الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول: أن الخطبة والصلاة في الجمعة شبيهتان بصلاة الجمع، فلم يجر التفريق بينهما (١) .
أما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم.
الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، لما استدلوا به، ولأن الخطبة للجمعة فهي تسمى " خطبة الجمعة "، وهذا يتطلب اتصالها بالصلاة وإلا لم تكن لها.
стр. 107
[الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة]
[التهميد]
الفصل الثالث
أركان خطبة الجمعة (١) وفيه تمهيد، وستة مباحث:
التمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا.
المبحث الأول: حمد الله - تعالى -.
المبحث الثاني: الصلاة على النبي ﷺ .
المبحث الثالث: الموعظة.
المبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن.
المبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها.
المبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها.
стр. 108
التمهيد
خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في خطبة الجمعة إجمالا من المناسب قبل الكلام على ما ذكره بعض الفقهاء من أركان لخطبة الجمعة بالتفصيل التمهيد له بذكر الخلاف في مبدأ إيجاب توفر أركان لها وما تحصل به؛ لأن ما بعده من تفصيل القول في كل ركن على حدة ينبني عليه، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ليس لها أركان، بل تحصل بما يقع عليه اسم الخطبة عرفا.
وبهذا قال أبو يوسف (١) ومحمد بن الحسن (٢) صاحبا أبي
стр. 109
حنيفة (١) والإمام مالك في رواية عنه، وهو المشهور من مذهب أصحابه (٢) .
وهو الظاهر من قول شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله - حيث جاء في الاختيارات: " ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود " (٣) .
واختاره الشيخ السعدي (٤) ﵀ حيث قال في معرض كلامه على الخطبتين: " والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف وإن لم يلتزم بتلك المذكورات،
стр. 110
نعم من كمال الخطبة الثناء على الله وعلى رسوله. . . " (١) .
وقال عندما سئل عن اشتراط الأركان الأربعة في كل من الخطبتين: " اشتراط الفقهاء والأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب فقد أتى بالخطبة، ولكن لا شك أن حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة شيء من القرآن من مكملات الخطبة، وهي زينة لها " (٢) . وبه قال ابن حزم (٣) .
القول الثاني: لا تحصل إلا بتوفر أركان فيها منها: حمد الله، والصلاة على النبي ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله.
وبهذا قال الشافعية في المشهور من مذهبهم (٤) وهو
стр. 111
المذهب عند الحنابلة (١) .
ولهم أقوال أخرى وتفصيلات سيأتي الكلام عليها عند ذكر كل ركن على حدة - إن شاء الله تعالى -.
القول الثالث: ليس لها أركان، بل تحتمل بذكر الله - تعالى - على قصد الخطبة، قل الذكر أو كثر، حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله - تعالى - أجزأ.
وبهذا قال الإمام أبو حنيفة (٢) . والإمام مالك في رواية عنه (٣) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.
أولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله
стр. 112
- ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرنا أن نصلي كما صلى، ويدخل في ذلك الخطبة للجمعة، ولم يكن يقتصر فيها على تسبيحة أو تسبيحتين (٢) .
ثانيا: من المعقول: ١ - أنه إذا وجب اسم الخطبة وجب الرجوع إلى العادة والعرف، والعرب تفرق بين الخطبة وغيرها، ولا تسمي من قال: سبحان الله، ولا إله إلا الله، وإن كرر خاطبا (٣) .
مناقشة هذين الدليلين: أن المتأمل فيهما يتضح له أنهما عبارة عن رد على القول الثالث، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وليس فيهما دلالة واضحة على القول الأول، والله أعلم.
стр. 113
٢ - أن المشروط هو الخطبة، والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم، فينصرف المطلق إلى المتعارف (١) .
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة.
أولا: من الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (٢) .
وجه الدلالة: أن الله أمر بالسعي إلى ذكره وهو الخطبة، وقد فسره بفعله كما سيأتي، فيجب الرجوع إلى تفسيره (٣) .
ثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن، ويُذكّر الناس» (٤) .
стр. 114
٢ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» (١) .
وغيرهما من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.
مناقشة هذه الأدلة: تناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: أن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب على القول الراجح (٢) ولم يرد ما
стр. 115
يؤيد حمله على الوجوب.
الثاني: أن الاستدلال بهذه الأدلة على الركنية قد يتحقق لو كان هناك تصريح بمداومته ﷺ على الإتيان بهذه الأمور في جميع خطبه، ولكن ذلك لم يكن هنا؛ لأن عبارة: " كان. . . " لا تدل على الدوام على أصح القولين، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية، فلا تصلح دليلا على وجوب الفعل حتى عند من يقول: إن المواظبة دليل الوجوب، فلو قال قائل: " كان زيد يقري الضيف " فإنه يدل على أن عادته وغالب أحواله، لا أنه لا يتخلف عن ذلك البتة (١) .
الثالث: أن من أهل العلم من يقول: إن المداومة - على تقدير ثبوتها هنا - لا تدل على الوجوب (٢) وهو الأظهر.
أدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة ﵃:
стр. 116
أولا: من الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (١) .
وجه الدلالة: أن الواجب في الآية هو ذكر الله، وذكر الله - تعالى - معلوم لا جهالة فيه، فلم يكن مجملا، لأنه تطاوع العمل من غير بيان يقترن به، فتقييده بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل (٢) .
مناقشة هذا الوجه: يناقش بأنه لا إشكال في معرفة ذكر الله - تعالى - عموما، ولكنه غير محدد المقدار، فيرجع إلى ما يناسب مقصود الشارع من الخطبة وما يسمى خطبة عرفا، لأن ما لم يرد تحديده في الشرع يرجع فيه إلى العرف، والله أعلم.
ثانيا: من السنة: ١ - ما رواه البراء (٣) بن عازب ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا
стр. 117
رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة لقد أعرضت (١) المسألة» الحديث (٢) .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سمى كلام الأعرابي خطبه مع قلته، فدل على أن اسم الخطبة يقع على ذلك وأمثاله، وليس على الكلام الطويل فقط (٣) فتصح به الجمعة.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن تسمية النبي ﷺ لكلام الأعرابي هذا خطبة أسلوب من أساليب العرب غير الخطبة الشرعية المعروفة؛ لأن السؤال لا يسمى خطبة شرعا، ولذلك لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك بالاتفاق (٤) .
٢ - ما رواه عدي (٥) بن حاتم ﵁ «أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال: (من يطع الله
стр. 118
ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله) » (١) .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سماه خطيبا بهذا القدر القليل من الكلام، فدل على أن خطبة الجمعة تحصل بمثل ذلك (٢) .
مناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكر النووي أن إنكار النبي ﷺ على الرجل كان بسبب اختصاره حيث قال: " والصواب أن سبب النهي أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز " (٣) وقد ساق - أي النووي - الأدلة على أن الإنكار ليس لأجل التشريك في الضمير، وبهذا يكون الحديث دليلا عليهم لا لهم.
стр. 119
الوجه الثاني: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن الرجل اقتصر على هذا القدر، فيحتمل أن هذا مطلع خطبته، وأن الراوي ذكر منها ما أنكره النبي ﷺ عليه، والله أعلم.
٣ - ما ورد من الأحاديث في الحث على تقصير الخطبة، ومن أبرزها ما روي عن عمار (١) ﵁ أنه خطب فأوجز، فقيل له: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست (٢) فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (٣) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا» (٤) .
