← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

سجل بسخطته. قال ابن عفيف: رفع الى الناصر لدين الله، عن ابن لبابة أشياء قبيحة. فأمر بإسقاط منزلته من الشورى، والعدالة، وإلزامه بيته. ومنعه أن يفتي أحدًا. فأقام على ذلك وقتًا. ثم إن الناصر، احتاج الى شراء المحشر، من أحباس المرضى بقرطبة، عدوة النهر، فتشكّى - الى القاضي ابن بقي - أمرَه وضرورته إليه، لمقابلته منتزهه وباديته فيهم. وأن مطله من علاليه. فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي، وهو أولى بحفظ حرمة الحُبُس. فقال له: تكلم مع الفقهاء فيه، وعرّفهم رغبتي. وما أبذله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم يجدوا في ذلك رخصة. فتكلم ابن بقي معهم. فلم يجعلوا إليه سبيلًا. وغضب الناصر عليهم. وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم، الى القصر، وتوبيخهم. ففعلوا. فلما وصلوا الى بيت الوزارة بالقصر، انبرى لهم رجل جديد من الوزارة. فأفحش في خطابهم. وقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال اليتامى ظلمًا، يا شهداء الزور، يا آخذي الرشا، وملقني الخصوم، وملحقي الشرور، وملبّسي الأمور، وملتمسي الروايات لاتباع الشهوات، تبًّا لكم، ولرأيكم، فهو أعزه الله، واقف على فسوقكم قديمًا، وخدعكم حديثًا، مغضٍ عنه، صابر عليه. ثم احتاج الى دقة نظركم، في حاجة، مرة في عمره، فلم يسع نظركم للتحمّل له، ما كان هذا ظنه بكم. والله ليعارضنّكم من يومه. وليكشفن ستوركم وليناصحنّ الإسلام فيكم. وكلامًا في مثل هذا. فبدأ شيخ منهم ضعيف الى الاعتذار، واللياذ بالعفو. وقال: نتوب الى الله مما قاله أمير المؤمنين، ونسأله الإقالة. فرد عليه كبيرهم، محمد بن ابراهيم بن

стр. 1017

حيون. وكان ذا منة. فقال: لم نتوب يا شيخ السوء، نحن براء الى الله من متابتك. ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم فقال: يا وزير، ليس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المؤمنين، مما نسبته إلينا، فهي صفتكم معاشر خدمه، أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون ظلمهم، وتتحفون مماستهم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق. وأما نحن فليس هذه صفاتنا، ولا كرامة، ولا يقوله لنا إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسروج الظلمة، بنا يتحسن الإسلام، ويفرَّق بين الحلال والحرام، وتنفّذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض وتثبت الحقوق، وتُحقن الدماء، وتستحل الفروج. فهلا إذا أعتب علينا أمير المؤمنين بشيء، لا ذنب فيه لنا، وقال بالغيظ بعض ما قاله، تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحامك وعرضت لنا بإنكاره، ففهمنا منك وأجبنا عنه، بما يجب. فكنت تزيّن على السلطان ولا تفشي سره. وتستحيينا قليلًا فلا تستقبلنا بما استقبلتنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين أيده الله، لا يتمادى على هذا الرأي فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيرنا. فلو كنا عنده على الحالة التي وصفتها عنه، - ونعوذ بالله من ذلك - لبطل عليه كل ما صنعه، وعقده وحله، من أول خلافته الى هذا الوقت. فما بت له كتاب حرب، ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك، إلا بشهادتنا. هذا ما عندنا والسلام. ثم قام هو وأصحابه منصرفين، فلم يبعدوا الى باب القصر الأول، إلا والرسول خلفهم بصرفهم الى مواضعهم من بيت الوزراء. فلقوهم بالأعظام والاعتذار، مما كان من صاحبهم المخاطب

стр. 1018

لهم. وقال لهم: أمير المؤمنين يعتذر إليكم من موجدته، ويعلمكم بندمه على ما فرط منه، وأنه متبصر في أعذاركم. وقد أمر لكل واحد منك بصلة وكسوة علامة لرضاه عنكم. فدعوا له وأثنوا عليه، وانصرفوا أعزة. وبقي في صدر الخليفة من هذا الحُبس حزة. وبلغ ابن لبابة هذا الخبر على وجهه. فرفع الى الناصر أنه يغض من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعًا. ولو كان حاضرهم لما سلف لأفتاه بجواز المعارضة، وتقلدها، وناظر عليها أصحابه. فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة هذا الى عادته من الشورى. ثم أمر القاضي بإعادة الشورى في هذه المسألة فاجتمع القاضي للنظر في الجامع. وجاء ابن لبابة آخرهم وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم لها، وغبطة المعاوضة فيها. فقال جميعهم بقولهم الأول، من منع إحالة الحبس عن وجهه، وابن لبابة ساكت. فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذي قاله أصحابنا الفقهاء. وأما أهل العراق، فإنهم لا يجيزون الحُبُسَ أصلًا. وهم علماء أعلام، يهتدي بهم أكثر الأمة. وإذا بأمير المؤمنين من حاجة الى هذا المحشر ما به، فما ينبغي أن يرد عنه، وله في السنّة فسحة. وأنا أقول فيها بقول العراقيين، وإنفاذ ذلك رأيًا. فقال له الفقهاء: سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه؟ وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه؟ فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم ألم تنزل بأحد منكم مسألة بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم؟ وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا بلى. قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء. فكلهم قدوة، فسكتوا. فقال للقاضي: إنْهِ الى أمير المؤمنين بفتياي. وكتب

стр. 1019

القاضي الى أمير المؤمنين بصورة المجلس. وبقي مع أصحابه بمكانهم، الى أن أتى الجواب أن يؤخذ له بفتوى محمد بن يحيى بن لبابة. وينفذ ذلك. ويعوضوا المرضى من هذا المحشر بأملاكه بمنية عجبٍ. وكانت عظيمة القدر جدًا، تزيد أضعافًا على المحشر. ثم جاء صاحب رسائل من عند أمير المؤمنين، وكتاب منه لمحمد بن يحيى بن لبابة، بولاية خطة الوثائق، لكي يكون هو المتولي عند هذه المعارضة. فهنّي بذلك. وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه، وانصرفوا. فلم يزل محمد يتقلد خطة الوثائق، والشورى من هذا الوقت، الى أن مات. ومنزلته من السلطان لطيفة. قال القاضي: ذاكرت بعض مشائخنا بهذا الخبر، إذ أفضت مذاكرتي له، الى تسجيل الحبيب عملية سخطته. فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر، الى سجل السخطة فهو أولى بما تضمنه، أو كما قال. إلا أن ابن عفيف، ذكر أنه مات رحمه الله تعالى، عن حال معتدلة. غفر الله لنا وله. قال ابن مفرج: كان هذا التسجيل سببًا لإقلاعه عما نسب إليه، الى توبة نصوح، رجع بها الى أحسن أحوال العلم. فلزم بيته مدة، دائمًا على دراسة العلم، ومطالعته، حتى برع، وكمل. ثم حجّ ولقي جماعة من أهل العلم، وانصرف. وقد أعدلت حاله. فأقيلت عثرته. وكان سبب موته، أنه تخاصم عند القاضي ابن أبي عيسى، مع صاحب الشرطة ابن عاصم، في حمام. وتنازعا الخصومة يومًا والمجادلة، حتى اضطرب جسم محمد، وضربه فالجٌ صرعه، فحمل الى داره، في نعش. وكان سبب ميتته عاجلًا. فتوفي في ليلة الاثنين، لست خلون من ذي الحجة، سنة

стр. 1020

ثلاثين وثلاثماية. وقيل توفي في ذي القعدة، من السنة. فسمع خصمه، وهو خارج من المسجد، الذي فلج فيه، وهو متهلل شامل يقول: الحمد لله رب العالمين. اسبق عدوك ولو بيوم. أحمد بن عمر بن لبابة رحمه الله تعالى. أبو عمران: شيخ الفقهاء. وابن عم هذا المقدم ذكره. قرطبي. سمع من أبيه وأحد بن خالد وغيرهما. وكان حافظًا للرأي، مقدمًا فيه، جيد القريحة، وشاوره أحمد بن بقي القاضي. قال ابن حارث: لم يكن بقرطبة في وقته أكمل منه علمًا، ولا أظهر فقهًا، وكان محبّبًا في الناس، تحمد خصاله. عاقلًا حصيفًا فقيهًا. عاملًا حسن المعاشرة، أديبًا. وأراد قاضي قرطبة تقديمه للشورى، فاعترضه ابن أيمن. وقال له: إن أردت ذلك فقدم أولادنا لذلك. فكف القاضي عنه، وتوفي حدثًا. منصرفه من الغزو. ودفن بقلعة رباح، منتصف صفر سنة خمس وعشرين بعد وفاة أبيه، بنحو عشرين سنة. أحمد بن عبادة بن نوح بن اليسع ابن شعيب، بن الجهم، بن عبادة، بن علكرة الرعيني أبو عمر. قرطبي. سمع الخشني، وابن وضاح، وأبا صالح، وبه تفقه. ورحل فسمع ابن المنذر. والعقيلي، وابن الأعرابي وغيرهم بالقيروان، والشام، والحجاز. وكان منقبضًا. سمع أحمد بن عون الله. ولي الصلاة وقلد الشورى. فلم يتقلدها فيما قاله ابن أبي دليم. قال أحمد بن عبادة: كنت يومًا ماشيًا مع محمد بن سلمة القاضي، فلقينا إنسانًا في رأسه

стр. 1021

غرارة، فيها شيء مستور، وبيده كبر، فأمر القاضي بكسر الكبر، وعلم ولم يشك أن الغرارة مملوءة أكبارًا. فقال: انزلوا الغرارة، وانظروا ما فيها. قال أحمد: فقلت له: ما عليك أن تفتش أمتعة الناس وخباياهم. وإنما عليك أن تغير ما ظهر من المنكر. فأمسك عما أمر به من تفتيش الغرارة. قال: ثم لقينا محمد بن عمر بن لبابة. فسأله عن ذلك. فقال مثل ما قلت له. فعطف عليّ، فقال: لقد انتفعنا بصحبتك اليوم، يا رعيني. وتوفي في رجب، سنة اثنتين وثلاثماية. أحمد بن عبد الله بن فطيس أبو القاسم. قرطبي. سمع من ابن وضاح، وأيوب بن سليمان، وطاهر بن عبد العزيز، واعتنى بالمسائل والمذهب. وشوّر في الأحكام. وكان ذا تصرف في الفقه والشروط، وذا سمت وهدي، وسجل عليه القاضي أحمد بن زياد، بسقوط نسبه من بني فطيس. توفي بعد ابن عبادة بيسير. رحمه الله تعالى. عبد الله بن ادريس بن عبد الله بن يحيى ابن عبيد الله، بن حسين بن جعفر بن أسلم مولى أبان بن عمر. مولى عثمان. قرطبي. كنيته أبو عثمان. وبيته كنانية بيت، نبيه. وبقرطبة أدرك ابن وضاح، ولم يسمع منه، وسمع من عبيد الله بن يحيى. ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن عمر بن لبابة، وغيرهم.

