ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة كما جاء في بعض الآثار (١) ولهذا لا تجوز في غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة كما تشترط للصلاة (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الآثار الواردة في أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة لم يثبت شيء منها حسب اطلاعي.
الوجه الثاني: أن اعتبارها بالصلاة غير سديد، فهي تؤدى حال استدبار القبلة، ولا يفسدها الكلام بخلاف الصلاة (٣) .
٢ - أن قراءة القرآن في الخطبة واجبة، ولا تحسب قراءة الجنب، فلا تصح خطبته (٤) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن وجوب قراءة القرآن في الخطبة محل خلاف كما تقدم (٥) فمن الفقهاء من يرى أنها سنة.
стр. 177
الترجيح: بعد التأمل في أدلة القولين في المسألة تبين أنه ليس هناك أدلة واضحة على اشتراط الطهارة الكبرى لخطبة الجمعة، فيكون الظاهر عدم اشتراطها، بل تستحب؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، وهذا إذا كان الخطيب خارج المسجد - وإن كان فيه بعد -، فإن كان داخله فإنه يحرم عليه اللبث فيه للخطبة، فإن فعل صحت الخطبة مع الإثم، لأن الخلل حصل بأمر خارج عن الخطبة (١) والله أعلم بالصواب.
[المسألة الثانية الطهارة من الحدث الأصغر]
المسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأصغر اختلف الفقهاء في اشتراط طهارة الخطيب حال الخطبة من الحدث الأصغر، وذلك على قولين:
القول الأول: لا تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل تستحب.
стр. 178
وبهذا قال الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه (١) والمالكية (٢) وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣) ورواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٤) .
القول الثاني: تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة.
وبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٥) والإمام الشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه (٦) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٧) .
стр. 179
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الاشتراط بما يلي:
١ - أن الخطبة من باب الذكر، والمحدث لا يمنع من ذكر الله - تعالى - (١) .
٢ - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان (٢) .
٣ - أن الخطبة ذكر ليس من شرطه استقبال القبلة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالتلبية، والشهادتين (٣) .
٤ - أن الخطبة لو افتقرت إلى الطهارة لافتقرت إلى استقبال القبلة، كالصلاة (٤) .
ثانيا: واستدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول.
أولا: من السنة: أن النبي ﷺ كان يصلي عقيب الخطبة،
стр. 180
لا يفصل بينهما بطهارة (١) فدل على أنه كان متطهرا (٢) .
ثانيا: من المعقول: ١ - أن الطهارة مستحبة للأذان، فالخطبة أولى (٣) .
٢ - أن الخطيب لو لم يكن متطهرا لاحتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما، وربما شق على الحاضرين (٤) .
دليل أصحاب القول الثاني: استدلوا من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة: استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول من أن النبي ﷺ لم يكن يفصل بين الخطبة والصلاة بطهارة (٥) فدل على أنه كان متطهرا (٦) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب كما تقدم.
стр. 181
ثانيا: من المعقول: ١ - ما استدلوا به على الاشتراط في المطالب السابقة من أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة، كما جاء في بعض الآثار، ولهذا لا تجوز غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة كما تشترط للصلاة (١) .
ويناقش بما تقدم مناقشته به في المطالب السابقة.
٢ - أن الخطبة ذكر شرط في الجمعة، فشرط فيه الطهارة، كتكبيرة الإحرام (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإحرام جزء من الصلاة، فيشترط لها ما يشترط لسائر الصلاة، بخلاف الخطبة فليست كذلك.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل إنها مستحبة، لقوة ما استدلوا به وخاصة ما ورد عن النبي ﷺ فهو مجرد فعل.
стр. 182
[المطلب الثاني ستر العورة وإزالة النجاسة]
المطلب الثاني
ستر العورة وإزالة النجاسة لم يتطرق كثير من الفقهاء - فيما اطلعت عليه - للكلام على اشتراط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، ومنه الحنفية، والمالكية، ولعل ذلك عائد إلى وضوح الحكم فيه عندهم؛ لكونه يأخذ حكم الطهارة من الحدث الأكبر، وقد تقدم أنه سنة.
وأما عند الشافعية، والحنابلة فيجري في ذلك الخلاف الذي جرى في الطهارة من الحدث الأصغر في المطلب السابق، وهو كما يلي:
القول الأول: لا يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، بل يسنّ.
وهذا هو القول القديم للإمام الشافعي (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (٢) كما تقدم في الطهارة الصغرى، قال في الإنصاف: " وحكم ستر العورة
стр. 183
وإزالة النجاسة حكم الطهارة الصغرى في الإجزاء وعدمه " (١) .
