Полный текст (208 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
[الزكاة في أموال اليتامى]
١٣ - توفي رجل وخلف أموالا وأيتاما فهل في هذه الأموال زكاة؟ وإن كان كذلك فمن يخرجها؟
الجواب: تجب الزكاة في أموال اليتامى من النقود، والعروض المعدة للتجارة، وفي بهيمة الأنعام السائمة، وفي الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة، وعلى ولي الأيتام أن يخرجها في وقتها، فإن لم يكن لهم ولي من جهة والدهم المتوفى، وجب رفع الأمر إلى المحكمة حتى تعين لهم وليا يتولى شئونهم وشئون أموالهم، وعليه في ذلك تقوى الله والعمل بما فيه صلاحهم وصلاح أموالهم، لقول الله - سبحانه -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة ويعتبر الحول في أموالهم من حين مات والدهم لأنها بموته دخلت في ملكهم. والله ولي التوفيق.
[حكم الزكاة في أنواع المصوغات كالألماس والبلاتين وغيرهما المعدة للبس] وغيره
١٤ - تعددت في هذا الوقت أنواع المصوغات كالألماس والبلاتين وغيرهما المعدة للبس وغيره، فهل فيها زكاة؟ وإن كانت على شكل أوان للزينة أو الاستعمال؟ أفيدونا أثابكم الله؟
стр. 142
الجواب: إن كانت المصوغات من الذهب والفضة ففيها زكاة، إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، ولو كانت للبس أو العارية في أصح قولي العلماء لأحاديث صحيحة وردت في ذلك، أما إن كانت من غير الذهب والفضة كالماس والعقيق، ونحو ذلك فلا زكاة فيها إلا إذا أريد بها التجارة، فإنها تكون حينئذ من جملة عروض التجارة، فتجب فيها الزكاة كغيرها من عروض التجارة، ولا يجوز اتخاذ الأواني من الذهب والفضة ولو للزينة؛ لأن اتخاذها للزينة وسيلة إلى استعمالها في الأكل والشرب وقد صح عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحفها، فإنها لهم - يعني الكفار - في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق على صحته.
وعلى من اتخذها زكاتها مع التوبة إلى الله ، وعليه أيضا أن يغيرها من الأواني إلى أنواع أخرى لا تشبه الأواني: كالحلي، ونحوه.
[زكاة الزروع فيما يسقى بالمطر وما يسقى بالمكائن]
١٥ - هناك بعض المزارع يعتمد أصحابها في الزراعة على الأمطار، فهل في محصول هذه الزراعة زكاة؟ وهل يختلف عن غيره الذي يسقي بالمكائن والمواطير؟
الجواب: ما يسقى بالأمطار والأنهار والعيون الجارية من الحبوب والثمار: كالتمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، ففيه العشر. وما
стр. 143
يسقى بالمكائن وغيرها ففيه نصف العشر، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالسواقي أو النضح نصف العشر» رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄.
[حكم الزكاة في الفواكه والخضروات التي تنتجها المزارع]
١٦ - تنتج بعض المزارع أنواعا من الفواكه والخضراوات فهل فيها زكاة؟ وما هي الأشياء المزروعة التي تدخلها الزكاة؟
الجواب: ليس في الفواكه ونحوها من الخضراوات التي لا تكال ولا تدخر كالبطيخ والرمان ونحوهما زكاة إلا إذا كانت للتجارة، فإنه يزكي ما حال عليه الحول من قيمتها إذا بلغت النصاب، كسائر عروض التجارة. وإنما تجب الزكاة في الحبوب والثمار التي تكال وتدخر: كالتمر, والزبيب، والحنطة، والشعير، ونحو ذلك. لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقول النبي ﷺ «ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة» متفق على صحته فدل على وجوبها فيما بلغ ذلك من الحبوب التي تكال وتدخر. ولأن أخذ النبي ﷺ الزكاة من الحنطة والشعير يدل على وجوبها في أمثالها، والله ولي التوفيق.
стр. 144
[المعتمد في المكاييل التي تعرف بها الأنصبة في الزكاة]
١٧ - اختلفت المكاييل التي تعرف بها الأنصبة في الزكاة فما هو المعتمد في معرفتها في هذا الوقت حيث تجد اختلافا بين علمائنا المعاصرين في تحديدها؟
الجواب: العمدة في ذلك على صاع النبي ﷺ وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي, وأربع حفنات باليدين المعتدلين المملؤتين. كما نص على أهل العلم وأئمة اللغة، والله ولي التوفيق.
[حكم الزكاة في فوائد البنوك]
١٨ - كثير من الناس يتعامل مع البنوك وقد يدخل في هذه المعاملات معاملات محرمة: كالربا مثلا، فهل في هذه الأموال زكاة، وكيف تخرج؟
الجواب: يحرم التعامل بالربا مع البنوك وغيرها، وجميع الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالا لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير إذا كان قد قبضها وهو يعلم حكم الله في ذلك، أما إن كان لم يفي ذلك، أما إن كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]
стр. 145
أما إن كان قد قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله، لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم، فإنها من جملة ماله للآية المذكورة، والله ولي التوفيق.
