← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31259

خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية

عبد العزيز الحجيلان

Полный текст (400 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن] [المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة] المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة. المطلب الثاني: أقل مقدار القراءة. المطلب الثالث: قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له. المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة اتفق أصحاب المذاهب على مشروعيتها كما هو ظاهر من أقوالهم الآتية، قال النووي: " مشروعة بلا خلاف " (١) ولكنهم اختلفوا في اشتراطها على قولين: القول الأول: أنها سنة.

стр. 142

وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية في وجه عندهم (٣) والإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٤) كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (٥) . القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها. وبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه المشهور عند أصحابه (٦) والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٧) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول:

стр. 143

استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة: أولا: من الكتاب: ١ - قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد القراءة، فلا تُجعل شرطا بخبر الواحد، لما يترتب عليه من نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو غير صالح لذلك، ولكن يصلح مكملا له (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا لا يُعدُّ نسخا، لأن النسخ رفع للحكم الذي تضمنه النص، وإبطال للعمل به، وليس هذا حاصلا هنا. ٢ - قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٣) . وجه الدلالة: أن هذه نزلت في الخطبة، وسمَّاها الله - تعالى

стр. 144

- قرآنا لما فيها من قراءة القرآن، وكان الرسول ﷺ يُبلِّغ أصحابه ما أنزل الله عليه في خطبته (١) . ولكن فيما نزلت فيه الآية خلاف، هذا أحد الأقوال فيها. ثانيا: من السنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في خطبته ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (٢) (٣) . وهذا واضح الدلالة على فعل النبي ﷺ ولكنه لم يثبت لعدم الاطلاع على سند له، ولكن يغني عنه ما استدل به أصحاب القول الثاني كما سيأتي. أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول. أولا: من السنة: ما ورد من فعل النبي ﷺ ومن ذلك:

стр. 145

١ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذكِّر الناس» (١) . قال النووي: " فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن " (٢) . ٢ - ما روته أم هشام (٣) بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: «ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٤) إلا عن لسان رسول الله ﷺ » -) ، وعن عمرة (٥) .

стр. 146

بنت عبد الرحمن عن أختٍ لعمرة (١) قالت: «أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٢) من فِي رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» (٣) . وهذا واضح الدلالة، قال النووي: " وفيه دليل للقراءة في الخطبة " (٤) . ٣ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ (٥) الناس للسجود، فقال النبي ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني

стр. 147

رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا» (١) . وهذا - أيضا - واضح الدلالة. ٤ - ما رواه صفوان (٢) بن يعلى عن أبيه «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] » (٣) (٤) . وهذا - أيضا - واضح الدلالة، قال النووي: " فيه القراءة في الخطبة " (٥) .

стр. 148

مناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وأن لفظ (كان. . .) لا يدل على المداومة، وإن دلَّ عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم بيانه (١) . ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ما رواه ربيعة (٢) بن عبد الله بن الهدير أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: " يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه "، ولم يسجد عمر ﵁ (٣) .

стр. 149

وهذا واضح الدلالة. مناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبق من مناقشة الأحاديث من أنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب. ثالثا: من المعقول: أن الخطبة فرض في الجمعة، فتجب فيها قراءة القرآن، كالصلاة (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فلا يشترط في الخطبة ما يشترط في الصلاة من استقبال القبلة وغيرها، إلا أنه تجوز فيها مخاطبة الإمام للمأمومين، ومخاطبتهم له عند الحاجة كما سيأتي - إن شاء الله - في موضعه. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية قراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة؛ لعدم ورود ما يدل على الركنية، وإنما الوارد هو مجرد الفعل، والفعل المجرد كما ذكرت يدل على الاستحباب.

стр. 150

[المطلب الثاني أقل مقدار للقراءة] المطلب الثاني أقل مقدار للقراءة اختلف الفقهاء - سواء من قال بالسنية أو الركنية - في أقل مقدار من القرآن يقرأ في خطبة الجمعة، وذلك على أربعة أقوال: القول الأول: يجزئ ما دون آية إذا استقل بمعنى، ولا يجزئ ما لا يستقل ولو كان آية كاملة. وبهذا قال بعض الحنابلة (١) . القول الثاني: أقله آية، سواء كانت طويلة أو قصيرة. وبهذا قال المالكية (٢) والإمام الشافعي وأصحابه (٣) والإمام أحمد في رواية عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (٤) . القول الثالث: أن أقله ثلاث آيات أو آية طويلة.

