← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31259

خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية

عبد العزيز الحجيلان

Полный текст (400 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[المبحث الرابع تقديمها على الصلاة] المبحث الرابع تقديمها على الصلاة ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أن تقديم الخطبة على الصلاة شرط من شروط صحتها، وأنها لو أخِّرت عن الصلاة فإنها لا تصح. فقد قال بذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . قال في الإنصاف مبينا عدم الخلاف في ذلك عند الحنابلة: " ويشترط تقدمهما [يعني الخطبتين] على الصلاة بلا نزاع " (٥) . بل قال في مغني المحتاج: ". . . بالإجماع إلا من شدَّ " (٦) .

стр. 72

الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول. أولا: من السنة: حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، وقد كان ﷺ يخطب قبل الصلاة، فيجب أن نفعل كفعله اقتداءً به (٢) . قال في المجموع: " وثبتت صلاته ﷺ بعد خطبتين " (٣) . ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطبة شرط لصحة الجمعة، والشرط لا يتأخر عن

стр. 73

المشروط له، بل يشترط أن يكون سابقا عليه (١) . لكن هذا لا يلزم في كل الأحوال، فقد يكون الشرط مصاحبا للمشروط. ٢ - أن الجمعة فريضة تؤدى جماعة، فأُخِّرت فيها الصلاة عن الخطبة ليدركها المتأخر (٢) .

стр. 74

[المبحث الخامس القيام] المبحث الخامس: القيام اختلف الفقهاء في اشتراط القيام للخطيب حال الخطبة، وذلك على ثلاثة أقوال: - القول الأول: أن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه وهذا هو القول الصحيح والمشهور عند الشافعية (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٢) . قال في الجامع لأحكام القرآن: " وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء " (٣) . بل قال النووي (٤) " وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على

стр. 75

أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه (١) . ولكن هذه الدعوى - أي دعوى الإجماع - مردودة بما سيأتي من قول أصحاب القول الثاني. القول الثاني: أن قيام الخطيب حال الخطبة سنة. وبهذا قال الحنفية (٢) وبعض المالكية (٣) وهو وجه عند الشافعية (٤) ولكن قال عنه في المجموع: " وهو شاذ ضعيف أو باطل " (٥) . وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم (٦) .

стр. 76

القول الثالث: أن قيام الخطيب حال الخطبة واجب، فإن خطب جالسا مع القدرة على القيام فقد أساء، وتجزئه. وبهذا قال أكثر المالكية (١) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول. أولا: من الكتاب: قول الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٢) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أخبر أن النبي ﷺ كان يخطب قائما، وقد قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣) مع قوله - تعالى -:

стр. 77

﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (٢) مع قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) (٤) . مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه حكاية فعل، وذلك لا يدل على الوجوب بل على الاستحباب (٥) . وأما التأسي به واتباعه وأخذ ما جاء به ﷺ فهو حسب صيغة ما جاء، فما جاء بصيغة الأمر وجب العمل به، وما جاء بصيغة الاستحباب أو مجرد فعل كهذا فإنه يستحب العمل به ولا يجب، وأما الأمر بالصلاة كما صلى فإن الخطبة ليست صلاة، وفي الاستدلال به على الوجوب خلاف كما تقدم. ثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان

стр. 78

النبي ﷺ يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال: إنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فلقد والله صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة» (١) . قال النووي: " وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائما في الخطبتين " (٢) . ثم قال - أي النووي - على قوله: «ألفي صلاة» : " المراد الصلوات الخمس لا الجمعة " (٣) . ولا شك أن هذا الحديث يدل على مواظبته ﷺ على القيام حال الخطبة. ٢ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٤) .

стр. 79

٣ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير الشام. . .» الحديث (١) . وفي لفظ: «بينا النبي ﷺ قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة. . .» الحديث (٢) . وجه الدلالة من الحديثين: قال في التمام بعد الاستدلال بهما: " وفعل النبي ﷺ إذا تعلق بالقرينة وجب الاقتداء به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣) (٤) . ولم يبيّن القرينة، ولعل المواظبة الكاملة التي دل عليها حديث جابر بن سمرة ﵁ قرينة مع ما سبق. ٤ - ما رواه طاوس (٥) قال: ١١ خطب رسول الله - صلى الله

стр. 80

عليه وسلم - قائما، وأبو بكر قائما، وعمر قائما، وعثمان قائما، وأول من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان " (١) . وفيه دلالة على مواظبة النبي ﷺ وخلفائه على القيام حال الخطبة. ولكن هذا مرسل كما هو واضح؛ لأن طاوس تابعي. قال في فتح الباري - في معرض استدلاله بهذه الأدلة وتوجيهها -: " وبمواظبة النبي ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس " (٢) . ثالثا: من آثار الصحابة: ١ - تقدم ما رواه طاوس عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وقد ورد بلفظ: " لم يكن أبو بكر ولا عمر يقعدون على المنبر يوم الجمعة، وأول من قعد معاوية " (٣) .