стр. 1022

وكان حافظًا للمسائل والحديث. كثير الدراسة لكتب الفقه، ومعتنيًا بالآثار والسنن، عالمًا بها، بصيرًا بالأقضية، مقدّمًا في الشورى. وحدث وسمع. وكان متواضعًا، سمتًا ذا معرفة بالخبر والنادر. وروى عنه ابن عبادة وغيره. ولم يزل على طريقة مستقيمة الى أن مات: سنة أربع وأربعين، وسنّه ست وسبعون. ﵀. محمد بن عبد الله ابن يحيى بن يحيى بن يحيى. المعروف بابن أبي عيسى، القاضي أبو عبد الله. قرطبي من بيت بني يحيى بن يحيى بن يحيى بن أبي عيسى، منتهى النباهة والرئاسة في العلم. بها سمع من عم أبيه، عبيد الله. ومحمد بن لبابة، وأحمد بن خالد، وغيرهم. ورحل سة اثنتي عشرة وثلاثماية. فحجّ وسمع من ابن المنذر، والعقيلي، وابن الأعرابي، وأبي جعفر الدبيلي، وغيرهم. وبمصر من ابن زيان ومحمد بن النفاخ الباهلي. وبإفريقية من محمد بن اللباد، وأحمد بن زياد، والبجلي، وإسحاق بن نعمان، وجماعة كثيرة. وكانت رحلته هو ومحمد بن مسور الجبلي، وأحمد بن حزم الصدفي، وأحمد بن عبادة الرعيني، في وقت واحد. ويقال إنه اجتمع هو وأحمد بن حزم، وابن مسورة في قفولهم. قال بعضهم لبعض: ترى ما نكون في بلدنا إذا رجعنا. فقال ابن أبي عيسى لفرط ركنه: أنا أقول لكم: أما أنا، فقاض. أو كاتب قاض. وأما أنت يا أبا عمر، فلا تنفعك منافية عمرك. وأما أنت يا أبا عبد الله: فأراك تثير بالأندلس فتنة، تبقى آخر الدهر. أو كما قال. فصدقت فراسته، في ثلاثتهم كما ذكر. قال ابن الفرضي: وكان

стр. 1023

حافظًا للرأي، معتنيًا بالآثار، جامعًا للسنن، متصرفًا في علم الإعراب، ومعاني الشعر: شاعرًا مطبوعًا. وشاور أحمد بن بقي، ثم استقضاه الناصر، ببجاية وطليطلة وجيان، وصرفه في غير أمانة، فاصطدم بما استكفى. وكان آخر ما ولاه: قضاء البيرة. وقلده مع القضاء، أمانة الكور والنظر على عمالها. فكانوا لا يقدمون ولا يؤخرون إلا عن أمره. ولا يظلم أحد في جانب الكور، إلا نصره، وقام معه. ثم نقله منها فولاه قضاء الجماعة بقرطبة، في ذي الحجة. سن ست وعشرين وثلاثماية. وأقر محمد بن أيمن على الصلاة، الى أن ضعف ابن أيمن. فاستعفاه، فأعفاه. وجمعهما لابن أبي عيسى، فتولاهما الى أن مات. قال ابن الحارث في كتاب القضاة: ولم يزل محمد بن عيسى في حداثة سنه، مشهورًا بفضل. ظاهر السؤدد. طالبًا للعلم. مجمعًا على تفضيله. ولقد جالسته غير ما مرة. فرأيته محمود التصرف، جميل المذهب، كريم الأخلاق. ثم ولي القضاء، فما رأينا ولا سمعنا أحدًا من عقلاء إخوانه، ومنصفي معارفه، يذمّ حاله ولا يشكو تغييره، ولا نبذه. بل يصفونه بغير ذلك بما هو أشبه بأهل الكمال والمروءة. وذكر أبو عبد الرؤوف في طبقاته، فقال: كان فقيهًا عالمًا نسيبًا من بيت فقه وعلم، وسنة ورواية. وكان يتصرف في علم الأدب، تصرف اتفاق. وله رسوخ في أفانينه، من عربية ولغة وخبر، ومثل. وله لسان ذرب، وبيان. وكان محببًا في العامة، مقرّبًا لدى الخاصة ومن الخليفة، مؤتمنًا على أسراره، حتى لقد بوّأه، فراش كرامة، مع وزرائه مدنيًا لمكانه، من غير أن يوقع عليه اسم الوزارة. فكان يحضرهم ويمدهم برأيه، عند استدعائه، وكان ممن قال الشعر بطبع حسن،

стр. 1024

وتصرف في ضروبه. وله في ذلك الشأو البعيد في الخطابة، لم يكن عليه في الكلام مؤونة. قال الحسن بن محمد بن فرج في كتاب الانتخاب: لم يكن في قضاة الأندلس، أكثر شعرًا منه. لقد ذكره ابن عبد الرؤوف في كتاب الشعراء بالأندلس. قال ابن حارث: وكان الناصر لدين الله، لا يخليه من تصريفه في مهماته، وإخراجه في السفرات، الى كبار الأمراء، والأمانات الى الثغور والأطراف، للإشراف عليها، والإعلام بمصالحها، والبنيان لحصونها، وترتيب مغازيها وإدخال جيوشها الى بلد الحرب. وربما أقامه في ذلك مقام أصحاب السيوف من قواد جيوشه، فيغني غناهم، بحسن تدبيره. وكان راضه على ركوب الخيل، وملابسة الحرب. وهو الذي تولى له بنيان مدينة سالم، بالثغر الأوسط، مع غالب غلامه. وخرج في أول سرية خرجت منها الى بلاد الحرب، ومنحت الظفر. فاستعد لذلك. وكان يستخلف على قضائه في غيبته قاسم بن محمد، صاحب الوثائق. وربما استخلف عبد الرحمن بن علي. رحمه الله تعالى. ذكر سيرته في قضائه، رحمه الله تعالى قال ابن حارث: فالتزم ابن أبي عيسى في قضائه الصرامة، في تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود. والكشف عن أحوال الشهود، والصدع بالحق، في السر والجهر. ولم يداهن ذا قدر، ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان، عن هنة. حتى تحاموا جانبه. فلم يكونوا يطمعون فيه. وله في التقصي عن إخراج الحقوق، من أكابر الناس، أخبار كثيرة. ولقد أتى مرة وصيف معه آلة لهو، فأمر بكسرها.

стр. 1025

فقيل له: إنه لفلان - وسُمّي له رجل عظيم - فلم يثنه ذلك عن كسره. قال: وكان يذهب أحسن المذاهب. بسط الحق، وأحيى العدل، ونصر المظلوم، وقمع المظالم. ولم يطمع شريف في حيفه. ولا يئس وضيع من عدله. ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوبًا، ولا السنة، منهم في أيامه. مع لطافة بره، وكثرة بشره، ولم تغيره خطته عن حاله، حتى لقد أعرق في ابغاء الأجر بجانبه الكبير، بأن كان يحضر مسجد الجامع، عقب شعبان من كل عام، مع السدنة والقوام لخدمته، من كنسه، وصقل مصالحه. تنويهًا لمدخل الشهر. فيشاركهم في ذلك مشمّرًا عن ساعديه. وذكر الحسن بن مفرج: أن رجلًا من أصحاب ابن أبي عيسى أتاه في الليل، فذكر له أن فقيهين مشهورين يصحبانه - في قصة سمّاها - بشهادة مدخولة. نصح له فيها وحذّره من قبولها. فلما جلس من الغد، أتاه أحدهما، فأعرض القاضي، وتبسّم في وجهه، لعله يقوم فيكفى شأنه، فتمادى، فلما رأى عزمه على التصميم في الشهادة، تناول القاضي سحاءةً بين يديه. فكتب فيها من حيث لم يره الآخر، ثم طواها وألقاها في حجره. فلما تصفحها الآخر إذا فيها مكتوب: أتتني عنك أخبار … لها في القلب آثار فدع ما قد أتيت له … ففيه العار والنار فلم يكد يقرأها حتى قام منطلقًا. ولقي صاحبه، فقال له: النجاة. فقد شعر بنا. وقال القاسم بن محمد، كاتبه أيام قضائه بالبيرة: ركبنا مع القاضي، في موكب حافل، من وجوه البلد، إذ عرض لنا فتى، يتمايل