القول الثاني: يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة.
وهذا هو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (٢) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٣) .
ولم يصرحوا بأدلة على ذلك، والظاهر أنهم يستدلون بما استدلوا به على اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر، فاكتفوا بذكرها هناك، والظاهر فيها رجحان السنية كما ظهر هناك، والله أعلم.
[المطلب الثالث التجمل]
[المسألة الأولى لبس أحسن ثيابه]
المطلب الثالث: التجمل (٤) وفيها مسألتان:
المسألة الأولى: لبس أحسن ثيابه.
المسألة الثانية: لون الثياب التي يتجمل بها.
стр. 184
المسألة الأولى: لبس أحسن ثيابه: لا خلاف في استحباب لبس أحسن الثياب للجمعة كما ذكر في المغني (١) وقد ثبتت أحاديث كثيرة في ذلك منها:
١ - ما رواه أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة، واستن، ومسّ من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها» (٢) .
٢ - ما رواه أبو أيوب (٣) ﵁ قال: سمعت
стр. 185
رسول الله ﷺ يقول: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما» (١) .
٣ - ما رواه عبد الله (٢) بن سلام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم إن وجد أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٣) .
стр. 186
قال في المغني: " والإمام في هذا ونحوه آكد من غيره؛ لأنه المنظور إليه من بين الناس " (١) .
وقد نص الشافعية (٢) والحنابلة (٣) على أنه يسنّ له أن يعتم ويرتدي اقتداء بالنبي ﷺ في ذلك.
ودليل الاعتمام: ما رواه عمرو بن حريث ﵁ قال: «أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء» (٤) .
ودليل الارتداء ببرد: ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان للنبي ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة» (٥) .
ومع ما ورد عنه ﷺ في الاعتمام والارتداء أثناء الخطبة إلا أن هذا يحمل على أن هذه هي أحسن
стр. 187
ثيابهم في وقتهم، وإلا فلا تلزم بعينها؛ لأن المقصود هو التجمل في الأحاديث التي تقدمت، ومن المعلوم أن لكل بلد ثيابا خاصة، ولكل زمان ثياب خاصة، تعتبر هي أحسن الثياب عند الناس فيه، والواقع شاهد بذلك. وأما أن يتخذ الخطيب لباسا معينا يختلف به عن الناس، ويلتزم به وينكر عليه لو تركه فهذا مما لا أصل له، قال ابن القيم (١) ﵀ مبينا هدي النبي ﷺ في خطبته ومنكرا لما يُتخذ من ذلك في وقته: " ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم لا طرحة (٢) ولا زيقا (٣) واسعا (٤) وقال في موضع
стр. 188
آخر: " ولا طيلسان (١) ولا طرحة " (٢) .
[المسألة الثانية لون الثياب التي يتجمل بها]
المسألة الثانية: لون الثياب التي يتجمل بها اختلف الفقهاء في لون الثياب التي يفضل للخطيب التجمل بها أثناء خطبة الجمعة، وذلك على قولين:
القول الأول: الأفضل له لبس البياض.
وبهذا قال الحنابلة (٣) .
القول الثاني: يخير بين البياض والسواد.
стр. 189
وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: ١ - ما رواه سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا ثياب البيض فإنها أطهر وأطيب» (٣) .
٢ - ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خير ثيابكم البياض، ألبسوها
стр. 190
أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» (١) .
فهذا العموم يدخل فيه الخطيب حال خطبة الجمعة، بل هو أولى لما سبق من الحث على تحسين الثياب، ومن تحسينها بياضها.
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا على البياض بما استدل به أصحاب القول الأول.
واستدلوا على السواد بحديث عمرو بن حريث ﵁ «أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء» (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن ذلك في غير خطبة الجمعة، بل في فتح مكة؛ لما جاء في حديث جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة
стр. 191
سوداء بغير إحرام» (١) قال ابن القيم بعد أن ذكر ذلك واستدل به على جواز لبس السواد أحيانا: " والنبي ﷺ لم يلبسه لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض " (٢) .
الوجه الثاني: أن فعله هذا لبيان الجواز جمعا بينه وبين أدلة القول الأول.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الأفضل للخطيب في الجمعة لبس البياض، لعموم ما استدلوا به، وعموم أدلة استحباب لبس أحسن الثياب المتقدمة في الأمر الأول.
