Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
صدرًا فيمن يستفتى في موضعه. أديبًا شاعرًا بليغًا عظيم الرئاسة. سريًا كريم النفس، مداخلًا للسلاطين. متصرفًا في أمور الناس. توفي ببلده سنة تسع وسبعين ﵀.
أحمد بن يوسف بن إسحاق بن ابراهيم
أبو القاسم. استجي. كان متصرفًا في الفتيا والشروط. حافظًا للخبر، والمثل. يقرض الشعر. توفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثماية.
محمد بن عبد الله بن قاسم
استجي. أبو عبد الله. سمع من ابن لبابة، وابن خالد، وابن أيمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ، وعمران بن يوسف، وعمروس وابراهيم بن داود وغيرهم. وكان حافظًا للمسائل، عالمًا بعقد الوثائق، بصيرًا بالنحو، ورعًا في الفتيا. حدث عنه اسماعيل بن الطحان. وأثنى عليه. ﵃.
عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف الثغري
ويقال القلعي. أبو محمد. من أهل قلعة أيوب، من ثغر شرق الأندلس. ويعرف بالبطرنولي. وكان ولده بها الى اليوم، ذوي ظهور ورئاسة. الى أن تغلب عليها العدو، فيما تغلب عليه من تلك الثغور، سنة أربع عشرة وخمسماية. سمع بالثغور من ابن شبل، وابن عباس، ووهب بن مسرة، ووهب بن عيسى، وأحمد بن خالد التاجر، والأنطاكي. ورحل فدخل العراق، فسمع بها وبالبصرة: من أبي إسحاق المالكي، والدينوري، ونظرائهما.
стр. 1192
وببغداد أبا بكر الأبهري، وأبا علي الصواف، وابن مالك، وأبا بكر الشافعي، وابن مقسم، وغيرهم. وفي الكوفة، من ابن دحيم، وبالشام، من أبي العقب، وبمصر من ابن الورد، وابن رشيق، وأحمد بن الحسن الرازي، وابن أبي طنة، وجماعة. وبإفريقية من ابن اللباد، وانصرف الي
الأندلس، فلزم العبادة والجهاد، ووليَ قضاء بلده. ثم استعفى، فعوفي. قال ابن الفرضي: وكان فقيهًا فاضلًا، ديّنًا ورعًا صليبًا في الحق لا يخاف في الله لومة لائم. ما كنا نشبهه إلا بسفيان الثوري في زمانه. وأنكر على بعض أصحاب السلطان في ناحية شيئًا، فسعي به وعهد بإسكانه قرطبة، فقدمها، فحدث بها، وسمع منه خلق كثير: ابن عون الله - وسمع هو منه - ومحمد بن أحمد بن يحيى القاضي، وعباس الحجري. وابن الطحان، وعبد الله بن اسماعيل، وأبو عمر الطلمنكي، وابن الفرضي، وابن الشقاق، الى أن سرح الى بلده. قال ابن الفرضي: وكان ثقة مأمونًا، وإليه كانت الرحلة من جميع نواحي الثغر، ونفع الله به عالمًا كثيرًا. قال ابن الحذّاء: وكان رجلًا صالحًا فاضلًا زاهدًا منقطع القرين. وكان بطلًا شجاعًا. قال ابن الفرضي: بلغني أنه كان يقف وحده للفئة. قال ابن الحذّاء: يذكر عنه أهل جهته في هذا الباب، مقامات مشهورة، منها: أن العدو قصد بلدهم في نحو ثلاثة آلاف فارس، وكان قائد القلعة شجاعًا أيضًا. فاجتمعا فقال أبو محمد: معنا خمسماية فارس، وأنت تعدّ بخمسماية فارس، وأنا بخمسماية فارس، فقد وجب علينا لقاؤهم بنص الكتاب. فأطاعه الناس وبدروا إليهم، فظهروا عليهم وانهزم العدو، وتحكموا فيهم قتلًا وغنيمة. فحسن ظن الشيخ ﵀. وتوفي ببلده، سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن ثلاث وستين
стр. 1193
سنة. وترك حملًا جاء بعده، وتسمى باسمه. فكان صالحًا حسن السيرة كريمًا ورعًا، لم يكن له كثير علم، وليَ قضاء بلده، نحو أربعين عامًا. توفي وترك ولدًا، وليَ أيضًا أحكام بلده، ولم تزل رئاسة بلدهم فيهم من القضاء والتقدم، الى وقتنا هذا. الى أن تغلب العدو عليها. وأبو محمد بن قاسم بن حزم أبو عبد الله، من أهل العلم، له رحلة لقي فيها بالقيروان ابن زياد، وابن اللباد، حدث عنه ابنه، وتوفي سنة أربع وأربعين وثلاثماية. ﵀.
عبد الرحمن بن عيسى بن محمد
يعرف بابن مدارج. أبو المطرف. أخذ ببلده طليطلة، عن عبد الله بن سعيد، وبقرطبة عن أحمد بن خالد، وابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وعثمان بن عبد الله. وناظر عندهم في التفقه، وأكثر من الرواية. ورحل الى المشرق فلقي حمادًا، وكان مَن جمع الحديث والرأي، وحفظ وأتقن. وكان من أهل العلم والعمل به. ورعًا عالمًا بمذهب مالك. حافظًا له، راسخًا في علمه، فقيه الصدر ذكيًا يتكلم في كل علم ويغلب عليه الفقه. متحريًّا في روايته، شديدًا على أهل الأهواء، كثير التهجد والتلاوة. وكان يتفقه عنده، وسمع منه. وله أوضاع كثيرة في غير ما فن من فنون العلم وكان فيه تلطف. مات بعض أصحابه، وترك ولدًا. فأخبر عنه بسلوكه غير القوام فأمر أن يؤتى به إليه، يشاهد عنده المجلس، وحان وقت الصلاة فقدمه، فلما فرغ وخلا به، وعظه وقال له: أنظر، لا تجعل الناس يقولون أنظر من قدم عبد الرحمن يصلي به. وكان له مجلس يعظ الناس فيه، وكان يرحل إليه للرواية والتفقه. عظيم القدر، ونافذ الأمر، يذكر عنه
стр. 1194
استجابة الدعوة. وكان يأكل من عشائه المساكين، كل ليلة. حتى كان أهله يقولون له: ليس ثم مرق ما يعم كل من جاء. فيقول: ألم يكن معك الماء؟ فكثري من المرق، ليعم من جاء. وكان لا يجيب في نازلة، حتى تقع. وحكى أنه لقي رجلًا وقع بينه وبين زوجته شيء لزمه فيه ثلاث تطليقات. وأفتى جميع الفقهاء بطليطلة، واحدة. فجاءت زوجة الحالف لزوج ابن مدارج بحلي من حليها. وذكرت لها من قصتها، وأن زوجها تورّع وحلف أن لا يأخذ إلا بفتوى ابن مدارج، فلما دخل ابن مدارج على زوجته، أرته الحلي وذكرت له القصة. فلم يراجعها وأرسل في الحين الى دلال العقار، وأمر ببيع حظٍ له في رحى، وقبض ماله، وابتاع حليًا مثل ما سيق الى زوجته، ثم أتاها وقال لها: أيهما أفضل؟ فأشارت الى الذي جابه. فقال: هو لك،
واصرفي حلي المرأة إليها. وقال بعضهم: النظر الى عبد الرحمن بن عيسى، قربة الى الله . ودخل على الحكم في وفد أهل طليطلة، وكان أصغرهم. فقال الحكم: ما معنى قول الله ، يا معشر العلماء: إن أحسنتُم أسحنتم لأنفسكم، وإن أسأتُم فلَها. رب رحيم يغفر الذنوب ولا يأخذ بها. استحسنه الحكم، وسأل عنه، فأمر بعد هذا باستجلابه لقرطبة، فاستعفى من ذلك، ﵁. وتوفي رحمه الله تعالى، في جمادى الآخرة، من سنة ثلاث وستين وثلاثماية. ﵃ جميعهم.
عبد الله بن عبد الوارث بن متبتل
طليطلي. أبو الفرج. قال ابن الفرضي: كان فقيهًا حافظًا، استخلفه
стр. 1195
ابن الجزّار أيام قضائه، بطليطلة. توفي في رمضان سنة ثلاث وسبعين. قال ابن مظاهر: كان مشهورًا بالعلم والفضل، مستوفيًا في الأحكام، من أهل الفقه والورع في جميع أموره. أخذ عن أبي ابراهيم، ووهب بن مسرة، ووهب بن عيسى، ومحمد بن عيشون، ومحمد بن وسيم، وابن جزار القروي، واسماعيل بن بدر. وكان اسمه متبتلًا. فسماه أبو ابراهيم: عبد الله. ﵀.
عبد الرحمن بن تمام بن مكحول
أبو المطرف. طليطلي. له رحلة سمع فيها بمكة من الجمحي، والخزاعي، وبمصر من أبي الحسن النيسابوري، وأبي علي ابن شعبان، وابن أشبه، وابن رعد، وغلب عليه حفظ الفقه. وكان فقيهًا حافظًا. قال ابن الفرضي: وكان ينسب الى قلة ورع. وحدّث. توفي في صدر سنة تسع وسبعين وثلاثماية. مولد، ﵀: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة تسع وثلاثماية.
