Полный текст (1 447 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
أبو بكر عتيق ابن أبي صبيح الجزري
وكان فقيهًا، مفتي أهل الجزيرة بإفريقية. كان صاحبًا لأبي العباس الإبياني، في قراءة له ممن طلب معه. فبلغ أمره بني عبيد، فرفعه مع أبيه محمد، وطلبهما بالدخول في دعوتهم. ويليا قضاء صقلية. فأبيا فعذبوهما عذابًا شديدًا. وفرقوا بينهما. ويقولون لكل واحد عن الآخر، إنه دخل في دعوتهم، فيقول كل واحد عن الآخر: دعه يفعل ما أحب. لن يغني عني من الله شيئًا.
أبو علي الحسن بن نصر السّوسي
مولى امرأة من أهل قسطلية. ومنها أصله. ثم انتقل الى سوسة. سمع بإفريقية من المغامي. ويحيى بن عمر، وخالد بن نصر، وأحمد بن يزيد، وزيد بن خالد، وأحمد بن ملوك، وعبد الرحمن الورقة. وزيدان بن اسماعيل. وأحمد بن أبي سليمان، وأبي الغصن وغيرهم. وعزم على الرحلة الى محمد بن عبد الحكم. بلغه وفاته. فقال: ما اغتممت لشيء مثل غمي لذلك. وسمع من علي بن عبد العزيز،
وهشام بن عمر، وأبي بكر بن المنذر، والوليد بن عمر وابن بشير، وابن جناح. أخذ عنه عمر بن محمد، وأحمد بن سلمون وغيرهما.
ذكر محنته وثناء أهل الجلة عليه، وشمائله
قال الخراط: كان شيخًا صالحًا، فاضلًا، ثقة ورعًا، زاهدًا فقيهًا،
стр. 982
عدلًا في أحكامه، صادقًا في الحق، لا يهاب سلطانًا، مشهورًا بالعلم، صحيح الكتب. قال أبو عبد الله الخراط: وكان مع ذلك كثير الاجتهاد في العبادة، على قيام الليل، وصيام النهار، وتلاوة كتاب الله تعالى. كثير الخشوع، والتواضع. وكان أبو الفضل الممسي، يشرّف قدر الحسن بن نصر بسوسة، وحمود بن سهلون بالساحل، وحمود بقابس: قال الزويلي: كان طويل الصلاة. لا تذكر الدنيا في مجلسه. أقام فوق أربعين سنة، إذا دخل شهر رمضان، لم يكلم أحدًا من الناس، ولا أهلًا ولا ولدًا. فإذا أراد حاجة، كتب بها. وكان زاهدًا في الدنيا. راغبًا في الآخرة. حكت عنه زوجته، وكانت امرأة صالحة: أنه كان يختم في رمضان كل ليلة ختمة. حتى كانت رجلاه تتورم من القيام، وتتفطر بالماء الأصفر، وكان إذا جاء الليل، وحضر وقت القيام، أقام جميع من عنده الى بيوتهم، وأخرج عنه السراج، فإذا هدأ أهل الدار، سمعت قراءته الى الصبح، فيصليه بوضوء قيامه في مسجده. ثم يدخل داره، فلا يزال في تسبيح، وذكر الى طلوع الشمس، فيدخل إليه الناس يأخذون عليه، الى ارتفاع النهار. فيركع الضحى، ويضطجع الى الهاجرة. هذا دأبه. وكان يتورع أن يقبل من أحد شيئًا. وحكى أن ابنه محمد، قال في سنة غلا فيها السعر بسوسة: اشترِ يا أبتِ طعامًا. فإني أرى السعر قد غلا. فقال له: ادع بحِسانَ خادمه. فقال لها: إكتالي ما عندنا من القمح. فقالت له: ثمانون. فقال لها: امضي بها الى السوق، لفلان يبيعه. ثم قال لابنه: يا محمد لست من المتوكلين على الله. وأنت قليل اليقين. كان القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من
قضاء الله تعالى عليك. من توكل
стр. 983
على الله كفاه. وكان يلبس جبة صوف. فإذا اتّسخ صدرها رده الى ظهره. وأخذ ظهره الى صدره. ويجعل على صدره مرقعة، أهله، وهي خرقة لطيفة. وكان يلبس فروًا، وقلنسوة، منه. ولما وصل اسماعيل الى سوسة، وجه جوهرًا فتاه إليه، بالليل، ليأتيه به. فجاءه وهو في ورده فخرج ابنه إليه، ورجع الى الشيخ وأعلمه بمكان جوهر، فلم يلتفت إليه، حتى قضى ورده. وقد اعتذر ابنه إليه. فقال لا أبرح حتى أراه. وجوهر في هذا كله واقف على الباب. وقد فرق من ذلك، كل من بالجهة. فلما أحلّ انتهر ابنه. وقال له: أكون بين يدي الله، وتقول جوهر بالباب. وقام يخرج إليه. فجاءه ابنه بقميصه، ومنديله. وكان عليه فرو مغلوف. وقال له: إلبس هذا، يرهم عليك. فقال له: ما أقل حياءك، أكون بين يدي الله في هذه الحال، وأتهيب لجوهر. فخرج الى جوهر، واعتذر له باعتذار، حتى قال له جوهر: أنا أجتمع بمولاي، وأعتذر له عنك. فمضى. فرجع إليه في الحين، وأخبره بقبوله عذره، ومشقة عدم اجتماعه به عليه، وأنه يقرؤه السلام ويسأله الدعاء. فقال له: قل له: أحياك الله للمسائل، وأصلح جميع صفاتك. قال: وجاء جوهر بمال كثير من عند اسماعيل، ليفرقه على الفقراء، فلم يقبله، ورجع به جوهر.
ذكر سيرته في أحكامه رحمه الله تعالى
كان قد ولي أحكام سوسة، لحماس بن مروان، أيام زيادة الله. وعرض عليه بنو عبيد قضاءها. ورجع الى القيروان، فامتنع. ولم يلبث إلا يسيرًا، حتى مات. فذكر أنه دعا على نفسه، ولم يأخذ إذ كان حاكمًا لحماس أجرًا، ولا صلة. وسار في ولايته بالعدل. وكان
стр. 984
فقيهًا صليبًا، مغيرًا للمناكير، لا يهاب في إقامة الحق سلطانًا، ولا غيره. وكان يتسمى بالحكم. وكان إذا وردت عليه الكتب من السلطان، في أمر يخوف أصحابه، الى نفسه، وقرأ عليهم الكتاب، واستشارهم. فإن اتفقوا على
شيء خاطب به السلطان، وإن اختلفوا، قال لكل واحد: اكتب ما رأيت، بخطك. ثم ينظر ما كتبوه. فيكتب ما يختار منه. وأسقط شهادة رجل كان ينزل من حانوته، فينصرف متزرًا بميزر، عاري البدن. وقال له: أسقطت مروءتك، وهمتك. وكان يأمر من يمشي على شاطئ البحر، والمواضع الخالية، فإن وجدوا رجلًا مع غلام حدث، أتوا بهما إليه. فإن لم تقم بينة، أنه ابنه أو أخوه، عاقبه. وكان يجلس أيام مراسم الرباط، من حيث يتشرف لاطلاع مثل هذا. وبلغه أن رجلًا جاء ابنته بمزهر لطيف، تلعب به. فمزقه، وزجره. وكان لا يضمن صاحب الحمام بسوسة، ما تلف عنده، وإلزامه الثمن، على مشهور النص. فكثر مشتكوه. فحكم عليه بالضمان. لما حدث به يحيى بن عمر، عن الحارث، عن ابن وهب، عن مالك في تضمين صاحب الحمام. قال: فما اشتكى رليه أحد بعد. وكتب إليه حماس، في أمر نظر فيه الحسن بن نصر، أن يلتزم فيه الرفق والتؤدة والمداراة. فكتب إليه الحسن: بالتشديد في إقامته. وكان عنوان الكتاب: من الحاكم ابن نصر. فلما رأى حماس الكتاب، رمى به، وقال: من الحاكم؟ وكأنه عزّ عليه ذلك. وكان حماس لا يكتب، من القاضي، إلا في الأحكام. ثم نظر في الكتاب، ورأى فيه من صرامته في الحق، ما أعجبه. وكان فيه: قد أنفذت الحق كما يجب، وما كان لله، فلا مراء فيه. فسكن عنه ما كان به، ثم قال: نعم، يا أبا علي، من الحاكم. وإن شئت أكتب: من القاضي. فإنك أهل لذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 985
ذكر وفاته
توفي رحمه الله تعالى، فيما حكاه أبو بكر المالكي: في صفر سنة إحدى وأربعين، وقد جاوز السبعين. وخرج الناس من القيروان وغيرها، الى جنازته بسوسة. قال ابنه: قال لي أبي ليلة من الليالي، في مرضه الذي توفي فيه: وا بني، اربط لي حبلًا في السقف، لعلي أقدر أصلي قائمًا. ففعلت. وحملناه حتى وقف. وغلب، ولم
يستطع القيام. فبكى، وقال: وا حزناه. حيل بيني وبين طاعة ربي. فذكرت له الصلاة جالسًا. فقال: يا بني، العمر قصير، والعمل قليل. وإنما أردت أن أعمل أكثر مما عملت. ولما أطال به المرض قال لزوجته: قد توليت مني خيرًا. فاصبري. فما أشك أن أجلي قد اقترب. فإني سمعت هاتفًا من هذا الطاق يقول: أحسن غدًا صلاة الظهر، يفرج عنك. فمات ذلك الوقت.
الشيخ أبو الحسن الكانشي رحمه الله تعالى
هو حسن بن محمد بن حسن الخولاني. قال أبو عبد الله الخراط، وأبو بكر المالكي، وبعضهم يزيد على بعض: كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا مشهورًا بالعلم متعبدًا مجتهدًا ورعًا خائفًا رقيق القلب كثير النياحة والبكاء، سمعًا كثير المعروف، باع ضياعه كلها وتصدق بها، وكان صارمًا في مذهبه مجانبًا لأهل الأهواء. ومن يخالف مذهب أهل المدينة. وكان أبو العباس الإبياني، إذا ذكره يقول: ذلك العالم حقًا. قال أبو بكر بن خلف: كان من العالمين بالله، وبأمره. سكن المنستير، سمع من عيسى بن مسكين، ويحيى بن عمر، وأحمد بن يزيد، وأبي إسحاق بن شعبان،
стр. 986
وكان يحسن العربية والنحو واللغة، وشعر العرب، واعتماده في روايته على عيسى بن مسكين. وكان أجمع على فضله المؤلف والمخالف. سمع منه أبو الحسن القابسي. وأبو القاسم بن شبْلون، وأبو الحسن اللواتي. وأبو الحسن القمودي علي القمودي. وأبو عبد الله بن نصيب، وجماعة الناس. ورحل إليه من الآفاق والله أعلم.
