← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

دابة. فأخذت عودًا من الطريق أضربها به. فقال لي، أهو لك؟ قلت: لا. قال: القه. قلت: إنه عود ملقى. فقال: كان أصحابنا يزعون عن أخذ الحجر من أرضهم، قلت له: إن مالكًا سئل عن الحبل والعصا؟ وما لا بال له؟ فقال: صدقت ولم يقل مالك: أخذه خير من تركه. وأقل ما يُتّقى من ذلك، أنها تصير عادة، هو أكثر من ذلك. وقال بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلًا مشهورًا بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء. فذكرت ذلك لأبي إسحاق. فأقبل عليّ، وهو مذعور. فقال: سألتك بالله أنا هو؟ يكررها عليّ، حتى حلفت له بالله، أنه إنما هو إلا فلان. فقال: والله ما أعلم أحدًا أحقّ بذلك مني. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام. قال ابنه أبو الطاهر: إنه ما رآه مفطرًا قطّ. قال، وقال لي أبي: إن إنسانًا أقام في آية سنة، لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى: وقفوهُم إنهم مسؤولون. فقلت له: أنت هو؟ فسكت. فعلمت أنه هو. وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت. إقبالًا على صلاته. واشتغالًا بمناجاة ربه. ولقد جمع أولاده يومًا، لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم، فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشّوا، والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لأمهم: ما لكم لم تعملوا عشاءً - لشدة إقباله على صلاته. وحكى بعضهم: إنه جاء يومًا فسلم عليه، وقبّل في عنقه. قال: فردّ يده، وصفع نفسه. فبكيت بكاء عظيمًا. فقال لي: ما يبكيك؟ قلت لأن هذا كان بسببي. فقال: عنقي بالصفع أولى منه بالقبلة. وقيل له: لمَ اخترت جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يجعل الله ذكري فيها. لأني رأيتها من أقل القرى ذكرًا. قال أبو القاسم: ولقد رأيته يومًا وعظ، فبكى وأبكى، حتى اتصل البكاء بخارج الدار. فصارت كأنها مناحة. فلما رأى

стр. 1122

ذلك، خاف الفتنة على نفسه، فنظر الى نعمل ملقاة، بحذائه، فقال لمن حوله: سألتك بالله خذوا هذا النعل، واصفعوا بها هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ولا ينتهي عنه. ونبت في ساقه نبت. فقيل له: دواؤه فخذ البقر، سخنًا مع الزيت، حتى يطيب. فسأل عن بقرة أصيلة. فقيل له عند علي بن عيشون، فقال: إنه قد مات، وترك ورثة فيهم أطفال. وسمع رحمة الله عليه كلبًا ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب والله أنصح لأهله مني. لأنه يحرس لأهله ويمنع عنهم، وهم يجيعونه ويضربونه. فأنا قد منّ الله علي بالإسلام، وحضني على ما فيه نجاتي، فققصرت ولم أنصح نفسي. قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتابًا فيه رقائق، وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمن: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه فقلنا: أصلحك الله نحب أن تقابل هذا الكتاب بين يديك. فقال: افعلا. فلما أخذنا لنقابل، قلنا أصلحك الله تعالى، على من قرأته، أو عن من رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي، وقال: انصرف. فقلت له: لو ترك العلماء الرواية لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علمًا. فقال لي وهو يبكي: أليس في الحديث يجهل هذا العلم من كل خلق عدوله، ينفون عنه تحريف القائلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؟ فقلت: نعم. فقال: شيخ جبنيانة ليس بعدل، حتى تقبل شهادته على النبي ﷺ . فانصرفت عنه. ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية. وصل الى الجبنيانة، فسلّم عليه. وقال له: جئتك من خراسان زائرًا. فقال له الشيخ: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن بها من العلماء. ثم حرم الله، وحرم رسوله ﷺ والشام، ومصر، وتأتي الى المغرب، الى

стр. 1123

شيخ بجبنيانة تقول هذا؟ فبكى أبو حامد، وقال له: لو تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم، علي بن محمد بن مسرور الدبّاغ. فلم أرَ أكثر حياء منه. وأبا إسحاق السبائي، فلم أرَ أعقل منه، وأبا الحسن الكانشي، فلم أرَ أظهر حزنًا منه. وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أرَ أزهد منه. وكان إذا رأى اجتماع الناس يقول: كانت أمي رحمها الله، خادمًا وثمنها كذا وكذا، ويذكر ثمنها نزرًا. وكانت صلاته ﵀ صلاة العلماء، تامة موجزة. وكان مع سعة علمه، يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف، ونسي يومًا الإقامة من بعض الصلوات. فلما سلم، قال لمن خلفه: إني نسيت الإقامة، ولا يلزمكم عندي إعادة. وأنا أعيد صلاتي. لأخرج من اختلاف العلماء. فاحتاط لنفسه ﵁. لأن عطاء ابن أبي رباح، والأوزاعي وغيرهما، يريان الإعادة، على من نسيها. ﵃ أجمعين، وغفر لهم وبالله التوفيق. ذكر آياته وإجابته وفضائله، وهيبته، وتوكله قال: وكان العلماء، ﵃، بالقيروان وغيرها، والفضلاء يقصدونه ويزورونه ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم. وكان أبو محمد بن أبي زيد، ﵀ يقول: قوي قلبي إذ بلغني أنه يدعو لي. وكان أبو الحسن القابسي وغيره بقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه، أول سفرة، وقربنا من جبنيانة. دخل في قلبي منه رعب وهيبة عظيمة، وقلت لأصحابي: أخشى أن يجري على لسان هذا الشيخ، من أحوالنا شيء يظهره الله للناس، أو كلامًا هذا معناه. فوجدناه غائبًا ليصلي على جنازة.

стр. 1124

فلما جاء وقت الصلاة وأذّن، ما ملكت نفسي عند سماع أذانه، حتى جلست الى الأرض، وسمعت أذانًا ما سمعت مثله، ثم دخنا المسجد، فلا أحد يتكلم إلا أن يسلّم سلامًا خفيًا. فلما صلى انصرف. فسلمنا عليه، فكان منه إقبال عظيم. وكان قبل دخولنا جبنيانة، تكلم معنا بعض أصحابنا، فقال لنا رجل من العرب: وخطب إلي ابنتي رجلان صالحان من الموالي، فإن زوجتها لم تطب نفسي، وإن رددتهما خشيت أن لا تأخذ مثلهما. فكان أول شيء سمعنا من الشيخ قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من المغرب، خطب ابنته رجل من الموالي. فشاور سحنونًا، فقال له: زوّج من له دين ومروءة، ولو انفلقت عنه بعرة. ثم حوّل الجبنياني رأسه قِبَل صاحبنا فقال: هكذا قال سحنون. فقلت له قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني. وكان أبو إسحاق ﵀، قد سأل الله أن يبيّن له أهل البدع والمحدثين في الدين. فكان ربما لقيه قوم فيسلم على بعضهم، ويتفرس في آخرين فراسة سوء، فيقف عن السلام عليهم، فيكشف عنهم، فيوجدون على ضلالة، وله في هذا الباب أخبار مأثورات كثيرة. ولقد أتاه حسن بن رشيق، وزير السلطان، وابن النديم، فلما قربا من مسكنه قال أحدهما للآخر: أصابك مثل ما أصابني؟ قال له: وما هو؟ قال: إن عنان فرسي يسقط من يدي من الرعب. فقال له الآخر أصابني أشد من ذلك. فانصرفا ولم يجسرا على لقائه. وكان رجل من أهل السنّة، بقرية مشارقة ومعتزلة، ليس فيهم سني غيره، وعلى قريتهم كتامي. يقال له أبو دكرك. من الفراعنة. فقال جيرانه، لأبي دكرك: تكتب عليه محضرًا أنه سبّ السلطان، وتأخذ أنت ماله، وتقتله. فإذا سألك السلطان عن قتله، أخرجت المحضر، فأمر باعتقال دار الرجل، لينزل عليها بالليل، فتحيل حتى خرج من الدار، ووصل الى أبي إسحاق،

стр. 1125

وقد ذهل عقله، فسلم سلامًا محتفلًا فقال له: ما بالك؟ قال: أبو دكرك جرى عليّ منه ما جرى، كذا وكذا. فقال أبو إسحاق: من أبو دكرك؟ دكرك الله به الأرض. ثم قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطرب فاقصدوا به باب الملك الجبار. وأقبل على الدعاء، ومن حضر يؤمّن. ثم قال: تُكفى مؤنته، إن شاء الله تعالى. فكان من دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبي دكرك. فلما كان الغد، أتانا السنّي يعرفنا أن أبا دكرك، قتله عبيد والي البلد، وأخفوه. فاجتهدوا في طلب جسده وبذل السلطان عليه مالًا، فما وُجد له أثر. دكرك الله به الأرض. وسلم السني. قال اللبيدي: ووصل إلينا محمد الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمرًا. فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها لانا بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق - فقال: مَن العابد؟ أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان - فمضى أهل القرية يشكون الى أبي إسحاق، ويعرّفوه. فقالوا: إنا خائفون على أنفسنا، وحريمنا. وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه. فوجدوا أبا إسحاق مستقبلًا، فدعا بدعاء عظيم. ثم قال: تكفون مؤنته إن شاء الله. لا يدخل إليكم أبدًا. قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شدّ على خيله متوجهًا الى الجبل. فسقط في جرف، وسقط عليه فرسه، فمات. قال أبو إسحاق: رأينا منه ما يضيق بوسعه الكتاب. ومرّ به صاحب خير السلطان، وهو يؤذن، فقال له: يا منافق. لم تصدّ عن دعوة مولانا؟ فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق على يد من اعتززت به. فنقم عليه السلطان شيئًا فضربه خمسماية سوط. وصُلب حيًّا. فكان يقول: دواء مجرب، من أحب أن يضرب خمسماية سوط ويصلب حيًا فليسبّ الجبنياني. قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من صفاقس، مع الشيخ، فأظلم علينا الليل، فلقينا السلاّبة.