أبو غالب تمام بن عبد الله بن تمام بن غالب المعافري
طليطلي من أهل العناية بالعلم، والرواية الواسعة، والفتيا، والتقدم والديانة والعقل. قال ابن مظاهر: كان على طريقة المتقدمين في صحة المذهب، وسلامة الظاهر، قال ابن الفرضي: سمع وهب بن عيسى ووهب بن مسرة، ورحل فسمع من ابن الأعرابي، وابن فراس، وسمع بالشام وبالقيروان من أبي عبد الله بن مسرور الغسال، وغيره. كتبت عنه بقرطبة وجماعة من أصحابنا. قال ابن مظاهر: وسمع من محمد بن عيشون، ووسيم بن سعدون، وسمع في رحلته من جماعة ذكرهم، منهم: أبو علي ابن السكن،
стр. 1196
وابن رشيق، وأبو الحسن ابن الكوفي، وحبيب ابن الربيع، ومحمد بن نافع الخزاعي، وأبو العباس ابن أبي العرب، وجلب كتبًا كثيرة. وكان حسن الضبط متحريًا. روى عنه ابن أبي زمنين، وغيره، بقرطبة. وكان الحكم قد جلبه الى قرطبة، فقامت له بها سوق. وكان متواضعًا يعود المرضى، ويتعاهدهم بالطعام. وتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثماية في جمادى الآخرة. مولده ﵁ سنة خمس وثلاثماية. ﵏ أجمعين.
عبد الله بن فتح بن فرج بن معروف ابن أبي معروف التجيبي
أبو محمد. طليطلي. قال ابن الفرضي، سمع وهب بن مسرة، ووهب بن عيسى، ورحل فسمع بالمضرق من جماعة، منهم: ابن الورد والسكري، وابن أبي الموت. قال غيره: وسمع بالأندلس أيضًا من أبي بكر بن وسيم، وبالمشرق من القاضي الحصين، وابن بهزاد، وأبي الطاهر المدني. كان ممن يحفظ الرأي، مفتيًا بموضعه. ومن أهل الخير والطهارة والثقة، والأحوال المحمودة والتقدم ببلده.
وجلس بعد ابن مدارج بمجلسه، فلما تحلق إليه الناس مرّ به بعض المجانين فسأل عنه: فقيل: مات فلان، وهذا فلان صار مكانه. فقال خير شيء، من لا شيء. واستظرف قوله، وصار مثلًا. توفي منتصف شعبان، سنة ست وسبعين وثلاثماية بطليطلة. ومولده سنة اثنتين وثلاثماية. ﵀.
عبد الله بن محمد بن علي بن شريعة بن رفاعة ابن محمد بن سماعة اللخمي
المعروف بالباجي. أبو محمد. كذا ضبط اسم جده: شريعة على
стр. 1197
وزن مدينة بالشين المثلثة، المفتوحة والراء المكسورة. وجدت بخط أبي عبد الله بن عتاب، أن صوابه، سريعة بسين مهملة وراء مفتوحة على وزن هبيرة والمشهور الأول. وكذا يكتبه لآله، وأهل بيته، ويعرفونه. ولكن ابن عتاب لا يحكي إلا ما سمع. وهو من أشرف أهل بلده من لخم ذؤابة، وشهرة في العلم. أنجب ولده فرأسوا بلدهم في العلم، والقضاء، الى زمننا هذا. سمع أبو محمد هذا من ابن القون، وحسن الزبيدي، وسيّد أبيه الزاهد، وابن أبي شيبة، وسمع بقرطبة ابن لبابة، وأسلم القاضي وابن أبي تمام، وابن خالد، وعثمان بن عبد الرحمن، وابن مسرور، ومحمد بن قاسم، وابن الأغبس، وابن أيمن، وابن أبي عبد الأعلى، وقاسم بن أصبغ، وعبد الله بن يونس وغيرهم. وسمع بالبيرة، من محمد بن فطيس كثيرًا. ومن عثمان ابن حربي، قال ابن الفرضي: وكان ضابطًا لروايته، صدوقًا حافظًا للحديث، بصيرًا بمعانيه، لم ألق فيمن لقيت، من شيوخ الأندلس، بعد ابن حبيب، مثل أبي محمد الباجي. قال ابن الفرضي: أبو الوليد الباجي، ثقة مشهور، راوية الأندلس. واستقدم الى قرطبة، فأقام بها يحدث. ثم انصرف الى موضعه. روى عنه الناس كثيرًا، ممن سمع منه ابنه، أبو عمر، وحفيده القاضي محمد، واسماعيل بن إسحاق، وأبي بكر بن وهب وابن الفرضي، وابن الخزار الإشبيلي، والزبيدي
النحوي، والأصيلي، فيمن بعدهم. ومن أهل بلدنا: أبو إسحاق ابن يربوع وأبو محمد بن غالب، في جماعة لا يحصون كثرة. وإليه كانت الرحلة في وقته بإشبيلية. وحدث نحوًا من خمسين سنة وغلبت عليه الرواية والحديث. قال ابن مفرج: كان الباجي من أهل الرواية العالية، والبصر بالحديث، والمعرفة بالفقه، من الراسخين فيه والحافظين له، من أهل النصائح في الدين، والتواضع في الدنيا. ولا يصحب السلطان. وليَ
стр. 1198
مرة قضاء بلده، وشوراه وألحّ في الاستعفاء حتى عوفي، من القضاء. وبلغ عدد ما رواه من الدواوين مايتين وثمانين ديوانًا. وأوصله ابن أبي عامر الى نفسه، وسلم عليه. وكانت فيه صحة. وقد عارضه فقال لابن أبي عامر: لي والد كان والدك، ﵀ وأثنى عليه خيرًا - ووصفه بطلب. قال: وكان لي صديقًا، سمعت منه على الشيوخ، ولم يكن فضوليًا، وأنت فلم تماثله. وأدخلت يدك في الدنيا، فانغمست في لجتها، وطلبت الفضول، وعلمت أخبارًا كثيرة. وأوبقت بنفسك، والله يا مغرور، عزّ عليّ انتسابك. فاحتمل ابن أبي عامر قوله، لعلمه بسلامته. ثم قال له: يا حاجب: قال النبي ﷺ ، لبس على مسلم جزية. فأيش تقول أنت فيه؟ فقال ابن أبي عامر: وما عسى أن أقول في حديثه، ﷺ ، هو حق لا شيء فيه. فقال: وايش أنا عندك؟ فقال: مسلم حنيفي، بحمد الله، فقال له: فلم أغرم الجزية إذًا ورسول الله ﷺ يأمرك بإسقاطها عني؟ فقال ابن أبي عامر: سمعًا وطاعة له. ولن تغرمها بعد. وصحكك له بجزية ضياعه. توفي ﵀، يوم سبع وعشرين من رمضان. وسنّه إحدى وتسعون سنة.
محمد بن عبد الله بن أبي شيبة
أبو القاسم، إشبيلي. سمع من عمه، علي. وكان من فقهاء بلده. وتوفي ﵀ سنة أربع وتسعين.
محمد بن حسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي
إشبيلي. تقدم ذكر أبيه. سكن قرطبة. وتوفي بإشبيلية. يكنى
стр. 1199
بأبي بكر، سمع من قاسم بن أصبغ، وسعيد بن فحلون، وأحمد بن سعيد، وأبي علي البغدادي، وأكثر عنه، ولازمه. وكان متفننًا فقيهًا أديبًا شاعرًا. قال ابن عفيف: كان الزبيدي، مع أدبه من أهل الحفظ للفقه، والرواية للحديث. تفقه عند اللؤلؤي، وابن القوطية، وغلب عليه الأدب، وعلم لسان العرب. فنهض به. وصنّف فيه، واستأدبه الخليفة، الحكم، لابنه هشام. وولاه قضاء إشبيلية، وقلده هشام الشرطة. قال ابن الفرضي: كان واحد عصره في علم النحو، وحفظ اللغة. قال ابن حيان في هذا الباب: لم يكن له نظير في الأندلس، مع افتنان في علوم كثيرة، من فقه وحديث، وفضل واستقامة. قال القاضي أبو عمر ابن الحذّاء: لم ترَ عيني مثله في علمه، وأدبه. قال ابن عفيف: وكان ابن زرب يقدمه ويعظمه، ويزوره. قال غيره: وكان ابن أبي عامر يثق به في لقائه الخليفة هشام. حدث عنه ابنه القاضي أبو مسلم من أهل بلدنا، وأبو عمر ابن الحذّاء وألف كتاب الواضح في النحو. وكتاب الأبنية. وكتاب لحن العامة. وكتاب مختصر العين، وزيادة كتاب العين. وكتاب غلط صاحب العين، وغير ذلك من تأليفه. وله كتاب في الردّ على محمد بن مسرة. ﵀.