стр. 151

وهذا هو الظاهر من مذهب الحنفية (١) جاء في الفتاوى الهندية: " ومقدار ما يقرأ فيها [يعني خطبة الجمعة] من القرآن ثلاث آيات قصار أو آية طويلة " (٢) . القول الرابع: يجزئ ما دون آية مطلقا. وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٣) . الأدلة: دليل أصحاب القول الأول: أصحاب هذا القول نظروا إلى المعنى، فما لم يستقل بمعنى لا يحصل به المقصود من القراءة، فلا فائدة منه فلا يجزئ ولو كان آية كاملة، وما استقل بمعنى أجزأ ولو كان دون آية (٤) . أدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن النبي ﷺ لم يقتصر في قراءته في

стр. 152

خطبة الجمعة على أقل من آية (١) . ٢ - أن الحكم لا يتعلق بما دون الآية، بدليل منع الجنب من قراءتها دون ما هو أقل منها (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قراءة الجنب لما دون آية محل خلاف، فمن الفقهاء من يرى منع قراءته، بل هو رواية عن الإمام أحمد، وأخذ بها بعض أصحابه (٣) . دليل أصحاب القول الثالث: أن فرض قراءة القرآن في الصلاة يتأدى بثلاث آيات قصار أو آية طويلة، فسنة القراءة في الخطبه تتأدى بهذا القدر من باب أولى (٤) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن المفروض في الصلاة قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، بل المفروض هو قراءة الفاتحة بعينها.

стр. 153

دليل أصحاب القول الرابع: أنه ليس في قراءة القرآن في الخطبة على المنبر شيء موقت، فما شاء الخطيب قرأ، ولو كان دون الآية (١) . الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن أقل مقدار لقراءة القرآن في خطبة الجمعة هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل؛ لقوة ما استدلوا به، ولعدم ورود دليل على التجديد، وقد تقدم في المطلب السابق ترجيح السنية، فيكون المقصود في هذا الترجيح أقل مقدار للإتيان بالسنة. [المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له] المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له اختلف الفقهاء في حكم قراءة الخطيب في خطبة الجمعة لآية فيها سجود تلاوة، والسجود إذا قرأ، وذلك على قولين:

стр. 154

القول الأول: يباح قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له. وبهذا قال الحنفية (١) والإمام الشافعي وأصحابه (٢) والحنابلة (٣) وابن حزم (٤) . القول الثاني: يكره قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، ويكره السجود له. وبهذا قال الإمام مالك، وأصحابه (٥) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:

стр. 155

أولا: من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال النبي ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا» (١) . وفعل النبي ﷺ واضح ومتكرر. ثانيا: من آثار الصحابة ﵁: ١ - ما رواه ربيعة بن عبد الله بن الهدير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: " يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه "، ولم يسجد عمر ﵁ (٢) .

стр. 156

وجه الدلالة: أن عمر ﵁ قرأ السجدة في خطبة الجمعة ونزل فسجد، وفعله هذا كان مع حضور الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد منهم، فدل ذلك على إباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة والسجود لذلك (١) . مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ﵁، ولا عمله أحد من بعده (٢) . والإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأن دليل الإباحة ليس مقصورا على فعل عمر ﵁، بل ثبت من فعل النبي ﷺ كما تقدم في حديث أبي سعيد. كما أنه لا يسلم بأنه لم يعمله أحد بعده، بل فعله غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي. ٢ - ما روي أن النعمان بن بشير ﵁ قرأ سجدة (ص) وهو على المنبر فنزل فسجد، ثم عاد إلى مجلسه (٣) .

стр. 157

٣ - ما رواه صفوان (١) بن محرز قال: " بينا الأشعري (٢) يخطب يوم الجمعة إذ قرأ السجدة الآخرة من سورة الحج، قال: نزل عن المنبر فسجد، ثم عاد إلى مجلسه " (٣) . ٤ - ما روي عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قرأ على المنبر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] (٤) ثم نزل إلى القرار فسجد بها (٥) .

