← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

العالية، عن ابن وضّاح وغيره. حافظًا للفقه. عالمًا بالوثائق وعللها. متقدّمًا في هذا الفن. قال: وكان يطعن في عدالته. قال ابن الفرضي: كان من أبصر أهل زمانه بعقد الشروط. حدّثني عنه عبد الرحمن بن محمد الإمام، وأثنى عليه. وممن روى عنه القاضي ابن عمرون، ﵀. أبو عثمان ابن عبد ربه ﵀. وقال ابن الفرضي: هو سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد ربه، ابن حبيب بن سالم. قال غيره: هو ابن أخي أبي عمر، أحمد بن عبد ربه الشاعر. وجده سالم، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية. سمع من ابن لبابة، والقاضي، وابن خالد، وابن أيمن، وابن قاسم. قال ابن عفيف: من أهل العلم والأدب، والحفظ للفقه، والنظر في الأدب، والحذق بالطب. وكان مشاورًا في الأحكام أيام منذر بن سعيد، وعمه أبو عمر، أجلّ شعراء الأندلس، وأمتنهم قولًا. لأبي عثمان هذا، أرجوزة في الطب، حسنة. وكان مذهبه في مداواة الحميّات بالبوارد، يخلط شيئًا من الحوار فيها، لتغوّصها في الأعضاء الباطنة، فتبعه على ذلك حذاق الأطباء. وظهرت له في تدبير جماعة من إخوانه منافع مذكورة. قال ابن الفرضي: كان فقيهًا مشاورًا، مقدّمًا في الفتيا، ثقة. سمع منه الناس كثيرًا. وقد حدّث عنه أبو حرملة الفقيه. قال ابن عفيف: كان حسن الخلق، فكِهًا. وعمي آخر عمره، وأشير عليه بالقدح فأبى ادخارًا للآخرة. وما روى في

стр. 1052

ذلك من الثواب في الحديث المأثور عن النبي ﷺ عن الله تعالى، أنه قال: من نزعت كريمته، جعلت ثوابه الجنة. وأنشد له عمه أبو عمر ﵀: أمن بعد غوصي في علوم الحقائق … وطول انبساطي في مواهب خالقي ومن بعد إشرافي على ملكوته … أُرى طالبًا شيئًا الى غير رازقي وقد أذنت نفسي بتقويض رحلها … وأعنف في سوْقي الى الموت سائقي وإني قد أيقنت إن رغت هاربًا … عن الموت في الآفاق فالموت لاحقي وتوفي سعيد هذا سنة اثنتين وأربعين وثلاثماية. فيما قاله ابن عفيف. وقال ابن الفرضي ﵀: سنة ست وخمسين. أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج قرطبي. يكنى بأبي القاسم. ومفرج هذا، مولى الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فيما قاله ابنه محمد لابن الفرضي. وقال القيسي: إنه مولى عبد الرحمن بن معاوية. قال: وكان معدودًا في فقهاء قرطبة ورواتها. صالحًا نبيهًا مسمتًا. روى عن محمد بن وضاح، وعبيد الله، وطاهر، وأبي صالح، والأعناقي، ونظرائهم. قال ابن الفرضي: لا أعلم حدّث عنه إلا ابنه، أبو عبد الله ﵀. وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثماية، وأما لقبه، أبو عبد الله بن مفرج القاضي، فتفرّد بعلم الحديث. وكان من أعلم أهل الأندلس به، وأقواهم عليه، وأوثقهم فيه. ورحل ولقي الناس، وسمع منه، وصنّف تصانيف جليلة. وولي قضاء ريّة. وعدة شيوخه ماية شيخ. توفي سنة ثمانين وثلاثماية ﵀.

стр. 1053

محمد بن محمد الصدفي أبو عبد الله. قرطبي. كان ذا سمت وهدى وعدالة. سمع مالك بن علي القطني، وابن لبابة، وعثمان بن أيوب، وكان بصيرًا بالوثائق. قال ذلك ابن أبي دليم، ﵀. وكان ابن لبابة، يثني عليه. وذكر ابن الفرضي عن سليمان بن أيوب أنه كذبه. وكان ابن أيمن يسيء القول فيه. توفي آخر سنة ثمان عشرة وثلاثماية، قبل لحوق طبقته. عبد الملك بن العاصي بن محمد بن بكر السعدي أبو مروان قرطبي. أصله من طليطلة. وقيل من قلعة رباح. ونشأ بقرطبة. سمع بها من ابن لبابة. وأسلم: القاضي ابن سعد. وأحمد بن خالد وسعد بن رمضان. ورحل سنة ثلاث عشرة. فسمع بالقيروان، من البجلي، وأحمد بن زياد، وسمع بمصر من عبد الرحمن بن محمد اللوان، ومحمد بن زياد ومحمد بن الجبري، ولقي جماعة غير هؤلاء. ودخل الشام، فاستخلفه القاضي ابن المنتاب، على القضاء هناك. وسمع بمكة من ابن المنذر كثيرًا. وببغداد من ابن صاعد، وابراهيم بن حماد، ومحمد بن الجهم، وابن مسلف، وأبي الفرج القاضي، وأبي يعقوب الرازي، وعمر بن محمد بن شريح، وغيرهم. وشهد بها مجلس المناظرة. وأقام ببغداد ثلاثة أعوام. وكانت إقامته في رحلته بضعة عشر عامًا. وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا. وكان حافظًا متفننًا نظارًا

стр. 1054

متصرفًا في علم الرأي، حسن النظر فيه، مشاورًا في الأحكام، قال ابن حارث: كان قد ظهر فقهه في حداثة سنه، قبل رحلته. وشاوره إذ ذاك القاضي أسلم، ولما انصرف من المشرق، وقد مال هناك الى النظر، والحجة، رفعه الحكم، وهو ولي عهد الشورى. وألف في نصرة مذهب مالك تواليف كثيرة. منها كتاب الذريعة الى علم الشريعة. وكتاب الدلائل والبراهين على مذهب المدنيين. وكتاب الدلائل والأعلام، على أصول الأحكام. وكتاب الاعتماد، وكتاب الإبانة عن أصول الديانة، وكتاب الردّ على من أنكر على مالك العمل بما رواه. وتفسير رسالة عمر بن عبد العزيز في الزكاة، وكتاب اختصار الأقوال، لأبي عبيد. ومرض بالفالج، وتوفي يوم السبت، لثمان بقين من المحرم، سنة ثلاثين وثلاثماية. وهو ابن أربع وأربعين سنة ونصف. وفيها مات ابن أيمن، وابن لبابة، الأصغر. رحمهما الله تعالى، ورضي عن جميعهم. الحسن بن عبيد الله بن محمد بن عبد الملك بن الحسن الملقب بزونان، ابن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ . تقدم في ذكر جده زونان. نسبه، وبيته. يكنى أبا عبد الملك، ويعرف بابن زونان، قرطبي. سمع من ابن وضاح، وعبيد الله، وغيرهما وشوّور في الأحكام مدة طويلة، الى أن توفي واستخلفه القاضي ابن بقي، على الصلاة. وكانت وفاته، سنة ست وثلاثين وثلاثماية أول رجب منها. ﵀. سليمان بن عبد الملك بن المبارك أبو أيوب، المعروف بأبي المشترَى بفتح الراء. وجدّه المبارك

стр. 1055

مولى محمد بن الأمير. قرطبي بيته. سمع من ابن وضاح كثيرًا ومن أبي صالح، وعبيد الله. وهو الذي بوّب الكتب المختلطة الباقية على سحنون من المدونة. وكان عالمًا عابدًا مجتهدًا فقيهًا حافظًا مشاورًا في الأحكام. سمع منه الناس كثيرًا. روى عنه ابن مفرّج وابن برطال، وغيرهما. واختلف في وفاته ما بين خمس وثلاثين وسبع وثلاثين وثلاثمائة. والله سبحانه أعلم وأحكم. أحمد بن عبد الله بن سعيد ﵀ يعرف بابن العطار. ويقال له صاحب الوردة. يكنى أبا عم، حدّث عن ابن وضّاح، واختص به. وحدّث عن غيره. قال ابن مصلح: كان من الفصحاء البلغاء. وهو كان القارئ على ابن وضاح، والخشني. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والعناية، والتقييد، فقيهًا حافظًا للمسائل، بصيرًا بالوثائق، ذكيًا حافظًا، حسن الأخلاق. وكان موصوفًا بكثرة الأكل، والتهمم به. له في ذلك نوادر مغربة. منها: أنه أتى يومًا ضيعة له، فوجد وكيله بها في حصاده، وزوجه في الدار قد أعدّت لغذاء الخدمة ما يقوم بهم من خبز فطير، وجفنة بشرار اللبن. وبصل كثير. فتركت الفقيه، وسارت بقلّة تستقي فيها ماءً. فشره الفقيه لأكل ما حضره وانبسط إليه، حتى استوفاه عن آخره. وخجل من رجوعها ومشاهدتها إقفار بيتها. فركب لحينه، فلقيها بقلّتها فاستقاها، وشرب القلة عن آخرها. ثم تجشأ في وجهها جشوة منكرة. فبهتت المرأة، وقالت له بكلامها الفحمي: سواد بيت تمضي إليه. فقال لها بمثل كلامها: بل سواد بيت خرجت منه، ولا تدري