ملح من أخباره
ذكر ابن عفيف، أن ابن زرب القاضي، وقف يومًا بالزبيدي، فلما علم به، خرج إليه مكشوف الرأس، بيده مدية. فلما كان في بيته، سارع لقضاء حقه - كما جاءه الى محله - فوقف قائمًا وقضى حقه. فأنكر
стр. 1200
ابن زرب خروجه على تلك الهيئة وقيامه. وسأله الجلوس. فأبى وأنشد:
أقوم وما بي أن أقوم مذلة … عليّ وإني للكرام مبجل
على أن لي منها لغيري مجنة … ولكنها بيني وبينك تجمل
وأنشد ابن أبي وافد له في منجّم:
يقول المنجم لي لا تسر فإ … نك إن سرت لاقيت ضرا
فإن كان يعلم أني أسير … فقد جاء بالنهي لغوًا وهجرا
وإن كان يجهل سيري فكيف … يراني إذا سرت لاقيت شرا
وأنشد له في كتاب ابن مفرج:
أقابل بالرفق عنف العنيف … وأقنع من صاحبي بالطفيف
ويكرمني برّ غير الشريف … فانسخ ذاك ببرّ الشريف
وفاته ﵁
توفي الزبيدي، ﵀ بإشبيلية. وهو على قضائها في جمادى، سنة تسع وسبعين وثلاثماية. ووليَ بعد وفاته القضاء مكانه: ابنه أبو القاسم أحمد. وسلك مسلك أبيه في مداخلة الخليفة هشام، فاتهمه ابن أبي عامر، وسيره الى العدوة. فقتله اللصوص في بعض انتقالاته، وابنه الآخر: أبو الوليد محمد. روى عن أبيه، حدث عنه القاضي ابن وردون وغيره.
يحيى بن شراحيل
بلنسي. أبو زكريا. قال ابن الفرضي: كان حافظًا لمذهب مالك، عاقدًا للشروط، ولم تُشهر له رواية. وكان موصوفًا بالعلم، معدودًا في أهله. وله كتاب في توجيه حديث الموطأ. توفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثماية.
стр. 1201
مفضل بن عياش بن سليمان بن أيوب الخولاني
مولاهم، جياني. يعرف بابن الطويل. كان حافظًا للمذهب، صاحب شروط من
أهل العفاف، والخير والثقة. سمع حميدًا وأبا صالح، وغيرهما. وكن مفتيًا. ولحقته مطالبة ببلده. فخرج الى الثغور، فرابط بها. الى أن مات، سنة ستين وثلاثماية.
إدريس بن عبيد الله بن ادريس بن عبيد الله، بن يحيى بن عبد الله ابن خالد بن عبد الله بن الحسين بن جعد بن أسلم
مولى عثمان بن عفان ﵁
قرطبي. كنيته: أبو يحيى. سمع أباه، وغيره. وكان حافظًا فقيهًا مشاورًا، ولي أحكام الشرطة. وكان زاهدًا، ورعًا متقشفًا، متواضعًا، لم تغيره الدنيا. توفي آخر سنة ثلاث وسبعين وثلاثماية.
عيسى بن العلاء
أبو الأصبغ. تدميري، عني بالعلم، وسمع من ابن العابد، وغيره. ورحل الى المشرق، وكان موصوفًا بالفقه، مستفتى بموضعه، توفي سنة إحدى وتسعين وثلاثماية. رحمه الله تعالى.
محمد بن عيسى بن حسين بن أبي السعد ابن سيد الدارين يوسف التميمي
أصله من تاهرت. وخرج جده الى فاس، ومولده سة ثمان وعشرين وأربعماية، فيما أخبر به، ﵀. كملت الطبقة، بحمد الله تعالى.
стр. 1202
طبقة سابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وسلم. قال القاضي أبو الفضل عياض ﵁: ثم انتهى المذهب بعد هذه الطبقة الى أخرى تليها:
من أهل الحجاز
أبو القاسم سليمان بن علي بن سليمان الجبلي
بجيم وباء واحدة، مفتوحتين، كذا قيده الأمير، وعبد الغني. قال الأمير: هو من جبلة الحجاز وكان مقيمًا بمكة، رأس الثلاثماية. وكان فقيهًا مالكيًا. حدث عن أبي بكر ابن عبد المؤمن، وأبي إسحاق الدينوري، روى عنه الناس. حدث عنه مكي. وأبو بكر بن عقال، وأبو القاسم ابن عيشون، وأحمد بن جمهور الرشياني، وغيرهم. قال مكي: سألته عن التزامه لمذهب مالك، ﵁، ما السبب فيه. فقال لي: أبو الفرج المالكي ﵀. كان نازلًا بمكة. ذكره القابسي. قال: وكان من أهل العلم، ورآني أرفع يدي، عند افتتاح الصلاة قائمتين وأحني أصابعي. قال: وكذلك كان يفعل أبو عمران الفاسي.
من أهل العراق والمشرق
وأكثرهم من أصحاب أبي بكر الأبهري، ﵀
أبو بكر بن محمد بن الطيب بن محمد القاضي
المعروف بابن الباقلاني. الملقب بشيخ السنة، ولسان الأمة، المتكلم
стр. 1203
على مذهب المثبتة، وأهل الحديث، وطريقة أبي الحسن الأشعري خرّج له ابن أبي الفوارس. قال الخطيب أبو بكر في تاريخ البغداديين: درس على أبي بكر ابن مجاهد الأصول، وعلى أبي بكر الأبهري الفقه. قال أبو بكر: وكان ثقة. حدثنا عنه
السمناني، قال: وكان أبو الحسن بن جهضم الهمداني، وذكره في كتابه، فقال: كان شيخ وقته، وعالم عصره، الرجوع إليه فيما أشكل على غيره. قال غيره: وإليه انتهت رئاسة المالكيين في وقته. وكان حسن الفقه، عظيم الجدل، وكانت له بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة. وكان ينزل الكرخ. ذكر أبو عبد الله بن سعدون الفقيه، أن سائر الفرق رضيت بالقاضي أبي بكر في الحكم بين المتناظرين. قال ابن عمار الميورقي: كان ابن الطيب مالكيًا، فاضلًا متورعًا، ممن لم تحفظ له قط زلة. ولا نسبت إليه نقيصة. وكان يلقب بشيخ السنة. ولسان الأمة، وكان فارس هذا العلم مباركًا على هذه الأمة. قال: وكان حصنًا من حصون المسلمين، وما سرّ أهل البدع بشيء كسرورهم بموته. وليَ القضاء بالثغر. وذكره أبو عمران الفاسي فقال: سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا. قال القاضي أبو الوليد: كان أبو بكر مالكيًا، وحدث عن أبي ذر الهروي. قال: كان سبب أخذي عن القاضي أبي بكر، ومعرفتي بقدره، أني كنت مرة ماشيًا ببغداد، مع أبي الحسن الدارقطني، إذ لقيت شابًا فأقبل الشيخ أبو الحسن عليه، وعظمه، ودعا له. فقلت للشيخ: من هذا الذي تصنع به هذا؟ فقال لي: هذا أبو بكر ابن الطيب، نصر السنّة، وقمع المعتزلة. وأثنى علي. قال أبو ذر: فاختلفت إليه، وأخذت عنه من يومئذ. وأخذ عنه جماعة لا تعد، ودرسوا عليه أصول الفقه والدين. وخرج منهم من الأئمة أبو محمد عبد الوهاب بن نصر المالكي، وعلي بن محمد الحربي، وأبو جعفر السماني، وأبو عبد الله الأدري
стр. 1204
وأبو الطاهر الواعظ، ﵏. ومن أهل المغرب: أبو عمر بن سعد، وأبو عمران الفاسي. رحل إليه، وأخذ عنه. قال أبو عمران: رحلت الى بغداد وكنت قد تفقهت بالمغرب، والأندلس عند أبي الحسن القابسي، وأبي محمد الأصيلي، وكانا عالمين بالأصول. فلما حضرت مجلس القاضي أبي بكر ورأيت كلامه في الأصول والفقه، والمؤالف والمخالف، حقرت
نفسي وقلت: لا أعلم من العلم شيئًا. ورجعت عنده كالمبتدئ. وتفقه عنده القاضي أبو محمد بن نصر، وعلق عنه، وحكى في كتبه ما شاهد من مناظرته في الفقه بين يدي ولي العهد ببغداد، للمتخالفين. قال أبو بكر الخطيب: كان أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم فيه خاطرًا، وأجودهم لسانًا، وأوضهم بيانًا، وأصحهم عبارة. وحكى أن أبا بكر الخوارزمي كان يقول: كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس، إلا القاضي أبا بكر فإن صدره يحوي علمه، وعلم الناس. وقال علي بن محمد الحربي: كان القاضي أبو بكر يهم بأن يختصر ما يصنعه، فلا يقدر لسعة علمه وحفظه. وما صنف أحد كلامًا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين، غير أبي بكر فإن جميع ما يذكر من حفظه. وكان أبو محمد الشافعي يقول: لو أوصى رجل بثلث ماله لأفصح الناس، لوجب أن يدفع الى أبي بكر الأشعري. وكان بعضهم يقول: جاء في الأثر أن الله تعالى، كان يتعاهد عباده بأنبيائه ورسله، فلما ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، تعاهد أمته في رأس كل مائة عام برباني من علمائها، يحيي لها دينها، ويجدد شريعتها، فكان إمام رأس أربعماية: أبو بكر بن الطيب رحمه الله تعالى.
ذكر فضله وسيرته ووفاته
قال أبو عبد الله الصيرفي: كان صلاح القاضي أكثر من علمه، وما نفع
стр. 1205
الله هذه الأمة بكتبه، وبثها فيهم، إلا بحسن نيته واحتسابه بذلك. قال: وكان يدر نهاره، وأكثر ليله. وذكر من فضله كثيرًا. وحكى أبو بكر الخطيب: كان ورد القاضي كل ليلة عشرين ترويحة، ما ترك ذلك في حضر ولا سفر، وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضى ورده، وضع الدواة بين يديه، وكتب خمسًا وثلاثين ورقة تصنيفًا من حفظه. وكان يذكر أن الكتابة بالمداد، أسهل عليه من الكتابة بالحبر. فإذا صلى الفجر، دفع الى بعض أصحابه ما صنفه ي ليلته، وأمره بقراءته عليه.