стр. 1126

وقد شهروا حديدهم. فلما قربوا من الشيخ، قال: لا إله إلا الله، ينبغي للخلق أن يستحيوا من الله. ففرّت السلابة. ثم تمادينا نمشي في الظلمة. فإذا مشعلة نار، مرة عن يميننا، ومرة عن يسارنا. حتى حاذينا منزل مروان العابد. فقال الشيخ: أنا أرجع الى عند مروان. وتمادوا أنتم. ثم حوّل وجهه الى الشعلة. فقال: يا فاسق، يا لعين، قد عرفناك، واتقيناك، إخسًا فعليك لعنة الله. وطفيت الشعلة. قال بعض أصحابه العباد: نبتني نبت في أصل العجز وأقعدني، ولم أقدر أن أصلي معه، لا قائمًا ولا جالسًا، إلا مضطجعًا. فحملت حتى وصلت إليه، فأخبرته وقلت: قيل لي تكتوي بالنار. فخفت من النار. فبكى وقال: أي والله ينبغي لك أن تخاف من النار. ثم قال لي: اجعل يدك على المكان، ففعلت وجعل يدعو، ثم قال لي: قم فقد شفاك الله. فوالله لقد ركبت الدابة، فما مسكها أحد كأني ما مسني شيء قط. قال عمر بن مثنى: كل من أدركت بهذا الساحل من عالم أو عابد، يستتر ويتروى بدينه، خوفًا من بني عبيد، إلا أبا إسحاق، فإنه واثق بالله، فلم يسلمه، ومسك الله به قلوب المؤمنين، وأعزّ به الدين، وهيّبه في أعين المارقين. وحضر أبو إسحاق جنازة بنت بعض أصحابه، فصلى عليها وانصرف كل من في السوق للصلاة عليها، خلفه. فرفع الأمر الى سلطان الشيعة: معد. وقيل له: إنه مطاع. فأمر بالبرد فخرجوا فيه. فسمع وزراؤه بذلك فأتوه، حفاة مشاة يقولون: إنا نخشى الهلاك. ما ظنّك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدنيا. فرد البرد، وأرسل شيخًا من كتامة، في زي ناسك، ليختبر له أحواله، واختفى الشيخ الكتامي خلف حصير في المسجد، حتى جاء أبو إسحاق فأذّن للمغرب، وأقا، وصلى. فخرج الكتامي، من وراء الحصير، فقال له: يا منافق على مولانا، لا تؤذن حي على خير العمل؟

стр. 1127

ولا تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولا تسلم على ناحيتين. ما لمولانا عدو مثلك؟ فدعا عليه. ثم قال: اللهم اجعله آية للعالمين. فطارت عيناه، جميعًا. فأخرج من المسجد يقاد وهو يقول: الموت، الموت مع هذا الشيخ لا تقربوه. وانصرف الى معد. فارتاع وقال لوزرائه: كيف ترون لو بدر منا فيه بادر. وكان - لما صلى على هذه الجنازة - بقربه رجل، فقال: يا أبا إسحاق، الوقت لا يحتمل. فقال له إنّا لم نبلغ درجة الصديقين، حتى نقتل على الحق. فقال له: يا أبا إسحاق، عندي دعاء الخليل، حين ألقي في النار، ودعاء يونس حين التقمه الحوت. فقال له الشيخ: يا مسكين، إن كنت تدعو دعاء الأنبياء، وتفعل فعل الفراعنة، فمن تخادع؟ وصلى مرة على جنازة امرأة، فجيء بجنازة كتامي، كبير. ومعه خلق منهم. فقالوا: الصلاة على هذا الشهيد. فلم يرد عليهم. فلما فرغ من دفن المرأة، انصرف وتركهم وقوفًا بتابوتهم. فافترق أصحابه، ومن معه من حوله. خوفًا أن يضعوا فيهم أيديهم. فلما ذهبوا بجنازتهم، أدركنا الشيخ، وقلنا له: الوقت، كما علمت، وهؤلاء أصحاب السلطان، فأولى بك ألا تخرج للصلاة على الجنائز، فلما أكثرنا عليه، قال: كأنكم خفتم عليّ منهم. قلنا: نعم. قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخافهم دونك، فسلطهم عليّ. فأمنّا حينئذ ومشينا معه. وجاء إليه مرة، صاحب الأسطول في عسكر عظيم وصقالبة. فلما سلم الشيخ من الصلاة مضى إليه، حسون ومن معه، ليسلموا عليه. فحوّل إليهم وجهه، وهو مغضب، وقال لهم: خير ما لكم عندي. فما أعرف فلانًا، ولا فلانًا في الدارين، غير الله، هو الضار النافع. وأتاه يومًا حاكم سفاقص، وكانت تشرّف، وابن حجاج من أصحاب السلطان، فجلسا بين يديه، الى جانب مزبلة، وجلس بينهما شيخ ضعيف العقل. فأقبل يثني عليهما. فقال

стр. 1128

أبو إسحاق: جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المدّاحين، وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق غضب الله . ولا سبيل الى التخلف عما أمر به النبي ﷺ . فحثا بيده في وجه الشيخ الضعيف العقل، ثلاث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه. وانصرفا. وكان في أصحاب أبي إسحاق، رجل مؤدب يزوره كل جمعة. فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها. قال: فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي، فعرّفته. فقال: يا ضعيف العقل، على دابة تبكي. فقلت: والله ما بكيت إلا لوجهين، أحدهما انقطاعي عن زيارتك، والآخر جهادي بها عن بنيات لي. فدعا لي دعاء كثيرًا، ونحن نؤمّن على دعائه، ونبكي. وذلك نصف النهار، فانصرفت. فلما كان بعد ذلك بليلتين أو ثلاث، قرع على الباب. وقيل لي: أخرج خذ دابتك، فخرجت، فإذا بدابتي مع ثلاثة رجال. فسألوني أن أجعلهم في حلّ، وقالوا: ما قصدنا دارك ولكن غلطنا. فقلت لهم: لابد لكم أن تخبروني بقصّتكم، فقالوا: ذهبنا بدابتك فنحن في الضحى، نصف النهار، إذ بصوت يقول: الى أين تذهبون، يا فسقة بداية الجبنياني؟ فنظرنا فلم نرَ شيئًا. ثم مشينا، فسمعنا بالصوت ثانية، فألقي في قلوبنا الرعب. فرجعنا حتى أتينا الليلة دار الجبنياني، فقرعنا عليه الباب، فقلنا له: خذ حمارتك واستغفر لنا، فقد فعلنا فيك ما لا يحل. فقال: أنتم يا مساكين، ابتليتم بهذه الدابة؟ قلنا: نعم، وأخبرناه. فقال: أنتم على طهارة؟ قلنا: لا. فأخرج لنا قلة وقدحًا وحبلًا. فاستقينا من بئر، واغتسلنا، ثم أتيناه فصلّينا وراءه ركعتين. وسأل الله لنا في التوبة. ثم قال: وصّلوا الدابة الى صاحبها. فجئناك بها. وكان أبو إسحاق، قلما يتغير على أحد فيفلح. قال لإنسان لاحه في شيء أنكره على آخر، لجهره في صلاة نافلة النهار. وقال له: يا هذا إن مالكًا، استحب فيها الإسرار.

стр. 1129

سيما في المسجد، لما يخلط على الناس. فقال الرجل: قد جهر في مسجد رسول الله ﷺ ، عمر بن عبد العزيز. فقال له أبو إسحاق: كان ذلك بالليل، وقد عاب عليه ذلك سعيد بن المسيّب. فقال له الرجل: تقول، سعيد حجة؟ فقال الشيخ: يا متعوس. أمام دار الهجرة، وشيخ التابعين، تقول هذا فيه؟ ما أراك تفلح والله، ما أراك تموت على الإسلام. ومات معتزليًا بعد ذلك. وقال له أبو سعيد ابن أبي عباس: سألتك بالله، يا أبا إسحاق أجبني عما أسألك عنه، فقال له: ما هذا يا أبا سعيد؟ إن سألتني عما أعلم أجبتك. فقال له: هل اجتمعت بالخضر ﵇، أم لا؟ فسكت منكرًا. ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله أن أدعي ما ليس ي بحق، يمرّ بي هاهنا أقوام يسلّمون عليّ بالليل، لا أدري أجنّ هم أم أنس. قال اللبيدي: أخبرت الشيخ أبا الحسن بهذه الحكاية. فقال هذا جواب عالم. لم ينكر ولا أقر. هي جيّدة. وقيل لزوجته، هل رأيت من أمره شيئًا تخبرين به؟ فسكتت وأبت من القول. فلما مات، سئلت، فقالت: إني في ليلة ظلماء حتى رأيت نورًا أغشى الحجرة، وموضع الشيخ. واسمع الحديث، فرعبت. وأقام ذلك مدة. فأحس بي أني يقظانة. فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت، ما دمت حيًا. ذكر جمل من حكمه وفصول من كلامه في العلم، حسان قال أبو القاسم: كان الجبنياني، حكيم القول، وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته. قد جفّ جلده على عظمه. واسودّ لونه، كثير الصمت قليل الكلام. فإذا نطق، نطق بالحكمة. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق قلما يترك ثلاث كلمات، كن الخير كله: اتّبع لا تبتدع. اتضع لا

стр. 1130

ترتفع، من ورع لم يتسع. وكثيرًا ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس أمارة بالسوء، وكان يقول: إذا رأيت الشاب قذرًا، في شبيبته، فإذا كبر يكون شيخ سوء. ويقول: إذا رأتك زوجتك وولدك وخادمك تعصي الله، كان أول من يذلك: هم. وقيل له يومًا: ما أقل من يأكل الحلال. فقال: ما أقل من يكسب حلالًا. والدار يكون فيها من الأهلين العشرة وأكثر، ينقلب لهم المسكين الساعي عليهم، فيأكلونها وهم لا يعلمون من أين هي، حلالًا. ويكسبها المسكين حرامًا وحلالًا. قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا عنه هربت من يد صبي دابة، كان يمسكها لنا. فقلت: أعطوها لصبي لا يقوم بها فضاعت فقال لي أبو إسحاق: قد اغتبته. فقلت له: وصفته بحاله وقلة مقدرته. وفي السنّة ما يبيح ذلك. فقال: وأين هو؟ قلت قوله ﵇ التي شاورته في النكاح: أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه. وأما معاوية فصعلوك لا مال له. قال، فقال لي: ليس في هذا حجة. لأن المستشار مؤتمن. وأيضًا، فإنما مشاورته لتنكح برأيه، يدخلها في النكاح، أو يصرفها عنه. وليست مسألتنا كذلك. بل في السنّة ما يمنعك من ذلك. وذلك أن النبي ﷺ أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين، فلما خرجا، قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتك أيهما أطبّ. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك، قال: فهذا رسول الله كره في نصرانيين أن يخبر أيهما أطبّ، فكيف بمسلم؟ ثم قال لي: أرأيت هذا الصبي، لو سمعك أليس كانت توجعه نفسه، وأيهما كان أحب إليك، تجد

