← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

العلم. ومن يرد عليه من الغرباء يعطيهم الدراهم، ويكسوهم. وكان لا يخلي جيبه من كيس، فيه مال. فكل من يرد عليه من الفقراء يغرف له غرفة بلا وزن. ولقد سألته عن سبب عيشه، أولًا. فقال: كان رؤساء بغداد، لا يموت أحد منهم إلا وصّى لي من ماله. ولو كنت ممن يريد الجمع، لكان معي فوق الثلاثين ألف مثقال. وكان يومًا جالسًا إذ جاء القاضي أبو إسحاق المروزي. فلما دخل عليه تبسّم في وجهه. ثم قال: يا بغيض، ما أكثر انقباضك عن أصدقائك وإخوانك، ما تزور أحدًا منهم، ولا تعرف خبرهم. قد مات صديقك فلان المالكي، وأوصى لك بثلاثماية دينار، وأسند النظر في وصيته إليّ، وهذه قد حضرت. وأتيتك فأقبلها وأصرفها في مصالحك، فجزاه الأبهري خيرًا. وقال له: أنا في غنى عنها الآن، ورغب إليه في تصريفها ممن يستحفظها ليقع أجر موصيها على الله. فقال له القاضي: ما أكثرك محلل، وإني بك عن هذا. فقال له: إخواني كثيرًا ما يعتقدوني، وعرض عليه ثلاثة أكياس في أحدهما قطع، وفي الآخر دراهم صحاح، وفي الثالث رباعيات، ومثاقل ذهب، وأراه ما فيها، وقال: أنا أبيّن لك أني لم أقل هذا مجملًا. وإذا أنا مت ووجد هذا عندي، فأي منزلة تكون لي؟ ورغب الى القاضي في تفريقها على أهل الحاجة. فبكى القاضي، وقال: جزاك الله عن نفسك خيرًا. وكان الأبهري أحد أئمة أهل القرآن، والمتصدرين لذلك، العارفين بوجوه القرآن، وتحرير التلاوة. وقد ذكره أبو عمر الداني في طبقات المقرئين، وتفقه على أبي بكر الأبهري عدد كثير، وخرج له جملة الأئمة بأقطار الأرض من العراق وخراسان، والحجاز ومصر، وإفريقية. كأبي جعفر الأبهري، وأبي سعيد القزويني، وأبي القاسم الجلاب، وأبي الحسن بن القصار،

стр. 1087

وأبي عمر بن سعد الأندلسي، نزيل المهدية. وابن عباس البغدادي. وأبي تمام، وابن خويرمنداد البصري، وأبي محمد الأصيلي، وأبي عبيد الحيوني، وأبي محمد القلعي، وغير واحد. ولم ينجب أحد من الأصحاب بعد اسماعيل القاضي، ما أنجب أبو بكر الأبهري، كما أنه لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار، إلا سحنون بن سعيد في طبقته. بل هو أكثر الجمع أصحابًا، وأفضلهم أتباعًا. وأنجحهم طلابًا. ثم أبو محمد بن أبي زيد ﵁ في هذه الطبقة أيضًا. غفر الله لجميعهم. ونفعهم بعلمهم. لكن أصحاب أبي بكر، العراقيين، تتابعوا بعد موته، فلم تطل أعمارهم بعد، ولأبي بكر من التواليف، سوى شرحي المختصرين. كتاب الرد على المزني. وكتاب الأصول. وكتاب إجماع أهل المدينة. ومسألة إثبات حكم الغابة. وكتاب فضل المدينة على مكة. ومسأل الجواد والدلائل، والملل. ومن حديثه كتاب العوالي، وكتاب الأمالي. وكان شرح المختصر الصغير، سنة تسع وعشرين وثلاثماية. وشرح الكبير، سنة أربعين. وفيهما نحو عشرين ألف مسألة. بقية أخباره ﵁ قال أبو بكر الخطيب: سئل الأبهري، أن يلي القضاء ببغداد، فامتنع. فاستشير فيمن يصلح لذلك، فأشار بأبي بكر الرازي. وكان حال الرازي يزيد على حال الرهبان، في العبادة. وكان حنفي المذهب. فامتنع وأشار بالأبهري. فلما لم يجب واحد منهما الى القضاء، وليَ غيرهما. وبعد موت الأبهري، وكبار أصحابه لتلاحقهم. وخروج القضاء عنهم الى غيرهم من مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. ضعف مذهب مالك بالعراق. وقل طلبه

стр. 1088

لاتباع الناس أهل الرائاسة، والظهور. وقال الهمداني: لما دخل عضد الدولة بغداد وأتابها، استقبله جميع أهلها، وجميع أهل الرئاسة والعلم إلا الأبهري. فسأل عنه، وأرسل إليه رسوله بألفي درهم، وقال له: يقول لك الملك تفرق هذه الدراهم في أصحابك، ويقول لك: إنه لم يبق من أهل العلم ببغداد، من لم يأته سواك. فقال له الأبهري: أصلح الله الملك، أنا شيخ كبير السن، ضعيف البصر. وزوّج عضد الدولة ابنه، من بنت بعض ملوك الديلم، وأحضر جميع أهل بغداد وقضاتها، فلم يرَ الأبهري فيهم. فوجه إليه بعض وزرائه، يعزم عليه في حضور مجلسه، وإن احتاج الى محفة حمل فيها. فوصل إليه، فأخبره بعزيمة الملك، وأحضر له بغلة ومحفة يجلس فيها، ويحمل فيها إن لم يقدر يركب. فلما رأى العزيمة خرج متوكئًا على علي بن عمر بن القصار، وعبيد الله بن الحسن بن الجلاب، كبيري أصحابه، حتى أتى الدجلة والوزير يمشي بين يديه، يقرب إليه مركب، فعدل عنه الأبهري الى سمارية ركبها مع صاحبيه، ووصل القصر، فوجده محتفلًا، فجلس حيث انتهى به المجلس. فلما رأى الملك وزيره الموجه فيه، سأله، فأعلمه بوصوله، فقال له: قرّبه. فقرّبه، والملك وجميع الناس قيام إلا شيخًا من ملوك الديلم جالسًا بين يدي الملك. فأمر الملك الأبهري بالجلوس مع الشيخ. وقرئ كتاب الصداق، وأمر الملك بوضعه في كتاب الأبهري والشهادة فيه، ثم كتب الناس بعده. فلما تمت الشهادات أدخل الناس الى مجالس الطعام. قال الأبهري: فوجدت فرصة الى النهوض، فسلمت على الملك وانصرفت، ولم آكل لهم طعامًا. قال ابن فطيس: وجدت بخط الأبهري: الدين عز، والعلم كنز، والحلم حرز، والتوكل قوة. ومن أخباره، قال: دخلت جامع طرسوس وجلست لسارية من سواريه، فجاءني رجل، فقال لي: إن كنت تقرأ فهذه حلقة القرآن، وإن كنت مقرئًا

стр. 1089

فاجلس يقرأ عليك، وإن كنت فقيهًا، فاجلس يحلق إليك، وإن كنت متفقهًا فهذه مجالس الفقه، قم إليها. فإن أحدًا لا يجلس في جامعنا دون شغل. ذكر الفقيه أبو مالك بن مروان بن مالك القرطبي، في كتابه عنه، أنه قال: اجتمعنا في جماعة من أهل العلم والصلاح، وقد تناظر رجل من أهل السنة مع رجل معتزلي، فطال بينهما الكلام، فجاء المساء، فلم يظهر أحدهما على صاحبه. فقال السنّي: هذا مجلس انقضى على غير فلح. وقد حضرنا قوم صالحون فلنخلص الدعاء للمحق منا، بأن يثبت الله تعالى القرآن في صدره، وينسيه المبطل. فدعونا. قال الأبهري: فأقرّ لي المعتزلي بعد ذلك أنه نسي القرآن، حتى كأنه ما رآه قط. وحكى البرقاني عنه: كنت جالسًا عند يحيى بن صاعد المحدّث، فجاءته امرأة، فقالت له: أيها الشيخ، ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة، فماتت. هل الماء طاهر أو نجس؟ فقال لها يحيى: ويحك كيف سقطت فيه؟ قالت: لم يكن عليه غطاء. فقال: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري: فقلت لها: يا هذه إن لم يكن الماء تغير فهو طاهر. فهِم من الشيخ الحيرة في الجواب، لأنه كان صاحب حديث، ولم يكن فقيهًا. قال الوهراني: سألت الأبهري عن سنه، فقال لي: قال مالك ﵁: سؤال الشيوخ عن أسنانهم من السفه. قال الحربي: جاء رجل الى أبي بكر الأبهري، يشاوره في السفر، فأنشد ﵀: متى تحسب صديقك لا يقلّوا … وإن تَخبُر يقلّوا في الحساب وتركك مطلب الحاجات عزّ … ومطلبها يذل عتا الرقاب وقرب الدار في الإقتار خير … من العيش الموسع في اغتراب

