فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد " (١) .
وهو واضح الدلالة لكن لم يتحقق لي ثبوته.
ثانيا: من المعقول: ١ - أن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (٢) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، ففي الخطبة أولى (٣) .
وهذا الدليل لا مخالفة فيه لما ذكره أصحاب القول الأول.
دليل أصحاب القول الثالث: ما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: الذي يدعو الناس به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي ﷺ أو عمن بعد النبي ﷺ قال: لا إنما أحدث،
стр. 282
إنما كانت الخطبة تذكيرا (١) .
وهو واضح الدلالة على قولهم.
مناقشه هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه متكلم في صحته كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد فعله الصحابة ﵁ كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وهو مقدم على قول عطاء (٢) .
الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باستحباب الدعاء لولي الأمر بعينه في خطبة الجمعة؛ لما استدلوا به، ولما في ذلك من المصالح العظيمة له وللعباد والبلاد وأهمها جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأكيد محبته وطاعته في قلوب عامة الناس، وتشهد لذلك قواعد الشريعة العامة،
стр. 283
وعقيدة السلف الصالح ومنهجهم.
وهذا إذا لم يأمر بذلك ولي الأمر، فإن أمر بذلك فإن المسألة إلى الوجوب؛ للأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعته في غير معصية الله، ولأنه لا يأمر بذلك إلا لمصلحة ظاهرة يراها تستدعي ذلك.
стр. 284
[المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار]
المطلب السادس
ختم الخطبة الثانية بالاستغفار ذكر كثير من الفقهاء أن من سنن خطبتي الجمعة أن يختم الثانية بالاستغفار كقوله: " أستغفر الله لي ولكم ".
وممن ذكر ذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) .
الأدلة: ١ - ما رواه سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ «كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة» (٤) .
٢ - ما رواه ابن شهاب الزهري قال: " بلغنا أن رسول الله ﷺ «كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى، ثم جلس شيئا يسيرا، ثم قام
стр. 285
فخطب الخطبة الثانية، حتى إذا قضاها استغفر ثم نزل فصلى» (١) .
قال في إعلاء السنن: " قلت: دلالته على استغفاره ﷺ في الخطبة ظاهرة، وبهذا بطل حمل بعض الناس حديث سمرة على الاستغفار خارج الخطبة " (٢) .
ومع ما في هذين الحديثين من ضعف - كما في تخريجهما - فإن كلام ابن القيم ﵀ يوحي بصلاحيتها للاحتجاج عنده، حيث قال في معرض كلامه على هدي النبي ﷺ في خطبته: " وكان يختم خطبته بالاستغفار " (٣) .
[الفصل الخامس مسائل متفرقة في خطبة الجمعة]
[المبحث الأول التقصير في إعدادها بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو] ذلك
стр. 286
الفصل الخامس
مسائل متفرقة في خطبة الجمعة وفيه ثلاثة عشر مبحثا:
المبحث الأول: التقصير في إعدادها، بالاعتماد على خطب مدونة قديما، ونحو ذلك.
المبحث الثاني: إخراجها عن مقصودها الشرعي.
المبحث الثالث: صلاة الخطيب تحية المسجد عند دخوله وقبل صعود المنبر.
المبحث الرابع: دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان.
المبحث الخامس: الخطبة من صحيفة.
المبحث السادس: الكلام فيها.
المبحث السابع: الدق بالسيف على المنبر.
المبحث الثامن: الإشارة باليد.
المبحث التاسع: التفات الخطيب يمينا وشمالا.
стр. 287
المبحث العاشر: قول الخطيب في آخر الأولى: " ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة " ونحوه، والمداومة عليه.
المبحث الحادي عشر: المبالغة في الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها.
المبحث الثاني عشر: رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة.
المبحث الثالث عشر: ختم الثانية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والمداومة على ذلك.
стр. 288
المبحث الأول
التقصير في إعداد الخطبة بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو ذلك يعتمد بعض الخطباء على كتب مدونة قديما، يقرءونها بنصها، وبعضهم يقرؤها من الكتب المدونة فيها مباشرة، وغالب ما فيها لا يتناسب مع هذا العصر وما جد فيه من قضايا، وذلك إما عجزا عن إعداد الخطبة، وإما تكاسلا.