стр. 158

٥ - ما روي عن عقبة (١) بن عامر ﵁ أنه قرأ على المنبر السجدة فنزل (٢) . وهذه الآثار واضحة الدلالة. ثالثا: من المعقول: أن سجود التلاوة حال خطبة الجمعة سنة وجد سببها، ولا يطول الفصل بها، فاستُحِبَّ فعلها كحمد الله إذا عطس، وتشميت العاطس (٣) . أدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن الخطيب إذا قرأ في الخطبة ما فيه سجود تلاوة فإنه بين أمرين إما أن يسجد، وفي هذا إخلال بنظام الخطبة، وإما ألا يسجد، فيدخل في الوعيد الوارد في قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] (٤) فلذا يكره له قراءتها، والسجود

стр. 159

لها (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه اجتهاد في مقابل نص، وهو ما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول من فعل النبي ﷺ ، فهو مردود. الوجه الثاني: عدم التسليم بإخلاله بنظام الخطبة؛ لأنه عمل يسير متعلق بها، كما أنه أولى من تكليم المأموم للخطيب وتكليم الخطيب للمأموم الذي ورد من فعل النبي ﷺ حيث إنه - أي التكليم - لأمر لا علاقة له بالخطبة. ٢ - أن السجود حال الخطبة يسبب التخليط على الناس، وذلك بأن يتوهموا أن الإمام قد فرغ من الخطبة وقام إلى الصلاة، فيكره (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: ما تقدم في مناقشة الدليل السابق أنه اجتهاد في مقابل النص، فهو مردود.

стр. 160

الوجه الثاني: عدم التسليم بتسببه في التخليط؛ لأن الناس مأمورون بالإنصات واستماع الخطبة، فإذا قرأ الخطيب ما فيه سجود علموا إن نزوله للسجود وليس لفراغه. ٣ - أن سجود التلاوة صلاة تطوع، فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة، كصلاة ركعتين (١) . مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن صلاة ركعتين لم يوجد سببها، ويطول الفصل بها، بخلاف السجود (٢) . الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بإباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة، والسجود لذلك؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على خلافه. ولكن ينبغي للإمام أن ينبه المأمومين إذا أراد السجود ويتأكد ذلك إذا كان هناك من لا يراه لبعد أو حائل حتى لا يحصل تشويش على الناس.

стр. 161

[المبحث الخامس حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها] المبحث الخامس حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها اختلف من قال بركنية هذه الأمور الأربعة، وهي الحمد، والصلاة على النبي ﷺ ، والموعظة، وقراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة، وهم الشافعية والحنابلة كما تقدم في حكم ترتيبها، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يشترط الترتيب في هذه الأركان، ولكن يستحب، فله التقديم والتأخير، وصفته: أن يبدأ بالحمد، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم الموعظة، ثم قراءة القرآن. وهذا هو الوجه الصحيح عند الشافعية كما ذكر النووي (١) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٢) . القول الثاني: يشترط الترتيب في هذه الأركان على الصفة

стр. 162

التي ذكر أصحاب القول الأول، فلا يجوز التقديم والتأخير. وهذا وجه عند الشافعية (١) وقول لبعض الحنابلة (٢) . القول الثالث: يشترط ترتيب الحمد، ثم الصلاة، ثم الوصية، ولا ترتيب بين القراءة وغيرها. وبهذا قال بعض الشافعية (٣) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير، وهذا حاصل مع عدم الترتيب (٤) . ٢ - أنه لم يرد نص في اشتراط الترتيب، فلا يلزم (٥) . أدلة أصحاب القول الثاني: لم أطلع على أدلة صريحة لهم، ولكن الظاهر أنهم يستدلون

стр. 163

بما يلي: أولا: الاستدلال على البداءة بالحمد بما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (١) . وهذا واضح الدلالة. مناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبقت مناقشته به في مسألة اشتراط الحمد في الخطبة (٢) . ثانيا: الاستدلال على التثنية بالصلاة على رسول الله ﷺ بأن كل عبادة ذكر الله - تعالى - فيها يذكر فيها رسوله ﷺ بعده كالأذان، والتشهد، وغيرهما. مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن ذكر الرسول ﷺ بعد ذكر الله - تعالى - غير مطرد في جميع العبادات، فمنها ما يشرع فيها ذكر الله دون ذكر رسوله كالوضوء، والذكاة.

стр. 164

الوجه الثاني: أنه ليس ظاهر الدلالة على وجوب الترتيب. وأما الوصية والقراءة فلم يظهر لي دليلهم عليهما. أما أصحاب القول الثالث فالظاهر أنهم يستدلون على اشتراط البدء بالحمد، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ بما سبق الاستدلال به لأصحاب القول الثاني عليه. وأما الوصية والقراءة فلم يظهر لي دليل لهم عليهما. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية ترتيب الأمور الأربعة: الحمد، ثم الصلاة، ثم الوصية، ثم القراءة؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الأصل عدم وجوب الترتيب.