стр. 81

٢ - ما روي عن كعب (١) بن عجرة ﵁ أنه دخل المسجد وعبد الرحمن (٢) بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: " انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٣) " (٤) . وفي رواية: " ما رأيتُ كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس "، يقول ذلك مرتين (٥) . وقد وجه النووي الاستدلال به بتوجيهه للآية فيما سبق.

стр. 82

ولا شك أن إنكار كعب هذا مع هذا الوصف الذميم، وتعليله بخطبته جالسا مع الاستدلال بالآية يدل على ما فهمه الصحابة ﵃ من المواظبة عن النبي ﷺ ومن بعده من الوجوب، والرواية الثانية تدل على أن عليه عمل المسلمين قاطبة مع عدم العذر. قال ابن العربي المالكي عن الاستدلال بكل ما سبق: " وملازمة النبي ﷺ والصحابة القيام أصل في الوجوب، والعمدة قول الله - تعالى -: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] فذمهم، وذلك دليل على الوجوب المختص به، ولا سيما وقد قلنا إنه عوض عن الركعتين، والقيام واجب في العوض فوجب في المعوض (١) . لكن القول بأن الخطبتين بدل عن الركعتين محل نظر سبق بيانه عدة مرات (٢) . رابعا: من المعقول: أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (٣) .

стр. 83

أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول. أولا: من الكتاب: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أطلق الذكر في الآية ولم يقيده بحال القيام، والمقصود يحصل بدونه، فدل على عدم اشتراط القيام حال الخطبة (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الله بيّن بعد هذه الآية أن هذا الذكر في حال القيام، وذلك في قوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٣) فكأنه تقييد لما قبله.

стр. 84

الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أتى بهذا الذكر قائما وواظب على ذلك، وكذلك الخلفاء كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وذلك بيان لإطلاق الآية. ثانيا: من السنة: ١ - ما روي أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي ﵁ وقد امتروا (١) في المنبر مِمَّ عُوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُهُ أول يوم وضِعَ، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ؛ أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة (٢) ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه

стр. 85

وسلم - فأمر بها فوُضِعتْ هاهنا، ثم رأيتُ رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى (١) فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (٢) . الشاهد من الحديث قوله ﷺ : «أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس» . والحديث واضح الدلالة حسب قولهم. مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه يحتمل أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين (٣) . ٢ - ما رواه أبو سعيد الخدري (٤) ﵁ قال:

стр. 86

«إن رسول الله ﷺ جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله» الحديث (١) . وهذا الحديث واضح الدلالة حسب قولهم. مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن هذا في غير خطبة الجمعة، فلا دليل فيه (٢) . ثالثا: من آثار الصحابة: ١ - ما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يخطب قاعدا (٣) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن المشهور عنه ﵁ القيام حال الخطبة كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول وغيرها، وإنما فعل ذلك لعارض حيث كان يصيبه رعدة لكبر

стр. 87

سنه، ولم يثبت عنه أيضا أنه كان يخطب عند جلوسه في هذه الرعدة كما في بعض الآثار (١) . ٢ - ما روي عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه كان يخطب وهو قاعد (٢) . مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن جلوسه كان لعذر، فقد روي عنه أنه خطب جالسا لما كثر شحم بطنه ولحمه (٣) (٤) . وقد أورد في فتح الباري وجه الاحتجاج بهذين الأثرين وأجاب عنه حيث قال: " وأما من احتجَّ بأنه لو كان شرطا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعدة، فجوابه: أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن الخلاف شر " (٥) .