стр. 120
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ندب في هذا الحديث تقصير الخطبة، وقول: (الحمد لله) مثلا كلمة وجيزة تحتها معان جمة تشتمل على قدر الخطبة وزيادة، والمتكلم بقوله: (الحمد لله) كالذاكر لذلك كله، فيكون ذلك خطبة لكنها وجيزة، ويتحقق بها ما ندب إليه من التقصير (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن تقصير الخطبة المندوب إليه بهذا الحديث وأمثاله ليس إلى هذا الحد بالاقتصار على (الحمد لله) مثلا، فإن هذا لا يسمى خطبة لا شرعا ولا لغة ولا عرفا، بدليل أن النبي ﷺ كان يقرأ في خطبته آيات من القرآن، ويُذكّر الناس، ويحمد الله ويثني عليه، إلى غير ذلك في خطبته كما تقدم في حديثي جابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ﵄ (٢) ولكنه لا يطيل إطالة مملة، ولا يمكن أن يندب إلى شيء ويخالفه بفعله، والله أعلم.
الوجه الثاني: على تقدير التسليم بأن قول (الحمد لله)
стр. 121
يسمى خطبة بناء على ما يتضمنه من المعاني، فإن ذلك مما نهى عنه الشارع لاختصاره الشديد كما ذكر النووي في الوجه الأول من مناقشة الدليل السابق.
ثالثا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - ما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أن لما استخلف خطب في أول جمعة، فلما قال: " الحمد لله "، أرتج عليه، فقال: " أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم "، ونزل وصلى بهم الجمعة (١) .
وجه الدلالة: أن عثمان ﵁ قد اقتصر على هذا الذكر القليل في خطبة الجمعة، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، وصلوا خلفه، وما أنكروا عليه صنيعه مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان هذا إجماعا من الصحابة ﵃ على أن الشرط هو
стр. 122
مطلق ذكر الله - تعالى -، ومطلق ذكر الله - تعالى - مما ينطلق عليه اسم الخطبة لغة، وإن كان لا ينطلق عليه عرفا (١) .
مناقشة هذا الدليل: تكلم ابن العربي بكلام جيد جدا في مناقشة هذا الأثر، وأنه كذب حيث قال: " وحكى المؤرخون عن عثمان كذبة عظيمة: أنه صعد المنبر فأرتج منه، فقال كلاما منه: وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، فيالله والعقول إن قلنا اليوم لا يرتج عليه، فكيف عثمان! لا سيما وأقوى أسباب الحصر في الخطبة أنه لا يدري ما يرمي السامعين ويميل قلوبهم؛ لأنه يقصد الظهور عندهم، ومن كان خطبته لله فليس يحصر عن حمد وصلاة وحض على خير، وتحذير من شر، أي شيء كان، ولم يخلق من تحصير إلا من كان له غرض غير الحق، فربما أعانه عليه بالفصاحة فتنة، وربما خلق له العي تعجيزا " (٢) .
٢ - ما روي عن الحجاج (٣) أنه لما أتى العراق صعد المنبر
стр. 123
فقال: " الحمد لله "، فأرتج عليه، فقال: " يا أيها الناس قد هالني كثرة رؤوسكم، وإحداقكم إلي بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها "، ونزل وصلى معه من بقي من الصحابة كابن عمر، وأنس بن مالك ﵃ (١) .
وجه الدلالة: أن ابن عمر وأنسا ﵃ صليا مع الحجاج مع اقتصاره في خطبته على هذا الكلام القليل، ولو كان غير مجزئ لأنكرا عليه ولم يصليا معه، لعدم الخطبة المجزئة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه على تقدير ثبوته فإنه تقرير صحابة، وهو مختلف بالاحتجاج به، لا سيما وقد خالف فعل النبي ﷺ كما تقدم، حيث كان يخطب بأكثر من ذلك، ويذكر الناس، كما خالف العرف.
الترجيح: عند ال تأمل في الأقوال والأدلة في هذه المسألة يتضح أن الأظهر من الأقوال فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول بأنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها غير تحصيل مقصودها وهو
стр. 124
الوعظ والتذكير، فتحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف؛ لأن المأمور به هو ذكر الله وتذكير الناس، ولم يرد تحديده في الشرع، وأما ما ذكره أصحاب القول الثاني فهو مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما أن القول بالركنية يقتضي بطلان الخطبة التي لا تشتمل على الأركان أو أحدها، وبالتالي بطلان صلاة الجمعة بأكملها، لأن الخطبة شرط لها كما تقدم في أول البحث، والقول بالبطلان دون دليل صريح وواضح الدلالة فيه صعوبة بالغة.