стр. 1056

المرأة ما مراده. حتى أتت بيتها فرأت ما حطمه لها. واستأنفت للقوم غداءً آخر. ومنها: أنه أكل يومًا في وليمتين، وأوفى كل واحدة قسطها. وأتى دارهم، فوجدهم يأكلون كافحًا، فاستزاد منه. ثم أتاه مناصفة من قرية وسط نهاره، بعقيل خبز طري، وفول أخضر، وخرشف. فأمعن في ذلك وأفرط عليه الشبع. وربيَ في بطنه الطعام، وغشي عليه. فدعي له الطبيب، فعالجه بالقيء، حتى خفّ ما به، واستراح، وانصرف عنه الطبيب. فجعل يناديه: ما ترى يكون الغدي؟ فغضب الطبيب وقال له: حجارة الواد، فإن الطوب لا يقوم بك. وتوفي سنة خمس وأربعين وثلاثماية. أبان بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن دينار ابن واقد بن رجاء بن عامر بن مالك الغافقي، قرطبي. كنيته أبو محمد. وقيل أبو القاسم. وأصلهم من طليطلة. وقد تقدم في الطبقة الأولى من الاتباع، وبعدها ذكر نسبهم. ونباهة بيتهم، ورجالهم في العلم والجلالة بقرطبة وطليطلة. وذكرنا منهم عدة أئمة. وجماعة قضاة جلة. سمع أبان هذا من أبيه، وعبيد الله بن يحيى، وروى عنه ابناه، ومحمد بن عبد الله، وخالد بن سعد، ومحمد بن خليل، وابن أبي زمنين، وجماعة. توفي في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثماية. مولده سنة إحدى وثمانين ومايتين. يوسف بن سموال الزيات ﵀، قرطبي. أبو عمر. كان رجلًا ورعًا حافظًا للمذهب. وكان يفتي بالسّوق.

стр. 1057

أحمد بن محمد بن زياد ﵀، قرطبي، من بيت علم وجلالة، أبو القاسم. سمع عمه أحمد. وشوّور. قال ابن الفرضي: وكان متأخرًا في حفظه مطعونًا. أحمد بن محمد بن خلف بن أبي حجيرة قرطبي، يروي عن ابن خالد، ومحمد بن أيمن، وقاسم، وغيرهم. ورحل فسمع بمصر محمد بن جعفر بن أعيد وغيره. وكان زاهدًا متبتلًا، منقبضًا عالمًا. وتوفي ﵀ يوم السبت، لتسع بقين من جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وثلاثماية. وحسد صديقه أحمد بن عون الله في جنازته، فعاب الناس عليه ذلك. اليسع بن سعيد بن أصبغ الصدفي يعرف بالحجازي. قرطبي. أبو القاسم. أخذ عن أسلم القاضي. وابن أبي تمام، وابن فطيس الأبهر، وغيرهم. وكان يشاور في الأحكام. ذكره ابن الفرضي. عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم قرطبي. أبو محمد. ذكرنا أباه ونسبه، فيما تقدم. ويروي عن أسلم، وابن أبي تمام، وابن خالد، وابن أيمن، وعثمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن قاسم، وعبد الله بن يونس، وقاسم بن أصبغ، والخشني. وكان نبيلًا بالحديث ضابطًا لما رواه. بصيرًا

стр. 1058

بالإعراب جيّدَ الكتاب. ولي قضاء بجاية والبيرة، وأحكام الشرطة بقرطبة، الى أن مات. وكانت له من الحكم أمير المؤمنين مكانة. وكان الحكم يعظّمه، وألّف كتاب الطبقات فيمن روى عن مالك، واتباعهم من أهل الأمصار. وقد نقلنا منه الكثير في كتابنا هذا. توفي فجأة بقصر الزهراء، سنة إحدى وخمسين وثلاثماية. وكان قد أفلج قبل ذلك بعام. ثم استقل شيئًا. أخوه محمد أبو عبد الله، ﵀ سمع من رجال أخيه كلهم. وكان عالمًا فقيهًا زاهدًا، ورعًا عفيفًا جلدًا. قال ابن الفرضي: وكان ضابطًا متقنًا ثقة مأمونًا. قال محمد بن يحيى الجزار: كل أصحابنا كان له صبوة ما خلاه، فإني عرفته صغيرًا زاهدًا. وقال أبو محمد الباجي: من أراد أن ينظر الى رجل من أهل الجنة - إن شاء الله - فلينظر الى محمد بن أبي دليم. وكان يأبى من الاسماع. الى أن توفي أصحابه. فجلس قبل موته بثلاثة أعوام، فسمع منه عالم كثير، وكان صرورة لا يطأ النساء. ولم يتداو قط ولا احتجم. قال محمد بن يحيى: كان من خيار الناس، وعلمائهم. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم الواسع، والفضل البارع، معدودًا في النسّاك الصالحين. وكان هو وعبد الله بن المعيطي، أشهر الناس عدالة بقرطبة. وكان لا يرى أن يسمى طالب العلم فقيهًا حتى يكتهل، ويكمل سنه، ويقوى نظره، ويبرع في حفظ الرأي، ورواية الحديث وتبصره، ويميز طبقات رجاله، ويحكم عقد الوثائق، ويعرف عللها، ويطالع الاختلاف، ويعرف مذاهب العلماء، والتفسير،

стр. 1059

ومعاني القرآن. فحينئذ يستحق أن يسمى فقيهًا، وإلا فاسم الطلب أليق به. وكان نحيل الجسم ناسح الجلد، لا يتألم من عض البراغيث. ويعجب ممن يقلق منها. وكان كثير الصلاة والصيام، عابدًا مجتهدًا، وعمّر. مولده سنة ثمان وثمانين ومايتين. وتوفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثماية. قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن يسار مولى الوليد بن عبد الملك. تقدم ذكر أبيه وجلالة بيته في العلم بقرطبة. كنيته أبو محمد. وهو خاتمة بيته في العلم. سمع من أبيه ومن عبيد الله، والأعناقي، وطاهر، وابن لبابة، وابن خالد. وكان معتنيًا بحفظ رأي مالك وأصحابه. بصيرًا بالشروط، نافذًا فيها. ولي خطة الوثائق، وتصرف في قضاء استجه، وقُبْرة، وإشبيلية، وأحكام الشرطة بقرطبة. فلم يزل متقلدًا لقضاء هذه البلاد، مجموعة له، الى أن توفي. وكان محمودًا فيما تولاه. قال ابن عفيف: كان من أهل الفقه والشورى. وهذا الذي تولى الحكومة في أمر أبي البشر الزنديق. وتوفي فجأة، سنة ثلاث وخمسين وثلاثماية. أصابته سكتة فمات. معاوية بن سعد قرطبي. ﵀. أبو سفيان. سمع من ابن وضاح، وعبد الله، وابن الصفار، وصحبه. وكان فقيهًا في المسائل، حافظًا لها. توفي سنة أربع وعشرين وثلاثماية.

стр. 1060

هشام بن أحمد بن غانم بن خزيمة الغافقي قرطبي، أبو خالد. كان ولي الأحباس. أيام منذر القاضي. وكان فقيهًا مشاورًا متصرفًا في علم النحو والشعر، شاعرًا. توفي سنة تسع وخمسين وسنّه ثلاث وستون سنة. وقد كفّ بصره، قبل موته، بخمسة أعوام. يوسف بن عمروس المنيي قرطبي. نسب الى منْيَة عجب، جهة منها، سمع من ابن باز، وابن وضاح، وغيرهما. وكان رجلًا عابدًا، حافظًا للمذهب، مذهب مالك، وانقبض قبل موته، بسنتين. وكان يختَلف إليه، للسماع منه، في داره، رحمه الله تعالى. محمد بن يزيد بن رفاعة ﵀ أبو عبد الله من أهل البيرة. سمع بها من ابن فطيس، وأحمد بن عمرو، وابن منصور وهشام بن خالد، وبقرطبة من عبيد الله، وطاهر وغيرهما. وبالقيروان من محمد بن بسيل، وغيره. وكان حافظًا للغة بصيرًا بالعربية، متقدمًا فيها، وكان فيما قيل يصوم الدهر. كان مفتيًا ببلده. توفي سنة ثلاث أو أربع وأربعين وثلاثماية. ﵀. محمد بن أحمد بن لبيب البيري. سمع من عبد الله وابن خمير وطاهر، وشوّور ببلده. ﵀.