وأملى عليه الزيادات فيه. قال القاضي أبو عبيد الله البيضاوي: رأيت في المنام: كأني دخلت مسجدي الذي أدرس فيه، فرأيت رجلًا جالسًا في المحراب، وآخر يقرأ عليه. فقيل لي أما الجالس في المحراب، فرسول الله، ﷺ . وأما القارئ: فأبو بكر الأشعري، يدرس عليه الشريعة. قال الميورقي: حسبت تواليف القاضي، وإملاءاته، فسمت على أيام عمره، من مولده الى موته. فوجد أنه يقع لكل يوم منه عشرون. قلت: أو نحوها. وتوفي القاضي أبو بكر يوم الست، لتسع بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وأربعماية، فيما حكاه الخطيب، ووجدت عن غيره: سنة أربع. أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله. وهذا خطأ. والأول هو الصحيح. وقد أثبت أبو عمران الفاسي سماعه منه إملاء، في رمضان من سنة اثنتين. قال: وصلى عليه ابنه الحسن. قال غيره: وكان الحسن مرجوًا فاخترمته المنية، بعد أبيه. قال الخطيب: ودفن القاضي أبو بكر في داره، ثم نقل الى مقبرة باب حرب. وأنشد بعضهم يرثيه:
أنظر الى جبل تمشي الرجال به … وانظر الى القبر ما يحوي من الصلف
وانظر الى صارم الإسلام منغمدًا … وانظر الى درة الإسلام في الصدف
قال: وحدثني أبو الفضل، عبد الله بن علي المقرئ: سرت أنا وأبو علي
стр. 1206
بن شاذان، وأبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، الى قبر القاضي أبي بكر بعد موته بشهر، لنترحّم عليه. فرفعت مصحفًا كان على القبر وقلت: اللهم بيّن لي في هذا المصحف حال أبي بكر وما صار إليه. ثم فتحت المصحف، فإذا فيه: يا قومِ أرأيتم إن كُنتُ على بيّنةٍ من ربّي وأتاني رحمةً من عنده الآية.
ما اشتهر من مناظرته مع الفرق وأخباره في ذلك
قال الخطيب: حُدّثنا أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها، حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له. إذ أقبل القاضي أبو بكر الأشعري، فالتفت ابن المعلم الى
أصحابه، فقال لهم: جاءكم الشيطان. فسمع القاضي الكلام، وكان في بعد من القوم، فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال الله : إنّا أرسلنا الشّياطين على الكافرين تؤزّهُم أزًّا. وحكى غيره أن الحكاية جرت له مع أهل مجلس فناخسرو الملك، من شيوخ المعتزلة، وأنه كان داخلًا، إذ سمعهم يذكرون أمره، فقال لهم بعضهم ما هو إلا شيطان. فوصل إليهم وهو يتلو الآية. وسمعت بعض الشيوخ يحكي، أن ابن المعلم تكلم معه يومًا، فلما احتدّ الكلام بينهما رماه ابن المعلم بكفّ باقلاء أعده له - يعرّض له بما ينسب إليه ليخجله بذلك ويحصره - فرد القاضي للحين يده الى محمد ورماه بدرّة أعدّها له. فعجب من فطنته، وإعداده للأمور أشباهها، قبل وفاته.
مناظرته المشهورة في مجلس عضد الدولة
قال أبو عبد الله الأزدي، وغيره: كان الملك عضد الدول فناخسرو بن
стр. 1207
بويه الديلمي، يحب العلم والعلماء. وكان مجلسه يحتوي منهم على عدد عظيم في كل فن، وأكثرهم الفقهاء والمتكلمون. وكان يعقد لهم للمناظرة مجالس. وكان قاضي قضاته بشر بن الحسين، معتزليًا. فقال له عضد الدولة، يومًا: هذا المجلس عامر بالعلماء إلا أني لا أرى فيه عاقدًا من أهل الإثبات - يعني مذهبهم - والحديث يناظر فقال له قاضيه: إنما هم عامة، أصحاب تقليد ورواية، يروون الخبر وضده، ويعتقدونهما جميعًا. ولا أعرف منهم أحدًا يقوم بهذا الأمر. وإنما أراد ذمّ القوم، ثم أقبل يمدح المعتزلة. فقال له عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصرٍ، فانتظر أي موضع فيه مناظر، يكتب فيه فيجلب. فلما عزم عليه. قال القاضي: أخبروني أن بالبصرة شيخًا، وشابًا، الشيخ يعرف بأبي الحسن الباهلي. - وفي رواية بأبي بكر بن مجاهد - والشاب يعرف بابن الباقلاني. فكتب الملك من حضرته يومئذ يشير الى عامل البصرة، ليبعثهما. وأطلق مالًا
لنفقتهما من طيب ماله. فلما وصل الكتاب إليهما، قال الشيخ وبعض أصحابه: هؤلاء قوم كفرة فسقة - لأن الديلم كانوا روافض - لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان خالصًا لله، لنهضت. قال القاضي: فقلت له: هكذا قال ابن كلاب والمحاسبي، ومن في عصرهم، إن المأمون فاسق، لا نحضر مجلسه، حتى سيق أحمد بن حنبل الى ظرسوس، وجرى عليه بعده ما عرف. ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين لهم ما هم عليه بالحجة، وأنت أيضًا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا بخلق القرآن، ونفي الرواية؟ وها أنا خارج
стр. 1208
إن لم تخرج. فقال الشيخ: أما إذا شرح الله صدرك لهذا، فاخرج. فخرجت مع الرسول، نحو شيراز في البحر، فوصلت، فسألت عن صفة الدخول عليهم، فأخبرت أنه إذا كان يوم الجمعة، لم يحجب عنه كل صاحب طيلسان. لأن له فيه مناظرة، وفي رواية: فلما كان من الغد دخلت على الملك، وكان إذا صلى الظهر، وقعد العلماء، رفع الحجاب ودخل كل صاحب طيلسان. فدخلت والناس قد اجتمعوا، والملك قاعد على سرير، وبين يديه غلمان بأيديهم السيوف المحلاة. وعن يمينه ويساره مراتب. وما عن يمينه خال لا يقعد هناك إلا وزير، أو ملك عظيم. فكرهت أن أقعد آخر الناس، للذلة. فمضيت وقعدت عن يمينه بحذاء قاضي القضاة، عن يساره، فنظر الملك لقاضي القضاة، نظرًا منكرًا. ولم يكن في المجلس من يعرفني إلا واحد، وقد فزعوا لفعلي. فقال الرجل للقاضي: هذا الرجل الذي طلبه الملك من البصرة. فأعلم الملك بذلك، والتفت إليّ وأومأ بعينه الى الحجاب، فطاروا عني. ثم أقبل فقال: هاتوا مسألة. وفي المجلس رئيس المعتزلة البغداديين الأحدب، وكان أفصح من عندهم، وأعلمهم. وعدد كثير من معتزلة البصرة، أقدمهم أبو إسحاق النصيبيني. فقال الأحدب لبعض تلاميذه: سله، هل لله
أن يكلف الخلق ما لا يطيقون؟ كان غرضه تقبيح صورتنا عن الملك. قال: فقلت إن أردتم بالتكليف، القول المجرد، فقد وجد ذلك إن شء الله تعالى، قال: قُل كونوا حجارةً أو حديدًا الآية. ونحن لا نقدر أن نكون كذلك. وقال تعالى: أنبِئوني بأسماءِ هؤلاء الآيتان. فطالبهم بما لا يعلمون. وقال تعالى: يومَ يُدعَون الى السّجود الآية. فهذا كله أمر بما لا يقدر الخلق عليه. وإن أردتم بالتكليف، الذي نعرفه، وهو ما يصح فعله وتركه، فالكلام متناقض، وسؤالك فاسد، فلا تستحق جوابًا، لأنك
стр. 1209
قلت تكليف، والتكليف اقتضاء فعل ما، فيه مشقة على المكلف. وما لا يطاق لا يفعل بمشقة، ولا بغير مشقة. فسكت السائل، وأخذ في الكلام الأحدب فقال: أيها الرجل، سئلت عن كلام مفهوم، فطرحته في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب. وجوابه إذا سئلت أن تقول: نعم، أو لا. قال القاضي: فأحفظني كلامه، لما لم يوقرني، توقير الشيوخ. وقلت له: يا هذا، أنت عائم ورجلاك في الماء. إنما طرحت السؤال في الاحتمالات، وقد بينت لك الوجوه المحتملة. فإن كان معك في المسألة كلام، فهاته، وإلا تكلم في غيرها. فأعاد الكلام الأول. فقال الملك: هذا الشيخ، قد بيّن وجوه الاحتمال، وليس لك أن تعيب عليه، ولا أن تغالطه، وما جمعتكم إلا لفائدة، لا للمهاترة ولما لما لا يليق بالعلماء. ثم التفت الملك الى القاضي، وقال له: تكلم على المسألة. فقال القاضي: ما لا يطاق، على ضربين. أحدهما، لا يطاق للعجز عنه، والآخر لا يطاق للاشتغال عنه بضده. كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة. وهذا سبيل الكافر، أنه لا يطيق الإيمان، لاشتغاله بالكفر، وهو ضده. وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزًا. وقد أثنى الله تعالى على من سأله ألا يكلفه ما لا يطيق. فقال : ولا تحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به. لأن الله تعالى، له أن يفعل في ملكه ما يريد. ثم تجاوز الأحدب الكلام الى غيره. وتكلم معه القاضي. ومال الملك الى قوله. ثم
التفت الملك فقال: سلوا أبا إسحاق النصيبيني، عن مسألة الرؤية. فأنكر رؤية الله تعالى في الآخرة. وسئل ما حجته؟ فقال: كل شيء يرى بالعين فيجب أن يكون في مقابلة عين الرائي، فالتفت الملك الى القاضي أبي بكر، فقال القاضي أبو بكر: لا يرى بالعين. فعجب الملك من قوله، وقال قاضي القضاة: فإذا لم يرَ بالعين، فبماذا يرى؟ فقال القاضي: يرى بالإدراك الذي يحدثه
стр. 1210