ذكر فضائل رحمه الله تعالى وزهده والثناء عليه
قال أبو عبد الله الخراط: قد تورع عن الحرث في أرض الغير بكفايته من غيرها. قال أبو بكر بن خلف: أُخبرت أنه كان لا يهدأ ولا ينام الليل أجمع، يقرأ القرآن ويبكي. ذا خوف وإشفاق. حكى الشيخ أبو الحسن القابسي: إن بعض سكان القصر، الذي كان يسكن فيه الكانشي قام فسمعه يقرأ في سبحان. فلما كان آخر الليل وجده قد ختم، ثم أخذ في النّياحة والبكاء. ثم قال:
أتراك بعد الدرس للقرآن تحرقني … يا ليتني أدرجت قبل الذنب في الكفن
ثم عاد الى النياحة، والبكاء حتى طلع الفجر. ثم أقبل يقول وعزّتك وجلالك، ما عصيتك استخفافًا بحقك، ولا جحودًا لربوبيتك. لكني حضرني جهلي، وغاب عني علمي، واستفزّني عدوي، وإني عليها يا إلهي لنادم. قال القابسي: ما رأيت أخير من أبي الحسن. وكان أكثر ما يقطع ليلته بتلاوة القرآن والنياحة والبكاء. ولقد غلب عليه الحزن حتى
стр. 987
صار ضحكه كالبكاء. وكان قد ورث من أبيه مالًا وضيعة، وتبرأ من جميع ذلك، وتصدّق به. فقيل له في ذلك. فقال: حضرت معه وأنا صبي، ومعه شيوخ المنزل، فكتبوا أسماءهم في شقافٍ لضيافة الأعوان. وأخذ أبي شقفة. وقال للأعوان: هذا اسم فلان وضيافتكم اليوم عليه. فلم تطب نفسي، أن آكل من ميراثه حبة. وكان يقول إذا تكلم على مسألة من العلم: لو أدركني عيسى بن مسكين ما رضي مني بالسجن، حتى يقيّدني. وسأله رجل عن مسألة من الفقه، فقال: امضِ بها الى الفقهاء. فاسألهم، فلما خرج الرجل قال: ردوه. والله الذي لا إله إلا هو، لولا آية من كتاب الله تعالى، ما أجبتك، ثم أجابه. وكان إذا أعجبه شيء من أحوال بعض من يصحبه، قال له: والله لأسُرّنك في نفسك، فيقال له بماذا؟ فيقول: بحسن الثناء عليه، فقيل له: فأين الحديث، احثوا التراب في وجوه المدّاحين. فقال: قد قال ابن عباس: إنما ذلك، إذا مدح الرجل في وجهه، بما ليس فيه، وإلا فواجب مدح الرجل في وجهه، بما يجري من حسن أفعاله. وأتاه رجل ممن يلوذ بالسلطان، فلما رآه لفّ رأسه في تأزيره، واضطجع الى الأرض، فوقف عند رأسه، فسلم عليه، فلم يرد عليه¬ السلام. فقال أيها الشيخ:
والله الذي لا إله إلا هو ما أعتقد إلا ما تعتقد. وما دخلت في هذه الدعوة. فأزال عن بعض وجهه، وقال: الآن رق لك قلبي. ويذكر أنه كان يضرب الطوب بيده، ويعده لغيره. فكان يسأل فيه، ويعطيه. فكثر عليه هذا، فبنى طوبًا وبنى منه في بيته، كالحدود. وكان يقيم بيته بالتبن، وينام فيه. فأتاه بنو أبي الحسن، فلما أخبر بهم، دخل الحدود وتغطى بعباءته. فدخل القوم فسلموا عليه، وسألوا عنه، فأشار خدامه، الى أنه راقد. فقال: سبحان الله، تكذب منظر القوم - لكراهته لقاءهم - فتقدموا إليه، وقالوا: والله
стр. 988
ما نحن إلا على الإسلام والسنة. وما تقربنا من السلطان، إلا لنرفع عن أنفسنا الظلم. فكشف عن وجهه وقال: الآن، لان لكم قلبي. ودعا لهم. وذكر أنه أخرج كتبه يومًا بحضرة الناس، وجلس في وسطها، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني جمعتها ليؤتى الى هذا الوجه القبيح في مسألة فأحرقني بالنار. ولما مات لم يوجد له إلا دينار ونصف، كفّن به. ولم يكن في بيته حصير. قيل له في ذلك. قال: أنا اليوم في البيت وغدًا في القبر. وجردته العرب في طريق الحج، فأعروه. فدفع إليه جمّال، معلف جمل فاستتر به. فلما اشتد عليه الحر، رفع رأسه، ونادى بصوت، وقال:
أحببت نجواهم ثم بلوتهم … فأكثرتَ بلواهم كي يتضرعوا
وإذا دعوك رفعت نحو دعائهم … حجبًا لعزّك دائمًا لا تدفع
براهينه وفراسته رحمه الله تعالى
قال أبو محمد الصدفي: صلينا يومًا بقصر داود، صلاة العصر، مع أبي الحسن. فلما سلم الإمام من الصلاة، قال الشيخ: وحق هذه القبلة، ما طابت نفسي على هذه الصلاة. وأنا أعيدها. فأعادها. وكان الإمام يومئذ رجلًا صالحًا. فلما خرج الناس، سألنا، فإذا الإمام قد تخلف، وقدموا غيره، وإذا المتقدم من أصحاب الشيعي. وكان لبعض أصحابه، ولد يقرأ عليه، ثم انقبض عنه الشيخ وقطعه، فقيل له في ذلك
فقال: رأيت عليه خشوع النفاق، فلما رجع الشيخ الى القيروان، ندب الى حكومة بلده، فلم يولّه النعمان، حتى أدخله الدعوة. وكان يقول للشاب يختلف إليه: كم تلح، والله لا أفلحت أبدًا، ولا أفتيت بمسألة
стр. 989
أبدًا. فكان كما قال. وأتى إليه رجل من طلبة العلم بالقيروان - وكان وعدهم السماع - من أهل القيروان، فاختفى الشيخ منهم. قال الحاكمي: فعجبت من خلفه لهم. وكان قد سألني أن لا أدلهم عليه. فما سارت أيام حتى سرق أحدهم، واعتزل الآخر. قال: ألا اجتمعت عندي، دراهم. فقلت: ارمها. فأنا نائم، رأيت أبا الحسن فقال لي: يا خلف أبت الحكمة أن تنطق على لسان من يأكل، حتى يشبع. ومن يحب الدراهم. فزرته، فجاءتني. ثم قال لي: يا خلف أبت الحكمة - نص ما قاله في النوم - فعجبت من ذلك. وسأله رجل عن كرامة الأولياء، فقال: صحاح. فكرر عليه، فقال: صحاح. حتى أن الرجل يدخل يده في القلة. فيخرج منها حوتًا. وقال آخر: كانت لي امرأة فأقعِدَت. فسألتني أن أسأل لها الكانشي في الدعاء. فطلبته فلم أجده. فطلبت أبا أحمد الطرابلسي المتعبّد. فسألته عنه. فأشار لي: أي أنه تحت جُرف يصلي، على البحر. ثم سألني. فأخبرته بخبر المرأة، فقال لي: فرج الله عنها، وأتاها بالفرج من حيث لا تدري ولا تظن. فصرت الى الكانشي. فوجدته يصلي. وذلك ضحوة فطول الصلاة الى الظهر، فجاذبته، وقلت حانت صلاة الظهر، فأوجز. فلما سلم قال لي: الأمر الذي جئت به قضي، في ذمام الطرابلسي. فقلت: وما هو. قال: خبر المرأة، ولقيتَ الطرابلسي، فدعا لها. قلت: نعم. قال قد عوفيت في ذمام الطرابلسي. فجئت زوجتي، فوجدتها قائمة تصلي، فعجبت من الأمر. فلقيته فسألته عن الأمر. فقال: نور يجعله الله في القلوب، فينطق من يشاء، بما يشاء.
ذكر كرمه وجوده
قال أبو بكر: كان لأبي الحسن رباع نفيسة، بكانش.