стр. 1061

أحمد بن علاء بن عمر بن نجيح، الخولاني البيري. سمع ببلده من حفص بن عمر، وابن منصور، وابن فطيس، وبقرطبة من طاهر، وابن خالد. أفتى ببلده، ﵀. محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن خير، الفزاري من أهل البيرة، سمع ببجاية، من فضل، وغيره. وكان معتنيًا بالمسائل، حسن الكلام فيها ﵀. حريش بن ابراهيم ﵀ وادياشي. أبو اليسع، سمع من فضل بن سلمة، وبقرطبة من رجالها. وكان مفتيًا بموضعه. ذكره ابن حارث ﵀. عبد الله بن أحمد ﵀ من كورة البيرة، من آل سعد بن معاذ. سمع ابن أيمن، وأحمد بن زياد، وعليه كان معوّل أهل الموضع في الفتيا، والعقود. عثمان بن سعيد بن كليب البيري. أبو سعيد. سمع ابن فطيس وغيره. وكان حافظًا للرأي، موصوفًا بالزهد. وليَ صلاة بلده. حدّث عنه أبو مفرج. وتوفي سنة أربعين أو إحدى وأربعين.

стр. 1062

سعيد بن عثمان بن منازل البيري، يعرف بابن الشقاق. ويكنى أبا عثمان. قاله ابن الفرضي. وذكره ابن أبي دليم وابن حارث، في أهل بجاية. سمع من فضل بن سلمة. وابن أبي خالد. ووهب وابن عمر، وابن فحلون. وبالبيرة من ابن منصور، وابن فطيس، وابن عمر، بل وبقرطبة من عبيد الله، وسعيد بن خمير، وطاهر وابن لبابة. وحدّث وكان فقيهًا مبرزًا، حافظًا عالمًا حسن السمت والهدى. قال ابن حارث: كان فقيهًا متقدمًا لا شغل له، إلا الدرس والمناظرة. كان هو وأحمد بن مناصح فقيهي بجاية. وكان وقورًا حسن الهدى، مجيبًا للناس. ولي قضاء بجاية في المحرم، سنة خمس وأربعين، وسنة سبع وسبعين. مولده سنة ثمان وستين. وابنه عثمان أبو سعيد سمع من فضل، وابن فطيس، وعثمان بن جرير، وابن أبي خالد. وتوفي بعد هذا سنة أربع وستين. أحمد بن واضح من أهل بجاية. أبو القاسم. يروي عن عبيد الله. وأخذ عن فضل بن سلمة. وكان حافظًا للفقه، بصيرًا بالمناظرة فيه، حسن الكلام في المذهب، أديبًا. ورحل مرات حاجًّا وتاجرًا. وتفقه على شيوخ القيروان. وشوّور ببلده، الى أن توفي. قال ابن حارث: كان جليسًا في المجالس بالقيروان، ونفسه ببجاية. ولم يكن له شغل إلا الدرس والمناظرة في

стр. 1063

بلده، مع ابن الشقاق. إلا أن ابن واضح أدرك من ابن الشقاق، في الفقه ظاهرًا وباطنًا. ﵀. أحمد بن جابر بن عبيدة بجاني، أبو القاسم. يروي عن عبيد الله بن يحيى، وفضل بن سلمة، وغيرهما. وكان مشاورًا في الأحكام. وولي الصلاة بموضعه. ﵀. عبد الملك بن سياخنح بجاني أبو مروان. صحب فضلًا، وتفقه عنده. وكان حافظًا للفقه، متصرفًا فيه، وفي العربية والعبادة. ورحل الى المشرق، فسمع فيها وناظر ذلك ابن حارث. ﵀. أحمد بن حفص بجاني، من أصحاب فضل، ومحمد بن يزيد بن أبي خالد، وأبي جعفر العربي. كان بصيرًا بالفتيا، ولم يكن بالضابط. محمد بن زيدان بجاني. قال ابن أبي دليم، ﵀: كان له حفظ وكلام حسن في المذهب، مع مروءة ومذهب جميل. ﵀.

стр. 1064

يوسف بن سليمان بن عبد الله بن وهب بن حبيب بن مطر المري يعرف بابن البسطي. أبو عمران. كان رجلًا صالحًا. صحب محمد بن أبي خالد وروى عنه، وشوّور. توفي قبل الثلاثين. أحمد بن عبد الله العبسي من أهل ريّة، كان فقيهًا عالمًا زاهدًا منقبضًا. كثير التلاوة والذكر والحفظ للمسائل، والنظر بالفرائض. وليَ الصلاة بموضعه. ﵀. أحمد بن عبد الله ﵀ المعروف بابن عمامة - وهي أمه - وكان فقيهًا حافظًا، ذكيًا. ﵀. محمد بن تمام ﵀ سمع من عبيد الله، وأبي صالح، وغيرهما. وكان فقيهًا فاضلًا ديّنًا ﵀. عزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عيسى، ابن عبد الواحد بن صبيح اللخمي مالقي، يكنى أبا هريرة. وصبيح: هو الداخل للأندلس مع موسى بن نصير. كان فقيهًا عالمًا، متفننًا بصيرًا بالمسائل، موثقًا. سمع من ابن رفده، وعلاء بن عيسى، وابن بدرون. ولقي بكر بن حمّاد. توفي سنة خمس وخمسين وثلاثماية. ﵀.

стр. 1065

محمد بن عبد الله بن طوف جياني، سمع ابن أيمن، وابن زياد، وغيرهما. وكان معتنيًا بالمسائل، وحفظها. مفتيًا بموضعه. وجمع كثيرًا من الحديث. رحمه الله تعالى. محمد بن موسى المعروف بابن أبي عمران. من أهل جيّان. سمع من معاذ، وابن أيمن، وكان مفتيًا بموضعه، ﵀. محمد بن نمير بن هارون، ﵀ المعروف بابن أبي خيثمة. جياني. سمع أحمد بن خالد، وأحمد بن بقي، وابن أيمن. وكان مفتي بلده، مع محمد بن يحيى بن أيوب. وكان الأغلب عليه الحديث. تقدم ذكر أبيه، ﵀. ابراهيم بن عبد الله بن صالح جياني، من أصحاب محمد بن أيمن، وأحمد بن زياد، وغيرهما. وكان مقدمًا بموضعه، معتنيًا بالفتيا. عبد الله بن ابراهيم بن خالد أرجوني، من عمل جيان، أبو محمد. كان فقيه موضعه. من أصحاب شعيب بن سهل.

стр. 1066

عبد الله بن حمدين جياني، من أصحاب ابن أيمن، وابن باز. كان مفتيًا بموضعه. ﵀. محمد بن حارث بن أبي سفيان جياني. قال خالد بن سعد. كان فقيهًا في الرأي، حافظًا للمسائل، على مذهب مالك وأصحابه، ﵃. حسان بن عبد الله بن حسان من أهل استجة. يكنى أبا علي. كان نبيلًا في الفقه، حافظًا للرأي. معتنيًا بالحديث والأثر. متفننًا في علم اللغة والإعراب، والفرض والحساب والعروض ومعاني الشعر، وقرضه. كان اسماعيل يثني عليه ويقول: لم يكن باستجة مثله قبله، ولا بعده. وكان يفتي بموضعه. فسمع من الأعناقي، وعبيد الله، وسعيد بن خمير، وسعد بن معاذ، وأبي عبيدة، صاحب القبلة، وأبي صالح وابن أبي تمام، وأسلم القاضي، وأحمد بن خالد، وموسى بن أزهر، ومحمد بن قاسم، وغيرهم. وحدّث. وسمع من اسماعيل بن إسحاق، وغيره. وتوفي في عشرة ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وهو ابن ست وخمسين سنة. ﵀. محمد بن عمر بن يوسف بن عمروس استجي. أبو عبد الله. سمع من أبيه وغيره. وكان معتنيًا بالفتيا، حافظًا للمسائل، حسن العقل. توفي ﵀، سنة ثمان وخمسين.