стр. 1131

ذلك في صحيفتك، أو لا تجده. فقلت له: صدقت. وسئل يومًا عن الزراعة التي في الطرقات، تمر عليها الدواب. فتغلب على أكل ما دنا منها. فقال: أرأيتم لو قيل لكم، إنها إن أكلته هلكت، ما كنتم تصنعون؟ قلنا نحتفظ منها، ولو لم نجد إلا أرديتنا، ربطناها على أفواهها. قال: فكذلك فاصنعوا بها إذا مررتم. قال بعض أصحابه: لما حججت أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام. فقلت لأبي إسحاق: إني أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام، أتحب أن أعطيك منهن شيئًا تسبح بها؟ فقال لي: يا أحمق، ارم بهن، فعلى أقل من هذا، عبدت الحجارة. فعرّفت القابسي بهذا، فأعجبه فقه أبي إسحاق. وقال أبو الحسن: قال مالك فيمن يخرج بشيء من حصباء المسجد في نعليه، إن كان قريبًا من المسجد، ردها وإن بعد رمى بها. قال محمد بن سهلون: قلت لأبي إسحاق، ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فسكت عني. ثم قال لي: إن أهل السنّة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب دون الشرك. ولكن ليس على المرء أن يحب ما يكره، كما يحب من يحبه. فذكر قوله القابسي، فأعجب به. وقال: لو سألت عن هذه المسألة أبا الحسن الأشعري، فيما أراه، ما كان يجيب فيها بأكثر من هذا. والله ما على الإنسان ذلك. وكان ﵀، يمكن أوقات الصلوات. فكلّم في ذلك. وقيل له: لعله يجتمع إليك أهل القرى، التي حولك، ليدركوا صلاة الجمعة. فقال: ليس كذلك. لكن هؤلاء القوم، يعني بني عبيد، كادوا الدين، وتسللوا الى هدمه. لأنهم لو قالوا للناس: لا تعبدوا الله، لم يقبلوا منهم، ولو قالوا لهم: اتركوا الصلاة، لم يقبلوا منهم. فتحيلوا كيف يبطلون صلاة العباد، فجعلوا يُذنون قبل الوقت، وجعلوا صلاة الظهر، تقارن الزوال. وربما وقعت قبله. وجعلوا صلاة العصر وقت صلاة الظهر، تقارن الزوال.

стр. 1132

وطبعًا إذا ما انقطع الناس إليهم في وضع الصلاة في غير وقتها، ولو بساعة، أن ينطاعوا لهم في الترك، وكانت فتنتهم بذلك لا تخفى، على عوام الناس. فأردت أن أمكن الظهر والعصر، من غير أن أخرج عن الوقت المحمود، الى الوقت المذموم. حتى تكون صلاتي للظهر، وقت صلاتهم العصر. فيعلم العامة أن فعلهم ضلال. وكان أبو الحسن، يمكن الأوقات. قال اللبيدي: فكلمته في ذلك. فقال لي: كيف الجبنياني يصنع. قلت: كفعلك. وحكيت له الحكاية. فقال لي: حسبك بهذا الجبنياني إمام يقتدى. وما يروى من كلام أبي إسحاق مقاماته، أكثر مما ذكرناه، وأوسع مما أردناه. وفي هذا كفاية، لمن نوّر الله قلبه، وهُدىً لمن أراد رشده. ذكر سيرته في التعليم وكان ﵀ يعلّم القرآن ويشترط، إذا كان أولاده صغارًا، ثم علّم ولم يشترط، ثم ترك. وكان في تعليمه يتحفظ كثيرًا. ويقول ﵁، رحم الله محمد بن سحنون، لو علّم لرفق بالمتعلمين - يريد لأنه شدد عليهم في كتابه - وكل من تعلّم على يد أبي إسحاق، انتفع به، إلا قليل. وكان يقول: لا تعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين. فدين الصبي على دين معلمه، فلقد عرفت معلمًا كان يخفي القول بخلق القرآن، ففطن له، فلما علم أنه يطرد، وقف بين يدي مكتبه وقال لصبيانه: ما تقولون في القرآن؟ قالوا لا علم لنا. فقال: هو مخلوق، ولا تُزالون عن هذا القول لو قُتلتم. فماتوا كلهم على هذا الاعتقاد. قال: وبلغنا عن معلم عفيف، رئي وهو يدعو حول الكعبة ويقول: اللهم أيما

стр. 1133

غلام علمته، فاجعله في عبادك الصالحين، فبلغني أنه خرج على يديه نحوًا من تسعين عالم وصالح. وكان يتعلم عنده جماعة من أولاد الكتاميين، ولا يأخذ منهم شيئًا، ولا يعلمهم يكتبون، يقول: لم يصلحوا بعد لذلك، حتى يصلح. فخرج كل كتامي علمه على الكتاب والسنّة. وكان يعلّم اليتامى والفقراء لله . وكان صبيان الكتاب يأتونه، بدجاج وفراخ وطير بلغ، يعطونه إياه، ويقولون صدناه، لم يقبله منهم. فإذا قالوا له وجهه إليك آباؤنا قبله. لأن عطيّتهم لا تجوز. وفاته وذكر تركته قال اللبيدي: توفي أبو إسحاق ﵀، يوم الأحد السابع من محرم. سنة تسع وتسعين وثلاثماية. ودفن يوم الإثنين بعده بشرق جبنيانة. وسنّه تسعون سنة. ووجدت بعد موته رقعة تحت حصيره، مكتوبة بخطه: رجل وقف له هاتف فقال له: أحسن، أحسن عملك. فقد دنا أجلك. فقال لي ولده عبد الرحمن: إنه كان إذا قصّر في العمل، أخرج الرقعة، فنظر فيها، ورجع الى جدّه. وصلى عليه ابنه أبو الطاهر، واجتمع إليه خلق كثير، خرجوا به غدوة الاثنين. فما وصلوا الى الصلاة عليه إلا بعد الزوال، وما وجدوا له في الدنيا قليلًا ولا كثيرًا، إلا أمداد شعير في قلة مكسورة. والحجرة التي كان يسكنها إنما كانت لابنه ﵀ ورضي عنه. ذكر بنيه ﵁ كان عنده من الأولاد سبعة. أبو بكر، وأبو الطاهر أحمد، وأبو عبيد الله

стр. 1134

محمد، وأبو علي، وأبو زيد عبد الرحمن، وأبو محمد عبد الله، وأبو الحسن علي. فأما أبو علي، فمات قبل أن يحتلم. ثم مات عبد الله، وهو دون الثلاثين. وكان أشد من الشيخ اجتهادًا في العبادة، قتله القرآن، كلما مرّ بوعد أو وعيد بكى، حتى أذاب الحزن فؤاده. فمات. قال أبو القاسم اللبيدي: فحضرت موته والشيخ يلقنه، حتى مات. فأغمضه. ثم استرجع على المصيبة، ودعا له. ثم قال لوالدة عبد الله - وهي زوجة الشيخ وكانت قريبًا منه في الفضل والعبادة: احمدي الله، فقد مات على الإسلام، وجعل في صحيفتك. فإن كان عندك طيب فتطيبي، وتجملي لنعم الله . وأخرج ميزرًا عنده، تجمّل به، وركع. ثم جلس للناس، والبشر ظاهر عليه. وتوفي أبو الحسن أيضًا في حياة أبيه. وتوفي عبد الرحمن بعد أبيه، بثلاث سنين، وكان من الفقهاء العباد، يختم في كل ليلة ختمة. وأما أبو الطاهر فكان من أهل القرآن. وكتب الحديث، ولقي أبا الورد وغيره، وكان أبو بكر وأبو عبد الله من أهل القرآن، ويعلّمانه ﵏، ورضي عنهم أجمعين. أبو محمد عبد الله بن إسحاق، ﵀ المعروف بابن التبّان، الفقيه، الإمام. كان من العلماء الراسخين، والفقهاء المبرزين. ضربت له أكباد الإبل من الأمصار، لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر، ومذهب مالك. وكان من أحفظ الناس بالقرآن والتفنن في علومه، والكلام على أصول التوحيد، مع فصاحة اللسان. وكان مستجاب الدعاء، رقيق القلب غزير الدمعة. وكان من الحفاظ. وكان يميل الى الرقة، وحكايات الصالحين، عالمًا بالفقه والنحو والحساب والنجوم. وذكره أبو الحسن القابسي بعد موته، فقال: رحمك الله يا أبا محمد،

стр. 1135

فلقد كنت تغار على المذهب، وتذب على الشريعة. وكان ﵀ من أشد الناس عداوة لبني عبيد. كريم الأخلاق، حلو المنظر، وقرأت في تعليق أبي عمران الفقيه، فذكره فقال: كان فصيح اللسان حافظًا للقرآن، بعيدًا من الرياء والتصنع. وقال أبو إسحاق الكاتب مثله. قال: وكان عالمًا بالاحتجاج لمذهبه. فقال بعضهم: كان أبو محمد من أرق أهل زمانه طبعًا، وأحلاهم إشارة، وألطفهم عبارة. سمع منه أبو القاسم التستري. ومحمد بن ادريس بن الناظور، وأبو محمد بن يوسف الحجي. وأبو عبد الله الخرّاط وابن اللبيدي. ﵏. ذكر ابتداء طلبه للعلم ذكر أنه قال: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كله، فكانت أمي تنهاني عن القراءة بالليل. فكنت آخذ المصباح فأجعله تحت الجفنة، وأتعمد النوم، فإذا رقدت أخرجت المصباح وأقبلت على الدرس. وكان كثير الدرس. ذكر أنه درس كتابًا ألف مرة. الى أن قال لي أبي ذات يوم: يا بني ما يكون منك؟ لا تعرف صنعة، واشتغلت بالعلم ولا شيء عندك. فلما كان ذات ليلة سمعته يقول لوالدتي: عرفت أني عُرّفت اليوم بابني؟ وذلك أني حضرت أملاكًا في مسجد - سماه - فوجدته ممتلئًا بالناس، ولم أجد مجلسًا، فقام لي رجل من موضعه وأجلسني فيه، فسأله إنسان عني، فقال له أسكت هذا والد الشيخ أبي محمد. وقال آخر: خرج والدي محمد بن التبان يومًا من مسجد المسند، فزلق في طين، فبادر رجل وأخذ بيده، وقال لصاحبه: هذا والد الشيخ أبي محمد الفقيه. قال: فرجع وحرّض ابنه على طلب العلم، والتزم القيام بشأنه من يومئذ.

