← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

كان مالكي المذهب، ودرس أبو الفضل، محمد بن أحمد، على القاضي أبي حامد الاسفراييني، فذهب الى مذهبه، وكان ابنه جليلًا محدثًا، سمع ابن بطة، ونظراءه، ونزل مصر فسمع بها، وحدث، سمع منه شيخه عبد الغني بن سعد الحافظ، فمن دونه. الوليد أبو بكر بن مخلد النحوي أبو العباس. أصله أندلسي من سرقسطة، وسكن المشرق، وغلب عليه الحديث. ذكره أبو القاسم الطرابلسي فقال فيه: مالكي نحوي، دخل المشرق، وكان من أهل الحديث، وألّف كتاب الوجارة في صحة القول بالإجارة. روى عنه أبو ذر الهروي في كتابه هذا، وحمزة بن محمد بن طاهر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد، وأبو الحسين بن الكناس، يروي عن علي بن زكريا الهاشمي. ﵀. أبو عبد الله بن دُوسْت واسمه أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست البزاز، البغدادي، حدث عن أبي جعفر المطيري، والحكيمي، وعمر بن الحسن الأشناني، واسماعيل بن محمد الصفار، وأبي الحسن المصري، وغيرهم. قال الخطيب: كتب عنه الأزهري، والحسن الخلاّل، وحمزة بن محمد الدقاق، وهبة الله الطبري، وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا واحدًا، وكان مكثرًا من الحديث عارفًا به حافظًا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة المخلِّص، ثم انقطع ولزم بيته، قال حمزة بن محمد: مكث ابن دوست سبع عشرة سنة يملي وكان إذا سئل عن شيء أملى من حفظه في معنى ما سئل عنه،

стр. 1227

قال عيسى بن أحمد بن عمر الهمداني: وكان ابن دوست فهمًا في الحديث عارفًا بالفقه على مذهب مالك، وكان عنده عن الصفار وحده ملء صندوق وكان يذاكر بحضرة الدارقطني ويتكلم في علم الحديث، وتكلم فيه الدارقطني لذلك، قال حمزة بن محمد، قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: لم تملي من حفظك، ولا تملي من كتابك؟ فقال لي: أنظر فيما أمليته فإن كان فيه خلل لم أمل من حفظي، وإن كان جميعه صوابًا فما الحكمة في الكتاب أو كما قال، وحكى الخطيب أنه مكث سنة بعد موت ابن حبابة يملي من حفظه في حياة المخلّص، وابن شاهين، ثم تكلم فيه ابن أبي الفوارس، قال عيسى الهمداني كان ابن أبي الفوارس ينكر علينا مضيّنا له وسماعنا منه. ثم جاء بعد ذلك وسمع منه، قال الأزهري: هو ضعيف رأيت كتبه كلها طرية، وقال إن كتبه كلها عرفت فاستدرك نسخها. قال ابن البرقاني: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وكان يكتب الأجزاء ويتربها لترى أنها عتق. توفي في رمضان سنة سبع وأربعماية. أبو الحسين بن فارس ﵀ هو أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي الرازي، أحد رجال خراسان وعلمائها وأئمة أدبائها، غلب عليه علم الفقه ولسان العرب، فشهر به. وكان إمامًا في ذلك، وقد حدث عنه، روى عن علي بن مهرويه، وأبي الحسن علي بن أبي ابراهيم الحداد، وروى عنه أبو ذر الهروي، والقاضي أبو زرعة روح بن محمد الرازي، وأبو العباس الغضبان، والقاضي أبو عبد الله الديباجي، وغيرهم، ومحمد بن الحسن النيسابوري، وذكر أبو ذر أنه كان مالكيًا. قال ولم أحمد حاله. وذكره القاضي أبو الوليد الباجي فقال: كان فقيهًا