стр. 1026

سكرًا. فلما رأى القاضي، أراد الفرار، فخانته رجلاه. فاستند الى الحائط، وأطرق. فلما قرب منه القاضي، رفع رأسه وأنشأ يقول: ألا أيها القاضي الذي عم عدله … فأضحى به في العالمين فريدا قرأت كتاب الله تسعين مرة … فلم أر فيه للشراب حدودا فإن شئت أن تجلد فدونك منكبًا … صبورًا على ريب الزمان جليدا وإن شئت أن تعفو تكن لك منّة … تروح بها في العالمين حميدا وإن أنت تختار الحدود فإن لي … لسانًا على هجو الرجال حديدا فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه ولم يأمر، ومضى لشأنه كأن لم يره. ذكر نبذ من أخباره وطرف من أشعاره مما أمر أن يكتب على سريره: لا يغرنّك يا محمد ليل … بت فيه على فراش وثير منعم البال مطمئنًا فلا بُ … دّ من النعش بعد هذا السرير كم فتى منهم وكهلًا وشيخًا … ألحدَتْه كفاك وسط الحفير وتذكّر بني أبيك أبي عيسى … ذوي الجاه والعدد الكثير وتفكّر في تعب موت أبي بكر … ففي ذلك أعظم التفكير قدم الزاد للمعاد ولا تن … س إذا ما بطشت بطش القدير واتق الله واعلم هذه الأيا … م واعمل ليوم النشور قرّب الموتَ منك مرُّ الليالي … وأرى النقص منك واضح التعبير

стр. 1027

ومن شعره في تقلقله في تلك السفرات: ألفتني الهموم مذ كنت طفلًا … لم ترُعني وقد علاني القتير كلما قلت سالمتني الليالي … وصفا العيش شابه التكدير فبدى يستحل في كل يوم … وهموم تطرا ودهر يجور وفلاة تختارني عن فلاة … وصبا تستحثني ودبور فوق حرف حامل لم يكن في … بطن أنثى ولا علتها الذكور زوجتي أيّم وابني يتيم … في حياتي ومنزلي مهجور خلّط الدهر لي سرورًا بهمٍ … فهو يومًا ويومًا نشور كل ذا نعم من الله عندي … فأنا حامد عليها شكور حسبي الله خالق الخلق … فالله على كشف ما عراني قدير وله الحمد كم بفضل من … هـ ينعمني ولكني عنود كفور وله في رفيقين له من البرابرة يسميان عجنوسًا ويعقوب. أرسلهما معه بعض أمراء العلويين بالعدوة: تضمن عسكرنا أبرة … نقيضين في قبة واحدة فقد بر يعقوب به بحرة … إذا شط قسورة لابدة فهذا له صفو ما في المراد … وذاك له ألف المائدة وعنجوس مستوطن لا يريم … كما أرست الجعصة الخالدة يحن الى طيبات الطعام … حنين الرضيع الى الوالدة ويأكل في سبعة من ومن … لا يشتكي وحدة فاسدة وأركان لقمته ستة … كأن له إصبعًا زائدة وله رحمة الله تعالى: لا تلمني على البكا والعويل … ذكرتني نخيل فاس نخيلي

стр. 1028

وانسكاب الأمواه من حلل الضح … ى دموعَ الأحباب يوم الرحيل فعلت زفرتي وطال انتحابي … وبدت لوعتي وهاج عليلي ومنها: وبنفسي نائي المحل، قريب … من فؤادي وجسمي، نحيل حال بيني وبينها البحر والفق … ر وجد السرى ونفر الرحيل يا قليل الإنصاف في الحب فعلا … ان وجدي عليك غير قليل ومن نوادر أخباره ما ذكره ابن عفيف في كتاب الاحتفال، قال: جاءت الى القاضي ابن أبي عيسى من باديته دجاج، وعلى بابه السفيه، المعتوه، المعروف بابن شمس الضحى - وكان في ولاية القضاة من صغره الى أن مات - وكان مملولًا، وكان من شأنه مواظبة القضاة شاكيًا أوصابه. فلما رأى الدجاج قال: يا قاضي أعطني دجاجة منهن، لابد والله أن تعطيني. وكان لا يقدر على رده أحد، وإلا جاء من حمقه بالعجب العجاب. فأمر، فأعطي دجاجة منها. فمضى بها يفخر بعطية القاضي، الى أن اجتاز بدرب أبي زيد قرب الجامع. فإذا رجل من بني أبي زيد فقيه هناك، جالس بباب داره. فقال للمعتوه: من أين لك هذه؟ قال: أعطانيها الساعة القاضي. فأمكث الزيدي البادرة وأخذها من يده، وحبسها، وقال هل: خدعك القاضي. أعطاكها مغربلة، أي مهزولة - بلغة عجم الأندلس - فانصرف عجِلًا، وقُل له إنها مغربلة. وكان القاضي يلقب مغربلة. فأبدلها لي سمينة. فهاج حمق المعتوه، ومضى على أدراجه الى القاضي وهو في جماعة. فقال: هذه الدجاجة التي أعطيتني مغربلة. فأبدلها لي سمينة. فعرف أنه دهيس للتعريض به. فقال له: هاتها حتى أراها. فجسّها.

стр. 1029

فقال: صدقت، من أين علمت ذلك؟ قال: قاله الفقيه الذي بموضع كذا. فسأله عن صفته، فوصفه. فاستدل على الرجل فعرفه، وإذا به يلقب بديك البادية، فوتأت له المعارضة، فبدّل له الدجاجة وقال له: اذهب الى ذلك الرجل، واسأله أن يعطيك الديك الذي سيق له أمس من البادية، يأتيك منه نسل جيد، فانطلق المعتوه الى ذلك الرجل الزيدي، فأصابه في جماعة، فأراه الدجاجة، وقال: أعطني أنت ديك البادية الذي أتاك، يكون زوجًا لها. فعلم ما أراد، فتغير، وانتهر المعتوه، فازداد تعلقًا به، وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويحلف أن لا يزول إلا بالديك، فاضطر الى أن أخرج له ديك داره، الذي يوقظه للصلاة فداء من حمقه، فأخذه وانطلق، وجعل الزيدي يقول: لعمري لقد انتصف مني ابن أبي عيسى، ثم سار إليه، واعتذر له، فقال القاضي: واحدة بواحدة والبادئ أظلم. وذكر القاضي يوسف بن مغيث عن أبيه، أنه شاهر القاضي ابن أبي عيسى في بعض بل في دار بعض بني حدير، وقد خرجوا لحضور جنازة على فرش هناك، وجارية للحديري تغنيهم: طابت بطيب لثاتك الأقداح … وزها بحمرة خدك التفاح وإذا الربيع تنسّمت أرواحه … طابت بطيب نسيمك الأرواح وإذا الحنادس ألبست ظلماءها … فضياء وجهك في الدجى، مصباح قال: فكتبها القاضي ببطن كفه. ولقد رأيته كبّر للصلاة، وهي ببطن كفه مكتوبة. وأخبار ابن أبي عيسى وأشعاره كثيرة. وتوفي ابن أبي عيسى ﵀ في آخر خرجة. أخرجه الناصر الى الثغر سنة تسع وثلاثين وثلاثماية بمغيره من طليطلة. وبها دفن منسلخ صفر، وسنّه أربع وخمسون سنة. مولده نصف ذي الحجة: سنة أربع وثمانين ومايتين. أبو عيسى يحيى بن عبد الله، أخوه غلبت عليه الرواية. سمع من عم أبيه، عبيد الله بن يحيى، ومحمد

стр. 1030

بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، وسمع ببجانة من علي بن الحسن المرّي وسعيد بن فحلون. وسمع من محمد بن عيسى القابسي. وعمّر الى أن كان آخر من حدّث عن عبيد الله. ورحل إليه الناس من جميع الأندلس، لرواية الموطأ، وحديث الليث، وسماع ابن القاسم رحمه الله تعالى. وعشرة يحيى بن يحيى، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومشاهد بن هشام، ونيف من حديث الشيوخ. قال ابن عفيف: سمعنا منه الموطأ في أزيد من خمسماية تلميذ. وقد حكى الطبري أن أبا الحسن الدارقطني، همّ بالرحلة الى الأندلس، للسماع منه. وسمع منه هشام المؤيد في حياة أبيه الحكم. وسمع منه عالم عظيم، وآخر من حدث عنه بالأندلس: القاضي يونس بقرطبة. كان أخوه قاضي الجماعة. وكان سماع أبي عيسى من عمه عبيد الله، وهو صغير. وكان بعض الناس يغمص روايته عنه لذلك. قال ابن عتّاب، قال محمد بن حارث، وذكره في كتاب القضاة فقال: فحاز من تقدمه عفة وحياء وفضلًا، وانقباضًا. ورامه الناصر، عندما ولاه قضاء البيرة، أن يصرف إليه أمانة كورها، حسبما كانت بيد أخيه قبله، فأبى، وألحّ عليه الناصر، فاستعفى من ذلك فأعفاه من الأمانة. وتفرّد بالقضاء والنظر في الأحباس، فأدنى الضعيف وثبت في الحكم، وتحفظ من شهود زمانه، وتواضع في أمره، وتعفف. فلم يقبل لأحد تحفة، ولا هدية. قال محمد بن يحيى: كان أبو عيسى جليل القدر، عالي الدرجة في الحديث، حمد الناس أحكامه، وجميع أحواله. وكان من سراة الناس، حسن المركب والملبس والهيئة والصورة، كريمًا، يطعم الطلبة إذا أتم مجلس مناظرته من ثمار بستانه، وينتظم للأكل، فإن فضل شيء دفعه الى الغرباء، يحملونه الى منازلهم. وقال لهم: تستعينون به في أدامكم. وكان أبو عيسى لا يرى القنوت في الصلاة.

стр. 1031

ولا يقنت في مسجده البتة. ويحتج بالحديث الذي رواه عن عبيد بن يحيى عمّ أبيه، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب: إنما قنت رسول الله ﷺ يدعو لقوم ويدعو على آخرين، ثم أتاه جبريل ﵇، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، إنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا، ليس لك من الأمر شيء الآية. قال يحيى بن سعيد: فمنذ سمعت هذا الحديث من محمد بن شهاب، لم أقنت. وقال الليث: ومنذ سمعت هذا الحديث من يحيى بن سعيد، لم أقنت. وقال يحيى بن يحيى: ومنذ سمعت هذا الحديث من الليث، لم أقنت. وقال عبيد الله بن يحيى: ومنذ سمعت هذا الحديث من أبي يحيى، لم أقنت. قال أبو عيسى: ومنذ سمعت هذا الحديث من عم أبي، لم أقنت، ولا قنت في مسجدنا. وعمّر، توفي أبو عيسى صدر رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وسنّه خمس وثمانون سنة، رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد ويقال أحمد بن عبد الله بن أحمد الأموي، هذا قول ابن الفرضي وغيره، والأول قول ابن عفيف، المعروف باللؤلؤي - صناعة أبيه - قرطبي، كنيته أبو بكر. سمع من أبي صالح، وطاهر بن عبد العزيز. قال ابن أبي دليم: كان أفقه أهل زمانه بعد موت ابن أيمن. وله بصر باللغة والشعر والوثائق. قال الرازي: كان قد برع في علم السنن، وتقدم في الفتيا، وأخذ من جميع العلوم بنصيب وافر. وكان من أهل الحدس الصادق والرأي المصيب. قال ابن الفرضي: كان إمامًا في الفقه على مذهب مالك، مقدمًا في الفتيا، لم يزل مشاورًا من أيام أحمد بن بقي الى أن توفي. وقد حدّث. قال اسماعيل بن إسحاق: وكان اللؤلؤي من أحفظ أهل زمانه لمذهب مالك.