стр. 1136

ذكر إجابته وفضائله ﵀ ذكر أن أبا محمد التبّان كان يقرئ لإخوانه ميعادًا من الرقائق. فقطعه أيامًا، فعاتبوه عليه فاعتذر، فضيقوا عليه فقال: إذا كان غدًا تأتوني إن شاء الله. فأتوه من الغد، وبين يديه شيء مغطى، فقال لهم: أكشفوه. فوجدوه طبقين صغيرين، أحدهما مملوء دنانير، والآخر دراهم. فقال لهم: هذا منعني. لأن من ملك من الدنيا هذا يقبح عليه أن يزهد الناس فيها. فيدخل فيمن ذمه الله تعالى بقوله تعالى: أتأمرون الناس بالبرّ الآية. ولما جرت له المسألة التي تكلم فيها في الإيمان، وخالفه أبو محمد ابن أبي زيد ﵀، والقابسي، والسبائي، والجماعة ﵃. وحدث بينهم وبين بعضهم وحشة بسببها، جعل موعدًا للإلقاء. وألقى عليهم كتاب الوضوء. فخالفوه في مسألة. فقال لهم: اسمعوا ما أقول: درست هذا الكتاب ألف مرة. فأبوا إلا مخالفته. فقام بهم الى داره، وأخرج الكتاب وأراهم المسألة، كما قال. ثم دعا على نفسه. وقال: اللهم لا تقض عليّ أن ألقي عليهم بعد هذا شيئًا. اللهم أقبضني إليك، وأرحني منهم. فما قام إلا يسيرًا حتى مات ﵀. وقال أبو عبد الله محمد بن التمار: خرجت مع أبي عبد الله الى سوسة، ومعه جارية له راكبة على زاملة. وهو على سرج. فإذا مشى قليلًا، مضى إليها. وقال: تحبين أن تركبي السرج؟ فتقول نعم: فينزل لها ويرجع على الزاملة. ثم يمشي قليلًا فيقول لها: ترجعي الى الزاملة؟ فتقول نعم. فيردها عليها. فعل ذلك نحو أربع مرات. فلما وصلنا سوسة، دخلت عليه وقلت له: غلبت على عقلك مساعدتها؟ تنزل من دابة الى دابة، والناس يرونك. فغضب ورفع بصره الى السماء، وقال اللهم بحق الحافّين

стр. 1137

بعرشك، وبحق الذين إذا نظرت إليهم سكن غضبك، ألا ابتليته بما ابتليتني به. قال فابتلي أبو عبد الله في جارية باعها فتبعتها نفسه، وبلغ من ذلك أمرًا عظيمًا. وكان يقول: دعوة الشيخ. قال الأجدابي: رأى أبو محمد التبان ربّ العزة في المنام، فقال له: يا عبدي، تكون بالمغرب فتن، كقطع الليل المظلم، لا ينجو منها إلا سوسة، والمنستير، وما والاها، وكان إذا حدث بالقيروان أمر فرّ ابنُ التبّان الى سوسة، والمنستير، حتى ينفض الأمر. وحكى اللبيدي، أن أبا محمد حدث يومًا في المنستير بكراهة مالك بن أنس ﵁ الاجتماع على قراءة القرآن، وأن ذلك بدعة. فقال له رجل: كيف تقول إن قراءة القرآن بدعة؟ فقال: لم أقل هذا، فخرج الرجل فصاح: إن ابن التبّان قال قراءة القرآن بدعة. فرجف الناس من كل جهة، منكرين هذا وأتوا حجرته. فجعل يرفق بهم ويبيّن لهم. قال: فمنهم من يتفهم، ومنهم من لا يتفهم. ثم حول أبو محمد وجهه للذي شنّع عليه، وقال له: أفجعت قلبي، أفجع الله قلبك. أفجعك الله بنفسك، وولدك، ومالك. قال اللبيدي: فأجيبت دعوة الشيخ، فهوس ولده، فكان من جملة المجانين. وذهب ماله، وابتلي بداء البطن فكان منه موته. وذكر أنه سار مرة لزيارة أبي إسحاق الجبنياني، فلما قرب منه، هابه. وقال: أخشى أن يجري الله على لسانه، في أمري شيئًا، يعزّ عليه فأكون ممّن عادى وليًّا من أولياء الله تعالى. فوجه إليه بالسلام وانصرف. وبالله التوفيق.

стр. 1138

ذكر أخباره مع بني عبيد وحسن مقامه في الدين كان أبو محمد شديد التنقيض لهم والتنير عنهم. قال بعض أصحابه: كنت معه يومًا بالمنستير، وكان يوم عاشورًا. فلما رأى بكى. فقيل له ما يبكيك؟ فقال والله ما أخشى عليهم من الذنوب، لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى أن يشكّوا في كفر بني عبيد، فيدخلوا النار. قال ابن ادريس: كنت معه، فجرى ذكر صلاة الجمعة مع خطباء بني عبيد، فقال خلف. قال: لا. قيل له بنو عبيد أشرّ من هؤلاء. وكان الخطباء يدعون لهم، وكان كثيرًا ما يقول: اللهم العنهم، ما أقام أمرهم، وما صرفه، وعلّق اللعنة عليهم، كتعليق القلائد في أعناق الولائد. وكان عبد الله المعروف بالمحتال، صاحب القيروان، شدّ في طلب أهل العم، ليشرّقهم، فطلب الشيخ أبا سعيد ابن أخي هشام. وأبا محمد التبّان وأبا القاسم بن شبلون، وأبا محمد ابن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي، ﵃. فاجتمعوا في مسجد ابن اللجام واتفقوا على الفرار. فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه، وأكفيكم مؤونة الاجتماع، ويكون كل واحد منكم في داره. ويقال إنهم أرادوا السير الى عبد الله. فقال لهم: أنا أمضي إليه، أبيع روحي من الله دونكم، لأنكم إن أتي عليكم، وقع على الإسلام وهن. ويقال إنه قال لعبد الله: لما دخل عليه جئتك عن قوم إيمانهم مثل الجبال، أقلّهم يقينًا أنا. فحدث بعض من حضر، قال: كنت مع عبد الله، وقد احتفل مجلسه بأصحابه، وفيهم الداعيان: أبو طالب، وأبو عبد الله. لعنهم الله. وقد وجه الى ابن التبان، فإذا به داخل، وعيناه توقدان، كأنهما عينا شجاع. فدخل وسلم. فقال: أبطأت عنا يا أبا محمد. فقال: في شغلك، كتاب ألفته في فضائل أهل البيت الساعة. أتاني به المجلد، ودفعه إليّ. فقال: يا أبا محمد

стр. 1139

ناظر هؤلاء الدعاة. قال: في ماذا؟ قال في فضائل أهل البيت. فقال لهما: ما تحفظان في ذلك. فقال له أبو طالب: أنا أحفظ حديثان - ولحن - ثم سأل الآخر، فقال له: وأنا أحفظ حديثان. فقال فيما ذان الحديثان اللذان تحفظ أنت؟ فقال له: هما يحفظان حديثان - ونطق بلحنهما - وأنا أحفظ في ذلك تسعين حديثًا، فأولى بهما الرجوع إلي. ثم قال عبد الله: يا أبا محمد، من أفضل أبو بكر أو عليّ؟ قال: ليس هذا موضعه. فقال: لابد، فقال: أبو بكر أفضل من علي. فقال عبد الله: أيكون أبو بكر أفضل من خمسة، جبريل ﵇ سادسهم؟ فقال أبو محمد: أيكون عليّ أفضل من اثنين، الله ثالثهما؟ إني أقول لك ما بين الوجهين، وأنت تأتيني بأخبار الآحاد. فضاق عبد الله، وقال: فمن أفضل عائشة أو فاطمة. فقال له: هذا آخر، سؤالك الأول؟ قال: لابد. قال: عائشة ﵂، وسائر أزواج النبي ﷺ أفضل من فاطمة. قال: من أين؟ فقال له قال الله تعالى: يا نساءَ النبيّ لستنّ كأحدٍ من النساء، إن اتقيتُنّ. فيقال، إن بعض الدعاة قال له في هذه المسألة. أيما أفضل، امرأة أبوها رسول الله، ﷺ ، وأمها خديجة الكبرى، وزوجها علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، وولداها الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة. أو امأة، أمها أم رومان وأبوها عبد الله ابن أبي قحافة؟ فقال له أبو محمد: أيهما أفضل عندك، امرأة إذا طلقها زوجها، أو مات عنها تزوجها عشرون زوجًا؟ أو امرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها لم تحل لأحد؟ فيحكى، أن أبا عبد الله قال له: يا أبا محمد أنت شيخ المؤمنين، ومن يوثق بك، أدخل العهد وخذ البيعة. فعطف عليه أبو محمد وقال له: شيخ له ستون سنة، يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنين وسبعين فرقة، يقال له هذا؟ لو نُشِرتُ بين اثنين، ما فارقت مذهب

