مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا. قالت: أتدري ما النشا؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم» . وقال عمر ﵁: «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ زوج امرأة رجلا بما معه من القرآن» .
وروى الترمذي وصححه: «أن عمر ﵁ قال: لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت لك على القربة» . والأحاديث والآثار في الحض على الاعتدال في النفقات والنهي عن تجاوز الحاجة كثيرة معلومة، وبناء على ذلك ولما يسببه هذا التمادي في المغالاة في المهور والمسابقة في التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة وتعدادها قبل الزواج وبعده، وما صاحب ذلك من أمور محرمة تدعو إلى تفسخ الأخلاق من غناء واختلاط الرجال بالنساء في بعض الأحيان، ومباشرة الرجال لخدمة النساء في الفنادق إذا أقيمت فيها مما يعد من أفحش المنكرات، ولما يسببه الانزلاق في هذا الميدان من عجز الكثير من الناس عن نفقات الزواج فيجرهم ذلك إلى الزواج من مجتمع لا يتفق في أخلاقه وتقاليده مع مجتمعنا فيكثر الانحراف في العقيدة والأخلاق، بل قد يجر هذا التوسع الفاحش إلى انحراف الشباب من بنين وبنات، ولذلك كله فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى ضرورة معالجة هذا الوضع معالجة جادة وحازمة بما يلي:
١ - يرى المجلس منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من
стр. 72
آلات اللهو وما يستأجر له من مغنين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر.
٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام، وأن يرغب الناس في تخفيف المهور ويذم لهم الإسراف في ذلك على منابر المساجد وفي مجالس العلم وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس بالأكثرية معاقبة من أسرف في ولائم الأعراس إسرافا بينا، وأن يحال بواسطة أهل الحسبة إلى المحاكم لتعزر من يثبت مجاوزته الحد بما يراه الحاكم الشرعي من عقوبة رادعة زاجرة تكبح جماح الناس عن هذا الميدان المخيف؛ لأن من الناس من لا يمتنع إلا بعقوبة، وولي الأمر وفقه الله عليه أن يعالج مشاكل الأمة بما يصلحها ويقضي على أسباب انحرافها، وأن يوقع على كل مخالف من العقوبة ما يكفي لكفه.
٥ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور والترغيب في ذلك على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر أو اقتصر على حفلة متواضعة لما في القدوة من التأثير.
٦ - يرى المجلس أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير فإن عامة الناس لا يمتنعون من ذلك؛ لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم فعلى ولاة الأمر أن يبدأوا في
стр. 73
ذلك بأنفسهم ويأمروا به ذوي خاصتهم قبل غيرهم، ويؤكدوا على ذلك اقتداء برسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم واحتياطا لمجتمعهم لئلا تتفشى فيه العزوبة التي ينتج عنها انحراف الأخلاق وشيوع الفساد، وولاة الأمر مسؤولون أمام الله عن هذه الأمة، وواجب عليهم كفهم عن السوء ومنع أسبابه عنهم، وعليهم تقصي الأسباب التي تثبط الشباب عن الزواج ليعالجوها بما يقضي على هذه الظاهرة، والحكومة أعانها الله ووفقها قادرة بما أعطاها الله من إمكانات متوافرة ورغبة أكيدة في الإصلاح أن تقضي على كل ما يضر بهذا المجتمع أو يوجد فيه أي انحراف، وفقها الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته وإصلاح عباده وأثابها أجزل الثواب في الدنيا والآخرة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
قرار رقم ٩٤ وتاريخ ٦ / ١١ / ١٤٠٢ هـ الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: -
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من الخامس والعشرين من شهر شوال حتى السادس من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٢هـ، نظر في ظاهرة غلاء المهور وما ينبغي أن يتخذ بشأنها بناء على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء الموجه لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ١٦٩٤٧ وتاريخ ١٦ / ٧ / ١٤٠٢ هـ المتضمن رغبة سموه في إحالة الموضوع إلى مجلس هيئة كبار العلماء لدراسته وإصدار توصية بشأنه، وذلك بعد اطلاع المجلس على نتائج الأعمال والدراسة التي تقدمت بها اللجنة المشكلة بالأمر السامي رقم ٩٠٤٢
стр. 74
وتاريخ ١٤ / ٤ / ١٤٠٢ هـ، واطلع على كتاب معالي وزير العدل برقم ٣٠٥٦ / ٥ / خ وتاريخ ٦ / ١٠ / ١٤٠٢ هـ والأوراق المرافقة له المتضمنة بعض الدراسات والمقترحات الصادرة من جهات متعددة من الجامعات وغيرها، كما اطلع على الكتاب الوارد من صاحب السمو الملكي نائب وزير الداخلية برقم ١٧ / ٦٦٠٦ وتاريخ ١١ / ٢ / ١٤٠٢ هـ، وكتاب سموه رقم ١٧ / ٢٣٩٨٤ وتاريخ ٢٥ / ٥ / ١٤٠٢ هـ، واطلع على كتاب معالي وزير العدل برقم ١٠٠٠وتاريخ ٢ / ٩ / ١٤٠٢ هـ، وكتاب سمو نائب أمير مكة المكرمة رقم ٣٩٣٦ / ٥ / ٤ وتاريخ ١٣ / ١٠ / ١٤٠٢ هـ المشفوع بكل واحد منها اتفاق لبعض القبائل على تحديد المهور فيها حسب ما رأته كل قبيلة، ثم رجع المجلس إلى قراره رقم ٥٢ وتاريخ ٤ / ٤ / ١٣٩٧ هـ واستعرض المقترحات والحلول التي جاءت فيه، وبعد الدراسة وتداول الآراء في الموضوع رأى المجلس ما يلي: -
أولا: يؤكد المجلس ما أصدره بقراره رقم ٥٢ في الأمور التالية: -
أ - منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من آلات اللهو وما يستأجر له من مغنين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر.
٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام. وأن يرغب الناس في تخفيف المهور، ويذم لهم الإسراف فيها على منابر المساجد وفي مجالس العلم وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور والترغيب في ذلك على منابر
стр. 75
المساجد وفي وسائل الإعلام وذكر الأمثلة التي تكون قدوة حسنة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر، واقتصر على حفلة متواضعة لما في القدوة الحسنة من التأثير.
٥ - يرى المجلس أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم وذوي الثراء فيهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير فإن عامة الناس لا يمتنعون؛ لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم.