стр. 1032

لم تذكر له رحلة. حدثنا أبو حارث: كان صدر المفتين وأرواهم وأفقههم في تلك المعاني. قال ابن عفيف: كان مقدّمًا في الشورى، أفقه أهل عصره، وأبصرهم بالفتيا، وعليه مدار طلاب العلم، وعليه تفقه محمد بن زرب القاضي. وكان أخفش العينين ضعيف البصر، وأفرط عليه آخر عمره، حتى كان لا يستبين الكتاب في أيام المناظرة. فكان ابن زرب يلقي عنه، ويمسك الكتاب. وذكره محمد بن عبد الرؤوف الكاتب في كتابه، فقال: كان فقيهًا حافظًا متفننًا في العلوم، غزير العلم، كثير الرواية، جيد القياس، صحيح الفطنة، عالمًا بالاختلاف، حافظًا للغة، بصيرًا بالغريب والعربية، شاعرًا حسن القريض، متصرفًا في أساليبه، راوية له، مميزًا به. رغب عن الشعر ونكب عنه، الى التبحر في علم الفقه، وعلم السنّة. فأكثر شعره في الزهد والوعظ والمكاتبات. وذكره في طبقات شعراء الأندلس. وسئل خالد بن سعيد يومًا عن مسألة عويصة، فقال للسائل: عليك بأبي بكر اللؤلؤي، فإليه تأتي هذه الأحمال الكبار، وإما تأتينا المحتملات، ونسمع. وكانت فيه دعابة، يستعملها حتى أن شواطر النساء كن يكتبن إليه بالمسائل من المجون، يتعرضن بها إليه، فيجيبهن ويتخلص، ويندر فيهن. أتته امرأة بسؤال فيه: ما تقول يرحمك الله في امرأة وعدت ثم أخلفت، ما يجب عليها؟ فكتب بأسفل كتابها: أساءت حين وعدت، وأحسنت حين أخلفت. وكتب في بعض أيام الشتاء، الى محمد بن مسرة، وكان من وجوه تلامذته، يستدعيه للمذاكرة: هلم إن اليوم يوم دجن … الى محل مثل الضمير المكن ساكنه كطائر في وكن … لعلنا نحكم أدنى فن

стр. 1033

في مجلس مرفرف ذي كن … فأنت عند الظن أمشى مني وأنت في سنك دون سني وكتب الى تلميذه أبي بكر بن زرب شعرًا: كتمت تباريحي فصرح عن سري … سوانح تمت عن غرامي وما تدري ومنها: أتتني بصفو الود منك صحيفة … تخبر عن ود وتنظر عن بر كأن نثير اللفظ في جنباتها … لقائط در أو جمان من النّثر تضمنها من جوهر الشعر حكمة … بها سحرت من كان يُنعت بالسحر إذا نشرت يزهى بها كل سامع … ومنشدها يبدي صدودًا من الكبر يطول بها لفظ البليّ بلاغة … ونبصر بالراوي بها طائل العمر ألا حبذا أرض يكون محمد … بها وبنفسي حيث كان أبو بكر فوالله لو أستطيع محض مودة … لا حللته قلبي وأسكنته صدري وللؤلؤي رحمه الله تعالى: إن وإن كنت القريض أقوله … يومًا فليس على القريض معولي علمي الكتاب وسنة مأثورة … وتفنّني في أضرُبٍ وتحوّلي فإذا ذكرت ذوي العلوم وجدتني … في السبق قدام الرعيل الأول أشفي العَمى ببيان قول فاصل … يجلو ويكشف كل أمر مشكل والجمع يعلم أنني إمّا أقُلْ … إن أنصفوا في ذاك أن لا أفعل واللؤلؤي كان المقرب بابن زرب أولًا. والمنتسب المال في حكاية طويلة، في كتب تواريخ الأندلسيين، يعد فيها الفقهاء. وكان اللؤلؤي

стр. 1034

في آخر عمره لا يفتي بالتدمية، ولا يقول به، لقصة غريبة جرت له مع بعض جيرانه بالبادية. وذلك أن جارًا له كان له حقل، مُداخِلٌ لحقل اللؤلؤي، يكرم عليه، ويود لو جمعه لحقله. فلا يزال اللؤلؤي يسأل صاحبه أن يبيعه منه. أو يعاوضه منه بكل حيلة، فلا يجيبه، الى أن اعتلّ صاحب الحقل، فعاده اللؤلؤي. فأظهر الرجل من السرور بعيادته والشكر له ما أطمعه في قضاء حاجته. فكلمه في ذلك ورغب إليه في تصييره له، فأظهر له الإسعاف بذلك وقال له: أحضر من شئت من الفقهاء أشهدهم على بيعي منك إياه، الى أن أستقل، فتبلغ ما تحبه، فسرّ بذلك. فقال له: فأجئ بالثمن، فقال الرجل سبحان الله يا فقيه، على مثلها من الحال، أقبض مالًا؟ لو كان عندي مال لأودعتكه، وكنت أحرز له من ذريتي. فسرّ بقوله وطمع فيه. وانطلق فجاء بعدة من الفقهاء أصحابه، فأدخلهم عليه. فإذا به قد أظهر انهداد قوته، وضعف منطقه. فدنا الفقيه منه، فقال: يا فلان أشهد الفقهاء - حفظهم الله - ببيعك مني. قال: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤي قاتلي، قاصدًا متعمدًا لقتلي. وأنه المأخوذ بدمي. فإن حدث بي حدث الموت استقيدوا لي منه. فإن دمي في عنقه، وأنتم رهناء بالصدق عني، فدهش اللؤلؤي، وقام على الرجل يستثبته، ويذكره بما جرى بينهما. ويخوّفه الله. وسلك أصحابه الفقهاء في ذلك سبيله. فلا يرجع عن ذلك، ويقول: ما أشهدكم إلا على ما كان. ولقد تناولني بيده بعد لسانه، والله سائلكم إن تكتموها. فلما لم يجدوا فيه حيلة، خرجوا عنه. فسألهم اللؤلؤي أن يتفرقوا قليلًا، حتى يخلو به، ففعلوا، فانفرد به. فطفق يعذله ويقول له: الى هنا انتهت بك الحال، حتى تعصى الله فيّ، وتدعي عليّ بغير الحق. فقال له: وهل قلتُ إلا ما فعلت؟ دخلتَ عليّ، وأنا أحسبك عابدًا مشفقًا. فسررت بذلك، فإذا

стр. 1035

بك باغي فرصة، فلما مسستني في سويداء قلبي، وأعدت عليّ من حديث هذا الحقل، ما تعلم كرهي له، لكونه قرة عيني، وأتيت عليّ، فخرجت الى ما تراه. فهل أردت إلا قتلي؟ فاعتذر إليه اللؤلؤي وقال: أنا تائب لله تعالى من ذلك، فاتق الله فيّ، وراجع عقلك بما تدري ما يؤول إليه حالك. وجدّ في الرغبة إليه، في حلّ ما عقده من التدمية عليه. فبعدما أجابه الى ذلك وقال: أما وقد مضت الى هذا فاحلف بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي، ولا بعد مماتي، ولا تسعى لملكه بوجه، وتحرّمه على نفسك وتدفعه عنك، ولو صال إليك بميراث، ولا تهمّ لي مع ذلك بمساءة، ولا معارضة على فعلي. ولا تحقد على ذريتي بعدي. فحلف له على ذلك. وتوثق منه. وأذن للفقهاء عند ذلك للدخول. فلما دخلوا أشهدهم أنه قد عفا عن الفقيه لله تعالى، وأسقط عنه تبعة دمه. فقال له اللؤلؤي: إنم أريد أن تكذب نفسك، وتعود الى الحق. فقال له: هذا هو الحق، فإن أقنعك عفوي عنك، وإلا فأنا على ما عقدته عليك. وأما تكذيبي، فلا أقول به، إذ أنت قاتلي. فرضي منه بذلك، وتوثق من الإشهاد عليه، وصار حديثهما عجبًا، واعتقد بعد، أن لا يفتي بإمضاء تدمية بعدها. وتوفي اللؤلؤي في سنة خمسين وثلاثمائة، وقيل سنة إحدى وخمسين. محمد بن فضيل بن هذيل الحداد أبو عبد الله. سمع من محمد بن عمر بن لبابة، وصحبه. وكان حافظًا للمسائل والمذهب ومتكلمًا فيه، عالمًا بالرأي والشروط، كثير

стр. 1036

الرواية والمناظرة. وكان يتجر في سوق الحديد، ويفتي أهل السوق بقرطبة. واستشهد قديمًا في غزوة الخندق، سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقال ابن أبي دليم رحمه الله تعالى: فُقِد. محمد بن عبد الله بن عبد البر ابن عبد الأعلى بن سالم بن غيلان بن أبي مروان، التجيبي، المعروف بالكشتاني، أبو عبد الله، قرطبي. سمع من محمد بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد. وكتب لأسلم أيام قضائه. وله رحلة لقي فيها محمد بن النفاح، وأبا مسلم بن محمد بن صالح، ومحمد بن زيان، وجماعة. وكانت له بالأندلس وجاهة عند الخاصة والعامة في العلم والزهد. وسمع منه الناس كثيرًا، وشوّر في الأحكام. وكانت له منزلة من الحكم المستنصر، ومحل لطيف. ولقد عتب الحكم عليه في شيء، فأقسم أن لا يطأ عتبة منزله سنة. ثم لم يمض عنه، فنصب له كرسيًا خارج المجلس، فجلس عليه، الى أن كملت سنة، وعاد لعادته. ويقال إنه لم حج، دعا في محراب زكريا في البيت المقدس، لله تعالى أن يهب له حظوة من سلطانه، وظهرت استجابته. حدث عنه أحمد بن يحيى وغيره. ورحل ثانية لآخر عمره، وسمع ابن الأعرابي، وحج. ومات بطرابلس، إحدى وأربعين وثلاثمائة، فيما ظنه ابن الفرضي. وكان له ابن اسمه أحمد، يكنى بأبي عثمان. وسمع بقرطبة، ورحل، فلقي ابن الأعرابي، وسمع منه ومن سواه، وكتب عنه رحمه الله تعالى. توفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. أحمد بن دحيم ابن خليل بن عبد الجبار بن حرب بن أبي حرب، قرطبي، أبو عمر.