стр. 88

رابعا: من المعقول: ١ - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه القيام، قياسا على الأذان، والإقامة (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قد ورد من الأدلة على القيام في الخطبة والمواظبة عليه، والإنكار على تركه كما تقدم في أدلة القول الأول ما لم يرد في الأذان والإقامة، فلا يصح القياس. ٢ - أن الخطبة ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، كالأذان (٢) . ويناقش بما نوقش به ما قبله. أدلة أصحاب القول الثالث: الظاهر أنهم يستدلون على الوجوب بما استدل به أصحاب القول الأول. وأما الإجزاء عند عدم القيام مع عدم العذر فاستدلوا عليه بما يلي: -

стр. 89

١ - ما استدل به أصحاب القول السابق من أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة لأجلها، فلم يكن من صحته القيام كالأذان، والإقامة (١) . ويناقش بما تقدم مناقشته به. ٢ - أن الغرض من القيام أن يشاهد الناس الخطيب ويتمك نوا من سماع الخطبة، فلم يؤثر الإخلال به، كالصعود على المنبر (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الصعود على المنبر عندهم - أي المالكية - سنة وليس بواجب (٣) بل هو سنة بالإجماع (٤) كما سيأتي، فهم قاسوا أمرا واجبا على سنة، فلا يصح. الوجه الثاني: أنه قد جاء في القيام من الأدلة ما لم يأت في الصعود على المنبر، فلا يقاس عليه.

стр. 90

الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلتها والمناقشات الواردة عليها تبين أن الأدلة فعلية في الجملة، ولكنها دالة على المواظبة، ليس من النبي ﷺ فحسب بل ومن خلفائه من بعده، حتى ورد الإنكار الشديد على من قعد، فالذي يظهر من ذلك - والله أعلم بالصواب - رجحان القول الأول القائل بأن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه.

стр. 91

[المبحث السادس الجهر بالخطبة] المبحث السادس الجهر بالخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط جهر الخطيب بالخطبة، وذلك على قولين: القول الأول: أنه يشترط جهر الخطيب بالخطبة بحيث يسمعه العدد المعتبر إن لم يكن مانع. وبهذا قال المالكية (١) وهو الصحيح عند الشافعية (٢) . وبه قال الحنابلة (٣) . القول الثاني: أنه لا يشترط الجهر بالخطبة، فلو خطب سرا أجزأ. وبهذا قال الحنفية (٤) والشافعية في وجه عندهم (٥)

стр. 92

لكن قال عنه النووي: " وهو غلط " (١) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول. أولا: من الكتاب: ١ - قول الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (٢) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالسعي إلى ذكره، ويدخل في ذكره الخطبة كما تقدم، وإنما أمرهم ليستمعوا ويتعظوا ويتذكروا، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل على أن الجهر مأمور به، فهو واجب على الخطيب. ٢ - قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية (٣) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أنَّبَهُمْ على ترك الخطبة

стр. 93

والانفضاض للتجارة، فدل على وجوب الاستماع للخطبة لمن حضرها وعدم الانصراف لغير عذر، فاقتضى ذلك ضمنا الأمر بالجهر بها، والأصل في الأمر الوجوب. ثانيا: من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب فقد لغوت» (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالإنصات للخطبة، وحرم السلام حالها، وهذا لا يكون له فائدة إلا إذا كان الإمام يجهر بها، فاقتضى ذلك وجوب الجهر بالخطبة. ثالثا: من المعقول: أن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل ذلك على اشتراطه (٢) .

стр. 94

دليل أصحاب القول الثاني: لم أطلع على دليلٍ لهم، ولكن لعلهم يستدلون بأن الوارد مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب. ولكن يناقش هذا بأنه وإن كان مجرد فعل إلا أنه لا يتحقق المقصود من الخطبة بدونه مطلقا، وهو الوعظ والتذكير، فيكون وجوبه مستمدًا من أصل وجوب الخطبة ذاتها، والله أعلم. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجهر بالخطبة شرط لصحتها؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة كما تقدم، والجهر وسيلة لأدائها وتحقيق المقصود منها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 95

[المبحث لسابع كونها باللغة العربية] المبحث السابع كونها باللغة العربية اتفق الفقهاء كما هو واضح من كلامهم الآتي على أن الأولى أن تكون الخطبة باللغة العربية، ولكنهم اختلفوا في اشتراط ذلك باستثناء قراءة القرآن فيها عند من يقول بأنها ركن كما سيأتي، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها، إلا إذا كان السامعون جميعا لا يعرفون العربية فإنه يخطب بلغتهم. وهذا الوجه الصحيح عند الشافعية (١) وبه قال بعض الحنابلة (٢) . القول الثاني: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها ولو كان السامعون لا يعرفون العربية. وبهذا قال المالكية (٣) وهو المذهب والمشهور عند