стр. 990
وغيرها. باعها كلها وتصدّق
بثمنها على الفقراء. قال القابسي: كان له خمس سوان، باعها. واحدة واحدة. وما باع منها واحدة، بأقل من خمسين دينارًا أو ماية، وأنفقها على المساكين. وكان يعطي منها الخمسة والعشرة والخمسة عشر، وأقل ما كان يعطي، دينارًا، ويقول: يا أخي يجيء رجل الى آخر يسأله ما يسد به حاله، فيعطيه قيراطًا. أعوذ بالله من دناءة الأمور. قال: وكانت بقيت له سانية. فمنعه من ذلك ابن أخيه. فأمر بعض أصحابه، فكتب الى النعمان: يا نعمان أنا حسن بن محمد الخولاني. لي سانية. وقد منعني ابن أخي من بيعها. ومنع المشترين من تقليبها. وحجته في ذلك، أني إذا متّ لم يجد ما يرث. وهذا ليس هو له. وإني أولى بمتاعي، من ولدي وغيره، لو كانوا، فأدفعه عني، أو نحو هذا. ووجه به إليه. فأخذ أصحابه الكتاب، وزادوا في أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وأسقطوا: يا نعمان. فلما وصلوا إليه، نظر في الأمر، فباعها أبو الحسن، وتصدّق بثمنها. وذكر بعضهم، قال: كنا نسمع عليه. ومعنا أبو القاسم بن شبلون، فأتاه رجل، فسأله عن حاله، وعن دابته. فأخبره بموت دابته. فتوجع وقال: من حضرته منكم نية، فليعطه، فهو أهل لذلك، فدفع إليه ابن شبلون قطاعًا، فلما نهض الرجل، للقيام. قال له أبو الحسن: أرني ما أعطاك؟ فإذا دراهم يسيرة. فقال: ردها عليه. وقام فأتى بخمسة دنانير. ودفعها إليه. وقال: اشترِ بها دابة. تعول بها على بناتك. وأتاه بعض أصحابه، يودعه. وهو يريد الحج، وهو جالس بين الناس. فأعطاه أبو الحسن مفتاح بيته. وقال له أدخل البيت. فخذ الروحلة المعلقة. ففيها خبز وتين يابس. قال: ففعل. وأصحاب فيها مع ذلك صرة، من تسعة دنانير، فأتى بها إليه، فأخبره. فقال: أسكت لئلا تُسمع. ثم قال له: سرْ أتراني إني لا أعلم
стр. 991
ما فيها. استعن بها في سفرك. وأخبار أبي الحسن في هذا كثيرة. ومن حكم كلامه ومناجاته، قوله: أرني من قصده فخيّبه، أرني من توكل عليه فأضاعه، أرني من أطاعه فأضاعه. إذًا لا تراه أبدًا،
وكان يقول: هانوا عليك فعصوك، ولو أحببتَهم لحميتهم. وكان ينشد:
يا رب كن لي وليًا … بالصّنع حتى أطيعك
لئن ذممت صنيعي … لقد حمدت صنيعك
إن كنت أعصيك إني … أحب فيك مُطيعك
ذكر وفاته رحمه الله تعالى
توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. وهو ابن تسع وتسعين سنة. وقيل ابن ثمان وثمانين سنة. ودفن بالمنستير. وأوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب. يدرج فيها، إدراجًا. وسمع وهو يقرأ عند خروج نفسه: إن المتقين في جناتٍ ونهر. وسمع في نزعه، يقول: لا. يا عدوّ الله، حتى يردوا الرداء. فقيل له: ما هذا؟ قال: إبليس عند رأسي، يقول نجوت مني.
عمر بن عبد الله بن يزيد، المعروف بابن الإمام الصوفي
أبو حفص. قال المالكي: كان ممن طلب العلم، وتفقه، وسمع من أحمد بن أبي سليمان وغيره. ثم اعتزل الناس. ولزم العبادة والتبتل. وقيام الليل. وكانت له في كل ليلة ختمة. ثم زاد فهمه. فكان لا يكاد يبلغ
стр. 992
النصف حتى يصبح. قال أبو الحسن الزعفراني: كنت إذا رأيت أبا حفص علمت أنه من أهل الليل. قال أبو علي الورّاق: وكان أبو حفص من أهل العلم والورع، لا ينام إلا مغلوبًا. لم يكن في وقته مثله. فلما دخل بنو عبيد فرّ. فسكن المنستير. ولم يتخذ فيها بيتًا، مدة، وإنما كان يدفع كساه. عند رجل من سكان القصر. ولما اشتهر أمره، كان إذا تكاثر الناس بالقصر في الموسم، خرج الى سوسة. وكانت له بها زوجة. فيقيم بها. ويلبس ثيابًا حسانًا. ويتزيّا بزي التجار، ويتعمم، ويمشي بين الناس، ويخفي
بذلك نفسه. فلا يعرفه أحد بذلك الزي. فيطلبه الناس تبرّكًا بدعائه، فلا يجدونه، وهو بينهم بسوسة، ولا يعرفون أنه ذلك. فإذا انقضت أيام الموسم، رجع الى زيّه ومكانه. وكان مجاب الدعوة، ورأى ليلة القدر. قال بعضهم، قال وظهر لي إبليس. كم بالله، بالله. وكم بهذا الجد، والاجتهاد. فقلت له: أتراك يا عدو الله، ناجيًا من عذاب الله. إذا عذبت أنا، فانخسى مني. قال المالكي: كان ممن حفظ العلم وعني به، ثم تركه. وقال: إنما تركته لله. لأن أهله أدخلوا فيه ما ليس فيه. توفي رحمه الله تعالى، سنة خمسين وثلاثمائة. ويقال اثنتين وخمسين. وقيل سنة سبع وأربعين. وذكر أنه لما احتضر دعا بشرابه فأتي به. فقال: قد سقيت، وسقيت. وأرويت. ثم أومأ بيده، الى السلام. فقلنا: رأيت الملائكة؟ قال: رأيت. وجعل يومئ بيده، حتى قبضت نفسه. قال بعضهم: لما حضرته الوفاة، قال: قد بُشِّرت. قلت: بماذا؟ قال: أما تقرأ: يبشّرُهم ربُّهم برحمةٍ منه الآية.
стр. 993
سحنون بن أحمد
التنوخي. تقدم ذكر أبيه. من أهل قسطلية، وعلمائها. سمع من أبيه، وحدث عنه أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، وأبو محمد بن هاشم وجماعة. وكان أبو الفضل الممسي يقول: إنما في نواحي إفريقية، أربعة رجال، أحدهم سحنون هذا، بقسطلية. وذكر من فضله وورعه. قال أبو بكر المالكي: كان شيخًا صالحًا، فاضلًا، فقيهًا، ورعًا، مشهورًا. وكان صعبًا في الإجازة. توفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
عبد الله بن حمود
السلمي. المعروف بابن الحفنة السوسي. قال أبو بكر المالكي: كان رجلًا صالحًا فقيهًا، واسع الرواية. سمع من جماعة من الفقهاء والمحدثين. عالمًا بالوثائق،
والفقه. سمع من عيسى بن مسكين كثيرًا - وهو آخر من سمع منه موتًا من الفقهاء - وسمع من أخيه محمد، وسعيد بن إسحاق، وفرات بن محمد العنبري، وحماس بن مروان. وكان فقيه البلد، حافظًا للمسائل، مشهورًا بذلك. وكان فقهاء سوسة، إذا ورد عليهم أحد من حفاظ القيروان قدموه لمذاكرته. لكنه قليل الضبط لكتبه، يؤثر عنه تصحيف قبيح. حدث عنه عمرون بن محمد، وأبو الحسن اللواتي، وابراهيم بن أحمد الساقي. قال أبو القاسم بن محمد الفقيه: كان عبد الله بن حمود فقيهًا حافظًا، وكان يفتي في كفارة اليمين، بمدّ ونصف قمحًا وثلاثة أمداد
стр. 994
شعير، لكل مسكين، على رواية ابن وهب. فذكر ذلك لأبي محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، فاستنكره. قال عبد الله: وسألت عيسى بن مسكين، سماع كتب ابن الماجشون، فحلف أن لا يسمعنيها. فقلت: وأنا لا أزال من همي حتى أسمعها. فلما رأى عزمي، أخرج طعامًا، فكفّر عن يمينه، وأسمعنيها. وكان عيسى يرويها عن ابن الموّاز عن عبد الملك. وتولى أحباس سوسة، فصرفها في مواضعها، ولم يتلبس منها بشيء. وانكسر عليه من جملة الكراء، مالٌ، فأدى ذلك من ماله، ولم يضطرّ المساكين الى الغرم، رأفة منه بهم. وكان صاحب تاريخ، وعلم بالخبر. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن تسعين سنة. وهو حادّ الذهن. ورثاه بعضهم برثاء منه:
وكان يؤرخ علم القرون … فها هو اليوم قد أُرّخا
أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد السبائي
قال أبو عبد الله الخراط: كان من أولياء الله المعدودين، الذين ينزل بدعائهم القطر، وتظهر بهم البراهين. قال أبو عبد الله الإجدابي: كان أبو إسحاق من العلم بالله وأمره في خطة، ما انتهى إليها أحد من أهل وقته، حتى لقد كان من بالقيروان من أهل العلم والدين، إنما ينظرون إليه، إذا نزلت الحوادث
والمعضلات. فإن أغلق بابه، فعلوا مثله. وإن فتح، فعلوا مثله. وإن تكلم، تكلموا بمثله. لتقدمه عندهم، ومكانه من العقل والعلم، والمعرفة بصحة الوقت، وكيف تلقى الحوادث. صحب أبا جعفر أحمد بن نصر، وأبا البشر مطر بن يسار، وأبا جعفر القصري، وغيرهم من أهل العلم. وأخذ عنهم علمًا كثيرًا. وصحب جماعة من
стр. 995
المتعبدين. وكان شديد الأخذ على نفسه. شديد الورع. وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد. قال: وبلغني عن بعض العلماء، أنه كان يقول: بالقيروان رجلان، يدعى كل واحد منهما باسم صاحبه، وهما: أبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق السبائي. يقال للدباغ عالم وأولى أن يسمى عابدًا. والسبائي يسمى عابدًا، وأولى أن يسمى عالمًا، لأنه كان يروي العلم ويعرفه ويتذاكر العلماء بحضرته وفي مجلسه، وهم: أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى وهو الملقي عليهم، وأبو القاسم بن شبلون، والقابسي، وسعيد بن ابراهيم، وغيرهم. وكل من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه. فإذا تنازعوا فصل بينهم، بأمر يرجعون إليه كلهم فيه. ويستشيرونه في جميع أمورهم. فكان موفقًا في كل ما يشير عليهم. فيه أبو محمد بن أبي يزيد، رحمه الله تعالى، يقول: ما هذا الذي نحن فيه، إلا من بركته ودعائه. قال أبو الحسن: ما انتفعت إلا بدعائه. فإنه قال لي أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة. وكان أبو جعفر أحمد بن نصر الفقيه يقول: لا تعارضوا أبا إسحاق، فإنه لو وزن إيمانه بإيمان أهل الغرب، لرجحه. وسأل رجل أبا محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى، فقال: هل تعلم أحدًا في أقطار الأرض يشبه أبا إسحاق؟ قال: أما في إيمانه فما علمت - يعني في وقته. قال القابسي: وصلت وفاة السبائي الى مصر، في تسعة عشر يومًا، لجلاته في قلوب الناس. وكان لموته بمصر وصية في قلوب الناس من أهل العلم. وكان الثعالبي بمصر يقول: إذا أكربني أمر فذكرت أن السبائي يدعو لي، يفرَّج عني. قال المالكي: كان رجلًا
صالحًا فاضلًا مشهورًا بالعبادة والاجتهاد، كثير الورع وقافًا عن الشبهات، رقيق القلب، غزير الدمعة، متواضعًا، مجاب الدعوة، حسن الأخلاق، حميد الأدب، طلق الوجه، مجافيًا لأهل البدع، شديد الغلظة عليهم، قليل المداراة لهم. قال ابن سعدون: كان من المتعبدين المتقدمين
стр. 996
في العبادة، موصوفًا بالعقل والعلم. وكان مما شغل به نفسه، ذكر فضل الصحابة والثناء عليهم، لانتشار أمر المشارقة، فما كان أحد يذكر الصحابة إلا في داره. وكان يقول: رأيت عمر بن الخطاب في المنام فأمّنني.