стр. 1067

محمد بن يعقوب بن عيسى المرادي استجي. أبو عبد الله. سمع من أبي صالح، وابن لبابة، وغيرهما. وكان ابن لبابة ﵁، يصفه بالفقه. عيسى بن خلف ابن أخت أبي أبينة أبو القاسم. إشبيلي. سمع بقرطبة من ابن لبابة، وبإشبيلية من خالد، وابن القون، وكان حسن المناظرة، فقيهًا حافظًا للمسائل، عالمًا بها. متقدمًا في الفتيا بموضعه. أثنى عليه أبو محمد الباجي، وكان جميل المذهب. توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثماية، أو نحوها. محمد بن سعيد بن جنادة الألهاني إشبيلي. له عناية وسماع من ابن لبابة، وغيره. وأفتى بموضعه. توفي سنة تسع وأربعين وثلاثماية. في شعبان منها. ﵀. خباب بن زكريا ﵀ من أهل بطليوس. وأصله من إشبيلية. يكنى بأبي القاسم. ورحل الى قرطبة زمن العطيبة، فسمع من شيوخها. وكان من أهل الفتيا والذكاء، فكِهًا مداعبًا. توفي ببلده، سنة إحدى وثلاثين وثلاثماية. ﵀.

стр. 1068

محمد بن ابراهيم بن إسحق بن عيسى بن أصبغ بن خالد بن يزيد باجي. روى عن ابن جنادة وابن القون وغيرهما. وكان فقيه حاضرته ومفتيهم، وخطيبهم نحو ثلاثين سنة. وتوفي سنة ثمان وعشرين، وهو ابن ست وستين. رحمه الله تعالى. ابنه ابراهيم بن محمد ﵀ أبو إسحاق. من أصحاب ابن لبابة، وأبي صالح، وابن خالد، وابن القون، وسمع غيرهم. وكان فقيهًا فصيحًا بليغًا شاعرًا، لغويًا نحويًا. وليَ صلاة بلده. وكان مفتيها. وتوفي صدر سنة خمسين وثلاثماية. وهو ابن ثلاث وستين سنة. وأخوه عبد الله بن محمد، ﵀ أبو محمد. روى بقرطبة عن ابن أيمن، وابن زياد، وقاسم. وكان مغتي بلده، وصاحب صلاته، بعد أخيه. موصوفًا بالورع والخير. توفي سنة تسع وستين، وهو ابن أربع وستين. وحقه أن يؤخر في الطبقة الأخرى. منذر بن الحسن بن عبيد الله بن عثمان بن أبي روح الكلاعي جزيري - من الجزيرة الخضراء - سمع بقرطبة من ابن لبابة، وابن خالد، ونظرائهما. ورحل فسمع من العقيلي، وابن الأعرابي، والكاروي، وابن رمضان، وابن الأنباري، وابن مجاهد وغيرهم بمصر والحجاز وبغداد، والشام والقيروان. وكانت رحلته نحو ثماني سنين. وانصرف

стр. 1069

فشووِّر ببلده. وتولى صلاته، وسمع منه يسير، إذ لم ينصب نفسه لذلك. وكان من أهل الفهم والورع والثقة. لم تحفظ عنه زلة. توفي ببلده، سنة خمس وثلاثين وثلاثماية. خلف بن عبد الله بن مخارق الخولاني من أهل الجزيرة الخضراء. سمع بها وببجاية، محمد بن بدرون. ورحل فسمع ابن المنذر وغيره. وكان مفتيًا ببلده، مشاورًا. صاحب صلاتهم. ثم لزم سكنى قرطبة. يوسف بن حطان بن سليمان بن خالد جزيري. سمع ببلده، من ابن بدرون، وابن حكم، ومحمد بن عبد الوهاب بن ناصح، وغيره. وكان فقيهًا فاضلًا. وليَ صلاة بلده، أربعين سنة. وتوفي ﵀، سنة اثنيتن وعشرين وثلاثماية. أحمد بن عيسى المعافري من أهل الجزيرة الخضراء. كان فقيهًا متفننًا، ذكره ابن حارث. رحمهما الله. وهب بن مسرة بن مفرج بن حكم التميمي الحجازي أبو الحزم. سمع بقرطبة من ابن وضاح، وعبد الله بن أحمد بن ابراهيم الفرضي، والأعناقي، وابن معاذ، وأبي صالح، وأسلم، وابن الوليد، وابن

стр. 1070

أبي تمام، ومحمد بن عمر بن لبابة، وطاهر بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، وابن أيمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ، وابن الخشني. وببلده من أبي وهب بن أبي نخيلة، ومحمد بن عذرة، وعلي بن الحسن، وابن حيون. وكان حافظًا للفقه بصيرًا به، وبالحديث واللغة، بصيرًا حسنًا ضابطًا لكتبه، مع ورع وفضل، ودارت عليه الفتيا بموضعه، وله أوضاع حسنة. واستُقدم بكتبه الى قرطبة، وأُخرجت إليه أصول ابن وضاح، التي سمع فيها، فسمعت عليه، وسمع عليه عالم عظيم. قال الحجازي: كان إمامًا حافظًا للفقه، ثقة مأمونًا. وإليه كانت الرحلة في حياته. ثم انصرف الى بلده. حدث عنه أبو محمد القلعي، وأثنى عليه. وحدث عنه غير واحد، وممن حدث عنه من أهل بلدنا وأكثر عنه: أبو عبد الله محمد بن علي، المعروف بابن الشيخ، راوية بلدنا وفاضله، وبلغني أن عبد الرحيم بن العجوز وأباه أحمد، حدثا عنه، وذكره ابن حارث فقال: كان يتكلم في الحديث وعلله، وكان خيّرًا فاضلًا، وله كتاب في السنة، وإثبات القدر والرواية والقرآن. وتوفي ببلده، منتصف شعبان سنة ست وأربعين. وقال ابن أبي دليم: سنة أربع وأربعين. وقد قارب الثمانين. وقال غيره: ست وثمانين وستة أشهر. مولده سنة ست وسبعين ومايتين. ﵀. أبو عبد الله الفهري، ﵀ فقيه طليطلة. ذكره ابن حارث وقال: لقيته، وكان شيخًا عليه جلالة السنّ، وسمت العلم، ووقاره وهديه. وفاوضته، فأفضيت منه الى علم كامل، وثقة ظاهرة، ومذاهب مستحسنة.

стр. 1071

عبد الله بن حسين ﵀ المعروف بابن السندي. أبو محمد. مولى عبد الله بن المفلس، مولى بني فهر. ولزم هذا اللقب جده، لشبه رأسه بالبطيخة السندية. قاله ابن حارث، هو من أهل وشقة. سمع بقرطبة كثيرًا، ورحل فسمع من يحيى بن عمر بالقيروان. حدث عنه يحيى بن عائذ، وأبو عبد الله بن الأبار، وكان عظيم الوجاهة في بلده. ولي قضاءه. قال ابن أبي دليم: وكان حافظًا للمذهب بصيرًا بالشروط، حدّث وسُمع منه، وقرئ عليه. قال أبو الوليد الباجي فيه: فقيه مشهور. قال ابن حارث: كان معدودًا في وجوه أهل العلم. غلب عليه الكبر والزهو وشدة العصبية بالمولّدين، والتنقص بالعرب، والحفظ لمثالبها، ومناقب الموالي. قال: وكان لا يرد سلامًا على أحد، ولا يبتدئه به. وأتاه يومًا رجل - سمّاه - فقال له: إن لي أعداء أكره أن أسلم عليهم أو أرد سلامهم، فهل تعرف لي رخصة لترك ذلك؟ قال: لا. قال: فما بالك تجوز بين فلا تسلم علي، وأسلم عليك فما ترد علي؟ قال: طبع فُطِرت عليه. قال: هذا والله طبع سوء، وإني لمحتاج الى تركه. وكانت له حُظوة عظيمة من أمراء الثغر، وكان الناصر يشاوره في أمور الثغر، وولاه قضاء وشقة وبوسر ولاردة. واكتسب أموالًا عظيمة. قال: وكان خارجًا في جميع مذاهبه، من طبقة أهل العلم. وكان كثير الصدقات، ولم يزل قاضيًا الى أن توفي، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن خمس وثمانين سنة، ﵀. محمد بن دلف أبو عبد الله. ﵀. مولى ابن عمروس، صاحب وشقة. كان

стр. 1072

أبو عبد الله من أهل العلم والفصاحة والحفظ لمعاني القرآن وتفاسيره. وكان من العباد والمجتهدين، حج وانصرف، فلزم السياحة والتبتل نحو عشرين عامًا ثم أخذ يجلس للناس يعلمهم ويفتيهم ويحدثهم. توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. طيب بن محمد بن هارون بن عبد الرحمن بن الفضل بن عبيدة الكناني العتقي تدميري. من أهل بيت علم وشرف شهير، يعرفون ببني عميرة بمرسية. ذكرنا منهم في الطبقات المتقدمة علماء عدة، من سلفه. يكنى بأبي القاسم. أخذ عن الصباح بن عبد الرحمن، وعن أبيه، وعن فضل بن سلمة، ويحيى بن عون، وحماس بن مروان، قاضي القيروان. توفي بالأندلس، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ﵀. عبد الله بن مسعود ﵀. من أهل مرسية. فقيه، مستفتى ببلده، مع أبي حفص بن عمر، وأبي الأسود، إلا أنه كان دونهما في السنّ. سمع من عمر ووهب بن مسرة. قاله ابن الفرضي، ﵀. عريف مولى ليث بن فضل لورفي. أبو المطرف. سمع من فضل، وتفقه عنده. وفي البيرة من ابن فطيس كثيرًا. وكان حافظًا للفقه، بصيرًا في الفتيا، جامعًا للعلم، بلغ مبلغ الشورى في موضعه، وعليه كان معولهم في وقته.