ثانيا: يرى المجلس بالإضافة إلى ما سبق أن تمنع الدولة وفقها الله إقامة حفلات الزواج في الفنادق ودور الأفراح لما يحصل في كثير منها من المنكرات ولما في إقامتها فيها من السرف وإنفاق الأموال الطائلة التي تزيد على المهور نفسها في بعض الأحيان، ولما لها من الأثر الكبير في ارتفاع تكاليف الزواج. ويؤكد المجلس مرة أخرى دعوته للقادة والعلماء والوجهاء أن يسهم كل منهم بنصيبه في حل هذه المشكلة، ويكون قدوة حسنة في أمور الزواج، وليعلموا أن لهم من الله أجرا عظيما إذا هم صدقوا في ذلك وسنوا سنة حسنة في عباده كما أن عليهم الإثم والعقاب إذا خالفوا هدي رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
ثالثا: أما ما يتعلق باتفاق بعض القبائل على مهور محددة وطرائق معينة، فإن المجلس ما عدا واحدا من أعضائه رأى ما يلي: -
أ - الموافقة على ما تتراضى عليه كل قبيلة في تحديد المهور على أن يكون ما تتفق عليه مناسبا لحال تلك القبيلة بأن لا يكون فيه مغالاة وأن يكون ما تم الاتفاق عليه ساريا على أفراد تلك القبيلة.
ب - يعتبر ما تراضى عليه كل قبيلة حدا أعلى للمهر بالنسبة لتلك القبيلة
стр. 76
فمن أراد ممن تراضوا أن يزوج موليته بأقل من هذا برضاها فله ذلك بل يشكر عليه.
ج - من زاد عن الحد الذي تراضى عليه مع قبيلته نظر فضيلة القاضي في جهته في الدواعي التي حملته على ذلك، فإن رأى إمضاء الزيادة أمضاها وإن رأى ردها ألزمه بردها بناء على ما يقتضيه نظره في ذلك.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى الله وصحابته أجمعين.
هيئة كبار العلماء
(٦) أما المجال السادس فهو: مجال التسلية والترفيه.
والتسلية: جلب السلوة والسلوى، وهو كل ما يسلي، أي ما يذهب الهم ويكشفه (١) .
والترفيه: جلب الرفاهة أو الرفاهية في العيش.
ويقال: رفه عنه: إذا نفس عنه الكرب (٢) .
والإنسان بجبلته ميال إلى اللهو والدعة.
ولذا نجد الإسلام لا ينكر هذه الجبلة الطبيعية فيه، بل يوجهها توجيها سديدا.
«ولما شكى حنظلة بن الربيع (الكاتب) إلى رسول الله ﷺ ما يجده في نفسه من ميل إلى الراحة ومعافسة النساء والأولاد والضيعات، قال له عليه الصلاة
стр. 77
والسلام: والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة، ثلاث مرات» (١) .
وورد عن أنس مرفوعا: «روحوا القلوب ساعة فساعة» (٢) .
وقال علي بن أبي طالب ﵁: " أجموا هذه القلوب، فإنها تمل كما تمل الأبدان " (٣) .
ومجال التسلية بحر لا ساحل له، نظرا لتعدد وسائله.
فمن وسائله:
السمع: كالاستماع إلى القصص والأخبار والحكايات والشعر، وهكذا وسائل الإعلام المسموعة بصفة عامة.
النظر: ويدخل في مقدمة ذلك القراءة لكتب الأدب والشعر والقصة والصحف والمجلات ذات الطابع المنوع والهزلي.
وكذلك النظر في جمال الطبيعة والكون، والفنون التشكيلية.
والنظر في وسائل الإعلام المرئية من تلفاز وحاسوب (كمبيوتر) ونحوهما.
التفكر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وما فيه من بديع الصنعة وجمالها وكمالها.
ممارسة الفروسية والألعاب الرياضية المختلفة.
مجالسة الأهل والأولاد والأصدقاء وتبادل الأحاديث بينهم.
السفر والسياحة في الأرض.
على حد قول الشاعر:
стр. 78
تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
وهذه الصور وأشباهها وغيرها تعتريها الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والكراهة والتحريم والإباحة.
فإن منها ما يكون واجبا - وهو قليل جدا - إذا كان مباحا في ذاته، ووسيلة إلى واجب، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالنظر في ملكوت السماوات والأرض.
وربما كان شبه ذلك مندوبا.
ويكون حراما، إذا كان في نفسه حراما، كممارسة الألعاب المحرمة كالميسر والشطرنج، وعمل التماثيل والصور من ذوات الأرواح، ومثل: تزجية الوقت بالغيبة والنميمة والترويج للباطل، والسحر والشعوذة.
أو كان وسيلة إلى حرام، أو شغله عن واجب أهم (١) وما عدا ذلك فإنه يتراوح بين الإباحة والكراهة والندب، بحسب الأشخاص والأحوال والملابسات.
وإذا ما أجلنا النظر في واقع المسلمين الاجتماعي والثقافي والرياضي والسياحي والإعلامي ونحوها، فإننا نلحظ أن للتسلية والترفيه نصيبا كبيرا في حياتهم، ربما يفوق نصيب الجد عند كثير منهم.
وقد ساعد على ذلك إفرازات الحضارة الغربية التي ركزت على مجال الترفيه، وأصّلته في نفوس أكثر البشر فانساق وراءها الشباب والكهول والشيوخ والنساء فضلا عن الأطفال.
ومن هنا أصبحت تلك محلا للتنافس بين الناس، والركض وراء سرابها، فضاعت بسببها الأعمار، وأهدرت الأوقات، وصرفت إليها الاهتمامات، وصرفت من أجلها الأموال الطائلة.
стр. 79
ومن صور السرف هنا:
ما يصرف من أجل السياحة والنزهة.
فقد أصبح السفر والسياحة جزءا أساسا في حياة كثير من الناس، وبالأخص في الإجازات والعطل الصيفية.
وتختلف جهات السياحة من شخص إلى آخر، لكن حصة الدول الأوربية وأمريكا ربما فاقت غيرها من الدول.
وتشير إحصاءات متأخرة إلى أن " دول الخليج تصرف (١) في بريطانيا وحدها ما يقرب من ملياري دولار، وفي سويسرا (٧٥) مليون دولار، وفي فرنسا مليارا ونصفا، ليصل الإجمالي ما يقرب من خمسة مليارات دولار تقريبا، وهو رقم ضخم جدا قياسا بما يتم صرفه في الدول العربية " (٢) .
ما يصرف في شراء المجلات والصحف والكتب ذات الطابع الهزلي.
فمن الملحوظ أن السوق تطفح بالمطبوعات المختلفة، ذات المضمون الجيد، والمضمون الرديء، سواء من المجلات أو الصحف أو القصص والروايات. . . إلخ.