هذا ما لم يكن هناك حاجة تدعو إلى لبس غيره كبرد أو غيره، فإنه يلبس ما يدفع حاجته ويقيه من الضرر.
стр. 192
[المطلب الرابع أن تكون على منبر أو موضع عال]
[تمهيد]
المطلب الرابع
أن تكون على منبر أو موضع عال وفيها تمهيد، وثلاث مسائل:
التمهيد في تعريف المنبر أو ما يقوم مقامه.
المسألة الأولى: حكم اتخاذه.
المسأله الثانية: حكم الخطبة عليه.
المسألة الثالثة: مكانه، ومكان الوقوف عليه.
التمهيد: تعريف المنبر. المنبر: مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع.
قال في القاموس: " نبر الحرف ينبره: همزه، والشيء رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم " (١) .
وقال في اللسان: " النبر بالكلام الهمز، قال: وكل شيء رفع شيئا فقد نبره. . . والنبرة وسط النقرة، وكل شيء ارتفع من شيء نبره لانتباره. . . وكل ما رفعته فقد نبرته تنبره نبرا، وانتبر الجرح ارتفع وورم. . . والمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبرا لارتفاعه
стр. 193
وعلوه، وانتبر الأمير، ارتفع فوق المنبر " (١) .
وقال النووي: " المنبر - بكسر الميم - مشتق من النبر، وهو الارتفاع " (٢) .
وقال في المصباح: " النبر في الكلام الهمز، وكل شيء رفع فقد نبر، ومنه المنبر لارتفاعه، وكسرت الميم على التشبيه بالآلة " (٣) .
والمفهوم من جملة كلام الفقهاء أن المنبر هو ما يتخذ على يمين المحراب من مرتفع يتكون من درجات ليقوم عليه الخطيب أثناء الخطبة.
[المسألة الأولى حكم اتخاذ المنبر]
المسألة الأولى: حكم اتخاذ المنبر: أجمع الفقهاء على استحباب اتخاذ المنبر، وممن نقله النووي حيث قال في شرح مسلم: ". . . فيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مجمع عليها " (٤) .
стр. 194
وقال في المبدع: " واتخاذه سنة مجمع عليها " (١) .
الأدلة:
من الأدلة على ذلك ما يلي: ١ - ما روي «أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي ﵁ وقد امتروا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: (والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (٢) .
стр. 195
قال عنه في فتح الباري: " وفيه استحباب اتخاذ المنبر، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه " (١) .
٢ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار (٢) حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه» (٣) .
٣ - ما رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» (٤) .
قال عنه النووي: ". . . فيه استحباب اتخاذ المنبر " (٥) .
стр. 196
هذا طرف من الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ في اتخاذ المنبر، ثم توارثته الأمة من بعده حتى زمننا الحاضر.
قال الزركشي الحنبلي (١) ﵀: " وقد ثبت أن رسول الله ﷺ اتخذ منبرا، وخطب عليه، ولذلك توارثته الأمة بعده " (٢) .
[المسألة الثانية حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه]
المسألة الثانية: حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (٣) والمالكية (٤)
стр. 197
والشافعية (١) والحنابلة (٢) - إلى استحباب الخطبة للجمعة على منبر أو ما يقوم مقامه من موضع عال.
بل نقل النووي وغيره (٣) إجماع أهل العلم على ذلك. قال النووي في المجموع: " أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر " (٤) .
الأدلة:
أولا: الأدلة من السنة: بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة على مشروعية اتخاذ المنبر في الأمر السابق فهي - أيضا - تدل على استحباب الخطبة عليه استدلوا بما يلي:
١ - ما رواه السائب (٥) بن يزيد ﵁ قال:
стр. 198
«كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر. . .» الحديث (١) .
فالشاهد هنا قوله: «إذا جلس الإمام على المنبر» يعني ليخطب بعد الأذان عليه.
٢ - ما روته أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «لقد كان تنورنا (٢) وتنور رسول الله ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٣) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (٤) .
وهذا واضح الدلالة.
٣ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جاء
стр. 199
رجل (١) والنبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له: أركعت ركعتين؟ قال: لا، فقال: فاركع» (٢) .
وهذا - أيضا - واضح الدلالة.
هذا طرف من الأحاديث الكثيرة الدالة على استحباب الخطبة على المنبر.
ثانيا: من المعقول: ١- أن الخطبة على المنبر أبلغ في إعلام الحاضرين الذي يتحقق به مقصود الخطبة (٣) .