стр. 1090

قال المؤلف القاضي الإمام ﵁: عتا الرقاب أنا أصلحتها وكان فيه اختلال. وذكر أن الأبهري قال يومًا لأصحابه: إن الله رضيكم لولاية فجمع لكم بها شرف الدنيا والآخرة، لا يعزلكم عنها أمرٌ ما طلبتم هذا العلم، ونفرتم به عن السلطان. فإذا كنتم كذلك، تمت لكم الولاية في الدنيا والآخرة، ونلتم بها سُرورَهما، وإن لزقتم بالسلطان، وأصبتم به الدنيا، عزلكم عن ولايته، وصغركم في الدنيا والآخرة. وحكى أبو القاسم: إن الأبهري، لما قارب الوفاة وتيقن حاله، أخرج لأصحابه برنية فيها ثلاثة آلاف مثقال، وأمرهم بكتب أهل البر والحاجة من جيرانه، يفرق المال عليهم. وأعطى منه أصحابه، على مراتبهم، وأعطى الأكابر منهم ماية مثقال. قال: وبلغني أنه أعطى الباقلاني ماية وخمسين، وحبس كتبه عليهم. وسئل حينئذ: لما ادخرت هذا المال؟ فقال: كان أبو بكر الرازي من أجل أصحاب مالك، ولم يتعرض الى شيء من القضاء، حتى كثر بناته واحتاج فولي القضاء، فقتله ديلمي في أمر معروف. وكان أبو بكر الصيرفي، من أصحاب الشافعي، من جلة أهل العلم، فكبر سنه وعمّر، فرأيته يكتب الرقاع لأصحابه، يتعطفهم في الرفق به، وكان إخوانه قد انقرضوا وماتوا. فخشيت أن يطول عمري أو يفحشني زمانه وأحتاج، فادخرتها عدة لهذا. وتوفي ببغداد يوم الست، لسبع خلون من شوال، سنة خمس وسبعين وثلاثماية. وصلي عليه بجامع المنصور. مولده قبل التسعين ومايتين. وسنّه نيف وثمانون سنة. ﵀. أبو بكر ابن علويه الأبهري، ﵀ أخذ عنه، أبو سعيد القزويني. وتفقه به مع الصفايحي، ونقل من

стр. 1091

كلامه كثيرًا في كتبه. وله كتاب مسائل الخلاف. وكان من الفقهاء النظار، المحققين، وجلة أئمة المالكيين. قال أبو سعيد القزويني: ذكر شيخنا أبو بكر ابن علويه، مسألة النكاح، بلفظ الهبة، فقال: لم ينص على هذه المسألة مالك. قال: وذكر ابن المواز، عن ابن القاسم، أنه سئل عنها فقال: قال مالك في البيع: إذا قال وهبت منك بثمن كذا، أنه بمنزلة بعتك فكذلك النكاح، مع ذكر الصداق. قال القزويني فقلت له: فلو قال بعتكها، أو أجرتكها، أو ملكتها، أو أبحتكها، أو أحللتها، أو خذها إليك، وما أشبه هذا. قال: ليس فيه نص. والذي قال به لصاحبنا، يوجب أن يكون الباب واحدًا. ويجوز ويفسخ به العقد متى لم يذكر الصداق. ولا يحتاج في زوجْتُك أو أنكحتك، الى ذكر الصداق. ولأنهما مختصان بهذا العقد، وغيرهما موضوع لغيره، فلا يفهم منه العقد، إلا بذكر الصداق. أبو الحسن بن أم شيبان، ﵀ قاضي القضاة. هو محمد بن صالح بن محمد بن صالح، بن علي بن يحيى، بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، بن عبد الله بن عباس، بن عبد المطلب. وجده يحيى، هو المعروف بابن أم شيبان. يروي عن السعدي، وابراهيم بن حماد. حدّث عنه أبو عبد الله، وأبو العباس أحمد بن مالك الكرخي، ومحمد بن حميد الخزان، وأبو القاسم الوهراني، وليَ قضاء الكوفة، سبع سنين. ومنها أصله. سنة أربع وثلاثين وثلاثماية. وولي قضاء القضاة ببغداد. وذكره صاحب الكتاب في هذه الطبقة، قال: وعنده كان يجتمع المالكية، أصحاب أبي بكر

стр. 1092

الأبهري، ببغداد، للنظر. قال الفرغاني: وكان دعي لقضاء بغداد، بعد ابن أبي الشوارب، أيام معز الدولة. فاستعفى وامتنع. وقال لا حاجة لي بقضاء بغداد. إذ صار بالقبالات؟ وأبوه صالح، يكنى بأبي عيسى. حدّث عن عبد الله بن الخراساني. حدّث عنه القاضي الصيمري. أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن أحمد بن سليمان بن سعيد البصري من المالكية بها. وكان حاكمها. يروي عن ابن البكر، وعن أبيه. سمع منه عبد الله بن محمد بن ربيع الأندلسي. وأبو القاسم الحبلي. وأبو محمد القلعي. هو غير الأول. ومتقدم على طبقته شيئًا. والله أعلم. أبو الحسن علي بن ميسرة القاضي ذكره صاحب الكتاب الحكمي، وابن حارث في طبقة الأبهري من العراقيين، وممن لم يسمع من اسماعيل. وذكر أنه ولي قضاء أنطاكية. وله كتاب في إجمال أهل المدينة. قال القاضي الإمام المؤلف، ﵁: وأرى أن أبا عبيد الجبري، لقبه. وذكر ابن بطال في شرحه، عن أبي عبيد هذا، قال: سئل أبو الحسن بن ميسرة القاضي، البغدادي، عن رجل كان له على نصراني دين، فأفلس. ولا مال له، سوى وقف أوقفه على مساكين أهل ملته، قبل استحداثه للدين. هل ينقض وقفه، ويقتص منه المسلمين الدين؟ فأجابه بقوله: أهل الكتاب أملاكهم غير مستقرة. وإنما لهم شبهة ملك، على ما في أيديهم. فإذا اختاروا رفع

стр. 1093

أيديهم عن الشبهة، ارتفعت. ولم يعترض عليهم في عقد ما عقدوه، مما لو كان في شرعنا، لم ينقض، لأنهم على ذلك صالحوا. ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق، إذا أعطوا الجزية، وجب أن لا يتعرض عليهم في نقض وقف، ولا غيره، مما يتعلق بحق الله، . أبو الحسن عمر بن محمد بن أحمد المالكي أراه ولي القضاء. أبي عبد الله التُستري، حدث عنه الدارقطني، يروي عن أبيه، ومحمد بن اسماعيل الدولابي، والحسن بن المبارك الطوسي، وخلف بن محمد، ومحمد بن عبد الله العمري، وهشام بن علي السرابي واللؤلؤي، واللخمي. أبو عبد الله بن مجاهد المتكلم قال أبو بكر الخطيب في تاريخه: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، المتكلم، أبو عبد الله، صاحب أبو الحسن الأشعري. وهو من أهل البصرة، وسكن بغداد. وعليه درس القاضي أبو بكر الباقلاني، الكلام. وله كتب حسان في الأصول. ذكر لنا غير واحد من شيوخنا: أنه كان يحسن الستر، يحسن الزي، جميل الطريقة. وكان البرقاني، يثني عليه، ثناء حسنًا. وأدركه ببغداد فيما أحسب. وكان ابن مجاهد هذا، مالكي المذهب، إمامًا فيه، مقدمًا. غلب عليه علم الكلام والأصول. أخذ عن القاضي التستري، وله كتاب في أصول الفقه، على مذهب مالك، ورسالته المشهورة في الاعتمادات، على مذهب أهل السنة

стр. 1094

التي كتب بها الى أهل باب الأبواب. وكتاب تهدية المتبصر ومعونة المستنصر. وتواليف أخرى وغيرهما. وسمع الصحيح للبخاري، من أبي زيد المروزي، ورأيت سماعه في كتاب الأصيلي بخطه، واستجاز الشيخ أبا محمد بن أبي زيد ﵀، في كتاب المختصر والنوادر. قال القاضي الإمام المؤلف ﵁: ورأيت له في ذلك رسالة يقول فيها: وقد وقع إلينا من تصنيفه - أيده الله - قطع من المختصر، وجدناه قد أحسن في نظمه، وألطف في جمع معانيه، وكشف ما كانت النفوس تتوق إليه، وكفى مؤونة الرحلة، وطلب المصنفات، بالكلام السهل، والمعاني البينة، التي تدل على حسن العناية، وكثرة المعرفة، والحرص على منافع الراغبين في العلم، والمتعلقين به. فأحسن الله أيها الشيخ جزاءك. وأجزل ثوابك. ثم ذكر له بعد أن بلغه، تصنيف النوادر. ثم قال: وما يتصل بنا من فضل الشيخ، أيده الله. قد نشطني الى تعريف ما بنا من الحاجة الى هذين الكتابين. وتطلعي وتطلع من قبلي من الطالبين لها. والشيخ، أيده الله، يتفضل في ذلك بما هو أهله، ويمنّ عليّ بذلك، فإني إليه، وجماعة من قبلي من إخوانه، والراغبين في مذهب الإمام رضوان الله عليه، يتطلعون إليه. فإن رأى الشيخ أيده الله، أن يتفضل بإنفاذها، بعد عرضها بحضرته، وإجازتها لي، ولغيري من أصحابنا، ممن آثر ذلك وأحبه. ثم سأله الدعاء له، وأرخ كتابه بسنة ثمان وستين. فجاوبه أبو محمد بجواب أحسن منه: وعندنا من أخبار الشيخ الطيبة، ما تعم مسرته، من نصرته في هذا المذهب. وذبه عنه، ومحاماته عليه، حماه الله مكروهه، من صحته. وشكر فيه ابتداء مخاطبته، وسروره بذلك، ومودته له. وأجازه

стр. 1095

كتبه له، ولمن رغب ذلك، وأنه وجه إليه بعض النوادر، إذ لم يبيضها. وأن الوقت لم يتسع لكتب نسخة من المختصر، ولا من النوادر، وأن شابّين ممن عني بهم توجها، من مكة للقاء الشيخ - يعني ابن مجاهد - ولقاء الأبهري. وهما محمد بن خلدون. واسماعيل بن عذرة. وبعث معهما المختصر صحيحًا، مقابلًا. ووعده أن يوجه إليه ما رغبه من الكتابين، وسأله الدعاء له، كما سأله. ﵏. وحكى ابن مجاهد، أن رجلًا جاء الى سهل التستري، فقال له: بلغني أنك تمشي على الماء، فادعو الله لي. قال لا أدعو لك، حتى تذهب الى فلان الملاح، فتسأله عن خبر في يوم كذا. فمضى وسأله، قال: إنه صعد هنالك، فتوضأ للصلاة، على الحجر فزهق فغرق، واضطرب بثيابه. فتراميت عليه، فأخرجته. وقد كاد يهلك، وعلقناه لسق؟ فرجع الرجل الى سهل، فأخبره. فقال له سهل: أما بعد هذا فأدعو لك. فدعا له. وهذا من سهل فضل كثير، وتواضع، واعتراف. وذكر الخطيب، أن ابن مجاهد كان ينشد لبعضهم: أيها المغتدي ليطلب علمًا … كل علم عبد لعلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكمًا … ثم أغفلت منزل الأحكام وحدّث عنه القاضي، أبو بكر بن الخطيب. وأبو بكر بن عذرة. وأبو القاسم عبد المؤمن المكي، المتكلم. ﵃ أجميعن. أبو العلاء عبد العزيز بن محمد البصري أحد فقهاء المالكية. كان بالبصرة. ذكره أبو حمد الوليد. وله كتاب في إثبات القياس. وكتاب في مسائل الخلاف. روى عنه أبو عمر بن