ذكر بدايته وعبادته وشمائله
قال: وكان أبو إسحاق في ابتداء أمره، ولزومه العبادة، كثير الانزواء عن الناس. وكان مروان بن منصور الزاهد، مشهورًا. فكان الاختلاف إليه، الى أن مات. فانكشف أبو إسحاق. قال بعضهم: كان يخلو في مسجد أبي الحكم عشرين سنة، يخلو فيه بالعبادة، قبل أن يعرف. ولزم من سنة وثلاثمائة. قال الخراط: ما علمت أنه خرج من باب داره، منصرفًا من أيام أبي يزيد، حتى توفي. ولما أخبر بموت مروان، استرجع، وقال: كشفني. وكان يقول: لو علمت أن الأمر ينتهي الى هذا - يعني لما انخرق عليه من أمر الناس - ما كان إلا الأمر الأول. - يعني البعد منهم - وكان يقول: إذا كان هكذا، فمتى يعمل الإنسان؟ ويقول: هذا أمر قد نزل - يعني اختلاف الناس إليه - لا يزيله إلا الموت. قال: فلما اشتد أمر بني عبيد، وفتح دعاتهم أبوابهم، ودعوا الى كفرهم، قال أبو إسحاق لأصحابه: افتحوا باب داري، نأخذ في ذمهم، والتحذير منهم. وكان في ابتداء أمره، وانفراده، يقتات بعمل القصارة. يقصرها على بئر في داره. قال: وكان الرزق أبطأ علي مرة. فقالت لي نفسي: تعرّض للرزق. فخرجت، فسمعت معلمًا يقرئ صبيانًا هذه الآية: ولقد خلقنا فوقَكم سبعَ طرائِقَ وما كنّا عنِ الخلقِ غافلين. فانتبهت من ذلك
ورجعت الى بيتي، فجلست. فدخل علي في ذلك رجل
стр. 997
من إخواني. فدفع إلي دينارًا سلفًا. فأخذته، واشتريت أبدانًا. وكنت أقصّرها في داري، فأربح في البدن قيراطًا، ونحوه، يقام لي من ذلك معاش. وكان إذا دخل في الصلاة، لم يكن قلبه إلا فيها. فربما يدخل من يدخل من أصحابه، فلا يعلم بدخولهم، لشغله بالصلاة. وكان إذا أراد أن يتوضأ، يتلو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قُمتُم الى الصلاة الآية. ثم يقول: نعم يا رب، ويكررها، ذلك. ثم يغسل أعضاءه تحت خوف عظيم، ووله، حتى يفرغ من وضوئه. قال خديمه أبو سعيد القلال: قال لي الشيخ: افْلِ كسائي. فلم أجد فيه غير برغوث واحد ميت. فذكرت ذلك له. فقال: ما مكنّاهم، قال ابن سعدون: وكان خبز السبائي السميد. فقيل له في ذلك. فقال: والله لو قدرت على الجوهر، وعلمت أنه يزيدني في عقلي، لسحقته وأكلته. فإني لا أجد نفسي تصلح إلا إذا أكلت طيبًا.
ذكر ورعه وحمايته من الشبهات، وبراهينه في ذلك
كان أبو إسحاق لا يأكل إلا ما علم طيبه. وطيب أصله. وتصرف المواريث فيه، وانتقال أملاكه على ما يجب. وأن أهله كانوا يزكونه. وذكر الأجدابي، أنه كلف شيخًا معروفًا بالثقة، أن يشتري له قميصًا، بسبعة دراهم. وأتاه به. فلما لبسه أبو إسحاق، وجده على جسده كالشرك. فنزعه الى أن جاء الشيخ، فقال: يا أخي من أين هذا القميص؟ وأخبره بشأنه. فقال له: يبدل إن شاء الله. فتحدث من بائعه منه. وكان ثقة. فقال: باعته منه امرأة. فجعلوا عليها العيون، فسألوها فقالت أخذته من دار أبي العباس الصيف. فانكشف
стр. 998
الأمر، وحمى الله أبا إسحاق. قال أبو عبد الله بن هبة الله: ذبح لأبي إسحاق كبش في عيد الأضحى. فشوي له من زيادة كبده. فدخل البيت ليأكل. فخرج وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال له خادمه: ما لك؟ قال: لما مضغت لقمة، أحسست كأن الشوك في حلقي. فما قصة
هذه الشاة؟ فقال له خادمه: والله ما جئت بها إلا ممن أرسلتني إليه. فقال له: فهل جرى عليك في الطريق شيء. قال: لا. إلا ذود غنم. فرّت الشاة مني، ودخلت في الغنم. فأخرج الراعي منها شاة. فقال لي هذه شاتك. فاستقصى عن ذلك، فإذا هي، قد أبدلت بغيرها. قال أبو سعيد القلال: كان عندي زوج حمام، فأخرجوا فراخًا، فسمن منها زوج. حتى كان كالزبدة. ومضيت بها الى أبي إسحاق، فقبلهما. ثم قال: خذهما يا أبا سعيد. ما طابت نفسي عليهما. قال: فجئت بهما الدار. فسألت زوجتي. ما كانت تطعمهما. فقالت حبّ الزبيب، الذي يرميه النبّاذون. قال: وكلف بعض أصحابه، شراء زيت. فالتمسه أيامًا، ثم جاءه برجل معه راوية زيت. فسأله أبو إسحاق عن أصله. قال: ميراث من أبي. قال ومن أين صارت لأبيك؟ قال ورثه عن أبيه. فقال فمن أين صارت لأبيه؟ فلم يجبه. ثم قال لصاحب الزيت: المعصرة التي عصرت فيها أيعصر فيها أهل القرية؟ قال: نعم. قال: وبها الطيب، وغير الطيب؟ قال: نعم. قال: يا أخي، لا سبيل الى أخذه. فانصرف الرجل. قال: ودفع الى رجل دينارين يشتري له بهما قمحًا طيبًا، من أصل طيب، فبحث واشترى له، فجاءه به، فأمر زوجته بخبز خبزة منه. ففعلت وجاءت بها إليه. فلما رآها، قال لها: أزيليها عني، وادعي لي بفلان، يخرج هذا القمح عني. فجاء فأخذ القمح والخبزة. وسأل أهل الموضع عن القمح، فلم يجد إلا خيرًا. فقال له شيخ: إن أردت أن تعرف أصول بني فلام فامضِ الى
стр. 999
منزل كذا. فاسأل فلانًا - وكان معمّرًا من أهل العلم - يخبرك بذلك. فمضى إليه فسأله، فأخبره أن أحدهم ورّث ماله كله ابنته، على مذهب الشيعة. قال أبو سعيد خادمه: وجهني أبو إسحاق أشتري له فقوسًا. فاشتريته ممن أثق به، وأوصلته إليه. ثم قلت في نفسي قلدني. ولم أسأل بائعه من أين هو، فجئت له من الغد، وصرحت له عن ذلك. فتبسم. وقال لو كان فيه شيء ما جاز. قال القابسي: لما وقعت
الهزيمة في عسكر أبي يزيد، وهرب الناس، جاء رجل بحمار الى أبي إسحاق. فقال اركب أصلحك الله. فسأله عنه. فقال له: هذا وقتك؟ أنت ترى السيف في أثرك اركب أصلحك الله. فقال له: لا سبيل الى الركوب عليه حتى تخبرني بأصله. فمضى وتركه، وسلم الله أبا إسحاق. قال بعضهم: دخلت عليه يومًا فرأيت في بيته حصيرًا، مع الحائط، ليس عليه غير مسمارين. في الطرفين، فأخذت مسامير وأتيت لأسمّر وسطها. فقال: لا تفعل فليس الحائط لنا. قال القابسي: أتاه رجل ببطيخ، وكان يحبه. فقال له: هذا جئت به إليك من البحيرة، التي كان أبي يهدي إليك منها. فقال له: وكم ثمنه؟ فقال وكم عسى ثمنه. فقال إن كنت تأخذ ثمنه، وإلا فامضِ به. فأخذ ثمنه، فقال: خذ بطيخك. وإياك أن تعود. فدهش الرجل، فأخذ البطيخ والثمن. فكشف عنه، فإذا به قد اشتراه من السوق. وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا بثمن. ويكافئ بضعف ثمنه. وكان يشتهي الماء البارد، فسأل عما يبرده، فقالوا له الرقاق والشركية. فقال له ابن أبي زيد، رحمه الله تعالى، عندي منها واحد. فأتاه به. فقال: كم ثمنه. فغضب أبو محمد، فردها عليه الشيخ. فقال أبو محمد: شيخ مبارك كلما قلنا قربنا منه، ولم نزدد إلا بعدًا. وكان يقول: ثلاثة أعتذر منهن: غسلي الدم في مجلس أحمد بن نصر. إذ كتب المحضر على أبي الفضل الممسي،
стр. 1000
وانفجرت منخراي دمًا. فقمت لغسلهما. ولم أشاور أحمد بن نصر في ذلك الماء. ودخولي حمام الجزارين، ولم أعلم أن ريعه محبس على قصر الحديد، فوجهت بعد ذلك قيراطًا، يشترى به زيت يوقد به القصر. وشربي من القسطاس. وقدمنا وادي، فأقمت ثلاثًا أشرب منه. ما بي غذاء سواه. فأنكرت نفسي. فقال أبو عبد الله الخراط: وحسبك من افتقد من نفسه في عمره، مثل هذه الثلاثة. وكان يقول: اتجر بالعلم، وكل والبس بالورع.