ولا شك أن هذا تقصير في إعداد الخطبة، وخطأ يجب تصحيحه.
جاء في السنن والمبتدعات: " ومن التكاسل والجهل والتقصير اعتمادهم على قراءة ما في الدواوين القديمة وإن كانت لا توافق عصرنا ولا حالنا، وإن كان فيها ما يخالف الشريعة، وقراءتهم للأحاديث الموضوعة والضعيفة الواهية كأحاديث فضل رجب ونصف شعبان وغيرها من غير تبيانها للناس، وهذا تدليس بل وغش للمسلمين " (١) .
والمشروع في الخطبة أن تكون بما تقتضيه حاجة المخاطبين
стр. 289
ويناسب العصر وقضاياه حتى تتم الفائدة المنشودة منها، وهذا هو هدي النبي ﷺ في خطبته الذي هو خير الهدي.
قال ابن القيم ﵀: " وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم " (١) .
وتجدر الإشارة إلى أن هذا قد قل في بلادنا - ولله الحمد - بفضل الله - تعالى - ثم جهود حكومتنا - وفقها الله - في هذا الشأن بما تبذله وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من إقامة دورات للأئمة والخطباء، ووضع ضوابط لتعيين الخطباء من ضمنها القدرة الجيدة على إعداد الخطبة، كما أن الوزارة الآن بصدد جمع بعض الخطب المتميزة وتنقيحها وطباعتها وتوزيعها على من ليس لديهم القدرة التامة على إعداد الخطب، أسأل الله أن يثيبهم ويسدد خطاهم.
стр. 290
[المبحث الثاني إخراجها عن مقصودها الشرعي]
المبحث الثاني
إخراجها عن مقصودها الشرعي المقصود الشرعي من خطبة الجمعة هو الثناء على الله - تعالى - وتمجيده، وتعليم الناس قواعد الإسلام، ووعظهم وتذكيرهم، وحثهم على طاعة الله، وتحذيرهم من موارد غضبه وعقابه، وبيان جزاء المطيع وعقوبة العاصي، وبيان الأخطاء المنتشرة في المجتمع وسبل معالجتها، والبدع والتحذير منها، ونحو ذلك.
قال ابن القيم ﵀ ملخصا هدي النبي ﷺ في خطبه: " وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والمسألة بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه " (١) .
وقال في موضع آخر: " وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام، وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي " (٢) .
стр. 291
هذا ملخص هدي النبي ﷺ في الخطبة الذي أرسله ربه إلى الناس ليقتدوا ويتأسوا به في أقواله وأفعاله، فهديه هو المقصود الشرعي من الخطبة، وقد تقدم في أركان الخطبة أن الوعظ ركن من أركانها حسب ما ظهر رجحانه (١) .
وإذا كان الأمر كذلك فلا يشرع للخطيب أن يخرج بخطبته عن هذا المنهج النبوي، والمقصود الشرعي، بل عليه أن يلتزم به، فلا يخرج عنه إلى مقاصد أخرى كالموضوعات التي يخالف منهج السلف الصالح، أو التي تثير الفتنة والخلاف والعداوة بين المسلمين، أو الدخول في قضايا لا علاقة لعامة الناس بها، أو ليس فيها فائدة تذكر، أو نحو ذلك.
كما يدخل في إخراج الخطبة عن مقصودها الشرعي الاهتمام بالمحسنات الشكلية والبلاغية مع إهمال المضمون.
وفي هذا كله يقول ابن القيم ﵀ أيضا موضحا منهج النبي ومنهج أصحابه ومن بعدهم من السلف أكثر مما سبق: " ومن تأمل خطب النبي ﷺ وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل
стр. 292
جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والمسألة بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها " (١) .
ما أعظمه من منهج!! وما أحوجنا إلى الالتزام به!! لكي تؤدي الخطب المقصود منها، وتصل إلى قلوب الناس، فتستنير وتحيا حياة طيبة، وفق شرع الله - تعالى- ومنهج نبيه ﷺ ، والسلف الصالح.
