الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر. وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر وطبخت. فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله صلي الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت. فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد الطلب، يسقون على زمزم. فقال: انزعوا بني عبد المطلب. فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه» رواه مسلم. وكان ﷺ يفعل المناسك، ويقول للناس: «خذوا عني مناسككم» فأكمل ما يكون من الحج: الاقتداء فيه بالنبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه ﵃.
ولو اقتصر الحاج على الأركان الأربعة، التي هي: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والواجبات، التي هي: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أيام التشريق بمنى، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير: - لأجزأه ذلك.
стр. 107
والفرق بين ترك الركن في الحج، وترك الواجب: أن تارك الركن لا يصح حجه حتى يفعله على صفته الشرعية، وتارك الواجب: حجه صحيح. وعليه إثم ودم لتركه.
ويخير من يريد الإحرام بين التمتع، وهو أفضل، والقران، والإفراد.
فالتمتع هو: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامِه، وعليه هدي إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام.
والإفراد هو: أن يحرم بالحج من الميقات مفرداً.
والقران: أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. ويضطر المتمتع إلى هذه الصفة إذا خاف فوات الوقوف بعرفة لو اشتغل بعمرته، وإذا حاضت المرأة أو نفست وعرفت أنها لا تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة.
والمفرد والقارن فعلهما واحد. وعلى القارن هدي دون المفرد.
стр. 108
ويجتنب المحرم جميع محظورات الإحرام: من حلق الشعر، وتقليم الأظفار، والطيب، ومن لبس المخيط وتغطية رأسه إن كان رجلاً وكذلك يحرُم على المحرم: قتل صيد البر الوحشي المأكول والدلالة عليه والإعانة على قتله. وأعظم محظورات الإحرام: الجماع. لأن تحريمه مغلظ، مفسد للنسك موجب لفدية بدنة.
وأما فدية الأذى، إذا غطى رأسه، أو لبس المخيط، أو غطت المرأة وجهها، أو لبست القفازين، أو استعمال الطيب: فيخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
وإذا قتل الصيد خير بين ذبح مثله- إن كان له مثل من النَّعَم. وبين تقويم المثل بمحل الإتلاف، فيشتري به طعاما فيطعمه " لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وأما دم المتعة والقران: فيجب فيه ما يجزئ في الأضحية، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، ويجوز أن يصوم
стр. 109
أيام التشريق منها، وسبعة إذا رجع وكذا حكم من ترك واجباً، أو وجبت عليه الفدية لمباشرة.
وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام: فلمساكين الحرم من مقيم وآفاقي.
ويجزئ الصوم بكل مكان.
ودم النسك- كالمتعة والقران والهدي- المستحب: أن يأكل منه ويهدي ويتصدق.
والدم الواجب لفعل المحظور، أو ترك الواجب- ويسمى دم جبران- لا يأكل منه شيئاً، بل يتصدق بجميعه؛ لأنه يجري مجرى الكفارات.
وشروط الطواف مطلقاً: النية، وأن يبدأ من الحَجَر. ويسن له أن يستلمه ولقبله. فإن لم يستطع أشار إليه، ويقول عند ذلك: "بسم الله، الله أكبر"، وبين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وأن يجعل البيت عن يساره، ويكمل الأشواط السبعة، وأن يتطهر من الحدث والخبث. وليس للطواف ذِكْر معين غير ما تقدم.
стр. 110
والطهارة في سائر الأنساك- غير الطواف- سنة غير واجبة، وقد ورد في الحديث: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» .
ويسن له أن يضطبع في طواف القدوم: بأن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفه على عاتقه الأيسر، وأن يرمل في الثلاثة أشواط الأوائل منه ويمشي في الباقي. وكل طواف سوى هذا لا يسن فيه رمل ولا اضطباع، ويذكر الله بما شاء.
وشروط السعي: النية، وتكميل السبعة، والابتداء من الصفا.
والمشروع: أن يكثر الإنسان في طوافه وسعيه وجميع مناسكه من ذكر الله ودعائه، لقوله ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين. وإنها لم تحل لأحد كان قبلي. وإنما
стр. 111
حلت لي ساعة من نهار. وإنها لن تحل لأحد بعدي. فلا ينفر صيدها، ولا يختلي شوكها، ولا تحل ساقطتها لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين. فقال العباس: إلّا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال: إلّا الإذخر» متفق عليه. وقال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» رواه مسلم وقال: «خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» متفق عليه.
[باب الهدي والأضحية والعقيقة]
باب الهدي والأضحية والعقيقة تقدم ما يجب من الهدف، وما سواه سنة. وكذلك الأضحية والعقيقة.