الله تعالى في العين، وهو البصر، ولو كان الشيء يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الأجهر عينه قائمة ولا يرى شيئًا. فقال النصيبيني: لم أعلم أنه يقول هذا، وظننت أنه يسلّم قولي. وجرى له في هذا المجلس كلام كثير، أعجب به الملك. ولم يزل يحلو له كلامه، ويزحف عن سريره، حتى نزل عنه. وحصل بين يديه. ثم أقبل الملك على قاضي القضاة، فقال له: ألم أقل لك مذهب طبق الأرض، لابد له من ناصر؟ قال القاضي: فلما انقضى المجلس، صحبني بعض الحجّاب الى منزل هيأ لي فيه، جميع ما نحتاج إليه، فسكنته. ولم يزل مع الملك الى أن قدم بغداد، ودفع إليه الملك ابنه، يعلمه مذهب أهل السنة. وألّف له التمهيد. وأخذ عنه إذ ذاك، أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي، وجماعة من أهل السنّة، بشيراز. وقرأوا عليه شرح اللمع، قال، وقال الملك لقاضيه: فكرت بأي قتلة أقتله، بجلوسه حيث جلس بغير أمري. وأما الآن، فقد علمت أنه أحق بمكاني مني. وحكى القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي، قال: أول معرفتي بالقاضي أبي بكر، وأخذي عنه، أني كنت ماشيًا مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني، في بعض أزقة بغداد، إذ لقي شابًا فسلم عليه، واحتفل به. ورأيت من تعظيم الشيخ أبي الحسن له، وإقباله عليه ودعائه له ونحو هذا، ما عجبت منه. فقلت له: من هذا؟ فقال لي: هذا أبو بكر ابن الطيب، الذي نصر الله به أهل السنّة. وقمع به أهل البدعة. أو كما قال.
стр. 1211
مناظرته في مجلس ملك الروم وأخباره معه
وجه عضد الدولة في بعض سفراته، الى ملك الروم الأعظم، القاضي أبا بكر ابن الطيب، واختصه بذلك، ليظهر رفعة الإسلام، ويغض من النصرانية. فلما تهيأ للخروج، قال للقاضي، وزير عضد الدولة: الطالع خروجًا؟ فسأله القاضي أبو بكر. فلما فسر مراده، قال: لا أقول بهذا. لأن السعد والنحس كله، والشر والخير كله، بيد الله . ليس للكواكب هاهنا مثقال ذرة من القدرة. وإنما وضعت كتب المنجمين ليتمعش بها الجاهلون، بين العامة. ولا حقيقة لها. فقال الوزير: احضروا لي ابن الصدفي، ليست المناظرة من شأني. ولا أنا قائم بها، وإنما أنا أحفظ علم النجوم، وأقول إذا كان من النجوم كذا كان كذا. وأما تعليله، فهو من علم المنطق. فأحضر وأم بمكالمة القاضي، فقال له أبو سليمان: هذا القاضي يقول: إن الباري سبحانه، قادر على أن يركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة، فإذا وصلوا الى الجانب الآخر يكون الله قد زاد فيهم آخر فيكونون أحد عشر. ويكون الحادي عشر من خلقه الله في ذلك الوقت. ولو قلت أنا لا يقدر على ذلك أو هذا محال، قطعوا لساني وقتلوني، وإن أحسنوا إليّ كتفوني، ورموني في الدجلة. وإذا كان الأمر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى. فالتفت الوزير الى القاضي وقال: ما تقول أيها القاضي؟ فقلت: ليس كلامنا هاهنا في قدرة الباري تعالى، والباري تعالى قادر على كل شيء. وإن جحده هذا الجاهل، وإنما كلامنا في تأثيرات هذه الكوامب، فانتقل الى ما ذكر لعجزه وقلة معرفته، وإلا فأي تعلق للكلام في قدرة الباري، ، في مسألتنا؟ وأنا وإن قلت إن القديم تعالى قادر على ذلم، ما أقول إنه يخرق العادة،
стр. 1212
وبفعل هذا. لأنه لا يجوز عندنا أن يخلق اليوم إنسانًا من غير أبوين، فإذا كان كذلك فقد علم الوزير أن هذا فرار من الزحف. فقال هو كما ذكرت. فقال المنطيقي: المناظرات دربة وتجربة، وأنا لا
أعرف مناظرات هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعتنا وعبارتنا، ولا تجمل المناظرة بين قم هذا حالهم. فقال له الوزير: قبلنا اعتذارك والحق أبلج. قال القاضي: ومال إليّ بوجهه، وقال: سر في دعة الله. فخرجت. فدخلنا بلاد الروم، حتى وصلت الى ملك الروم بالقسطنطينية، وأخبر الملك بقدومنا. فأرسل إلينا من تلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم، حتى تنزعوها. إلا أن تكون مناديل لطاف، وحتى تنزعوا أخفافكم. فقلت: لا أفعل، ولا أدخل، إلا بما أنا عليه من الزي، واللباس. فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرأونها، وأرسلوا بجوابها وأعود به. فأخبر بذلك المل، فقال: أريد معرفة سبب هذا وامتناعه عما مضى عليه رسمي مع الرسل. فسئل القاضي عن ذلك. فقال: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه ما ذلّ وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزّنا بنبينا محمد ﷺ . وأيضًا فإن من شأن الملوك، إذا بعثوا رسلهم الى ملك آخر، رفع أقدارهم، لا إذلالهم. سيما إذا كان الرسول من أهل العلم. ووضع قدره انهدام جانبه، عند الله تعالى، وعند المسلمين. فعرّف الترجمان الملك بذلك، فقال: دعوه يدخل ومن معه كما يشاؤون. ندخل بها على سلطاننا الأكرم، الذي هو تحت يد أمير المؤمنين، وأدخل بها على سلطاننا الأكرم الذي أمرنا الله تعالى ورسوله، بطاعته. فما تنكرون عليّ هذا، وأنا رجل من علماء المسلمين؟ فإن دخلت بغير هيئتي ورجعت الى حكمك، أهنت العلم
стр. 1213
ونفسي، وذهب عند المسلمين جاهي. فقال للترجمان: قل له قد قبلنا عذرك، ورفعنا منزلتك، وليس محلك عندنا محل سائر الرسل، وإنما محلك عندنا محل الأبرار الأخيار، وقد أخبرنا صاحبكم في كتبه: إنك لسان المسلمين والمناظر عنهم، وأنا أشتهي أن أعرف ذلك وأسمعه منك، كما ذكروه عنك. قلت: إذا أذن الملك، فقال: أنزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتمال. قال القاضي: فنهضنا الى موضع أُعدّ لنا، وذكر أبو بكر البغدادي
الحافظ: أن القاضي، لما وصل الى مدينة الطاغية، وعرّف به وبمحله من العلم، أفكر الطاغية في أمره، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه - كما جرى رسم الرعية أن يقبل الأرض بين يدي ملوكها - فرأى أن يضع سريره، وراء باب لطيف، لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا راكعًا، ليدخل القاضي من ذلك الباب. فلما رآه القاضي، تفكّر وأدار رأسه، وحنى رأسه راكعًا، ودخل من الباب يمشي مستقبلًا الملك بدبره، حتى صار بين يديه. ثم رفع رأسه، ونصب ظهره. ثم أدار وجهه الى الملك حينئذ، فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في قلبه. قال غيره: قال القاضي: فلما كان يوم الأحد، بعث الملك في طلبي، وقال: من شأن الرسول حضور مائدة الملك. فنحب أن تجيب الى طعامنا ولا تنقض كل رسومنا. فقلت لرسوله: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم، الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الموطن. والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا هذه الأشياء، وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله تعالى على رسوله، وعلى المسلمين؟ فذهب الترجمان، وعاد إليّ وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في طعامي شيء تكرهه. وقد استحسنت
стр. 1214
ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم، وما كرهت من لحوم الخنزير، إنما هو خارج من حضرتي بيني وبينه حجاب. فنهضت على كل حال. وجلست وقدّم الطعام، ومددت يدي وأوهمت الأكل، ولم آكل منه شيئًا مع أني لم أرَ على مائدته ما يكره. فلما فرغ من الطعام، بخّر المجلس وعطّره، ثم قال: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قلت: هو صحيح عندنا، وانشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، حتى رأى الناس ذلك. وإنما رآه الحضور، ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قلت: لأن الناس لم يكونوا على أهبة
ووعد لشقوقه وحضوره. فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟ لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود، والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم. فتحيّر الملك وقال بكلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني. وقال: نحن لا نطيقه. لأن صاحبه قال: ما في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله. فلم أشعر إذ جاؤوا برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله، فقعد، وحكيت له المسألة فقال: الذي قاله المسلم لازم، هو الحق لا أعرف له جوابًا إلا ما ذكره. فقلت له: أتقول إن الكسوف إذا كان، يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته؟ قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن
стр. 1215
تأهب للنظر له؟ فأما من أعرض عنه، وكان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه. فقال: هو كما قلت. ما يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه. وأما الطعن في غير هذا الوجه، فليس بصحيح. فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات، إذا صح، وجب أن ينقله الجم الغفير، الى الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم الضروري به، ولو كان كذلك، لوقع إلينا العلم الضروري به. فلما لم يقع لنا العلم الضروري به، دلّ أن الخبر مفتعل باطل. فالتفت الملك إليّ وقال: الجواب. قلت: يلزمه في نزول المائدة، ما يلزمني في انشقاق القمر، ويقال له لو كان نزول المائدة صحيحًا، لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا ثنوي إلا ويعلم هذا بالضرورة. ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دلّ أن الخبر كذب. فبهت النصراني والملك، ومن ضمه المجلس. وانفض المجلس على هذا.