стр. 293
[المبحث الثالث صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر]
المبحث الثالث
صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر اختلف الفقهاء في الخطيب في الجمعة إذا دخل يريد الخطبة هل يصلي تحية المسجد قبل صعود المنبر كغيره، أو تسقط عنه؛ وذلك على قولين:
القول الأول: أن السنة في حقه أن يصعد المنبر حال دخوله، ولا تشرع له تحية المسجد.
وبهذا قال المالكية (١) وهو المذهب عند الشافعية (٢) وبه قال الحنابلة (٣) .
القول الثاني: تسن له تحية المسجد عند دخوله وقبل صعود المنبر كغيره.
وبهذا قال بعض الشافعية (٤) لكنه ضعيف، بل قال عنه النووي: " غريب، وشاذ، ومردود، فإنه خلاف ظاهر المنقول
стр. 294
عن فعل رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم " (١) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة: ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (٢) .
وفي حديث آخر لابن عمر ﵄ أيضا قال:
«كان النبي ﷺ إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال» (٣) .
стр. 295
هكذا استدل أصحاب هذا القول بفعل النبي ﷺ بصعوده المنبر عند دخوله مباشرة، ولم ينقل عنه صلاة تحية المسجد قبله (١) والحديث الأول تقدم بيان ضعفه عند تخريجه، والثاني لم أطلع على كلام لأهل العلم عليه، وكأنهم أخذوا ذلك من استقراء حاله ﷺ ، وهذا ما يفهم من كلام ابن القيم ﵀ حيث قال: " وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليه وحده. . . فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم " (٢) .
ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ما رواه ثعلبة (٣) بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج
стр. 296
عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون (قال ثعلبة) : " جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد " (١) .
قال في المنتقى شرح الموطأ: " فإذا خرج عمر وجلس على المنبر " يقتضي استقراره للعمل وتتبعه الأخبار عند اتصال خروجه على الناس بارتقاء المنبر، ولا يفصل بينهما بركوع ولا غيره، وهذه السنة أن يدخل الإمام إلى المسجد فيرقى المنبر بإثر دخوله ولا يركع " (٢) .
ثالثا: من المعقول: القياس على الحاج إذا دخل المسجد الحرام يريد الطواف، فتسقط تحية المسجد عن الخطيب بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف (٣) .
стр. 297
دليل أصحاب القول الثالث: لم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم، والظاهر لهم يستدلون بعموم ما ورد من المسألة لتحية المسجد، ومن ذلك قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب لا يدخل في هذا " العموم بدليل فعل النبي ﷺ كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول.
الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم مشروعية تحية المسجد للخطيب يوم الجمعة إذا دخل للخطبة؛ لقوة ما استدلوا به.
стр. 298
[المبحث الرابع دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان]
المبحث الرابع
دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الآذان من الأمور التي لا تشرع قيام الخطيب بالدعاء عند صعود المنبر وقبل جلوسه للأذان، فهذا من البدع المحدثة التي تفعل في بعض البلدان.
وممن ذكرها من البدع الشافعية (١) والحنابلة (٢) .
كما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وتلميذه ابن القيم (٤) .
جاء في الاختيارات: " ودعاء الإمام بعد صعوده المنبر لا أصل له " (٥) .
الدليل: أن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك.
قال ابن القيم: " وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يقل شيئا قبله
стр. 299
ولا بعده " (١) .
وقال في موضع آخر: " فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، ولم يدع مستقبل القبلة، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان " (٢) .
وأوضح دليل اطلعت عليه على ذلك ما رواه ابن عمر -، ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن - ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» (٣) .
إلا أن هذا الحديث فيه ضعف كما تقدم في تخريجه، ولعلهم أخذوا ما ذكروه من استقراء الأحاديث الواردة في خطبة الجمعة ومفهومها، والله أعلم.
