← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31259

خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية

عبد العزيز الحجيلان

Полный текст (400 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بالبحث في هذه المسألة. وقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن رفع الصوت بالخطبة زيادة على القدر الواجب، وحسب الطاقة سنة من سنن الخطبة. الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول: أولا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن

стр. 247

بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإِن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، كل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دين أو ضياعا (١) فإليَّ وعليَّ» (٢) . قال النووي: " يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه " (٣) . ٢ - ما رواه النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذركم النار، أنذركم النار، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه» (٤) .

стр. 248

قال في إعلاء السنن: " دلالته على بعض ألفاظ الخطبة، ورفع الصوت فيها ظاهرة " (١) . ثانيا: من المعقول: أن رفع الصوت بالخطبة أبلغ في إعلام الناس، فيتحقق المقصود بها (٢) . - ومع ما سبق من سنية الجهر بالخطبة زيادة عن القدر الواجب إلا أن ذلك تيسر في وقتنا الحاضر بفضل الله - تعالى - ثم بفضل وجود مكبرات الصوت، فما على الخطيب لتطبيق هذه السنة إلا الاعتناء بهذه الأجهزة ومراعاة وضعها عند الإلقاء. [المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين] [المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين] المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين وفيه مسألتان: المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين. المسألة الثانية مقدار هذا الجلوس.

стр. 249

المسألة الأولى: حكم الجلوس بين الخطبتن: اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب بين الخطبتين الأولى والثانية، وذلك على قولين: القول الأول: أن الجلوس بين الخطبتين سنة. وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) لكن قال عنه النووي: " وهو شاذ ومردود " (٤) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم، وقطع به كثير منهم (٥) .

стр. 250

القول الثاني: أن الجلوس بين الخطبتين شرط لصحتهما. وهو الوجه الصحيح والمشهور عند الشافعية (١) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٢) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول: أولا: من الكتاب: قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (٣) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد الجلسة بين الخطبتين، فلا تجعل شرطا بخبر الواحد؛ لأنه يصير

стр. 251

ناسخا لحكم الكتاب، ولا يصلح ناسخا له ولكن يصلح مكملا له، فيقال: إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضا، وما ثبت بخبر الواحد يكون سنة عملا بهما بقدر الإمكان (١) . مناقشة هذا الاستدلال: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الاستدلال بالإطلاق له نصيب من القوة، لكن بناء على أن خبر الواحد لا يكون ناسخا للكتاب الذي هو رأي الحنفية فيه نظر، وهو قول مرجوح. الوجه الثاني: أنه ليس فيه نسخ، وإنما هو تقييد لمطلق، والله أعلم. ثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان ﷺ يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكّر الناس» (٢) . وفي رواية: «ثم يقعد قعدة لا يتكلم» الحديث (٣) .

стр. 252

٢ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين يقطع بينهما» (١) . وفي رواية: «كان النبي ﷺ يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٢) . وكلاهما واضح الدلالة. ثالثا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (٣) . وجه الدلالة: أن عليا ﵁ ترك الجلسة بين الخطبتين، ولو كانت شرطا لما تركها. مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه متكلم في سنده كما تقدم عند تخريجه (٤) .

стр. 253

٢ - ما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب فلم يجلس بين الخطبتين (١) . ووجه الدلالة كالذي قبله. مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق ثبوته كما تقدم عند تخريجه (٢) وإن ثبت فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به. ٣ - ما روي عن عبد الله (٣) بن عباس ﵄ أنه كان يخطب خطبة واحدة، فلما ثقل - أي أسن - جعلها خطبتين وقعد بينهما (٤) .

стр. 254

وجه الدلالة: أن ابن عباس ﵄ كان لا يجلس، فلما أسن جلس، فهذا دليل على أن الجلسة للاستراحة وليست بشرط للخطبة (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق لي ثبوته؛ لعدم الاطلاع على سنده، وعلى تقدير ثبوته فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به. رابعا: من المعقول: ١ - أن الجلسة بين الخطبتين جلسة ليس لها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، كالجلسة الأولى أي قبل الخطبة (٢) . ٢ - أن الخطبتين ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطا، كالأذان والإقامة (٣) . ٣ - أن الجلسة بين الخطبتين قعود على المنبر قبل خطبته، فلم تكن شرطا كالجلسة الأولى (٤) . ٤ - أن الغرض بهذه الجلسة الفصل بين الخطبتين والإعلام

стр. 255

بالفراغ من الأولى، وذلك لا يوجب كونه شرطا كقوله: «اذكروا الله يذكركم» (١) . ٥ - الغرض من الخطبة هو الوعظ والتذكير، وهو يتحقق بدون هذه الجلسة، فلا تكون شرطا (٢) . دليل أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول: أولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي - صلى عليه وسلم - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالصلاة كما صلى، وقد جلس بين الخطبتين في الجمعة وواظب على ذلك كما في حديثي جابر بن سمرة وعبد الله بن عمر ﵃ كما تقدم في أدلة القول الأول، فيجب أن نفعل كما فعل (٤) .

