أصل له " (١) .
الترجيح: الذي يظهر - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأنه يسن أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه أثناء الخطبة فلا يلتفت؛ لقوة أدلته، وخاصة العقلية، وضعف القول الثاني.
وسيأتي - إن شاء الله - في المبحث الخامس بدعية الالتفات والكلام عليه.
[المطلب السادس استقبال الناس للخطيب]
المطلب السادس
استقبال الناس للخطيب اختلف الفقهاء في حكم استقبال الناس للخطيب أثناء الخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: يسن للناس استقباله.
وبهذا قال الحنفية (٢) والمالكية في قول
стр. 212
لهم (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) .
قال في المغني: " قال ابن المنذر (٤) هذا كالإجماع " (٥) .
القول الثاني: يجب على الناس استقباله.
وهذا قول للمالكية، قال بعضهم: إنه المذهب، وقيل: المذهب الأول (٦) .
القول الثالث: لا يسن للناس استقباله، وإنما يستقبلون القبلة.
стр. 213
وبهذا قال الحسن البصري، وسعيد (١) بن المسيب (٢) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة: فعل أصحاب رسول الله ﷺ أثناء خطبته وإقراره السكوتي لذلك، قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر المنبر: ". . . وكان إذا جلس عليه النبي ﷺ في غير الجمعة، أو خطب قائما في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم " (٣) .
стр. 214
ومن الأحاديث الواردة في هذا الفعل ما يلي: ١ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله. . .» الحديث (١) .
وجه الدلالة: أن جلوسهم حوله ﷺ لسماع كلامه، وهذا يقتضي نظرهم إليه غالبا (٢) .
٢ - ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد كما في
стр. 215
تخريجه.
٣ - ما رواه عدي (١) بن ثابت عن أبيه عن جده قال: «كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» (٢) .
وهذا واضح الدلالة كالذي قبله، ولكن في ثبوته كلام كما في تخريجه.
ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - ما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ
стр. 216
من خطبته (١) .
٢ - ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله (٢) .
٣ - ما روي عن عدي بن ثابت أنه كان يستقبل الإمام بوجهه إذا قام يخطب، فقيل له عن ذلك، فقال: " رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يفعلونه " (٣) .
стр. 217
٤ - وعن الزهري (١) أنه سئل عن استقبال الناس الإمام يوم الجمعة فقال: " كذا كانوا يفعلون " (٢) .
وظاهره أنه يقصد الصحابة ﵃ فيكون بمعنى ما قبله، ويؤيده.
ثالثا: من المعقول: ١ - أن الخطيب يعظ الناس، ولهذا استقبلهم بوجهه وترك استقبال القبلة، فيسن لهم أن يستقبلوه بوجوههم؛ لتظهر فائدة الوعظ، وتعظيم الذكر (٣) .
٢ - أن الإسماع والاستماع للخطبة كليهما واجب، وهذا وإن كان يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه لا يتكامل إلا به، فيسن (٤) .
стр. 218
٣ - أن الخطيب مقبل على الناس، فكان من الأدب إقبالهم عليه (١) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن الإمام ترك استقبال القبلة واستقبل الناس، ليكون أبلغ في وعظهم، فيجب عليهم أن يستقبلوه إجابة له وطاعة (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن القصد هو الوعظ كما جاء في مضمون الدليل، وهو الذي تجب على الناس إجابته وطاعة الإمام فيه، وهذا حاصل مع عدم الاستقبال، أما الاستقبال فهو وسيلة إلى حصول هذا القصد على وجه الكمال، والكمال ليس واجبا، فليس في عدم الاستقبال عدم إجابة وطاعة، لأنه غير مقصود لذاته.
دليل صاحبي القول الثالث: لم أطلع على أدلة لهما، ولعله يستدل لهما بما يلي:
стр. 219
١ - أن المقصود هو سماع الخطبة، وهذا حاصل مع عدم استقبال الخطيب.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان السماع يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه مع الاستقبال أكمل وأدعى للاستفادة، وأبعد عن الغفلة، فيسن.