[صدقة الفطر]
١٩ - ما حكم صدقة الفطر؟ وهل يلزم فيها النصاب؟ وهل الأنواع التي تخرج محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟ وهل تلزم الرجل عن أهل بيته بما فيهم الزوجة والخادم؟
الجواب: زكاة الفطر فرض على كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو عبد، لما ثبت عن ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» متفق على صحته.
стр. 146
وليس لها نصاب، بل يجب على المسلم إخراجها عن نفسه وأهل بيته: من أولاده، وزوجات، ومماليكه، إذا فضلت عن قوته وقوتهم يومه وليلته.
أما الخادم المستأجر فزكاته على نفسه إلا أن يتبرع بها المستأجر أو تشترط عليه أما الخادم المملوك فزكاته على سيده، كما تقدم في الحديث.
والواجب إخراجها من قوت البلد سواء كان: تمرا، أو شعيرا، أو برا، أو ذرة، أو غير ذلك، في أصح قولي العلماء، ولأن رسول الله ﷺ ، لم يشترط في ذلك نوعا معينا، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته.
[حكم إخراج صدقة الفطر للمجاهدين]
٢٠ - ما حكم إخراج صدقة الفطر للمجاهدين في البوسنة والهرسك وغيرها وإن كان الحكم بالجواز، فما هو الأفضل في ذلك؟
الجواب: المشروع إخراجها في فقراء المسلمين في البلد التي فيها المزكي لأنهم أحوج إليها غالبا، ولأنها مواساة لهم حتى يستغنوا بها عن السؤال أيام العيد، وإن نقلت إلى غيرهم من فقراء أجزأت، في أصح قولي العلماء، لأنها بلغت محلها، لكن صرفها في فقراء البلد أولى وأفضل وأحوط.
стр. 147
ويجوز التوكل في دفعها للفقراء في البلاد وخارجها إذ كان الوكيل ثقة كزكاة المال، ويجوز توكيله في شراء الطعام المجزئ وتوزيعه على الفقراء، والله ولي التوفيق.
стр. 148
[رابعا الصيام]
[من يجب عليه صيام رمضان وفضل صيامه وصيام التطوع]
الصيام
стр. 149
١ - على من يجب صيام رمضان. . وما فضل صيام التطوع؟
الجواب: يجب صوم رمضان على كل مسلم مكلف من الرجال والنساء ويستحب لمن بلغ سبعا فأكثر وأطاقه من الذكور والإناث، ويجب على أولياء أمورهم أمرهم بذلك إذا أطاقوه كما يأمرونهم بالصلاة والأصل في هذا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] إلى أن قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄، وقوله ﷺ لما سأله جبرائيل عن الإسلام قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» خرجه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، ﵁، وأخرج معناه الشيخان من حديث أبي
стр. 150
هريرة ﵁.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» . متفق على صحته والأحاديث في فضل صوم رمضان وفي فضل الصوم مطلقا كثيرة معلومة. والله ولي التوفيق.
[أمر الصبي المميز بالصيام والحكم لو بلغ في أثناء الصيام]
٢ - هل يؤمر الصبي المميز بالصيام. . وهل يجزئ عنه لو بلغ في أثناء الصيام؟
الجواب: سبق في جواب السؤال الأول أن الصبيان والفتيات إذا بلغوا سبعا فأكثر يؤمرون بالصيام ليعتادوه، وعلى أولياء أمورهم أن يأمروهم بذلك كما يأمرونهم بالصلاة، فإذا بلغوا الحلم وجب عليهم الصوم، وإذا بلغوا في أثناء النهار أجزأهم ذلك اليوم، فلو فرض أن الصبي أكمل الخامسة عشرة عند الزوال وهو صائم ذلك اليوم أجزأه ذلك، وكان أول النهار نفلا وآخره فريضة إذا لم يكن بلغ قبل ذلك بإنبات الشعر الخشن حول الفرج وهو المسمى العانة، أو
стр. 151
بإنزال المني عن شهوة. وهكذا الفتاة الحكم فيهما سواء، إلا أن، الفتاة تزيد أمرا رابعا يحصل به البلوغ وهو الحيض.