стр. 1073

وعاجلته منيته قبل اكتهاله، بصاعقة قتلته، سنة ثمان وعشرين. وكان طويل اللحية. محمد بن عبد السلام قرشي. ﵀. سمع من الأعناقي وابن لبابة. وكان حافظًا للفقه، والوثائق، مفتيًا في موضعه، ﵀. وهب بن محمد بن محمود بن اسماعيل أبو الخرشدوني. قال أبو عبد الله الحميدي: هو فقيه محدث. روى عن قاسم بن أصبغ. روى عنه ابن عبد البر، وكان متصدرًا يفتي الناس بجامع قرطبة. ويقال له: المفتي. ﵀. عبد الله بن يوسف البلّوطي شذوني. أبو محمد. أخذ المدوّنة عن ابن رزين. وسمع من قاسم بن أصبغ. وكان مشاورًا بقَلسانة. ﵀. هارون بن عتّاب بن بشير بن عبد الرحمن بن الحارث بن سهل، الوقاعي الغافقي. شذوني. يكنى أبا موسى. وجده الحارث بن سهل. هو الداخل الى الأندلس، وأبوه أبو ثابت عتاب من أهل العلم. سمع بقرطبة من ابن وضاح، وابن مطروح، ومالك القطني. وعمّر الى أن أتت عليه ست وتسعون سنة. وكانت وفاته سبع أو ثمان وتسعين ومائتين. روى هارون

стр. 1074

عن أبيه، وابن وضاح، وكان ختنه، وعني بمذهب مالك، وحفظ كتاب المدونة حفظًا بارعًا. وكان فقيه قلسانه، في وقته. وتوفي بها سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وسيأتي ذكر ابنه، إن شاء الله تعالى. هشام بن محمد بن أبي رزين شذوني. ويكنى بأبي رزين، بربري. كان مفتي بلده. وما والاه. بعيد الصوت معظمًا فيه. روى عن محمد بن جنادة. سمع منه يوسف بن سليمان، وجماعة. وكان يرحل إليه للسماع منه. وكان حافظًا للمسائل، من أهل الحديث، وعمّر حتى أسنّ، وتوفي، ﵀، سنة ثلاث وثلاثين. علي بن عيسى بن عبيد التجيبي طليطلي. أبو الحسن. أخذ بقرطبة عن عبيد الله بن يحيى، وسعيد بن عثمان، وأحمد بن خالد ونظرائهم. وبطليطلة عن وسيم بن سعدون وغيره. وكان فقيهًا عالمًا، وله مختصر مشهور ينتفع به، روى عنه ابن مدراج وشكور بن حبيب. وانتقدت عليه فيه مسائل، وهي صحيحة جيدة، جارية في الأصول، وإن خالفه فيها غيره، ونال بعض الفقهاء من حفظه، فهو فقيه قرية. فقال ابن مغيث: لو كانت مصر لمن أتقن حفظه، يريد التفقه في أصوله. قال أبو الأصبغ بن سهل: سألت ابن عتاب عنه، فقال: كان من أهل العلم، ثم احتججت بعد ذلك

стр. 1075

عليه، في مسألة جرت بيني وبينه، بما في مختصر ابن عبيد، فقال غير الكلام الأول. قال ابن طاهر: كان عبيد فقيهًا عالمًا ثقة زاهدًا ورعًا مجاب الدعوة محسنًا في تعليمه قانعًا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. حتى استثقله أهل طليطلة. فانحاز عنهم، الى قرية كان له بها جنة، يحفرها ويعتملها بيده. ويقوم منها حاله. وكان الطلبة ينهضون إليه، بها. فيأخذون عنه، وبلغه رغبة الحكم المستنصر في استجلابه، ففر عن موضعه. وكان ابن النجاء يقول: يا أهل طليطلة، كتابان جازا قنطرتكم، وتلقاهما الناس: تفسير يحيى بن مزين، ومختصر ابن عبيد. وسأله رجل أن يكتب له الى قائد طليرة في رد مال غصبه له. فكتب إليه: من علي بن عيسى، الى الظالم يحيى، رد على الرجل ماله، واتق الله، وإياك ودعوة المظلوم، فليس بينها وبين الله حجاب. فقال الرجل: لست أحمل هذا الكتاب أبدًا. فبلغ ذلك العامل، فردّ مظلمته. محمد بن عبد الله بن عيشون طليطلي، أبو عبد الله. قال ابن الفرضي: كان فقيهًا حافظًا للمسائل. سمع بطليطلة من وسيم بن سعدون، ووهب بن عيسى، وبقرطبة، من ابن خالد وابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم. ورحل الى المشرق، فلقي جماعة من المحدّثين، منهم أبو يزيد معمر الوداني، وروى عنه عن أبي المصعب، موطأه، ورأس بالعلم وشهر به. وحُمل عنه. روى عنه أبو محمد بن ديمن الطليطلي. ومحمد بن ابراهيم، وعبدوس الطليطلي. وتكلم فيه أبو عمران الفاسي، ومسلمة بن قاسم.

стр. 1076

قال أبو عمران، وقال مسلمة: أخذ كتب ابن قادم القروي الحنفي، ونسبها الى نفسه، وحملت عنه. وحدث بطرابلس عن ابن الأعرابي، بتاريخ ابن معين ولم يسمعه. وقال أبو محمد بن قون: كان ابن عيشون، فقيه عصره، من الحفاظ. كذلك قال لي وهب بن مسرة. وهو مشهور. وألف حديث مالك. قال ابن طاهر: كان محمد بن عيشون، عالمًا متقدمًا فقيهًا حافظًا لمذهب مالك، عالمًا بالفتيا من أهل الصلاح والخير. متقللًا من الدنيا، ثقة. ألف مسندًا في الحديث، وكتاب الإملاق، واختصر المدونة. إلا الكتب المختلطة منها. وكان يقول الشعر. وكان أُسر وافتدى، وأطلقه النصراني، الذي كان عنده، ليجمع فداه مع موكل به. فعرض أمره على أهل طليطلة، فلم يجتمع له فداه. وعزم على الرجوع الى مولاه النصراني، إذ كان عاهده على ذلك. وقيل له اقصد رجلًا كان بينه وبينه شيء، فامتنع. ثم أدته الحال الى ذلك. فدفع إليه فديته، وقبضها الموكل. وأنشد من شعره: حلفت على أن لا أردّ هدية … ولا أنفع المهدى بشيء مدى الدهر إذا ما صديق جاءني بهدية … قبلت وعجّلت المثوبة بالشّكر وإن جاء يومًا آخرٌ بهدية … لحاجته كانت أضرّ من الكفر هدية من يهدي إليك لحاجة … حرام وسحْتٌ والهدية كالسحر وإيّاكَها واقبل نصيحة ناصح … فما لك من بعد النصيحة من عذر وهو القائل ﵀: إذا أتت الهدية دار قوم … تطايرت الأمانة من كواها وقال أيضًا ﵀: إن خانني أملي ما خانني أجلي … كذا يقطّع آمالَ الغنى الأجلُ

стр. 1077

يا من يؤمل آمالًا ليبلغها … هيهات موتُك يأتي قبلُ يا رجل إن كنتَ في غفلة عما يراد بنا … فسَلْ هُديت عن الإباء ما فعلوا وتوفي ﵀ بحاضرة طليطلة، صدر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ومن أهل طليطلة أيضًا رجل آخر من أهل العلم والرواية والفقه هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن سعد بن عيشون يروي عن أبيه، وقاسم بن أصبغ، وغيره من القرطبيين. وسمع من شيوخ بلده، وسمع بمكة ومصر والشام والقيروان من الأعرابي، وأبي الحسن الجلاّ، والخزاعي، والقشيري، وأبي مروان المالكي، وغيرهم. وحدث بكثير. وذكر بمصر رواية العتبي، عن ابن القاسم، فيمن أحدث أثر صلاته، بعد التشهد. فتمادى من رواه، أن صلاتهم مجزية. فأنكرت عليه وضرب. روى عنه أبو الأصبغ الحوصي. وابن أبي دُليم، وابن الفرضي، وغيرهما. قال فيه ابن طاهر: إنه كان فقيهًا حافظًا للمذهب ممّن استُقضي ببلده. وذكر أنه كانت فيه خفة. وقال أبو الوليد القاضي الباجي، وذكره: الفقيه أبو عبد الله، هذا الشيخ. وذكره ابن الفرضي، في كتابه. وتوفي بعد هذا في رجب سنة سبعين وثلاثماية. مولده، ﵀، سنة عشر وثلاثماية. فربما اشتبها على من لم يحققهما. محمد بن وسيم بن سعدون طليطلي. أبو بكر. سمع من أبيه، وغيره من شيوخ بلده. وبقرطبة