ذكر كراماته وإجابة دعوته وفراسته
ذكر أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى: إن أبا أسحاق كان مستجابًا. رأينا استجابته في كل شيء. من ذلك أنه كانت لي ابنة أصابها في عينها شيء، انتهى بها الى أمر عظيم. فعالجتها بكل علاج، فلم ينجح. فذكرت لأبي إسحاق أن يدعو لها، وقلت له: إني كرهت عرضها على الطبيب وكشفها عليه. فقال لي: ابعث بها إلي ارقِها، ثم رجع فقال: من ها هنا أرقيها. حتى أفاقت لثلاث، فكأنه ما كان بها شيء. وكانت عندي طفلة استرخى وركها. فمضت بها امرأة إليه، فرقاها فأتت صحيحة. وذكر أنه كان يرقي الناس الذين يأتون إليه جملة، ويجد كل إنسان منهم برء نفسه، على وجهه. فدخل فيهم رجل مشرقي، غطى وجهه. فلما رقاهم وخرجوا، أُعلم بذلك أبو إسحاق، فقال: الليلة يعمى. فسئل عنه، فقيل ما مرت عليه ليلة أشد من تلك الليلة. قال ابن شبلون: وكانت رقيته بالحمد لله، وقل هو أحد، والمعوذتين. كل ذلك سبعًا، ثم يقول في آخر دعوته: ببغضي عبيد، وذويه، وجاء نبيك وأصحابه، وأهل بيته، اشف كل من رقيته، فيشفى. وذكر أن اسماعيل
стр. 1001
المشرقي، صاحب القيروان، اشتكت عليه ابنة عينها، وأعيى الأطباء أمرها فقيل له: لو رقاها السبائي. فأرسلها مع عجوز متنكرة لئلا تعرف. فرقاها أيامًا فبرئت. فسألها اسماعيل بما رقاها. فأخبرته بما تقدم. فقال القابسي: كنت عنده، فكثر دخول الناس عليه. فقلت كيف يجد الشيخ قلبه، عن كثرة دخولهم. قال: فحوّل وجهه إلي، وقال: يا أبا الحسن، ما أدري دخول من يدخل إلا كدخولهم المسجد، يصلون ويخرجون. ثم عاودتني نفسي، فقلت: هل يجد في نفسه لكثرة إقبالهم عليه شيئًا؟ فحوّل وجهه إلي، وقال لي: يا أبا الحسن، كان ذلك مرة، فما عاد. قال بعضهم: عند دخولنا إليه اعتقدنا التوبة، مخافة أن ينطقه الله فينا بشيء. وقال أبو إسحاق: مشيت الى ابن أبي المهزول، فعلمني اسم الله الأعظم. ثم أنسيته. ولعل ذلك خير لي. قال: ودخلت علقة في فم صبي بدوي، فدُلّ أبوه على الطبيب ابن
البراء في إخراجها، فعاناها بما قدر، فلما أعياه، قال له: هذه استطاعتي. فامض بابنك الى السبائي، لعله يدعو لك فيفرج عنك. فسار إليه وأخبره بقصته، والناس وراءه. ثم حرك شفتيه، وقال للفتى: تقدم. وقرأ على فمه وأومأ بيده الى العلقة فسقطت من فيه. قال القابسي: قال لي البقالي بمصر هذا: يطرقني ما يمنعني النوم. إما لهمّ أو وجع فأسهر حتى إذا كان آخر الليل، ألقيت علي الراحة، ونمت، وذهب عني ما أجد، وهو الوقت الذي كان يقوم فيه أبو إسحاق. وذكر أنه كان أرسل الى حال الراحة. وذكر له بعض أصحابه: أنه مرّ بموضع كذا. فإذا بشيخ لم ير أجمل منه. فقال له أبو إسحاق: لعلك قالت لك نفسك، إنك خير منه. والله ما أرى بي فضلًا، على أهل الكبائر من
стр. 1002
المسلمين. فإذا رأيتم أهل البلاء، فاحمدوا الله على العافية. وذكر أن الرجل رؤي بعد ذلك قد تاب وحسن حاله. قال محمد بن أدريس: خرجت أريد الحانوت، فلقيت أبا العباس بن علي بن غانم، فقال لي: وأنتم هنا. والله لا سكنتم هذا الدرب الوادي معي، فاعملوا على الانتقال، لأنكم من حزب السبائي، وهو دنيء. فخوفني، فجئت الى السبائي، فأخبرته. فقال لي: ليس عليك منه شيء. إنما هو كلب ينبح. اللهم عاجله ولا تمهله. فلما خرجت من عنده، وقربت من داري، إذا به قد أُتي به ميتًا من الحمام. قال: وكان رجل من الجند يؤذيه، قال بعضهم: فسمعت منه وقد رآني خارجًا من عنده، سبًّا. فوصلت الى الدار فتوضأت فسمعت بكاءً فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: مات ذلك الرجل الآن. ودخل إليه رجل من حاشية السلطان، ففحمه الشيخ فخرج من عنده، فلقي بعض أصحابه، فقال له قصته معه. ثم قال: سوف ترى أنت. قال الحاكي: فخرجت من عنده الى داري، فبعد ساعة خرجت. فإذا الناس يقولون: مات فلان. فجئت الى الشيخ، فأخبرته. فقال: قد كفينا ما نحذر، والحمد لله. ونقل إليه، مقال اسماعيل في خطبته: أن حسينًا، يعني الأعمى الشاب الشيعي، جاء بنقطة من قلّة وهذه القلّة
بين أظهركم - يعني نفسه - فقال أبو إسحاق: عجب من نقطة من قلة خرقت المشرق والمغرب، اللهم اكسر القلة. فمات اسماعيل بعد ذلك بأيام. قال خادمه أبو سعيد: كنت ليلة عنده، فحبسني بحديثه، الى أن ضرب البوق. وكانت علامة أن لا يمشي أحد إلا من خرج لفساد. فمن وُجد بعد ذلك ضربت عنقه. فلما فرغ من حديثه، سلمت لأخرج. فقالت لي زوجته: قد ضرب البوق. فقال لي الشيخ: اجلس. فقلت: الوالدة تظن أني أصبت. فقال لي: اصبر يا أخي. فوقفني بين يديه، وقرأ علي، وأقبل يشير عن جهاتي،
стр. 1003
وسمعته آخرًا يقرأ بيَس. ثم دعا، وقال لي: حفظك الله بين يديك، وخلفك، ويمينك، وشمالك، وفوقك، وتحتك. فخرجت فمررت بساع وكلاب وعساسة في غير موضع. فما نبح علي كلب، ولا كلمني أحد، حتى وصلت داري. قال: وكان لبعضهم غلام أصيب ببصره، فسئل الشيخ له في الدعاء، فقال: امضوا يكن خيرًا إن شاء الله. فلما أكمل تلك الليلة، أبصر الغلام. قال أبو محمد: وقعت له هرة في البئر. فدخلنا عليه فوجدناه واقفًا وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فسألناه فما أخبرنا حتى ضرب الباب، فدخل إنسان، فجرد ثيابه، وائتزر بمئزر، وسلم. فقال له: لك حاجة، فأخبره، فنزل في البئر، فأخرجها. وذهب. فقلت له من هذا؟ قال: لا أدري. قلت: أرسلت فيه؟ قال: لا. قالوا: وأخذ الحاشد رجلًا فقيرًا، فحبسه وقيده، فمضى ابنه الى أبي إسحاق، فأخبره، فقال له: غدًا يخرج أبوك إن شاء الله تعالى. قال: فأنا في الليل، إذ أسمع صائحًا يقول: يخرج فلان، وتحل قيوده. ومضى بي الى الحاشد، فقال: امض لا سبيل عليك. فقلت: سألتك بالله ما السبب؟ قال: جاءني الليلة فارس بيده حربة. وقال لي: قم أخرج فلانًا، وإلا نحرتك بها. قال القابسي: كنت عند أبي إسحاق السبائي، إذ أتاه رجل مذعور، فقال له: إن السلطان أمر بنهب طعامي، وعبيدي وماشيتي، وقد خرج رسوله لذلك. فقال له الشيخ: كفاكه الله. فخرج من عنده،
فإذا بقوم من أهل المنزل، فسألهم. فقالوا: لما وصل رسول السلطان لمنزلك وفتح المطمر، أتاه آت فنهاه أن يتعرض لشيء، قال: واختلف رجلان أيهما أفضل: مروان الزاهد أو السبائي. فدخلا عليه. فوجداه في الصلاة. فلما أكملها، حوّل وجهه، وقال: ما بال قوم قعدوا بلا شغل، فلان أفضل من فلان، أما لهم في أنفسهم شغل؟ قال أبو سعيد خادمه: اشتريت
стр. 1004
سلعة، وأشركت فيها الشيخ، فربحت فيها ربحًا. فجالت نفسي وأدركتني رغبة. فقلت: قد كان الشيخ مستغنيًا عنها، وأنا ذو عيال، ثم حملت الى الشيخ حصته. فلما رآني تبسم، وقال: الناس يجولون على إخوانهم، ويتّجرون فيما ابتدأوه من الجهل. امض بها. فأخذني أمر، وقلت: لا أفعل. ثم قلت له: هذا أمر ما علمه إلا الله . فقال لي: للناس رؤى ومنامات. ودخل عليه في جملة الناس رجل لا يعرفه، من المشارقة. فلما سلم ودخل، رفع الشيخ رأسه، وقد احمر وجهه، وقام شعره. وقال: الشيطان في داري، ثلاث مرات، ففر المشرقي. وقال السبائي رضي الله تعالى عنه: قمت بين أبواب بيتي، فسمعت حسًا دخل من الباب فضربت الأرض بكفي، وعيني مغلقة. وأنا يقظان. فذهب ناحية الجبانة. وأنا أسمعه يقول: ما ندعُ أحدًا يقربك، لا نائمًا ولا يقظانًا. رحمه الله تعالى.