٢ - أن الإمام إذا كان على منبر شاهده الناس، وإذا شاهدوه كان أبلغ في وعظهم (٤) .
стр. 200
[المسألة الثالثة مكان المنبر ومكان الوقوف عليه]
المسألة الثالثة: مكان المنبر ومكان الوقوف عليه وفيها أمران:
الأمر الأول: مكان المنبر.
الأمر الثاني: مكان الوقوف عليه.
الأمر الأول: مكان المنبر: ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن السنة كون المنبر على يمين المحراب، أي على يمين مستقبل القبلة إذا كان في المحراب.
الدليل:
أن منبر النبي ﷺ كان على يمين محرابه،
стр. 201
فيسن الاقتداء به (١) .
هذا إذا وقف على المنبر، أما إذا وقف على الأرض فإنه يقف على يسار المحراب، خلاف المنبر (٢) .
الأمر الثاني: مكان الوقوف على المنبر: قال بعض الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إنه يقف على الدرجة التي تلي المستراح.
واستدلوا بالسنة، والمعقول:
стр. 202
أولا: من السنة: فعل النبي ﷺ كما ذكر صاحب المهذب وغيره (١) .
وقال في الفروع مبينا موقف النبي ﷺ والخلفاء من بعده: " وكان منبره ﵇ ثلاث درجات، يقف على الثالثة التي تلي مكان استراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم علي موقف النبي ﷺ ، ثم زمن معاوية قلعه مروان وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستا يقفون مكان عمر " (٢) .
لم أعثر على تخريج هذا الفعل فيما بين يدي من كتب السنة، لكن ذكره النووي في المجموع شرحا لكلام صاحب المهذب دون ذكر لمن أخرجه فقال: " وأما أن النبي ﷺ كان يقف على الدرجة التي تلي المستراح فهذا الحديث موجود في أكثر النسخ وليس موجودا في بعض النسخ
стр. 203
المقابلة بأصل المصنف، وهو حديث صحيح " (١) .
وقد ذكر بعض الشافعية إشكالا على الاستدلال بذلك، وهو أنه روي أن أبا بكر نزل عن موقف النبي ﷺ درجة، وعمر درجة أخرى، وعثمان أخرى، ووقف علي ﵁ في موقف النبي ﷺ .
لكن أجابوا عنه بأن كلا منهم له قصد صحيح، وليس بعضهم حجة على بعض، والمختار هو موافقة النبي ﷺ ؛ لعموم الأمر بالاقتداء به (٢) .
ثانيا: من المعقول: أن وقوف الخطيب على المستراح أمكن له، فيستحب (٣) .
وقد ذكر بعض الشافعية أنه يستحب للخطيب أن يقف في يمين المنبر إذا كان واسعا (٤) .
стр. 204
[المطلب الخامس استقبال الخطيب للناس]
[المسألة الأولى استقبال الناس واستدبار القبلة]
المطلب الخامس
استقبال الخطيب للناس وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: استقبال الناس واستدبار القبلة.
المسألة الثانية: أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت.
المسألة الأولى: استقبال الناس واستدبار القبلة: اختلف الفقهاء في حكم استقبال الخطيب الناس واستدبار القبلة أثناء الخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: أن ذلك سنة.
وبهذا قال الحنفية (١) وهو المشهور عند الشافعية (٢) والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣) .
стр. 205
القول الثاني: أنه واجب، فلو استدبرهم واستقبل القبلة لم يصح.
وبهذا قال بعض الشافعية (١) وبعض الحنابلة (٢) .
القول الثالث: أنه واجب، لكن لو استدبرهم واستقبل القبلة أجزأ.
وبهذا قال بعض الشافعية (٣) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول:
فمن السنة: فعل النبي ﷺ ، قال ابن القيم ﵀: " وكان وجهه ﷺ قبلهم في وقت الخطبة " (٤) ومما روي في ذلك ما يلي:
стр. 206
١ - ما رواه الشعبي قال «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه فقال: (السلام عليكم) ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (١) .
الشاهد قوله: " استقبل الناس بوجهه ".
ولكن هذا الحديث مرسل كما تقدم في تخريجه.
٢ - ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلم عليهم ثم قعد» (٢) .
стр. 207
ولكن هذا ضعيف أيضا كما في تخريجه.
ومن المعقول: أن الخطيب يعظ الناس بخطبته، ويوصيهم بتقوى الله - سبحانه - ومراقبته، فكان إقباله عليهم أبلغ في الانتفاع بها (١) .