стр. 256

مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن خطبة الجمعة ليست جزءا من الصلاة كما تقدم أكثر من مرة. الوجه الثاني: على تقدير التسليم بأنها من الصلاة فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب كل ما فعل النبي ﷺ في الصلاة، فإن من أفعاله ما هو سنة باتفاق. الوجه الثالث: إذا كانت المواظبة تدل على الشرطية فإن النبي ﷺ قد واظب على الجلسة الأولى، فيلزم القول بشرطيتها، وهم - أي الشافعية - لا يقولون بذلك كما سيأتي (١) . الإجابة عن هذا الوجه: أجيب عنه بأن جل الروايات عن ابن عمر ليس فيها الجلسة الأولى، وإنما وردت في رواية ضعيفة، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين (٢) . وأما ما استدلوا به من مواظبته ﷺ كما في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة ﵃ فإنه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب،

стр. 257

والله أعلم. ثانيا: من المعقول: أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (١) . مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لا يلزم من التماثل في الحكم المماثلة في الأفعال وإلا لزم القول بوجوب الركوع والسجود وغيرهما من أركان الصلاة في الخطبة. كما أنه يلزمكم - أي الشافعية - بناء على هذا القول بوجوب الأولى حال الأذان؛ لأنها قعود بعد دخول الإمام للخطبة. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجلسة بين الخطبتين سنة؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على الشرطية.

стр. 258

[المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين] المسألة الثانية: مقدار الجلسة بين الخطبتين: اختلف الفقهاء في مقدار الجلسة بين الخطبتين سواء من قال بسنيتها ومن قال بشرطيتها - بعد اتفاقهم على أنها خفيفة - وذلك على أربعة أقوال: القول الأول: أنها بقدر قراءة سورة الإخلاص. وبهذا قال بعض المالكية (١) وبه قال الشافعية (٢) وجماعة من الحنابلة (٣) . القول الثاني: أنها بقدر قراءة ثلاث آيات. وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية (٤) .

стр. 259

القول الثالث: أنها بقدر تمكن الخطيب في موضع جلوسه واستقرار كل عضو منه في موضعه. بهذا قال بعض الحنفية (١) . القول الرابع: أنها بقدر الجلسة بين السجدتين. وبهذا قال بعض المالكية (٢) . وهذه الأقوال لم أطلع على أدلة لها فيما بين يدي من كتب أصحابها، وليس في الأحاديث الواردة فيها والتي تقدمت في المطالب السابقة لها، والظاهر - والله أعلم - أنها جلسة خفيفة للاستراحة والفصل بين الخطبتين، وأنه لا تقدير لها، بل بحسب اجتهاد الخطيب فيها، ولذلك لم يقدرها أكثر الفقهاء في كتبهم وخاصة الحنابلة بل يقتصرون على قولهم بأنها جلسة خفيفة (٣) ومما يؤيد عدم التقدير ما يلي: ١ - عدم تقديرها في الأحاديث الصحيحة كحديثي ابن عمر وجابر بن سمرة ﵃.

стр. 260

٢ - أن في تقديرها حرجا ومشقة على الإمام، حيث سيقوم فيها بحساب المقدر، إما بقراءة سورة الإخلاص، أو ثلاث آيات، أو الذكر بين السجدتين. ٣ - أن التقدير ينافي أصل مشروعيتها، حيث إنها مشروعة للاستراحة والفصل، وحساب المقدار يشغل عن ذلك.

стр. 261

[المبحث الثاني السنن في خطبة الجمعة] [المطلب الأول تقصيرها] [المسألة الأولى تقصير الخطبتين معا] المبحث الثاني السنن في خطبة الجمعة يسن في خطبة الجمعة عدد من السنن تتمثل في ستة مطالب هي: المطلب الأول: تقصيرها. المطلب الثاني: أن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة. المطلب الثالث: قراءة سورة (ق) فيها. المطلب الرابع: الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية. المطلب الخامس: الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية. المطلب السادس: ختم الخطبة الثانية بالاستغفار.