стр. 1037

سمع من عبيد الله، والأعناقي، وسعيد بن خمير، وطاهر بن عبد العزيز، وأبي صالح، وأحمد بن خالد، وابن لبابة، وغيرهم. ورحل سنة خمس عشرة، فسمع بمكة من الديلمي، والعقيلي، وابن الأعرابي. وببغداد من ابراهيم بن حماد، والبغوي، وابن مخلد العطار، وابن صاعد، وبحران بن أبي عروبة، وعن جماعة في الآفاق. وسمع من عبيد الله بن الولي المعيطي، ومن أسلم القاضي، وغيرهما. قال ابن الفرضي: وكان معنيًا بالآثار، حافظًا للسنن، ثقة. قال ابن الحارث: كان من أهل الحفظ والرواية والخير والصلاح والورع، مشهورًا بالعلم، تقيًا. قال في موضع آخر: كان من أهل العلم والفقه، حافظًا لمذهب مالك. وسمع منه الحكم المستنصر جلّ ما عنده. قال ابن أبي دليم: وحمل بالعراق كتب القاضي اسماعيل، فزاد فهمه. وولي الشورى، ثم قضاء طليطلة، ثم قضاء البيرة وبجاية. فلم يزل قاضيًا الى أن توفي في طاعون سنة ثمان وثلاثين. ومولده سنة ثمان وسبعين. أحمد بن عبد البر بن يحيى أبو عبد الملك، قرطبي، من موالي بني أمية، صاحب تاريخ الفقهاء والقضاة. قال ابن عفيف: كان ممن طلب العلم كثيرًا، وبحث عنه، وقيد آثار العلم له، ولا أعلم له رحلة. أخذ عن شيوخ الأندلس، بقرطبة وغيرها. وعوّل على محمد بن لبابة، ومحمد بن قاسم وابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وابن الزرّاد، وابن زياد، وأحمد بن خالد، وصحبه. وروى عن غيرهم، فانتفع في الرواية والدراية. وكان بصيرًا بالحديث حافظًا للرأي، عالي الرواية. سمع أبو عبد الملك أيضًا من أسلم القاضي، وابن أبي تمام، وألف في فقهاء قرطبة تاريخًا مشهورًا. قال ابن الفرضي: كان

стр. 1038

بصيرًا بالحديث، فقيهًا نبيلًا، متصرفًا في فنون العلم، وغلب عليه الحديث. قال ابن عفيف: وكانت له إشارة وسمت نبيل. وتكلم فيه الحسن بن مفرج، فاستولى على ما ذكره، بكثرة تتبعه، مثالب الأئمة في كتابه. ذكر محنته رحمه الله تعالى كان أبو عبد الملك هذا منقطعًا الى المؤيد، عبد الله بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، لا يكاد يفارقه. وله ألف تاريخ الفقهاء والقضاة. فلما سُعي الى الناصر بابنه عبد الله، وأنه يريد القيام عليه في وقت قد اقترب، وحقق ذلك عنده، أرسل في الليل من قبض على ولده فألفيَ عنده تلك الليلة فشملته المحنة. وقال الناصر: أنا أعلم أنه الذي زين لهذا العاق ذلك، ليكون قاضي الجماعة، ويأبى الله ذلك. فسجنه وعزم على أن يعاقبه، يوم عيد الأضحى الذي قرر عنده أن التدبير كان فيه عليه. فأصبح ابن عبد البر ذلك اليوم ميتًا في السجن. فأسلم الى أهله. وذلك سنة ثمان وثلاثين وثلاثماية. ومات في ذلك اليوم محمد بن عبد الله بن أبي دليم. فقدّما جميعًا فصلى عليهما ابن أبي عيسى. وعاتبه الناصر لصلاته عليه. فاعتذر له أنه لم يعرف من كان. وإنما صلى على ابن أبي دليم. وضمت إليه جنازة أخرى لا أدريها. رحمه الله تعالى. اسماعيل بن عمر بن ناصح المخزومي مولاهم، قرطبي أبو القاسم. قال ابن الفرضي وغيره: كان فقيهًا في المسائل على مذهب مالك رحمه الله تعالى، وأصحابه. حافظًا للشروط، بتصاون، صحب محمد بن عمر بن لبابة، وابن صالح، والقاضي أسلم،

стр. 1039

ونظرائهم من أهل العلم. ورحل حاجًّا وشوّر في الأحكام. وكان مشاركًا في علم الإعراب، ورواية الشعر، وقرضه. توفي سنة ثمان وثلاثين. عبد الله بن محمد بن يوسف المعروف بالمري، الأزدي أبو عبد الله، قرطبي. سمع الأعناقي، وابن خمير، وسعد بن معاذ بن عبيد الله، وأحمد بن خالد، وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم. وكان رجلًا فاضلًا، عابدًا زاهدًا منقبضًا، معتنيًا بالحديث مع تفقهه، ودراسته. غلب عليه الزهد والانقطاع. سمع منه خالد بن سعد، وأبو محمد الباجي، وابن عبد البر. وثّقه الباجي رحمه الله تعالى. قال ابن الفرضي: توفي بعد غزاة وخشمة. قال ابن أبي دليم: توفي سنة سبع وعشرين. أحمد بن يحيى بن زكريا رحمه الله تعالى يعرف بابن الشامة. أبو عمر. من بيت نبيه بقرطبة. سمع ابن وضاح، صغيرًا، ولم يحدّث عنه. وسمع من عبيد الله، وأبي صالح، وابن لبابة، والأعناقي، وأحمد بن خالد، وأبيه، وغيرهم. وكان حافظًا زاهدًا منقطعًا ناسكًا، متتبلًا. وحدّث. وله حظ من الفقه. توفي رحمه الله تعالى، نصف شعبان، سنة ثلاث وأربعين، وابنه، عبد الله، حدث. ولم يكن عنده علم. أحمد بن محمد بن مسور رحمه الله تعالى. أبو القاسم. تقدم نسبه، عند ذكر أبيه، قرطبي.

стр. 1040

سمع صغيرًا من أبيه ومن ابن وضاح. وسمع من أبي صالح، ومحمد بن عمر بن لبابة. وعني بالرأي، وشوّور. وكان ذا سمت وهدى، ونالته زمانة، وانقبض. وكان أحمد بن مطرف، وخالد بن سعد يثنيان عليه. قال ابن مصلح: كان شيخًا صالحًا. وسمع من ابن وضّاح صغيرًا. وحدّث، وسمع منه أبو عثمان سعيد بن أحمد، وقال: حضني على السماع منه أحمد بن مطرف. وتوفي سنة خمس وأربعين. وكان له ابنان: محمد. قال في كتاب ابن مفرج القيسي. وكان ذا علم ورواية. روى عن أبيه وأخيه. ورحل. وتوفي سنة سبعين وثلاثمائة. وآخر: مسور بن أحمد، أبو تمام. سمع من جده وابن خالد وغيرهما. ورحل فسمع من ابن الأعرابي وغيره. وحدث عنه أخوه محمد وتقدمت وفاته. أحمد بن يوسف الطبلاطي، قرطبي. أبو القاسم. سمع من عبيد الله، وابن لبابة، وأبي صالح. وكان حافظًا للمذهب. وابن أبي تمام، وقاسم بن أصبغ وغيرهم. وكان فقيهًا حافظًا للرأي، بصيرًا بالأحكام مشاورًا فيها، مع بصر بالإعراب، وحفظ للغة وذكاء. وكان شاعرًا متقدمًا، أديبًا ظريفًا. توفي آخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين. فرج بن سلمة بن زهير بن مالك بن سرحان بن زهير ابن مالك بن أبي الأصلح البلوي قرطبي المولد، وأصله من باجه. وانتقل الى فحص البلوط. وكنيته: أبو سعيد. سمع من ابن لبابة، وجالسه وتفقه معه، وسمع من القاضي أسلم

стр. 1041

وأحمد بن خالد، ومحمد بن أيمن، وأبان بن محمد، وأحمد بن بقي، وابن أبي تمام، وابن وليد، وقاسم بن أصبغ وغيرهم. ورحل فسمع بالقيروان من ابن اللباد وغيره. وكان حافظًا للرأي على مذهب مالك. غلب عليه التفقه والمناظرة. وكان عاقدًا للشروط مشاورًا في الأحكام، واستقضي بوادي الحجارة، وولي صلاتها، ثم قضاء ريّة. وله في الوثائق تأليف حسن. توفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ومولده سنة ثمان وثمانين. إسحاق بن ابراهيم بن مرسة أبو ابراهيم التجيبي. مولاهم. قال الرازي في كتابه، في أعيان الموالي بالأندلس: إنه مولى بني هلال التجيبي من أهل طليطلة. كان طليطلي الأصل، وسكن قرطبة لطلب العلم، ثم استوطنها. وكان أولًا يتّجر في سوق الكتان، في دكان له. سمع ببلده من وسيم، وعثمان بن يونس، ووهب بن عيسى، وابن أبي تمام. وبقرطبة من أبي الوليد، وابن لبابة، وأسلم، وابن خالد، وابن أيمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ وغيرهم. وكان أكثر أخذه عن ابن لبابة، وابن خالد، وبهما تفقه. ذكر فضائله وعلمه ﵀ قال الرازي وغيره: وكان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا مجتهدًا عاقدًا. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والفهم والعقل والدين المتين، والزهد والتقشف، والبعد عن السلطان، لا تأخذه في الله لومة