ولا لوم على الإنسان في اقتناء الجيد المفيد.
لكن ما يلام عليه الإنسان كل اللوم أن يبحث عن تلك المطبوعات السيئة فيشتريها ولو بأغلى الأثمان.
وها أنت ترى أن كثيرا من المجلات الماجنة - التي تروج لنفسها عن طريق الصور النسائية الفاضحة والعارية - تباع بأسعار باهظة، تضاهي أسعار الكتب النفيسة.
وعلى رغم غلائها فسوقها رائجة بين صفوف الشباب والفتيات وتلقى إقبالا منقطع النظير.
فيا لله أين العقول؟ وأين القلوب؟ وأين الحمية العربية!!
стр. 80
[المبحث الرابع الآثار السلبية للسرف]
[مدخل]
المبحث الرابع
الآثار السلبية للسرف مدخل ما أمر الله تعالى بشيء إلا كان للعباد فيه مصلحة عاجلة أو آجلة، وما نهى عن شيء إلا كان فيه مفسدة عاجلة أو آجلة، " والمصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد " (١) .
وقد ثبت بالأدلة القطعية المتضافرة - كما مر معنا - أن السرف مما نهى الله عنه ورسوله، ومما تأنف منه نفوس العقلاء.
ولذا لا بد أن تكون له سلبيات وأضرار ومفاسد تعود على الفرد وعلى الجماعة، وتعود على الدين والدنيا.
ويمكن تصنيف هذه الآثار كالآتي:
١ - الآثار الدينية. ٢ - الآثار النفسية.
٣ - الآثار الاجتماعية. ٤ - الآثار الاقتصادية.
٥ - الآثار البدنية.
وهذه وقفات حولها في المطالب الآتية:
стр. 81
[المطلب الأول الآثار الدينية]
المطلب الأول: الآثار الدينية الدين من ضرورات الحياة الإنسانية، بل أهم الضرورات، والمحافظة عليه مما يخدشه فرض على كل مسلم.
وبضياع الدين يخسر الإنسان حياته الدنيوية والأخروية. ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
فما آثار السرف التي تنعكس على الدين سلبا؟ هنا نحاول إبرازها في النقاط الآتية: (١) .
١ - أن في السرف مجاوزة لحدود الله التي حدها وفرضها، وقد قال الحق:. . ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٢) .
ووجه كون السرف تجاوزا لحدود الله، أن الله تعالى نهى عنه في آيات كثيرة، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وحسبنا قوله سبحانه:. . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣) .
والمسرف مرتكب للنهي، فيكون قد تجاوز حدود الله التي حدها وهي الاعتدال والتوسط.
стр. 82
٢ - الإسراف والتبذير كفر بنعمة الله، وطغيان في الأرض، قال تعالى ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] (١) .
يقول الألوسي (ت١٢٧٠ هـ) : " وفي تخصيص هذا الوصف بالذكر (٢) من بين صفاته القبيحة إيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله تعالى إلى غير مصرفها من باب الكفران المقابل للشكر " (٣) .
٣ - متابعة الشيطان ومؤاخاته قال سبحانه:. . ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (٤) .
" ومعنى ذلك أن التبذير يدعو إليه الشيطان؛ لأنه إما إنفاق في الفساد، وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير، وكل ذلك يرضي الشيطان، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وأعوانه، وهذا تحذير من التبذير، فإن التبذير إذا فعله المرء اعتاده فأدمن عليه فصار له خلقا لا يفارقه فشأن الأخلاق الذميمة أن يسهل تعلقهما بالنفوس. . . فإذا بذر المرء لم يلبث أن يصير من المبذرين أي المعروفين بهذا الوصف، والمبذرون إخوان الشياطين، فليحذر المرء من عمل هو من شأن إخوان الشياطين، وليحذر أن ينقلب من إخوان الشياطين " (٥) .
٤ - تعريض المسرف نفسه للعقوبة الدنيوية أو الأخروية، أو كليهما، قال سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص: ٥٨] (٦) .
стр. 83
وقد قص الله سبحانه في كتابه ما فعله قارون من جمع للمال، وكنز له، ومنعه حقه وزهوه به، ثم نتيجة ذلك ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] (١) .
" فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين هو وما اغتر به من داره وأثاثه ومتاعه " (٢) .
٥ - الحرمان من التوفيق والهداية الإلهية، يقول سبحانه على لسان مؤمن آل فرعون في سياق دفاعه عن موسى ﵊:. . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] (٣) .
٦ - المساءلة بين يدي الله تعالى، فعن أبي برزة الأسلمي قال: قال ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (٤) .
ومن نوقش الحساب هلك.
يؤكد ذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] (٥) .
وقد اختلف من المسؤول هنا أهو المؤمن أم الكافر، وأي شيء هو النعيم؟ قال في مفاتيح الغيب: " والحق أن السؤال يعم المؤمن والكافر عن جميع النعيم، سواء كان مما لا بد منه أو لا، لأن كل ذلك يجب أن يكون مصروفا إلى طاعة الله لا إلى معصيته، فيكون السؤال واقعا عن الكل " (٦) .
стр. 84
[المطلب الثاني الآثار النفسية]
المطلب الثاني: الآثار النفسية ثمة آثار سلبية تنعكس على المسرف في نفسه وقلبه، ومن ذلك:
١ - قسوة القلب وإعراضه عن الحق، باتباع الشهوات والملذات، فالقلب كلما غرق في لذة ابتعد عن الله وأمره، " فإنها تضعف سيره إلى الله والدار الآخرة وتعوقه وتعطفه عن السير فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة " (١) .
والإسراف في الإنفاق من أهم أسباب غرق القلب في اللذة.
ورحم الله عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) إذ يقول:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
ولله ما أصدق سفيان الثوري (ت ١٢٦ هـ) إذ يقول: " إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب " (٢) .
٢ - أن الإسراف من أهم دواعي الشر والإثم، فالنفس بدون زمام تنساق وراء الشهوات متى كانت المادة متوافرة وليس عليها حصانة.
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
أو كما يقول الآخر:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
٣ - والإسراف من أسباب تأصل الأثرة والأنانية في الإنسان، بحيث يكون همه الوحيد إرضاء نفسه باتباع الشهوات، والبذل في سبيل ذلك
стр. 85
بدون حدود أو قيود، أما غير نفسه فهو نسي منسي، حتى وإن كان من ذوي رحمه.
٤ - أن الإسراف وسيلة إلى الترف، وهما وسيلة إلى الفخر والكبر والمخيلة (١) .