стр. 300
[المبحث الخامس الخطبة من صحيفة]
المبحث الخامس
الخطبة من صحيفة من المعلوم أن النبي ﷺ كان يخطب في الجمعة وغيرها من غير صحيفة، بل يخطب مباشرة، لأنه أمي، وهذا ما أفاده ظاهر الأحاديث، وكذلك الخلفاء ومن بعدهم، ولم يظهر تدوين الخطبة وقراءتها على الناس إلا بعدهم وفي القرون المتأخرة، وذلك لأسباب مختلفة ومتعددة منها قلة الجرأة، وقلة العلم، والرغبة في إتقان الخطبة وترتيبها على نسق معين، بل وصل الحال في بعض الفترات إلى عدم القدرة عند البعض على إعداد الخطبة والاستعانة بما جمع من الخطب في بعض الكتب.
وقد قال بعض فقهاء الحنابلة: إنه لا يشرع قراءة خطبة الجمعة من صحيفة إلا لمن لا يحسن الخطبة بدونها (١) .
стр. 301
الدليل: القياس على القراءة في الصلاة، فهي تصح من المصحف على الصحيح من المذهب لمن لا يحسن القراءة عن ظهر قلب، فكذلك خطبة الجمعة (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، حيث إن أهم مانع من القراءة من المصحف لمن يحسن القراءة عن ظهر قلب في الصلاة هو ما يؤدي إليه من كثرة الحركة والانشغال، وهذا لا محذور فيه حال الخطبة، والله أعلم.
- والأظهر هنا أن الحاجة داعمة في أكثر الأحيان إلى الخطبة من صحيفة، لما في ذلك من إتقان للخطبة، وحسن ترتيب وتسلسل للمعلومات، وضبط لنصوص الكتاب والسنة التي تتضمنها الخطبة، وعدم تشعب الموضوع والخروج عنه، وضبط لمقدارها بحيث لا يسترسل الخطيب فيطيل ويترك السنة، كما أن في ذلك تقييدا لعواطف الخطيب التي قد تجره مع شدة الحماس أثناء الإلقاء إلى قول ما لا يناسب وما لا مصلحة في ذكره للسامعين، إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة، والله أعلم.
стр. 302
[المبحث السادس الكلام في الخطبة]
[المطلب الأول حكم السلام في الخطبة]
[المسألة الأولى حكم كلام الخطيب]
المبحث السادس
الكلام في الخطبة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم السلام في الخطبة.
المطلب الثاني: وقت المنع من الكلام في الخطبة.
المطلب الأول
حكم الكلام في الخطبة وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم كلام الخطيب.
المسألة الثانية: حكم كلام الحاضر للخطبة.
المسألة الثالثة: ما يستثنى من التحريم أو الكراهة عند من يقول بهما.
المسألة الأولى: حكم كلام الخطيب: اختلف الفقهاء في حكم كلام الخطيب في خطبة الجمعة بغير الخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: أن ذلك لا يجوز إلا لمصلحة، فيباح.
стр. 303
وبهذا قال المالكية (١) وبعض الشافعية (٢) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٣) .
القول الثاني: أن ذلك يباح مطلقا.
وبهذا قال الشافعية في القول الصحيح عندهم، وعليه جمهورهم (٤) وبعض الحنابلة (٥) .
القول الثالث: أنه يكره إلا لمصلحة.
وبهذا قال الحنفية (٦) وبعض الحنابلة (٧) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الجواز إذا لم يكن هناك مصلحة
стр. 304
بعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام حال الخطبة والتي ستأتي، ومن أبرزها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .
وجه الدلالة: أنه إذا كان المستمع مأمورا بالإنصات للاستماع ويحرم ﵇ فذلك الخطيب مأمور بمواصلة الخطبة إذا لم تكن هناك حاجة؛ لكيلا يفوت على المستمع فائدة الاستماع.
ثانيا: استدلوا على الإباحة عند الحاجة بما ورد من فعل النبي ﷺ ، والصحابة لذلك، ومنه:
١ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع» (٢) وفي
стр. 305
رواية: «فصل ركعتين» (١) .
قال النووي عن هذا الحديث برواياته: " وفي هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة " (٢) .
٢ - ما رواه بريدة (٣) ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٤) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (٥) .