стр. 262

المطلب الأول تقصير خطبة الجمعة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تقصير الخطبتين معا. المسألة الثانية: تقصير الثانية أكثر من الأولى. المسألة الأولى: تقصير الخطبتين معا: ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن يسنّ للخطيب في الجمعة تقصير الخطبتين بقدر لا يحصل به الإخلال بأركانها، ويفوت به

стр. 263

المقصود منها حسب ما يراه أصحاب كل مذهب في ذلك كما تقدم عند الكلام على الأركان. قال النووي: " ويكون قصرها معتدلا، ولا يُبالغ بحيث يمحقها " (١) . الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول: أولا: من السنة: ١ - ما روي عن عمار بن ياسر ﵁ أنه خطب فأوجز، فقيل له: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزتَ، فلو كنت تنفستَ، فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإِن من البيان لسحرًا» (٢) . وفي رواية: «أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب» (٣) .

стр. 264

٢ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» (١) . وفي رواية: «كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات» (٢) . قال في نيل الأوطار: " وفيه أن الوعظ في الخطبة مشروع، وأن إقصار الخطبة أولى من إطالتها " (٣) . ٣ - ما رواه عبد الله (٤) بن أبي أوفى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة، ويقصر

стр. 265

الخطبة» (١) . قال في نيل الأوطار بعد ذكر هذه الأحاديث الثلاثة: " فيها مشروعية إقصار الخطبة، ولا خلاف في ذلك " (٢) . هذه هي أبرز وأصح الأحاديث الواردة في تقصير الخطبة من قوله ﷺ وفعله. ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ١ - تقدم في الحديث الأول فعل عمار ﵁. ٢ - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " إن قصر الخطبة وطول الصلاة مَئِنَّةٌ من فقه الرجل " (٣) . ثالثا: من المعقول: أن إطالة الخ طبة تؤدي إلى ملل الناس، فيسن تقصيرها حتى

стр. 266

لا يحصل ذلك (١) . ومع هذه الأدلة على سنية تقصير الخطبة وخاصة الأدلة من السنة إلا أن النبي ﷺ لم يكن مواظبا على هذا، وإنما كان يفعله في أكثر الأحيان، وإذا لم يكن هناك حاجة تستدعي التطويل، فإن كان هناك حاجة أطال، قال ابن القيم ﵀: " وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من الراتبة " (٢) . [المسألة الثانية تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى] المسألة الثانية: تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى: ذكر بعض الفقهاء أن من السنن في خطبتي الجمعة أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى. وممن ذكر ذلك المالكية (٣) والحنابلة (٤) .

стр. 267

الدليل: القياس على الإقامة مع الأذان، فكما أن السنة في الأذان أن يكون شفعا والإقامة وترا، فتكون الإقامة أقصر، فكذلك خطبتا الجمعة (١) . كما يمكن الاستدلال لذلك بالقياس على ركعتي الصلاة، فالسنة أن تكون الثانية أقصر من الأولى؛ لما جاء في حديث عبد الله (٢) بن أبي قتادة عن أبيه «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطوِّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» (٣) .

стр. 268

[المطلب الثاني أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة] المطلب الثاني أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة أن تكون الخطبة فصيحة، بليغة، مؤثرة، مرتبة ذكر بعض الفقهاء صفات يسن للخطيب أن يميز بها خطبته، وأن يأخذها في الاعتبار عند إعداد الخطبة وإلقائها، لتكون أكثر تأثيرًا وتحقيقًا للمقصود، منها ما ذكرت في العنوان ومنها أيضًا الترسل، والبيان، والإعراب، واجتناب الألفاظ الغريبة، وعدم العجلة والتمطيط. وممن ذكر هذه الصفات الشافعية (١) والحنابلة (٢) . ولا شك أن غيرهم من الفقهاء يوافقونهم على ذلك وإن لم يصرحوا به، ولعل عدم التصريح به لكونه أمرًا واضحًا ومعلومًا، والله أعلم. وما أجود ما قاله صاحب الحاوي في هذا الشأن حيث قال: " المقصود بالخطبة شيئان: الموعظة، والإِبلاغ، ويقصد بموعظته ثلاثة أشياء: إيراد المعنى الصحيح، واختيار اللفظ الفصيح،