يقول ابن حجر: " وقد يستلزم الإسراف الكبر وهو المخيلة " (٢) .
٥ - وتناول المخدرات والمسكرات - وهي من أبشع صور الإسراف - يذهب بالعقول ويضعف التفكير ويحمل النفس هموما وكربات عظيمة.
" إذ في ذلك تردي النفس في ورطة البهيمية والتبعد من المَلَكِية (٣) في الغاية، وتغيير خلق الله حيث أفسد عقله الذي خص الله به نوع الإنسان، ومَنَّ به عليهم، وإفساد المصلحة المنزلية والمدنية وإضاعة المال والتعرض لهيئات منكرة يضحك منها الصبيان، وقد جمع الله كل هذه المعاني تصريحا أو تلويحا في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] (٤)(٥) .
٦ - أن الإنسان بإسرافه وتنعمه يألف الراحة والخمول، ويحب الإخلاد إلى الأرض والاطمئنان إلى المادة والتعلق بها.
ومن ثم فإنه لا يتحمل المصاعب أو المصائب، ولا يثبت في مواقف الابتلاء والاختبار.
ولعل هذا مما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]
стр. 86
(١) قال علي بن محمد الخازن (ت٧٤١ هـ) في تفسيره: (هذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكينة وطمأنينة، ولو عبدوا الله بالشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف) (٢) .
стр. 87
[المطلب الثالث الآثار الاجتماعية]
المطلب الثالث: الآثار الاجتماعية أشرنا من قبل إلى أن الإسراف منه ما هو تصرفات فردية، ومنه ما هو تصرفات جماعية، ولكل منهما آثاره السلبية على المجتمع؛ لأنه من الآثام والجرائم التي تتعدى إلى المجتمع مهما كانت فردية.
فمن هذه الآثار:
١ - كسر قلوب الفقراء والمساكين والبؤساء الذين لا يكادون يحصلون على ما يسد حاجاتهم إلا بمشقة.
فإنهم عندما يرون هذه الأموال المبذرة المصروفة في غير وجوهها المشروعة، تنقبض نفوسهم، وتضيق صدورهم، وتنكسر قلوبهم.
وهذا خلاف مقاصد الشارع الحكيم، الذي يأمر بمواساتهم وجبر قلوبهم، قال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ - وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] (١) .
وفي الحديث: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» (٢) .
وفي الحديث الآخر: «من قضى لأحد من أمتي حاجة يريد أن يسره بها فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله ومن سر الله أدخله الله الجنة» (٣) .
أجل. . فالإسراف وإدخال السرور على المسلم قلما يجتمعان.
٢ - حرمان المستحقين من هذا المال الفائض الذي يبذر ويهدر في غير ما
стр. 88
حاجة أو مصلحة.
والمستحقون للمواساة والمعونات موجودون في كل زمان ومكان، وإن تفاوتت نسبتهم، ومقدار حاجاتهم من مجتمع إلى آخر.
فالله تعالى قد فاضل بين الناس فأغنى وأفقر ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] (١) .
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكل كأن لم يلقه حين يذهب
ويأتي حرمان المستحقين من فئتين:
إحداهما: أهل التبذير والإسراف، المضيعون لأموالهم.
الثانية: أهل الشح والبخل.
وهذان طرفان، وخير الأمور ما كان بينهما.
٣ - أن الإسراف فيه إذكاء للبغضاء والشحناء بين طبقات المجتمع (الأغنياء والفقراء) .
فالفقير إذا رأى غنيا ذا أنانية، يبدد ماله في طرق غير مشروعة كبناء القصور الشاهقة والمزخرفة، وتجديد أثاث البيت كل عام، وتبديل سيارته الفارهة بين عام وآخر، أو صرفه في المحرمات، أو اللعب به في نوادي القمار والميسر، أو التبرع لجهات مشبوهة، هذا في الوقت الذي يَحرم منه أهله المستحقين. . . .
هذا الفقير وهو يعايش هذه المشاهد ونظائرها ينزرع في قلبه بغض تلك الطبقة ويحقد عليها ويحسدها على هذه النعمة.
وربما جاء من يستغل هذه الممارسات والمواقف ليؤصل الطبقية الاجتماعية، ويولد الفرقة بين فئات المجتمع، كما فعله ويفعله دعاة الاشتراكية في العصر الحديث.
стр. 89
وكم من ثورة قام بها أراذل البشر وأوباشهم باسم الفقراء أو العمال فأكلت الأخضر واليابس، وأحلت الخوف محل الأمن، والفقر محل الغنى.
فيا ليت قومي يعلمون!! .
٤ - أن الإسراف والبذخ طريقان إلى الترف.
والترف يؤدي لا محالة إلى زوال الأمة. كما قال الحق: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] (١) .
وقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ - لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٣] (٢) .
وذلك أن " الترف - كما يقول ابن خلدون - مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الشر والسفسفة وعوائدها. . . . فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك ودليلا عليه، ويتصفون بما يناقضها من خلال الشر، فيكون علامة على الإدبار والانقراض بما جعل الله من ذلك في خليقته، وتأخذ الدولة مبادئ العطب وتتضعضع أحوالها وتنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها " (٣) .
حقا إن الترف - كما تقول مجلة لواء الإسلام (٤) " يؤدي إلى انحلال النفوس وتحكم الشهوات، وسيطرة الأنانية، وهذا كله فساد يؤدي إلى هلاك الأمة ".
стр. 90
ولقد يكون الفرد - بإسرافه وإفراطه - سببا لفساد أمة. ولذلك يقول علي بن أبي طالب ﵁: " لا يذهب أمر هذه الأمة إلا على رجل واسع السُّرْم، ضخم البلعوم " (١) .
قال ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) : (السُّرْم: الدبر، والبلعوم: الحلق، يريد رجلا عظيما شديدا. . . ويجوز أن يريد به أنه كثير التبذير والإسراف في الأموال والدماء فوصفه بسعة المدخل والمخرج " (٢) .
стр. 91
[المطلب الرابع الآثار الاقتصادية]
المطلب الرابع: الآثار الاقتصادية ما دام الحديث عن الإسراف في الأموال والنفقات، فإنه سيكون له آثار سلبية على الجانب الاقتصادي لا محالة.
إذ الاقتصاد ينتظم العلاقات المادية الداخلية والخارجية للأمم والدول، كما يدخل فيه التنظيم المالي للأسرة، وفقا لما مر معنا في التعريف بالمصطلحات.
