسم يقول: رحم الله عبد الملك، لقد كان ذابا عن قول مالك، وإن خالفه في البعض، ما نزع إلا إلى الحق، ولا أخذ إلا بالصواب. وقال العتبى - وذكر الواضحة -: رحم الله عبد الملك، ما أعلم أحدا ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه، ولا لطالب أنفع من كتبه، ولا أحسن من اختياره. وقال محمد بن أبي زيد، في صدر النوادر - وذكر اختيار سحنون وأصبغ وعيسى وابن عبدوس وابن سحنون وابن المواز - قال: وليس يبلغ ابن حبيب في اختياره وقدره رواياتهم (١٣٧) مبلغ من ذكرنا؟

стр. 980

وقيل للمغامى: لو أوضحت هذا السماع في واضحة ابن حبيب - يريد ما لم يوضحه ابن حبيب من كتابه فقال المغامى: حاولت ذلك، فوجدت نفسى معه كمرقع الخز باللبود! وقال بعضهم: ركبت البحر إلى الأندلس مع ابن حبيب، فهال علينا، وخشينا العطب، فرأيت ابن حبيب متعلقا بحبال السفينة، وهو يقول: اللهم إن كنت تعلم أنى انما أردت بما ابتغيته وجهك وما عندك، فخلصنا برحمتك وانفع بما أتيت به عبادك. فما كان إلا يسير، حتى سكنت الحال، ووصلنا سالمين بحمد الله. ذكر تواليفه وألف ابن حبيب كتبا كثيرة حسانا في الفقه والتواريخ والأدب، منها الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه، لم يؤلف مثلها، والجوامع، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب حروب الإسلام، وكتاب المسجدين، وكتاب سيرة الإمام في الملحدين، (١٣٨) وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، وكتاب مصابيح الهدى. قال بعضهم: فسمى ابن الفرضى هذه الكتب، وهذه الأسماء، وهى كلها يجمعها كتاب واحد، لأن ابن حبيب إنما ألف كتابه على عشرة أجزاء، الأول تفسير الموطأ حاشا الجامع، والثاني شرح الجامع، والثالث والرابع والخامس في حديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وكتاب مصابيح الهدى جزء منها، ذكر فيه من الصحابة والتابعين، والعاشر طبقات الفقهاء، وليس فيها أكثر من الأولى، وتحامل في هذا الشرح على أبي عبيد والأصمعي وغيره، وانتحل كثيرا من كلام أبي عبيد، وكثيرا ما يقول فيه: أخطأ شارح العراقيين. وأخذ عليه فيه تصحيف قبيح، وهو أضعف كتبه.

стр. 981

ومن تواليف ابن حبيب أيضا كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض (١٣٩)، وكتاب الفرائض، وكتاب السخاء واصطناع المعروف وكتاب كراهية الغناء. قال بعضهم: قلت لعبد الملك: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتابا. وقال عبد الأعلى بن معلى: هل رأيت كتبا تحبب عبادة الله (١٤٠) تعالى إلى خلقه، وتعرفهم به، ككتب عبد الملك بن حبيب؟ يريد كتبه في الرغائب والرهائب. ومنها كتب المواعظ، سبعة، وكتب الفضائل، سبعة: فضائل النبي ﷺ والصحابة، وفضائل عمر بن عبد العزيز، وفضائل مالك بن أنس، وكتاب أخيار قريش وأخبارها وأنسابها، خمسة عشر كتابا، وكتاب السلطان، وسيرة الإمام، ثمانية كتب، وكتاب الباه والنساء (١٤١)، ثمانية كتب، وغير ذلك من كتب سماعاته في الحديث والفقه، وتواليفه في الطب، وتفسير في القرآن (١٤٢)، ستون كتابا، وكتاب المغازى، والناسخ والمنسوخ، ورغائب القرآن، وكتاب الرهون والمغارم (١٤٣)، والحدثان (١٤٤)، خمسة وتسعون كتابا، وكتاب مقام رسول الله ﷺ ، اثنان وعشرون كتابا، وكتابه في النسب، وفى النجوم، وكتاب الجامع تأليفه، وهي كتب فيها مناسك النبي ﷺ ، وكتاب الرغائب، وكتاب الورع في العلم، وكتاب