стр. 1140

مالك. فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه. فخرجوا ومعهم سيوف مصلتة. فمر بجماعة من الناس ممن أحضر، لأخذ الدعوة. فوقف عليهم فقال: تثبتوا ليس بينكم وبين الله إلا الإسلام. فإذا فارقتموه هلكتم. فترك عبد الله طلب بقية الشيوخ، بعد ذلك المجلس. ذكر مذهبه في الإيمان رحمه الله تعالى قال الداودي: كان ابن التبّان إذا سئل عن غيره، هل يقول: هو مؤمن عند الله، أو يسكت. فكان يقول: هو مؤمن عند الله. وقال بقوله جماعة من علماء القيروان. وخالفه أبو محمد بن أبي زيد ﵀. وأنكر عليه ذلك. وقال: إنما يقول، إن كانت سريرتك، مثل علانيتك، فأنت مؤمن عند الله. وقال بمثل مقالته، أكثر علماء القيروان. ووقع بين الطائفتين في ذلك تهاجر، وتقاطع. قال الداودي: فكلمنا ابن التبّان في ذلك، وقلت له: كيف نقطع على غيبة؟ فقال: فإن كانت سريرته مثل علانيته، كان كذلك. يقال هذا مؤمن في حكم الله تعالى، مثل قوله تعالى: فإن علمتُموهنّ مؤمناتٍ فلا ترجعوهُنّ الى الكفّار. فقال لي أبو محمد: ليس هذا أراد. فقلت: كذلك يقول. ذكر حكم من كلامه وبقية أخباره ووفاته قال أبو محمد لبعض من يتعلم منه: خذ من النحو، ودع. وخذ من الشعر، وأقل. وخذ من العلم وأكثر. فما أكثر أحد من النحو إلا حمّقه. ولا من الشعر إلا أذلّه. ولا من العلم إلا شرفه. ويذكر عنه أنه كان كثيرًا ما كان ينشد:

стр. 1141

قد غاب عنك ثقيلُ كل قبيلة … ممن يشوب حديثه بمراء فالآن طاب لك الحديث إنما … طيبُ الحديث بخفة الجلساء وكان ﵀ يسمع التعبير ويرق لهذه المعاني. سأله الخراط يومًا، وقد وجد عنده معبرًا. فقال له: أليس التعبير بدعة؟ قال: والاجتماع على إلقاء المسائل بدعة. فبلغ كلامه السبائي، فشقّ عليه. قال اللبيدي: قال ابن التبّان يومًا: لا شيء أفضل من العلم. قال الجبنياني: العمل به. فقال: صدق، العلم إذا لم يعمل به صاحبه، فهو وبال عليه. وإذا عمل به كان حجة له، ونورًا يوم القيامة. وتوفي ﵀ يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة. سنة إحدى وسبعين وثلاثماية. وصلى عليه القاضي محمد بن عبد الله بن هشام، وخرج الناس لجنازته من ثلث الليل، حتى ضاقت بهم الشوارع، وفاضوا في الصحراء غدوة الثلاثاء. مولده: سنة إحدى عشرة وثلاثماية. ومما رثي به قول بعضهم: لقد ظلم الله البلاد بأسرها … بموت ابن إسحاق الفقيه المهذب أبو إسحاق ابراهيم بن عبد الله الزبيري المعروف بالقلانسي. كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا عالمًا بالكلام، والرد على المخالفين. له في ذلك تواليف حسنة. وله كتاب في الإمامة والرد على الرافضة. سمع من فرات بن محمد، وحماس بن مروان، وابن المغامي. ومحمد بن عبادة السوسي. وخلق كثير. روى عنه أبو ابراهيم بن سعيد، وأبو جعفر الداودي، وغيره. وامتحن على يدي أبي القاسم بن عبيد الله الرافضي. ضربه سبعماية سوط، وحبسه في دار البحر، أربعة أشهر، بسبب تأليفه كتاب الإمامة. وقيل الذي ألفه ابن سحنون. وتوفي ﵀ سنة تسع وخمسين، وقيل سنة إحدى وستين وثلاثماية.

стр. 1142

أبو الحسن بن علي بن محمد بن مسرور الدباغ كان من أهل العلم والورع، والتعبّد والصيانة والأخبات، والسلامة والحياء. ثقة، حسن التقييد. سمع من أحمد بن أبي سليمان. وعول عليه. ومن محمد بن بسطام، وعمر بن يوسف، ومحمد بن بسيل، وعبد الرحمن الورقة، وغيرهم. وسمع أيضًا في رحلته من محمد بن زيان، ومحمد بن رمضان، وبعد هذا من عبد الله بن أبي هاشم، وأبي بكر بن نادر، وأبي بكر بن اللباد. واجتمع بأبي الحسن الدينوري، سمع منه أبو الحسن القابسي، وأبو عبد الرحمن بن محمد الربعي، وأبو جعفر الداودي، وعبد الرحمن بن محمد الربعي، وبكر بن يوسف، وأحمد بن حاتم الزيات، وخلف بن أبي فراس، وعمران المقري ومحمد بن علون، وعتيق بن ابراهيم الأنصاري، وعالم كثير. ذكر ثناء العلماء عليه كان عبد الله ابن أبي هاشم، يثني عليه ويأمر بالسماع منه. قال الربعي: كان ثقة مأمونًا، لم أرَ أعقل منه، ولا أكثر حياء. اجتمع له من العلم والورع، والعبادة والتواضع. سريع الدمعة، رفيق الطالب. أخذ الناس عنه من سنة ثلاثين وثلاثماية، الى سنة تسع وخمسين. ثم منع السماع، ورعًا لما دخله من السنين. وكان الجبنياني يحبه، ويثني عليه ويعظمه. وقال الجبنياني للقابسي: أو ليس عندكم أبو الحسن الدباغ؟ وددت لو أن وسادتي في عتبة باب أبي الحسن الدباغ. ما يكلمه أحد إلا احمر لونه، ولقد كان أحيا من الأبْكار. وقدم رجل من أهل الشرق، فسمع الناس يقولن: أبو الحسن الدباغ الفقيه، وأبو إسحاق السبائي العابد.

стр. 1143

فقال لهم: بل العابد أبو الحسن، والعالم البحر أبو إسحاق. قال أبو إسحاق: كان يخيل إليّ أن صاحب الشمال، لا يكتب عن أبي الحسن لطهارة قلبه، وعفة بطنه. وكان من أهل التحقيق في معاني الولايات. ذكر أخباره وفضائله رحمه الله تعالى كان أبو الحسن قد ورث مالًا حلالًا. فأقام نفسه فيه مقام الفقراء، وأسوتهم. وكان يصرف في كل شهر أربعة دنانير، اثنين لصدقته، واثنين لنفقته. قال ابن الخلاف: وكان أصابه آخر عمره، بلغم منعه القيام على قدميه. فكان يحمل لحاجته، أو يزحف. فإذا جاءت الصلاة. أخذ بيده فاستوى قائمًا وصلى، وأتم صلاته دون إمساك، فإذا فرغ عاد الى حاله. وقال غيره: بت عنده ليلة، فسمعت حسّ ماء يقطر، فظننت أنه آنية ماء انكسرت. فقمت لأنظر ذلك، فإذا به قائم يصلي ويبكي. وإذا الذي سمعت دموعه، تقطر على الحصير. وكن بينه وبين السبائي صحبة، فلما خبر بموت السبائي، بكى كثيرًا. وقال: واكشفاه، اليوم انكشف. وكان أيام بني عبيد لا يؤذّن إلا على سنّة الأذان، ولا يقول حي على خير العمل. فحماه الله منهم. ولقد أذّن مرة. فخاطبته نفسه بقولها: وإن لم يقلها قتل، فقالها. فلما فرغ إذا أسود ناصد حربته بين كتفيه. إن لم يقلها طعنه بها، فعافاه الله. وكان يقول للناس: تمادوا على الأذان على سنته، في أنفسكم. فإذا فرغتم فقولوا: حي على خير العمل. فإنما أراد بنو عبيد خلاء المساجد، لفعلكم هذا - وأنتم معذورون - خير من خلاء المساجد. وكان يوم الجمعة يغتسل، ويلبس ثيابه، ويتطيّب. ويخرج حتى يصل الى الجامع، ويرفع عينيه الى السماء، ويقول: اللهم أشهد.

стр. 1144

ويرجع الى داره. ويقول: كنت في المكتب فانصرفت. فإذا بهرة خارة من قناة، فرميتها بحجر، فلا أدري أصبتها أم لا. فأنا أتذكرها الى الآن. ولما توفي السبائي، وخرج أبو الحسن للصلاة عليه: ازدحم الناس عليه، يسألونه الدعاء، ويسلمون عليه، حتى كاد يموت لكثرة ازدحامهم عليه. فألزم نفسه ألا يخرج من داره. فلزمها حتى مات. فصول من كلامه في الرقة والعلم قال بعضهم: سمعته يقول: إن طال عمرك فجعت بأحبابك. وإن قصر فجعت بنفسك. قال عتيق بن ابراهيم: لما وقعت مسألة الإيمان، واختلف فيها الفقهاء، قلت لأبي الحسن: إيش مذهبك في ذلك، نتبعك؟ فقال: إنا إذا وقفنا بين يدي الله، لم يسألنا الله عن هذه المسألة. إيش أنتم مؤمنون عنده، وإلا عندكم؟ إن كنتم عقلاء فاسكتوا عنها. قال أبو الحسن الدباغ: لما نهبت تونس، سرت الى عبد الرحمن الورقة، صاحب سحنون، فقلت له: ما ترى في البيع والشراء من أهل الأسواق؟ فقال لي: أقصد أهل العفاف. قال أبو الحسن: وبلغني أنه لما دخلت غنائم تونس القيروان، سأل رجل البهلول، وشقران عن ذلك. فقالا له: اشترِ من أوسط أهل السوق، ودع المعروفين بالشر، ومن لا يرجع عن هذه الغنائم. قال عبد الرحمن بن محمد: فسألت أبا الحسن عن ذلك. فقال: أقصد أهل العفاف. فليس فيهم اليوم كأهل ذلك الزمان. ثم قال: من قنع بعباة وأكل الشعير في هذا الوقت، فقد طاب عيشه، وتخلص. ومن كان مثلنا غرق. لانا لا نستبد من البيع والشراء والأسواق. وسألته: هل تقطع لغيرك بالإيمان عند الله؟ فقال: لا. إلا أني أقول له: إن كان ظاهرك