ولا يجزئ فيها إلا الجذع من الضأن. وهو ما تم له نصف سنة، والثني من الإبل: من له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة، قال ﷺ : «أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها،
стр. 112
والعرجاء البين ضلعها، والكبيرة التي لا تنقى» صحيح رواه الخمسة.
وينبغي أن تكون كريمة كاملة الصفات. وكلما كانت أكمل فهي أحب إلى الله وأعظم لأجر صاحبها، وقال جابر: «نحرنا مع النبي ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» رواه مسلم. وتسن العقيقة في حق الأب، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، قال ﷺ : «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه، ويسمى» صحيح رواه الخمسة.
ويأكل من المذكورات، ويهدي ويتصدق. ولا يعطي الجازر أجرته منها، بل يعطيه هدية أو صدقة.
[كتاب البيوع]
كتاب البيوع الأصل فيه الحل، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
فجميع الأعيان- من عقار وحيوان وأثاث وغيرها- يجوز إيقاع
стр. 113
العقود عليها إذا تمت شروط البيع. فمن أعظم الشروط: الرضى: لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] إلا أن يكون فيه غرر وجهالة، لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الغرر» رواه مسلم.
فيدخل فيه بيع الآبق والشارد، وأن يقول: بعتك إحدى السلعتين، أو بمقدار ما تبلغ الحصاة من الأرض ونحوه، أو ما تحمل أمته أو شجرته، أو ما في بطن الحامل وسواء كان الغرر في الثمن أو المثمن، وأن يكون العاقد مالكاً للشيء، أو له عليه ولاية، وهو بالغ عاقل رشيد.
ومن شروط البيع أيضاً: أن لا يكون فيه ربا. عن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح؟ مثلاً بمثل سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى» رواه مسلم. فلا يباع مكيل بمكيل من جنسه إلا بهذين الشرطين، ولا موزون بجنسه إلا كذلك. وإن بيع مكيل بمكيل من غير جنسه أو موزون بموزون من غير جنسه: جاز، بشرط التقابض قبل التفرق. وإن
стр. 114
بيع مكيل بموزون أو عكسه: جاز ولو كان القبض بعد التفرق. والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، كما «نهى النبي ﷺ عن بيع المزابنة، وهو شراء التمر بالتمر في رؤوس النخل» متفق عليه و «رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق للمحتاج للرطب ولا ثمن عنده يشتري به بخرصها» رواه مسلم.
ومن الشروط: أن لا يقع العقد على محكم شرعاً، إما لعينه كما «نهى النبي ﷺ عن بيع الخمر والميتة والأصنام» متفق عليه، وإما لما يترتب عليه من قطيعة المسلم، كما «نهى النبي ﷺ عن البيع على بيع المسلم، والشراء على شرائه والنجش» متفق عليه.
ومن ذلك: نهيه ﷺ عن التفريق بين ذوي الرحم في الرقيق.
ومن ذلك: إذا كان المشتري يعلم منه أنه يفعل المعصية بما اشتراه- كاشتراء الجوز والبيض للقمار، أو السلاح للفتنة، أو لقطع الطريق- ونهى النبي ﷺ عن تلقي الجلب، فقال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار» رواه مسلم. وقال: «من غشنا ليس منا» رواه مسلم.
ومثل الربا الصريح: التحيل عليه بالعينة، بأن يبيع سلعة بمائة إلى أجل ثم يشتريها من مشتريها بأقل منها نقداً أو بالعكس
стр. 115
أو بالتحيل على قلب الدين أو التحيل على الربا بالقروض، بأن يقرضه مائة ويشترط. الانتفاع بشيء من ماله، أو إعطاءه عن ذلك عوضاً. فكل قرض جر نفعاً فهو ربا.
ومن التحيل: بيع حلي فضة معه غيره بفضة، أو مد عجوة ودرهم بدرهم، و «سئل النبي ﷺ عن بيع التمر بالرطب؟ فقال: أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك» رواه الخمسة. و «نهى عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلها، بالكيل المسمى من التمر» رواه مسلم.
وأما بيع ما في الذمة: فإن كان على من هو عليه: جاز. وذلك بشرط قبض عوضه قبل التفرق. لقوله ﷺ : «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء» رواه الخمسة. وإن كان على غيره لا يصح. لأنه من الغرر.
[باب بيع الأصول والثمار]
باب بيع الأصول والثمار قال ﷺ : «من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» متفق عليه. وكذلك سائر الأشجار إذا كان ثمره
стр. 116
بادياً. ومثله إذا ظهر الزرع الذي لا يحصد إلّا مرة واحدة، فإن كان يحصد مراراً فالأصول للمشتري والجَرة الظاهرة عند البيع: للبائع. و «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع " وسئل عن صلاحها؟ فقال: "حتى تذهب عاهته» وفي لفظ: «حتى تحمار أو تصفار» و «نهى عن بيع الحب حتى يشتد» رواه أهل السنن. وقال: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» رواه مسلم.