قال القاضي: ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ، فقال: ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم ﵇؟ قلت روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله. كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن، فيكون. وتلوت عليه النص. فقال: يا مسلم تقولون: المسيح عبد، فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين. قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: معاذ الله، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله الآيتان، إنكم لتقولون قولًا عظيمًا. فإذا جعلتم المسيح ابن الله، فمن أبوه وأخوه وجده وعم وخاله. وعددت عليه الأقارب، فتحيّر وقال: يا مسلم، العبد يخلق، ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه والأبرص؟ قلت: لا يقدر العبد على ذلك وإنما ذلك كله من فعل
стр. 1216
الله . قال: وكيف يكون المسيح عبدًا لله وخلقًا من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله؟ قلت: معاذ الله ما أحيى المسيح الموتى ولا أبرأ الأكمه والأبرص. فتحيّر وقلّ صبره، وقال: يا مسلم، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول؟ فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة، إن الأنبياء ﵈، يفعلون المعجزات من ذاتهم. وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على أيديهم، تصديقًا لهم، يجري مجرى الشهادة. فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيّكم، وأهل دينكم المشهورين فيكم، وقالوا، إن ذلك في كتابكم. فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله، وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح: بإذن الله وقلت: إنما فعل ذلك كله بإذن الله وحده لا شريك له، لا من ذات المسيح. ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاته، لجاز أن يقال: موسى، فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته. وليست معجزات الأنبياء ﵈ من ذاتهم وأفعالهم، دون إرادة الخالق. فلما لم يجز هذا، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه. فقال الملك: وسائر الأنبياء كلهم من آدم، الى من بعده كانوا يتضرّعون للمسيح، حتى يفعل ما
يطلبون. قلت: أوَفي لسان اليهود عظم، لا يقدرون أن يقولوا إن المسيح كان يتضرّع الى موسى؟ وكل صاحب نبي يقول: إن المسيح كان يتضرع الى نبيه، فلا فرق بين الموضعين في الدعوى. قال القاضي ﵀: ثم تكلمنا في مجلس ثالث فقلت له: أتحد اللهوت بالناسوت؟ قال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك. قلت له: درى بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا ولم يؤمن به اليهود؟ فإن قلت إنه لا يدري ما أراد اليهود
стр. 1217
به، بطل أن يكون إلهًا. وإذا بطل أن يكون إلهًا، بطل أن يكون ابنًا، وإن قلت قد درى ودخل في هذا الأمر على بصيرة، فليس بحكيم، لأن الحكمة تمنع من التعرض للبلاء. فبهت. وكان آخر مجلس كان لي معه. وذكر ابن حيّان عمن حدثه أن الطاغية، وعد القاضي أبا بكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ليوم سمّاه. فحضر أبو بكر وقد احتفل المجلس، وبولغ في زينته، فأدناه الملك وألطف سؤاله، وأجلسه على كرسيه، دون سريره بقليل. والملك في أبهته وخاصته، عليه التاج، والذرية ورجال مملكته، على مراتبهم. وجاء البطرك قيم ديانتهم، وقد أوعد الملك إليه في التيقظ، وقال له: إن فناخسرو ملك الفرس، الذي سمعت بدهائه وبكرامته، لا ينفذ إلا من يشبهه في رحلته وحيلته. فتحفظ منه. وأظهر دينك. فلعلك تتعلق منه بسقطة، أو تعثر منه على زلة تقضي بفضلنا عليه. فجاء البطرك قيم الديانة، وولي النِّحلة. فسلم القاضي عليه أحفل سلام. وسأله أحفى سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد؟ فعظم قوله هذا عليه، وعلى جميعهم وتغيروا له، وصلبوا على وجوههم، وأنكروا قول أبي بكر عليه، فقال: يا هؤلاء تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد، وتربون به عن ذلك، ولا تستعظمونه لربكم، عزّ وجهه، فتضيفون ذلك إليه؟ سوءة لهذا الرأي ما أبين غلطه. فسقط في أيديهم، ولم يردوا جوابًا. وتداخلتهم له هيبة عظيمة، وانكسروا، ثم قال الملك للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان. قال: تقضي
حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج العراقي عن بلدك من يومك إن قدرت. وإلا لم آمن الفتنة منه على النصرانية. ففعل الملك ذلك وأحسن جواب عضد الدولة، وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف. ووكل بالقاضي من جنده من يحفظه، حتى وصل الى
стр. 1218
مأمنه. قال غيره: وكان سير القاضي الى ملك الروم، سنة نيف وثمانين وثلاثماية.
فهرست كتب القاضي أبي بكر ابن الطيب
نقلتها من خط شيخي القاضي أبي علي الصدفي: كتاب الإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة. كتاب الاستشهاد، كتاب إكفار الكفار المتأولين وحكم الدار. التعديل والتجريح، التمهيد، وشرح اللمع، الأمانة الكبيرة. الأمانة الصغيرة. شرح أدب الجدل. الأصول الكبير في الفقه. الأصول الصغير. مسائل الأصول. أمالي إجماع أهل المدينة. فضل الجهاد. المسائل. المجالسات المنثورة. كتاب على المتناسخين. كتاب الحدود على أبي طاهر محمد بن عبد الله بن القاسم. كتاب على المعتزلة فيما اشتبه عليهم من تأويل القرآن. كتاب المقدمات في أصول الديانات، في أن الروم ليس بشيء. نصرة العباس وإمامة بنيه، في المعجزات أصل استجلبت. المسائل القسطنطينية. الهداية. وهو كتاب كبير. جواب أهل فلسطين. البغداديات. النيسابورات. الجُرجانيات. مسائل سأل عنها ابن عبد المؤمن. الأصبهانيات. التقريب والإرشال في أصول الفقه، كتاب كبير، المقنع في أصول الفقه. الانتصار للقرآن. دقائق الكلام. الكرامات. نقض الفنون للجاحظ. تصرف العباد، والفرق بين الخلق، والاكتساب. الأحكام والعلل. كتاب الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ أجمعين. ومما لم أجد بخط الشيخ، مما وقفت عليه، كتاب البيان، عن فرائض الدين، وشرائع الإسلام. وصف ما يلزم من جرت عليه الأقلام، من معرفة الأحكام، مختصر التقريب والإرشاد الأصغر. وله الأوسط.
ولم أره. وكتاب مناقب
стр. 1219
الأئمة. وكتاب التبصرة. وكتاب رسالة الحرة. وكتاب رسالة الأمير. وكتاب كشف الإسراء في الرد على الباطنية. وكتاب إعجاز القرآن. كتاب في إمامة بني العباس.
القاضي أبو الحسن ابن القصار
اسمه علي بن عمر بن أحمد. الإمام. بغدادي. قال أبو إسحاق الشيرازي: تفقه بالأبهري. وله كتاب في مسائل الخلاف. لا أعرف للمالكيين كتابًا في الخلاف أحسن منه. وكان أصوليًا نظارًا. وولي بغداد. قال أبو ذر: هو أفقه من رأيت من المالكيين. وكان ثقة، قليل الحديث. يروي عن أبي الحسن علي بن المفضل السامري. وعليه تفقه ابن نصر. أخذ عنه ابن عمروس وأبو ذر الهروي. توفي، فيما قيل: سنة ثمان وسبعين وثلاثماية. قال القاضي عبد الوهاب: تذاكرت مع أبي حامد الإسفراييني الشافعي، في أهل العلم. وجرى ذكر أبي الحسن ابن القصار، وكتابه في الحجة لمذهب مالك. فقال لي: ما ترك صاحبكم، لقائل ما يقول.
أبو علي اسماعيل بن الحسن بن علي بن عتاس
بتاء باثنتين من فوق، من فقهاء بغداد المالكيين. روى عنه أبو ذر، وذكره في معجمه. وقال لقيته ببغداد وقرأت عليه. وكان لا بأس به. وذكر أنه فقيه مالكي. وقال في موضع آخر: إنه درس على الأبهري، قبل ابن القصار. وحدث أبو علي، عن الحسين بن يحيى بن عيّاس، بياء باثنتين، من أسفل.