стр. 1078

من ابن خالد، وابن أيمن، وقاسم بن أصبغ. وكان أعمى. بصيرًا بالحديث، حافظًا للفقه، له حظ من العلم باللغة، والنحو والشعر، والتفسير، والفرائض والحساب، والعبارة. شاعرًا ذكيًا. وكانوا يرون ما فيه من الذكاء ببركة دعاء أبيه. وكان صالحًا. وقد تقدم ذكره. وقيل لما عمي بعد مولده، بيسير، جمع أبوه أهل الصلاح والزهد وصلوا الليل كله. فلما أصبح أحضر هذا المولود فدعوا له أن يجعل الله نور بصره في قلبه. فأجيبت دعوتهم. وكان رأسًا في كل فن متقدمًا فيه، من أهل الظرف والأدب، وعلا ذكره، وتقدم في الفتيا. وكان رأسًا فيها. وله كتاب في الناسخ والمنسوخ. ودخل عليه وهو في النزع بعض أصحابه، فناداه فلم يجبه. فقال الآخر: وحِيل بينهُم وبينَ ما يشتهون. فقال له أبو بكر حين ذلك: نزلت في الكفار وقتها. إنهم كانوا في شكٍ مريب. توفي في ذي الحجة، سنة اثنتين وخمسين وثلاثماية. ومن شعره: خذ من شبابك قبل الموت والهرم … وبادر التوب قبل الفَوت والندم واعلم بأنك مجزي ومرتهن … وراقب الله واحذر زلة القدم فليس بعد حلول الموت معتبة … إلا الرجاء وعفو الله ذي الكرم فإن ربك ذو عفو ومغفرة … وذو عقاب شديد مؤلم الألم فاضرع الى الله وارغب في تجاوزه … عم ارتكبت من الآثام والحرم فإن عفا فبأفضال ومرحمة … وإن يعاقب فمن عدل ومن نقم فاغفر إلهي زلاتي وما اجترحتْ … كفّاي يا منتهى الإفضال والكرم محمد بن سحنون الأنصاري. طليطلي. أبو عبد الله. كان فقيهًا زاهدًا ورعًا عاقلًا حافظًا

стр. 1079

للمسائل. سمع من عمه ابن أرفع رأسه، وهبة الله بن يحيى، ومن وسيم ونظرائهم. وسمع منه وروى عنه عبدوس، وعبد الرحمن بن عبيد الله، وغيرهما. ذكر أنه مستظهر المدوّنة، وكتبها في اللوح، وحفظها كما يحفظ القرآن، ولم يكن يخلط بها غيرها. وقصده الحكم أمير المؤمنين متبركًا بدعائه. ﵀. محمد بن رباح بن صاعد الأموي طليطلي. أبو عبد الله. سمع وهب بن عيسى وغيره. وكان موصوفًا بصلاح وفضل، وعناية بالعلم والرواية له، والحفظ لمذهب مالك. واستفتي ببلده، وله في المدونة اختصار - وكان مشهورًا بطليطلة - يدرّسه بها. وكان حماس بن محمد يثني عليه ويفضله. وتوفي لخمس خلون لجمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. معطي بن أحمد من كورة بلنسية. أبو الفتح. سمع بقرطبة، من ابن أيمن، وابن خالد، وعبد الله بن يوسف، وقاسم بن أصبغ. وكان حافظًا للمسائل. قرئ عليه، وحمل عنه. توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. محمد بن حضر من أهل بلنسية. أخذ عن أهل بلده، ورحل الى القيروان، فسمع من مشائخها، وتفقه عندهم، وصحب ابن حارث هناك، وانصرف الى بلده. قال ابن حارث: وكان عالمًا فقيهًا نبيهًا نبيلًا، أجاد الفهم، ذكي الإدراك،

стр. 1080

وعليه وعلى جحاف كان مدار الفتيا في بلده، في وقتهما. توفي أول سنة إحدى وخمسين وثلاثماية، آخر السنة قبلها. جحّاف بن يمن كبير بلنسية. وذو البيت النبيه فيها في العلم والجلالة الى وقتنا هذا. يكنى بأبي جعفر. كان مذكورًا بالفقه، موصوفًا بالعلم، وليَ قضاء بلده، وعليه كان مدار فتواه. أثنى عليه ابن حارث. واستشهد ﵀ في غزاة الخندق. سنة سبع وعشرين وثلاثماية وهو على قضائه، وابنه عبد الرحمن. ذكر ابن حارث: أنه ولي قضاء بلنسية صدر أيام المستنصر وابنه، أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن جحاف، وليَ قضاء بلده بعد العامرية، ومن بعدهم. وسنذكره إن شاء الله تعالى في طبقته، بعد هذا. وبالله سبحانه التوفيق.

стр. 1081

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الفقيه القاضي، الإمام أبو الفضل عياض، ﵁، ثم انتهى المذهب الى طائفة أخرى، بعد هذه. ﵏. فمنهم من أهل الحجاز: أبو إسحاق بن ابراهيم بن محمد الدينوري نزل مكة، ولزمها. حدث عن أبي بكر بن الجهم، وابراهيم بن حماد، وأبي بكر بن داود، وعبد الله بن وهب الدينوري، وابن صاعد، وأبي الحسن النهاوندي، واليعقوبي. وكان فقيهًا مالكيًا. حدث عنه أبو ذر الهروي، وأبو عبد الله بن الحداد، وعبدوس بن محمد، وأبو بكر الصقلي، وأبو عمر بن سعدي، ومحرز العابد، وأبو بكر الخولاني، وغيرهم. وكان عنده حديث. قال أبو عبد الله بن الحداد لقيته بمكة، سنة اثنتين وسبعين وثلاثماية، وتركته حيًا. قد نيّف على الثمانين سنة. وكان فقيهًا ورعًا منقبضًا، خيرًا من جلة العلماء. وذكره أبو ذر في معجمه، وقال: ثقة. ﵀.

стр. 1082

أبو القاسم محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن سكن مكة. روى عنه جملة من الناس، من الراحلين، وغيرهم. قال أبو الحسين بن مصلح الحجازي: كان رجلًا صالحًا، من سكان مكة، يذهب مذهب مالك. سألت عنه شيوخ مكة فأثنوا عليه خيرًا. يروي عن الفضل بن محمد الجندي، ومحمد بن صالح بن موسى الآجري، ﵀. حدّث عنه أبو الحسن بن جهضم الهمداني، وأبو الحسن القابسي، وابن مصلح الأندلسي. ﵃ أجمعين. أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المؤمن مكي، من المتكلمين على مذهب أهل السنة. ودخل العراق، فأخذ بها عن أبي عبد الله بن مجاهد البصري، وغيره. وسكن آخرًا بالقيروان. وصحب أبا محمد بن أبي زيد، وغيره من أئمتها، وناظرهم، وذاكروه، وأثنوا عليه وأخذوا عنه. وله بها أخبار معروفة. ومن أهل القيروان. ثم من آل حماد بن زيد. وهو آخر من روي عنه العلم منهم، فيما علمت وانتهى إليّ. أحمد بن أبي يعلى ويكنى بأبي علي. وهو أحمد بن عبد الوهاب بن الحسين بن يوسف بن يعقوب بن اسماعيل بن حماد بن زيد البصري. ونزل مصر وسمع من عمه القاضي أبي الحسن، عبد الصمد بن الحسين، ومن شيوخ آله، وعن أبي الحسن علي بن ابراهيم بن حماد، وأبي الطيب أحمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن البغدادي، وأبي إسحاق بن عبد الصمد الهاشمي، وأبي الحسن علي بن أحمد