[باب الخيار وغيره]
باب الخيار وغيره إذا وقع العقد صار لازماً، إلا لسبب من الأسباب الشرعية.
فمنها: خيار المجلس. قال النبي ﷺ : «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر. فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك: فقد وجب البيع. وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع» متفق عليه.
стр. 117
ومنها: خيار الشرط. إذا شرط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة. قال ﷺ : «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراما أو حرم حلالًا» رواه أهل السنن.
ومنها: إذا غبن غبناً يخرج عن العادة، إما بنجش أو تلقي جلب أو غيرها.
ومنها: خيار التدليس، بأن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن كتصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام. قال ﷺ «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها. إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» متفق عليه. وفي لفظ «فهو بالخيار ثلاثة أيام» .
وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبه، فله الخيار بين رده وإمساكه. فإن تعذر رده تعين أرشه. وإذا اختلفا في الثمن تحالفا. ولكل منهما الفسخ.
وقال ﷺ : «من أقال مسلماً بيعته أقاله الله عثرته» رواه أبو داود وابن ماجه.
стр. 118
[باب السلم]
باب السلم يصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بجميع صفاته التي يختلف بها الثمن، وذكر أجله، وأعطاه الثمن قبل التفرق. عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم؛ إلى أجل معلوم» متفق عليه. وقال ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» رواه البخاري.
[باب الرهن والضمان والكفالة]
باب الرهن والضمان والكفالة وهذه وثائق بالحقوق الثابتة:
فالرهن: يصح بكل عين يصح بيعها. فتبقى أمانة عند المرتهن، لا يضمنها إلا إن تعدى أو فرَّط، كسائر الأمانات، فإن حصل الوفاء التام انفك الرهن. وإن لم يحصل، وطلب صاحب الحق بيع الرهن: وجب بيعه والوفاء من ثمنه. وما بقي من الثمن
стр. 119
بعد وفاء الحق: فلربِّه. وإن بقي من الدين شيء: يبقى دينا مرسلًا بلا رهن.
وإن أتلف الرهن أحد: فعليه ضمانه يكون رهناً.
ونماؤه تبع له. ومؤنته على ربه. وليس للراهن الانتفاع به إلا بإذن الآخر، أو بإذن الشارع في قوله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته، إذا كان مرهوناً. ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب: النفقة» رواه البخاري.
والضمان: أن يضمن الحق عن الذي عليه.
والكفالة: أن يلتزم بإحضار بدن الخصم. قال ﷺ : «الزعيم غارم» فكل منهما ضامن، إلّا إن قام بما التزم به، أو أبرأه صاحب الحق، أو برد الأصيل والله أعلم.
[باب الحجر لفلس أو غيره]
باب الحجر لفلس أو غيره ومن له الحق فعليه أن يُنظِر المعسر. وينبغي له أن ييسر على الموسر. ومن عليه الحق فعليه الوفاء كاملًا بالقدر والصفات. قال ﷺ : «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل بدينه على مليء فليحتل» متفق عليه. وهذا من المياسرة.
стр. 120
فالمليء: هو القادر على الوفاء الذي ليس مماطلا، ويمكن تحضيره لمجلس الحكم.
وإذا كانت الديون أكثر من مال الإنسان، وطلب الغرماء أو بعضهم من الحاكم أن يحجر عليه: حجر عليه، ومنعه من التصرف في جميع ماله. ثم يصفي ماله، ويقسمه على الغرماء بقدر ديونهم. ولا يقدم منهم إلا صاحب الرهن برهنه، وقال ﷺ : «من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره» متفق عليه.
ويجب على ولي الصغير والسفيه والمجنون أن يمنعهم من التصرف في مالهم الذي يضرهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] وعليه ألا يقرب مالهم إلّا بالتي هي أحسن: من حفظه، والتصرف النافع لهم، والصرف عليهم منه ما يحتاجون إليه. ووليهم: أبوهم الرشيد، فإن لم يكن: جعل الحاكم الولاية لأشفق من يكون من أقاربه، وأعرفهم وآمنهم. ومن كان غنياً فليستعفف. ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف وهو الأقل من أجرة مثله أو كفايته.
стр. 121
[باب الصلح]
باب الصلح قال النبي ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالًا» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. وصححه الحاكم.
فإذا صالحه عن عين بعين أخرى، أو بدين: جاز. وإن كان له عليه دين فصالحه عنه بعين، أو بدين قبضه قبل التفرق: جاز. أو صالحه على منفعة في عقاره أو غيره معلومة أو صالحه عن الدين المؤجل ببعضه حالا، أو كان له عليه دين لا يعلمان مقداره، فصالحه على شيء: صح ذلك. قال ﷺ : «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره» رواه البخاري.
[باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة]
باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة كان النبي ﷺ يوكل في حوائجه الخاصة وحوائج المسلمين المتعلقة به. فهي عقد جائز من الطرفين تدخل في جميع الأشياء التي تصح النيابة فيها: من حقوق الله كتفريق الزكاة، والكفارة ونحوها، ومن حقوق الآدميين كالعقود والفسوخ وغيرها.
وما لا تدخله النيابة: من الأمور التي تتعين على الإنسان
стр. 122
وتتعلق ببدنه خاصة- كالصلاة، والطهارة، والحلف، والقسم بينِ الزوجات ونحوها- لا تجوز الوكالة فيها.
ولا يتصرف الوكيل في غير ما أذن له فيه نطقاً أو عرفاً.
ويجوز التوكيل بجعل أو غبره. وهو كسائر الأمناء لا ضمان عليهم إلّا بالتعدي أو التفريط، ويقبل قولهم في عدم ذلك باليمين.
ومن ادعى الرد من الأمناء، فإن كان بجعل: لم يقبل إلا ببينة. وإن كان متبرعاً: قبل قوله بيمينه. وقال ﷺ : «يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين، ما لم يخن أحدهما صاحبه. فإذا خان خرجت من بينهما» رواه أبو داود.
فالشركة بجميع أنواعها كلها جائزة. ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه إذا كان جزءاً مشاعاً معلوماً.
فدخل في هذا "شركة العنان" وهي: أن يكون من كل منهما مال وعمل، و "شركة المضاربة" بأن يكون من أحدهما المال ومن الأخر العمل، و "شركة الوجوه " بما يأخذان بوجوههما من الناس. و "شركة الأبدان " بأن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه، وما يتقبلانه من الأعمال، و"شركة المفاوضة"
стр. 123
وهي الجامعة لجميع ذلك، وكلها جائزة.
ويفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، كأن يكون لأحدهما ربح وقت معين، وللآخر ربح وقت آخر، أو ربح إحدى السلعتين، أو إحدى السفرتين، وما يشبه ذلك. كما يفسد ذلك المساقاة والمزارعة. وقال رافع بن خديج: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ ، ما على الماذيانات (١) وأقبال (٢) الجداول (٣) وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا. ويسلم هذا ويهلك هذا. ولم يكن للناس كراء إلّا هذا. فلذلك زجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون: فلا بأس به» رواه مسلم، و «عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه.
فالمساقاة على الشجر: بأن يدفعها للعامل ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الثمرة، والمزارعة: بأن يدفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من الزرع. وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه.
ولو دفع دابته إلى آخر يعمل عليها وما حصل بينهما: جاز.
стр. 124
[باب إحياء الموات]
باب إحياء الموات وهي الأرض الميتة التي لا يعلم لها مالك. فمن أحياها بحائط، أو حفر بئر، أو إجراء ماء إليها، أو منع مالا تزرع معه: ملكها بجميع ما فيها إلا المعادن الظاهرة.
لحديث ابن عمر: «من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» رواه البخاري.
وإذا تحجر مواتاً، بأن أدار حولها أحجاراً، أو حفر بئرا، لم يصل إلى مائها، أو أقطع أرضا: فهو أحق بها، ولا يملكها حتى يحييها بما تقدم.
[باب الجعالة والإجارة]
باب الجعالة والإجارة وهما: جعل مال معلوم لمن يعمل له عملاً معلوماً، أو مجهولاً في الجعالة، معلوماً في الإجارة، أو على منفعة في الذمة. فمن فعل ما جعل عليه فيهما: استحق العوض وإلا فلا، إلا إذا تعذر العمل في الإجارة، فإنه يتقسط العوض. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهّ ﷺ : «قال الله تعالى:
стр. 125
ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجره» رواه مسلم.
والجعالة أوسع من الإجارة. فالأولى تجوز على أعمال القُرَب والعمل فيها يكون معلوما أو مجهولا، وهي عقد جائز، بخلاف الإجارة.
وتجوز إجارة العين المؤجرة على من يقوم مقامه إلا بأكثر ضررا منه.
ولا ضمان فيهما بدون تعد ولا تفريط. وفي الحديث «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» رواه ابن ماجه.
[باب اللقطة]
باب اللقطة وهي على ثلاثة أضراب: أحدها: ما تقل قيمته، كالسوط والرغيف ونحوهما. فيملك بلا تعريف.
والثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع كالإبل. فلا
стр. 126
تملك بالالتقاط مطلقاً.
والثالث: ما سوى ذلك؛ فيجوز التقاطه. ويملكه إذا عرفه سنة كاملة، وعن زيد بن خالد الجهني قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة؟ فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة. فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ". قال فضالة: الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال فضالة: الإبل؟ قال: ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» متفق عليه.