стр. 1220
أبو سعيد الأبهري ﵀
واسمه عبد الرحمن بن أحمد بن يزيد بن عبد السلام. قال أبو ذر فيه: الفقيه المالكي، سمعت منه بأبهر وكان شيخًا صالحًا، لا بأس به. يروي عن أبي بكر عبد الله بن طاهر بن حاتم الطائي، الأبهري. ﵀.
أبو جعفر الأبهري ﵀
هو محمد بن عبد الله. ويعرف بالأبهري، الصغير. وبالوتلي، وابن الخصاص. تفقه بأبي بكر الأبهري. ورحل الى مصر، وتفقه عليه خلق كثير. قاله الشيرازي. وسمع من أبي زيد المروزي، ورأيت سماعه في أصل الأصيلي بخطه. روى عنه. وله كتاب في مسائل الخلاف كبير، نحو مايتي جزء. وكتاب تعليق المختصر الكبير مثله. وكتاب في الرد على ابن علية، فيما أنكره على مالك. وتوفي في حياة أبي بكر الأبهري. ﵀. فوجدت في مختصر التعليق أن وفاته، سنة خمس وستين وثلاثماية.
أبو جعفر محمد بن عبد المنعم بن عيسى بن محمد
ابن عيسى بن أبي حماد الأسدي
كان باهرًا. قال أبو بكر بن عتيق السمنطاري في فهرسته: لقيته بأبهر، وكان مالكيًا مشهورًا هناك بالعلم والحديث، ومكارم الأخلاق، وأنه روى كتب أبي بكر الأبهري عنه. وسمع من ابن لؤلؤ البغدادي، وأنه سمع منه، أبو القاسم الأناتي، والمالكي. روى عنه أبو ذر.
стр. 1221
أبو سعيد القزويني
هو أحمد بن محمد بن زيد. تفقه بالأبهري. قال لي أبو بكر الصالحي: وقد ظن القاضي أبو الوليد، أن الصالحي غير الأبهري. فقال: الصالحي مجهول. وقال أيضًا في القزويني: مجهول. ولا جهالة بمثله. ولكنه أكبر من حاله عنده. إذ لم يكن عنده منه علم. فرب رجل معروف عند واحد. ومجهول، إنما توقع على من لم يعرف أحد من أهل الصنعة له حالًا. وأما أن يسمع واحد منهم برجل لم يسمع قبل به، ولا علم عنده منه، فلا ينبغي أن يطلق عليه حكمه عنده وحده، من
الجهالة بأمره، إذ ذاك لا يؤثر حتى يبحث عليه. ويتعرف حاله، من أئمة أهل العلم بالباب، فإن لم يعرفوه فحينئذ. قال الشيرازي: وصنف في المذهب والخلاف. وكان زاهدًا عالمًا بالحديث. وقد سمع من أبي زيد المروزي. ورأيت أنا ذلك بخط الأصيلي في كتابه. وسمع أيضًا من أبي الحسن الدارقطني، وأبي الحسين الدقاق، العدل بالأهواز، وأبي مالك القطيعي، وجعفر بن عبد الله بن يعقوب بالري. وأبي يعقوب إسحاق بن الحسن بن سفيان، وعلي بن أحمد السكري المقري. وله كتاب المعتمد في الخلاف، نحو ماية جزء. وهو من أهذب كتب المالكية. وله كتاب الإلحاق في مسائل الخلاف. وتوفي في نيف وتسعين وثلاثماية.
القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي
واسمه أحمد بن محمد بن أبي موسى، عيسى بن أحمد بن موسى، بن محمد بن ابراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب. سمع ابراهيم
стр. 1222
بن عبد الصمد الهاشمي. ومحمد بن حمدويه المروزي، وأحمد الادمي بن محمد بن اسماعيل، وأحمد بن علي الجرجاني، والقاضي المحاملي، والحسين يحيى بن العياش القطان وغيرهم. حدث عنه العتيقي، وعبيد الله بن عبد العزيز البرذعي، والقاضي التنوخي، ومحمد بن طلحة الكتاني وغيرهم. قال الخطيب أبو بكر: وكان ثقة مأمونًا. كتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني. وكان مالكي المذهب. وتقلد قضاء المدائن وسر من رأى ونصيبين، وديار ربيعة وغيرها. وخطابة جامع المنصور. ولد سنة خمس عشرة وثلاثماية. ﵀.
أبو القاسم ابن الجلاب ﵀
واسمه عبيد الله. ويقال، أبو الحسين بن الحسن. وقال أبو إسحاق الشيرازي: اسمه
عبد الرحمن بن عبيد الله. والأول هو الصواب، إن شاء الله. بصري، تفقه بالأبهري. أخذ عنه القاضي أبو محمد بن نصر الطائفي. وابن أخيه المسدد بن أحمد. وله كتاب في مسائل الخلاف. وكتاب التفريع في المذهب مشهور. قال أبو القاسم الهمداني: كان من أحفظ أصحاب الأبهري، وأنبلهم. وتوفي فيما قيل قديمًا. منصرفه من الحج، في صفر سنة ثمان وسبعين وثلاثماية. ﵁.
أبو تمام علي بن محمد بن أحمد البصري
من أصحاب الأبهري، أيضًا. وكان جيد النظر، حسن الكلام حاذقًا بالأصول، وله كتاب مختصر في الخلاف، سماه نكت الأدلة. وكتاب آخر في الخلاف كبير. وكتاب في أصول الفقه. رحمه الله تعالى.
стр. 1223
أبو بكر بن خُويز منداد ﵀
ويقال خوين منداد. إذ كذا كنّاه أبو إسحاق الشيرازي. وسماه محمد بن أحمد بن عبد الله. ورأيت على كتبه تكنيته، بأبي عبد الله. وفي نسبته: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق. وقال الشيرازي، أيضًا تفقه بالأبهري وسمح الحديث. يروي عن أبي داسة، وأبي الحسن التمار، وأبي الحسن المصيصي، وأبي إسحاق التجيبي، وأبي العباس الأصم. وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وفي أحكام القرآن، وعنده شواذ عن مالك. وله اختيارات وتأويلات على المذهب في الفقه، والأصول، لم يرجع عليها حذاق المذهب. كقوله في بعض ما خالفه فيه من الأصول: إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار يوجب العلم. وفي بعض مسائل الفقه حكايته عن المذهب: إن التيمم يرفع الحدث. وإنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء. ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي الفقه. وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي. قال: إني لم أسمع له في علماء العراق بذكر. وكان يجانب الكلام جملة،
وينافر أهله، حتى تعدى ذلك الى منافرته المتكلمين من أهل السنّة. وحكم على الكل بأنهم من أهل الأهواء، الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وعيادتهم وجنائزهم ما قال. ﵀.
الحسين بن علي
من ساكني البصرة. أبو عبد الله من أصحاب الأبهري. ذكره أبو عمر
стр. 1224
المقري في طبقاته. وقال: انتحل مذهب مالك، وسمع من الأبهري، وأخذ القراءة عن أبي بكر الشداني، وفارس بن أحمد، وأبي القاسم الحافي. وكان شيخًا صالحًا ثقة. ﵀. توفي بمصر، في حدود الأربعماية.
ومن في هذه الطبقة ممن ذكره، أبو ذر في شيوخه، وذكر أنه في المالكية. رحمه الله تعالى.
أحمد بن إسحاق بن ابراهيم الصفار
المقري البصري. يروي عن عبد الكريم بن الرواسي، وأبي يوسف الخلاّل. قال فيه أبو ذر: شيخ فقيه مأمون.
أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت
يعرف بالمجبّر. بجيم وباء بواحدة مشدودة مكسورة. بغدادي. قال أبو ذر: لا بأس به. سمع أبا بكر البهلول، واسماعيل الصفار، وابراهيم بن عبد الصمد الهاشمي. حدث عنه أبو ذر، وأبو عمران الفاسي، والقاضي أبو محمد بن نصر، وابراهيم بن عبد الصمد. ﵏.
ادريس بن علي بن إسحاق بن يعقوب
أبو القاسم المؤدب. سمع أبا حامد الحضرمي، وأبا علي بن اسماعيل الوراق. بغدادي حدث عنه أبو ذر. ﵀.
стр. 1225
أبو عبد الله الحفاظي
سماه القاضي أبو الوليد الباجي، في أئمة الفقهاء المالكيين. ولم يزد على هذا، وذكره أبو إسحاق الشيرازي في أئمة الشافعية. أبا عبد الله الحفاظي الطبري. من طبرستان. وقدم بغداد في أيام الشيخ أبي حامد الاسفراييني الشافعي. والله أعلم وأحكم.
أبو الحسن بن أحمد بن سعيد
أراه عراقيًا. قال أبو الوليد الباجي: شيخ فقيه مالكي. روى عنه أبو الحسن العتيقي. يروي عن أحمد بن الحسين الجيار الصوفي. ﵀.