[بيان الأفضل للمسافر من فطر أو صيام]
٣ - أيهما أفضل للمسافر الفطر أم الصيام وخاصة السفر الذي لا مشقة فيه كالسفر في الطائرة أو الوسائل الحديثة الأخرى؟
الجواب: الأفضل للصائم الفطر في السفر مطلقا، ومن صام فلا حرج عليه لأن النبي ﷺ ثبت عنه هذا وهذا، وهكذا الصحابة ﵃، لكن إذا اشتد الحر، وعظمت المشقة، تأكد الفطر وكره الصوم للمسافر لأنه ﷺ لما رأى رجلا قد ظلل عليه في السفر من شدة الحر وهو صائم؛ قال ﵊: «ليس من البر الصوم في السفر» ولما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وفي لفظ: «إن الله يحب أن تؤتى عزائمه» ولا فرق في ذلك بين من سافر على السيارات أو الجمال أو السفن والبواخر وبين من سافر في الطائرات. فإن الجميع يشملهم اسم السفر ويترخصون برخصه، والله - سبحانه - شرع للعباد أحكام السفر والإقامة في عهده ﷺ ولمن جاء بعده إلى يوم القيامة، فهو - سبحانه - يعلم ما يقع من تغير الأحوال وتنوع وسائل السفر. ولو كان الحكم يختلف
стр. 152
لنبه عليه سبحانه كما قال في سور النحل ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] وقال سبحانه في سورة النحل أيضا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]
[ثبوت دخول شهر رمضان وحكم من رأى الهلال وحده]
٤ - بماذا يثبت دخول شهر رمضان وما حكم من رأى الهلال وحده عند الشهر أو خروجه؟
الجواب: يثبت دخول الشهر وخروجه بشاهدي عدل فأكثر. . ويثبت دخوله فقط بشاهد واحد، لأنه ثبت عن النبي - صلى عليه وسلم - أنه قال: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» وثبت عنه ﷺ أنه أمر الناس بالصيام بشهادة ابن عمر ﵄. وبشهادة أعرابي، ولم يطلب شاهدا آخر ﵊، والحكمة في ذلك والله أعلم الاحتياط للدين في الدخول والخروج، كما نص على ذلك أهل العلم، ومن رأى الهلال وحده في الدخول أو الخروج ولم يعمل بشهادته فإنه يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، ولا يعمل بشهادة نفسه في أصح أقوال أهل العلم لقول النبي ﷺ «الصوم يوم تصومون , والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» والله ولي التوفيق.
стр. 153
[كيفية الصيام إذا اختلفت المطالع]
٥ - كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع؟ وهل يلزم أهل البلاد البعيدة كأمريكا واستراليا أن يصوموا على رؤية أهل المملكة لأنهم لا يتراءون الهلال؟
الجواب: الصواب اعتماد الرؤية وعدم اعتبار اختلاف المطالع في ذلك لأن النبي ﷺ أمر باعتماد الرؤية ولم يفصل في ذلك فيما صح عنه ﷺ أنه قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فكملوا العدة ثلاثين» متفق على صحته، وقوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ولم يشر ﷺ إلى اختلاف المطالع، وهو يعلم ذلك، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن لكل بلد رؤيته إذا اختلفت المطالع، واحتجوا بما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه لم يعمل برؤية أهل الشام. وكان في المدينة ﵁، وكان أهل الشام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية ﵁، أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس ﵄ لما أخبره كريب برؤية
стр. 154
أهل الشام وصيامهم: نحن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة. . واحتج بقول النبي ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» الحديث. وهذا قول له حظه من القوة، وقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. جمعا بين الأدلة والله ولى التوفيق.
[كيفية صيام من يطول نهارهم أو يقصر]
٦ - كيف يصنع من يطول نهارهم إلى إحدى وعشرين ساعة هل يقدرون قدرا للصيام وكذا ماذا يصنع من يكون نهارهم قصيرا جدا، وكذلك من يستمر عندهم النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر؟
الجواب: من عندهم ليل ونهار في ظرف أربع وعشرين ساعة فإنهم يصومون نهاره سواء كان قصيرا أو طويلا ويكفيهم والحمد لله ولو كان النهار قصيرا، أما من طال عندهم النهار أو الليل أكثر من ذلك كستة أشهر فإنهم يقدرون للصيام وللصلاة قدرهما كما أمر النبي ﷺ بذلك في يوم الدجال الذي كسنة، وهكذا يومه الذي كشهر أو كأسبوع، يقدر للصلاة قدرها في ذلك.
وقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء، في المملكة في هذه المسألة وأصدر القرار رقم ٦١ وتاريخ ١٢ / ٤ / ١٣٩٨ هـ ونصه ما يلي:
стр. 155
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: -
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٥٥٥ وتاريخ ١١٦ / ١ / ١٣٩٨ هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالو) بالسويد الذي يفيد بأن الدول الاسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء نظرا لوضعها الجغرافي كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقا في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان، وكذلك كيفية ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان. ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ليزودهم بها أهـ.
وعرض على المجلس أيضا ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ونقول أخرى عن الفقهاء في الموضوع، وبعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي: -
أولا: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعا؛ لعموم قوله - تعالى -: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
стр. 156
[سورة النساء، الآية: ١٠٣] ، ولما ثبت بريدة ﵁ عن النبي ﷺ «أن رجلا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: " صل معنا هذين " يعني اليومين فلما زالت الشمس أمر بلال فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعه أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: " أين السائل عن وقت الصلاة " فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: " وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» أخرجه مسلم في صحيحه، إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولا وفعلا، ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل
стр. 157
وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله ﷺ هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه على الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل وكان مجموع زمانهما أربعة وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيرا، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد: وقد قال الله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله أو علم بالأمارات أو التجربة، أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضا شديدا أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
ثانيا: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفا ولا تطلع فيها الشمس شتاء أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر ويستمر ليلها ستة أشهر مثلا، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات
стр. 158
الخمس في كل أربع وعشرين ساعة وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من «أن الله - تعالى - فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال: " يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» إلى آخره ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : " خمس صلوات في اليوم والليلة " فقال هل علي غيرهن؟ قال: " لا، إلا أن تتطوع. .» الحديث.