والتقاط اللقيط والقيام به: فرض كفاية فإذا تعذر بيت المال فعلى من علم بحاله.
[باب المسابقة والمغالبة]
باب المسابقة والمغالبة وهي ثلاثة أنواع: نوع يجوز بعوض وغيره. وهي: مسابقة الخيل والإبل والسهام، ونوع يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهي جميع المغالبات بغير الثلاثة المذكورة وبغير النرد والشطرنج ونحوهما، فتحرم مطلقاً. وهو النوع الثالث، لحديث «لا سبق إلا في خف
стр. 127
أو حافر أو نصل» رواه أحمد والثلاثة.
وأما ما سواها: فإنها داخلة في القمار والميسر.
[باب الغصب]
باب الغصب وهو الاستيلاء على مال الغير بغير حق، وهو محرم. لحديث: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» متفق عليه، وعليه رده لصاحبه ولو غرم أضعافه. وعليه نفقته وأجرته مدة مقامه بيده، وضمانه إذا تلف مطلقاً، وزيادته لربه.
وإن كانت أرضاً، فغرس أو بنى فيها: فلربها قلعه، لحديث: «ليس لعرق ظالم حق» رواه أبو داود.
ومن انتقلت إليه العين من الغاصب، وهو عالم: فحكمه حكم الغاصب.
[باب العارية والوديعة]
باب العارية والوديعة وهي إباحة المنافع. وهي مستحبة في المعروف. قال ﷺ : «كل معروف صدقة» .
стр. 128
وإن شرط ضمانها: ضمنها، وإن تعدى أو فرط فيها: ضمنها، وإلا فلا. ومن أودع وديعة فعليه حفظها في حرز مثلها. ولا ينتفع بها بغير إذن ربها.
[باب الشفعة]
باب الشفعة وهي: استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه ببيع ونحوه. وهي خاصة في العقار الذي لم يقسم. لحديث جابر ﵁: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» متفق عليه.
ولا يحل التحيُّل لإسقاطها. فإن تحيل لم تسقط، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» .
[باب الوقف]
باب الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع. وهو من أفضل القُرب وأنفعها إذا كان على جهة بر، وسلم من الظلم. لحديث: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم
стр. 129
ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. وعن ابن عمر قال: «أصاب عمر أرضاً بخيبر. فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها. فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه. قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر، غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب. فصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً، غير متمول مالًا» متفق عليه.
وأفضله: أنفعه للمسلمين. وينعقد بالقول الدال على الوقف.
ويُرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع، ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، فيباع. ويجعل في مثله أو بعض مثله.
[باب الهبة والعطية والوصية]
باب الهبة والعطية والوصية وهي من عقود التبرعات.
فالهبة: التبرع بالمال في حال الحياة والصحة.
стр. 130
والعطية: التبرع به في مرض موته المخوف.
والوصية: التبرع به بعد الوفاة. فالجميع داخل في الإحسان والبر.
فالهبة: من رأس المال، والعطية والوصية؛ من الثلث فأقل لغير وارث، فإن زاد عن الثلث، أو كان لوارث: توقف على إجازة الورثة الراشدين.
وكلها يجب فيها العدل بين أولاده، لحديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه.
وبعد تقبيض الهبة وقبولها لا يحل الرجوع فيها، لحديث «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه.
وفي الحديث الآخر: «لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إِلّا الوالد فيما يعطي ولده» رواه أهل السنن. «وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها» .
وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، ما لم يضره، أو يعطيه لولد آخر، أو يكون بمرض موت أحدهم، لحديث: «أنت ومالك لأبيك» .
стр. 131
وعن ابن عمر مرفوعاً: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه. وفي الحديث: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث» رواه أهل السنن، وفي لفظ «إلا أن يشاء الورثة» .
وينبغي لمن ليس عنده شيء يحصل منه إغناء ورثته أن لا يوصي، بل يدع التركة كلها لورثته، كما قال النبي ﷺ : «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» متفق عليه. والخير مطلوب في جميع الأحوال.
[كتاب المواريث]
كتاب المواريث وهي العلم بقسمة التركة بين مستحقيها. والأصل فيها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] وقوله في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخرها مع حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فلأولى رجل ذكر» متفق عليه.