أبو الحسين بن محمد بن علي المالكي
يروي عن القاضي عبد الوهاب السعدي، البغدادي. من بيت جلالة وتقدم وقضاء ببغداد. قرأت في معجم الرازي، أنه كان مالكي المذهب، ودرس ابنه القاضي أبو الفضل، محمد بن أحمد علي القاضي أبي حامد الاسفراييني فذهب الى مذهبه. وكان ابنه خليلًا، محدثًا. سمع ابن بطه، ونظراءه. ونزل مصر، فسمع بها وحدث. سمع منه شيخه عبد الغني بن سعيد الحافظ فيمن دونه.
أحمد بن عيسى بن عبد الله بن عبد الوهاب السعدي البغدادي
من بيت جلالة وتقدم وقضاء ببغداد، قرأت في معجم الرازي، أنه
стр. 1226
كان مالكي
المذهب، ودرس أبو الفضل، محمد بن أحمد، على القاضي أبي حامد الاسفراييني، فذهب الى مذهبه، وكان ابنه جليلًا محدثًا، سمع ابن بطة، ونظراءه، ونزل مصر فسمع بها، وحدث، سمع منه شيخه عبد الغني بن سعد الحافظ، فمن دونه.
الوليد أبو بكر بن مخلد النحوي
أبو العباس. أصله أندلسي من سرقسطة، وسكن المشرق، وغلب عليه الحديث. ذكره أبو القاسم الطرابلسي فقال فيه: مالكي نحوي، دخل المشرق، وكان من أهل الحديث، وألّف كتاب الوجارة في صحة القول بالإجارة. روى عنه أبو ذر الهروي في كتابه هذا، وحمزة بن محمد بن طاهر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد، وأبو الحسين بن الكناس، يروي عن علي بن زكريا الهاشمي. ﵀.
أبو عبد الله بن دُوسْت
واسمه أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست البزاز، البغدادي، حدث عن أبي جعفر المطيري، والحكيمي، وعمر بن الحسن الأشناني، واسماعيل بن محمد الصفار، وأبي الحسن المصري، وغيرهم. قال الخطيب: كتب عنه الأزهري، والحسن الخلاّل، وحمزة بن محمد الدقاق، وهبة الله الطبري، وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا واحدًا، وكان مكثرًا من الحديث عارفًا به حافظًا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة المخلِّص، ثم انقطع ولزم بيته، قال حمزة بن محمد: مكث ابن دوست سبع عشرة سنة يملي وكان إذا سئل عن شيء أملى من حفظه في معنى ما سئل عنه،
стр. 1227
قال عيسى بن أحمد بن عمر الهمداني: وكان ابن دوست فهمًا في الحديث عارفًا بالفقه على مذهب مالك، وكان عنده عن الصفار وحده ملء صندوق وكان يذاكر بحضرة الدارقطني ويتكلم في علم الحديث، وتكلم فيه الدارقطني لذلك، قال حمزة بن محمد، قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: لم
تملي من حفظك، ولا تملي من كتابك؟ فقال لي: أنظر فيما أمليته فإن كان فيه خلل لم أمل من حفظي، وإن كان جميعه صوابًا فما الحكمة في الكتاب أو كما قال، وحكى الخطيب أنه مكث سنة بعد موت ابن حبابة يملي من حفظه في حياة المخلّص، وابن شاهين، ثم تكلم فيه ابن أبي الفوارس، قال عيسى الهمداني كان ابن أبي الفوارس ينكر علينا مضيّنا له وسماعنا منه. ثم جاء بعد ذلك وسمع منه، قال الأزهري: هو ضعيف رأيت كتبه كلها طرية، وقال إن كتبه كلها عرفت فاستدرك نسخها. قال ابن البرقاني: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وكان يكتب الأجزاء ويتربها لترى أنها عتق. توفي في رمضان سنة سبع وأربعماية.
أبو الحسين بن فارس ﵀
هو أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي الرازي، أحد رجال خراسان وعلمائها وأئمة أدبائها، غلب عليه علم الفقه ولسان العرب، فشهر به. وكان إمامًا في ذلك، وقد حدث عنه، روى عن علي بن مهرويه، وأبي الحسن علي بن أبي ابراهيم الحداد، وروى عنه أبو ذر الهروي، والقاضي أبو زرعة روح بن محمد الرازي، وأبو العباس الغضبان، والقاضي أبو عبد الله الديباجي، وغيرهم، ومحمد بن الحسن النيسابوري، وذكر أبو ذر أنه كان مالكيًا. قال ولم أحمد حاله. وذكره القاضي أبو الوليد الباجي فقال: كان فقيهًا
стр. 1228
مالكيًا، وحقق لي ذلك بعض من ذاكرته من شيوخنا المغاربة الراحلين. وحكى لي بعض من لقيته من أهل المشرق أنه شافعي المذهب، واحتج بشرحه لألفاظ مختصر المزني الذي سماه حلية الفقهاء، وله من التواليف غير كتاب: فقيه العرب، وكتاب مجمل اللغة المشهور المعترف بتفضيله على سائر المؤلفات في هذا الباب، وكتاب الاتباع والمزاوجة في جزء. وكان أديبًا شاعرًا مجيدًا في ذلك، وقد ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته في جملة شعراء
أهل الجبل من كتابه. وحكى عنه أنه ألّف للصاحب ابن عباد كتابًا سماه كتاب المجد ووجهه إليه. فقال الصاحب: وذو المجد حيث جاء ثم قبله ووصلَه. وله رسالة مشهورة حسنة طويلة كتب بها الى بعض الكتّاب في شأن كتاب الحماسة ذكرها الثعالبي، ومما أنشد له الثعالبي قوله:
يا ليت لي ألف دينار موجّهة … وإن حظي منها فلس إفلاس
قالوا فما لك منها؟ قلت: يخدمني … لها ومن أجلها الحمقى من الناس
محمد بن عبد الله البصري
من أصحاب الأبهري، وكان فقيرًا متقنعًا منقبضًا متنسكًا، لم يكن له بيت، إنما كان يأوي الى المساجد، ويودع كتبه عند إخوانه، وكانت له كتب كثيرة، وكان ما يقع له يبتاع به كتبًا، وكان الناس يعرفونه بالشهرة بالعبادة وطلب العلم، وكان الأبهري يحبه ويجلّه، وتوفي بهمدان ﵀.
стр. 1229
من أهل الشام
عبد الباقي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز
دمشقي، يكنى أبا الحسن، من أصحاب الأبهري، سمع منه ببغداد وكتب عنه كتبه في شرح المذهب، وكان إمامًا في علم القرآن، وغلب ذلك عليه، قال أبو عمرو الداني في طبقاته إن أصله خراساني، وولد بدمشق، قال: وكان خيرًا فاضلًا ثقة مأمونًا إمامًا في القراءة، عالمًا بالعربية بصيرًا بالمعاني، أخذ عن جماعة من أهل العراق والحجاز والشام ومصر، وكان يقول قرأت كل قراءة في مصرها، قال وسمعت عبد الرحمن بن عبد الله يقول كان عبد الباقي يسمع معنا ببغداد على الأبهري. وكتب كتبه في المشرق، ثم قدم مصر فقامت له بها رئاسة عظيمة، وكنا لا نظنّه إذ كان معنا بالعراق هناك، وكان سبب خروجه الى مصر شيء وقع
بينه وبين شيوخ بلده دمشق، فتعصّب له قوم وعليه آخرون، وذلك في جامع دمشق حتى تطاول بعضهم الى بعض فخرج الى الاسكندرية، قال أبو عمرو توفي بعد سنة ثمانين وثلاثماية.
أبو الحسن علي بن الحسين بن مندار الأنطاكي
قاضي أذنه. وسكن مصر، يروي عن جماعة، يروي عنه أبو الحسن ابن أبي الكرام، وأبي حفص بن شعيب الألكيان.
من أهل مصر
أبو عبد الله بن الوشاء
واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن عبيد بن موسى. أخذ عن ابن شعبان والطبري، وابن أبي الحديد، سمع منه أبو عمران الفاسي، وأبو محمد الشنجتالي،
стр. 1230
وأبو محمد بن غالب السبتي الفقيه، وكان عالمًا بالحديث واسع الرواية فقيهًا، رحل إليه الناس وسمعوا منه، قال محمد بن سعدون في كتابه: وكان شديد المباينة لبني عبيد، وهو الذي حبس مع السباع فلم تضره ولا عدت عليه. توفي ﵀ بمصر سنة سبع وتسعين وثلاثماية، وذكره أبو الحسن بن محمد الحباني الحافظ رحمه الله تعالى.
الحسن بن عمر بن الحسين بن أبي إسحاق الغافقي
حدث عنه أبو ذر بالاسكندرية، وذكره، فقال الفقيه المالكي، يعرف بأبي علي بن المصباح، وكان يفهم لا بأس به، حدث عنه عثمان بن محمد السمرقندي.
رجاء بن عيسى بن محمد الأننصِناوي
بثلاث نونات وصاد مهملة. ويقال الأنصاوني بالواو، وأنصنا قرية بمصر، أبو
العباس المصري المالكي أخذ عن القاضي الذهلي، ومؤمل بن يحيى، وحمزة الحافظ، وأبي العباس الرازي، وأبي العباس ابن أبي تمام، وابن رشيق، وغيرهم، وحدث عن مؤمل بن يحيى المصري، عن حمديس، عن محمد بن عبد الحكم: أفضل ما جر المرء نفسه في أعمال البر، حدث عنه أبو ذر الحافظ قال وكان ثقة مأمونًا، لقيته بالبصرة. قال الخطيب أبو بكر: وقدم بغداد
следующие страницы →