ولعل من أهم الآثار:
١ - إهدار الأموال وإضاعتها فيما لا يحقق مصلحة للفرد أو الجماعة، بل ربما ترتب عليه مفاسد.
ومعروف أن المال قوام الحياة، قال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] (١) .
وهو أمانة بيد الإنسان ومستخلف فيه يجب عليه أن يقوم بها على الوجه الصحيح، وإلا كان أحد الخائنين. قال سبحانه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] (٢) .
قال أبو السعود (ت٩٥١ هـ) : " أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، عبر عما بأيديهم من الأموال والأرزاق بذلك تحقيقا للحق وترغيبا لهم في الإنفاق، فإن من علم أنها لله وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف هان عليه الإنفاق " (٣) .
٢ - أن تبذير الأموال وإضاعتها خسارة فادحة على الأمة المسلمة، فإنها ثروة
стр. 92
عزيزة تقوي جانب الأمة وتشيد حضارتها " فالمقصد الشرعي أن تكون أموال الأمة عدة لها وقوة لابتناء أساس مجدها والحفاظ على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة بعين الاعتبار، غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها فيبتز منافعها ويدخلها تحت نير سلطانه " (١) .
٣ - وينتج عن التبذير اهتزاز اقتصاد الدولة المسلمة وتدني مستواه، وربما أصيبت ميزانيتها بعجز كبير، وهبطت عملتها إلى مستوى الحضيض، الأمر الذي يؤدي إلى التضخم، ومن ثم ترتفع الأسعار ويعم الغلاء، وينخفض سعر العملة في الخارج، وتنزح رؤوس الأموال خارج البلاد (٢) .
ويذكر أهل الاختصاص أن من أهم أسباب التضخم: اختلال التوازن بين الاستهلاك والاستثمار، فإذا كان الاستهلاك أكبر من الاستثمار فإن الطلب يرتفع ويؤدي إلى التضخم (٣) .
وقصارى القول أن اقتصاد الدولة المسلمة لا يستقر إلا إذا تحققت فيه العدالة والاقتصاد، وكفت عنه أيدي العابثين بالأموال، المبذرين لها.
٤ - أن الإسراف سبب لنزع البركة في المال.
فإن تبذيره تضييع له، وهيهات البركة مع الضياع، والفقر هو المحصلة النهائية.
ولو أن الفقر كان موجودا من قبل لهان الأمر.
والفقر أحمد من مال تبذره ... إن افتقارك مأمون به السرف
стр. 93
[المطلب الخامس الآثار البدنية]
المطلب الخامس: الآثار البدنية (الصحية) تعود كثير من آثار الإسراف إلى الإنسان في بدنه، وبالأخص فيما يتعلق بالأغذية والأدوية.
فإنه متى أسرف في استعمالها أصيب بعلل كثيرة.
ولعل من المفيد - قبل الشروع في ذكر الآثار - أن نشير إلى أسباب الإسراف هذا ودواعيه.
يذكر بعض أهل الاختصاص هنا أن الأسباب تعود إلى شيء واحد هو: الشره، وهو شدة الحرص على الطعام والتعلق به.
وقد يكون سبب ذلك عضويا وقد يكون نفسيا.
فالنفس وما تعتاده.
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
وكما يقول الشاعر الآخر:
فالنفس إن أعطيتها هواها ... فاغرة نحو هواها فاها
ويقول الآخر:
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
ولعل من أهم أسباب الشره:
١ - بعض الحالات المرضية الجسمية، كالإصابة بالديدان المعوية، والداء السكري والحمل والسل الرئوي.
وبالنسبة لكثرة العطش فإن من أسبابه:
الإسهال المزمن، والتعرق الشديد، وزيادة ملح الطعام.
٢ - اضطراب حياة الفرد الانفعالية، فكما يكون الشره ظاهرة للحرمان،
стр. 94
كذلك يمكن أن يكون ظاهرة للتدليل.
٣ - الهرب من الواقع الأليم - الذي قد يصيب الإنسان أحيانا - فيحاول التفريج عن نفسه بالأكل والشرب بدون وعي بالعواقب.
٤ - حب الملذات والشهوات والتعلق بها.
٥ - تقليد الآخرين ومحاكاتهم.
فالمرء من جليسه، فمن جالس أهل الشره والنهم تابعهم ولو مجاملة (١) .
أما الآثار البدنية فمن أهمها:
١ - إجهاد الجهاز الهضمي - وعلى الأخص المعدة - مما يترتب عليه ظهور القرحات في أحد أعضاء الجهاز، وعسر الهضم، واحتقان الكبد، وتوسع المعدة، ومصاعب كثيرة لا حصر لها.
ولذا قال ﵊: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه» (٢) .
٢ - الإصابة بأمراض الدُّوار، وأمراض القلب والأوعية ومرض السكر.
٣ - الإسراف يسبب البدانة أو البطنة، ذات المضاعفات الخطيرة: كالسكر وارتفاع الضغط، وأمراض الشرايين وتشكل الحصى في الكلية والمرارة، والتهاب المفاصل التي تنوء بحمل الجسم، وأرطال الدهون المتكدسة، كما تزيد العبء على القلب والدورة الدموية.
ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: " إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسم، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد من السرف، وأن الله ليبغض الحبر السمين " (٣) .
стр. 95
كما يقول الشاعر:
أقلل طعامك ما استطعت فإنه ... نفع الجسوم وصحة الأبدان
لا تحش بطنك بالطعام تسمنا ... فجسوم أهل العلم غير سمان
" ومن المفيد أن نتذكر أن ما يزيد عن حاجة الجسم من ذات الوجبة الغذائية يتحمله الجسم " (١) .
" فمقتضى العقل. . . أن يكون التناول للمطعم والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة ليقع الالتذاذ بالعافية " (٢) .
٤ - وللإسراف في الأكل والشرب مضار أخرى، ولا سيما في شهر رمضان، فإنه ينتج عنه بطء في الحركة، والإحساس بالخمول والكسل، والإصابة بالإرهاق نتيجة إرهاق الكبد وبقية أعضاء الجهاز الهضمي.
٥ - وحيث إن الإسراف سلم إلى الترف، فإن هذا الثاني يؤثر في صحة صاحبه وصحة أولاده، حتى ليجد المرء أمراضا جسدية مستعصية أحيانا، يقال لها: أمراض الأغنياء (٣) .
стр. 96
[المبحث الخامس علاج مشكلة السرف]
[المطلب الأول وسائل علاج مشكلة السرف]
المبحث الخامس
علاج مشكلة السرف يرى علماء التربية أن معالجة أي مشكلة تمر بمراحل:
- وجود المشكلة.