стр. 165

[المبحث السادس] الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها اتفق من قال بركنية هذه الأربعة، وهي: الحمد، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية، وقراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة، وهم الشافعية، والحنابلة على أن الحمد ركن في كل خطبة من الخطبتين (١) . واختلفوا في غيره من الأركان، وذلك كما يلي: اختلفوا في الصلاة على النبي ﷺ على قولين: القول الأول: أنها ركن في كل منهما. وبهذا قال الشافعية في الصحيح والمشهور عندهم (٢) والحنابلة (٣) . القول الثاني: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين.

стр. 166

وهذا وجه عند الشافعية (١) لكن قال عنه النووي: " شاذ مردود " (٢) . وسيأتي دليل أصحاب القول الأول. أما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على قول لهم، لكن قولهم ضعيف كما ذكر النووي. واختلفوا في الوصية بتقوى الله - تعالى - على قولين: القول الأول: أنها ركن في كل منهما. وبهذا قال الشافعية (٣) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٤) . القول الثاني: أنها ركن في الثانية فقط. وبهذا قال بعض الحنابلة (٥) . الأدلة: استدل أصحاب القول الأول في الركنين بما يلي:

стр. 167

أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها الصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله - تعالى - (١) . وأما الأقوال الأخرى فلم أطلع على أدلة لها. ولا شك أن ما استدل به أصحاب القول الأول فيه قوة، مما يرجح قولهم. واختلفوا في قراءة القرآن على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها ركن في كل منهما. وهذا وجه مشهور عند الشافعية (٢) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٣) . القول الثاني: أنها ركن في الأولى فقط. وهذا وجه عند الشافعية (٤) وبه قال بعض الحنابلة (٥) .

стр. 168

القول الثالث: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين. وبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه الصحيح عند أصحابه (١) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها قراءة القرآن (٢) . ٢ - أن ما وجب في إحدى الخطبتين وجب في الأخرى، كسائر الفروض (٣) . ٣ - أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين، فكانت قراءة القرآن في كل واحدة منهما شرطا كالركعتين (٤) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قيام الخطبتين مقام الركعتين لم يثبت عليه دليل كما تقدم (٥) .

стр. 169

دليل أصحاب القول الثاني: ما رواه الشعبي (١) قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: (السلام عليكم) ، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (٢) . وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن النبي ﷺ إنما قرأ في الخطبة الأولى فقط، ووعظ في الثانية، وهذا يدل على أن محل قراءة القرآن في الخطبة الأولى (٣) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه مرسل، لأن الشعبي تابعي، فهو لم يولد إلا في خلافة عمر ﵁ كما في ترجمته، فلا يصلح

стр. 170

للاحتجاج. الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس بظاهر الدلالة، فليس فيه أنه لم يقرأ في الثانية، وقوله: " ثم يقوم فيخطب " محتمل للقراءة أثناءها. أما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم، ولعلهم يستدلون بأن المطلوب هو قراءة القرآن في الخطبة، وذلك حاصل بالقراءة في أي واحدة من الخطبتين. لكن هذا غير ظاهر لما ذكره أصحاب القول الأول من استقلال كل منهما عن الأخرى. الترجيح: تقدم ترجيح سنية قراءة القرآن في خطبة الجمعة، ولكن بناء على قول من قال بركنيتها الذين اختلفوا هنا فإن الأدلة مع أصحاب القول الأول، والله أعلم.

стр. 171

[الفصل الرابع سنن خطبة الجمعة] [المبحث الأول السنن لها] [المطلب الأول الطهارة] [المسألة الأولى الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) ] الفصل الرابع سنن خطبة الجمعة وفيه مبحثان: المبحث الأول: السنن لها. المبحث الثاني: السنن فيها.

стр. 172

المبحث الأول السنن لخطبة الجمعة يسن للخطيب عند الخطبة وأثناءها عدد من السنن تتمثل في المطالب التالية: المطلب الأول: الطهارة. المطلب الثاني: ستر العورة، وإزالة النجاسة. المطلب الثالث: التجمل. المطلب الرابع: أن تكون على منبر أو موضع عال. المطلب الخامس: استقبال الخطيب للناس. المطلب السادس: استقبال الناس للخطيب. المطلب السابع: السلام على الناس. المطلب الثامن: الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن. المطلب التاسع: الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها. المطلب العاشر: رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب. المطلب الحادي عشر: الجلسة بين الخطبتين.