فقد اشتملت الآيات الكريمة- مع حديث ابن عباس - على
стр. 132
جل أحكام المواريث وذكرها مفصلة بشروطها. فجعل اللُه الذكور والإناث من أولاد الصلب وأولاد الابن ومن الإخوة الأشقاء، أو لغير أم إذا اجتمعوا يقتسمون المال وما أبقت الفروض: للذكر مثل حظ الأنثيين. وأن الذكور من المذكورين يأخذون المال أو ما أبقت الفروض وأن الواحدة من البنات لها النصف، والثنتين فأكثر لهما الثلثان، وإذا كانت بنت وبنت ابن فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وكذلك الأخوات الشقيقات واللاتي للأب في الكلالة إذا لم يكن ولد ولا والد، وأنه إذا استغرقت البنات الثلثين سقط من دونهن من بنات الابن، إذا لم يعصبهن ذكر بدرجتهن أو أنزل منهن وكذلك الشقيقات يسقطن الأخوات للأب إذا لم يعصبهن أخوهن. وأن الإخوة من الأم والأخوات: للواحد منهم السدس، وللأثنين فأكثر الثلث، يسوى بين ذكورهم وإناثهم. وأنهم لا يرثون مع الفروع مطلقاً، ولا مع الأصول الذكور. وأن الزوج له النصف مع عدم أولاد الزوجة، والربع مع وجودهم. وأن الزوجة فأكثر لها الربع مع عدم أولاد الزوج والثمن مع وجودهم. وأن الأم لها السدس مع أحد من الأولاد، أو اثنين فأكثر من الإخوة أو الأخوات، والثلث مع عدم
стр. 133
ذلك، وأن لها ثلث الباقي في زوج وأبوين، أو زوجة وأبوين.
«وقد جعل النبي ﷺ السدس إذا لم يكن دونها أم» رواه أبو داود والنسائي. وأن للأب السدس لا يزيد عليه مع الأولاد الذكور. وله السدس مع الإناث. فإن بقي بعد فرضهن شيء أخذه تعصيباً مع عدم الأولاد مطلقا.
وكذلك جميع الذكور، غير الزوج والأخ من الأم عصبات، وهم الإخوة الأشقاء، والأب وأبناؤهم، والأعمام الأشقاء أو لأب وأبناؤهم أعمام الميت وأعمام أبيه وجده، وكذلك البنون وبنوهم.
وحكم العاصب: أن يأخذ المال كله إذا انفرد. وإن كان معه صاحب فرض أخذ الباقي بعده. وإذا استغرقت الفروض التركة لم يبق للعاصب شيء. ولا يمكن أن تُستغرق مع ابن الصلب ولا مع الأب.
وإن وجد عاصبان فأكثر فجهات العصوبة على الترتيب الآتي:
بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم، ثم الولاء وهو المعتق، وعصباته المتعصبون بأنفسهم. فيقدم منهم الأقرب
стр. 134
جهة، فإن كانوا في جهة واحدة؛ قدم الأقرب منزلة، فإن كانوا في المنزلة سواء، قدم الأقوى منهم، وهو الشقيق على الذي لأب. وكل عاصب غير الأبناء والإخوة لا ترث أخته معه شيئاً. وإذا اجتمعت فروض تزيد على المسألة بحيث لا يُسقط بعضهم بعضاً، عالت بقدر فروضهم. فإذا كان زوج وأم وأخت لغير أم، فأصلها ستة وتعول لثمانية. فإن كان معهم أخ لأم فكذلك. فإن كانوا اثنين عالت لتسعة. فإن كان الأخوات لغير أم اثنتين عالت إلى عشرة. وإذا كان بنتان وأم وزوج عالت من اثني عشر إلى ثلاثة عشر. فإن كان معهم أب عالت إلى خمسة عشر. فإن كان بدل الزوج زوجة فأصلها من أربع وعشرين وتعول إلى سبع وعشرين. وإن كانت الفروض أقل من المسألة، ولم يكن معهم عاصب: رد الفاضل على كل ذي فرض بقدر فرضه.
فإن عُدم أصحاب الفروض والعصبات، ورث ذوو الأرحام وهم من سوى المذكورين، وينزلون منزلة من أدلوا به.
ومن لا وارث له فماله لبيت المال يصرف في المصالح العامة والخاصة.
وإذا مات الإنسان تعلق بتركته أربعة حقوق مرتبة:
стр. 135
أولها: مؤنة التجهيز، ثم الديون الموثقة، لمرسلة من رأس المال، ثم إذا كان له وصية تنفذ من ثلثه للأجنبي، ثم الباقي للورثة المذكورين. والله أعلم.
وأسباب الإرث ثلاثة. النسب، والنكاح الصحيح، والولاء.
وموانعه ثلاثة: القتل، والرق، واختلاف الدين.
وإذا كان بعض الورثة حَملًا، أو مفقوداً أو نحوه أوقف تقسيم التركة حتى يتبين أمره. فإن طلب الورثة قسمة التركة عملت بما يحصل به الاحتياط على حسب ما قرره الفقهاء، رحمهم الله تعالى.