стр. 1042

لائم. وقدّم للشورى على يد القاضي ابن أبي عيسى، دل عليه وليّ العهد الحكم، في عدة أُريدوا لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورًا. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: كان حافظًا للفقه على مذهب مالك وأصحابه، متقدمًا فيه، صدرًا في الفتوى. وكان يناظر عليه في الفقه. وقد حدث وسمع منه جماعة. وكان وقورًا مهيبًا. ولم يكن له بالحديث كبير علم. قال مؤرج الطليطلي، وذكره: كان أبو ابراهيم زاهدًا عابدًا، عالمًا، لم يكن في عصره أبرّ منه خيرًا، ولا أكمل ورعًا. من المشاهير في الجمع والعلم والحفظ. مهيبًا مطاعًا، صليبًا في الحق. لم يكن يتكلم مع أصحابه بالتسهيل. كان من الراسخين في العلم. ومن تأليف أبي ابراهيم: كتاب النصائح المشهور، وكتاب معالم الطهارة والصلاة. وكان الحكم أمير المؤمنين معظمًا له. وكان إذا دخل عليه يمد رجليه أمامه، ويعتذر لشيخته، فيقول له الحكم: لا مؤونة عليك منا، اقعد كيف شئت. وكان صليبًا، قليل الهيبة للملوك، متصرفًا مع الحق حيث ما تصرف. جالس يومًا الحكم، فذاكره أبوابًا من العلم وأخبار السلف، الى أن وقع الحكم، فذكر رجلًا من القرطبيين، وثلبه، فسكت عنه أبو ابراهيم، ونكس برأسه، ولم يأخذ معه في شيء من ذكره. فوجد الحكم من ذلك. ثم رجع الى ما كانوا فيه من ذكر الصالحين. فانبعث معه أبو ابراهيم، ثم عاد الى ذكر الرجل، فأقصر أبو ابراهيم وعاد الى حاله الأول من الإطراق والوجوم. فأقصر الحكم عن ذكره. ورابَه أمر أبي ابراهيم، فأنشد متمثلًا بالبيتين المشهورين في مدح مالك بن أنس، ﵀ ورضي عنه وأرضاه: يأبى الجواب فما يراجع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان هدي العلوم وعز سلطان التقى … فهو المطاع وليس ذا سلطان ولما أخذت الشهادات على أبي الخير المسمى بأبي الشر، الزنديق، أفتى

стр. 1043

أبو بكر بن السليم، والحجازي في جماعة، بالاعذار له فيمن شهد عليه. وأفتى أبو ابراهيم وابن المشاط والقاضي منذر بطرح الاعذار، في جماعة. وكان أشدهم في ذلك إسحاق بن السليم، والد أبي بكر. وخالف ابنه في ذلك، فأمر الحكم بالأخذ برأي أبي ابراهيم وأصحابه. ومر بقتله دون أعذار. فكتب إليه أبو ابراهيم كتابًا يشكره فيه على حياطة الدين، ويعتذر عن تخلفه عنه لبرد اليوم، وتوالي مطره. فأجابه الحكم بجواب منه: وجزاك الله عن الدين والحياطة للإسلام خيرًا. فلقد وقع رأيك مني أفضل موقع. وقد أحسنت في توقفك والأخذ بالقدر، الذي عاقك بما أحب، الى ما أحاطك الله به، وأصلح من حالك، ولقد قلت لمن حضر في يوم السبت إثر خروجك: لن يزال هذا البلد بخير ما كان فيه مثل هذا الشيخ، أكثر الله فيه مثله، اعترافًا لله بالنعمة فيك. وهذه بصيرتي فيك، فأعلمه. وكان أبو ابراهيم لا يمسح على الخفين في حضر ولا سفر. يأخذ بذلك في نفسه، ويفتي بجواز ذلك لمن استفتاه. وكان إذا كلِّم في ذلك يقول: شيء ألفته. لا أستطيع تركه. وكلمه في ذلك تلميذه: قاسم بن أرفع رأسه، في بعض المغاربة في ليلة شديدة الريح، وقد ضجر من فعله. فتبسم الشيخ وقال: يا قاسم لا أدفع ما تقول بحجة. ولكنه شيء لم أفعله دهري كله، أفأفعله الليلة؟ ولعلي أموت فيها، فأتناقض في مذهبي. ولا احتطت فيه لنفسي. وكان شديد البرّ بوالدته. ذُكر أنه كان له أخ، قد اشتدت به الحال في بعض السنين الشديدة. فشكا إليه ضعفه. فتوجع له ودعا وانصرف الى أمه. وذكر لها ما به. وقال لها: أتيت الفقيه أخي، فما زاد على الدعاء. وانصرف أبو ابراهيم آخر النهار وقد اتّجر في سوقه، وباع كتّانًا ربح فيها ما اشترى به قوته: ربع دقيق، وثُمن زيت. فجاء بذلك الى داره، فاستقبلته أمه وعاتبته على منع أخيه من مؤاساته.

стр. 1044

فاعتذر لها بقلة ذات يده، وأنه ما كان يملك إذ جاءه، قطعة يواسيه بها. وما اشترى ما اشترى إلا من كتان باعه. فقالت له: سخطي عليك، لتحملن ما جئت به على رأسك، الى دار أخيك. تكفّر ردك له، ففعل. وراوده الحكم على أن يأتيه بابنه أحمد، وهو يومئذ صغير، وأظهر له حب ذلك. وعزم عليه فيه. فقال: يا أمير المؤمنين أما الآن فلا يصلح لذلك. والآن: أراه ميتًا - وهو واحِدي - أحبّ إلي من أن يقول الناس هذا الشيخ المرائي، استجلب بولده دراهم السلطان. فأعفاه الحكم من ذلك. قال تلميذه، وقريبه قاسم بن أرفع رأسه: تركني أبي، وإخوتي في حجر أبي ابراهيم. فكفلنا وربّانا وعلّمنا. ففتح الله عليّ ببركته. فلم يكن في قلي أحد أعظم منه لي. كنت يومًا خارجًا الى صلاة العصر، إذ فتح بابه، فإذا به ورائي، يريد مثل ما أريده. فتوقفت حتى لحقني. فسلمت عليه. فردّ عليّ مغضبًا، وقال لي: يا قاسم، قط ما كان هذا تقديري فيك. فيا ليتني ثكلتك، ولم أرك صنعت ما صنعت. فقلت: وما هو يا سيدي؟ قال: خرجت من بيتك الى الله لتأدية فريضة. فبينا أنت في ذلك، وقعت عينك على مخلوق مثلك، يريد ما أردته، فحولت وجهك إليه، عن قبلتك، ووقفت حتى لحقك؟ فقلت: يا سيدي، أنا معذور في الهوى إليك، إذ حقك عليّ كوالدي. فقال: ما أريد أن تفعله به، ولا بي، فحق الله أحق من كل حق، لا تعد لمثله. وشاوره صاحب الرد في أصحاب السوق، يلتزمون الصلاة في دكاكينهم بإمام، ويتشاغلون عن حضور المساجد، وأن أكثر ذبّاحي المجازر اليهود. فأفتى بالمنع من جميع ذلك، وبإخراج اليهود من مجازر المسلمين. وكان يومًا في مجلسه يُقرأ عليه، وقد جعل بالطلبة، إذ جاءه خصي من قبل الحكم. فقال أجب

стр. 1045

أمير المؤمنين فهو ينتظرك، وقد أُمرت بإعجالك، فالله، الله. فقال: سمعًا وطاعة، ولا عجلة. فارجع إليه وعرّفه عني، إنك وجدتني في بيت من بيوت الله، مع طلاب العلم يسمعون عليّ حديث ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس يمكنني ترك ما أنا فيه، حتى يتم المجلس المعهود، فذلك أكرم، ثم أقبل على شأنه، ومضى الخصي ثم انصرف فقال له: عرَّفته قولك فهو يقول لك: جزاك الله خيرًا عن الدين، وعن أمير المؤمنين، عن جماعة المسلمين. فإذا أتممت فامضِ إليه راشدًا. فقد أُمرتُ أن أبقى معك مذكرًا. فقال له: أنا أضعف عن المشي الى باب الشدة، والركوب لشيختي صعب عليّ. وباب الصناعة يقرب إليّ. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بفتحه، لأدخل منه، هوّن على المشي، فإن ذلك إليه. وتعود. فمضى الفتى ثم رجع بعد حين، فقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين الى ما سألت، ومن الباب خرجت. وجلس الخصي جانبًا، حتى أكمل أبو ابراهيم مجلسه. أفسح ما كان غير منزعج، وقام الى داره، فأصلح من شأنه، ومشى إليه، وقضى حاجته من لقائه. فلما انصرف، أعيد إغلاق الباب، كما كان. وذكر ابن مظاهر، أن الخليفة الحكم، استفتاه في غلبة نفسه، على وطء بعض جواريه في رمضان. فأفتاه بعض أصحابه بالإطعام، على اختيار مالك. فقال هو: لا أدري إلا الصيام. فإنما أمر مالك بالإطعام، لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال المسلمين، فأخذ بقوله. وهذه الحكاية لا تصح جملة. لأن أمير المؤمنين في وقته ممن كان لا يغلب على هذا. وممن كان يدّعي لنفسه من الأموال المتملكة كثيرًا. وممن كان لا يحبس عليه أبو ابراهيم وطاء غيره. والحكاية معروفة ليحيى بن يحيى، وذُكرت عن غيره. وذكرناها. وكان عند الناصر إعذار لبعض ولد بنيه، احتفل في استدعاء وجوه الناس له. فلم يتخلف عنه أحد