стр. 96

الحنابلة (١) . القول الثالث: يستحب أن تكون بالعربية. وهذا هو الظاهر من إطلاق الحنفية لجواز الخطبة بغير العربية (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الجواز مع القدرة على العربية بما يلي: القياس على قراءة القرآن، فكما أنها لا تجزئ بغير العربية، فكذلك خطبة الجمعة (٤) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بما نقله في الفروع عن القاضي (٥) وهو قوله: " إن لفظ القرآن دليل النبوة وعلامة الرسالة

стр. 97

ولا يحصل بالعجمية، والخطبة المقصود بها الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على رسوله، ولأن القرآن الاعتبار فيه باللفظ والنظم دون المعنى، والخطبة يجزئ فيها المعنى " (١) . ثانيا: واستدلوا على الجواز مع عدم القدرة على العربية بما يلي: أن المقصود بالخطبة الوعظ والتذكير، وذلك يحصل بغير العربية (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه إذا كان هذا هو المقصود فإنها تجوز مع القدرة إذا كان المستمعون لا يعرفون العربية، فيكون الدليل حجة عليهم. أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول.

стр. 98

أولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) (٢) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالصلاة كما صلى، وقد كان يخطب باللغة العربية، فيجب أن نفعل كما فعل. مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطبة ليست من الصلاة، كما أن الاستدلال بهذا الحديث على الوجوب محل نظر كما تقدم أكثر من مرة. ثانيا: من الآثار: أن السلف والخلف كانوا يخطبون بالعربية، فيجب اتباعهم في ذلك (٣) .

стр. 99

ثالثا: من المعقول: أن الخطبة ذكر مفروض، فشرط فيه العربية، كالتشهد، وتكبيرة الإحرام (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق بين الخطبة وبين التشهد وتكبيرة الإحرام، حيث لم ترد الخطبة بلفظ مخصوص، بل المقصود حصول الوعظ بأي لفظ كان، بخلاف التشهد وتكبيرة الإحرام، والله أعلم. دليل أصحاب القول الثالث: أن المقصود هو الوعظ، وهو حاصل بكل اللغات (٢) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن حصوله باللغة العربية أبلغ وأكثر فائدة وتأثيرا، ولذلك اختارها الله - تعالى - لكتابه وشرعه، وهي التي كان يخطب بها الرسول ﷺ وخلفاؤه والمسلمون من بعدهم، فهي المتعينة، والله أعلم. الترجيح: الذي يظهر في هذه المسألة بعد التأمل في الأقوال وأدلتها - والله أعلم بالصواب - هو رجحان القول باشتراط أن تكون خطبة

стр. 100

الجمعة باللغة العربية، لكن إن كان جميع الحاضرين لا يعرفونها، فإن للإمام بعد أن يأتي بها باللغة العربية أن يأتي بها بلغتهم، لما استدل به أصحاب القولين الأول والثاني من الأدلة، ولأن في ذلك خروجا من الخلاف وتحقيقا للمقصود، وهذا ما أفتى به سماحة الشيخ محمد (١) بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (٢) واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة (٣) واختار فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - القول الأول (٤) .

стр. 101

[المبحث الثامن الموالاة في الخطبة] [تمهيد] المبحث الثامن الموالاة في الخطبة وفيه تمهيد، ومطلبان: التمهيد: في معنى الموالاة، وضابطها هنا. المطلب الأول: الموالاة بين أجزاء الخطبة. المطلب الثاني: الموالاة بين الخطبة والصلاة. التمهيد معنى الموالاة وضابطها هنا معنى الموالاة: المتابعة بين أجزاء الشيء. قال في اللسان: " والى بين الأمر موالاة وولاء: تابع، وتوالى الشيء: تتابع، والموالاة: المتابعة، وافعل هذه الأشياء على الولاء: أي متتابعة. . . . " (١) . وقال في مختار الصحاح: " يقال: والى بينهما ولاء بالكسر أي تابع، وافعل هذه الأشياء على الولاء، أو متتابعة، وتوالى عليهم شهران، تتابع " (٢) .