стр. 1096

سعدي. وقال أبو القاسم الهمداني: جالست بالبصرة أبا العلاء المالكي، وذاكرته، وعليه، مع ابن عطية، كانت تدور الفتوى على مذهب مالك، بالبصرة. القاضي أبو العلاء الحسن بن محمد بن العباس، البغدادي ذكره ابن حارث في علماء المالكية. قال: ورأيت له اختصار الكتاب المبسوط، سماه المقتضب من المبسوط. ورأيت أن له كتابًا في الفروق، ويعرف بابن البصري، ويحتمل أنه الذي لقي الهمداني، لا الأول. والله أعلم. لا ربّ سواه. علي بن محمد بن ابراهيم بن هشام بصري تقدم ذكر أبيه في أئمة المالكية وكبار أصحاب اسماعيل. وذكر هذا أبو عمر المغربي في كتابه. وذكر أنه مالكي، ويكنى بأبي الحسن. قال: وكان خيرًا فاضلًا، من مياسير البصرة. وتصدق بماله، وغلب عليه الزهد، وروى القراءة على أبي العباس المعدل. وروى عنه ابن غليون. قال: توفي بالبصرة سنة سبع وسبعين وثلاثماية. وخرج بجنازته بعد الزوال، فلم يصل الى موقفه، إلا بعد المغرب، من كثرة ما شاهده، حتى ضجّ الناس بذلك. أبو عبد الله محمد بن عطية البصري أحد فقهائها. قال الهمداني: جالسته، وذاكرته بها. وعليه، وعلى أبي العلاء كانت تدور الفتوى، على مذهب مالك ﵀، بالبصرة، في وقتهما.

стр. 1097

أبو إسحاق الطبري ذكره أيضًا الوهراني، في جلساء الأبهري. قال: وكان من أصحابنا ومن أهل العلم والحديث، وحفاظه، وكان الأبهري يتذاكر معه فيه. أحمد بن محمد بن عمر الدهّان البصري من أئمة المالكية بالمشرق. وله كتاب في نقض كتاب الشافعي، في رده على مالك، ستة أجزاء. وقفت عليه. قال ابن حارث: وله غير ذلك من التأليف، روى عن ابن شاهين عن مصعب الزبيري، وممن ذكر من أئمة مالكية أهل المشرق، والمتأخرين، ﵃. ولا أتحقق طبقته. أبو عبد الله الواسطي، ﵀ وقد ألف مسائل الخلاف. وشرح مختصر أبي المصعب الزهري، ﵀. أبو علي الدهان ﵀ مذكور في مالكية أهل المشرق. وله أيضًا مسائل الخلاف. ولا أعرف هذا الأول أو غيره. محمد بن جعفر البصري المعروف بالخفّاف. له مسائل الخلاف. وشرح مختصر ابن عبد الحكم الكبير. قال ابن حارث: وهو ديوان كبير، أبان فيه. وقال أبو بكر

стр. 1098

الأبهري: ولم يشرح المختصر الكبير أحد، إلا الخفّاف. وضعف فقهه الأبهري، ﵀. وقال: لم يكن يعرف. أبو حاتم الرازي، رحمه الله تعالى ذكره في أئمة المالكية، القاضي أبو الوليد الباجي في فرقه. ولم يذكر طبقته، ولا اسمه. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن رجاء البصري، المالكي فقيه نظار محقق. وله كتاب في أصول الربا. وتعليله على مذهب مالك، أجاد فيه. ولا أتحقق طبقته. ﵀. أحمد بن محمد بن جامع البصري قال ابن حارث: رأيت له كتابًا في الوصايا، ذكر أنه اقتنصه من المبسوط، وسماه بذلك. وعدده في فقهاء العراقيين المتأخرين. روى عنه عبد الوهاب عن الحسن. وذكره ابن حارث، ﵀، في هذه الطبقة. أبو عبد الله المالكي، البصري الملقب بفلفل. حكى عنه أبو جعفر الأبهري. والقاضي أبو محمد بن نصر، في تصانيفهما. من أهل مصر أبو بكر النعالي وهو محمد بن سليمان. كذا سماه القاضي أبو عبد الله ابن الحذّاء.

стр. 1099

وقال أبو إسحاق الشيرازي: محمد بن اسماعيل. وسماه ابو محمد بن الوليد: محمد بن بكربن المفضل. وكذا قال عبد الغني. نسب الى النّعال الصواري. أخذ عن أبي اسحاق ابن شعبان. وبكر بن العلاء القشيري. ومحمد بن زيان. وسعيد بن هاشم، وابن يزيد، ومأمون، وغيرهم. روى عنه ابو بكر بن عبد الرحمن القروي. وعبد الغني بن سعيد الحافظ المصري. وابو بكر بن عقال الصقلي. وأبو عبد الله بن الحذّاء الأندلسي. وإليه كانت الرحلة والإمامة بمصر. وجالسه القابسي، وعظّم شأنه، وأثنى عليه. وحكى عنه. قال ابن الحذّاء: كان فقيه عصره، وكان المتكلم عنده بمصر في العلم والمسائل. وما رأيت رجلًا أتم مروءة منه، ولا أعف ولا أكمل، ولا أقنع. وكان أسخى الناس. ذكر لي أنه لم يجتمع له ما يزكّى عليه. قال غيره: وكان مباينًا لبني عبيد الله. قال القابسي: كانت حلقته في الجامع، تدور على سبعة عشر عمودًا، لكثرة من يحضرها. وكان أبو القاسم، ممن حدث بمصر أيضًا عن المقداد بن داود. حدث عنه عبد الغني وغيره. وقال ابن الحذاء: وتوفي ﵀، في الثمانين والثلاثماية. أبو القاسم الجوهري ﵀ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الغافقي. الجوهري. فقيه، كثير الحديث، من شيوخ الفسطاط، وكبار فقهاء المالكية. وشيوخ السنّة. سمع من ابن شعبان، ومؤمل بن يحيى، وأبي القاسم العثماني، والحسين بن رشيق، وأحمد بن محمد الإمام، وأبي الطاهر القاضي، وأبي علي المطرّز، وعبد الصمد بن محمد النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وغيرهم. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو محمد الأجدابي، من القرويين.

стр. 1100

ومن المصريين ابنه، وأبو الحسن بن فهد، وأبو العباس بن نفيس المقري، وأبو علي الحراني، وأبو بكر بن عقال الصقلي، ﵀. ومن الأندلس: خلف الجعفري، وابنه محمد بن الوليد، وابن الحداد وأبو عمر الطلمنكي. قال أبو عبد الله محمد بن الحذاء القاضي: كان فقيهًا ورعًا منقبضًا، خيرًا من أجلّة الفقهاء. قال أبو عمر الطلمنكي: وكان قد لزم بيته، لا يخرج منه. قال الباجي: لا بأس به. وألف كتاب مسند الموطأ. وكتاب مسند ما ليس في الموطأ، قال ابن الحذاء ﵀: وتوفي فيما أحسب سنة خمس وثلاثين وثلاثماية. علي بن محمد بن ابراهيم بن هارون الحضرمي من أصحاب القشيري. يروي عنه، وعن أبي عمر الكندي. وأبي بكر بن الأصبغ. روى عنه ابنه، أبو القاسم. ﵀. الحسين بن عبد الله بن حسين الفطسي معدود في المالكية، في مصر، في هذه الطبقة. يروي عن أبي الحسن العراقي الصولي. حسين بن وليد بن نصر ﵀ يعرف بابن العريف. ويكنى أبو بكر. أصله من قرطبة. وخرج الى المشرق. وسكن مصر، ورأس بها، وحلق بجامعها. قال ابن الفرضي: وكان فقيهًا عالمًا بالمسائل، حافظًا للرأي، نحويًا متقدمًا. توفي

стр. 1101

بمصر، سنة سبع وستين وثلاثماية. وهو أخو أبي القاسم بن عريف النحوي، القرطبي. عبد الوهاب بن الحسين بن علي بن داود بن سليمان بن خلف مصري، مالكي. أخذ عن أبي الحسن بن أبي مطر، والذهلي، والجوّاب، وأبي محمد الزهري، وأحمد بن جامع، وأبي منصور البارودي، وابن هداد، وحمزة الكناني، والصموت، وأبي الورد، وابن أبي الأصبغ وغيرهم. سمع منه أبو الحسن الحوفي، وعبد الله بن إسحاق بن مريم، ﵃ أجمعين. أبو بكر ابن أبي محمد بن يزيد، ﵀ واسمه خالد بن خالد بن يزيد المصري، من فقهاء مصر، وجلتها، والتحليق بجامعها. وهو الذي خلف أبي إسحاق بن شعبان في حلقته، بعد وفاته. وهو والد أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الفقيه الداخل، الأندلسي. وسنذكره بعد. محمد بن نظيف رحمه الله تعالى كنيته أبو عبد الله، المالكي، البزار. قال أبو بكر: كان من العلماء الراسخين البارعين، والأئمة المعدودين، والعلماء المجتهدين. تخلى عن الدنيا، وانقطع الى الله ، وخرج - يعني من القيروان الى مصر، - عند

стр. 1102

ظهور سبّ السلف رحمهم الله تعالي. وعندما اشتهرت إمامته، هروبًا من الرئاسة والفتنة، وكان من أصحاب أبي بكر ابن اللباد، ونظراء أبي محمد بن أبي زيد ﵀. وسمع بمصر من محمد بن أحمد بن خروف. وكان أبو محمد بن أبي زيد ﵁، يقول: لو كان أبو عبد الله مقيمًا بالقيروان، لم يسعني أن أجلس هذا المجلس، لأنه أولى به مني، في حفظه وفهمه وفقهه ودينه وورعه. وكان يعد في أعلى طبقة أصحاب أبي بكر، ﵀. وكانوا جعلوا لأصحاب أبي بكر أشباهًا من أصحاب مالك. فشبهوا محمدًا هذا بابن القاسم. وأبا محمد بن أبي زيد ﵀، بأشهب، وابن أبي هشام بابن نافع، وابن التبان بابن بكير. وذكره أبو الطيب ابن خلدون في بعض كتبه، فقال: كان إمامًا فاضلًا، ولما نزل مصر لازم بها أبا إسحاق بن شعبان، وأبا الذكر، وبعدهما النعالي وغيرهم. وداوم على مجلس السبائي بالقيروان. فغاب عنه مرة، فسأله أبو إسحاق عن ذلك. فقال: أغتيب بمجلسك رجل مسلم. فقال له أبو إسحاق: أنا تائب من ذلك. وذكر أنه جاء يومًا لحضور بيع كتب، وفي المجلس جماعة من العلماء والصالحين ﵃. فلما رأوه قاموا كلهم على أرجلهم، تعظيمًا له. وكانت له هيبة، لم تكن لأحد في وقته، فأعظم فعلهم في نفسه. وعزم على اختبره، فألقى عليه مسألة من معاني القرآن، ففجر عنه فجرًا. فقال في نفسه لو قام هؤلاء له على رؤوسهم لكان قليلًا. وتوفي ﵀، سنة خمس وخمسين وثلاثماية بمصر. وكان له إخوة صالحون، أبو علي حسن ﵀، من أهل العلم والرواية والفضل. وعبيد الله، ﵀ من أهل العبادة والاجتهاد والتلاوة. رافق أبا الحسن القابسي في طريق الحج من القلزم، فكانت له كل يوم ختمة، وربع. ﵀.

стр. 1103

علي بن أحمد بن اسماعيل البغدادي سكن مصر، وكان ينتحل مذهب مالك بن أنس، ويقول بالاعتزال. وكان داعية في ذلك. وكتب الى فقهاء القيروان رسالة معروفة، يدعوهم فيها الى الاعتزال، والقول بالقدر، والمخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم. ويقول لهم: طريقة متكلمي أهل السنّة، ومذهب الأشعري، ويبدّعه، فجاوبوه - فقهاء القيروان - وردوا عليه، وجاوبه أبو محمد بن أبي زيد ﵀، عن كتابه برسالة معروفة. ظهر فيها علمه وقوته في الكلام بالرد على أهل الأهواء. ونفى عن مالك وأصحابه جميع ما نسب إليه. وجعل يحتج على نقض قوله في القدر من كلام مالك البديع، في رسالته في القدر، الى ابن وهب رحمه الله تعالى. قال القاضي المؤلف أبو الفضل ﵁: وهذا الرجل غير معروف في المالكية، ولا معدود فيهم، وإنما تسمى بمذهب مالك لينفق بدعته عند العامة. فذكرناه تنبيهًا عليه، لا لنستكثر بمثله. أبعد الله مثله. عبد العزيز بن علي المقري المالكي، المصري من أصحاب أبي الذكر الفقيه بها. وممن عني بالفقه وعلم القرآن، وغلب عليه. وكان من المتصدرين لإقراء القرآن. وكان يقرئ في جامع عمرو. وقال: كنا نختلف الى أبي الذكر المالكي، عنده. ويجالسنا في ذلك كل يوم بعد صلاة الصبح الى الزوال. ومن الظهر الى العصر. فجلس إلينا مرة شاب. فكان يجيب في المسائل أحسن جواب. وجعل يختلف الى الحلقة زمانًا، وعلى وجهه أثر صفرة. وكان من أحسن الناس

стр. 1104

وجهًا. وعليه ديبقتان، وطيلسان ونعل شراكه أسود. وكان لا يلبسها بشراك أسود إلا الشطّار. وكنا نعجب من ذلك. فلما دخل الشتاء وغيّر الناس زيهم، لم يغيّر الشاب زيّه. فقال لنا الشيخ: أظنه مقلًا. ويجب تفقّد حاله، فبادر الناس، فجمعوا له ماية مثقال، وعقدها الشيخ في خرقة حمراء. وقال لأحد أصحابه: أرصد الشاب. فإذا قام من الحلقة، تدفعها إليه وتقول: جمعها لك الشيخ من وجه طيب. فلما خرج الشاب من الجامع تبعه رسول الشيخ، حتى أتى القرافة، فدعي لصلاة على جنازة. فتقدم. فلما سلّم أخذ الرسول بطرل ردائه، فانفتل إليه، فأدى إليه رسالة الشيخ وسلامه، ودفع إليه الصرة. فقال له: وما هي؟ قال دنانير. فقال الشاب: ما لي أهل يحتاجون إليها ولا صديق. فألحّ عليه الرسول، وهو يمشي معه. حتى قربا من المقطم، فلما خشي فواته، قبض عليه. فقال الشاب: يا هذا أما علمت أن لله تعالى عبادًا، لو شاءوا أن يجعل لهم الحصى دنانير لفعل؟ وحرّك شفتيه، قال الرسول: فنظرت الى الصحراء دنانير، فتركت يدي منه، وحثوت بيديّ جميعًا في الأرض حرصًا على الدنيا، فوقع في يدي دينار أطلس بلا كتابة. وتعلق الفتى بالجبل، وفاتني. وانصرف حيران، فلما بصرني الشيخ، قال لأصحابه: أرى الصرة سقطت منه. فحكيت له الحكاية وأريته الدينار، فقبّله ووضعه على عينيه، وفعل الناس كفعله. ثم كان عند الشيخ حتى مات، وأدرج في أكفانه. رحمه الله تعالى. أبو العباس أحمد بن سهل بن المبارك المعروف بالعطار. بصري الأصل. سكن الاسكندرية. قال فيه

стр. 1105

عبدوس بن محمد: فقيه. وقال ابن معاوية: كان فقيهًا حازمًا يذهب مذهب مالك. وكان ابنه أبو عبد الله محمد، حافظًا للحديث والفقه. عجبًا من الصالحين. سمع من أبي العباس، الناس الكثير. وسمع هو من أحمد بن مراد الجهني. وعلي بن يزيد، ومحمد بن زيان، وأبي القاسم البغوي، وأبي الطاهر بن مهدي، قاضي أخميم، وغيرهم. حدّث عنه من أهل الأندلس: عبدوس بن محمد، وأبو الحسن الحجاري. من أهل إفريقية أبو سعيد خلف بن عمر كذا قال الرقيق. وقال المالكي: عثمان بن عمر. قال أبو عبد الله الخواص: عثمان بن خلف، المعروف بابن أخي هشام الربعي الخياط. من أهل القيروان، تفقه بابن نصر، وسمع منه، ومن أبي القاسم الصدري، وأحمد بن عبد الرحمن القصري، وأبي بكر ابن اللباد، وغيرهم. وبه تفقه أكثر القرويين. ذكر مكانه من العلم والثناء عليه قرأت في التعليق المنسوب الى خط أبي عمران الفقيه، ذكره، فقال: كان شيخ الفقهاء وإمام أهل زمانه في الفقه. قال الرفيق في تاريخه، نحوه. وقال: كان إمام أهل زمانه في الفقه، ولم يكن عنده رياء ولا تصنع. وكان يجتمع هو وأبو الأزهر ابن معتب، وأبو محمد ابن أبي زيد، وابن شبلون، وابن التبان، والقابسي، وجماعة ذكرناهم، ونذكرهم، للتفقه في جامع القيروان، عندما ظهر أمر أبي يزيد، على بني عبيد. أخذ عنه جماعة ممن ذكرناه وخلف بن تميم الهواري. قال المالكي: كان يعرف

стр. 1106

معلم الفقهاء. لم يكن في وقته أحفظ منه، اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه، وما اختلف الناس فيه واتفقوا عليه. عالمًا بنوازل الأحكام، حافظًا بارعًا فرّاجًا للكرب، مع تواضع ورقة قلب، وسرعة دمعة وخالص نية. سأل عبد الله صاحب القيروان أبا محمد بن أبي زيد، ﵀، من أحفظ أصحابكم؟ فقال له: أبو سعيد. قال: فمن أحفظهم بخلاف الناس؟ قال: أبو سعيد. وذكر مرة حفظه وقوة نفسه فقال: لو شاء أن يخطي دحمان بن معافى، فعل. وقال أبو القاسم بن شبلون: ما أخذ على أبي سعيد مسألة خطأ قط. قال أبو محمد الأجدابي: كان أبو سعيد من أجلّ أهل زمانه، يعرف طريق الصوفية. قالوا وكان أبو سعيد إذا قال: أجمعت الأمة. لم يوجد خلاف لقوله. ولما لفّ في أكفانه، قال أبو محمد بن أبي زيد: ﵀، إن أبا سعيد ليس يلقى الله بمثل ذرة من رياء. ولما ورد درّاس بن اسماعيل، أبو ميمونة، القيروان، وعجب الناس من حفظه، بلغ أبا سعيد تقصيره بعلماء القيروان، وأضافته قلة الحفظ إليهم. فقال لأصحابه: اعملوا على أن تجمعوا بيني وبينه لئلا يقول دخلت القيروان ولم أرَ بها عالمًا. فما زالوا به، حتى أتوا به الى أبي سعيد في مسجده. فسلم عليه. فألقى أبو ميمونة عليه نحوًا من أربعين مسألة، من المستخرجة، والواضحة. فأجابه عنها أبو سعيد. ثم ألقى عليه أبو سعيد عشر مسائل من ديوان محمد بن سحنون، فأخطأ فيها، أبو ميمونة كلها، فعطف عليه أبو سعيد وقال له: لا تغفل عن الدراسة، فإني أرى لك فَهمًا. فإن واظبت، كنت شيئًا. فلما قام أبو ميمونة يخرج، لم يعرف الباب من الحيرة. وناظره بعض العراقيين، فقال لهم: أنتم تقولون من سبّ عائشة قتل. والله يقول: والذين يرمون المحصَنات ثم لم يأتوا بأربعة شُهداء الآية. والرسول إنما جلد أصحاب عائشة.

стр. 1107

فلم تأخذوا بالقرآن ولا بالسنّة. فقال له أبو سعيد: قال الله تعالى: أولئك مُبرأون مما يقولون. ليضرب مثل البراءة بما في القرآن. وبعد القرآن، من سبّها فقد رد القرآن، ومن رد حرفًا منه، فقد كفر بإجماع. وذكر أنه كان يمشي مع أحد طلبته في فحوص صبرة، فحضرتهم الصلاة. فأراد الشيخ الصلاة، فقال الطالب: اصبر حتى نخرج من أراضي هذه المدينة السوء. فقال له أبو سعيد: هذا جهل منك، أي ضرر على الأرض من صلاتنا. ولو لزم ترك الصلاة في الفحوص المغصوبة، وجب للمصلي أن يستأذن من أربابها إذا كانت غير مغصوبة. قال أبو عبد الرحمن: وهو كما قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. وإن الصلاة في أرض المسلمين، بغير إذنهم، جائزة بلا خلاف. وإنما هذا فيما لم يجزه الغاصب ببناء. وتجوز على حاله بعد الغاصب، كما كانت قبل. بقية أخباره ونوادره وكان أولًا، يبيع الحنطة. ثم رجع يكتب الوثائق، ويأخذ عليها الأجر، لقلة ذات يده. وكان يقول: من دارى الناس مات شهيدًا. وسئل عن الكرامات؟ فقال: ما ينكرها إلا صاحب بدعة. وصحح انقلاب الأعيان فيها. قال أبو محمد بن أبي زيد، ﵀: وكان بين أبي سعيد، وأخيه مشاجرة، في ربع، فرفعه الى النعمان قاضي القيروان، للشيعة. فأخبر القاضي بمكانه، فأمر بإدخاله، ومن معه. وقال له: هاهنا، جِواري. قال: جئت مخاصمًا. قال: بجواري. ولو خاصمك أهل

стр. 1108

القيروان. فذكر له خبر أخيه، فهمّ السلطان بضربه وسجنه. فقال له: لم أرد هذا. أريد أن تأخذ على يده وتزجره، ففعل. قال بعض أصحابه: قام عنا أبو سعيد مرة، ثم أتانا يضحك، فسألناه فقال: صيح بي لامرأة من القرابة، صرعت. فلما دخلت قال لي الجان: لمَ لم تسلّم؟ والله - أصلحك الله - إنا نفتقدك كل ليلة، ونزور العلماء. ولقد كنت عندك البارحة، جالسًا تحت الميزاب، وأنت تأكل التمر، ولقد رميتني بنواة. آتيك الليلة؟ فقلت: لا يا مشؤوم. وكان أبو سعيد قبل، ينكر مثل هذا. الى أن صرع إنسان بجانبه. فقال له الجان: على لسان المصروع أنت تنكر هذا يا أبا سعيد؟ فإني أخبرك - إن أردت - ما في بيتك، وما جرى لك مع خادمك البارحة؟ فقال له أبو سعيد: أسكت يا مشؤوم. فصار يصدّق بالأمر حينئذ. قال بعضهم: لقيت أبا سعيد يومًا. فسلمت عليه. وقلت له: أصلحك الله، كثيرًا ما أذكرك. فقال لي وأنا ما أذكرك. لأني لا أنساك. وفاته ﵀ قال: وتوفي ليلة الجمعة، لسبع خلون من صفر، سنة إحدى وسبعين وثلاثماية. وقال الرقيق، والمالكي: سنة ثلاث وسبعين وصلى عليه ابن الكوفي، القاضي، وحضر الصلاة عبد الله بن زيري الصنهاجي، أمير إفريقية المعروف ببلقين. وجميع عسكره، وأهل القيروان كافة، وجميع أهل المذهبين، من الموافق والمخالف. مولده: سنة سبع وتسعين ومايتين، ورثي بمرات كثيرة منها، قول ابن خاقان النحوي، من قصيدة: فقل للواله الحرّ أذيلي … بصوتك أنه حسن قبيح

стр. 1109

وقل للمسعدين، أبو سعيد … ليَبكوا رزْءَ مصرعه ونوح فقد هلكت بمهلكه علوم … وفضل ليس يبلغه المديح وقال ابن مازن أيضًا يرثيه من قصيدة: لقد فجع الورى شرقًا وغربًا … ببحر من بحور العلم طامي بمن قد كان من علم ودين … عن الإسلام والدنيا يحامي رأى الدنيا بعين النقص لما … رأى ما دام ليس بذي دوام وأبْصر كلَّ ما فيها حطامًا … فصان النفس عن جمع الحطام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد، ﵁ وغفر الله له واسم أبي زيد عبد الرحمن. كذا قال الأمير ابن ماكولا. والقاضي ابن الحذاء. وهو نفزي النسب، قاله الأمير. سكن القيروان. ذكر مكانه من العلم وثناء الجلّة عليه وكان أبو محمد ﵀، إمام المالكية في وقته، وقدوتهم. وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله. وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية. وكتبه تشهد له بذلك. فصيح القلم ذا بيان ومعرفة بما يقوله. ذابًّا عن مذهب مالك، قائمًا بالحجة عليه، بصيرًا بالرد على أهل الأهواء. يقول الشعر، ويجيده، ويجمع الى ذلك صلاحًا تامًا، وورعًا وعفة. وحاز رئاسة الدين والدنيا. وإليه كانت الرحلة من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر

стр. 1110

الآخذون عنه. وهو الذي لخص المذهب، وضم كسره، وذبّ عنه. وملأت البلاد تواليفه. عارض كثير من الناس أكثرها. فلم يبلغوا مداه، مع فضل السبق، وصعوبة المبتدأ، وعرف قدره الأكابر. قال الشيرازي: وكان يعرف بمالك الصغير. وذكره أبو الحسن القابسي، فقال: إمام موثوق به، في درايته، وروايته. وقال أبو الحسن علي بن عبد الله القطان: ما قلدت أبا محمد بن أبي زيد، حتى رأيت السبائي يقلده. وذكره أبو بكر بن الطيب في كتابه، فعظم قدره. وشيّخه. وكذلك هو وغيره من أهل المشرق، واستجازه ابن مجاهد البغدادي، وغيره من أصحابه البغداديين. قال أبو عبد الله الميورقي: اجتمع فيه العلم، والورع، والفضل، والعقل. شهرته تغني عن ذكره. قال الداودي: وكان سريع الانقياد الى الحق. تفقه بفقهاء بلده. وسمع من شيوخه. وعوّل على أبي بكر ابن اللباد، وأبي الفضل الممسي، وأخذ أيضًا عن محمد بن مسرور العسّال، والحجام. وعبيد الله بن مسرور بن الحجام، والقطان والإبياني، وزياد بن موسى، وسعدون الخولاني، وأبي العرب، وأحمد ابن أبي سعيد، وحبيب مولى ابن أبي سليمان في آخرين. ورحل فحجّ، وسمع من ابن الأعرابي، وابراهيم بن محمد بن المنذر، وأبي علي بن أبي هلال، وأحمد بن ابراهيم بن حماد القاضي. وسمع أيضًا من الحسن بن بدر، ومحمد بن الفتح، والحسن بن نصر السوسي، ودرّاس بن اسماعيل، وعثمان بن سعيد الغرابلي، وحبيب بن أبي حبيب الجزولي، وغيرهم. واستجاز ابن شعبان، والأبهري، والمروزي. وسمع منه خلق كثير. وتفقه عنده جلة. فمن أصحابه القرويين: أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو القاسم البرادعي، واللبيدي، وابنا الأجدابي. وأبو عبد الله الخواص، وأبو محمد مكي المقري. ومن أهل الأندلس: أبو بكر بن موهب المقبري، وابن عابد، وأبو عبد الله ابن الحذاء، وأبو مروان

стр. 1111

القنازعي. ومن أهل سبته: أبو عبد الله ابن العجوز، وأبو محمد بن غالب، وخلف بن ناصر، ومن أهل المغرب: ابن أمدكنو السجلماسي. ذكر تواليفه ﵁ له كتاب النوادر والزيادات على المدونة، مشهور. أزيد من مائة جزء. وكتاب مختصر المدونة، مشهور، على كتابيه هذين المعوَّل بالمغرب في التفقه. وكتاب الاقتداء بأهل السنّة، وكتاب الذبّ عن مذهب مالك، وكتاب الرسالة، مشهور، وكتاب التنبيه على القول في أولاد المرتدين ومسألة الحبس على ولد الأعيان، وكتاب تفسير أوقات الصلوات، وكتاب الثقة بالله، والتوكل على الله سبحانه. وكتاب المعرفة واليقين. وكتاب المضمون من الرزق، وكتاب المناسك، ورسالة فيمن تأخذه عند قراءة القرآن والذكر حركة، وكتاب رد المسائل، وكتاب حماية عرض المؤمن، وكتاب البيان عن إعجاز القرآن، وكتاب الوساوس، ورسالة إعطاء القرابة من الزكاة، ورسالة النهي عن الجدال، ورسالة في الرد على القدرية، ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي، وكتاب الاستظهار في الردّ على الفكرية، وكتاب كشف التلبيس في مثله، ورسالة الموعظة والنصيحة، ورسالة طلب العلم، وكتاب فضل قيام رمضان، ورسالة الموعظة الحسنة لأهل الصدق، ورسالة الى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن، ورسالة في أصول التوحيد، وجملة تواليفه كلها مفيدة بديعة، غزيرة العلم. وذكر أنه دخل يومًا على أبي سعيد بن أخي هشام يزوره، فوجد مجلسه محتفلًا. فقال له: بلغني عنك أنك ألفت كتبًا. فقال له: نعم أصلحك الله. فقال له: اسمع مسألة؟ قال له أبو محمد: أذكر أصلحك الله، فإن أصبتْ أخبرتنا، وإن أخطأتُ علمتَنا. فسكت أبو سعيد. ولم يعاوده.

стр. 1112

بقية أخباره ﵁ كان أبو محمد بن أبي زيد، ﵀ من أهل الصلاح والورع والفضل. ذكر أنه ﵀، قام ذات ليلة للوضوء فصبّ الماء من القلة في الإناء فانهرق، ثم صبّه ثانية فانهرق، ثم جرى له ذلك ثلاثًا، فاستراب. وقال: تتمردون علينا؟ فسمع من يقول له، ولا يراه: إن الصبيّ بال، فرشّ على القلة، فكرهنا وضوءك منها. ولما ألّف كتبه، على الفكرية، ونقض كتاب عبد الرحيم الصقلي، بتأليفه الكشف وكتاب الاستظهار، ورد كثيرًا مما تقلده من خارق العادات، على ما قدره في كتابه. شنّع المتصوفة، وكثير من أصحاب الحديث عليه ذلك. وأشاعوا أنه نفى الكرامات. وهو ﵁، لم يفعل، بل مَن طالع كتابه، عرف مقصده. فردّ عليه جماعة من أهل الأندلس، ومن أهل المشرق، وألفوا عليه تواليف معروفة، ككتاب أبي الحسن بن جهضم الهمداني. وكتاب أبي بكر الباقلاني. وأبي عبد الله ابن شق الليل. وأبو عمر الطلمنكي في آخرين. وكان أرشدهم في ذلك وأعرفهم بغرضه ومقداره، إمام وقته القاضي أبو بكر بن الخطيب الباقلاني. فإنه بيّن مقصوده. قال الطلمنكي: كانت تلك من أبي محمد نادرة لها أسباب، أوجبها التناظر الذي يقع بين العلماء، صحّ عندنا رجوعه عنها. ولم يزل في ظاهر أمره، إلا محض السوء في ابن الأمير، إلا أن حمل الكرامات، فيما بلغنا عن طبقات عندهم، على مجالس، لأكل أموال الناس، ودرسوها بالموافقة. وقد روى منها وأملى كثيرًا. قال الأجدابي: كنت جالسًا عند أبي محمد، وعنده أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المؤمن المتكلم. فسألهما إنسان عن الخضر ﵇، هل يقال إنه باق في الدنيا، مع هذه القرون؟ ثم يموت لقيام الساعة؟ أو

стр. 1113

هل يرد هذا لقوله تعالى: وما جعلْنا لبشرٍ منْ قبلِك الخُلد فأجابا معًا: إن ذلك ممكن جائز، وأن يبقى الخضر ﵇، الى النفخ في الصور، وأن الخلود إنما هو اتصال بقائه ببقاء الآخرة. وإن البقاء الى النفخ، ليس بخلود. ألا ترى أن إبليس، لعنه الله، لا يسمى خالدًا. وإن كان من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم، ويذكر أن أبا محمد رحمه الله تعالى كتب الى أبي بكر الأبهري ﵁: تأبى قلوبٌ قلوبَ قوم … وما لها عندها ذنوب وتصطفي أنفس نفوسًا … وما لها عندها نصيب ما ذاك إلا لمضمرات … أضمرها الشاهد الرّقيب قال أبو القاسم اللبيدي: اجتمع عيسى بن ثابت العابد، بالشيخ أبي محمد، فجرى بينهما بكاء عظيم وذكر، فلما أراد فراقه، قال له عيسى: أريد أن تكتب اسمي في البساط الذي تحتك، فإذا رأيته دعوت لي. فبكى أبو محمد، وقال: قال الله تعالى: إليه يصعدُ الكلِمُ الطيّبُ والعملُ الصالح يرفعه. فهَبْني دعوت لك. فأين عمل صالح يرفعه؟ وفاته ﵁ وتوفي أبو محمد ﵀، وغفر له، سنة ست وثمانين وثلاثماية. ورثاه كثير من أدباء القيروان، بمراث مشجية. فمن قول أبي الخواص الكفيف: هذا لعبد الله أول مصرع … تُرزا به الدنيا وآخر مصرع كادت تميد الأرض خاشعة الرُبى … وتمور أفلاك النجوم الطُلّع عجبًا أيدري الحاملون لنعشه … كيف استطاعت حمل بحر مترع علمًا وحكمًا كاملًا وبراعة … وتُقى وحسن سكينة وتورع

стр. 1114

وسعَتْ فجاج الأرض سعيًا حوله … من راغب في سعيه متبرع يبكونه ولكل باك منهم … ذلّ الأسير وحرقة المتوجع وقال أبو علي ابن سفيان في قصيدة: غصت فجاج الأرض حتى ما تُرى … أرض ولا علم ولا بطحاء ما زلت تقدم جمعهم هربًا لهم … في مركب حفت به النجباء وذكر أن أبا محمد بن أبي زيد، ﵀. رؤي في مجلسه تحت فكرة وكآبة. فسئل عن سبب ذلك؟ قال: رأيت باب داري سقط، وقد قال فيه الكرماني، إنه يدل على موت صاحب الدار. فقيل له: الكرماني مالك في علمه؟ قال: نعم. هو مالك في علمه، أو كأنه مالك في علمه. فلم يقم إلا يسيرًا. ثم مات ﵀. أبو إسحاق الجبنياني ﵀ أحد أئمة المسلمين، وأبدال أولياء الله الصالحين، وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللبيدي، وأبو بكر المالكي، من أخباره وسيره، ما ذكرنا هاهنا عيونًا منه. هو ابراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم البكري، من بكر بن وائل، كان سلفه من أهل الخطط بالقيروان. ولهم مسجد يعرف بمسجد أبي مسلم بها. وجدّه علي من أصحاب سحنون. تقدّم ذكره في طبقته. وولى بنو الأغلب أبا بكر أحمد بن علي، والد الشيخ أبي إسحاق، خراج إفريقية. فتورط معهم. وكان من أهل الأدب والفهم. ثم ارتفع الى حدّ الوزارة، الى أن زالت دولة بني الأغلب. فنكب فيمن نكب. ولم يبق له إلا بقية ربع بسوسة. فلزم الخير والحجج، الى أن مات.

стр. 1115

ذكر بداية أبي إسحاق ﵀ كان أبوه - وهو في حاله - قد أخذ له معلمين، أحدهما للقرآن، والآخر للعربية والشعر، وهو في رفاهة من العيش. قال أبو القاسم: فلقد حدثني من رأى أبا إسحاق في تلك الأيام، وحوله خمسة عشر صقلبيًا موكلين بحفظه. وكان والده ينزل بقرية جبنيانة. وكانت من جملة أملاكهم. فيقيم بها الشهور، أكثر أيام النزهة، ومعه ابنه أبو إسحاق، يوجهه الى شيخ معلم بجبنيانة، يقال له ابن عاصم، يقيم عنده، ويتبرّك به، ويتعلم منه، ويختلف إليه بكرة وعشيًا. وكان ابن عاصم، قد شهر بالعبادة، وإجابة الدعاء. وكانوا يتبرّكون بدعائه، قد نفع الله به خلقًا كثيرًا، فكان يفعل هذا في كل سنة، الى أن بلغ أبو إسحاق الحلم، فدخل قلبه من الخير، ومما يسمع من ابن عاصم، ويرى من فضله، ما أزعجه عما كان فيه، فانخلع من الدنيا ولبس عباءة وهرب. فطلب فلم يوجد. وكان يستأجر نفسه، بما يرد عليها، يقيم به رمقه. قال: ولقد بقي في تلك الحال يومين. يطعم ولم يجد من يستأجره. فإذا برجل يقول: من يحمل هذا المجذوم الى موضع كذا، بثمن درهم. فحمله وأخذ الثمن فاقتات به. ووفق مع زهده الى طلب العلم. فكان لا يسمع في تصرفاته وسياحته، بعالم، إلا أتاه وسمع منه وكتب عنه. ولا برجل صالح، إلا قصده وانتفع به. وأبوه في هذا كله، بعد مع بني الأغلب في حاله. فلقد ذكر أن أبا إسحاق ﵀، وجد يعجن طينًا بمدينة سوسة، بأجرة. فقيل له: إن أباك كثير الاجتهاد في طلبك. فقال: قولوا له. أكنت تظن أنه يخرج من ظهرك، من يطلب الحلال؟ وحجّ سنة أربع عشرة وثلاثماية.

стр. 1116

ذكر محله من العلم وكان أبو إسحاق قد سمع من العلماء. وله من عيسى بن مسكين إجازة. وكتب عن أبي بكر ابن اللباد. قال اللبيدي: وكان ابن اللباد به متعجبًا. وكان أكثر دراسته بالساحل، على أبي علي حمود بن سهلون. صاحب ابن عبدوس، وأخذ أيضًا عن محمد بن علي، بن عبد الرحيم بن علي ابن عبد ربه. وأبي يوسف ابن مسلم، وجماعة سواهم. وكان يقول: لقد رأيت هذا الساحل، وما منه قرية إلا بها رجل من أهل العلم والقرآن. أو رجل صالح يزار. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق، حسن الضبط في نقله، وتصحيحه الكتب. إذا سمع من عالم لم يكتب اسمه في كتابه. وكان ممن سمع، وسكت. وكان حافظًا إذا حفظ شيئًا، قلّ ما ينساه. وكان درس من الفقه دواوين، وكتب بيده كتبًا كثيرة. وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالمًا بعبارة الرؤيا، ولا يفتي فيها. ويعرف حظًا من اللغة العربية، حسن القراءة للقرآن، يحسن تفسيره، وإعرابه وناسخه ومنسوخه. لم يدرك حظه من دراسة العلم بالليل، إلا عند ضعفه قبل موته بقليل. وكان لما ضعف بصره، عن قراءة الليل، فجعل ابنه أبا الطاهر، يقرأ عليه. قال أبو القاسم: وكان لا يفتي، إلا أن يسمع من يتكلم بما لا يجوز، فيرد علي. أو يرى فتى يخطئ في صلاته، فيرد عليه. ولقد وقف على مسائل، أفتى فيها جلّة العلماء. فقال لهم: عاودوا الفتيا. فما أراه أجاب إلا عن شغل، فعادوا، فأجابوا بخلاف الجواب الأول. وكان يقرأ، فلما ضعف جعل ابنه يقرأ عليه. فإذا حضر أحد

стр. 1117

من العامة، قطع القراءة، حذرًا عليهم أن يسمعوا ما لا يفهمون، إلا أن يكون كتاب فقه. وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به. وكان أبو محمد بن أبي زيد، ﵀، يعظّم من شأنه. ويقول: طريق أبي إسحاق، خالية لا يسلكها أحد في الوقت. ويقول: لئن لم يكن أمر أَوَيْس القرني صحيحًا، فالجبنياني أويس هذه الأمة. ويقول: لو فاخرنا بنو إسرائيل بعبادها، لفاخرناهم بالجبنياني. ويقول: من محبتي فيه، وكثرة ذكري له، إني أراه في المنام. ولقد قوّى قلبي أنه يدعو لي. وأنه رأى جامع مختصر المدونة، الذي ألفته، فأعجبه. وكان أبو محمد التبّان يثني عليه، وكان مسرة بن سالم إذا ذكره، يبكي بكاء عظيمًا، ويقول: كان والله مقدّمًا علينا في صغره، وفي كبره. قال أحمد بن حبيب: قال أبو القاسم اللبيدي: وكان من أهل العلم، قال لي أبو إسحاق: أتدرسون في هذا الوقت العلم؟ قلت: نعم. قال فتجتمعون للمذاكرة؟ قلت: نعم. قال: لقد كنا نجتمع، ولقد لقينا المدونة في شهر، ونلقي الليل، فما علمت أننا نمنا ذلك الشهر، ثم قال وإنما نقوى على السهر بأكل اللحم. ثم قال لي: أي كتاب في أيديكم، تدرسونه؟ فقلت: العتق الأول. فألقي عليه من أوله، وسوّر المسائل، حتى كأن الكتاب في يده. قال: وكان ينزع بالقرآن والسنّة. وكان العلماء والفصحاء بين يديه، كالغلمان، بين يدي المعلم، من هيبته. ذكر زهده في الدنيا وسيرته في نفسه وولده وأهله قال أبو الحسن القابسي: لما رأيت هديه، وسمته في نفسه، وصلاته وحاله، رأيت شبيه السلف الصالح. وكان يقول: وقف أبو إسحاق على

стр. 1118

أقل عيش في الدنيا، فقال أروني منزلة دونها أنزل إليها. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق، من أشد الناس تضييقًا على نفسه ثم على أهله، كان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده، ويطحن قوته بيده، شعيرًا. ثم يجعله بنخالته، دقيقًا في قدر ماء، مع ما وجده من بقل بري أو غيره، حتى أنه ربما رمى منه بشيء الى الكلب، فلا يأكله. وربما عوتب في ذلك، فيقول: الرقاد ما الكلب على المزابل وأكل خبز الشعير، بنخالته، كثير لمن كان يرجو في الآخرة شيئًا. وكان قوته، الذي يأكله من الشعير بنخالته، يتولاه له رجل من إخوانه، يحرثه في أرض حلال، وزريعته حلال، وبقله حلال. فإذا أصاب زرعًا أكثر من القوت تصدّق به. وقوته من الزيت، من عند رجال صالحين. وكان لباسه أولًا: صوفًا من موضع يعرف أصله، فلما تغيرت الأمور - يعني بالفتن - كان يلبس خرق المزابل، يجمعها ويغسلها. ويبطن بعضها على بعض، فيجعل منها شيئًا وسطه، وشيئًا على ظهره، ويخيطها بمسلة من عظم غزال. وكان يتوطأ الرمل. وفي الشتاء يأخذ قفاف المعاصر، الملقاة على المزابل، يجعلها تحته. ويكسر بيته كل واحد جبة صوف، ولفافة على رأسه، فإذا بلغ أحدهم أسقط النفقة عنه والكسوة. وقال له: لا نتقلدك، وكان وطاؤهم حصيرًا خلقًا قديمًا. وعند رؤوسهم الطوب. ومائدتهم جلدٌ - جلد ضحيته - ولقد مكث قبل موته، نحوًا من سبع سنين لم يأكل خبزًا. إنما يلقي الدقيق في القدر، مع ما فيها. وكان إذا مشى، أسرع، حتى لا يكاد يدركه إلا من يجري. قال بعضهم: لقيته يومًا مهمومًا. فسألته، ما بالك؟ فقال: ولما لا أكون مهمومًا، والمنكر في داري؟ والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. قلت: المنكر؟ قال: أي والله المنكر. قلت: ما هو رحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة على بابي، رماها أهلي،

стр. 1119

يمشون عليها، وفيها قوت، أيموت أحد جوعًا وهو يجد قشور قرع؟ ثم جمعها، فطبخها لقوته. قال: وكان عند أبي إسحاق، في سنة، زيت حصل له من التعليم. فمرت على الناس شدة، فقيل له: تبيع هذا الزيت بالدين؟ قال: نعم، لكنني لا أعامل من له ذمة، إنما أعامل الفقراء، ومن لا ذمة له، فباعه منهم. فلما وجب البيع، قال: لي عليكم ألا يأتيني أحد منكم، بشيء مما عليه، حتى أقتضيه منه. فلما زالت الشدة وأيسر بعضهم، أتاه بالثمن. فقال لهم: ما هكذا بيني وبينكم، ثم ترك جميع ذلك لهم. وختم عليه صبي، فأتاه بدينار. فقال له شيخ من أصحابه: أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه، ففعل. قال: فلم أزل أتجر له سنين كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوي مائة دينار، وغلا الزيت. فأخبرته بذلك فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال له: إذا أتتك رقعتي بخطي، فأعمل على ما فيها. فكانت رقعته تأتي بيد فقير، فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. جبر الله يا أخي قلبك، وغفر ذنبك. تدفع الى موصل رقعتي كذا وكذا والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. وهكذا كانت كتبه. ثم صلى على جنازة. فقال لي: بقي من ذلك الزيت شيء؟ فقلت: لا إلا شيء، من عكر. ففرّقه، وانصرف منه، بنصف قفيز. لا غير ذلك. ورغب إليه رجل من الصالحين في حصار أبي يزيد واشتداد الحال، في دينار، يقبله منه، قرضًا - إذ أعلم أنه لا يقبله على غير ذلك - فأبى. وقال: أنا في غنى عنه. عندي قفيز زيت، وخمسة أثمان شعيرًا. فقيل له: وما يغني عنك هذا القدر، وأنت في خمسة من العيال، وفتنة وغلاء؟ فقال: الاشتغال بهذا من الفضول. قال ابنه أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، كنت أسمعه في الليل يقول: ما لي تلاد ولا استطرقت من نسب … وما أؤمّل غير الله من أحد

стр. 1120

إن القنوع بحمد الله يمنعني … من التعرض للمنانة النكد إني لأكرم وجهي أن أعرضه … عند السؤال لغير الواحد الصمد فذكر ذلك لأبي الحسن القابسي، فقال: مثل الجبنياني يقول هذا، ويصدق فيه. ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستقصاره بنفسه ذكر أنه أول أمره استأجر نفسه عنده رجل، بجهة سوسة، يرعى له بقرة. فأتاه يومًا بفأس فقال: اقطع خشبة من هذه الشجرة. فقال له أبو إسحاق: ليست لك، إنما هي لأخيك. فقال له: صرت لي ضدًا؟ إنما عليك أن تسمع ما آمرك به، فتعمله. فقال له: بلى، على أن أتقي الله. فانصرف عنه، فلحقه بأجرته. فقال له: من أين تدفعها لي أنت؟ لم تزع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تدفع لي؟ فذهب ولم يأخذ منه شيئًا. وقال أبو بكر السيوطي: صحبته قديمًا فكنا ربما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، فإذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها، ويقول: نخشى أنا لم نوفِ، فكيف نستوفي؟ وحضر طعام رجل من أصحابه، فلم يأكل منه، فعتب فيه. فقال: رأيته ترك حلاله، وأكل ذلك أوجب عندي التنزه عن طعامه. ولما رحل الى القيروان، ليسمع من أبي بكر ابن اللباد، جاء بجراديق من شعير، فكان يفطر كل ليلة على واحدة. ويشرب من بئر بروطة. فلما فرغ جرادقه، انصرف، ولم يشتر بها شيئًا يأكل، ولما جاءت فتنة أبي يزيد، واختلطت أملاك الناس في الغنم، ترك شراءَ الرّق، فلم يكتب فيه. قال بعض أصحابه: سرت معه يومًا، وأنا أسوق

стр. 1121

دابة. فأخذت عودًا من الطريق أضربها به. فقال لي، أهو لك؟ قلت: لا. قال: القه. قلت: إنه عود ملقى. فقال: كان أصحابنا يزعون عن أخذ الحجر من أرضهم، قلت له: إن مالكًا سئل عن الحبل والعصا؟ وما لا بال له؟ فقال: صدقت ولم يقل مالك: أخذه خير من تركه. وأقل ما يُتّقى من ذلك، أنها تصير عادة، هو أكثر من ذلك. وقال بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلًا مشهورًا بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء. فذكرت ذلك لأبي إسحاق. فأقبل عليّ، وهو مذعور. فقال: سألتك بالله أنا هو؟ يكررها عليّ، حتى حلفت له بالله، أنه إنما هو إلا فلان. فقال: والله ما أعلم أحدًا أحقّ بذلك مني. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام. قال ابنه أبو الطاهر: إنه ما رآه مفطرًا قطّ. قال، وقال لي أبي: إن إنسانًا أقام في آية سنة، لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى: وقفوهُم إنهم مسؤولون. فقلت له: أنت هو؟ فسكت. فعلمت أنه هو. وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت. إقبالًا على صلاته. واشتغالًا بمناجاة ربه. ولقد جمع أولاده يومًا، لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم، فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشّوا، والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لأمهم: ما لكم لم تعملوا عشاءً - لشدة إقباله على صلاته. وحكى بعضهم: إنه جاء يومًا فسلم عليه، وقبّل في عنقه. قال: فردّ يده، وصفع نفسه. فبكيت بكاء عظيمًا. فقال لي: ما يبكيك؟ قلت لأن هذا كان بسببي. فقال: عنقي بالصفع أولى منه بالقبلة. وقيل له: لمَ اخترت جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يجعل الله ذكري فيها. لأني رأيتها من أقل القرى ذكرًا. قال أبو القاسم: ولقد رأيته يومًا وعظ، فبكى وأبكى، حتى اتصل البكاء بخارج الدار. فصارت كأنها مناحة. فلما رأى

стр. 1122

ذلك، خاف الفتنة على نفسه، فنظر الى نعمل ملقاة، بحذائه، فقال لمن حوله: سألتك بالله خذوا هذا النعل، واصفعوا بها هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ولا ينتهي عنه. ونبت في ساقه نبت. فقيل له: دواؤه فخذ البقر، سخنًا مع الزيت، حتى يطيب. فسأل عن بقرة أصيلة. فقيل له عند علي بن عيشون، فقال: إنه قد مات، وترك ورثة فيهم أطفال. وسمع رحمة الله عليه كلبًا ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب والله أنصح لأهله مني. لأنه يحرس لأهله ويمنع عنهم، وهم يجيعونه ويضربونه. فأنا قد منّ الله علي بالإسلام، وحضني على ما فيه نجاتي، فققصرت ولم أنصح نفسي. قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتابًا فيه رقائق، وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمن: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه فقلنا: أصلحك الله نحب أن تقابل هذا الكتاب بين يديك. فقال: افعلا. فلما أخذنا لنقابل، قلنا أصلحك الله تعالى، على من قرأته، أو عن من رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي، وقال: انصرف. فقلت له: لو ترك العلماء الرواية لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علمًا. فقال لي وهو يبكي: أليس في الحديث يجهل هذا العلم من كل خلق عدوله، ينفون عنه تحريف القائلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؟ فقلت: نعم. فقال: شيخ جبنيانة ليس بعدل، حتى تقبل شهادته على النبي ﷺ . فانصرفت عنه. ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية. وصل الى الجبنيانة، فسلّم عليه. وقال له: جئتك من خراسان زائرًا. فقال له الشيخ: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن بها من العلماء. ثم حرم الله، وحرم رسوله ﷺ والشام، ومصر، وتأتي الى المغرب، الى

стр. 1123

شيخ بجبنيانة تقول هذا؟ فبكى أبو حامد، وقال له: لو تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم، علي بن محمد بن مسرور الدبّاغ. فلم أرَ أكثر حياء منه. وأبا إسحاق السبائي، فلم أرَ أعقل منه، وأبا الحسن الكانشي، فلم أرَ أظهر حزنًا منه. وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أرَ أزهد منه. وكان إذا رأى اجتماع الناس يقول: كانت أمي رحمها الله، خادمًا وثمنها كذا وكذا، ويذكر ثمنها نزرًا. وكانت صلاته ﵀ صلاة العلماء، تامة موجزة. وكان مع سعة علمه، يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف، ونسي يومًا الإقامة من بعض الصلوات. فلما سلم، قال لمن خلفه: إني نسيت الإقامة، ولا يلزمكم عندي إعادة. وأنا أعيد صلاتي. لأخرج من اختلاف العلماء. فاحتاط لنفسه ﵁. لأن عطاء ابن أبي رباح، والأوزاعي وغيرهما، يريان الإعادة، على من نسيها. ﵃ أجمعين، وغفر لهم وبالله التوفيق. ذكر آياته وإجابته وفضائله، وهيبته، وتوكله قال: وكان العلماء، ﵃، بالقيروان وغيرها، والفضلاء يقصدونه ويزورونه ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم. وكان أبو محمد بن أبي زيد، ﵀ يقول: قوي قلبي إذ بلغني أنه يدعو لي. وكان أبو الحسن القابسي وغيره بقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه، أول سفرة، وقربنا من جبنيانة. دخل في قلبي منه رعب وهيبة عظيمة، وقلت لأصحابي: أخشى أن يجري على لسان هذا الشيخ، من أحوالنا شيء يظهره الله للناس، أو كلامًا هذا معناه. فوجدناه غائبًا ليصلي على جنازة.

стр. 1124

فلما جاء وقت الصلاة وأذّن، ما ملكت نفسي عند سماع أذانه، حتى جلست الى الأرض، وسمعت أذانًا ما سمعت مثله، ثم دخنا المسجد، فلا أحد يتكلم إلا أن يسلّم سلامًا خفيًا. فلما صلى انصرف. فسلمنا عليه، فكان منه إقبال عظيم. وكان قبل دخولنا جبنيانة، تكلم معنا بعض أصحابنا، فقال لنا رجل من العرب: وخطب إلي ابنتي رجلان صالحان من الموالي، فإن زوجتها لم تطب نفسي، وإن رددتهما خشيت أن لا تأخذ مثلهما. فكان أول شيء سمعنا من الشيخ قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من المغرب، خطب ابنته رجل من الموالي. فشاور سحنونًا، فقال له: زوّج من له دين ومروءة، ولو انفلقت عنه بعرة. ثم حوّل الجبنياني رأسه قِبَل صاحبنا فقال: هكذا قال سحنون. فقلت له قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني. وكان أبو إسحاق ﵀، قد سأل الله أن يبيّن له أهل البدع والمحدثين في الدين. فكان ربما لقيه قوم فيسلم على بعضهم، ويتفرس في آخرين فراسة سوء، فيقف عن السلام عليهم، فيكشف عنهم، فيوجدون على ضلالة، وله في هذا الباب أخبار مأثورات كثيرة. ولقد أتاه حسن بن رشيق، وزير السلطان، وابن النديم، فلما قربا من مسكنه قال أحدهما للآخر: أصابك مثل ما أصابني؟ قال له: وما هو؟ قال: إن عنان فرسي يسقط من يدي من الرعب. فقال له الآخر أصابني أشد من ذلك. فانصرفا ولم يجسرا على لقائه. وكان رجل من أهل السنّة، بقرية مشارقة ومعتزلة، ليس فيهم سني غيره، وعلى قريتهم كتامي. يقال له أبو دكرك. من الفراعنة. فقال جيرانه، لأبي دكرك: تكتب عليه محضرًا أنه سبّ السلطان، وتأخذ أنت ماله، وتقتله. فإذا سألك السلطان عن قتله، أخرجت المحضر، فأمر باعتقال دار الرجل، لينزل عليها بالليل، فتحيل حتى خرج من الدار، ووصل الى أبي إسحاق،

стр. 1125

وقد ذهل عقله، فسلم سلامًا محتفلًا فقال له: ما بالك؟ قال: أبو دكرك جرى عليّ منه ما جرى، كذا وكذا. فقال أبو إسحاق: من أبو دكرك؟ دكرك الله به الأرض. ثم قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطرب فاقصدوا به باب الملك الجبار. وأقبل على الدعاء، ومن حضر يؤمّن. ثم قال: تُكفى مؤنته، إن شاء الله تعالى. فكان من دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبي دكرك. فلما كان الغد، أتانا السنّي يعرفنا أن أبا دكرك، قتله عبيد والي البلد، وأخفوه. فاجتهدوا في طلب جسده وبذل السلطان عليه مالًا، فما وُجد له أثر. دكرك الله به الأرض. وسلم السني. قال اللبيدي: ووصل إلينا محمد الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمرًا. فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها لانا بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق - فقال: مَن العابد؟ أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان - فمضى أهل القرية يشكون الى أبي إسحاق، ويعرّفوه. فقالوا: إنا خائفون على أنفسنا، وحريمنا. وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه. فوجدوا أبا إسحاق مستقبلًا، فدعا بدعاء عظيم. ثم قال: تكفون مؤنته إن شاء الله. لا يدخل إليكم أبدًا. قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شدّ على خيله متوجهًا الى الجبل. فسقط في جرف، وسقط عليه فرسه، فمات. قال أبو إسحاق: رأينا منه ما يضيق بوسعه الكتاب. ومرّ به صاحب خير السلطان، وهو يؤذن، فقال له: يا منافق. لم تصدّ عن دعوة مولانا؟ فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق على يد من اعتززت به. فنقم عليه السلطان شيئًا فضربه خمسماية سوط. وصُلب حيًّا. فكان يقول: دواء مجرب، من أحب أن يضرب خمسماية سوط ويصلب حيًا فليسبّ الجبنياني. قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من صفاقس، مع الشيخ، فأظلم علينا الليل، فلقينا السلاّبة.
следующие страницы →