ولما ثبت من حديث أنس ابن مالك ﵁ قال: «نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسول فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال: " صدق " إلى أن قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا فقال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال "نعم. .» الحديث.
وثبت «أن النبي ﷺ حدث أصحابه عن
стр. 159
المسيح الدجال فقالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: " أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم " فقيل يا رسول الله! اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: " لا، أقدروا له قدره» فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوما واحدا يكفي فيه خمس صلوات بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرون ساعة وأمرهم بأن يوزعوها على أوقاتها اعتبارا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.
وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان, وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: [هيئة كبار العلماء] .
стр. 160
[السحور وقت أذان الفجر]
٧ - هل يجب علينا الكف عن السحور عند بدء آذان الفجر، أم يجوز لنا الأكل والشرب حتى ينتهي المؤذن؟
الجواب: إذا كان المؤذن معروفا بأنه لا ينادي إلا على الصبح فإنه يجب الكف عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من حين يؤذن. إذا كان الأذان بالظن والتحري حسب التقاويم فإنه لا حرج في الشرب أو الأكل وقت الأذان، لما ثبت عن النبي - صلى الله عله وسلم - أنه قال: «إن بلال يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» قال الراوي في آخر هذا الحديث " وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت " متفق على صحته.
والأحوط للمؤمن والمؤمنة الحرص على إنهاء السحور قبل الفجر عملا بقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وقوله ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» . أما إذا علم أن المؤذن ينادي بليل لتنبيه الناس على قرب الفجر، كفعل بلال فإنه لا حرج في الأكل والشرب حتى ينادي المؤذنون الذين يؤذنون على الصبح عملا بالحديث المذكور.
стр. 161
[الفطر للمرأة الحامل]
٨ - هل يباح الفطر للمرأة الحامل والمرضع وهل يجب عليهما القضاء أم هناك كفارة عن فطرهما؟
الجواب: الحامل والمرضع حكمهما حكم المريض، إذا شق عليهما الصوم شرع لهما الفطر، وعليهما القضاء عند القدرة على ذلك كالمريض، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفيهما الإطعام عن كل يوم: إطعام مسكين، وهو قول ضعيف مرجوح، والصواب أن عليهما القضاء كالمسافر والمريض، لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد دل على ذلك أيضا حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» رواه الخمسة.
[حكم الفدية لمن يرخص لهم في الفطر]
٩ - ما رأيكم فيمن يرخص لهم في الفطر: كشيخ كبير وعجوز ومريض، لا يرجى برؤه. . هل يلزمهم فدية عند إفطارهم؟
الجواب: على من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه إطعام مسكين عن كل يوم مع القدرة على ذلك؛ كما أفتى بذلك
стр. 162
جماعة من الصحابة ﵃ منهم ابن عباس ﵄.
[حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء]
١٠ - ما حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء، وإذا أخرتا القضاء إلى رمضان آخر، فماذا يلزمهما؟
الجواب: على الحائض والنفساء أن تفطرا وقت الحيض والنفاس، ولا يجوز لهما الصوم ولا الصلاة في حال الحيض والنفاس، ولا يصحان منهما. . وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة، لما ثبت «عن عائشة ﵂: أنها سئلت: هل تقضي الحائض الصوم والصلاة؟ فقالت: " كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» متفق على صحته. وقد أجمع العلماء ﵏ على ما ذكرته عائشة ﵂ من وجوب قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة في حق الحائض والنفساء، رحمة من الله - سبحانه - لهما وتيسيرا عليهما؛ لأن الصلاة تتكرر كل يوم خمس مرات وفي قضائها مشقة عليهما، أما الصوم فإنما يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان فلا مشقة في قضائه عليهما، ومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان آخر لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهكذا المريض والمسافر إذا أخرا القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر شرعي فإن عليهما القضاء والتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم. أما إن استمر
стр. 163
المرض أو السفر إلى رمضان آخر فعليهما القضاء فقط دون الإطعام بعد البرء من المرض والقدوم من السفر.
[حكم صيام التطوع لمن عليه أيام من رمضان لم تقض]
١١ - ما حكم صيام التطوع: كست من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء لمن عليه أيام من رمضان لم تقض؟
الجواب: الواجب على من عليه قضاء رمضان أن يبدأ به قبل صوم النافلة؛ لأن الفرض أهم من النفل في أصح أقوال أهل - العلم.
[حكم من كان مريضا ودخل عليه رمضان ولم يصم ثم مات بعد رمضان]
١٢ - ما حكم من كان مريضا ودخل عليه رمضان ولم يصم ثم مات بعد رمضان فهل يقضى عنه أم يطعم عنه؟
الجواب: إذا مات المسلم في مرضه بعد رمضان فلا قضاء عليه ولا إطعام؛ لأنه معذور شرعا، وهكذا المسافر إذا مات في السفر أو بعد القدوم مباشرة فلا يجب القضاء عنه ولا الإطعام، لأنه معذور شرعا. أما من شفي من المرض وتساهل في القضاء حتى مات أو قدم من السفر وتساهل في القضاء حتى مات فإنه يشرع لأوليائهما
стр. 164
وهم الأقرباء القضاء عنهما؛ لقول النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق على صحته. فإن لم يتيسر من يصوم عنهما أطعم عنهما من تركتهما عن كل يوم مسكين نصف صاع، ومقداره كيلو ونصف على سبيل التقدير: كالشيخ الكبير العاجز عن الصوم، والمرض الذي لا يرجى برؤه. كما تقدم في جواب السؤال التاسع، وهكذا الحائض والنفساء إذا تساهلتا في القضاء حتى ماتتا، فإنه يطعم عنهما عن كل يوم مسكين إذا لم يتيسر من يصوم عنهما. ومن لم يكن له تركة يمكن الإطعام منها فلا شيء عليه، لقول الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] والله ولي التوفيق.