стр. 125
[المبحث الأول حمد الله تعالى]
المبحث الأول
حمد الله - تعالى - اختلف الفقهاء في حمد الله - تعالى - في خطبة الجمعة هل هو ركن، أو لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه سنة.
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سعدي كما تقدم (٣) .
وبه قال ابن حزم (٤) .
القول الثاني: أنه ركن، فلا تصح الخطبة إلا به.
وبهذا قال الشافعية (٥) والحنابلة (٦) قال في الإنصاف:
стр. 126
" بلا نزاع "، يعني عند الحنابلة (١) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: لم أعثر على تصريح لهم بدليل، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلال بفعل النبي ﷺ كما في حديث جابر بن عبد الله ﵁ الآتي في أدلة أصحاب القول الثاني، فحملوه على الاستحباب؛ لكونه مجرد فعل، والله أعلم.
أدلة أصحاب القول الثاني: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك - وقد علا صوته واشتدّ غضبه. . .» الحديث (٢) .
قال النووي: " فيه دليل للشافعي ﵁ أنه يجب حمد الله - تعالى - في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره
стр. 127
مقامه " (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، كما أن لفظ: (كان. . . .) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب، كما تقدم بيانه (٢) .
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (٣)) (٤) .
стр. 128
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن في ثبوته كلاما لأهل العلم كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس ظاهر في الدلالة على الوجوب؛ لأنه يفيد النقص، وغير الصحيح لا يوصف بالنقص وإنما يوصف بعدم الإجزاء.
الوجه الثالث: على تقدير ثبوته لو دل على وجوب التحميد لدل على وجوبه في كل أمر ذي بال، ولا نعلم أحدا يقول بذلك (١) .
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية حمد الله - تعالى - في الخطبة؛ لعدم ثبوت ما يدل على الركنية، وإنما الذي ثبت هو مجرد الفعل، وهو لا يدل على الركنية وإنما على الاستحباب كما ذكرت.
стр. 129
[المبحث الثاني الصلاة على النبي ﷺ ]
المبحث الثاني
الصلاة على النبي ﷺ اختلف الفقهاء في الصلاة على النبي ﷺ في خطبة الجمعة هل هي ركن، أو لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها سنة.
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وبعض الحنابلة (٣) وذكره في المغني احتمالا (٤) واختاره ابن سعدي ﵀ كما تقدم (٥) .
القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها.
" وبهذا قال الشافعية (٦) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٧) .
стр. 130
القول الثالث: أنها واجبة، وليست بركن يشترط الإتيان به.
وهذا مروي عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث جاء في الاختيارات: " ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة، وقال في موضع آخر: ويحتمل - وهو الأشبه - أن الصلاة عليه ﷺ فيها واجبة. . . " (١) .
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول: الظاهر أنهم يستدلون على السنية بما استدل به أصحاب القول الثاني، وأما عدم الركنية والوجوب فاستدلوا عليه بما يلي:
١ - أن النبي ﷺ لم يذكر الصلاة عليه في خطبته، ولو كانت ركنا أو واجبا لذكره (٢) .
стр. 131
٢ - أن الأصل عدم الركنية والوجوب، فيعمل به (١) .
أدلة أصحاب القول الثاني. استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة. ما رواه أبو هريرة ﵁ في ذكر إسراء النبي ﷺ وذكر فيه قول الله - تعالى -: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] (٢) قال: «فلا أُذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» (٣) .