- تحديدها.
- فرض الفروضات الممكنة للحلول.
- مناقشة هذه الفروضات.
- تطبيقها على الواقعة.
وهذا ترتيب منطقي جيد لو أمكن سلوكه.
وقد حاولت الأخذ به بقدر الإمكان، وذلك بالنظر والتفكير المتأني في هذه المشكلة واستعراض الحلول المناسبة.
ومشكلة السرف ليست من المشكلات الهينة، بل هي مشكلة معقدة، قد ضربت بأطنابها في عقول كثير من الناس وقلوبهم ونفوسهم، ومدت أذيالها لتشمل الأفراد والجماعات والقبائل والمؤسسات والدول.
بيد أن مما يسهل أمر العلاج - إلى حد ما - وضوح المشكلة ذاتها وتوصيفها وتشخيصها.
وقد قيل: تشخيص المرض نصف العلاج.
وأزعم أن علاج أي مشكلة يحتاج إلى معرفة أمرين:
١ - وسيلة العلاج.
٢ - وأسلوب العلاج.
وأقصد بالوسيلة: ما يستعان به إلى الوصول إلى صاحب المشكلة ومشكلته.
وبالأسلوب: طريقة المعالجة وكيفيتها. هذا مع ملاحظة صعوبة الفصل التام بينهما، فلنسدد أو نقارب. ونعرضهما في المطلبين الآتيين:
стр. 97
المطلب الأول: وسائل علاج مشكلة السرف يمكن تقسيم هذه الوسائل إلى:
١ - وسائل دينية.
٢ - وسائل تربوية.
٣ - وسائل تثقيفية.
٤ - وسائل إعلامية.
٥ - وسائل ذاتية (١) .
أولا: الوسائل الدينية: وأعني بها ما كان ذا صبغة دينية محضة.
فمن هذه الوسائل:
- المسجد.
- المنبر.
(١) أما المسجد فإنه محل الصلاة، والذكر، والتلاوة، والتعليم، والمشاورة.
وهو في المدينة بمثابة القلب من الجسد، فهو مركز الحياة الحقيقية.
ولذا أمر الإسلام بعمارة المساجد حسا ومعنى، وحذر من تخريبها وهجرها والصد عنها.
стр. 98
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] (١) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] (٢) .
وقد عني به النبي ﷺ بعيد هجرته إلى المدينة فكان من أول اهتماماته. ومن ثم أصبح الملتقى في أوقات الصلوات، وفي التعليم. وفي كل أمر يهم المسلمين، سواء في عهده ﷺ ، أو في العهود التالية.
فما أجلها من رسالة للمسجد!!
وإذا كان مما يلحظ في كثير من بلدان المسلمين التقليل من دور المسجد وتهميشه، وإشغال شباب الأمة عنه. . .
فإن الأمر في هذه البلاد الكريمة - بلاد الحرمين الشريفين - ليس كذلك، بل مازال يؤدي رسالته وبتأييد من ولاة الأمر والقائمين على شؤون المساجد، سدد الله خطاهم.
أجل. . فالمسجد وسيلة مهمة لتربية العقول والقلوب، فالمسلم وهو يتردد على المسجد خمس مرات على الأقل في كل يوم يلتقي إخوانه وجيرانه، ويجالس الناس على مختلف طبقاتهم، بما فيهم العلماء وما أوتوا من علم وحكمة، والشيوخ وما عندهم من أناة وتجارب للحياة، والشباب وما عندهم من فتوة وطموح.
فيستفيد من كل منهم، وينافسهم على الفضائل.
ومما هو أهم من ذلك كله أن المسلم في المسجد يؤدي أعظم أركان الإسلام العملية (الصلاة) فيناجي ربه ويلجأ إليه ويستعين به.
كما يقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 99
وتلك دروس عظيمة يتلقاها مرتاد المسجد، فتقوى صلته بخالقه، ويألف العبادة، ويأنف من المعصية. ولا سيما وهو يعلم أن الصلوات مكفرات لما بينهن من الصغائر، وناهية عن الفحشاء والمنكر.
كما قال تعالى:. . ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (١) .
إن ذلك كله لمن أهم العوامل والأسباب في ابتعاد الإنسان عن الخطايا والآثام أصلا، وفي معالجتها إذا كانت موجودة.
ويأتي في جملة الخطايا والآثام الإسراف والتبذير، وكفران النعمة، وما يدور في فلكهما.
ذلك عما يتعلق بالمسجد.
(٢) أما الوسيلة الأخرى (المنبر) فإنها من أعظم الوسائل.
فإنه (المنبر) محل الخطابة وإلقاء المواعظ.
والخطبة ذات شأن كبير في ميزان الإسلام، فقد شرعت في مواقف ومناسبات كثيرة، ومن أهمها:
- يوم الجمعة.
- يوما العيدين.
- وقت صلاة الاستسقاء.
- وقت صلاة الكسوف.
- ويوم عرفة بعرفة مع صلاتي الظهر والعصر.
بالإضافة إلى مناسبات أخرى غير محددة.
وقد كان ﵊ يخطب في تلك المناسبات وغيرها.
стр. 100
ولذلك كثيرا ما نقرأ في سيرته مثل هذه العبارة: فلما رأى أو سمع ما قيل صعد المنبر وأثنى على الله ثم قال. . . إلخ. " وكان يقصر خطبته أحيانا ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة " (١) .
ونهج صحابته رضوان الله عليهم منهجه، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون. فقد كان المنبر هو الوسيلة الإعلامية الأولى والعليا التي لا تنافس.
فمتى لزم الأمر إبلاغ الناس هرعوا إلى المنبر، فألقوا خطبهم وبياناتهم وقراراتهم، ثم تبلغ الآفاق في وقت قياسي لا نظير له.
ومن الأمثلة على ذلك - مما له صلة بموضوع البحث - قال أبو العجفاء السلمي: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «ألا لا تغالوا بصدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» (٢) .
وهذا إرشاد من عمر ﵁ إلى الأفضل، وهو عدم المغالاة في المهور، ولا يدل على تحريم الزيادة على ما فعله رسول الله ﷺ .
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره (٣) .
وغني عن البيان أن مثل تلك الخطب تكون ذات طابع إيماني وجداني وعظي تربوي، وربما تخللها تنظيم إداري.
стр. 101
والمسلم - وهو يحضر تلك المناسبات والخطب - لا بد أن يتعظ ويدكر، فيزداد إيمانا وعلما، ويحاسب نفسه على ماضيها، وينظر فيما قدمته لغدها الموعود.