٢ - أن سماع الخطبة عبادة، فاستقبال القبلة فيها أفضل كحال الدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن الكريم.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق، وذلك أن حال سماع الخطبة يكون الإنسان بحاجة إلى غيره وهو الخطيب للاستماع والاستفادة، بخلاف حال الدعاء والذكر والتلاوة فهو بحاجة إلى التفرغ لما هو مشتغل به.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية استقبال الخطيب أثناء الخطبة؛ لما استدلوا به، لكن إذا كان في استقباله مشقة وحرج أثناء ذلك لشدة زحام أو غيره كما هو الحال في كثير من المساجد الآن فلا بأس بتركه، قال في المبسوط: " وينبغي للرجل أن يستقبل
стр. 220
الخطيب بوجهه إذا أخذ في الخطبة. . . ولكن الرسم الآن أن القوم يستقبلون القبلة، ولم يؤمروا بترك هذا لما يلحقهم من الحرج في تسوية الصفوف بعد فراغه، لكثرة الزحام إذا استقبلوه بوجوههم في حالة الخطبة " (١) .
стр. 221
[المطلب السابع السلام على الناس]
[المسألة الأولى السلام إذا دخل المسجد]
المطلب السابع
السلام على الناس وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: السلام إذا دخل المسجد.
المسألة الثانية: السلام إذا صعد المنبر.
المسألة الأولى: السلام على الناس إذا دخل المسجد: ظاهر كلام أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - اتفاقهم على أنه يسنّ
стр. 222
للخطيب أن يسلم على من حوله إذا دخل وقبل أن يصعد المنبر.
الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.
أولا: من السنة: ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلَّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلَّم» (١) .
لكنه ضعيف الإسناد كما في تخريجه.
ثانيا: من المعقول: أن دخول الخطيب على الناس إقبال منه عليهم، فيسنّ له السلام عليهم، كالإقبال في سائر الأحوال (٢) .
[المسألة الثانية السلام على الناس إذا صعد المنبر]
المسألة الثانية: السلام على الناس إذا صعد المنبر: اختلف الفقهاء في حكم الخطيب على الناس إذا صعد
стр. 223
المنبر واستقبلهم، وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يسن سلامه عليهم.
وبهذا قال الشافعية (١) والحنابلة (٢) . قال في الإنصاف: " بلا نزاع " (٣) يعني عند الحنابلة.
القول الثاني: لا يشرع السلام عليهم.
وبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال:
стр. 224
«كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر سلم» (١) .
٢ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلَّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلَّم» (٢) .
٣ - ما رواه الشعبي قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: (السلام عليكم، ويحمد ال له، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (٣) .
стр. 225
وهذه الأحاديث واضحة الدلالة.
مناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها متكلم في صحتها كما في تخريجها.
ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - تقدم في حديث الشعبي فعل ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄.
٢ - ما روي عن عثمان ﵁ أنه كان إذا صعد المنبر سلَّم، فأطال قدر ما يقرأ إنسان أم الكتاب (١) .
ثالثا: من المعقول: أنه استقبال بعد استدبار، فيسنّ له التسليم، كما لو استدبر قوما ثم عاد فاستقبلهم (٢) .
أدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن عمل أهل المدينة المتصل بينهم عدم التسليم في هذه الحال، فلو كان عندهم شيء عن النبي ﷺ لم
стр. 226
يعدلوا عنه (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وهذا أصل من أصول المالكية لا يوافقون عليه.
٢ - أن صعود الخطيب على المنبر اشتغال بافتتاح عبادة، فلم يشترط فيه السلام، كسائر العبادات (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن أصحاب القول الأول لم يقولوا بالاشتراط، وإنما قالوا بالسنية، ثم إن الخطيب لم يشتغل بالافتتاح حتى الآن وإن كان قد صعد.
٣ - أن الخطبة ذكر يتقدّم الصلاة، فلم يشرع له السلام، كالأذان، والإقامة (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن سبب التسليم ليس لكون الخطبة ذكرا متقدما على الصلاة، وإنما لأجل الدخول والإقبال على الحاضرين، وهذا لا يتحقق في الأذان والإقامة.
٤ - القياس على الخطبة الثانية، فكما أنها لا تفتتح بالتسليم فكذلك الأولى (٤) .
стр. 227
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فالخطيب في الأولى قد دخل على الناس من خارج المسجد واستقبلهم فاقتضى عموم الأدلة التسليم، بخلاف الثانية فهو بينهم، ولم يحصل منه استقبال جديد، فلم يكن هناك ما يقتضي التسليم.