стр. 102

وقال في المصباح: " والاه موالاة وولاء من باب قاتل: تابعه، وتوالت الأخبار: تتابعت " (١) فبناء على ذلك يكون معنى موالاة الخطبة المتابعة بين أجزائها بدون فاصل طويل. وأما ضابطها هنا فهو عدم الفصل الطويل عادة، قال في المغني: " والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة " (٢) . [المطلب الأول الموالاة بين أجزاء الخطبة] المطلب الأول الموالاة بين أجزاء الخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة على قولين: القول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل عادة وجب الاستئناف. وبهذا قال المالكية (٣) وهو القول الصحيح عند الشافعية (٤)

стр. 103

والقول الصحيح عند الحنابلة (١) . القول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب الاستئناف ولو طال الفصل. وهذا قول للشافعية (٢) وقول للحنابلة (٣) . الأدلة: دليل أصحاب القول الأول: أن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير واستمالة القلوب، ومع عدم الموالاة لا يتحقق ذلك على الوجه المطلوب لانفصال بعض الكلام عن بعض (٤) . دليل أصحاب القول الثاني: أن الغرض من الخطبة الوعظ والتذكير، وهذا يحصل مع تفريق الكلمات (٥) .

стр. 104

مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بحصول ذلك لكل الحاضرين وعلى الوجه المطلوب كما تقدم في دليل أصحاب القول الأول. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة لما يلي: ١ - قوة دليله العقلي، وضعف دليل القول الثاني. ٢ - أن الخطبة شيء واحد، والشيء الواحد يجب الترابط بين أجزائه كالوضوء، والصلاة، ونحوهما. ٣ - أن عدم الموالاة قد يؤدي إلى تعدد الخطب في الجمعة أكثر مما ورد وخاصة إذا تعددت موضوعات الخطبة، وتقدم أن المشروع فيها خطبتان. ٤ - أن عدم الموالاة يؤدي إلى السآمة والملل من قبل السامعين.

стр. 105

[المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة] المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، وذلك على قولين: القول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل وجب استئناف الخطبة. وبهذا قال المالكية (١) وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (٢) . وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣) . القول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب استئناف الخطبة ولو طال الفصل. وهو القول القديم للإمام الشافعي (٤) وقول الحنابلة (٥) .

стр. 106

الأدلة: دليل أصحاب القول الأول: أن الخطبة والصلاة في الجمعة شبيهتان بصلاة الجمع، فلم يجر التفريق بينهما (١) . أما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم. الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، لما استدلوا به، ولأن الخطبة للجمعة فهي تسمى " خطبة الجمعة "، وهذا يتطلب اتصالها بالصلاة وإلا لم تكن لها.

стр. 107

[الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة] [التهميد] الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة (١) وفيه تمهيد، وستة مباحث: التمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا. المبحث الأول: حمد الله - تعالى -. المبحث الثاني: الصلاة على النبي ﷺ . المبحث الثالث: الموعظة. المبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن. المبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها. المبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها.

стр. 108

التمهيد خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في خطبة الجمعة إجمالا من المناسب قبل الكلام على ما ذكره بعض الفقهاء من أركان لخطبة الجمعة بالتفصيل التمهيد له بذكر الخلاف في مبدأ إيجاب توفر أركان لها وما تحصل به؛ لأن ما بعده من تفصيل القول في كل ركن على حدة ينبني عليه، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال: القول الأول: ليس لها أركان، بل تحصل بما يقع عليه اسم الخطبة عرفا. وبهذا قال أبو يوسف (١) ومحمد بن الحسن (٢) صاحبا أبي

стр. 109

حنيفة (١) والإمام مالك في رواية عنه، وهو المشهور من مذهب أصحابه (٢) . وهو الظاهر من قول شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله - حيث جاء في الاختيارات: " ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود " (٣) . واختاره الشيخ السعدي (٤) ﵀ حيث قال في معرض كلامه على الخطبتين: " والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف وإن لم يلتزم بتلك المذكورات،

стр. 110

نعم من كمال الخطبة الثناء على الله وعلى رسوله. . . " (١) . وقال عندما سئل عن اشتراط الأركان الأربعة في كل من الخطبتين: " اشتراط الفقهاء والأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب فقد أتى بالخطبة، ولكن لا شك أن حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة شيء من القرآن من مكملات الخطبة، وهي زينة لها " (٢) . وبه قال ابن حزم (٣) . القول الثاني: لا تحصل إلا بتوفر أركان فيها منها: حمد الله، والصلاة على النبي ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله. وبهذا قال الشافعية في المشهور من مذهبهم (٤) وهو
следующие страницы →