стр. 173

المطلب الأول: الطهارة وفيها مسألتان: المسألة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) . المسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأصغر. المسألة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) اختلف الفقهاء في اشتراط طهارة الخطيب حال الخطبة من الحدث الأكبر، وذلك على قولين: القول الأول: لا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر للخطيب حال الخطبة، بل تستحب. وبهذا قال الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه (١) وهو الظاهر من قول المالكية، حيث أطلقوا القول بصحة الخطبة مع الحدث (٢)

стр. 174

وهو قول للشافعية (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه (٢) . القول الثاني: تشترط الطهارة من الحدث الأكبر. وبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٣) وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه، بل ذكر بعضهم أن خطبة الجنب لا تصح قولا واحدا (٤) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٥) بل قال في المغني: " والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة، فإن أصحابنا قالوا يشترط قراءة آية فصاعدا، وليس ذلك للجنب. . . . " (٦) . الأدلة: دليل أصحاب القول الأول:

стр. 175

أن الخطبة من باب الذكر، والجنب لا يمنع من ذكر الله - تعالى - (١) . دليل أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول: أولا: من السنة: أن النبي ﷺ كان يخطب متطهرا (٢) وقد قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) (٤) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الخطبة وإن كانت شرطا للصلاة وأمرا مرتبطا بها إلا أنها ليست بصلاة يشترط لها ما يشترط للصلاة. الوجه الثاني: أن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب.

стр. 176

ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة كما جاء في بعض الآثار (١) ولهذا لا تجوز في غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة كما تشترط للصلاة (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الآثار الواردة في أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة لم يثبت شيء منها حسب اطلاعي. الوجه الثاني: أن اعتبارها بالصلاة غير سديد، فهي تؤدى حال استدبار القبلة، ولا يفسدها الكلام بخلاف الصلاة (٣) . ٢ - أن قراءة القرآن في الخطبة واجبة، ولا تحسب قراءة الجنب، فلا تصح خطبته (٤) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن وجوب قراءة القرآن في الخطبة محل خلاف كما تقدم (٥) فمن الفقهاء من يرى أنها سنة.

стр. 177

الترجيح: بعد التأمل في أدلة القولين في المسألة تبين أنه ليس هناك أدلة واضحة على اشتراط الطهارة الكبرى لخطبة الجمعة، فيكون الظاهر عدم اشتراطها، بل تستحب؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، وهذا إذا كان الخطيب خارج المسجد - وإن كان فيه بعد -، فإن كان داخله فإنه يحرم عليه اللبث فيه للخطبة، فإن فعل صحت الخطبة مع الإثم، لأن الخلل حصل بأمر خارج عن الخطبة (١) والله أعلم بالصواب. [المسألة الثانية الطهارة من الحدث الأصغر] المسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأصغر اختلف الفقهاء في اشتراط طهارة الخطيب حال الخطبة من الحدث الأصغر، وذلك على قولين: القول الأول: لا تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل تستحب.

стр. 178

وبهذا قال الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه (١) والمالكية (٢) وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣) ورواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٤) . القول الثاني: تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة. وبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٥) والإمام الشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه (٦) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٧) .

стр. 179

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الاشتراط بما يلي: ١ - أن الخطبة من باب الذكر، والمحدث لا يمنع من ذكر الله - تعالى - (١) . ٢ - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان (٢) . ٣ - أن الخطبة ذكر ليس من شرطه استقبال القبلة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالتلبية، والشهادتين (٣) . ٤ - أن الخطبة لو افتقرت إلى الطهارة لافتقرت إلى استقبال القبلة، كالصلاة (٤) . ثانيا: واستدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول. أولا: من السنة: أن النبي ﷺ كان يصلي عقيب الخطبة،

стр. 180

لا يفصل بينهما بطهارة (١) فدل على أنه كان متطهرا (٢) . ثانيا: من المعقول: ١ - أن الطهارة مستحبة للأذان، فالخطبة أولى (٣) . ٢ - أن الخطيب لو لم يكن متطهرا لاحتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما، وربما شق على الحاضرين (٤) . دليل أصحاب القول الثاني: استدلوا من السنة، والمعقول: أولا: من السنة: استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول من أن النبي ﷺ لم يكن يفصل بين الخطبة والصلاة بطهارة (٥) فدل على أنه كان متطهرا (٦) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب كما تقدم.
следующие страницы →