стр. 306
٣ - ما رواه عبد الله (١) بن بسر قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : اجلس فقد آذيت» (٢) .
قال ابن القيم مبينا ذلك: " وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد أصحابه فيجيبه تم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة. . . وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان " (٣) .
стр. 307
ثانيا: من آثار الصحابة ﵃: ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: " بينما عمر بن الخطاب ﵁ قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا!! ، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل " (١) .
وفي رواية: إذ دخل عثمان بن عفان (٢) .
والدلالة واضحة، والمُنْكَر عليه عثمان ﵁ وبمحضر من الصحابة، ولم يُنْكِروا على عمر كلامه في الخطبة.
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول على الجواز عند الحاجة، وهي حديث جابر، وبريدة، وعبد الله بن بسر، وأثر
стр. 308
عمر مع عثمان ﵃ وحملوها على الجواز للخطيب مطلقا.
مناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأنها محمولة على الحاجة كما ذكر أصحاب القول الأول، وأيضا النووي في المجموع (١) ويؤيد ذلك أن المواقف التي تكلم فيها النبي ﷺ وعمر ﵁ مواقف حاجة، فهي إما أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو شفقة على ضعيف، أو نحو ذلك.
أدلة أصحاب القول الثالث: أن خطبة الجمعة شرعت منظومة كالأذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمرا بالمعروف فلا يكره (٢) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنها إذا كانت كالأذان في أنها منظومة فإن الإسلام يفسدها، ولا يكون مكروها فقط.
كما استدلوا بالإباحة عند الحاجة بما استدل به أصحاب القول الأول عليها.
стр. 309
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المطلب - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بعدم جواز كلام الخطيب حال الخطبة بما ليس منها إلا عند الحاجة ولا سيما ما ورد فيه نص، لقوة ما استدلوا به، ووجاهته.
[المسألة الثانية حكم كلام الحاضر للخطبة]
[الأمر الأول حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة]
المسألة الثانية: حكم كلام الحاضر للخطبة: وفيها خمسة أمور:
الأمر الأول: حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة.
الأمر الثاني: حكم كلامه إذا كان لا يسمع الخطبة.
الأمر الثالث: حكم رد السلام وتشميت العاطس.
الأمر الرابع: حكم الصلاة على النبي ﷺ .
الأمر الخامس: حكم التأمين على الدعاء.
الأمر الأول: حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها: اختلف الفقهاء في حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها، وذلك على قولين:
стр. 310
القول الأول: يحرم الكلام، ويجب الإنصات، وتباح مخاطبة الإمام لحاجة.
وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤) .
وبه قال ابن حزم (٥) .
القول الثاني: لا يحرم الكلام، ولكنه يستحب الإنصات.
وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح والمشهور عند أصحابه (٦) ورواية عند الإمام أحمد (٧) .
стр. 311
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على تحريم الكلام إذا لم يكن مخاطبة للإمام لحاجة بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
- فمن الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية (١) .
فقد ورد عن بعض التابعين أنها نزلت في شأن الخطبة (٢) وقد أمر بالاستماع والإنصات، ومطلق المسألة للوجوب (٣) وذلك يقتضي تحريم الكلام.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة، إن سلم بأن المراد الخطبة (٤) .
الإجابة عن هذه المناقشة: يجاب بأن هذا الحمل مخالف لظاهر الآية المؤيدة بالأحاديث الآتية، والجمع بين الأحاديث يكون بإبقائها على ظاهر دلالتها وقصر ما ورد فيه الكلام على الحاجة
стр. 312
حسب ما يدل عليه مضمونها.
- من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .
ومعنى " فقد لغوت " أي قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه قلت غير الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي (٢) .
ونقل في الفتح عن بعضهم قوله: " اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام " (٣) .
قال النووي: " ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا، فغيره من الكلام أولى " (٤) .
стр. 313
مناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:
الأول: أن المراد باللغو الكلام الفارغ، ومنه لغو اليمين فلا يدل على تحريم الكلام (١) .
الإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأنه قد ورد في بعض الأحاديث ما يرد ذلك، ويفيد التحريم، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - صلى الله عليه سلم - قال: (ومن لغا أو تخطى كانت له ظهرا) (٢) .
وفي لفظ: «ومن تكلم فلا جمعة له» (٣) هذا بالإضافة إلى ما سيأتي من حديث ابن عباس ﵄ من تشبيهه بالحمار يحمل أسفارا.
الثاني: أن معنى قوله: «فقد لغوت» أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه (٤) .
стр. 314
الإجابة عن هذه المناقشة: أجيب عنها بأن هذا جمود؛ لأن الإنصات لم يختلف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشارع لاغيا؟ بل النهي عن الكلام مأخوذ من الحديث بدلالة الموافقة؛ لأنه جعل قوله: (أنصت) مع كونه أمرا بمعروف لغوا، فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغوا (١) .
٢ - ما رواه أُبي (٢) بن كعب ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء (٣) أو أبو ذر (٤) يغمزني،
стр. 315
فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أبي، فقال رسول الله ﷺ : صدق أُبي» (١) .
ووجه الدلالة فيه في تسمية الكلام حال الخطبة لغوا.
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن المراد نقص جمعته بالنسبة إلى الساكت (٢) .
الإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأن هذا مخالف لظاهر الحديث، ثم إنه إذا كان الكلام ينقص الجمعة فهذا يدل على تحريمه ووجوب الإنصات؛ لأن ترك المستحب لا ينقصها، وإنما يفوت به أجر فعل المستحب، والله أعلم.
стр. 316
٣ - ما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] » (١)(٢) .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل المنصت لخطبة الجمعة هو الحاصل على تكفير الذنوب، والمتكلم فيها لاغيا، وهذا يدل على وجوب الإنصات، وتحريم الكلام؛ لأن الإنسان مأمور بتحصيل فائدة العبادة والبعد عما يفسدها.
стр. 317
٤ - ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة» (١) .
وجه الدلالة: يدل على وجوب الإنصات وتحريم الكلام من وجهين:
الأول: أنه شبه المتكلم بالحمار، ومعلوم أن ذلك صفة ذم ونقص لا يوصف بها تارك الندب.
الثاني: نفي أن تكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الإجزاء وعدم الصحة دل على تأكيد منعه وشدة تحريمه (٢) .
ومن آثار الصحابة ﵃: ١ - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه
стр. 318
قال: " كفى لغوا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك أنصت " (١) .
وهذا الأثر واضح الدلالة كما تقدم في الأحاديث.
٢ - ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال للذي سأله عن كلامه مع صاحبه: " أما أنت فلا جمعة لك، وأما صاحبك فحمار " (٢) .
وتوجيه الاستدلال كما تقدم في حديث ابن عباس ﵄.
ومن المعقول: ١ - أن الإباحة للكلام وترك الإنصات أثناء الخطبة استخفاف بالخطيب، وإبطال لمعنى الخطبة، وإزالة لفائدتها، وذلك أوفى ما وصف بأنه محرم (٣) .
стр. 319
٢ - أن الصلاة قربة وطاعة، وقد حرمت لأجل الخطبة، فلأن يحرم الكلام أولى (١) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على القول بتحريم الصلاة أثناء الخطبة، وهذا قول مرجوح، لمخالفته للأحاديث على مشروعية تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.
٣ - أنه لا يجوز أن يتعلق على الخاطب إظهار الخطبة إلا على الحاضرين وجوب استماعها، ألا ترى أنه لما حُظِرَ لشاهد كتمان الشهادة كان ذلك علما على إيجاب استماعها (٢) .
٤ - أن الخطبتين بدل ركعتين، فحرم الكلام بينهما، كالصلاة (٣) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأنهما بدل ركعتين؛ لعدم ثبوت ذلك كما تقدم (٤) .
стр. 320
كما أن القياس لا يصح، لأن الصلاة تفسد بالكلام بخلاف الخطبة (١) .
ثانيا: واستدلوا على إباحة مخاطبة الإمام لحاجة بما يلي: ١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ فبينما رسول الله ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة (٢) فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله ﷺ ! تهدَّم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا،