لبسوه، فإذا جاءه القيام للصلاة: نزعه، وتَرْكُ اللُّبْسِ: أَحبُّ إلينا، وإن كان قوم من أهل العلم من التابعين، رخصوا فيه لما أخبرنا جرير١، عن بيان٢، عن قيس٣ بن أبي حازم قال: قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : لو تحرجت من الصلاة في خُفي: لتحرجت من لبسهما، فَحَكَمَ في لابس، ما يُصَلِّى فيهما لرفضه، وأن لا يلبسه، كذلك قال عبيدة٤ في افتراش الحرير،
стр. 2662
أنه كلبسه، وترك ذلك أفضل، ولا يحل بيع شيء من جلود السباع، ولا اشتراؤه، لأنها ميتة، وإن كانت السباع قد ذكيت: فلا ذكاة لها أيضا.
[٢٣١٤-] سئل إسحاق عن المكروهات، من وقف عليها أنها حرام ؟
قال: ليس لما وصفت١ حد يعرف ينتهى إليه، لا يجاوزه، ولكن معنى المكروهات إلى التحريم أقرب٢، وفيها قال ابن عمر وغيره: يعجبنا أن يكون بيننا وبين الحرام، ستر من الحلال٣، ما يدل أن المكروهات صارت في حد الشبهات.
стр. 2663
وقد صح عن النبي ﷺ : "أن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"١.
[٢٣١٥-] سئل إسحاق عن شريكين متفاوضين اشترى أحدهما سلعة، ولم ينقد، [ع-١٥٥/أ] ثم غاب، فجاء البائع، فأخذ شريكه، وأقام البينة أن شريكه اشترى منه، وهو مدعي لذلك أتجعله خصماً له،
стр. 2664
وتقبل بينته على الغائب؟
قال: هو خصم، لأن المتفاوضين، إذا تفاوضا فكل شيء، كان كما تفاوضا١، وإن قالا: نشترى في المفاوضة، ولم يسميا كيف يفعلان، ولا نعرف٢ ما قال هؤلاء، فإنهما يشتركان في كل شيء إلا التزويج، إنما يكونان متفاوضين، إذا أظهرا وأوضحا، وقال أحدهما لصاحبه: نحن شريكان في كل شيء يكون بيننا٣.
[٢٣١٦-] سئل إسحاق عن رجل اشترى ثوباً بعشرة دراهم، ولم ينقد
стр. 2665
الثمن، ثم طعن فيه بعيب، أتقبل بينته، ويقضى له من قبل أن ينقد الثمن؟
قال: نعم، ويحكم١ على خصمه إذا صح دعوى٢ العيب، يثبت أنه كان عند البائع، قبل أن يصير في ملك المشتري، وكيف يمنعه النقد من المخاصمة في العيوب وغيرها، أرأيت إن استحقه، إنسان أن لا يصير خصماً له حتى يقيم عليه البينة٣.
[٢٣١٧-] قال إسحاق: وأما الحجام الذي يجز شعور الناس، ويأخذ على ذلك أجراً، إنما إرادته أن يفعله لمنفعة ، فإذا أعطي من غير شرط جاز ذلك، فإن كان يريد أن يكتسب٤، ما يكتسب٥ من
стр. 2666
هذا لعياله، أو على نفسه، فهو مأجور أيضاً، وإن جز شعور١ الناس٢، يريد٣ أن يؤجر، ولا ينال منه٤ منفعة، فهو مأجور أيضا٥، وإذا أخذ من شعر نفسه: فإنه لا يعيد الوضوء، وإن أَمَرَّ الماء على شعره جاز، وإن٦ تركه، فلا شيء عليه، ولو رأينا٧ إيجاب إمرار الماء على شعره، لرأينا إعادة الوضوء، لأن الوضوء إذا انتقض منه شيء، حتى صارت في غير عمل الوضوء: كان عليه إعادة الوضوء، حتى يأتي كلا في موضعه بتمامه، وكذلك نتف الإبط، وحلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظافر: لا يجب عليه في ذلك تجديد وضوء، والشارب أشد، فإمرار الماء عليه حسن، لأن الشارب من مواضع الوضوء.
стр. 2667
[٢٣١٨-] قال إسحاق: وأما من خلط مالاً خبيثاً، ومالاً طيباً، ثم دعا الناس إلى طعامه: فإن الداعي إذا كان صديقاً له، [ظ-٧١/ب] أو جاراً، فدعاه إلى طعامه، فلم يعرف أن ما دعاه إليه هو من خبيث، جاز له الإجابة، وتركه أفضل، ولا يكون إذا ترك الإجابة، لمعنى تخوف الشبهة، أن يكون كمن لا يجيب الداعي الذي أمر بإجابته.
فإن كان دعاه إلى شيء، يعلم أنه خبيث، لم تحل له الإجابة.
وإن كان الغالب عليه المال الخبيث، إن ترك الإجابة، فهو أحب إلينا، وإن لم يعرف شيئاً بعينه، لأن قول ابن مسعود، وسلمان، ومن سلك طريقهما: حيث رخصوا للمجيب لصاحب الربا وما أشبهه، إنما أجابوا السائل حيث قال: لا أعلم له إلا مالاً خبيثا، وقد يكون بأن لا يعلم، وعامته طيب، فأجابوه: أن أَجِبِ الداعي، ولك المهنأ وعليه الوزر١.
[٢٣١٩-] قال إسحاق: وأما العارية: فهي مؤداة على كل حال، وإن هلكت العارية، فلم يجد صاحبها سبيلاً إلى أن يؤديها إلى أربابها لما ضاعت، فإن أهل العلم قد اختلفوا:
стр. 2668
رأى قوم: أنه ضامن لما قيل: إن١ العارية مؤداة.
وتأول هذا الحديث، آخرون على معنى: أنها مؤداة لا يجوز للذي استعارها أن يحبسها.
فأما إذا هلكت: فلم تكن مضمونة، إذا لم يكن خالف فيها، وهو الذي أختاره.
قال إسحاق: وأما الوديعة فإنها، إذا هلكت: فلا ضمان عليه فيها، إذا لم يكن منه فيها خلاف٢.
[٢٣٢٠-] قال إسحاق: [ع-١٥٥/ب] وأما قول رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا"، فإن تفسيره قد صح عن النبي ﷺ : "أن الخيار لكل بَيِّعَيْنِ، ما لم يتفرقا، أو يكون بيع الخيار"، فقد بين الفراق، وفي حديث ابن عمر، وأبي برزة٣: أن ذلك بالأبدان،
стр. 2669
لا بالنطق، وكيف يكون الافتراق بالنطق، وإنما قال النبي ﷺ : "لهما١ الخيار ما لم يتفرقا"، وكان ابن عمر إذا باع شيئاً٢، مشى قليلاً لكي يجب البيع. وحديث أبي برزة: أن البيعين بعد عقدة البيع بينهما، أقاما جميعاً، فاختصما إلى أبي برزة، فحكى قول النبي ﷺ ، ثم قال٣: لم يتفرقا٤ بَعْدُ٥.
стр. 2670
[٢٣٢١-] قال إسحاق: وأما الخان١ الذي في القرية السابلة٢ لمن يسكنه من المنتابين، فباعه قوم من رؤساء القرية من والٍ، والخان كان
стр. 2671
لا يُسْكَنُ لمَّا كان ممر الناس على غير ذلك الموضع: فإن ذلك البيع فاسد، إلا أن يكون حاكم، أو والٍ يرى أن يبيع ذلك، فيجعل ثمنه في مثله حيث ينتفع الناس.
وأما١ أن يجتمع قوم من أهل القرية يبيعون: فبيعهم مردود، وإن كان المشتري هدم ذلك حتى جعله مزرعة: فإن على٢ الحاكم إذا رفع إليه ذلك أن يبطله كله، ولو صارت في يدى٣ واحد، بعد واحد٤، فإن لم يكن ذلك، وندم البائع، فلم يجد سبيلاً إلى الرجوع، فعليه أن يجعل ثمنه في مثله، حيث ينتفع الناس، فإن ذلك يكون كفارة لما فعل إن شاء الله تعالى.
وأما أن يجعل من أرض القرية، برضا أهل القرية: فإن ذلك لا يجوز، إلا أن يكونوا كباراً، يعدون وفيهم صغار، ولهم أوصياء استحقوا ذلك الموضع من أربابها اتخذوه خاناً٥.
стр. 2672
[٢٣٢٢-] قال إسحاق: وأما مبادلة الأرض بالأرض أيكون للشفيع في ذلك شفعة، فإن أهل العلم اختلفوا في ذلك:
فرأى عامة علماء أهل البصرة وأهل الحجاز أن لا شفعة في ذلك.
ورأى هؤلاء أن لهم الشفعة بقيمة الأرض التي استبدل١ بها٢،
стр. 2673
والأمر على ذلك: أن لا شفعة في ذلك، إنما سنَّ النبي ﷺ الشفعة بالشراء، فإذا زال عن ذلك الشيء الذي سنه النبي ﷺ : لم يجعل الشفعة في غيره، كنحو الرجل الذي يصدق امرأة أرضاً، وأشباه ذلك مما لا يقع اسم الشراء عليه.
وكذلك قال الحسن في المبادلة والصداق أيضا، وهو الذي يعتمد عليه١.
стр. 2674
[٢٣٢٣-] قال إسحاق: وأما طلب الشفعة، فإن طلبه إذا سمع بالشراء، فذلك الطلب الذي يوجب له الشفعة، وإن أخر المخاصمة، فإن عرض له شغل، أو مذهب لم يرد به ضرر المشتري: فهو على شفعته، وليس يبطل الشفعة تأخير المخاصمة، ولا أن يكون يذهب في احتيال المال، ويفارق المشتري، أو أن يسأل المشتري١ كفيلاً، أو أن يبدأه إذا لقيه بالسلام والسؤال ثم يطلب الشفعة: كل هذا باطل، مما أحدث هؤلاء٢،
стр. 2675
والشفعة١ حق جعله رسول الله ﷺ ، وهو أصل على حدته، لا يعقل بالمقاييس، إنما هو استسلام وتعبد، [ظ-٧٢/أ] ولا يبطلها إلا سنة مجمع عليها، كما اجتمعت الأمة على تسليم الشفعة للشركاء، مع أن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم:
قال بعضهم: إذا طلب الشفعة: فله أجل شهر، فإن خاصمه قبل الشهر، فله ذلك، فإذا مضى الشهر: فلا حق له، وإن تركه بعد الالتقاء، ولم يذاكره الشفعة، وخلى سبيله: فقد بطلت الشفعة.
وقال آخرون من أصحابه: له أجل ثلاثة أيام٢.
وأما [ع-١٥٦/أ] مالك بن أنس، ومن سلك طريقه من علماء أهل العراق، وأهل٣ الشام فإنهم قالوا: لا تبطل الشفعة بعد إذ طلبها حين سمع بالشراء٤. حتى أن قوما دخلوا على مالك
стр. 2676
فقالوا١: إذا اشترى المشتري الأرض، ويريد أن يبني فيها، والشفيع يَتَلَوَّمَ بطلبها، لمّا وَسَّعْتَ عليه٢ في المدة، فإن على المشتري ضرراً كثيراً، لمّا لا يمكنه البناء تَخَوُّفاً أن يكون الشفيع يطلبه بَعْدُ؟
فقال مالك: إذا أراد ذلك المشتري، قدمه إلى الحاكم فيقول: اشتريت هذه الأرض، وهذا شفيعها يتلوم في طلبها، وأنا أريد البناء: فيوقف الحاكم، فإن لم يطلبها: فقد بطل٣ دعواه في ذلك، فهذا الذي يعتمد عليه، وهو أشبه بالسنة الماضية لِماَ قال النبي ﷺ : "لا ضرر في الإسلام٤"، ولا يحل للشفيع أن يتلوم
стр. 2677
بطلبها، لكى يشغل المشتري عن ما١ يجب من الإحداث فيها، كما لا يحل للشريك أن يبيع رباعه، أو أرضه من غريب، ما لم يعرضه٢ على شريكه حتى يأخذ، أو يترك، فإذا عرضه على شريكه بالثمن الذي يريد بيعها به، فقال: لا أطلبها، فباعها بذلك، ثم يطلب٣ الشفعة بعد: فلا شفعة له، لما قال النبي ﷺ : "إذا عرضها عليه بالثمن، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وإن باع ولم يؤذن، فهو أحق به٤"، وفي هذا بيان ما وصفنا إن
стр. 2678
تركه تارك.
وإن لم يكن البائع عقد العقدة، وكذلك روى الثوري عن الحكم بن عتيبة١ وأخذ٢ به، وأخطأ هؤلاء حيث أنكروا قول الرسول ﷺ في ذلك، وقالوا: الشفعة تقع بَعْدُ٣،
стр. 2679
ورسول الله ﷺ هو الذي سن الشفعة لأمته، فهو مبين١ مذهب طلبها فما عدا ما قال فهو مهجور.
فكل ما وصفنا من الشفعة، فهو للشريك أبدا، لا شفعة للجار لقول النبي ﷺ : "إذا قسمت٢ الحدود، وعرف الناس حقوقهم: فلا شفعة بينهم٣".
فإذا كان الشفعاء يطلبون الشفعة: قضى لهم على قدر أنصبائهم، وليس على الرؤوس.
وكذلك قال عطاء٤، والحسن، والشعبي.
стр. 2680
وبه أخذ مالك، وأهل الحجاز١.
وهو أمر واضح بين، لأن الشفعة جعلت لطالبها باستحقاق الملك على قدر الملك.
[٢٣٢٤-] قال إسحاق: إذا كان لرجل شفعة في دار، فغاب، وباع المشتري الدار بفضل ما اشترى٢: من أيهما يطلب الشفعة إذا جاء الشفيع، فإن شاء أخذه من المشتري الأول، وإن كان غائباً، فله أن يأخذه ممن في يده٣ بالشراء الذي اشتراه به٤ إن شاء٥.
стр. 2681
[٢٣٢٥-] قال إسحاق: وأما الرجل يدفع المتاع إلى رجل، ليحمله إلى مصرـ فرجع الرسول، فقال: قد سرق المتاع، ووصف: أني قد وضعته في موضع، فقلت لأصحابي: احفظوا، وكنت وضعته على حمار، وفقدت الحمار، فلما كان بَعْدُ أصبت الحمار، ولم أصب المتاع: فإنه لا ضمان له١ عليه، لأن الرجل الذي يستودع، أو يدفع إليه الشيء، ليبلغ٢ به موضعاً: لا يكون عليه حفظه أكثر مما يكون عليه من حفظ متاعه، فإذا فعل ذلك كما يفعل بمتاعه من الحفظ والتعاهد، ومن يأمر بحفظ متاعه: فلا ضمان عليه، إلا أن يكون٣ متهماً، ويخلط على نفسه، فإن عمر ضمَّن أنس بن مالك بضاعة، وذلك أنه سأله عنها، وكيف صنع فيها؟ فقال: وضعتها مع متاعى، وذهبت٤ من بين متاعي، فقال عمر: أذهب لك٥ معها شيء؟ قال: لا،
стр. 2682
قال: ضمنت يا أنس وإنك عندنا لأمين، يقول: صار ضامناً لحال ما اتهمه، وإن كان١ الخصم أمينا، أن يكون٢ الفعل٣، كفعل المتهمين: أجرى عليه حكم الخصوم، فمن هاهنا قال: ضمنت لما فعل فعلا أنكره، وقال له: إنك لأمين عندنا٤.
[٢٣٢٦-] قال إسحاق: وأما الرجل الذي٥ يسلم الغلام إلى أهل الصناعات على أن يعلمه الصانع الحرفة سنين٦، واشترط المدفوع إليه: متى ما علمته [ع-١٥٦/ب] فأخذته قبل شرطي: فلي عليك مائتا درهم، فأخذه قبل شرطه، وقد تعلم الصناعة: فإن الذي يعتمد عليه الوفاء في الشروط٧، لما قال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم، إلا أن يكون شرطاً يحرم حلالاً، أو
стр. 2683
يحل حراماً".
وهذه١ مسألة يعمل الناس بها ويبتلون، [ظ-٧٢/ب] فإذا شرط٢ مثل هذا الشرط، واجتهد المدفوع إليه، أن يعمله الصناعة أسرع، وربما أنفق عليه ليستدرك ذلك٣، وأفضل منه في وقته، فإذا غدر به أبو الغلام، أو الذي دفع إليه٤ كائناً من كان: لزمه الشرط الذي على نفسه طائعاً غير مكروه٥.
[٢٣٢٧-] قال إسحاق: وأما تصحيح طعام الغلام، وكسوته إلى أن يعلمه، فإن السنة مضت، في استئجار الرجل بالكسوة، وبطعامه أنه جائز، رأى ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وقد قال الله تبارك
стр. 2684
وتعالى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ١، فتلاها ابن عباس حين سئل عن من يؤاجر نفسه على أن يطعموه، ويخدمهم٢، وكذلك قال أبو هريرة ﵁: أجَّرْتُ نفسى على طعام بطنى وعَقِبَةِ رجلي٣.
فإن قال قائل: قد جاء الحديث عن النبي ﷺ : "من استأجر٤ أجيراً، فليعلمه أجره٥" فإن ذلك كما احتج، وغلط
стр. 2685
بالاحتجاج١ بهذا في هذا الموضع، لأن الأجرة بينة، إذا كانت كسوته، وطعامه، وذلك أنه يجعل له كسوة وسطاً، وطعاماً كما يطعم مثله.
فإن قال: إن هذا ليس ببين.
قيل له: فلم أجزته إذا استأجر ضئراً على أن يطعمها، ويكسوها ثوباً، ضرباً من الثياب بغير أعيانها؟
فإن قال: استحسنت ذلك.
فالحجة عليه إذا لم يكن طعام بطنه معلوماً، وزعمت أن النبي ﷺ قال: "من استأجر٢ أجيراً، فليبين له٣ الأجر"، كيف٤ جاز ذلك أن تستحسن خلاف قول النبي ﷺ ؟، هذه زلة
стр. 2686
عظيمة، بل خدمة الخدم على طعام بطونهم، أشهر الناس يعملوها١ من الضرورة، فكيف ميزت بينهما، وأقررت أن معنى٢ هذا واحد، وأنه على خلاف معنى قول الرسول ﷺ عندنا؟
بل السنة في ذلك ما وصفنا أنه جائز على ما يفعله٣ الناس من الطعام والكسوة، كما أن الأجير تستأجره يوماً، أو شهراً بدراهم معلومة، فلابد أن يكون لتلك الأيام ساعات، لم يكن لك أن تستعمله فيها، وليس تلك الساعات بداخلة في أجرتك، لأن الأجير لابد له من إقامة المكتوبات، أو إتيان الغائط، أو البول، أو أكل الطعام، فهذه الأوقات، لم يبينها، ولا يستطيع أن يحدها الأجير، ولا المستأجر، فكيف أجزتم ذلك؟
فإن تشاحا٤ فقال: اقرأ في المكتوبة أقل٥ مما ما تقرأ مما تراه
стр. 2687
جائزا، وأبى الأجير أن يقرأ إلا ما سن الرسول صلى الله عليه وسلم١ أيجبر أن يقتصر على ما أراد المستأجر؟
فإن قلت: لا، فقد انتقض عليك دعواك، وإن كان أكولاً، وأراد٢ الاستيفاء، وأردت أن لا يزيد على قوته، أيحكم
стр. 2688
الحاكم عليه في ذلك بشيء؟ أو كان مستطلق البطن١، فذهب أكثر مما يذهب مثله أله منعه؟
فإن قلت: لا٢، فقد أقررت أن الإجارة تمت على ما يفعله الناس من غير استقصاء ذلك الشيء٣ الذي [ع-١٥٧/أ] وقته، وكذلك الطعام والكسوة على ما يفعله الناس.