[باب العتق]
باب العتق وهو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق. وهو من أفضل القُرُبات، لحديث: «أيما امرئ مسلم أعتق امرءاً مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار» متفق عليه. «وسئل رسول الله ﷺ : "أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها» متفق عليه.
ويحصل العتق بالقول: وهو لفظ "العتق " وما في معناه،
стр. 136
وبالملك؛ فمن ملك ذا رحم محرم من النسب؛ عتق عليه، وبالتمثيل بعبده بقطع عضو من أعضائه أو تحريقه، وبالسراية، لحديث: «من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد: قوم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وألا فقد عتق عليه ما عتق» متفق عليه. وفي لفظ: «وألا قُوم عليه واستسعى غير مشقوق» متفق عليه.
فإن علّق عتقه بموته فهو المدبّر، يعتق بموته إذا خرج من الثلث. فعن جابر: «أن رجلًا من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. وكان عليه دين فأعطاه، وقال: "اقض دينك» متفق عليه.
والكتابة: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر. قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] يعني صلاحاً في دينهم وكسباً. فإن خيف منه الفساد بعتقه أو كتابته، أو ليس له كسب، فلا يشرع عتقه ولا كتابته.
ولا يعتق المكاتب إلّا بالأداء، لحديث. «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» رواه أبو داود.
стр. 137
وعن ابن عباس مرفوعاً، وعن عمر موقوفاً: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته» أخرجه ابن ماجه. والراجح الموقوف على عمر ﵁ والله أعلم (١) .
[كتاب النكاح]
كتاب النكاح وهو من سنن المرسلين، وفي الحديث «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» متفق عليه. وقال ﷺ : «تنكح المرآة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يمينك» متفق عليه.
وينبغي أن يتخير صاحبة الدين والحسب الودود الولود الحسيبة.
وإذا وقع في قلبه خِطبة امرأة فله أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها.
стр. 138
ولا يحل للرجل أن يخطب على خِطبة أخيه المسلم، حتى يأذن أو يترك. ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة مطلقاً. ويجوز التعريض في خطبة البائن بموت أو غيره. لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وصفة التعريض، أن يقول: إني في مثلك لَراغب، أو لا تفوتي نفسك علي، ونحوها.
وينبغي أن يخطب في عقد النكاح بخطبة ابن مسعود، قال: «علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» . ويقرأ ثلاث آيات، لرواية أصحاب السنن. والثلاث الآيات سردها بعضهم وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
стр. 139
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
ولا يجب إلا بالإيجاب، وهو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: زوجتك أو أنكحتك، والقبول، وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه، كقوله: قبلت هذا الزواج، أو قبلت، ونحو.
[باب شروط النكاح]
باب شروط النكاح ولا بد فيه من رضى الزوجين، إلّا الصغيرة، فيجبرها أبوها، والأمة يجبرها سيدها.
ولا بد فيه من الولي. قال ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» حديث صحيح رواه الخمسة.
وأولى الناس بتزويج الحرة: أبوها وإن علا، ثم ابنها وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها، وفي الحديث المتفق عليه: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر. ولا تنكح البكر حتى تُستأذن. قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» . وقال النبي ﷺ : «أعلنوا النكاح» رواه أحمد. ومن إعلانه: شهادة عدلين، والوليمة ولو بشاة، والضرب عليه بالدف ونحوه.
стр. 140
وليس لولي المرآة تزويجها بغير كفء لها فليس الفاجر كفؤاً للعفيفة، والعرب بعضهم لبعض أكفاء. فإن عُدم وليها، أو غاب غيبة طويلة، أو امتنع من تزويجها كفؤاً: زوّجها الحاكم. كما في الحديث: «السلطان ولي من لا ولي له» أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي.
ولا بد من تعيين من يقع عليه العقد؛ فلا يصح: زوجتك بنتي وله غيرها، حتى يميزها باسمها أو وصفها. ولا بد أيضاً من عدم الموانع بأحد الزوجين، وهن المذكورات في باب المحرمات في النكاح .
[باب المحرمات في النكاح]
باب المحرمات في النكاح وهن قسمان: محرمات إلى الأبد، ومحرمات إلى أمد.
فالمحرمات إلى الأبد سبع من النسب؛ وهن: الأمهات وإن علون، والبنات وإن نزلن ولو من بنات البنت، والأخوات مطلقاً وبناتهن، وبنات الإخوة، والعمات والخالات له أو لأحد أصوله.
وسبع من الرضاع نظير المذكورات. وأربع من الصهر، وهن: أمهات الزوجات وإن علون، وبناتهن وإن نزلن إذا كان قد
стр. 141
دخل بهن، وزوجات الآباء وإن علون، وزوجات الأبناء وإن نزلن من نسب أو رضاع.
والأصل في هذا قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى أخرها، وقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة، أو من النسب» متفق عليه.
وأما المحرًمات إلى أمد، فمنهن قوله ﷺ : «لا يجمع بين المرآة وعمتها، ولا بين المرآة وخالتها» متفق عليه، مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]
ولا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع، ولا للعبد أن يجمع بين أكثر من زوجتين. وأما بملك اليمين فله أن يطأ ما شاء.
وإذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أحداهما، أو عنده أكثر من أربع اختار أربعاً، وفارق البواقي.
وتحرم المُحْرِمة حتى تحل من إحرامها، والمعتدة من الغير حتى يبلغ الكتاب أجله، والزانية على الزاني وغيره حتى تتوب. وتحرم مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره وتنقضي عدتها.
ويجوز الجمع بين الأختين بالملك، ولكن إذا وطئ
стр. 142
إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يحرِّم الموطوءة بإخراج عن ملكه أو تزوج لها بعد الاستبراء.
والرضاع الذي يحرم: ما كان قبل الفطام، وهو خمس رضعات فأكثر؛ فيصير به الطفل وأولاده أولاداً للمرضعة وصاحب اللبن. وينتشر التحريم من جهة المرضعة وصاحب اللبن كانتشار النسب.
[باب الشروط في النكاح]
باب الشروط في النكاح وهي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر. وهي قسمان: صحيح، كاشتراط أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، ولا يخرجها من دارها أو بلدها، أو زيادة مهر أو نفقة ونحو ذلك. فهذا ونحوه كله داخل في قوله ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به، ما استحللمتم به الفروج» متفق عليه.
ومنها: شروط فاسدة، كنكاح المتعة والتحليل والشغار. ورخص النبي ﷺ في المتعة ثم حرمها. و «لعن المحلل والمحلل له» و «نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يزوجه موليته على أن يزوجه الأخر موليته ولا مهر بينهما» وكلها أحاديث صحيحة.
стр. 143
[باب العيوب في النكاح]
باب العيوب في النكاح إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيباً لم يعلم به قبل العقد، كالجنون والجذام والبرص ونحوها، فله فسخ النكاح.
وإذا وجدته عنّيناً؛ أجّل إلى سنة، فإن مضت وهو على حاله فلها الفسخ.
وإن عتقت كلها وزوجها رقيق خيرت بين المقام معه وفراقه، لحديث عائشة الطويل في قصة عتق بَريرة «خيّرت بريرة حين عتقت على زوجها» متفق عليه.
وإذا وقع الفسخ قبل الدخول؛ فلا مهر وبعده يستقر، ويرجع الزوج على من غره.
[كتاب الصداق]
كتاب الصداق ينبغي تخفيفه. وسئلت عائشة: «كم كان صداق النبي ﷺ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشّاً، أتدري ما النش؛ قلت: لا. قالت: نصف أوقية. فتلك خمسمائة درهم» رواه مسلم. «وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها» متفق عليه. وقال لرجل: «التمس ولو خاتماً من حديد» متفق عليه. فكل ما
стр. 144
صح ثمناً وأجرة- وإن قل- صح صداقاً.
فإن تزوجها ولم يسم لها صداقا؛ فلها مهر المثل. فإن طلقها قبل الدخول؛ فلها المتعة، على الموسع قدَرُه وعلى المعسر قدره، لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
ويتقرر الصداق كاملاً بالموت أو الدخول. ويتنصف بكل فُرقة قبل الدخول من جهة الزوج، كطلاق، ويسقط بفرقة من قبَلها أو فسخه لعيبها.
وينبغي لمن طلق زوجته أن يمتعها بشيء يحصل به جبر خاطرها، لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]
[باب عشرة الزوجين]
باب عشرة الزوجين يلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وألا يمطله حقه.
ويلزمها طاعته في الاستمتاع، وعدم الخروج والسفر إلّا
стр. 145
بإذنه، والقيام بالخبز والعجن والطبخ ونحو ذلك.
وعليه نفقتها وكسوتها بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وفي الحديث: «استوصوا بالنساء خيراً» متفق عليه. وفيه: «خيركم خيركم لأهله» . وقال ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه.
وعليه أن يعدل بين زوجاته في القسم والنفقة والكسوة وما يقدر عليه من العدل. وفي الحديث «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» متفق عليه. وعن أنس: «من السنة- إذا تزوج الرجل البكر على الثيب- أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب: أقام عندها ثلاثاً ثم قسم» متفق عليه. وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها» متفق عليه.
وإن أسقطت المرأة حقها من القسم بإذن الزوج، أو من النفقة أو الكسوة؟ جاز ذلك. وقد «وهبت سودة بنت زمعة يومها لعائشة، فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» متفق عليه.