стр. 269

واجتناب ما يقدح في فهم السامع من تمطيط الكلام ومده، أو العجلة فيه عن إبانة لفظه، أو ركب ما يستنكر من غريب الكلام وإعرابه، ولا يطيل إطالة تضجر، ولا يقصر تقصيرا يبتر، ويعتمد في كل زمان على ما يليق بالحال " (١) . الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول: أولا: من السنة: ١ - ما روته عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يسرد الكلام كسردكم هذا، كان كلامه فصلا بينا، يحفظه كل من سمعه» ، وفي لفظ: «. . . لكن كان إذا تكلم تكلم فصلا، يبينه، يحفظه كل من سمعه» (٢) . ٢ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان في

стр. 270

كلام رسول الله ﷺ ترتيل أو ترسيل» (١) . فعموم هذين الحديثين يشمل كلامه ﷺ في خطبة الجمعة. ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: الأثر الذي استدلوا به هنا هو في تجنب الكلام البعيد عن أفهام الحاضرين، وما لا يعرفونه، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسوله " (٢) . ثالثا: من المعقول: أن الخطبة إذا لم تتصف بهذه الصفات فإنها لا تقع في النفوس موقعًا كاملا، ولا يحصل مقصودها (٣) .

стр. 271

[المطلب الثالث قراءة سورة (ق) في الخطبة] المطلب الثالث قراءة سورة (ق) في الخطبة ذكر بعض الفقهاء أنه يستحب للخطيب في خطبة الجمعة قراءة سورة (ق) (١) . الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول. أولا: من السنة: ١ - ما روته أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: «ما حفظت (ق) إلا من رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة، قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا» (٢) . وفي لفظ: «وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٣) إلا عن رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (٤) .

стр. 272

٢ - ما روته عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: «أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (١) من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» (٢) . قال النووي: " وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خطبة " (٣) . وقال ابن القيم ﵀ أيضا مشيرا إلى فعل النبي ﷺ هذا: " حُفِظَ من خطبه ﷺ أنه كان يكثر أن يخاطب بالقرآن وسورة ق " (٤) . ثانيا: من المعقول: أن سورة (ق) مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، فاستحب قراءتها في الخطبة (٥) . فلما ثبت فعل النبي ﷺ لذلك، وتكراره له استحب للخطيب فعل ذلك في بعض الأحيان اقتداء به، والله أعلم.

стр. 273

[المطلب الرابع الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية] المطلب الرابع الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية اختلف الفقهاء في حكم دعاء الخطيب للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، وذلك على قولين: القول الأول: أنه سنة. وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية في قول لهم وصححه بعضهم (٢) والحنابلة (٣) قال في الإنصاف: " وهذا بلا نزاع " (٤) . يعني عند الحنابلة. القول الثاني: أنه ركن من أركان الخطبة الثانية. وهذا هو القول الصحيح عند الشافعية (٥) قال النووي:

стр. 274

" وهو الصحيح المختار " (١) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على السنية بأدلة من السنة، والمعقول. من السنة: ما رواه سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات كل جمعة» (٢) . وهذا واضح الدلالة، لكن في ثبوته كلام كما في تخريجه. ومن المعقول: أن الدعاء للمسلمين مسنون في غير خطبة الجمعة، ففيها أولى (٣) .

стр. 275

ثانيا: واستدلوا على عدم الركنية بما يلي: ١ - أن الدعاء للمسلمين ليس ركنا يجب الإتيان به في غير خطبة الجمعة، فكذلك فيها، كالتسبيح (١) . ٢ - أن الأصل عدم الوجوب، ومقصود الخطبة الوعظ (٢) . دليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمسلمين في خطبة الجمعة قد نقله الخلف عن السلف، فيكون ركنا فيها (٣) . مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: لم يذكروا مَنْ مِنَ السلف ثبت عنه ذلك، ولم أطلع على شيء فيه. الوجه الثاني: على تقدير ثبوته عن أحد منهم فإنه إن كان من الصحابة فمختلف في الاحتجاج بقوله، وإن كان ممن دونهم فليس بحجة بالاتفاق، خاصة وأن ذلك في إثبات ركن يتعلق به صحة الجمعة.

стр. 276

الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، والأولى في آخرها، لما استدلوا به، ويؤيد السنية بأن الساعة ساعة ترجى فيها إجابة الدعاء، والدعاء للمسلمين من أعظم الأمور وأهمها وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين في هذا الوقت. قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ في تقرير له موضحا ما ينبغي أن يتضمنه الدعاء: " ويكون دعاؤه للمسلمين بالأمور الهامة من نصرة الإسلام والمسلمين، وكبت أعداء الدين، ونحو ذلك " (١) . [المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية] المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين.