[٢٣٢٨-] قال إسحاق: مضت السنة من النبي ﷺ أن من أحيا أرضاً مواتاً، فقد ملك رقبتها ، وقال الرسول٤ ﷺ : "عاديُّ الأرض لله ولرسوله، ثم لكم، من أحيا من موتان الأرض شيئاً، فقد ملك رقبتها٥".
стр. 2689
فلما ثبتت السنة بملك رقبة١ الموات للذين أحيوها، صارت سنة مسنونة، وعمل بذلك الخلفاء بعده، واجتمع علماء
стр. 2690
الأمصار في عصرنا هذا، ومن قبل أن الأمر على ذلك، لم يختلف منهم فيه والٍ، ولا عالم، ولا جماعة١.
واختلف علماء الأمصار في تفسير الموات، فرأى قوم من أهل العلم، أن كل أرض، لم يوضع عليها الخراج٢، وإن كانت منسوبة إلى قرية، إلا أنها ليست مما يعلوها ماؤها، وقد جاوز حدها، قدر دعوة من المصر٣، فأحياها رجل: فإنه قد ملك رقبتها، وإن كانت هذه الأرض في غير أرض العرب، لأنها إذا لم تكن في حد قرية: وضع عليها الخراج، أو في مرعى القوم:
стр. 2691
لم يكن حريماً، لهذه القرية التي هي١ بجنبها جبلاً كان أو أرضاً، لأن الأرض التي لا٢ يعلوها الماء، وإن نسبت إلى قرية، أو قبل مفازة كورة، كنحو مفازة آمل٣، أو مفازة كرمان٤، أو ما أشبههما، فإن من أحيا منها: فهو مباح له، إذا لم يكن يعرض لها متعرض قَبْلُ فأحياها، فإن الذي يحيى مثل هذه الموات، فقد ملك الرقبة٥.
стр. 2692
ولا يكون إحياء الموات، إلا بان يحوط عليها حائطاً، أو يجعل حواليها المسنيات١، كنحو الحيطان، أو يكون زرعها الذي
стр. 2693
أحياها كلها، أو كَرِيُّهَا: فهذا الإحياء الذي قد عرفنا١، لأن رسول الله ﷺ قال: "من أحيا أرضاً مواتاً، فقد ملك رقبتها"، وهو الذي قال ﷺ : "من أحاط على أرض، فقد [ظ-٧٣/أ] ملكها٢".
فدل هذا الحديث على معنى ما أردنا من تفسير الإحياء، أنه الحائط وما أشبهه، وهو الذي لا يُخْتَلَفُ فيه، وهو الحق -إن
стр. 2694
شاء الله- لأن كل أرض بجنب قرية، أو قُرْبَها مما لا يعلوها ماء هذه القرية، وادياً كان أو قناة، فإنا قد علمنا أنه لم يوضع عليها الخراج، بما١ سن عمر بن الخطاب ﵁: أن الخراج يوضع على كل أرض لا٢ يعلوها الماء، عامر وغامر٣، وهذه التي زال عنها المعنى الذي وصفنا صارت مواتاً.
وقد أجمع عدة من العلماء: أن الموات لا يكون إلا في أرض العرب٤، منهم المغيرة الضبي٥، والأوزاعي، وسفيان
стр. 2695
الثوري١، ومن سلك طريقهم، ولم يروا الموات في أرض الخراج.