ثانيا: الوسائل التربوية: أصل مادة لفظة (التربية) من ربا أي نما وزاد، وتقول: ربيته: أي غذيته (١) .
لذا نقصد من التربية هنا: التنمية الروحية (الإيمانية) وما يتعلق بها من جوانب عقلية ونفسية.
وهذه الوسيلة يحرص عليها الإسلام ويؤكد عليها ويعول عليها كثيرا.
إذ لا يُنكر أثر التربية والتنشئة على الإنسان.
ففي الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج بهيمة جمعاء هل ترى فيها من جدعاء؟» (٢) .
ولعل من أبرز الوسائل التربوية:
١ - المنزل، ممثلا بالأب والأم، ومن يقوم مقامهما فيه.
فمثل هؤلاء لهم أثر كبير على أفراد الأسرة كما دل على ذلك الحديث الآنف الذكر.
والحس والمشاهدة شاهدان على مصداقه.
وهو ما يؤكده أهل الرأي والحكمة.
يقول أحدهم:
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه
ويقول الآخر:
стр. 102
إذا كان رب البيت بالدف ضاربا ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ومن أمثال العرب السائرة: تَقيَّل الرجلُ أباه (١) .
نعم. . فالأبوان قدوة لأولادهما، فإن كانا على استقامة استقاموا، وإن كانا منحرفين انحرفوا.
وهذا في غالب الأحوال.
ولذا نلحظ من حجج المشركين لرد الحق الذي يأتي به الأنبياء قولهم:
. . . ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (٢) .
فأكثر الخلق يقلد بعضهم بعضا بدون وعي أو بصيرة.
إذا كان الأمر كذلك فإن على رب الأسرة المسلمة مسؤولية كبيرة وتبعة جسيمة، تفرض عليه أن يكون قدوة حسنة لمن هم تحت يده، ومن جملة ذلك: الاعتدال والتوسط في الإنفاق وعدم الإسراف فيه، حتى يتأسى به من حوله.
٢ - المدرسة، ممثلة بالمعلم أو الشيخ، وبالمنهج الدراسي.
أما المعلم فإنه من أقدر الناس على التأثير في العقول والوجدان والعواطف، وباستطاعته أن يقوم بتربية تلاميذه وفق ما يريد.
ونظرا لهذه المنزلة للمعلم أكرم الله العلماء العاملين ورفع من شأنهم:
. . . ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (٣) ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (٤) .
" وهذا دليل على فضيلة العلم فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته " (٥) .
стр. 103
وليس المعلم هنا محصورا بمعلم العلوم الشرعية، بل كل معلم أو شيخ أو أستاذ في أي من العلوم والفنون.
إذ هو محل الاقتداء مهما كان تخصصه.
ولكي يكون هذا المعلم قدوة حسنة وإماما في الفضيلة فإن عليه أن يكون ملتزما بشروط الإمامة.
ويأتي في مقدمة الشروط: أن يكون مرضيا في دينه وخلقه.
وما أصدق أحمد شوقي في قوله:
وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى ... روح العدالة في الشباب ضئيلا
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا
وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى ... ومن الغرور فسمه التضليلا
وأما المنهج الدراسي - والمقصود به التنظيمات المتعلقة بالجانب العلمي، وفي مقدمتها الكتاب المدرسي، أو المرجع العلمي -. . .
فإنه وسيلة مهمة في العملية التربوية، لها أثرها البالغ على الطالب؛ لأنه يلتزم بها، فيتفاعل معها ويرددها كيما يجتاز الاختبار.
وإذا كانت المناهج محكمة متوائمة مع مستوى الطالب ومتناغمة مع ميوله وطموحه، وملتزمة بمنهاج الإسلام وأصوله وقيمه، فإنها تصوغ عقولا ناضجة، ونفوسا مؤمنة، راغبة في الخير، راغبة عن الشر.
وأما إذا كانت بخلاف ذلك فلا بد أن تخرج أجيالا ضائعة في فكرها وسلوكها متذبذبة بين الإفراط والتفريط، والشح والتبذير.
٣ - الجليس الصالح.
فالمرء من جليسه، كما في الحديث: «الرجل على دين خليله فلينظر
стр. 104
أحدكم من يخالل» (١) .
وفي الحديث الآخر: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة» (٢) .
قال ابن حجر: " في الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما " (٣) .
ثالثا: الوسائل التثقيفية: ويراد بها هنا ما له طابع ثقافي عام، مما يرتبط بعموم المؤسسات والدوائر، والمدارس الحكومية وغير الحكومية.
وتقوم بأنواع نشاط وأعمال توعية عامة، إما داخل المؤسسة أو خارجها.
ومن هذه الوسائل:
- المحاضرات والندوات العامة.
- اللوحات والملصقات الحائطية الإرشادية.
- النشرات والمطويات الصغيرة.
- المسرح والتمثيل.
فمثل هذه الوسائل مؤثرة وذات فاعلية على عموم الجماهير فينبغي أن توجه إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا.
بحيث تكون وسيلة بناء لا هدم، وإصلاح لا إفساد.
стр. 105
رابعا: الوسائل الإعلامية:
من المقروءات كالصحف والمجلات، ومن المسموعات كالإذاعة، ومن المرئيات كالتلفاز.
وقد اكتسبت هذه الوسائل أهمية خاصة، نظرا لتنوع مادتها، واعتمادها على أسلوب الإثارة، وكونها تخاطب الناس كافة، على اختلاف أذواقهم وعقولهم وميولهم وأعمارهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم.
ومما زاد في أهمية هذه الوسائل وأخطارها صيرورتها بأيدي شركات تجارية، مما جعلها تتنافس في كسب الجماهير وإرضاء أذواقهم، وإن كان ذلك على حساب الفضيلة، بل على حساب القيم والعقائد.
ومما هو معروف ومشاهد أن معظم هذه الشركات غربية لا عربية ولا إسلامية، وإن وجدت شركات عربية أو وسائل رسمية فقد جرفها سيل العرم وألحقها بأخواتها، إلا ما رحم ربك.
وبلاد الحرمين الشريفين - المملكة العربية السعودية - تتميز بسياسة إعلامية خاصة، تراعي قيم الإسلام وترعاها وتذب عنها.
أعان الله القائمين على تطبيقها وسدد خطاهم.
وبعد. . فإن تلك الوسائل، وما لها من تأثير، عليها مسؤولية ضخمة تجاه البشرية.
وعلى الأخص وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية عموما، والوسائل الإعلامية التي يقوم عليها أبناء المسلمين في خارج البلاد المسلمة.