هذه المناقشات بناء على القول بأن الأحاديث التي استدلَّ بها أصحاب القول الأول لا تصلح جميعها للاستدلال، ولا يعضد بعضها بعضا، وإلا فإن من جعلها أو بعضها صالحة للاستدلال إنه يرد هذه الأدلة بأنها أدلة عقلية في مقابل نص، فلا يلتفت إليها. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية سلام الخطيب على الناس إذا صعد المنبر؛ لما استدلوا به، ولعموم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في الحث على إفشاء السلام.
стр. 228
[المطلب الثامن الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن]
المطلب الثامن
الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده وقبل البدء في الخطبة حتى يفرغ المؤذن، وذلك على قولين:
القول الأول: أن هذا الجلوس سنة.
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية في المشهور عندهم (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .
بل ذكر ابن عقيل الحنبلي (٥) إجماع الصحابة - رضي الله
стр. 229
عنهم - عليه (١) .
القول الثاني: أن هذا الجلوس واجب.
وبهذا قال بعض المالكية، وأنكر هذا القول بعضهم (٢) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.
أولا: من السنة: ١ - ما رواه السائب بن يزيد ﵁ قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر» . . .) الحديث (٣) .
وهذا واضح الدلالة.
٢ - ما رواه ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن -، ثم يقوم فيخطب،
стр. 230
ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» (١) .
وهذا واضح الدلالة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد، فلا يصلح للاحتجاج، ولكن كما قال النووي (٢) يغني عنه حديث السائب - الذي قبله - ". ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطيب بجلوسه بعد الصعود يستريح من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام (٣) .
٢ - أن في الجلوس بعد الصعود زيادة وقار، فيسنّ (٤) .
وأما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم، والظاهر أنهم يستدلون بحديث السائب الذي استدل به أصحاب القول الأول، لكنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب، بل على السنية
стр. 231
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده حتى يفرغ المؤذن؛ لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث السائب ﵁.
[المطلب التاسع اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها]
[المسألة الأولى حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها]
المطلب التاسع
اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم الاعتماد على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها.
المسألة الثانية: اليد التي يمسك بها ذلك.
المسألة الثالثة: ما يفعل بيديه إذا لم يعتمد على شيء.
المسألة الأولى: حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها: وفيها أمران:
الأمر الأول: حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو نحوهما.
الأمر الثاني: حكم الاعتماد على سيف.
стр. 232
الأمر الأول: حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما: اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس، أو عصا، وذلك على قولين:
القول الأول: يسنّ اعتماده على ذلك.
وبهذا قال المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) .
القول الثاني: يكره الاعتماد على ذلك.
وبه قال الحنفية (٤) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
стр. 233
استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة:
١ - ما رواه الحكم (١) بن حَزْنٍ الكُلَفِيُّ قال: «وفدتُ إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دُون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام مُتوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وابشروا» (٢) .
стр. 234
٢ - ما رواه عبد الله (١) بن الزبير ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخطب بمِخْصَرَةٍ (٢) في يده» (٣) .
٣ - ما روى عطاء (٤) بن أبي رباح أنه سُئِل: أكان النبي -
стр. 235
صلى الله عليه وآله وسلم - يقوم إذا خطب على عصا؟ قال: " نعم، كان يعتمد عليه اعتمادًا " (١) .
وهذا وإن كان مرسلا فقد جعله بعض المحدِّثين شاهدًا لحديث الحكم بن حزن المتقدم، فلهذا ذكرته.
٤ - ما رواه البراء بن عازب ﵁ «أن النبي ﷺ نُووِلَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه» (٢) .
٥ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «بدأ رسول الله ﷺ بالصلاة قبل الخطبة في العيدين بغير أذان ولا إقامة، قال: ثم خطب الرجال وهو متكئ على
стр. 236
قوس» . . . " الحديث (١) .
وهما وإن كانا في خطبة العيد إلا أن بعض أهل العلم (٢) استدل بها للجمعة أيضا، ولعل وجه ذلك أن كليهما قيام لوعظ الناس وتذكيرهم، فما يسنّ في أحدهما يسنّ في الأخرى ولاتفاقهما في كثير من الأحكام.
هذه هي أبرز وأصح الأحاديث الواردة في سنية اعتماد الخطيب على قوس أو عصا - حسب اطلاعي -، وقد ذكر صاحب " تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب " اثني عشر حديثا في ذلك من أبرزها ما ذكرت، والباقي شاذ أو ضعيف لإرسال أو غيره، أو موضوع.