ذكر شمائله مع الناس وتجمّله معهم، وتواضعه، رضي الله تعالى عنه، وغلظته على أئمة الجور وأهل البدع وبني عبيد
حكى الأجدابي قال: كان الشيخ أبو إسحاق، متجملًا مع من يدخل عليه. قال أبو علي حسان: لجأت إليه مرة، فلم أزل عنده، من غدوة الى الظهر. ما قال لي شيئًا. ولا قام ولا ركع. ولا بال. وكذلك كانت عادته، فيمن يدخل عليه. قال أبو
سعيد القلال، خادمه، قال لي: لا تقض لي حاجة إلا بنيّة. قال حسان: وكان لا يتمالك، عهدي به ضحك مرة ضحكًا عظيمًا، وما استحى أن يتجمل، وبحضرته قوم غرباء. فرأيت بعض من حضر استحى، فما اعتذر هو من ذلك، وقصده رجل من سجلماسة. فلما عرف الشيخ بذلك قال:
стр. 1005
أنا أقوم إليه، فتلقاه وسلم عليه، ووقف عليه، ووقف معه ساعة، ثم دخل كئيبًا. فجثا على ركبتيه، وجعل يضرب بيديه إحداهما على الأخرى. ويسترجع. فسئل، فقال: رجل من سجلماسة. جاء الى زيارتي وما قدري أن أُزار من سجلماسة، والله الذي لا إله إلا هو، ما أستحق إلا من يجلسني في الزقاق ويقول: - لكل واحد ممن جاز - ألطم. وقد سأل الله، أن يُنسي الشيعيّ اسمه. وكان عبد الله بن هاشم يقول: كنت إذا اجتمعت معه يقول لي: ذلك الذي يسكن عند الربع فأقول له: السبائي. فيقول: نعم. وقال معدّ يومًا: رجل في بيت من قصب، بقرب الفحص يشتمنا، ما قدرنا عليه بشيء. قال بعض عبيده: من هو نقطع رأسه؟ فقال معدّ أسكت يا عبد السوء. فقال له: موسى اليهودي، إنك لن تقدر عليه. ولما هزم اسماعيل أبا يزيد، ووصل الى القيروان وجه في شيوخها، فوجه في مروان بن سعدون الخطيب. وكان يشتمهم، على المنبر. ودخل عليه فلم يسلم عليه، لا وقت دخوله، ولا وقت خروجه، وجعل كلما كلمه، لا يزيد على: ما شاء الله، حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم وجه الى أبي إسحاق السبائي، فامتنع من المجيء إليه، فخرج اسماعيل الى جهة الساحل، فوقف عنده، ووجه رجلًا فيه. فقال له: لابد من خروجه إليّ فوصل إلي الرجل وأعلمه وشدد عليه، فقال: لا سبيل الى ذلك، فقال: ولابد قال: نعم، فاصبر حتى أتوضأ وأصلي ركعتين. قال له: يطول عليه الأمر، وأنت بطيء الوضوء. قال: لابد. فخرج الرجل ووقف على الباب وتوضأ أبو إسحاق. وركع ثم قام وتقلد سيفه، وأخذ رمحه،
стр. 1006
ولبس لامته، وخرج. فلما حصل على باب الدار ثار ثورة شديدة، فقال له
الرجل: ما هذا. قال: عاهدت الله أن لا ألقاه إلا على هذا الحال. ولا سبيل الى نكث ذلك، فبكى الرجل، ومن حضر، وقال له: لا سبيل الى مسيرك بهذه الحالة فارجع. ومضى الرجل فوجد اسماعيل ينتظره. فقال: وجهتني الى رجل مصاب في عقله. فمضى اسماعيل وكفي شره. قال أبو إسحاق: كنا بمناخ أنا والممسي، وربيع ومروان، وأبو العرب، وجماعة. إذ خرج علينا أبو يزيد، فقال: بايعوني فإن النبي ﷺ لم يخرج الى غزاة، ولا بعث حتى جدّد البيعة في أعناق الصحابة. فسكتوا بأسرهم. فقال أبو إسحاق: نعم، نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومذهب مالك. قال: فقلت. فأنت رجل من أهل القبلة، توحد الله، خرجت لجهاد أعداء الله تعالى. فخرجنا ننصرك عليهم. فوثب أبو يزيد، وقال: لا بأس إذا قالوا. وذكره معد يومًا فقال: أعد لنا السلاح، وتربص بنا الدوائر، وكفّرنا وشتمنا. وعلّم الناس الجرأة علينا، حتى يتأكد عند الكبير والصغير. وأعان قوم عليه، في المجلس، وتكلم قوم له، فأعلم بذلك، فزاد أبو إسحاق حينئذ في السلاح، وأصلح ما كان عنده منه. قال: واستأذن عليه يومًا صاحب الحرس، فهرب كل من كان معه، ومنهم ابن أبي زيد، ولم يبق معه إلا القابسي. فقال الشيخ: من هذا؟ فقال: أنا فلان فقال: أدخل الشيطان، ما يريد الشيطان، أخرج الشيطان، ما كلمه يومئذ إلا بشيطان. فلما خرج، رجع مَن هرب فقال لهم: ما هذا حق الصحبة تهربون وتتركوني. ولامهم على فعلهم، وكان لا يدخل على أبي إسحاق أحد من حاشية القوم، ولا قضاتهم، إلا ابن هاشم. لا غيره، لأنه كان يشتم بني عبيد عنده. قال بعضهم: كنا يومًا عندهم، إذ دخل صقلي، عليه كسوة ورائحة.
стр. 1007
فسأل عن الشيخ، فلم يجبه أحد، فقال الشيخ: تكفرون ثم ترسلون إلينا ندعو لكم. فانصرف الصقلي.
ذكر وفاته رحمه الله تعالى
توفي الشيخ أبو إسحاق رحمه الله تعالى ورضي عنه، لثمان بقين من رجب سنة ست وخمسين وثلاثماية. مولده سنة سبعين ومايتين. قال القابسي: لما احتضر أبو إسحاق رأى من حضر نورًا عند وجهه. ومرّ على صدره. ثم الى رجليه. ثم خرج من البيت، فقبض الشيخ. ولما قبض بادر الشيوخ الذين حضروه: ابن أبي زيد، رحمه الله تعالى، وابن شبلون، وغيرهم، الى غسله، وكفنه، مخافة أن يوجه لهم معدّ كفنًا - على عادتهم - فجاء ابن أبي هاشم بالكفن، وهم قد فرغوا منه، فجعل من فوق. فلما خرج به الى الجبانة. قطّعوه قطعة قطعة. ولما رأى معد، اجتماع الناس لجنازته أرسل عسلوج الولهاجي، يبدّد الناس، - وكان والي القيروان - فكان الناس يلقونه، ويقولون له: النبي وصاحبيه. فيقول لهم: نعم، خوفًا منهم، ومعد تحت قلق الى أن دفن. قال ابن التبّان: لما توفي رجعت الى الدار، فلما تحينت وقت غسله، خرجت لحضوره، فإذا شيخ لقيني، فسألني عن مسيري فأخبرته، فقال لي: قد صُلّي عليه؟ وكما جئت. فغمني ذلك. فقلت: أمضي لأكمل أجري. فوصلت الى داره. فإذا به لم يغسل. فعلمت أنه إبليس، أراد أن يفوّتني ذلك. رحمة الله ورضوانه على سيدنا أبي إسحاق السبائي.
محمد بن مسرور العسّال رحمه الله تعالى
أبو عبد الله. كان شيخًا فاضلًا، من أهل العلم سمع بإفريقية، من
стр. 1008
عبد الله بن الخبّاز. وسهل القبرياني، وعبد الرحمن الورقة، ويحيى بن عمر، وابن معتب، والمغامي، وغير واحد. ورحل فسمع بمصر مقدام بن داود، وعلي بن عبد العزيز، وأجازه يونس الصدفي. وكان يقوم الليل كله، هو وكل من في داره. ولقد ذُكر أنهم باعوا خادمًا، سوداء، فرجعت إليهم، وقالت بعتموني من اليهود. فقالوا لها: إنهم مسلمون. قالت إنهم لا يقومون الليل، وهو والد الفقيه، أبي حفص ابن
العسّال. وكانوا ثلاثة إخوة: أبو عبد الله، هذا. وأبو حفص عمر، سمع محمد بن عبد الحكم، يونس بن عبد الأعلى، ومات قديمًا. وأبو سليمان، كان نبيلًا ثقة، يسمى حمامة المسجد، لملازمته. وكان يميل الى الحديث. وكان أبو عبد الله، هذا، كثير الصلاة والتلاوة، يختم كل ليلة ختمة. وكان بينه وبين عبد الله بن مسرور بن الحجام المتقدم ذكره قبل هذا، مباعدة بسبب العلم. وكانت وفاتهما في يوم واحد، سنة ست وأربعين وثلاثماية، وابنه أبو حفص، عمر بن محمد، رحمه الله تعالى.
عمر بن محمد بن مسرور العسّال
قال أبو بكر المالكي: كان رجلًا صالحًا، خيرًا فاضلًا، فقيه البلد، ثقة جيد الحفظ، مفتي أهل زمانه، ذا سمت وصيانة، وورع، وديانة، لم يغمص عليه في حداثته، ولا كبره شيء. سمع من أبيه وأبي بكر بن اللباد، وبمصر من بكر بن العلاء، وكان أبو إسحاق السبائي، يقول: ما تطيب على قلبي فتيا، غير فتيا أبي حفص، لأنه يشيب بورع، وخوف وشدة مراقبة، وإشفاق وحذر. وكان لا يقوم لأحد، إذا دخل عليه، إلا له. وكان أبو القاسم عبد الحق بن
стр. 1009
شبلون يقول: أبو حفص أفقه من أبي سعيد ابن أخي هشام. وكان أبو جعفر الأجدابي يقول: أبو سعيد أحفظ، وأفقه. قال بعضهم: قلت لأبي إسحاق السبائي، يدخل عليك العلماء، فلا تقوم لأحدهم إلا لأبي حفص. فقال لي: أبو حفص عالم عامل. وكان يقول: إذا أردت أن ترى العالم العامل، فعليك بأبي حفص. قال أبو بكر: وكان قد جمع الله فيه خصال الخير كلها. وكان المتعبدون يعظّمونه ويفضلّلونه. وكانت له همة عالية، ومحضر عظيم، ولكنه لم يطل عمره. وتوفي في حياة أبيه. قال: ودخل يومًا على أبي إسحاق، فقام إليه، وتلقاه وصافحه، وقال له: ما الذي أتى بك؟ فقال له أبو إسحاق: جمع الله شمل المسلمين بك، وأبقاك لهم. وتوفي شابًا، وأبوه حي. ذكر
القابسي، أنه دخل على أبي عبد الله، وابنه أبو حفص في النزع، وهو جالس وفي يده جزء من القرآن، وفي المجلس أبو سعيد ابن أخي هشام، وابن التبان، وابن أبي زيد رحمه الله تعالى، والشيخ على حاله يقرأ جزأه، ثم يحوّل وجهه إليهم ويقول: كيف رأيتم أبا حفص؟ فتقول الجماعة: بخير إن شاء الله. الى أن مات. فوجموا وسكتوا. فحوّل الشيخ وجهه إليهم، وقال: مات أبو حفص. فقلنا: نعم. أصلحك الله وجبر مصابك. فثنى الجزء على إبهامه، ثم حوّل وجهه، وهو في مكانه، وقال: رحمك الله يا بني، لقد كنت صوّامًا قوّامًا، حافظًا لكتاب الله، ، عالمًا بسنة رسوله ﷺ . ولقد طمعت أن أكون في صحيفتك، فالحمد لله الذي جعلك في صحيفتي. ثم قال: خذوا في شأنه. وأقبل على مصحفه. قال ابن شبلون: لما مات وغسل، وكفن وأبو عبد الله أبوه حاضر، وأبو سعيد ابن أخي هشام وأبو الأزهر بن معتب
стр. 1010
وأبو محمد بن أبي زيد، رحمهم الله تعالى، وأبو محمد بن التبان، وغيرهم من أهل العلم. قال الغاسل لأبيه: ما أعظمها من مصيبة. فقال له: لا تقل. ثواب الله تعالى خير منه. ثم قال أبوه: رحمك الله يا أبا حفص، لقد كنت مباركًا علينا في دنيانا وأخرانا، أما دنيانا فكان يجري على يديك قوتنا، وأما أخرانا، فكنت أقول: لعلي أكون في صحيفتك، فقد صرت في صحيفتي. وعزه فيه السبائي، فقال له: يا أبا عبد الله، إنك كنت تريد أبا حفص، للدنيا. وأنا كنت أريده للآخرة، فأنا أحق بالتعزية منك. وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين وثلاثماية. وهو ابن نحو أربعين سنة وأبوه حي. وصلى عليه أبوه رحمه الله تعالى.