وهذا واضح الدلالة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
стр. 132
الوجه الأول: أن مبنى الاستدلال على ثبوت الدليل، وهذا مما لم يتحقق لي في هذا الحديث كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد نوقش الاستدلال بـ وَرَفَعْنَا بأنه خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، فإن قيل: تجعل خبرا بمعنى الأمر، رُدَّ بأن جعل الأمر فيه للوجوب يلزم منه مخالفة الإجماع، إذ لا يعلم أحد يقول بوجوب ذكره ﵊ كلما ذكر الله - تعالى - وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال (١) .
الوجه الثالث: على تقدير ثبوته فإنه يدل على الشهادة لا على الصلاة.
ثانيا: من المعقول: أن الخطبة عبادة افتقرت إلى ذكر الله - تعالى - فافتقرت إلى ذكر رسوله ﷺ كالأذان، والتشهد، والصلاة (٢) .
стр. 133
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا وإن كان حاصلا في بعض العبادات فهو غير مطرد، فمثلا الوضوء تشرع له التسمية ولا تشرع له الصلاة على النبي ﷺ ، وكذلك الذكاة وغيرهما، حتى الأذان يشرع فيه ذكر الرسول ﷺ لا الصلاة عليه. وأما القول الثالث فلم أطلع على دليل له، إلا أن يكون ما قاله أصحاب القول الثاني في دليلهم العقلي، وقد تمت مناقشته، والله أعلم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الصلاة على رسول الله ﷺ في خطبة الجمعة، لعدم ثبوت ما يدل على ركنيتها أو وجوبها حسب اطلاعي، ولما استدلوا به.
стр. 134
[المبحث الثالث الموعظة]
المبحث الثالث: الموعظة اختلف الفقهاء في اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة هل هو ركن من أركانها، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها ركن، فلا بد من اشتمالها على الموعظة، ولا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يقوم مقامه أي وعظ كان، ولا يكفي ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها. وبهذا قال الإمام الشافعي وجمهور أصحابه (١) وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الميل إلى ذلك، حيث جاء في الاختيارات: " ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا. . . وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك، وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى " (٢) .
كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (٣) .
стр. 135
القول الثاني: أنها ركن فلا بد من اشتمالها على الموعظة، وتحين في ذلك لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى -.
وبهذا قال الشافعية في وجه عندهم (١) لكن قال عنه النووي: " وهذا ضعيف أو باطل " (٢) . وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم، وقطع به كثير منهم (٣) .
القول الثالث: أنها سنة.
وبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الركنية بأدلة من السنة، والمعقول:
стр. 136
فمن السنة: ما جاء في حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس» (١) .
فالشاهد من الحديث قوله: (ويذكِّر الناس) .
قال النووي: " فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن " (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، وأن لفظ: (كان. . .) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم (٣) .
ومن المعقول: أن المقصود من خطبة الجمعة الموعظة، فلا يجوز الإخلال بها (٤) .
стр. 137
ثانيا: واستدلوا على عدم تعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بما يلي:
أن الغرض هو الوعظ والحمل على طاعة الله - تعالى - فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا، كأطيعوا الله وراقبوه، ولا يتعين لفظ التقوى (١) .
ثالثا: واستدلوا على أنه لا يكفي في الوعظ ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها بما يلي:
أن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع والبعث، فلا بد من الحمل على طاعة الله، والمنع من معصيته (٢) .
أدلة أصحاب القول الثاني: أولا: استدلوا على الركنية بما استدل به أصحاب القول الأول.
ثانيا: استدلوا على تعين الوصية بتقوى الله - تعالى - بأدلة من الكتاب، والمعقول.
فمن الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] الآية (٣) .
стр. 138
وجه الدلالة: أن الموعظة جاءت في هذه الآية بلفظ التقوى، فيتعين هذا اللفظ في خطبة الجمعة (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه غير ظاهر الدلالة، فلا ارتباط بين لفظ التقوى في هذه الآية وبين تعينه في خطبة الجمعة، والله أعلم.