стр. 982

الورع في المال، وكتاب الرياء (١٤٥) وكتاب الحكم والعمل بالجوارح، وغير ذلك. ذكر ما تحومل به عليه قال بعضهم: كان الفقهاء يحسدون عبد الملك بن حبيب لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها. قال أحمد بن خالد: لم يخرج ابن وضاح لابن حبيب شيئا، وكان لا يرضى عنه. قال أبو محمد القلعي: سألت وهب بن ميسرة، عن قول ابن وضاح في ابن حبيب، فقال: ما قال لي فيه خيرا ولا شرا، إلا أنه قال: لم يسمع من أسد. وحكى الباجي وابن حزم أن أبا عمر بن عبد البر كان يكذبه، وقد ذكرنا في أخبار ابن وهب بعد هذا قصته التي تحومل عليه بها، وليس فيها ما تقوم به دلالة على تكذيبه وترجيح نقل غيره على نقله. وكان أحمد بن خالد سيء الرأى فيه (١٤٦). قال ابن الفرضى: لم يكن لابن علم بالحديث، وكان لا يعرف صحيحه من سقيمه، وذكر عنه أنه كان يتساهل في سماعه ويحمل على طريق الإجازة أكثر روايته. قال ابن وضاح: قال لي الخزامى: أتاني صاحبكم ابن حبيب بغرارة مملوءة كتبا، فقال لي: هذا علمك تجيزه لي. فقلت له: نعم. ما قرأ على منه حرفا، ولا قرأته عليه. وفى رواية أخرى: رحم الله أبا مروان فأنه وأنه (١٤٧) - يثنى عليه.

стр. 983

قال ابن أبي مريم: كان ابن حبيب عندنا نازلا بمصر، وما كنت رأيت أدوم منه على الكتاب، دخلت إليه في القائلة في شدة الحر، وهو جالس على سدة، وعليه طويلة، فقلت: قلنسوة في مثل هذا؟ فقال: هي تيجاننا. فقلت: فما هذه الكتب؟ متى تقرأ هذه؟ (١٤٨) فقال: ما أشتغل بقراءتها، قد أجازها لي صاحبها. فخرجت من عنده، فأتيت أسدا، فقلت: أيها الشيخ! تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيز لغيرنا!؟ فقال: أنا لا أرى القراءة، فكيف أجيز؟ إنما أخذ منى كتبى يكتب منها ليردها على (١٤٩). قال خالد: إقرار أسد له بروايتها، ودفع كتبه لنسخها، هي الإجازة بعينها. وذكر عن يونس قال: أعطانا يونس كتبه عن ابن وهب، فقابلنا بها، فقلت: أصلحك الله! كيف نقول في هذا؟ قال: إن شئتم قولوا حدثنا، وإن شئتم قولوا أخبرنا. قال القاضي أبو الفضل ﵁: وقد قال مالك ﵀ لمن سأله عن الأحاديث التي كتبها من حديث ابن شهاب ليحيى بن سعيد الأنصارى - وقال له: أقرأها عليك؟ - فقال: كان أفقه من ذلك. أي أن مثل هذا يعني عن القراءة. وقد بينا هذا الأصل في كتاب الإلماع إلى أصول الرواية وضروب السماع. وحكى ابن الفرضى أنه ذكر أن ابن حبيب كان يأخذ بالرخصة في السماع، وأنه كان له جوار يسمعنه، وقد عرض له الغزال الشاعر بذلك، فيما آذاه به من شعره، وآذى به غيره من الفقهاء.