стр. 1083

البغدادي، وابن داسة. وروى عنه أبو عمران بن سعد، وأبو عمر الطلمنكي وأبو عمر بن عبد الله الباجي، وابنه أبو عبد الله. وألف كتاب اللقطة، وكتاب الحجة في القبلة، وكتابًا في الرد على الشافعي. وحدث بتصانيف القاضي اسماعيل. أبو جميل البصري ﵀. ذكره القاضي أبو بكر بن الطيب. قال: كان بالبصرة رجل من الفقهاء على مذهب مالك بن أنس، من آل حماد بن زيد، يعرف بابن جميل. قال القاضي أبو بكر: وكان يحب كلام الحارث بن أسد المحاسبي. فذكر عنه أنه اجتمع عنده للحارث نحو أربعمائة مصنف بين صغير وكبير. قال القاضي ﵀: لا حقيقة عندي، من ضبط اسم هذا الرجل. إذ لم أروِه، ولا وجدته بخط من أعول عليه. ولا حقيقة عندي من تصحيح طبقته. أهو من هذه أو من التي قبلها أو من غيرهم؟ أبو بكر الأبهري ﵀. هو محمد بن عبد الله بن صالح بن عمر بن حفص بن عمر بن مصعب بن الزبير بن كعب بن زيد بن مناة بن تميم. قال أبو بكر الخطيب في تاريخه: أبو بكر الفقيه الأبهري سكن بغداد، وحدث بها عن أبي عروبة الحراني، ومحمد بن الباغندي، ومحمد بن الحسين الأشناني، وعبد الله بن زيدان الكوفي، وابن أبي داود، وخلق سواهم من البغداديين والغرباء. قال القاضي ﵁: وقد سمع أيضًا من عبيد الله بن الحسن الأنطاكي الصابوني، وأبي بكر بن الجهم الوراق، وأحمد بن مروان الخيّاش، وابن داسة، واللغوي، وابن زيد المروزي. ورأيت سماعه بخط

стр. 1084

الأصيلي في كتابه، من صحيح البخاري، ومن مجلد ابن سفهود، وغيرهم من العراقيين والشاميي. قال الأصيلي: وله التصانيف في شرح مذهب مالك، ﵁، والاحتجاج له، والرد على من خالفه. وكان إمام أصحابه في وقته. حدث عنه ابراهيم بن مخلد، وابنه إسحاق بن ابراهيم، والبرقاني، وأحمد بن علي، ومحمد بن المؤمل الأنباري، وعلي بن محمد بن الحسن الحربي المالكي، والقاضي أبو القاسم التنوخي، والحسن بن علي الجوهري، وغيرهم. وحدث عنه أيضًا: أبو بكر الحسن الدارقطني، والقاضي الباقلاني، وابن فارس المقري، وأبو محمد بن نصر القاضي. ومن أهل الأندلس: أبو عبيد الحيوني، والأصيلي، وأبو محمد القلعي، وأبو القاسم الزهري، واستجازه أبو محمد بن أبي زيد، ﵁. وذكره ابن أبي الفوارس فقال: كان ثقة أمينًا مشهورًا. وانتهت إليه الرئاسة في مذهب مالك. قال الشيرازي: تفقه ببغداد على القاضي أبي عمر، وابنه أبي الحسين. وقد أخذ أيضًا، عن القاضي أبي الفرج، وأبي بكر بن الجهم، والطيالسي، وابن المنتاب، وابن بكير. قال الشيرازي: وجمع بين القرآن وعلو الإسناد والفقه الجيد، وشرح المختصر الصغير، والكبير لابن عبد الحكم. وانتشر عنه مذهب مالك في البلاد. قال ابن مفرج القيسي: كان القيم برأي مالك بالعراق، في وقته. قال أبو بكر الخطيب: قال القاضي أبو العلاء الواسطي: كان أبو بكر الأبهري، معظمًا عند علماء سائر وقته، لا يشهد محضرًا إلا كان هو المقدم فيه، وإذا جلس قاضي القضاة المعروف بابن أم شيبان، الهاشمي، أقعده عن يمينه، والخلق كلهم،

стр. 1085

من القضاة والشهود، والفقهاء وغيرهم، دونه. وذكر أبو القاسم الوهراني أبا بكر الأبهري، في جزء أملاه من أخباره. قال: كان رجلًا صالحًا خيرًا، ورعًا، عاقلًا، نبيهًا فقيهًا عالمًا. ما كان ببغداد أجلّ منه. لقد كنا نخرج معه من الجامع فيتلقانا محمد القاضي: ابن معروف الحنفي، وهو راكب مع الشهود، وكان ربما حكم في جامع المنصور. فإذا رأى الشيخ الأبهري، ترجل له وسلم عليه. فإن تمكن من يده قبّلها، وإلا قبّل منكبه ورأسه، ويفعل الشهود أجمع، ذلك. ويمشي القاضي راجلًا، وهم معه رجالًا. حتى يصلوا الى باب السكة التي كان يسكنها. فيقسم عليه الشيخ فينصرف القاضي والشهود من هنالك. قال: ولم يعطَ أحد من العلم والرئاسة فيه، ما أعطي الأبهري في عصره، من الموافقين والمخالفين. لقد رأيت أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، إذا اختلفوا في أقوال أئمتهم، يسألونه، فيرجعون الى قوله. وكان يحفظ أقوال الفقهاء حفظًا مشبعًا. وكان أبو إسحاق الطبري - من أصحابنا وحفاظ الحديث - يجالسه، ويسأله عن أحاديث كثيرة. فيقول له من قطع حديث كذا؟ ومن وقف حديث كذا؟ ومن وصله؟ فيجيبه. وكان الموافقون والمخالفون يقولون بفضله. قال: وسمعته يقول: كتبت بخطي المبسوط والأحكام لاسماعيل. وأسمعت ابن القاسم وأشهب، وابن وهب وموطأ مالك، وموطأ ابن وهب. ومن كتب الفقه والحديث نحو ثلاثة آلاف جزء بخطي. ولم يكن قط لي شغل إلا العلم. ولي في هذا الجامع - يعني جامع المنصور ببغداد - ستون سنة أدرّس الناس وأفتيهم، وأعلمهم سنن نبيّهم ﷺ . قال غيره عنه: قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة. والأسدية خمسًا وسبعين مرة. والموطأ خمسًا وأربعين مرة. ومختصر البرني سبعين مرة. قال الوهراني: وما رأيت من الشيوخ أسخى منه. ولا أشد مؤاساة لطلبة

стр. 1086

العلم. ومن يرد عليه من الغرباء يعطيهم الدراهم، ويكسوهم. وكان لا يخلي جيبه من كيس، فيه مال. فكل من يرد عليه من الفقراء يغرف له غرفة بلا وزن. ولقد سألته عن سبب عيشه، أولًا. فقال: كان رؤساء بغداد، لا يموت أحد منهم إلا وصّى لي من ماله. ولو كنت ممن يريد الجمع، لكان معي فوق الثلاثين ألف مثقال. وكان يومًا جالسًا إذ جاء القاضي أبو إسحاق المروزي. فلما دخل عليه تبسّم في وجهه. ثم قال: يا بغيض، ما أكثر انقباضك عن أصدقائك وإخوانك، ما تزور أحدًا منهم، ولا تعرف خبرهم. قد مات صديقك فلان المالكي، وأوصى لك بثلاثماية دينار، وأسند النظر في وصيته إليّ، وهذه قد حضرت. وأتيتك فأقبلها وأصرفها في مصالحك، فجزاه الأبهري خيرًا. وقال له: أنا في غنى عنها الآن، ورغب إليه في تصريفها ممن يستحفظها ليقع أجر موصيها على الله. فقال له القاضي: ما أكثرك محلل، وإني بك عن هذا. فقال له: إخواني كثيرًا ما يعتقدوني، وعرض عليه ثلاثة أكياس في أحدهما قطع، وفي الآخر دراهم صحاح، وفي الثالث رباعيات، ومثاقل ذهب، وأراه ما فيها، وقال: أنا أبيّن لك أني لم أقل هذا مجملًا. وإذا أنا مت ووجد هذا عندي، فأي منزلة تكون لي؟ ورغب الى القاضي في تفريقها على أهل الحاجة. فبكى القاضي، وقال: جزاك الله عن نفسك خيرًا. وكان الأبهري أحد أئمة أهل القرآن، والمتصدرين لذلك، العارفين بوجوه القرآن، وتحرير التلاوة. وقد ذكره أبو عمر الداني في طبقات المقرئين، وتفقه على أبي بكر الأبهري عدد كثير، وخرج له جملة الأئمة بأقطار الأرض من العراق وخراسان، والحجاز ومصر، وإفريقية. كأبي جعفر الأبهري، وأبي سعيد القزويني، وأبي القاسم الجلاب، وأبي الحسن بن القصار،