وقد جعل ابن القيم فعل النبي ﷺ هذا قبل اتخاذ المنبر، أما بعده فلم يعتمد على شيء (٣) لكن ليس في الأحاديث السابقة دلالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 237
ثانيا: من المعقول: ١ - أن في الاعتماد على قوس أو عصا أو نحوهما شغلا عن مس اللحية والعبث باليد (١) .
٢ - أن اعتماد الخطيب على القوس أو العصا أو نحوهما أعون له، وأمكن لروعه، وأهدأ لجوارحه (٢) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن الاعتماد على القوس والعصا ونحوهما خلاف السنة، فيكره (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ثبت في السنة الاعتماد على ذلك كما في أدلة أصحاب القول الأول.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بسنية اعتماد الخطيب على قوس أو عصا
стр. 238
أو نحوهما في خطبة الجمعة، لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث الحكم بن حزن الذي حسَّنه بعض العلماء المحققين في علم الحديث كالنووي وابن حجر كما في تخريجه.
وهذا ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ حيث قال في تقرير له في ذكر فوائد حديث الحكم ابن حزن: " منها شرعية الاعتماد في الخطبة على قوس، أو عصا، وذلك لكونه أرفق للخطيب وأثبت له، ولا سيما إذا كان يطول وقوفه أو مقصود مهم، فكونه معتمدا على قوس أوعصا هو السنة، وخص القوس والعصا لأنهما يستصحبان عادة زمن النبي ﷺ كما تستصحب العصا عندنا " (١) . الأمر الثاني: اعتماد الخطيب على سيف: اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب على سيف أثناء خطبة الجمعة، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يشرع الاعتماد على السيف مطلقا.
стр. 239
وبهذا قال الإمام ابن القيم ﵀ (١) .
القول الثاني: يسنّ الاعتماد على السيف مطلقا كالقوس ونحوهما.
وبهذا قال المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .
القول الثالث: يسنّ الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة دون البلاد التي فتحت صلحًا.
وبهذا قال الحنفية (٥) .
الأدلة:
دليل صاحب القول الأول: استدل بعدم فعل النبي ﷺ لذلك (٦) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن في الاعتماد على السيف إشارة إلى أن هذا الدين فتح
стр. 240
به، وقام به، ولهذا يسنّ أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به (١) .
مناقشة هذا الدليل: ناقشه ابن القيم بأنه جهل قبيح من وجهين:
الوجه الأول: أن المحفوظ أنه ﷺ توكأ على العصا والقوس.
الوجه الثاني: أن الدين قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي ﷺ التي كان يخطب فيها إنما فُتحت بالقرآن، ولم تُفتح بالسيف (٢) .
أدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا على سنية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة بما يلي:
أن الخطيب إذا اعتمد على السيف في هذه البلاد فإنه يُري أهلها أنها فُتِحَتْ بالسيف، وأنهم إذا رجعوا عن الإسلام فذلك باقٍ بأيدي المسلمين، يقاتلونهم به حتى يرجعوا إلى الإسلام (٣) .
стр. 241
مناقشه هذا الدليل: يناقش بالوجه الثاني من مناقشة دليل القول السابق من أن الإسلام انتشر بالوحي، وبقاؤهم على الإسلام يكون بنشر الإسلام بينهم، لا بفرضه عليهم بحد السيف.
وأما قولهم بعدم مشروعية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت صلحا فالظاهر أنهم يستدلون بما استدل به صاحب القول الأول.
الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول الذي قال به ابن القيم ﵀، وهو عدم مشروعية اعتماد الخطيب في الجمعة على السيف؛ لقوة دليله، وعدم قيام الدليل على سنيته.
وهو ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ حيثما قال بعد الكلام على سنية الاعتماد على القوس والعصا: ". . . وأما السيف فليس بمشروع. . . " (١) .
стр. 242
[المسألة الثانية اليد التي يمسك بها الخطيب القوس أو العصا أو نحوهما]
المسألة الثانية: اليد التي يمسك بها الخطيب القوس، أو العصا، أو نحوهما: اختلف القائلون بسنية اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما أثناء خطبة الجمعة في اليد التي يمسك بها ذلك، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يمسكه بما شاء من يديه، والأخرى بحرف المنبر أو يرسلها.
وهذا هو المشهور من المذاهب عند الحنابلة (١) .
القول الثاني: يمسكه بيسراه، والأخرى بحرف المنبر.