стр. 984

قال القاضي أبو الفضل ﵁: الأشبه بطلان هذه الحكاية، فإن لابن حبيب كتابا في كراهة الغناء. قال القاضي منذر بن سعيد: لو لم يكن من فضل عبد الملك، إلا أنك لا تجد أحدا ممن تحكى عنه معارضته والرد لقوله ساواه في شيء. وأكثر ما تجد أحدهم يقول: كذب عبد الملك، وأخطأ. ثم لا يأتى بدليل على ما ذكره. ذكر باقي أخباره وفضائله ونوادر أشعاره ذكروا أنه رفع إلى الأمير عبد الرحمان بن الحكم أن قاضيه إبراهيم بن العباس المرواني، ويحيى بن يحيى، وجماعة، يعملون على خلعه، وتقديم القاضي إبراهيم مكانه، وأن القاضي لا يقبل من أهل قرطبة إلا من أشار يحيى بقبوله، وكان يحيى هو الذي أشار على الأمير بتوليته القضاء، وأن يكون زونان كاتبه. فوجه الأمير في ابن حبيب وقال له: تعلم يدى عندك، وأريد أن أسألك عن شيء فاصدقني فيه. فقال: نعم، لا تسألني عن شيء إلا صدقتك فيه. فقال له: أنه رفع إلينا عن يحيى، والقاضى، أنهما يعملان علينا في هذا الأمر. فقال له ابن حبيب: قد علم الأمير ما بينى وبين يحيى، ولكني لا أقول عليه إلا الحق، ليس يجيء من يحيى إلا ما يجيء منى، وكل ما رفع عليه فباطل، وأما القاضي، فلا ينبغى للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه. فعزل القاضي. وقد رأينا أن يحيى قارضه أيضا بمثل هذا، ولست أعلم أي قصة قبل صاحبتها.

стр. 985

وقد ذكر أن بعض جيرة ابن حبيب، اشتكى إليه بأن بعض المتصرفين لبعض الوزراء، يؤذيه ويستطيل عليه، فأمر عبد الملك برصده، فجيء به إليه، فضرب بين يديه ضربا مبرحا، فشكا إلى صاحبه، فكتب إلى يحيى وذكر له ما صنع ابن حبيب بخاصته وحاشيته، وسأله تأييده عليه عند الأمير، فكتب إليه يحيى: ما كنا لنعينك على العلم وأهله، وأيم الله لأقلامنا أبعد من سهامكم، فانصرف عن رأيك، والسلام. وذكر أنه لما أراد أن يرحل، سأل عيسى بن دينار أن يوصيه في مذهبه في رحلته، فقال له عيسى: إذا صحبت عالما فلا تظهر له ما عندك فيحرمك ما عنده (١٥٠). * * * ومن فتاويه، القصة المشهورة، وذلك أن المعروف بابن أخى عجب، كان قد تكلم بعبث من القول في يوم غيم، شهد به عليه، فأمر الأمير عبد الرحمان بحبسه، فكلمته عمة عجب في إطلاقه (١٥١) - وكانت مكينة عند الأمير في حظاياه - فقال لها: يكشف أهل العلم عما يجب عليه. وأمر وإلى المدينة بإحضار الفقهاء، فيهم القاضي موسى بن زياد، وابن حبيب، وأصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب، وأبو زيد بن إبراهيم، وأبان بن عيسى، فشاورهم، فتوقفوا كلهم عن سفك دمه، إلا ابن حبيب وأصبغ. ورفعت فتاويهم إلى الأمير، فاستحسن قول عبد الملك وأصبغ، وخرج عليهم فتى يقول لصاحب المدينة: قد فهم الأمير ما أفتى به القوم في أمر هذا الفاسق، وهو يقول للقاضي: اذهب فقد عزلتك، وأما أنت يا فلان، فقد كان الشيخ يحيى يشهد عليك بالزندقة، ومن كانت هذه صفته فحرى ألا تسمع فتياه، وأما أنت يا فلان، فأردنا أن نوليك قضاء جيان فزعمت
следующие страницы →