ثانيا: واستدلوا على الصحة مع الاستدبار بما يلي: أن المقصود هو سماع الخطبة، وهو حاصل مع الاستدبار، كالأذان فإن من سننه استقبال القبلة، ويجزئ مع استدبارها (٢) .
أما أصحاب القولين الثاني والثالث فلم أطلع على أدلة لهم، ولكن لعلهم يستدلون على الوجوب بفعل النبي - صلى الله عليه سلم - ومواظبته، ولكن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب.
стр. 208
واستدل أصحاب القول الثاني على عدم الإجزاء بأن في الاستدبار تركا للجهة المشروعة، فلا تجزئ الخطبة (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن استقبال الجهة لا دليل على وجوبه، وإنما الوارد فيه فعل مجرد، وهو لا يدل على الوجوب كما أسلفت.
وأما أصحاب القول الثالث فلعلهم يستدلون على الإجزاء بما استدل به أصحاب القول الأول، والله أعلم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية استقبال الخطيب للناس واستدبار القبلة أثناء الخطبة؛ لما استدلوا به.
[المسألة الثانية أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت]
المسألة الثانية: أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت: اختلف الفقهاء في قصد الخطيب تلقاء وجهه أثناء الخطبة، وعدم الالتفات، وذلك على قولين:
стр. 209
القول الأول: يسن قصد تلقاء وجهه.
وبه قال الشافعية (١) والحنابلة (٢) .
القول الثاني: يسن الالتفات في بعض الخطبة.
وهذا منسوب إلى الإمام أبي حنيفة (٣) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة: فعل النبي ﷺ لذلك (٤) .
ويظهر أنهم أخذوا ذلك من حديثي ابن عمر ﵄ والشعبي المتقدمين في المسألة الأولى.
стр. 210
ثانيا: من المعقول: ١ - أنه إذا قصد وجهه عم الحاضرين سماعه، وإذا التفت يمينا قصر عن سماع يسرته، وإذا التفت شمالا قصر عن سماع يمنته (١) .
٢ - أن في إعراضه عمن أقبل إليه وقصد بوجهه إليه قبح عشرة، وسوء أدب (٢) .
دليل صاحب القول الثاني: استدل له النووي بأنه يسن الالتفات في بعض الخطبة قياسا على الأذان (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فإن الأذان إعلام لغير الحاضرين، فيحتاج فيه إلى الالتفات لإعلام من على اليمين والشمال، أما الخطبة فهي خطاب للحاضرين في المسجد، فلا حاجة فيه للالتفات؛ لحصول الإبلاغ بدونه.
قال النووي عن هذا القول ودليله: " وهذا غريب، لا
стр. 211
أصل له " (١) .
الترجيح: الذي يظهر - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأنه يسن أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه أثناء الخطبة فلا يلتفت؛ لقوة أدلته، وخاصة العقلية، وضعف القول الثاني.
وسيأتي - إن شاء الله - في المبحث الخامس بدعية الالتفات والكلام عليه.
[المطلب السادس استقبال الناس للخطيب]
المطلب السادس
استقبال الناس للخطيب اختلف الفقهاء في حكم استقبال الناس للخطيب أثناء الخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: يسن للناس استقباله.
وبهذا قال الحنفية (٢) والمالكية في قول
стр. 212
لهم (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) .
قال في المغني: " قال ابن المنذر (٤) هذا كالإجماع " (٥) .
القول الثاني: يجب على الناس استقباله.
وهذا قول للمالكية، قال بعضهم: إنه المذهب، وقيل: المذهب الأول (٦) .
القول الثالث: لا يسن للناس استقباله، وإنما يستقبلون القبلة.
стр. 213
وبهذا قال الحسن البصري، وسعيد (١) بن المسيب (٢) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة: فعل أصحاب رسول الله ﷺ أثناء خطبته وإقراره السكوتي لذلك، قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر المنبر: ". . . وكان إذا جلس عليه النبي ﷺ في غير الجمعة، أو خطب قائما في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم " (٣) .
стр. 214
ومن الأحاديث الواردة في هذا الفعل ما يلي: ١ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله. . .» الحديث (١) .
وجه الدلالة: أن جلوسهم حوله ﷺ لسماع كلامه، وهذا يقتضي نظرهم إليه غالبا (٢) .
٢ - ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد كما في
стр. 215
تخريجه.
٣ - ما رواه عدي (١) بن ثابت عن أبيه عن جده قال: «كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» (٢) .
وهذا واضح الدلالة كالذي قبله، ولكن في ثبوته كلام كما في تخريجه.
ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - ما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