وبهذا قال الشافعية (٢) وهو توجيه لصاحب الفروع من الحنابلة (٣) .
القول الثالث: يمسكه بيمناه.
وبهذا قال المالكية (٤) .
стр. 243
الأدله: لم أطلع على دليل لأصحاب القول الأول، والظاهر أنهم يستدلون بعدم ورود ما يدل على التحديد، فيبقى الخيار في ذلك للخطيب؛ لأنه أعرف بما يناسبه ويُمَكِّنه.
دليل أصحاب القول الثاني: ما تقدم في الفرع الثاني من المسألة السابقة بالنسبة للاعتماد على السيف من أن الاعتماد عليه إشارة إلى أن هذا الدين قام بالسيف، فيسنّ أن يكون في اليد اليسرى كعادة من يريد الجهاد (١) .
وقد سبق هناك مناقشة ذلك.
ولم أطلع على دليل لهم بالنسبة للقوس والعصا ونحوهما.
دليل أصحاب القول الثالث: لم أطلع على دليل صريح لهم، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلالي على ذلك بأن من الحكم في الاعتماد على القوس والعصا ونحوهما الابتعاد عن العبث باللحية ونحوها أثناء
стр. 244
الخطبة، والغالب استخدام اليد اليمنى في ذلك (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن ما ذكروه غير منضبط، فقد يحصل العبث باليسار، بل إن من الناس من يكون عمله باليسار أكثر وأجود من اليمين.
الترجيح: المتأمل لهذه المسألة يجد أنه ليس فيها أدلة واضحة وصريحة، ولهذا فالذي يظهر رجحانه فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول، وهو التخيير؛ لما ذكرت.
стр. 245
[المسألة الثالثة ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء]
المسألة الثالثة: ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء: إذا لم يعتمد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس أو عصا أو نحوهما كما تقدم فقال الشافعية (١) والحنابلة (٢) له أن يمسك يده الشمال بيده اليمين، أو يرسلهما.
الدليل: أن الغرض هو الخشوع أثناء الخطبة، وعدم العبث، فما يرى الخطيب أنه يحقق له ذلك من الإمساك أو الإرسال يفعله (٣) .
[المطلب العاشر رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب]
المطلب العاشر
رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب تقدم في الشروط الكلام على الجهر بخطبة الجمعة، وبقي الكلام على رفع الصوت بها زيادة على الجهر وهو المقصود
стр. 246
بالبحث في هذه المسألة.
وقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن رفع الصوت بالخطبة زيادة على القدر الواجب، وحسب الطاقة سنة من سنن الخطبة.
الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن
стр. 247
بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإِن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، كل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دين أو ضياعا (١) فإليَّ وعليَّ» (٢) .
قال النووي: " يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه " (٣) .
٢ - ما رواه النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذركم النار، أنذركم النار، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه» (٤) .
стр. 248
قال في إعلاء السنن: " دلالته على بعض ألفاظ الخطبة، ورفع الصوت فيها ظاهرة " (١) .
ثانيا: من المعقول: أن رفع الصوت بالخطبة أبلغ في إعلام الناس، فيتحقق المقصود بها (٢) .
- ومع ما سبق من سنية الجهر بالخطبة زيادة عن القدر الواجب إلا أن ذلك تيسر في وقتنا الحاضر بفضل الله - تعالى - ثم بفضل وجود مكبرات الصوت، فما على الخطيب لتطبيق هذه السنة إلا الاعتناء بهذه الأجهزة ومراعاة وضعها عند الإلقاء.
[المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين]
[المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين]
المطلب الحادي عشر
الجلسة بين الخطبتين وفيه مسألتان:
المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين.
المسألة الثانية مقدار هذا الجلوس.
стр. 249
المسألة الأولى: حكم الجلوس بين الخطبتن: اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب بين الخطبتين الأولى والثانية، وذلك على قولين:
القول الأول: أن الجلوس بين الخطبتين سنة.
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) لكن قال عنه النووي: " وهو شاذ ومردود " (٤) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم، وقطع به كثير منهم (٥) .
стр. 250
القول الثاني: أن الجلوس بين الخطبتين شرط لصحتهما.
وهو الوجه الصحيح والمشهور عند الشافعية (١) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٢) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من الكتاب: قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (٣) .
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد الجلسة بين الخطبتين، فلا تجعل شرطا بخبر الواحد؛ لأنه يصير