стр. 1145

وباطنك واحدًا. وكان ينهى عن الكلام فيها ويقول: ما لنا والكلام في شيء إن أصبنا فيه لم نؤجر، وإن أخطأنا فيه أثمنا. ويقول لأبي الحسن الزيات: ذهبت الى العراق، فأتيتنا بهذه البدعة. وهو الذي كان جابها وألقاها بالقيروان. وتوفي ﵀ منتصف رمضان، من تسع وخمسين وثلاثماية. وعهد ألا يعلَم الناس بموته. فلما خرج بجنازته، لم يكد يصل الى قبره، بعد صلاة المغرب، إلا بجهد كبير. وولد سنة إحدى وسبعين ومايتين. عبد العزيز بن رشيق - مولى الرحمة قال ابن الناظور: عن بعض شيوخه، كان شابًا من أهل العلم، من حفاظ المسائل، جميل الأحوال، وكان يحضر حلقة الشيخ أبي إسحاق السبائي، ثم قطعه. لأن أبا إسحاق أعجب يومًا برقة فهمه، وحفظه، ومناظرته، وحسن سيرته. فسأل عنه. فأخبر عنه. فقال له: إن كنت قبضت من ميراث أبيك شيئًا فتصدق به، وإلا فلا تدخل إليّ. أبو القاسم بن شبلون اسمه عبد الخالق، ابن أبي سعيد، واسمه خلف. قال الشيرازي: تفقه بابن أخي هشام. وكان الاعتماد عليه بالقيروان في الفتوى، والتدريس. بعد أبي محمد بن أبي زيد ﵀. وسمع ابن مسرور الحجام، وألف كتاب المقصد، أربعين جزءًا. وكان يفتي في اللازمة بطلقة واحدة. وتوفي سنة إحدى وتسعين. وبخط أبي عمران. في ربيع الأول، سنة تسعين وثلاثماية.

стр. 1146

أبو الأزهر عبد الوارث بن حسن بن أحمد بن معتب ابن أبي الأزهر، عبد الوارث بن حسن الأزدي تقدم ذكر جده في أصحاب سحنون، وكان بيت بني معتب، بيت علم بالقيروان. وكان ابن أبي الأزهر هذا من أهل الفهم، واللسان الجيد، والعقل والوجاهة. وكان رجلًا صالحًا خيّرًا. فاضلًا. قال ابن حارث: درس أبو الأزهر وحفظ، واختلف معنا الى الشيوخ. وكانت له قريحة حسنة، وفهم جيد في الفقه، وعناية بالوثائق. قال المالكي: كان أبو الأزهر من الأئمة الراسخين، ذا فقه بارع، وعلم بالأصول، مجودًا للوثائق والأحكام، وعلم القضاء، مبرزًا، حسن الوجه، جميل الشيبة، متواضعًا. قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: ما بإفريقية أفقه من أبي الأزهر، إنما قطع به، قلة دنياه. صحب أبا بكر ابن اللباد، وأبا عبد الله بن مسرور، وأبا محمد بن أبي هشام، ولم تكن له دنيا. كان عيشه، من الوثائق. وأراد عبد الله بن هاشم القاضي استكتابه، فاستشار أبا محمد بن أبي زيد فكسّر عليه، فبلغ ذلك أبا الأزهر، فجلس بالقرب من درب السكة، فإذا خرجت مسألة من عند ابن أبي زيد، كتب تحت الجواب: خطأ، ونبّه على ذلك. فضاق من ذلك ابن أبي زيد، ووجه إليه يعتذر له. وقال: إنما فعلت ذلك، إجلالًا لقدرك إذ أنت من شيوخنا. قال: فترك ذلك. قال أبو إسحاق القابسي: اختلف أصحابنا فيمن صلى بامرأته، المكتوبة هل يصلي تلك الصلاة مع الجماعة؟ فقال أبو سعيد ابن أخي هشام وغيره: لا يفعل. وجعلوا صلاته مع زوجته جماعة. وقال أبو الأزهر: لا بأس بذلك. وأتى أبو الأزهر لإشهاد أملاك لرجل مشهور بالقيروان، وقد حضره أبو سعيد، وابن التبّان، وابن أبي زيد وغيرهم،

стр. 1147

وامتلأت الدار، فلم يجد أين يجلس ولم يفسح له. وجلس على الماجل. وقرأ الوثيقة، أبو محمد الشقيقي، غيظك على هؤلاء، ترده عليّ؟ أنا قلت لك أقعد على الماجل؟ قال ابن حارث: وأبو الأزهر هذا حافظ فقيه، موثوق به، لزم بيته لما حدث من غلط الزمان. وقد ذكرنا أنه كان يحلق بجامع القيروان، أيام أبي يزيد ﵀، مع ابن أخي هشا، وابن أبي زيد، وغيرهم. وتوفي ﵀، سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وثلاثماية. ويقال سنة ثمان وستين. حباشة بن حسين اليحصبي قال ابن الفرضي: سمع بالقيروان، من زياد بن عبد الرحمن بن زياد. وابراهيم بن عبد الله القلانسي، ونظرائهما، قدم الأندلس، فصحب أبا عبد الله محمد بن أحمد الخراز القروي وسمع منه، ومن أبي بكر بن الأحمر، وتردد في الثغور مرابطًا. ثم رحل الى المشرق حاجًّا. فسمع من أبي زيد المروزي، وغيره. وانصرف الى الأندلس، فلزم العبادة، ودراسة العلم. والجهاد الى أن توفي به. وكان فقيهًا في المسائل. حافظًا للاختلاف، عالمًا بالسنن والآثار. وسمع أيضًا من ابن عون الله. ومحمد بن أحمد بن يحيى، وغيرهم. وقال: أدركت بالقيروان ستة عشر رجلًا، كلهم يقول: حدثني سحنون، ودُعي الى أن يجري عليه جراية من عند خليفة الأندلس هشام، ويتوسع له، ويجلس للفتوى. فلم يجب الى ذلك. وكان يتكرر على إشبيلية. وتوفي بقرطبة ليلة السبت. لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة، سنة أربع وسبعين وثلاثماية.

стр. 1148

محمد بن حارث بن اسماعيل الخشني، أبو عبد الله تفقه بالقيروان، على أحمد بن نصر، وأحمد بن زياد، وأحمد بن يوسف، وابن اللباد، والممسي. وسمع من غير واحد من شيوخ إفريقية. وقدم الأندلس حدثًا، سنة إحدى عشرة، فسمع من ابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وأحمد بن عبادة ومحمد بن يحيى بن لبابة، وأحمد بن زياد والحسن بن سعد، وغيرهم من القرطبيين. واستوطن بعد هذا قرطبة. وقد دخل بلدنا سبتة قبل العشرين وثلاثماية. فحبسه أهلها عندهم، وتفقه عليه قوم منهم، وذكر أبو الفرج الجياني في تاريخه، أنه حقق قبلة جامعهم، إذ ذاك، فوجد فيها تغريبًا فامتثلوا رأيه وشرّقوها. ثم دخل الأندلس، وتردد في كور الثغور، واستقر آخرًا بقرطبة. قال ابن عفيف: وكان حافظًا للفقه، متقدمًا فيه. قال أبو أيوب: كان ابن حارث نبيهًا ذكيًا. فقيهًا فطنًا. متقنًا عالمًا بالفتيا. حسن القياس في المسائل، وأولاه الحكم المواريث ببجانة. وولي الشورى بقرطبة. وتمكن من ولي عهدها الحكم، وألف له تواليف حسنة. منها كتابه في الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك. وكتابه في التحاصُر والمغالاة. وكتاب الفتيا. وكتابه في تاريخ علماء الأندلس. وتاريخ قضاة الأندلس. وتاريخ الأفريقيين. وكتاب فقهاء المالكية. وكتاب التعريف، وكتاب المولد والوفاة، وكتاب النسب، وكتاب الاقتباس، وغير ذلك. قال ابن الفرضي: بلغني أنه ألف له ماية ديوان. وكان عالمًا بالأخبار وأسماء الرجال. وكان حكيمًا يعمل الأدهان،

стр. 1149

ويتصرف في الأعمال اللطيفة، شاعرًا بليغًا إلا أنه يلحن. وكان يتعاطى صنعة الكيمياء. وآلت به الحال بعد موت الحكم، وتقصير ابن أبي عامر بصنائع الحكم، الى الجلوس في حانوت يبيع الأدهان. حدث عنه أبو بكر بن حرمل، وغيره. قال أحمد بن عبادة: رأيت ابن حارث في مجلس أحمد بن نصر - يعني في وقت طلبه بالقيروان - وهو شعلة يتوقّد في المناظرة. وتوفي بقرطبة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، سنة إحدى وستين وثلاثماية، فيما قهل ابن الفرضي، ﵀. وقال ابن عفيف: سنة أربع وستين، ﵀. تميم بن محمد بن أحمد بن تميم التميمي ولد أبي العرب. يكنى بأبي العباس. وسماه بعضهم تمامًا. والأول هو المعروف. أدرك صغار رجال سحنون، عيسى بن سليمان، والمغامي، وابن أبي زاهر، ومحمد بن بسطام، وحماس بن مروان، وفراتا، ومحمد بن عمر. وسمع من أبيه والقطان، ونفيس السوسي، وسع منه أبو محمد الأجدابي، والوليد بن مخلد، والأندلسي، وأبو القاسم الوهراني، وغيرهم. وكان يحفظ المسائل، ويتكلم فيها. وكان من أهل الورع والاجتهاد والانقباض، قرئ عليه بالقيروان، وسمع منه. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا، فاضلًا، متفننًا، ناسكًا، كثير الأخذ على لسانه، أغلب أقواله الورع والسخاء والمروءة. أجمع الناس على فضله. قال أبو عبد الله الخواص: كان إذا أراد أن يطين سقوفه، حفر أصل داره، من أجل قبالة السلطان، على التراب. وكان يطعم من أتاه، ويخرج لهم ما عنده، ويقول: من أراد أن يأكل، أو يحمل، فليفعل. وكان إذا دعاه أحد الى وليمة،