стр. 1087

وأبي عمر بن سعد الأندلسي، نزيل المهدية. وابن عباس البغدادي. وأبي تمام، وابن خويرمنداد البصري، وأبي محمد الأصيلي، وأبي عبيد الحيوني، وأبي محمد القلعي، وغير واحد. ولم ينجب أحد من الأصحاب بعد اسماعيل القاضي، ما أنجب أبو بكر الأبهري، كما أنه لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار، إلا سحنون بن سعيد في طبقته. بل هو أكثر الجمع أصحابًا، وأفضلهم أتباعًا. وأنجحهم طلابًا. ثم أبو محمد بن أبي زيد ﵁ في هذه الطبقة أيضًا. غفر الله لجميعهم. ونفعهم بعلمهم. لكن أصحاب أبي بكر، العراقيين، تتابعوا بعد موته، فلم تطل أعمارهم بعد، ولأبي بكر من التواليف، سوى شرحي المختصرين. كتاب الرد على المزني. وكتاب الأصول. وكتاب إجماع أهل المدينة. ومسألة إثبات حكم الغابة. وكتاب فضل المدينة على مكة. ومسأل الجواد والدلائل، والملل. ومن حديثه كتاب العوالي، وكتاب الأمالي. وكان شرح المختصر الصغير، سنة تسع وعشرين وثلاثماية. وشرح الكبير، سنة أربعين. وفيهما نحو عشرين ألف مسألة. بقية أخباره ﵁ قال أبو بكر الخطيب: سئل الأبهري، أن يلي القضاء ببغداد، فامتنع. فاستشير فيمن يصلح لذلك، فأشار بأبي بكر الرازي. وكان حال الرازي يزيد على حال الرهبان، في العبادة. وكان حنفي المذهب. فامتنع وأشار بالأبهري. فلما لم يجب واحد منهما الى القضاء، وليَ غيرهما. وبعد موت الأبهري، وكبار أصحابه لتلاحقهم. وخروج القضاء عنهم الى غيرهم من مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. ضعف مذهب مالك بالعراق. وقل طلبه

стр. 1088

لاتباع الناس أهل الرائاسة، والظهور. وقال الهمداني: لما دخل عضد الدولة بغداد وأتابها، استقبله جميع أهلها، وجميع أهل الرئاسة والعلم إلا الأبهري. فسأل عنه، وأرسل إليه رسوله بألفي درهم، وقال له: يقول لك الملك تفرق هذه الدراهم في أصحابك، ويقول لك: إنه لم يبق من أهل العلم ببغداد، من لم يأته سواك. فقال له الأبهري: أصلح الله الملك، أنا شيخ كبير السن، ضعيف البصر. وزوّج عضد الدولة ابنه، من بنت بعض ملوك الديلم، وأحضر جميع أهل بغداد وقضاتها، فلم يرَ الأبهري فيهم. فوجه إليه بعض وزرائه، يعزم عليه في حضور مجلسه، وإن احتاج الى محفة حمل فيها. فوصل إليه، فأخبره بعزيمة الملك، وأحضر له بغلة ومحفة يجلس فيها، ويحمل فيها إن لم يقدر يركب. فلما رأى العزيمة خرج متوكئًا على علي بن عمر بن القصار، وعبيد الله بن الحسن بن الجلاب، كبيري أصحابه، حتى أتى الدجلة والوزير يمشي بين يديه، يقرب إليه مركب، فعدل عنه الأبهري الى سمارية ركبها مع صاحبيه، ووصل القصر، فوجده محتفلًا، فجلس حيث انتهى به المجلس. فلما رأى الملك وزيره الموجه فيه، سأله، فأعلمه بوصوله، فقال له: قرّبه. فقرّبه، والملك وجميع الناس قيام إلا شيخًا من ملوك الديلم جالسًا بين يدي الملك. فأمر الملك الأبهري بالجلوس مع الشيخ. وقرئ كتاب الصداق، وأمر الملك بوضعه في كتاب الأبهري والشهادة فيه، ثم كتب الناس بعده. فلما تمت الشهادات أدخل الناس الى مجالس الطعام. قال الأبهري: فوجدت فرصة الى النهوض، فسلمت على الملك وانصرفت، ولم آكل لهم طعامًا. قال ابن فطيس: وجدت بخط الأبهري: الدين عز، والعلم كنز، والحلم حرز، والتوكل قوة. ومن أخباره، قال: دخلت جامع طرسوس وجلست لسارية من سواريه، فجاءني رجل، فقال لي: إن كنت تقرأ فهذه حلقة القرآن، وإن كنت مقرئًا

стр. 1089

فاجلس يقرأ عليك، وإن كنت فقيهًا، فاجلس يحلق إليك، وإن كنت متفقهًا فهذه مجالس الفقه، قم إليها. فإن أحدًا لا يجلس في جامعنا دون شغل. ذكر الفقيه أبو مالك بن مروان بن مالك القرطبي، في كتابه عنه، أنه قال: اجتمعنا في جماعة من أهل العلم والصلاح، وقد تناظر رجل من أهل السنة مع رجل معتزلي، فطال بينهما الكلام، فجاء المساء، فلم يظهر أحدهما على صاحبه. فقال السنّي: هذا مجلس انقضى على غير فلح. وقد حضرنا قوم صالحون فلنخلص الدعاء للمحق منا، بأن يثبت الله تعالى القرآن في صدره، وينسيه المبطل. فدعونا. قال الأبهري: فأقرّ لي المعتزلي بعد ذلك أنه نسي القرآن، حتى كأنه ما رآه قط. وحكى البرقاني عنه: كنت جالسًا عند يحيى بن صاعد المحدّث، فجاءته امرأة، فقالت له: أيها الشيخ، ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة، فماتت. هل الماء طاهر أو نجس؟ فقال لها يحيى: ويحك كيف سقطت فيه؟ قالت: لم يكن عليه غطاء. فقال: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري: فقلت لها: يا هذه إن لم يكن الماء تغير فهو طاهر. فهِم من الشيخ الحيرة في الجواب، لأنه كان صاحب حديث، ولم يكن فقيهًا. قال الوهراني: سألت الأبهري عن سنه، فقال لي: قال مالك ﵁: سؤال الشيوخ عن أسنانهم من السفه. قال الحربي: جاء رجل الى أبي بكر الأبهري، يشاوره في السفر، فأنشد ﵀: متى تحسب صديقك لا يقلّوا … وإن تَخبُر يقلّوا في الحساب وتركك مطلب الحاجات عزّ … ومطلبها يذل عتا الرقاب وقرب الدار في الإقتار خير … من العيش الموسع في اغتراب

стр. 1090

قال المؤلف القاضي الإمام ﵁: عتا الرقاب أنا أصلحتها وكان فيه اختلال. وذكر أن الأبهري قال يومًا لأصحابه: إن الله رضيكم لولاية فجمع لكم بها شرف الدنيا والآخرة، لا يعزلكم عنها أمرٌ ما طلبتم هذا العلم، ونفرتم به عن السلطان. فإذا كنتم كذلك، تمت لكم الولاية في الدنيا والآخرة، ونلتم بها سُرورَهما، وإن لزقتم بالسلطان، وأصبتم به الدنيا، عزلكم عن ولايته، وصغركم في الدنيا والآخرة. وحكى أبو القاسم: إن الأبهري، لما قارب الوفاة وتيقن حاله، أخرج لأصحابه برنية فيها ثلاثة آلاف مثقال، وأمرهم بكتب أهل البر والحاجة من جيرانه، يفرق المال عليهم. وأعطى منه أصحابه، على مراتبهم، وأعطى الأكابر منهم ماية مثقال. قال: وبلغني أنه أعطى الباقلاني ماية وخمسين، وحبس كتبه عليهم. وسئل حينئذ: لما ادخرت هذا المال؟ فقال: كان أبو بكر الرازي من أجل أصحاب مالك، ولم يتعرض الى شيء من القضاء، حتى كثر بناته واحتاج فولي القضاء، فقتله ديلمي في أمر معروف. وكان أبو بكر الصيرفي، من أصحاب الشافعي، من جلة أهل العلم، فكبر سنه وعمّر، فرأيته يكتب الرقاع لأصحابه، يتعطفهم في الرفق به، وكان إخوانه قد انقرضوا وماتوا. فخشيت أن يطول عمري أو يفحشني زمانه وأحتاج، فادخرتها عدة لهذا. وتوفي ببغداد يوم الست، لسبع خلون من شوال، سنة خمس وسبعين وثلاثماية. وصلي عليه بجامع المنصور. مولده قبل التسعين ومايتين. وسنّه نيف وثمانون سنة. ﵀. أبو بكر ابن علويه الأبهري، ﵀ أخذ عنه، أبو سعيد القزويني. وتفقه به مع الصفايحي، ونقل من
следующие страницы →