стр. 277

المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه. المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة وبدون تعيين بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة مستحب كما ذكر النووي حيث قال: " فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق " (١) . المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه: كما أن للناس حقوقا على ولي الأمر، فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة ونحو ذلك مما فيه منفعة له ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان

стр. 278

سلفنا الصالح من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا حتى وإن نالهم شيء منهم كما حصل للإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول: " لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل، لأن في صلاحه صلاحا للمسلمين " (١) وقال: " إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد " (٢) وذلك اتباعا لما يعلمونه من شرع الله ، وإيمانا منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدِّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله ، ولا يعرف ذلك إلا من جربه. وخطبة الجمعة من الأوقات التي تُرجى فيها إجابة الدعاء؛ لأنها تحصل في الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه على أرجح الأقوال - في نظري -، كما أنها تحصل في مجمع من الناس يؤمنون عليها، وقد يكون منهم من هو مستجاب الدعوة، فهل يشرع في الخطبة الثانية الدعاء له بعينه؟

стр. 279

اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه مستحب. وبهذا قال بعض المالكية (١) وبعض الحنابلة (٢) وعبارة صاحب المغني توحي بأنه يميل إليه حيث قال: " وإن دعا لسلطان المسلمين فحسن " (٣) وكذا صاحب الإنصاف حيث قال عنه: " وما هو ببعيد " (٤) . القول الثاني: أنه جائز. وبهذا قال بعض الشافعية، واختاره النووي (٥) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦) . القول الثالث: أنه غير مشروع، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك فقال ببدعيته.

стр. 280

وبهذا قال بعض المالكية (١) وبعض الشافعية (٢) . الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من آثار الصحابة، والمعقول: أولا: من آثار الصحابة ﵃: ما رواه ضبة (٣) بن محصن أن أبا موسى الأشعري (٤) ﵁ " كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ يدعو لعمر، وأبي بكر، وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر،

стр. 281

فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد " (١) . وهو واضح الدلالة لكن لم يتحقق لي ثبوته. ثانيا: من المعقول: ١ - أن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (٢) . دليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، ففي الخطبة أولى (٣) . وهذا الدليل لا مخالفة فيه لما ذكره أصحاب القول الأول. دليل أصحاب القول الثالث: ما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: الذي يدعو الناس به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي ﷺ أو عمن بعد النبي ﷺ قال: لا إنما أحدث،

стр. 282

إنما كانت الخطبة تذكيرا (١) . وهو واضح الدلالة على قولهم. مناقشه هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه متكلم في صحته كما في تخريجه. الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد فعله الصحابة ﵁ كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وهو مقدم على قول عطاء (٢) . الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باستحباب الدعاء لولي الأمر بعينه في خطبة الجمعة؛ لما استدلوا به، ولما في ذلك من المصالح العظيمة له وللعباد والبلاد وأهمها جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأكيد محبته وطاعته في قلوب عامة الناس، وتشهد لذلك قواعد الشريعة العامة،

стр. 283

وعقيدة السلف الصالح ومنهجهم. وهذا إذا لم يأمر بذلك ولي الأمر، فإن أمر بذلك فإن المسألة إلى الوجوب؛ للأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعته في غير معصية الله، ولأنه لا يأمر بذلك إلا لمصلحة ظاهرة يراها تستدعي ذلك.

стр. 284

[المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار] المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار ذكر كثير من الفقهاء أن من سنن خطبتي الجمعة أن يختم الثانية بالاستغفار كقوله: " أستغفر الله لي ولكم ". وممن ذكر ذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) . الأدلة: ١ - ما رواه سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ «كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة» (٤) . ٢ - ما رواه ابن شهاب الزهري قال: " بلغنا أن رسول الله ﷺ «كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى، ثم جلس شيئا يسيرا، ثم قام

стр. 285

فخطب الخطبة الثانية، حتى إذا قضاها استغفر ثم نزل فصلى» (١) . قال في إعلاء السنن: " قلت: دلالته على استغفاره ﷺ في الخطبة ظاهرة، وبهذا بطل حمل بعض الناس حديث سمرة على الاستغفار خارج الخطبة " (٢) . ومع ما في هذين الحديثين من ضعف - كما في تخريجهما - فإن كلام ابن القيم ﵀ يوحي بصلاحيتها للاحتجاج عنده، حيث قال في معرض كلامه على هدي النبي ﷺ في خطبته: " وكان يختم خطبته بالاستغفار " (٣) . [الفصل الخامس مسائل متفرقة في خطبة الجمعة] [المبحث الأول التقصير في إعدادها بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو] ذلك
следующие страницы →