إن على الجميع مسؤوليات جسام تتمثل في أمور كثيرة، أهمها:
مراعاة قواعد الدين الإسلامي، والحافظة عليها والذب عنها.
مراعاة قواعد الفضيلة والدفاع عنها.
توجيه الناس إلى الاستقامة والاعتدال في شؤون الحياة كلها، والتنفير
стр. 106
من التقصير والإفراط، ومن الإسراف والتقتير.
الاهتمام بشؤون المسلمين العامة: الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها.
عدم الترويج للباطل بأي أسلوب أو وسيلة.
نقد الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتوجيه الناس إلى الهدي الأقوم.
نقد الممارسات الخاطئة المتعلقة بالسرف والتبذير.
عدم التنويه بالشخصيات الملمعة التي تتباهى بخيلائها وكبريائها ومظاهرها الشاذة.
خامسا: الوسائل الذاتية:
ويقصد بها هنا: المصادر الشخصية الموجودة في ذات الإنسان.
فإن الإنسان بما ركب فيه من عقل، وما منح من قوة التفكير، ودواعي الفطرة، هذا فضلا عن الإيمان عند المسلم، كل ذلك يجعل الإنسان يؤثر من خلال نفسه على نفسه، ويغير من سلوكياته تلقائيا.
وعلى هذا - وفي ضوء الإشارة المتقدمة - يكون من الوسائل الذاتية:
١ - العقل، ففي ضوئه يتعرف الإنسان على الحسن فيأتيه، وعلى القبيح فيبتعد عنه.
وفي ضوئه يفكر في الآثار المترتبة على الإفراط والإسراف والتبذير فيجتنبها، وفي محاسن الاقتصاد والاعتدال فيأخذ بهما، إذ " قوة التفكير يكون بها النطق والعقل والحكمة والروية والتدبير والمهنة والرأي والمشورة " (١) .
٢ - الفطرة. . فمنها يهتدي إلى قبح الإسراف والتبذير، ومنها يعرف
стр. 107
الاعتدال فيلتزمه. . . ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١) يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) : " إن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها " (٢) .
٣ - القلب السليم الداعي إلى التعلق بالله سبحانه، وإلى القيام بأمره وشرعه، والابتعاد عن كل ما يسخط الله ورسوله (٣) .
٤ - النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على الأخطاء والمخالفات.
وجاء التنويه بها في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١ - ٢] (٤) قال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه (٥) .
ففي ضوء تلك الوسائل الذاتية يستطيع الإنسان أن يراجع نفسه ويحاسبها، امتثالاً لقول الحق سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (٦) .
ومن ثم يكون باستطاعته أن يقوم كثيراً من سلوكياته المنحرفة، سواء أكانت في جانب الإفراط أو التفريط، وبخاصة في مجال الاستهلاك والإنفاق.
وصدق الله تعالى:. . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (٧) .
стр. 108
وفي الحديث: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (١) .
قال الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) في شرحه لقوله " (والإثم ما حاك في صدرك. . .) : " أي تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سبحانه ومن الناس لو فعلته، فلم ينشرح به الصدر ولا حصلت الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنباً " (٢) .
стр. 109
[المطلب الثاني أساليب العلاج]
المطلب الثاني: أساليب العلاج تقدمت الإشارة إلى أن المقصود بالأسلوب: الطريقة والكيفية.
فحيث وقفنا على أهم الوسائل لعلاج السرف، فلنتوقف هنا مليا عند أسلوب العلاج، علَّ ذلك يساعد في التخفيف والتقليل من ألم مرض السرف.
وإذا كانت قد تختلف وجهات النظر في تحديد الأساليب نظرا لكونها محل اجتهاد، فإن من أهمها في تقديري ما يأتي:
١ - تشخيص الداء ووصف الدواء المناسب.
٢ - القدوة الحسنة.
٣ - التربية.
٤ - الترغيب والترهيب.
٥ - الإنكار.
وإليكها مرتبة.
أولا: تشخيص الداء ووصف الدواء المناسب: عندما تعرض حالة مريض على الطبيب فإنه يبدأ أولا بتشخيص المرض وتحديده وأسباب حدوثه، ومن ثم يصف الدواء المناسب أو يتخذ ما يراه للعلاج.
وهكذا الأمر بالنسبة لعلاج أي مشكلة دينية أو دنيوية، فردية أو جماعية، فإن المطلوب ممن يهمه الأمر كالعلماء والدعاة وأهل الرأي وأهل السلطة وعلماء
стр. 110
التربية ورجال الإعلام والخطباء ورب الأسرة ونحوهم، أن يتخذوا الأسلوب نفسه في المعالجة، فيقوموا بتحديد المشكلة وتشخيصها ثم يتخذوا الأساليب المناسبة لعلاجها.
ومشكلة السرف - محل البحث - ذات عمق ورسوخ في أكثر المجتمعات المسلمة، فلا بد من دراستها من قبل أولئك ممن يعنيهم الأمر، كيما يخلصوا منها المجتمعات، بَلْهَ الأفراد.
وعلى هذا فربما يكون العلاج لمشكلة خاصة، أو لمشكلة عامة.
ومهما تباعدت طبيعة كل من المشكلتين فإن منهج العلاج قد لا يكون كذلك.
فرب الأسرة مثلا حينما يلحظ من أحد أفرادها تبذيرا فإن عليه أن ينظر بعين ثاقبة في الأسباب والدواعي للتبذير، فقد تكون بسبب حب هذا المبذر للمظاهر والمفاخرة والتعاظم أمام الأقران.
وهنا يكون دور رب الأسرة بتوجيه نظره إلى أن ذلك ليس من شيم العقلاء الأتقياء، ولا يحقق مصلحة له ولا لأسرته، وقد يكون السرف لوفرة المال عند المسرف، فعلى رب الأسرة ألا يمكنه من المال فيبذره، بل يعطيه بقدر الحاجة.
وكذلك العالم - وهو يعايش هذه المشكلة المتفشية بين الناس، فعليه قبل أن يصدر الحكم الشرعي فيها أن يدرسها من سائر أطرافها وملابساتها، ثم يصدر الحكم؛ لأنه يعلم أن فتواه تؤخذ بعين الاعتبار ويعمل بها تعبدا لله وامتثالا لشرعه.
ومن النماذج التطبيقية لهذا قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بشأن المغالاة في المهور - وقد أوردناه في المبحث الثالث - فإن القرار لم يصدر إلا بعد دراسة المشكلة من خلال البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة في الهيئة.
وكذلك الخطيب فإن دوره في العلاج لا ينكر، وبخاصة في خطبة الجمعة.