стр. 1046

إلا أبا ابراهيم، فافتقد مكانه، وساءه ذلك. فكتب إليه الحكم، يعتبه ويطلب منه وجه عذره. فأجابه أبو ابراهيم بما هذا نصه: سلام على الأمير، سيدي، ورحمة الله. قرأت - أبقى الله الأمير سيدي - كتابك، وفهمته. ولم يكن توقيفي لنفسي، إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله، ولسلطانه. لعلمي بمذهبه، وسكوني الى تقواه، واقتفائه لأثر سلفه الطيب، ﵃. فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة، بقية. لا يمتهنوها بما يشينها، ويغض منها، ويتطرق الى تنقصها. يستعدّون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعاياهم، ومن يعدو عليهم من قضاتهم، فلهذا تخلفت، ولعلمي بمذهبه وفقه الله. فلما قرأ الكتاب الحكم، أعلم أباه الناصر، فاستحسن اعتذاره، وزال ما في نفسه، ووفى الشيخ بينته. وتوفي إسحاق بطليطلة وكان خرج مع الحكم، غازيًا ليلة الجمعة في رجب، لعشر بقين منه سنة اثنتين. وقيل أربع وخمسين وثلاثماية. وسنّه خمس وسبعون. وذكر أن الخليفة الحكم، لما علم بموته قال: الحمد لله الذي كفانا شره، وخلصنا منه. وحكي أن خبر موته، ورد الى الحكم، وقد فتح عليه، فقال لا أدري بأي الفرحتين أسر، بأخذ الحصن أو بموت إسحاق، لخوفه منه، وطوع العامة له، وقيل: إنه كان حجبه عن نفسه، فاعتل. وذكر القاضي محمد بن يحيى بن أحمد في كتابه المعروف بكتاب البشرى، أنه رأى قبل موته سنة إحدى وخمسين، أنه مات ﵀ وأن الملائكة تتوفاه. فخرجت رؤياه على وجهها. ﵀ وغفر له ولجميعهم بمنّه. أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن بن قاسم بن علقمة بن بدر أبو عمر بن المشاط الأزدي من أنفسهم. ويتولى بني أمية. وجده بدر. هو الداخل مع عبد الرحمن

стр. 1047

الداخل. وكان عربيًا من الأزد. فكان ينتمي الى عبد الرحمن لدخوله معه. وكذا قال ابن الفرضي، وأنه أزدي. وقال خالد بن سعد، إنه تجيبي. قال ابن حارث: وكان أبو مطرف المشاط، قد عني بالعلم، وروى عن ابن مطروح، وابن وضاح، وابن باز، وابن وهب، وابن نافع، ومطرف بن قيس، وقاسم بن هلال. وكان مولده سنة خمس وأربعين آخر شوال. وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وكان أحمد ابنه، من أهل العلم والتقييد. روى عن سعيد بن خمير، ومحمد بن لبابة، وأحمد بن خالد، وأبي صالح، وعبيد الله بن يحيى، والأعناقي، وطاهر بن عبد العزيز. وسمع منه ابن هذيل. وكان معتنيًا بالآثار زاهدًا، ورعًا متقشفًا، الغالب عليه الرواية والحديث. وولي الصلاة بقرطبة، بعد القاضي ابن أبي عيسى الى أن توفي، وسمع منه كثيرًا. قال اسماعيل بن إسحاق: وكان أحمد بن مطرف فاضلًا خيرًا ورعًا عفيفًا منقبضًا صدوقًا سالم الصدر، فيه غفلة الصالحين، وصحة مذهبهم. وكانت صدقات الحكَم تجري على يديه. فكان لا يعطي منها الدهاقين الذين أعدوها مكسبة، ويؤثر بها أهل الفقه والسنن. قال أبو الحسن الحجازي: كان ثقة حافظًا للمسائل والرأي، ركنًا من أركان الدين. وكان كثير التغرر في طهارته، والأسباغ في وضوئه وغسله، يكرر ذلك ويعيد، حتى يخرج الى الإفراط. وكان لا يكاد يمس بثيابه ثياب غيره. وإذا قام عن موضع جلس فيه من لا يعلم نظافته، لم يمسه، ويقول: أحد يزكيه. ونضح ثيابه. وكان لا يقعد في موضع، ولا يستند الى شيء، حتى يستبرئ نظافته بالمسح والنفض والكنس. فيقال له في ذلك، فيقول: أستحي التوهم في هذا. وكان قد أعد لصلاته كسوة

стр. 1048

غير كسوته لمهنته، لا يلبسها لغير الصلاة. وكذلك آنيته التي يشرب منها، ويتوضأ، مجنبة عن غيرها، لا يشارك فيها، في أغشية يخبؤها. وكان قد هيأ لكل شيء من الآلة غطاء، ولا يركب دابة إلا معقودة الذيل، حذرًا من شيء يعلق به، مسرفًا في التحفظ من ذلك. وابتلي مرة بامرأة غسلت نجاسة من فوق غرفة وهو مجتاز، فأصابته ولوثت ثيابه، فرجع الى منزله مقذوعًا قفاه كثيرًا. وخلع الثياب واغتسل، وبدل كسوته، وأمر بغسل كسوته تلك وبيعها والبراءة مما أصابها، وتصدّق بثمنها شكرًا لله، إذ وقى جسمه مباشرة تلك النجاسة. وعاده مرة من مرض اعتراه حسرامي الكاتب اليهودي. فلما استأذن عليه، انزعج الشيخ لذلك. وتقدم في قلب فرش بيته، وكشف الطريق إليه، ودعا بدفة باب الكنيف، ووضعت بين يديه، ليجلس عليها، وأبطأ عن اليهودي الإذن، الى أن هيئ ذلك كله. فلما رأى الهيئة حدس بفطنته، على ما أراده، فتوقف عن دخول البيت، واكتفى بالسؤال والدعاء إظهارًا لإعظام الشيخ، ثم انصرف، ولم يستجلسه. ومن فضائله المشهورة أن الناصر أخذته الجمعة يومًا بقرطبة، أيام تولي ابن المشاط الخطبة - وكان مطيلًا لها - فلما خرج الناصر للصلاة دعا وزيره أبا عثمان بن ادريس، وأوصى إليه أن يذكّر ابن المشاط في تخفيف الخطبة، ففعل، وألطف له القول، وقال له: إن الناصر يجد صداعًا في رأسه، هو الذي أمسكه عن الحركة الى الزهراء، ورأى أنه في حرج عن التخلف عن الجمعة. فهو يريد عونه عليها بالتخفيف عنه، والرفق به. فقال له: سمعت قولك، والله الموفق لما يُزلف منه.

стр. 1049

فلما انقضى الأذن، وخرج الناصر الى مصلاه جانب المنبر، قام ابن المشاط للخطبة، فترسّل في منطقه، واحتفل في افتتاحه وتحميده، والصلاة والسلام على رسوله، ثم أخذ في الوعظ على عباد الله، وروى في الحديث أنه يختبر يوم القيامة، أنعم الناس في الدنيا، وأشدهم بلاءً. فيغمس المتنعم في نهر من أنهار جهنم، ثم يخرج منه، فيقال: هل رأيت خيرًا قط. ويؤتى بالمبتلى، فيغمس في نهر من أنهار الجنة، ثم يخرج، فيقال: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا ما رأيت بؤسًا قط. وحشد أمثال هذا وأطال، وزاد، فبكى وأبكى الناس، حتى قام في الجامع شبه المأتم من البكاء والشهيق. قال ابن ادريس: وأبلست وامتلأت غيظًا. فلا أدري أكثر ما قال. وخفت أن يظن الناصر أني لم أؤدّ الرسالة. فلما تمت الصلاة، ودخل الناصر الى مكانه بالساباط، وأذن للوزراء، فدخلوا وأنا معهم، فدعا بصاحب الصلاة، استربت. فلما وقعت عينه عليه، بشّ له. ورفع منزلته. فسري عني، فأقعده الناصر، وأقبل يثني عليه، ويكبر مشهده، وأنه ما شهد قط مثله، وأنه يرجو بركته، لما أدركه من الخشوع والبكاء والندم، وأنه متقرب الى الله تعالى بألف دينار من طيب ماله، شكرًا لحضور هذا المشهد، وأنه يرسل بها الى ابن المشاط، يجعلها حيث رأى من سبل الخير، وانصرف عنه، فوصل إليه الوزير ابن ادريس آخر النهار بها، وقال له: كنت أحوطَ لدينك، فكرم الله مقامك. فقال له ابن المشاط: يا وزير، اعمل ما شئت، ويكون عملك لله، فلن ترى إلا خيرًا ضمانًا عليه. وكانت فيه غفلة الصالحين. فكان إذا سمع الباعة يصيحون على سلعهم، ويصفونها بغاية الجودة، يقول لمن معه: لا تقبلوا منهم. فإن أكثر ما يقولون كذب. قد خدعوني بمثله. وكان يقول في حديث النبي ﷺ وحراسة سعد له، إن النبي ﷺ ، كان لا يخاف شيئًا. ولكن أراد

стр. 1050

أن يكون سنة لأمته. ينام أحد في المخاوف. وتوفي ليلة الأحد لثمان بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وقيل أربع وقيل ست وخمسين وثلاثمائة. محمد بن عبدون بن محمد بن فهد تقدم ذكر أبيه. قال ابن عفيف: كان محمد من أهل العلم والرواية، حافظًا للفقه بصيرًا بالوثائق. متقدمًا في ذلك. جلّ روايته عن والد. وروى عن ابن وضّاح، كتابًا واحدًا من حديثه، سمعه منه. وهو يومئذ غلام ابن إحدى عشرة سنة، أو نحوها. أرى في السنة التي توفي فيها ابن وضّاح. إذ توفي ابن وضاح سنة سبع وثمانين، كما قدّمنا. وكان بين موته وموت ابن عبدون، إحدى وثمانون سنة. وحدث بالمدونة عن ابن وضاح، وأجازه. وهو آخر من حدث عن ابن وضاح. سمع منه ابن عفيف، وأبو علي الحداد الفقيه، ومحمد بن يحيى بن مفرج، وغيرهم. قال محمد بن يحيى: كان من أهل الفقه والحذق بالوثائق، من جلة الرجال. وكان عرض له صممٌ شديد. فكان لا يكاد يسمع ما قرئ عليه، إلا ما قرأ هو. ولم ألقَ من أصحاب ابن وضاح غيره. وعرضت على اللؤلؤي وثيقة فأعجبته. فقالوا له: ما تقول فيها؟ فقال: وثيقة جيدة. قال ابن عفيف: وقد طعن أيضًا في عدالته. وعمّر. فتوفي سنة ثمان وستين وثلاثماية، وهو ابن اثنتين وتسعين. قال ابن الفرضي: مولده فيما بلغني: سنة اثنتين وسبعين. ﵀. عبد الله بن محمد بن يوسف بن أبي العطاف الأحدب أبو محمد، قرطبي. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والرواية