стр. 1150

حمل كسرة من خبز، وشيئًا من تين من ربعه. فإذا أكل الناس الطعام، أكل هو ما معه، مما حمل. قال بعضهم: كنت مع أبي العباس يومًا جالسًا على باب داره، إذ وثب وقال لأصحابه: قوموا فادخلوا. فدخلوا وأغلق الباب، ولا يدرون ما السبب. فقال: رأيت رجلًا من أصحابنا سكران فلم أرد أن تروه. فقالوا له: من هو؟ فقال: أنا سترته منكم، ثم أخبركم به؟ فقال الأجدابي: ولقد صحبته كثيرًا فما رأيته ضاحكًا قط. قال أبو الوليد بن مخلد: أما تميم بن محمد الزاهد، فلم أرَ أعبد منه. وقال أبو القاسم الوهراني: - فيما وجدته معلقًا عنه في أخبار رحلته وشيوخه - وكان أبو العباس تميم بن محمد كوالده خيرًا فاضلًا، ورعًا زاهدًا، متقشفًا من أهل العلم والصيانة. لزمته أربعة أعوام للسماع منه، وأخوه أحمد يكنّى بأبي جعفر، ودخل الى الأندلس واستوطن قرطبة، وحدث عن أبيه، وعبد الله بن محمد الرعيني، وأبي الغصن السوسي، وكان يضعّف. تكلم فيه أخوه وقال: إنه لم يسمع كتب أبيه. وكان هو يدعي سماعها. وتوفي ﵀ سنة تسع وخمسين وثلاثماية. مسرة بن مسلم بن ربيعة الحضرمي من أهل العلم والعبادة والزهد التام، بساحل القيروان، هو وإخوته. وقد تقدم ذكرهم عند ذكر أخيهم الأكبر أبي يوسف في الطبقة قبل هذه. ويكنى مسرة هذا: بأبي بكر. قال ابن اللبيدي: كانوا أهل بيت قرآن، وعبادة. وتفقه مسرة مع حمود بن سهلون. وكان صديقًا لأبي إسحاق

стр. 1151

الجبنياني، وسمع من مسرة اللبيدي، وعطية بن مسلم الصفاقسي، وولد أبي إسحاق الجبنياني، وعالم كثير. ورحل إليه الناس من الأقطار. قال اللبيدي: ولم يترك مسرة من اجتهاده في العبادة شيئًا. وكان من النوّاحين على أنفسهم، حتى تستقر الدموع في موضع سجوده. حتى يسقط من قامته فيتهشم وجهه. وكان أبو إسحاق يوثقه في العلم، ويأمر ولده وغيره، بالسماع منه. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا فاضلًا ناسكًا مجتهدًا. طويل الصلاة. وكان بسّامًا لجلسائه، ذا حزن وبكاء، إذا خلا. سمع من محمد بن عمر، ورحل سنة ثلاثماية مع أخيه، فسمع من النسائي، ومحمد بن زيان، وأبي محمد بن الجارود، ومأمون، وأبي الطاهر بن مهدي القاضي، ومحمد بن رمضان، وابن الأعرابي، والإيلي، وأبي عبد الله بن الربيع الجيزي، وأبي القاسم البغوي. ﵏. ذكر عبادته وزهده وأخباره قال اللبيدي: أقام مسرة ستة عشر عامًا في دكان، في زاوية البيت، لا ينزل إلا لحاجة الإنسان، يتلو ويبكي ويتكلم بالحاجة إشارة. وكان في ابتداء أمره، يختم ختمة بالنهار، وأخرى بالليل، أقام على ذلك أربعين سنة، ثم ضعف. فكان يختم ختمة سائر ليله ونهاره. ولقد رأيته يومًا يقرأ ويبكي، وأن دموعه تجري على الأرض، وكان من الخائفين. وكان يسمع التعبير وربما تغير منه، فبكى. ويقيم أيامًا لا ينتفع به. قال مسرة: كنت في شبيبتي أورق، فغلا الرق، فوقف بي هاتف فقال: أبا بكر، إذا غلت الرقوق يرخصها لك العلام الرفيق. ولما احتضر ﵀، ابتدأ القرآن، فانتهى في طه، الى قوله تعالى: وعجِلتُ إليك

стр. 1152

ربّي لترضى. ففاضت نفسه. قال اللبيدي: رأيت أبا إسحاق الجبنياني، ومسرة جالسين في جنازة، وعلى مسرة جبة صوف. فقال له الجبنياني: من أين لك هذه، يا أبا بكر؟ قال: من سوق المسلمين. فقال له أبو إسحاق: سبحان الله تشتري من السوق، وفيه تخليط، وأنت يقتدى بك؟ فقال مسرة فمن أين هذه الدراعة التي عليك - وعليه مرقعة بخرق المزابل - فقال له: أصلها منذ ثلاثين سنة، عملتها لي أختي، بموضع كذا، كشف عن أصله، فقال مسرة: موضع السراق أنت يا أبا إسحاق. أنت رجل مجنون - لتضييقه على نفسه، وتتبعه غاية الأمور، التي ليست لها غاية - فقال له أبو إسحاق: صدقت. كان معلمي يقول لي: إنك مجنون. ثم أقيمت الصلاة. فقدم مسرة، أبا إسحاق، ثم أتي بالجنازة، فقدمه أيضًا. وكان الميت ابن أخي مسرة. فلما فرغا جرى بينهما حديث، ودعاء وتوادعا، وتصافحا. وكان كل واحد منهما، يجلّ قدر صاحبه، ويعرف له فضله. قال اللبيدي: فما علمت أنهما اجتمعا بعد ذلك اليوم. مات أبو إسحاق، ومات مسرة بعده، بنحو ثمان سنين. قال: وكنت عنده قبل موته، بثلاث سنين، حتى جاءه رجل، فقال: رأيت أبا إسحاق في المنام واقفًا، فصاح ثلاث صيحات: يا مسرة، يا مسرة، يا مسرة. فقال: اما ثلاث ساعات، فقد ذهبت، وأراني أموت الى ثلاثة أيام، أو ثلاثة شهور، أو ثلاث سنين. فأرخنا الرؤيا فمات لثلاث سنين. توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين وثلاثماية. محمد بن حكمون الربعي الزيات أبو الكم. سمع من ابن مسرور الغسال وغيره، وهو الذي جاء

стр. 1153

بالمسألة التي في الإيمان، فألقاها الى علماء القيروان، ووقع فيه من الخلاف بين ابن زيد، وابن التبّان، رحمهما الله، ما اشتهر. أحمد بن عبد الله المهدي أبو جعفر، قيرواني. من أصحاب أبي بك ابن اللباد، من أهل العناية بالعلم. وكان في الدراسة والمطالعة آية لا يكاد يسقط الكتاب من يده، حتى عند طعامه. أبو عبد الله محمد بن خليفة السوسي من فقهاء هذه الطبقة. وكان أبوه خطب لبني عبيد بالقيروان. ورأيت أيضًا عبد الله بن محمد بن خليفة السوسي، مذكورًا في فقهاء الطبقة التي بعد هذه، فلعله ابنه. ورأيت أيضًا عبد الله محمد بن خليفة السوسي من الفقهاء، يروي عن الدويلي، من الطبقة بعد هذه. ﵀. ابراهيم بن يزيد المكني ﵀ من مكنة. ذكره المالكي. وقال فيه: فقيه حافظ عابد، مجتهد. كان يسكن المنستير. ثم بلغه أن صديقًا له توفي، وترك بنتًا بصفاقس. فقال: كفالة بنت صديقي، أولى بي. فترك سكنى المنستير، وكفلها وربّاها. ﵃، ورحمهم أجمعين.

стр. 1154

علي بن أحمد المعافري أراه من أهل الساحل. قال المالكي: كان فقيهًا حاذقًا. توفي سنة خمس وتسعين وثلاثماية. ﵀. عمرو بن محمد بن عمرون السوسي أبو حفص. من فقهاء هذه الطبقة وفضلائها. يروي عن الإبياني، وابن الحقبة. والحسن بن نصر، وبهما تفقه. وروى أيضًا عن محمد بن يزيد بن عاصم، وطال عمره. روى عنه أبو القاسم اللبيدي. كان عمرون طيّب المسكب متوقفًا عن الشبهات. توفي سنة خمس وتسعين وثلاثماية. وهو ابن ماية سنة وأربع سنين. أبو الحسن بن الخصيب رحمه اله هو علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب، ويعرف بابن ذكرون، طرابلسي. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا متعبدًا ناسكًا، ذا فضل وعبادة وعقل رصين، وإشارة جميل، منوّر الوجه. له في الفقه والفرائض، والشروط والرقائق، مصنفات كثيرة. وله في الحديث والرجاء تواليف. وكان كريم الأخلاق بارًا بمن قصده. قال أبو عبد الله الأجدابي: صحب رفيق القطان، وشقّ معه القفار، وسال معه الشامات، وله سمات وسند عال. وسمع من أبي عبد الله الجيري، وابن المنذر، وابن رمضان،

стр. 1155

وابن شعبان، وابن الأعرابي، وابن الجارود. وصحب أبا علي بن الكاتب الزاهد المصري. وجماعة من النسّاك، وروى عنه أبو الحسن القابسي، وأبو الحسن بن النمر الطرابلسي. وأبو القاسم بن نمر. وأبو علي بن المثنى، قاضي طرابلس. وأبو الحسن الحصائري الفارضي. ﵃ أجمعين. ومن أهل الأندلس عبدوس بن محمد الطليطلي وغير واحد، وبه انتفع أهل طرابلس. وكانوا يعلمونه. قال أبو الحسن بن النمر: كان أبو الحسن بن ذكرون من الورعين، في مطعمه ومشربه وملبسه، ومكسبه، ولفظه، تعلم الناس منه الفقه والحديث والورع، قال غيره: أقام أربعين سنة لم يضحك، ولم يتكلم في غيبة أحد، ولا يسمي أحدًا بلقب، وأقام خمسين سنة، لم يحلف بالله. قيل له لما احتضر أتذكر كفارة؟ قال: أعلم ما عليّ يمين أكفرها. وكانت بينه وبين ربيع، مراسلات. توفي سنة سبعين وثلاثماية. ومن أقصى المغرب فمن أهل بلدنا أبو زيد عبد الرحمن بن مسعود الكتامي يعرف بابن أبي عامر. بعين معجمة وباء. كذا وجدته بخط أبي إسحاق بن يربوع. وهو أحد من أخذ عنه. سمع وتفقه، ورحل فسمع من رجال المصريين، ولقي أئمة المالكيين، وبكر بن العلاء القشيري. وسمع منه أحكامه، وأبا الحسن بن جعفر التلباني القاطبي. وأبا حفص عمر بن حفص الاسكندراني. وعن خالد بن جميل، كتاب محمد بن المواز عن أبي مطر. وسمع منه الناس. أخذ عنه عبد الله بن غالب. وعبد الرحيم