[حكم استعمال الإبر التي في الوريد والإبر التي في العضل للصائم]
١٣ - ما حكم استعمال الإبر التي في الوريد والإبر التي في العضل. . وما الفرق بينهما وذلك للصائم؟
الجواب: الصحيح أنهما لا تفطران، وإنما التي تفطر هي إبر التغذية خاصة. وهكذا أخذ الدم للتحليل لا يفطر به الصائم لأنه ليس مثل الحجامة، أما الحجامة فيفطر بها الحاجم والمحجوم في أصح أقوال العلماء لقول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» .
стр. 165
[حكم استعمال معجون الأسنان وقطرة الأذن والأنف والعين للصائم]
١٤ - ما حكم استعمال معجون الأسنان، وقطرة الأذن، وقطرة الأنف، وقطرة العين للصائم، وإذا وجد الصائم طعمهما في حلقه فماذا يصنع؟
الجواب: تنظيف الأسنان بالمعجون لا يفطر به الصائم كالسواك، وعليه التحرز من ذهاب شيء منه إلى جوفه، فإن غلبه من ذلك بدون قصد فلا قضاء عليه. وهكذا قطرة العين والأذن لا يفطر بهما الصائم في أصح قولي العلماء. فإن وجد طعم القطور في حلقه، فالقضاء أحوط ولا يجب، لأنهما ليسا منفذين لطعام والشراب، أما القطرة في الأنف فلا تجوز لأن الأنف منفذ، لهذا قال النبي ﷺ : «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» . وعلى من فعل ذلك القضاء لهذا الحديث، وما جاء في معناه إن وجد طعمها في حلقه، والله ولي التوفيق.
[صيام من حصل له ألم في أسنانه وعمل له الطبيب تنظيفا أو حشوا أو خلع] أحد أسنانه
١٥ - إذا حصل للإنسان ألم في أسنانه، وراجع الطبيب، وعمل له تنظيفا أو حشوا أو خلع أحد أسنانه، فهل يؤثر ذلك على صيامه؟ ولو أن الطبيب أعطاه إبرة لتخدير سنه، فهل لذلك أثر على الصيام؟
الجواب: ليس لما ذكر في السؤال أثر في صحة الصيام، بل ذلك معفو عنه، وعليه أن يتحفظ من ابتلاع شيء من الدواء أو الدم،
стр. 166
وهكذا الإبرة المذكورة لا أثر لها في صحة الصوم لكونها ليست في معنى الأكل والشرب، والأصل صحة الصوم وسلامته.
[حكم من أكل أو شرب في نهار الصيام ناسيا]
١٦ - ما حكم من أكل أو شرب في نهار الصيام ناسيا؟
الجواب: ليس عليه بأس وصومه صحيح لقول الله - سبحانه - في آخر سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وصح عن رسول الله ﷺ «أن الله - سبحانه - قال: " قد فعلت» ولما ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق على صحته.
وهكذا لو جامع ناسيا فصومه صحيح في أصح قولي العلماء للآية الكريمة ولهذا الحديث الشريف، ولقوله ﷺ : «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» خرجه الحاكم وصححه، وهذا اللفظ يعم الجماع وغيره من المفطرات إذا فعلها الصائم ناسيا. وهذا من رحمة الله وفضله وإحسانه، فله الحمد والشكر على ذلك.
стр. 167
[حكم من ترك قضاء صيام رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده]
١٧ - ما حكم من ترك قضاء صيام رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده، ولم يكن له عذر، هل تكفيه التوبة مع القضاء، أم تلزمه كفارة؟
الجواب: عليه التوبة إلى الله - سبحانه - وإطعام مسكين عن كل يوم مع القضاء وهو نصف صاع بصاع النبي ﷺ من قوت البلد من تمر أو بر أو أرز أو غيرها، ومقداره كيلو ونصف على سبيل التقريب، وليس عليه كفارة سوى ذلك كما أفتى بذلك جماعة من الصحابة ﵃ منهم ابن عباس ﵄ أما إن كان معذورا لمرض أو سفر، أو كانت المرأة معذورة بحمل أو رضاع يشق عليها الصوم معهما، فليس عليهم سوى القضاء.