стр. 1051

العالية، عن ابن وضّاح وغيره. حافظًا للفقه. عالمًا بالوثائق وعللها. متقدّمًا في هذا الفن. قال: وكان يطعن في عدالته. قال ابن الفرضي: كان من أبصر أهل زمانه بعقد الشروط. حدّثني عنه عبد الرحمن بن محمد الإمام، وأثنى عليه. وممن روى عنه القاضي ابن عمرون، ﵀. أبو عثمان ابن عبد ربه ﵀. وقال ابن الفرضي: هو سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد ربه، ابن حبيب بن سالم. قال غيره: هو ابن أخي أبي عمر، أحمد بن عبد ربه الشاعر. وجده سالم، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية. سمع من ابن لبابة، والقاضي، وابن خالد، وابن أيمن، وابن قاسم. قال ابن عفيف: من أهل العلم والأدب، والحفظ للفقه، والنظر في الأدب، والحذق بالطب. وكان مشاورًا في الأحكام أيام منذر بن سعيد، وعمه أبو عمر، أجلّ شعراء الأندلس، وأمتنهم قولًا. لأبي عثمان هذا، أرجوزة في الطب، حسنة. وكان مذهبه في مداواة الحميّات بالبوارد، يخلط شيئًا من الحوار فيها، لتغوّصها في الأعضاء الباطنة، فتبعه على ذلك حذاق الأطباء. وظهرت له في تدبير جماعة من إخوانه منافع مذكورة. قال ابن الفرضي: كان فقيهًا مشاورًا، مقدّمًا في الفتيا، ثقة. سمع منه الناس كثيرًا. وقد حدّث عنه أبو حرملة الفقيه. قال ابن عفيف: كان حسن الخلق، فكِهًا. وعمي آخر عمره، وأشير عليه بالقدح فأبى ادخارًا للآخرة. وما روى في

стр. 1052

ذلك من الثواب في الحديث المأثور عن النبي ﷺ عن الله تعالى، أنه قال: من نزعت كريمته، جعلت ثوابه الجنة. وأنشد له عمه أبو عمر ﵀: أمن بعد غوصي في علوم الحقائق … وطول انبساطي في مواهب خالقي ومن بعد إشرافي على ملكوته … أُرى طالبًا شيئًا الى غير رازقي وقد أذنت نفسي بتقويض رحلها … وأعنف في سوْقي الى الموت سائقي وإني قد أيقنت إن رغت هاربًا … عن الموت في الآفاق فالموت لاحقي وتوفي سعيد هذا سنة اثنتين وأربعين وثلاثماية. فيما قاله ابن عفيف. وقال ابن الفرضي ﵀: سنة ست وخمسين. أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج قرطبي. يكنى بأبي القاسم. ومفرج هذا، مولى الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فيما قاله ابنه محمد لابن الفرضي. وقال القيسي: إنه مولى عبد الرحمن بن معاوية. قال: وكان معدودًا في فقهاء قرطبة ورواتها. صالحًا نبيهًا مسمتًا. روى عن محمد بن وضاح، وعبيد الله، وطاهر، وأبي صالح، والأعناقي، ونظرائهم. قال ابن الفرضي: لا أعلم حدّث عنه إلا ابنه، أبو عبد الله ﵀. وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثماية، وأما لقبه، أبو عبد الله بن مفرج القاضي، فتفرّد بعلم الحديث. وكان من أعلم أهل الأندلس به، وأقواهم عليه، وأوثقهم فيه. ورحل ولقي الناس، وسمع منه، وصنّف تصانيف جليلة. وولي قضاء ريّة. وعدة شيوخه ماية شيخ. توفي سنة ثمانين وثلاثماية ﵀.

стр. 1053

محمد بن محمد الصدفي أبو عبد الله. قرطبي. كان ذا سمت وهدى وعدالة. سمع مالك بن علي القطني، وابن لبابة، وعثمان بن أيوب، وكان بصيرًا بالوثائق. قال ذلك ابن أبي دليم، ﵀. وكان ابن لبابة، يثني عليه. وذكر ابن الفرضي عن سليمان بن أيوب أنه كذبه. وكان ابن أيمن يسيء القول فيه. توفي آخر سنة ثمان عشرة وثلاثماية، قبل لحوق طبقته. عبد الملك بن العاصي بن محمد بن بكر السعدي أبو مروان قرطبي. أصله من طليطلة. وقيل من قلعة رباح. ونشأ بقرطبة. سمع بها من ابن لبابة. وأسلم: القاضي ابن سعد. وأحمد بن خالد وسعد بن رمضان. ورحل سنة ثلاث عشرة. فسمع بالقيروان، من البجلي، وأحمد بن زياد، وسمع بمصر من عبد الرحمن بن محمد اللوان، ومحمد بن زياد ومحمد بن الجبري، ولقي جماعة غير هؤلاء. ودخل الشام، فاستخلفه القاضي ابن المنتاب، على القضاء هناك. وسمع بمكة من ابن المنذر كثيرًا. وببغداد من ابن صاعد، وابراهيم بن حماد، ومحمد بن الجهم، وابن مسلف، وأبي الفرج القاضي، وأبي يعقوب الرازي، وعمر بن محمد بن شريح، وغيرهم. وشهد بها مجلس المناظرة. وأقام ببغداد ثلاثة أعوام. وكانت إقامته في رحلته بضعة عشر عامًا. وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا. وكان حافظًا متفننًا نظارًا

стр. 1054

متصرفًا في علم الرأي، حسن النظر فيه، مشاورًا في الأحكام، قال ابن حارث: كان قد ظهر فقهه في حداثة سنه، قبل رحلته. وشاوره إذ ذاك القاضي أسلم، ولما انصرف من المشرق، وقد مال هناك الى النظر، والحجة، رفعه الحكم، وهو ولي عهد الشورى. وألف في نصرة مذهب مالك تواليف كثيرة. منها كتاب الذريعة الى علم الشريعة. وكتاب الدلائل والبراهين على مذهب المدنيين. وكتاب الدلائل والأعلام، على أصول الأحكام. وكتاب الاعتماد، وكتاب الإبانة عن أصول الديانة، وكتاب الردّ على من أنكر على مالك العمل بما رواه. وتفسير رسالة عمر بن عبد العزيز في الزكاة، وكتاب اختصار الأقوال، لأبي عبيد. ومرض بالفالج، وتوفي يوم السبت، لثمان بقين من المحرم، سنة ثلاثين وثلاثماية. وهو ابن أربع وأربعين سنة ونصف. وفيها مات ابن أيمن، وابن لبابة، الأصغر. رحمهما الله تعالى، ورضي عن جميعهم. الحسن بن عبيد الله بن محمد بن عبد الملك بن الحسن الملقب بزونان، ابن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ . تقدم في ذكر جده زونان. نسبه، وبيته. يكنى أبا عبد الملك، ويعرف بابن زونان، قرطبي. سمع من ابن وضاح، وعبيد الله، وغيرهما وشوّور في الأحكام مدة طويلة، الى أن توفي واستخلفه القاضي ابن بقي، على الصلاة. وكانت وفاته، سنة ست وثلاثين وثلاثماية أول رجب منها. ﵀. سليمان بن عبد الملك بن المبارك أبو أيوب، المعروف بأبي المشترَى بفتح الراء. وجدّه المبارك

стр. 1055

مولى محمد بن الأمير. قرطبي بيته. سمع من ابن وضاح كثيرًا ومن أبي صالح، وعبيد الله. وهو الذي بوّب الكتب المختلطة الباقية على سحنون من المدونة. وكان عالمًا عابدًا مجتهدًا فقيهًا حافظًا مشاورًا في الأحكام. سمع منه الناس كثيرًا. روى عنه ابن مفرّج وابن برطال، وغيرهما. واختلف في وفاته ما بين خمس وثلاثين وسبع وثلاثين وثلاثمائة. والله سبحانه أعلم وأحكم. أحمد بن عبد الله بن سعيد ﵀ يعرف بابن العطار. ويقال له صاحب الوردة. يكنى أبا عم، حدّث عن ابن وضّاح، واختص به. وحدّث عن غيره. قال ابن مصلح: كان من الفصحاء البلغاء. وهو كان القارئ على ابن وضاح، والخشني. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والعناية، والتقييد، فقيهًا حافظًا للمسائل، بصيرًا بالوثائق، ذكيًا حافظًا، حسن الأخلاق. وكان موصوفًا بكثرة الأكل، والتهمم به. له في ذلك نوادر مغربة. منها: أنه أتى يومًا ضيعة له، فوجد وكيله بها في حصاده، وزوجه في الدار قد أعدّت لغذاء الخدمة ما يقوم بهم من خبز فطير، وجفنة بشرار اللبن. وبصل كثير. فتركت الفقيه، وسارت بقلّة تستقي فيها ماءً. فشره الفقيه لأكل ما حضره وانبسط إليه، حتى استوفاه عن آخره. وخجل من رجوعها ومشاهدتها إقفار بيتها. فركب لحينه، فلقيها بقلّتها فاستقاها، وشرب القلة عن آخرها. ثم تجشأ في وجهها جشوة منكرة. فبهتت المرأة، وقالت له بكلامها الفحمي: سواد بيت تمضي إليه. فقال لها بمثل كلامها: بل سواد بيت خرجت منه، ولا تدري
следующие страницы →