стр. 1156

ابن العجوز، وابراهيم بن يربوع، وقاسم بن عيسى بن علاء، وغازي بن سعيد بن محمد بن عفان، وغيرهم من مشيخة بلدنا. وتوفي ﵀ بعد التسعين. عيسى بن علاء بن نذير بن أيمن ﵀ من أهل سبته. يكنى بأبي الأصبغ. سمع بقرطبة، من أحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن عيسى بن رفاعة، وغيره. وكان طلبه بقرطبة، من سنة سبع عشرة الى سنة أربع وعشرين، وليَ الصلاة والقضاء سبته. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: وكان فقيهًا عالمًا، ومحدّثًا ضابطًا، كتب عنه. وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثماية. وهو ابن ست وثمانين سنة. قال: وسمع منه من أهل بلدنا: ابنه قاسم، وخلف بن ناصر، وغالب بن تمام، جد بني غالب، وقاسم بن مخلد المعروف بابن علاء قومه، ومحمد بن علي ابن الشيخ. عيسى بن سعادة أبو موسى السجلماسي، من فقهاء بلدنا، ومشاهير المغرب. أخذ ببلده عن خير الله بن قاسم، وطلب بالقيروان ومصر والأندلس. وكان صاحب أبي الحسن القابسي عند الشيوخ. سمع من أبي الحسن الإمام، والدبّاغ والإبياني، وصحب الأصيلي أيضًا عند الإبياني، وحمزة بن محمد الحافظ وغيرهما. وأخذ بالأندلس عن أبي ابراهيم، وابن الخراز. قال المالكي: رحل سنة ثلاث وثلاثماية. فسمع من حمزة وغيره. وحفظ الحديث، وفاق فيه غيره. وكان في الحفظ عجبًا. أبله في أمر دنياه. وتوفي بمصر سنة

стр. 1157

خمس وخمسين وثلاثماية. ولما مات تنازعت الفقهاء والمحدّثون، كلهم يدعيه، ويقول: أنا أحق بالصلاة عليه. ورأيت في تعاليق أبي عمران، أن أبا محمد، حمل عنه عن أبي الجزار، عن ابن لبابة، مسألة كراهة استنشاق الصائم للبخور، الذي ذكر في مختصره. وهو الذي أخبره بذلك، عن ابن لبابة. وقد صرح به، أبو محمد أيضًا. فقال: حدثني عيسى بن سعادة عن خير الله بن قاسم، أنه حكى عن أصبغ في امرأة المسافر، ترفع أمرها الى السلطان، أنه لم يترك لها نفقة، أنه يطلقها عليه. قال القابسي: وذكر مسألة فقال: كذا قال في هذه المسألة، عيسى بن سعادة، الذي ما تكلم قط في مسألة حتى يتقنها. قال القابسي: لما أتينا حمزة بن محمد أنا وعيسى بن سعادة والأصيلي، وافقناه نازلًا من درج مسجد. فقال من هؤلاء؟ فقيل له قوم مغاربة. فوقف، فسلمنا عليه. ثم رجع فقعد، فنظر في وجوهنا وقال: ما أرى إلا خيرًا. حدثونا عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن عمر بن قيس الملاني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله تعالى. وتلا: إن في ذلك لآيات للمتوسمين. موسى بن يحيى الصديني، ﵀ من أهل فاس. كنيته أبو هارون، كبير فقهاء بلده، وشيخهم الشهير في وقته، وبعده. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: كان فقيهًا عالمًا بالرأي حافظًا للمسائل، وله رحلة الى المشرق، سمع ولقي فيها أبا جعفر الأسواني،

стр. 1158

المالكي، وغيره. ودخل الأندلس، وتردد بالثغر، وكتب عنه هناك. حدّث عنه أبو الفرج عبدوس، وتوفي بفاس يوم الجمعة، يوم عرفة، سنة ثمان وثمانين وثلاثماية، وهو ابن سبع وسبعين سنة. قال القاضي أبو الفضل ﵁: وسمع أيضًا من ابن عبدون الغزويني، وابنه أحمد أيضًا، كان فقيهًا. وتوفي ﵀، سنة ثمان وأربعماية. وبقي سؤدد العلم في بيته، الى الآن. ﵁. من أهل الأندلس القاضي أبو بكر ابن السليم هو محمد بن إسحاق بن منذر بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن السليم، ابن أبي عكرمة، واسمه جعفر - وهو الداخل الى الأندلس - ابن يزيد بن عبد الله، مولى سليمان بن عبد الملك. قيل إن عبد الله جده، رومي. وقال ابن مفرج في انتسابه: إنه لخمي من أشراف كورة شذونة. تولى سلفه لبني أمية، وإليهم تنسب المدينة المعروفة ببني السليم، من كورة شذونة. نزلوها عند فتحهم الأندلس، وهو قرطبي. سمع بها من أحمد بن خالد صغيرًا، ومحمد بن أيمن، ومحمد بن قاسم، وعبد الله بن يونس، وقاسم بن أصبغ، وأبي عمر بن دحيم، وسعيد بن جابر، وغيرهم. ورحل سنة اثنتين وثلاثين. فسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبالمدينة من المرواني، القاضي. وبمصر من الزبيري، وعبد الله بن جعفر البغدادي، وأبي جعفر النحاس، وابن بهزاذ. وابن أبي مطر، وأبي العباس السكري، ومحمد بن أيوب الرّقي، وجماعة. وانصرف الى الأندلس، فأقبل على الزهد والعبادة ودراسة العلم. قال ابن الفرضي: كان حافظًا للفقه، بصيرًا بالاختلاف،

стр. 1159

عالمًا بالحديث، ضابطًا لما رواه، متصرفًا في علم النحو واللغة، حسن الخطابة والبلاغة. لين الكلمة، متواضعًا. وكان مع ذلك ذا غور ودهاء. وسمع منه كثير، وبخط الحكم أمير المؤمنين، وذكره فقال: هو فقيه بمذهب مالك، حافظ متقدم، من أهل المعرفة بالحديث والرجال. له حظ من الأدب. لم يلِ القضاء بقرطبة أفقه منه، ولا أعلمه، إلا منذر بن سعيد. لكنه أرسخ في علم أهل المدينة، من منذر. قال ابن مفرج: كان ابن السليم راسخًا في العلم، مجتهدًا في طلبه، عالمًا بالحديث والفقه. قال غيره: جمع الى الرواية الواسة جودة استنباط الفقه، والفتيا والحذق بالفرائض، والحساب والتصرف في البلاغة، والشعر والافتتان في العلوم، وكان جماعة من كبراء العلماء بالأندلس ممن أدركوه قاضيًا. وذكره الحميدي، وأبو عبد الله في تاريخه، كان مع هيبته ورئاسته، حسن العشرة. كريم النفس كابن زرب، وأبي العباس المروقي، يقطعون على أنه لم يكن قط في قضاء الأندلس، منذ دخلها الإسلام الى وقته، قاضٍ أعلم منه. قال أبو محمد الباجي: فما رأيت في المحدثين مثله، وله كتاب التوصل مما ليس في الموطأ. واختصار كتاب المروزي في الاختلاف. وكتاب المحسن في الحديث. ذكر ورعه وزهده وفضله وكان مع علمه من أهل الزهد والتقشف والبر. طال هربه من السلطان الى أنشبه المقدار. نال رئاسة الدين والدنيا بالأندلس، فما استحال عن هدية ولا غرته الدنيا بوجه. قال ابن مفرّج: وكان قد بلغ به التقشف وطلب الحلال، إن كان يصيد السمك بنهر قرطبة. ويبيع صيده. فيأخذ من ثمنه ما يقتات به ويتصدق بفضله.

стр. 1160

ذكر ولايته وسيرته ﵀ قال ابن حيّان: كان أول معرفته بالحكم المستنصر، وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه الناصر، أنه طلب رجلًا عالمًا زاهدًا يحجّ عن والدته، بعد موتها بخمسماية دينار - دراهم كانت أعدتها لذلك، من طيب مالها - فذكر له ابن السليم هذا، فأمر بإحضاره. والحكم خلف ستر، وأمر أن يُكلَّم في القصة، ويرغب إليه في ذلك فأبى وأقسم أن لا يفعل ذلك أبدًا. فتعلق بقلب الحكم. ولم يزل يجتذبه بكل حيلة، حتى اقتضاه من طريق محبته في العلم. فاستخدمه في المقابلة لدواوين بيت حكمته الذي حوى من كتب العلم ما لم يحوه بيت ملك. فداخله من حينئذ وصاحبه. فنوه الحكم باسمه، وقدمه الى الشورى. فلما ولي الخلافة - بعد موت أبيه - قدمه الى المظالم والشروط. الى أن توفي قاضيه، منذر بن سعيد، فولاه مكانه قضاء الجماعة. وذلك سنة ست وخمسين. وجمع له معها الخطبة والصلاة سنة ثمان وخمسين. فحمد الناس سيرته. فكان من سيرته التواني، في الأحكام والتبطؤ في القضاء. فردّ لومه في ذلك من لم يعرف غرضه. لم ينقم عليه شيء سوى ذلك. فلما مات اتفقت الألسنة بالثناء عليه. قال الرازي: وفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان، سنة خمس وستين وثلاثماية. أمر القاضي ابن السليم، أئمة الفرض، أن يصلوا الوتر بالجامع ثلاثًا، لا يفصلون بتسليم. كما كان يفعل قبل ذلك. وذلك أن بقي بن مخلد، كان يأخذ به، واتبعه عليه بعض الأندلسيين، وهو مذهب أهل العراق. قال القاضي الفقيه الإمام المؤلف
следующие страницы →