فلذلك قلنا: كل أرض لم يوضع عليها الخراج، جبلاً كان أو بياض أرض، بخراسان أو غيرها: ففيها٢ الموات٣.
وإن كانت أرضاً بجنب٤ قرية فتروح فيها دوابهم، وتسرح للرعى، فإلى قدر منتهاها: رأى قوم أن يكون فيها موات،
стр. 2696
وقد جعل ذلك حريماً لهذه القرية١، وإن كانت٢ لا يعلوها الماء أبداً٣.
стр. 2697
[٢٣٢٩-] قال إسحاق: وهذا إذا كان دون دعوة من القرية، أو المصر، رجوت أن يكون كما وصفوا. وأما ما نأت١ عما جاء في سنة رسول الله ﷺ ، وهو قدر دعوة، فإن رقبتها لمن أحياها، إذا كانت مما٢ لا يعلوها ماء هذه القرية.
وإن٣ كانت أرضا منسوبة إلى قرية، وهي عامرة ويعلوها الماء، أن لو عمرت فلا أرى لأحد من أهل٤ تلك القرية التي تنسب هذه الأرض إليها، أن يستبد بزراعتها دون الشركاء، لأنهم في ذلك شرع واحد، ولا٥ يجوز لأحد استخلاص شيء منها، دون أهل القرية إلا أن تكون مقاسمة بين القوم، أو يكون صلحاً بين القوم٦ يتراضون به على زراعتها، فلهم ذلك حينئذ.٧
стр. 2698
ورأى قوم في هذه الأرض١ التي بين أهل القرية، أو القرية نفسها إذا كانت بينهم، فلم٢ يقتسموها، فأرادوا زراعتها أن يقتسموا٣ بينهم، ويقرعوا بين٤ القسمة، وأرجو أن يكون ذلك جائزاً [ع-١٥٧/ب] ٥.
وإن كان فيها قوم غُيَّبٌ، أو صغار، فإن الحاكم يوكل على٦
стр. 2699
الغائب، وينصب للصغير وصياً، ثم يقتسمون حينئذ ويقترعون، وهذا رأي مالك وأصحابه١: أن يقتسموا هم عن٢ الصغير والغائب، إذا كان الذين حضروا هم مدركون، ويحتاجون إلى القسمة، ويجمعون العدول في ذلك ويقرعون.
قيل لمالك: أرأيت إن قدم الغائب، أو أدرك الصغير، فأنكروا ذلك؟
فقال: جازت القسمة بينهم، ولو أن الحاكم أراد ذلك، لم يقدر على أكثر من أن يحضر عدولا حتى يقتسموا، وقد فعل ذلك هؤلاء، ثم يقول على أثر ذلك: هؤلاء الحكام والله قد٣ أضاعوا من الحكم أكثر من ذلك.
والذي نعتمد عليه من ذلك: ما وصف مالك عند الضرورة،
стр. 2700
إذا١ لم يمكنهم رفع ذلك٢ إلى الحاكم لَمَّا لما يكن هناك من يحكم بينهم٣، إذ لم يقدروا على تثبيت ذلك عند الحاكم فجازت حينئذ القسمة، لأنها موضع ضرورة.
وهذا إذا كان منهم غائب، أو صغير، فأما إذا كان أهلها كلهم كباراً حضوراً٤، فلا يحتاجون إلى حاكم، ولا إلى قضية قاض، وقد أجاز أهل العلم من أصحاب رسول الله٥ ﷺ ، ومن بعدهم من الضرورات أكثر من هذا.
وأنكر هؤلاء ما وصف مالك من ذلك عند الضرورة٦، وغير الضرورة، ثم أتوا أعظم مما أنكروا، فمن ذلك ما قالوا: لو أن امرأة التقطت صبياً، فربته، فَوُهِبَ للصبي هبةً، فقالوا بأجمعهم: لها أن تقبض ما وهب له٧، وهم لا يرون للأم قبضاً في