[حكم من يصوم وهو تارك للصلاة]
١٨ - ما حكم من يصوم وهو تارك للصلاة. وهل صيامه، صحيح؟
الجواب: الصحيح أن تارك الصلاة عمدا يكفر بذلك كفرا أكبر وبذلك لا يصح صومه ولا بقية عباداته حتى يتوب إلى الله - سبحانه - لقول الله : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]- وما جاء في معناها من الآيات
стр. 168
والأحاديث، وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر بذلك، ولا يبطل صومه ولا عبادته إذا كان مقرا بالوجوب، ولكنه ترك الصلاة تساهلا وكسلا، والصحيح القول الأول، وهو أنه يكفر بتركها عامدا ولو أقر بالوجوب لأدلة كثيرة منها: قول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» خرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
ولقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» خرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ القول في ذلك في رسالة مستقلة في أحكام الصلاة وتركها، وهي رسالة مفيدة تحسن مراجعتها والاستفادة منها.
[حكم من أفطر في رمضان غير منكر لوجوبه]
١٩ - ما حكم من أفطر في رمضان غير منكر لوجوبه، وهل يخرجه من الإسلام تركه الصيام تهاونا أكثر من مرة؟
الجواب: من أفطر في رمضان عمدا لغير عذر شرعي فقد أتى كبيرة من الكبائر، ولا يكفر بذلك في أصح أقوال العلماء، وعليه التوبة إلى الله - سبحانه - مع القضاء، والأدلة الكثيرة تدل على أن ترك الصيام ليس كفرا أكبر إذا لم يجحد الوجوب وإنما أفطر تساهلا
стр. 169
وكسلا. وعليه إطعام مسكين عن كل يوم إذا تأخر القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر شرعي لما تقدم في جواب السؤال السابع وهكذا ترك الزكاة والحج مع الاستطاعة إذا لم يجحد وجوبهما فإنه لا يكفر بذلك. وعليه أداء الزكاة عما مضى من السنين التي فرط فيها، وعليه الحج مع التوبة النصوح من التأخير لعموم الأدلة الشرعية في ذلك الدالة على عدم كفرهما إذا لم يجحدا وجوبها. ومن حديث تعذيب تارك الزكاة بماله يوم القيامة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
[الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان]
٢٠ - ما الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان؟
الجواب: عليها الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم كما لو ثبتت رؤية رمضان نهارا، فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده عليه الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال حكم السفر مع ذلك اليوم. والله ولي التوفيق.
стр. 170
[الحكم إذا خرج من الصائم دم كالرعاف ونحوه]
٢١ - ما الحكم إذا خرج من الصائم دم كالرعاف ونحوه، وهل يجوز للصائم التبرع بدمه أو سحب شيء منه للتحليل؟
الجواب: خروج الدم من الصائم كالرعاف والاستحاضة ونحوهما لا يفسد الصوم. وإنما يفسد الصوم الحيض والنفاس والحجامة.
ولا حرج على الصائم في تحليل الدم عند الحاجة إلى ذلك، ولا يفسد الصوم بذلك، أما التبرع بالدم فالأحوط تأجيله إلى ما بعد الإفطار؛ لأنه في الغالب يكون كثيرا، فيشبه الحجامة. والله ولى التوفيق.
[أكل الصائم أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر]
٢٢ - ما الحكم إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر؟
الجواب: الصواب أن عليه القضاء وكفارة الظهار عن الجماع عند جمهور أهل العلم سدا لذريعة التساهل واحتياطا للصوم.
стр. 171
[جامع في نهار رمضان وهو صائم مسافرا وغير مسافر]
٢٣ - حكم من جامع في نهار رمضان وهو صائم، وهل يجوز للمسافر إذا أفطر أن يجامع أهله؟
الجواب: على من جامع في نهار رمضان وهو صائم صوما واجبا الكفارة: أعني كفارة الظهار مع وجوب قضاء اليوم، والتوبة إلى الله - سبحانه - مما وقع منه، أما إن كان مسافرا أو مريضا مرضا يبيح الفطر فلا كفارة عليه ولا حرج عليه، وعليه قضاء اليوم الذي جامع فيه؛ لأن المسافر والمريض يباح لهما الفطر بالجماع وغيره، كما سبحانه -: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]
وحكم المرأة في هذا حكم الرجل إن كان صومها واجبا وجبت عليها الكفارة مع القضاء، وإن كانت مسافرة أو مريضة مرضا يشق معه الصوم فلا كفارة عليها.
[حكم استعمال البخاخ في الفم للصائم نهارا لمريض الربو ونحوه]
٢٤ - ما حكم استعمال البخاخ في الفم للصائم نهارا لمريض الربو ونحوه؟
الجواب: حكمه الإباحة إذا اضطر إلى ذلك لقول الله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ؛ ولأنه لا يشبه الأكل والشرب فأشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية.
стр. 172
[حكم أخذ الحقنة الشرجية عند الصائم للحاجة]
٢٥ - ما حكم أخذ الحقنة الشرجية عند الصائم للحاجة؟
الجواب: حكمها عدم الحرج في ذلك إذا احتاج إليها المريض في أصح قولي العلماء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجمع كثير من أهل العلم لعدم مشابهتها للأكل والشرب.
[حكم من ذرعه القيء وهو صائم]
٢٦ - ما حكم من ذرعه القيء وهو صائم هل يقضي ذلك اليوم أم لا؟
الجواب: حكمه أنه لا قضاء عليه، أما إن استدعى القيء فعليه القضاء، لقول النبي ﷺ : " من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء " خرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة ﵁.
[حكم تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم]
٢٧ - ما حكم تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم، هل يلزمه القضاء أم لا؟
الجواب: يلزمه القضاء بسبب ما يزود به من الدم النقي, فإن زود مع ذلك بمادة أخرى فهي مفطر آخر.
стр. 173
[حكم الاعتكاف للرجل والمرأة ومسائل متعلقة بالاعتكاف]
٢٨ - ما حكم الاعتكاف للرجل والمرأة، وهل يشترط له الصيام، وبماذا يشتغل المعتكف، ومتى يدخل معتكفه، ومتى يخرج منه؟
الجواب: الاعتكاف سنة للرجال والنساء لما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعتكف في رمضان، واستقر أخيرا اعتكافه في العشر الأواخر، وكان يعتكف بعض نسائه معه، ثم اعتكفن من بعده ﵊، ومحل الاعتكاف المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة، وإذا كان يتخلل اعتكافه جمعة فالأفضل أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع إذا تيسر ذلك.
ليس لوقته حد محدود في أصح أقوال أهل العلم، ولا يشترط له الصوم ولكن مع الصوم أفضل. والسنة له أن يدخل معتكفه حين ينوي الاعتكاف ويخرج بعد مضي المدة التي نواها وله قطع ذلك إذا دعت الحاجة إلى ذلك لأن الاعتكاف سنة ولا يجب بالشروع فيه إذا لم يكن منذورا ويستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان تأسيا بالنبي ﷺ ويستحب لمن اعتكفها دخول معتكفه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين اقتداء بالنبي ﷺ ويخرج متى انتهت العشر. وإن قطعه فلا حرج عليه إلا أن يكون منذورا كما تقدم. والأفضل أن يتخذ مكانا معينا في المسجد يستريح فيه إذا تيسر ذلك، ويشرع للمعتكف أن يكثر من الذكر وقراءة القرآن. والاستغفار والدعاء
стр. 174
والصلاة في غير أوقات النهي، ولا حرج أن يزوره وأن يتحدث معه كما «كان النبي ﷺ يزور بعض نسائه، ويتحدثن معه، وزارته مرة صفية - رضى الله عنها - وهو معتكف في رمضان، فلما قامت قام معها إلى باب المسجد» ، فدل على أنه لا حرج في ذلك. وهذا العمل منه ﷺ يدل على كمال تواضعه، وحسن سيرته مع أزواجه عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعهم بإحسان.
стр. 175
[خامسا الحج]
[الأنساك الثلاثة في الحج وكيفية العمل بها]
الحج
стр. 176
١ - ما هي الأنساك الثلاثة في الحج وما كيفية العمل بها وأيها أفضل؟
الجواب: قد بين أهل العلم رحمة الله عليهم أن الأنساك ثلاثة، وكل ذلك وارد في السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
النسك الأول: الإحرام بالعمرة وحدها، وذلك بأن يقول القاصد للعمرة: اللهم لبيك عمرة، أو لبيك عمرة، أو اللهم إني وأوجبت عمرة، والمشروع أن يكون هذا بعد تجرده من المخيط، ولبسه إزاره ورداءه إن كان رجلا، وبعد الاغتسال - فإن الاغتسال مشروع - والتطيب وأخذ ما يحتاج إلى أخذه: من قص شارب، أو قلم ظفر، أو نتف إبط، أو حلق عانة، هذا هو الأفضل، والمرأة ليس لها إحرام خاص من جهة الثياب، بل تحرم فيما شاءت، إلا أن الأفضل لها أن تكون في ملابس ليست لافتة للنظر، وليست جميلة، ملابس لا تفتن من رآها هذا هو الأفضل لها، وإن قال المحرم أو المحرمة عند الإحرام، بعد قوله اللهم لبيك عمرة: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو تقبلها مني، أو أعني على تمامها وكمالها. كل هذا لا بأس به.
وإن قال المحرم: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني أو نحو هذه العبارة، ثم أصابه حادث يمنعه من إتمامها، فإن له
стр. 177
التحلل، وليس عليه شيء بهذا الشرط؛ لأن الرسول ﷺ لما اشتكت إليه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها شاكية أي: أنها مريضة قال: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» (متفق على صحته) فلو أن المرأة جاءت للعمرة وقالت هذا الشرط، ثم أصابها الحيض ولا تستطيع الجلوس حتى تطهر لأن رفقتها لا يوافقونها فإن هذا عذر لتحللها، أو إذا أصاب المحرم مرض يمنعه من إكمال العمرة كذلك أو غير هذا من الحوادث التي تمنع المحرم من إكمال عمرته.
وهكذا الحكم في الحج وهو النسك الثاني: أن يقول: اللهم لبيك حجا أو لبيك حجا، أو اللهم قد أوجبت حجا على أن يكون ذلك بعد انتهائه من الأشياء المشروعة. هذا هو الأفضل - أي - بعد الغسل وبعد التطيب وبعد تجرده من المخيط كما تقدم.
والمقصود أن الحكم في الحج كالحكم في العمرة في هذا، السنة للمؤمن والمؤمنة أن يكون الإحرام بعد تعاطي ما شرع الله من غسل وطيب ونحو ذلك مما يحتاجه المؤمن والمؤمنة عند الإحرام، وإذا دعت الحاجة إلى أن يقول فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، شرع له ذلك كالعمرة، والواجب أن يكون ذلك في الميقات ليس له تجاوزه حتى يحرم فإذا قدم من نجد أو من الطائف أو من جهة الشرق يكون إحرامه من ميقات الطائف من السيل " وادي قرن "، وإذا أحرم قبل ذلك أجزأه لكنه ترك الأفضل، والسنة ألا
стр. 178
يتقدم بالإحرام بل يؤخره حتى يأتي الميقات، لكن لو أحرم قبل ذلك أجزأه ذلك ولزمه ولكن لا ينبغي له ذلك لأن الرسول ﷺ لم يحرم إلا من الميقات هذا هو السنة فإذا وصل الميقات أحرم منه، وإن تطيب في بيته أو اغتسل في بيته وتعاطى ما يشرع له من قص شارب ونحو ذلك وهو في بيته أو في الطريق كفى ذلك إذا كان الوقت قريبا فيما بينه وبين الإحرام.
ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يستحب أن يصلي ركعتين أيضا قبل أن يحرم، واحتجوا على ذلك بما جاء عنه ﷺ قال: «أتاني آت من ربي وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» (رواه البخاري) ، وكان هذا في وادي ذي الحليفة، ولأنه ﷺ أحرم بعد ما صلى الظهر فدل على أن وقوع الإحرام بعد صلاة أفضل، وهذا قول جيد، ولكن ليس في صلاة الإحرام نص واضح أو حديث صحيح في شرعيتها فمن فعلها فلا حرج، وإذا توضأ الوضوء الشرعي وصلى ركعتين سنة الوضوء كفت للإحرام.
أما النسك الثالث: فهو الجمع بينهما أي يجمع بين الحج والعمرة يقول: اللهم لبيك عمرة وحجا، أو حجا وعمرة، أو يلبي بالعمرة في الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج ويلبي بالحج قبل أن يشرع في الطواف، وهذا يسمى قرانا وهو الجمع بين الحج
стр. 179
والعمرة، وقد أحرم النبي ﷺ قارنا في حجة الوداع، لبى بالعمرة والحج جميعا ﵊، كما أخبر بذلك أنس ﵁ وابن عمر ﵄ وغيرهما وكان قد ساق الهدي، وهذا هو الأفضل لمن ساق الهدي، أما من لم يسق الهدي فالأفضل له التمتع بالعمرة إلى الحج، وهذا هو الذي استقر عليه الأمر بعد ما دخل النبي مكة ﵊ وطاف وسعى، أمر أصحابه الذين قرنوا أو أفردوا الحج أن يجعلوها عمرة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا فاستقر بذلك أن التمتع أفضل.
والقارن إذا جعل إحرامه عمرة وكذا المفرد صار متمتعا، إذا دخل بالإفراد أو دخل بالقران وليس معه هدي شرع له إن يتحلل بالطواف والسعي والتقصير ويكون بهذا متمتعا كما فعل أصحاب النبي ﷺ بأمره ﵊، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولجعلتها عمرة» .
وإذا كان القادم بالعمرة لا يريد الحج سمي معتمرا فقط وقد يسمى متمتعا كما وقع ذلك في كلام بعض الصحابة ولكن في عرف الفقهاء يسمى معتمرا إذا كان لم يقصد الحج وإنما قدم في شوال أو في ذي القعدة يعتمر ويرجع إلى بلاده أما إن بقي في مكة بقصد الحج فهذا يسمى تمتعا وهكذا من جاء في رمضان أو غيره بقصد العمرة يسمى معتمرا والعمرة هي الزيارة للبيت العتيق وإنما يقال للحاج متمتعا إذا قدم بعمرة يقصد البقاء بعدها للحج إن كان
стр. 180
قدومه بعد رمضان في أشهر الحج ثم بقي حتى يحج فهذا يسمى متمتعا كما تقدم وهكذا من أحرم قارنا وبقي للحج ولم يفسخ يسمى متمتعا أيضا ويدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالقارن يسمى متمتعا، هذا هو المعروف عند أصحاب النبي ﷺ ، وقد قال ابن عمر «تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج» ، وهو أحرم قارنا ﵊، ولكن في عرف الكثير من الفقهاء أن المتمتع هو الذي يحل من عمرته ثم يبقى حتى يحرم بالحج في اليوم الثامن مثلا، فهذا يقال له متمتع في عرف الكثير من الفقهاء، فإن جمع بينهما ولم يتحلل سموه قارنا، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عرف المعنى والحكم.
فالمتمع والقارن في الأحكام سواء فعلى كل منهما الهدي فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكل منهما يسمى متمتعا، لكن يتفاوتان في السعي فالمتمتع عند جمهور العلماء عليه سعيان سعي مع طواف العمرة وسعي مع طواف الحج؛ لأنه ثبت في حديث ابن عباس، أن الذين حلوا من العمرة وتمتعوا سعوا سعيين أحدهما مع طواف العمرة والثاني مع طواف الحج، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
أما القارن فليس عليه إلا سعي واحد فإن قدمه مع طواف القدوم كفى وإن أخره وسعى مع طواف الحج كفى، هذا هو
следующие страницы →