أحمد بن أبي رزين الخياط
سمع من يحيى بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان، وأبي عمران الحداد، وأبي زيد التوزري، ومالك القفصي. وسمع منه أبو محمد بن هاشم بن الحجة. قال المالكي:
له فقه وعلم بالحديث وصلاح. توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
حمود بن مسلم
القابسي. ذكره المالكي. قال: وكان الممسي يفضّله ويذكر من فضله وأن السلطان أراد أن يوليه شيئًا له من نعمته، وقبضت منه، ولم يل شيئًا. يروي عن يحيى بن عمر.
تم الجزء الثالث من كتاب ترتيب المدارك، ويليه الجزء الرابع، مبدأه دراس ابن إسماعيل، بعون الله على يد كاتبه لنفسه الفقير إلى ربه الأعظم عبد محمد الأصرمز وكان الفراغ منه يوم الأربعاء في ١٨ رمضان المعظم سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف، غفر الله لي ولوالدي ومشايخي وجميع المسلمين بمنّه وكرمه، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1011
تَرتيبُ المَدَارِكْ وَتقرِيب المَسَالِكْ لِمعْرفَة أعْلَام مَذْهَبْ مَالِك
للقاضي عياض
القَاضِي أبو الفضل عيَاض بن مُوسى بن عيَاض اليحصبيّ السَّبْتي المتوفى سَنَة ٥٤٤ هـ - ١١٤٩ م
تحقيق
الدكتور أحمد بكير محمُود
الجزء الثالث
منشورات:
دَار مكتَبَة الحيَاة - بَيروتْ
دار مكتبة الفكر - طرابلس - ليبيا
стр. 1012
الجزء الرابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
من أقصى المغرب
درّاس بن اسماعيل
كنيته أبو ميمونة. من أهل مدينة فاس. سمع من شيوخ بلده. وبإفريقية من أبي بكر ابن اللباد وغيره. وبالأندلس، من شيوخها. وله رحلة، حجّ فيها. وسمع من علي بن أبي مطر. وبالاسكندرية كتاب ابن المواز، وحدث به بالقيروان. سمعه منه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وغيرهما. ودخل أيضًا الأندلس مجاهدًا، وطالبًا. فتردد بها في الثغر، فسمع منه أبو الفرج بن عبدوس، وخلف بن أبي جعفر، وغير واحد. وأراه رحل لبلدنا. فقد حدث عنه أقوام، من كبارهم، كأبي عبد الله محمد بن علي بن الشيخ، وأخيه حسن بن علي، وعمر بن ميمون بن بكر القيسي، وحمود بن غالب الهمداني وغيره. قال المالكي: كان أبو ميمونة من الحفّاظ المعدودين، والأئمة المبرّزين من أهل الفضل والدين، ولما طرأ الى القيروان، اطلع الناس من حفظه، على أمر عظيم. حتى كان يقال: ليس في وقته، أحفظ منه. وكان نزوله عند ابن أبي زيد، وظهر تقصيره بأهل القيروان، وشفوفه على كثير منهم. قال
стр. 1013
القاضي أبو الوليد ابن الفرضي: كان أبو ميمونة فقيهًا حافظًا للرأي على مذهب مالك. قال أبو عبد الله بن عتاب: كان يعرف بأبي ميمونة المحدّث. قال أبو الوليد الباجي: كان شيخًا صالحًا. وذكر أنه دفع دينارًا لمن يشتري له طعامًا، فأتاه. فقال له: اشتريت واجتهدت. فوصف له كيف كان الطعام، والزرع. فقال ردّ علي، ولا حاجة لي به. وذكر المالكي أنه كان أحفظ
أهل زمانه بمذهب مالك، وأصحابه. وذكر عن بعض أصحاب أبي بكر ابن اللباد، قال: كنت يومًا جالسًا في مجلس أبي بكر ابن اللباد، وأبو ميمونة يقرأ عليه الموطأ فتواقعا في حديث، فخالفه فيه شيخنا. وقال أبو ميمونة: كتابي هذا قرأته بالأندلس، وبفاس. فأمر أبو بكر بإخراج موطأ ابن وهب، وكتب كثيرة، حتى تقرر عندهم حقيقة الحرف الذي اختلفوا فيه. فلما نظر أبو بكر الى الكتب والرزم، قد حلت ضاق، وقال لأبي ميمونة: يا هذا فيك استقصاء. وما أظنك تريد إلا أن تكون ديكًا. فقال أبو ميمونة: أكرمك الله. لو شئت أن أكون ديكًا في غير بلدي، كنت. فقال له أبو بكر: قم عنا ولا تغشَ لي مجلسًا. قم يا هذا. واستحثه. فأخذ أبو ميمونة كتابه، ومجرته، ووقف وقال: اللهم إنك تشهد. قال المالكي: فخرجت في أثره، ومشيت معه، حتى أبعدنا وهو يسترجع. فقلت له: اجلس على هذا الدكان، حتى أرجع الى الشيخ، وأعود إليك. فرجعت وجلست بين يدي الشيخ، وقلت: أصلحك الله أنت شيخنا وإمامنا، وهذا رجل له قصد إليك، فترى إذا سألك الله لم طردته، أتقول له، لأنه قال لو شئت أن أكون ديكًا في غير بلدي. ما فعلتَ. أصلحك الله. وقلت مقبول عنك، ومسموع. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وكررها. ثم قال: يا أخي، ردّ الرجل، ويدع المعاتبة. فسرت إليه فرجع معي. فسلّم على الشيخ،
стр. 1014
وجعل بعد ذلك يختلف ويحضر السماع، والشيخ غير منبسط له. فشكا ذلك الى بعض أصحابه. فقالوا له: زوجته شابة. فلو أهديت إليها عطّفته عليك، وأصلحتْ لك جانبه. فقال: والله لا أخذت العلم من طريق الرشوة أبدًا، والشيخ قد انتشرت إمامته، وحلّ في قلوب الناس بالمحل الذي علمتم. وما قسّى قلبه عليّ، إلا لأمر تقدم لي، عوقبت عليه. ولكن، والله ما أصلحت إلا ما بيني وبين الله، وينتهي الأمر الى ما شاء. قال: فما طالت المدة، حتى كان إذا دخل أبو ميمونة قال أبو بكر له: يا أبا ميمونة، أشركنا في صالح دعائك. وذكر ابن التبّان،
أن رجلًا، رأى سنة ثمان وخمسين في المنام، بالزيارة، وكان منصرفًا من الحج: السماءَ والأرضَ يبكيان. فسأل عن ذلك. فقيل له: على أبي ميمونة، درّاس بن اسماعيل، ولم يكونوا عرفوا موته. فإذا به قد مات رحمه الله تعالى. وتوفي بفاس بلده. سنة سبع وخمسين وثلاثماية. فيما قاله ابن الفرضي. وفي تاريخ الأفارقة. في سنة ثمان وخمسين. وقبره بباب الفتوح الى جانب السور من خارج البلد. وله بفاس مسجد يعرف به.
خير الله
ابن القاسم الفارسي. من مشاهير فقهائها ومتقدميهم. سمع منه عيسى ابن سعادة الفارسي. رحمه الله تعالى.
من أهل الأندلس
محمد بن خالد
ابن وهب بن خالد بن داود بن جعفر. المعروف بابن الصُغَيّر. التميمي. مولاهم. أبو بكر من طيء من بيت علم وجلالة. سمع من
стр. 1015
أبيه وابن وضاح وأبي صالح، وسعيد بن خمير، وابراهيم بن قاسم بن هلال، ومطرف بن قيس وغيرهم. قال ابن أبي دليم: وكان ذا بصر بالفقه، وحفظ له. واعتماده على ترجيح قول ابن الماجشون. وشوّر. وسمع منه. وولي قضء أشبونة. قال ابن حارث: كانت له عناية بالرأي والفتيا، والوثائق. وكان يشاور في الأحكام. وسمع منه الناس. توفي بعد ثلاثين وثلاثماية. وقيل تسع وعشرين. وقيل سبع وعشرين في صفر.
محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة
أبو عبد الله. يلقب بالبربري ابن أبي الشيخ ابن لبابة. جلّ سماعه من عمه محمد
بن عمر بن لبابة. وسمع من غيره. رحل فسمع بالقيروان، من حماس بن مروان. وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب. عالمًا بعقد الشروط. بصيرًا بعللها. وله اختيارات في الفتوى والفقه، خارجة عن المذهب. وله في الفقه كتب مؤلفة. منها: المنتخبة. وكتاب في الوثائق. وأثنى ابن حزم الفارسي على كتابه المنتخبة. وأنه ليس لأصحابه مثلها. وهي على مقاصد الشرح لمسائل المدونة. قال بعضهم: ولم يكن له علم بالحديث. وكان ينحرف عنه. قال القاضي: أما قلة علمه بالحديث، فظاهر، وأما انحرافه عنه، فلا، بل يميل إليه، في تواليفه، وإن اعتمد على نظره في مسألة، أو ضعّف فيها، قول المدنيين. كثيرًا ما يقول: إلا أن يأتي بذلك أثر صحيح. ولي قضاء البيرة، والشورى بقرطبة. ثم رفع عليه أهل البيرة، فعزل عنها، وعزل بعد ذلك عن الشورى، لأشياء، نُقمَت عليه. وكان القاضي الحبيب بن زياد، قد
стр. 1016
سجل بسخطته. قال ابن عفيف: رفع الى الناصر لدين الله، عن ابن لبابة أشياء قبيحة. فأمر بإسقاط منزلته من الشورى، والعدالة، وإلزامه بيته. ومنعه أن يفتي أحدًا. فأقام على ذلك وقتًا. ثم إن الناصر، احتاج الى شراء المحشر، من أحباس المرضى بقرطبة، عدوة النهر، فتشكّى - الى القاضي ابن بقي - أمرَه وضرورته إليه، لمقابلته منتزهه وباديته فيهم. وأن مطله من علاليه. فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي، وهو أولى بحفظ حرمة الحُبُس. فقال له: تكلم مع الفقهاء فيه، وعرّفهم رغبتي. وما أبذله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم يجدوا في ذلك رخصة. فتكلم ابن بقي معهم. فلم يجعلوا إليه سبيلًا. وغضب الناصر عليهم. وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم، الى القصر، وتوبيخهم. ففعلوا. فلما وصلوا الى بيت الوزارة بالقصر، انبرى لهم رجل جديد من الوزارة. فأفحش في خطابهم. وقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال اليتامى ظلمًا، يا شهداء الزور، يا آخذي الرشا، وملقني الخصوم، وملحقي
الشرور، وملبّسي الأمور، وملتمسي الروايات لاتباع الشهوات، تبًّا لكم، ولرأيكم، فهو أعزه الله، واقف على فسوقكم قديمًا، وخدعكم حديثًا، مغضٍ عنه، صابر عليه. ثم احتاج الى دقة نظركم، في حاجة، مرة في عمره، فلم يسع نظركم للتحمّل له، ما كان هذا ظنه بكم. والله ليعارضنّكم من يومه. وليكشفن ستوركم وليناصحنّ الإسلام فيكم. وكلامًا في مثل هذا. فبدأ شيخ منهم ضعيف الى الاعتذار، واللياذ بالعفو. وقال: نتوب الى الله مما قاله أمير المؤمنين، ونسأله الإقالة. فرد عليه كبيرهم، محمد بن ابراهيم بن
стр. 1017
حيون. وكان ذا منة. فقال: لم نتوب يا شيخ السوء، نحن براء الى الله من متابتك. ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم فقال: يا وزير، ليس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المؤمنين، مما نسبته إلينا، فهي صفتكم معاشر خدمه، أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون ظلمهم، وتتحفون مماستهم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق. وأما نحن فليس هذه صفاتنا، ولا كرامة، ولا يقوله لنا إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسروج الظلمة، بنا يتحسن الإسلام، ويفرَّق بين الحلال والحرام، وتنفّذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض وتثبت الحقوق، وتُحقن الدماء، وتستحل الفروج. فهلا إذا أعتب علينا أمير المؤمنين بشيء، لا ذنب فيه لنا، وقال بالغيظ بعض ما قاله، تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحامك وعرضت لنا بإنكاره، ففهمنا منك وأجبنا عنه، بما يجب. فكنت تزيّن على السلطان ولا تفشي سره. وتستحيينا قليلًا فلا تستقبلنا بما استقبلتنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين أيده الله، لا يتمادى على هذا الرأي فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيرنا. فلو كنا عنده على الحالة التي وصفتها عنه، - ونعوذ بالله من ذلك - لبطل عليه كل ما صنعه، وعقده وحله، من أول خلافته الى هذا الوقت. فما بت له كتاب حرب، ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس ولا هبة ولا عتق، ولا غير
ذلك، إلا بشهادتنا. هذا ما عندنا والسلام. ثم قام هو وأصحابه منصرفين، فلم يبعدوا الى باب القصر الأول، إلا والرسول خلفهم بصرفهم الى مواضعهم من بيت الوزراء. فلقوهم بالأعظام والاعتذار، مما كان من صاحبهم المخاطب
стр. 1018
لهم. وقال لهم: أمير المؤمنين يعتذر إليكم من موجدته، ويعلمكم بندمه على ما فرط منه، وأنه متبصر في أعذاركم. وقد أمر لكل واحد منك بصلة وكسوة علامة لرضاه عنكم. فدعوا له وأثنوا عليه، وانصرفوا أعزة. وبقي في صدر الخليفة من هذا الحُبس حزة. وبلغ ابن لبابة هذا الخبر على وجهه. فرفع الى الناصر أنه يغض من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعًا. ولو كان حاضرهم لما سلف لأفتاه بجواز المعارضة، وتقلدها، وناظر عليها أصحابه. فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة هذا الى عادته من الشورى. ثم أمر القاضي بإعادة الشورى في هذه المسألة فاجتمع القاضي للنظر في الجامع. وجاء ابن لبابة آخرهم وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم لها، وغبطة المعاوضة فيها. فقال جميعهم بقولهم الأول، من منع إحالة الحبس عن وجهه، وابن لبابة ساكت. فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذي قاله أصحابنا الفقهاء. وأما أهل العراق، فإنهم لا يجيزون الحُبُسَ أصلًا. وهم علماء أعلام، يهتدي بهم أكثر الأمة. وإذا بأمير المؤمنين من حاجة الى هذا المحشر ما به، فما ينبغي أن يرد عنه، وله في السنّة فسحة. وأنا أقول فيها بقول العراقيين، وإنفاذ ذلك رأيًا. فقال له الفقهاء: سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه؟ وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه؟ فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم ألم تنزل بأحد منكم مسألة بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم؟ وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا بلى. قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك،
فخذوا مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء. فكلهم قدوة، فسكتوا. فقال للقاضي: إنْهِ الى أمير المؤمنين بفتياي. وكتب
стр. 1019
القاضي الى أمير المؤمنين بصورة المجلس. وبقي مع أصحابه بمكانهم، الى أن أتى الجواب أن يؤخذ له بفتوى محمد بن يحيى بن لبابة. وينفذ ذلك. ويعوضوا المرضى من هذا المحشر بأملاكه بمنية عجبٍ. وكانت عظيمة القدر جدًا، تزيد أضعافًا على المحشر. ثم جاء صاحب رسائل من عند أمير المؤمنين، وكتاب منه لمحمد بن يحيى بن لبابة، بولاية خطة الوثائق، لكي يكون هو المتولي عند هذه المعارضة. فهنّي بذلك. وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه، وانصرفوا. فلم يزل محمد يتقلد خطة الوثائق، والشورى من هذا الوقت، الى أن مات. ومنزلته من السلطان لطيفة. قال القاضي: ذاكرت بعض مشائخنا بهذا الخبر، إذ أفضت مذاكرتي له، الى تسجيل الحبيب عملية سخطته. فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر، الى سجل السخطة فهو أولى بما تضمنه، أو كما قال. إلا أن ابن عفيف، ذكر أنه مات رحمه الله تعالى، عن حال معتدلة. غفر الله لنا وله. قال ابن مفرج: كان هذا التسجيل سببًا لإقلاعه عما نسب إليه، الى توبة نصوح، رجع بها الى أحسن أحوال العلم. فلزم بيته مدة، دائمًا على دراسة العلم، ومطالعته، حتى برع، وكمل. ثم حجّ ولقي جماعة من أهل العلم، وانصرف. وقد أعدلت حاله. فأقيلت عثرته. وكان سبب موته، أنه تخاصم عند القاضي ابن أبي عيسى، مع صاحب الشرطة ابن عاصم، في حمام. وتنازعا الخصومة يومًا والمجادلة، حتى اضطرب جسم محمد، وضربه فالجٌ صرعه، فحمل الى داره، في نعش. وكان سبب ميتته عاجلًا. فتوفي في ليلة الاثنين، لست خلون من ذي الحجة، سنة
стр. 1020
ثلاثين وثلاثماية. وقيل توفي في ذي القعدة، من السنة. فسمع خصمه، وهو خارج من المسجد، الذي فلج فيه، وهو متهلل شامل يقول: الحمد لله رب العالمين. اسبق عدوك ولو بيوم.
أحمد بن عمر بن لبابة
رحمه الله تعالى. أبو عمران: شيخ الفقهاء. وابن عم هذا المقدم ذكره. قرطبي. سمع من أبيه وأحد بن خالد وغيرهما. وكان حافظًا للرأي، مقدمًا فيه، جيد القريحة، وشاوره أحمد بن بقي القاضي. قال ابن حارث: لم يكن بقرطبة في وقته أكمل منه علمًا، ولا أظهر فقهًا، وكان محبّبًا في الناس، تحمد خصاله. عاقلًا حصيفًا فقيهًا. عاملًا حسن المعاشرة، أديبًا. وأراد قاضي قرطبة تقديمه للشورى، فاعترضه ابن أيمن. وقال له: إن أردت ذلك فقدم أولادنا لذلك. فكف القاضي عنه، وتوفي حدثًا. منصرفه من الغزو. ودفن بقلعة رباح، منتصف صفر سنة خمس وعشرين بعد وفاة أبيه، بنحو عشرين سنة.
أحمد بن عبادة بن نوح بن اليسع
ابن شعيب، بن الجهم، بن عبادة، بن علكرة الرعيني
أبو عمر. قرطبي. سمع الخشني، وابن وضاح، وأبا صالح، وبه تفقه. ورحل فسمع ابن المنذر. والعقيلي، وابن الأعرابي وغيرهم بالقيروان، والشام، والحجاز. وكان منقبضًا. سمع أحمد بن عون الله. ولي الصلاة وقلد الشورى. فلم يتقلدها فيما قاله ابن أبي دليم. قال أحمد بن عبادة: كنت يومًا ماشيًا مع محمد بن سلمة القاضي، فلقينا إنسانًا في رأسه
следующие страницы →