ومن المعقول: أن لفظ التقوى يتعين في خطبة الجمعة كلفظ الحمد، والصلاة على رسول الله ﷺ (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن تعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله ﷺ في الخطبة محل خلاف، فمن الفقهاء من يقول: لا يتعين (٣) .
الوجه الثاني: على القول بتعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله ﷺ فقد نوقش بأن لفظ الحمد والصلاة تعبدنا به في مواضع، وأما لفظ الوصية فلم يرد نص بالأمر به ولا بتعينه (٤) .
стр. 139
دليل أصحاب القول الثالث: أن المطلوب للجمعة هو الخطبة، واسم الخطبة يقع على الكلام المجتمع أو الوصف وإن لم يشتمل على الموعظة، فلا تكون ركنا يجب الإتيان به (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان ذلك خطبة إلا أن لها مقصدا، لا بد أن تحققه، وهو هنا الوعظ، فإذا لم تحقق مقصدها لم تكن الخطبة المطلوبة.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الوعظ ركن في خطبة الجمعة يجب الإتيان به، ولكن لا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يتحقق بما يفيد الموعظة بحسب الحال وحاجة المخاطبين ومصلحتهم، وهذا باب واسع، لما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن هذا هو منهج النبي ﷺ ، قال ابن القيم ﵀: " وكان مدار خطبته على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه
стр. 140
ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه. . . وكان يخطب كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم " (١) .
وكلام ابن القيم هذا يدل على أن الضابط في الوعظ هو كل ما يدعو إلى رضوان الله وجنته من الاستقامة على دينه والتمسك بشريعته في العبادات والمعاملات والقضايا الاجتماعية ونحوها، ويحذر من موارد سخطه وعقابه، في كل وقت بما يناسبه ويناسب حال السامعين، والله أعلم.
стр. 141
[المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن]
[المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة]
المبحث الرابع
قراءة شيء من القرآن وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة.
المطلب الثاني: أقل مقدار القراءة.
المطلب الثالث: قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.
المطلب الأول
حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة اتفق أصحاب المذاهب على مشروعيتها كما هو ظاهر من أقوالهم الآتية، قال النووي: " مشروعة بلا خلاف " (١) ولكنهم اختلفوا في اشتراطها على قولين:
القول الأول: أنها سنة.
стр. 142
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية في وجه عندهم (٣) والإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٤) كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (٥) .
القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها.
وبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه المشهور عند أصحابه (٦) والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٧) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
стр. 143
استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة:
أولا: من الكتاب: ١ - قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) .
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد القراءة، فلا تُجعل شرطا بخبر الواحد، لما يترتب عليه من نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو غير صالح لذلك، ولكن يصلح مكملا له (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا لا يُعدُّ نسخا، لأن النسخ رفع للحكم الذي تضمنه النص، وإبطال للعمل به، وليس هذا حاصلا هنا.
٢ - قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٣) .
وجه الدلالة: أن هذه نزلت في الخطبة، وسمَّاها الله - تعالى
стр. 144
- قرآنا لما فيها من قراءة القرآن، وكان الرسول ﷺ يُبلِّغ أصحابه ما أنزل الله عليه في خطبته (١) .
ولكن فيما نزلت فيه الآية خلاف، هذا أحد الأقوال فيها.
ثانيا: من السنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في خطبته ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (٢)(٣) .
وهذا واضح الدلالة على فعل النبي ﷺ ولكنه لم يثبت لعدم الاطلاع على سند له، ولكن يغني عنه ما استدل به أصحاب القول الثاني كما سيأتي.
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول.
أولا: من السنة: ما ورد من فعل النبي ﷺ ومن ذلك:
стр. 145
١ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذكِّر الناس» (١) .
قال النووي: " فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن " (٢) .
٢ - ما روته أم هشام (٣) بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: «ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٤) إلا عن لسان رسول الله ﷺ » -) ، وعن عمرة (٥) .