стр. 1228

مالكيًا، وحقق لي ذلك بعض من ذاكرته من شيوخنا المغاربة الراحلين. وحكى لي بعض من لقيته من أهل المشرق أنه شافعي المذهب، واحتج بشرحه لألفاظ مختصر المزني الذي سماه حلية الفقهاء، وله من التواليف غير كتاب: فقيه العرب، وكتاب مجمل اللغة المشهور المعترف بتفضيله على سائر المؤلفات في هذا الباب، وكتاب الاتباع والمزاوجة في جزء. وكان أديبًا شاعرًا مجيدًا في ذلك، وقد ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته في جملة شعراء أهل الجبل من كتابه. وحكى عنه أنه ألّف للصاحب ابن عباد كتابًا سماه كتاب المجد ووجهه إليه. فقال الصاحب: وذو المجد حيث جاء ثم قبله ووصلَه. وله رسالة مشهورة حسنة طويلة كتب بها الى بعض الكتّاب في شأن كتاب الحماسة ذكرها الثعالبي، ومما أنشد له الثعالبي قوله: يا ليت لي ألف دينار موجّهة … وإن حظي منها فلس إفلاس قالوا فما لك منها؟ قلت: يخدمني … لها ومن أجلها الحمقى من الناس محمد بن عبد الله البصري من أصحاب الأبهري، وكان فقيرًا متقنعًا منقبضًا متنسكًا، لم يكن له بيت، إنما كان يأوي الى المساجد، ويودع كتبه عند إخوانه، وكانت له كتب كثيرة، وكان ما يقع له يبتاع به كتبًا، وكان الناس يعرفونه بالشهرة بالعبادة وطلب العلم، وكان الأبهري يحبه ويجلّه، وتوفي بهمدان ﵀.

стр. 1229

من أهل الشام عبد الباقي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز دمشقي، يكنى أبا الحسن، من أصحاب الأبهري، سمع منه ببغداد وكتب عنه كتبه في شرح المذهب، وكان إمامًا في علم القرآن، وغلب ذلك عليه، قال أبو عمرو الداني في طبقاته إن أصله خراساني، وولد بدمشق، قال: وكان خيرًا فاضلًا ثقة مأمونًا إمامًا في القراءة، عالمًا بالعربية بصيرًا بالمعاني، أخذ عن جماعة من أهل العراق والحجاز والشام ومصر، وكان يقول قرأت كل قراءة في مصرها، قال وسمعت عبد الرحمن بن عبد الله يقول كان عبد الباقي يسمع معنا ببغداد على الأبهري. وكتب كتبه في المشرق، ثم قدم مصر فقامت له بها رئاسة عظيمة، وكنا لا نظنّه إذ كان معنا بالعراق هناك، وكان سبب خروجه الى مصر شيء وقع بينه وبين شيوخ بلده دمشق، فتعصّب له قوم وعليه آخرون، وذلك في جامع دمشق حتى تطاول بعضهم الى بعض فخرج الى الاسكندرية، قال أبو عمرو توفي بعد سنة ثمانين وثلاثماية. أبو الحسن علي بن الحسين بن مندار الأنطاكي قاضي أذنه. وسكن مصر، يروي عن جماعة، يروي عنه أبو الحسن ابن أبي الكرام، وأبي حفص بن شعيب الألكيان. من أهل مصر أبو عبد الله بن الوشاء واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن عبيد بن موسى. أخذ عن ابن شعبان والطبري، وابن أبي الحديد، سمع منه أبو عمران الفاسي، وأبو محمد الشنجتالي،

стр. 1230

وأبو محمد بن غالب السبتي الفقيه، وكان عالمًا بالحديث واسع الرواية فقيهًا، رحل إليه الناس وسمعوا منه، قال محمد بن سعدون في كتابه: وكان شديد المباينة لبني عبيد، وهو الذي حبس مع السباع فلم تضره ولا عدت عليه. توفي ﵀ بمصر سنة سبع وتسعين وثلاثماية، وذكره أبو الحسن بن محمد الحباني الحافظ رحمه الله تعالى. الحسن بن عمر بن الحسين بن أبي إسحاق الغافقي حدث عنه أبو ذر بالاسكندرية، وذكره، فقال الفقيه المالكي، يعرف بأبي علي بن المصباح، وكان يفهم لا بأس به، حدث عنه عثمان بن محمد السمرقندي. رجاء بن عيسى بن محمد الأننصِناوي بثلاث نونات وصاد مهملة. ويقال الأنصاوني بالواو، وأنصنا قرية بمصر، أبو العباس المصري المالكي أخذ عن القاضي الذهلي، ومؤمل بن يحيى، وحمزة الحافظ، وأبي العباس الرازي، وأبي العباس ابن أبي تمام، وابن رشيق، وغيرهم، وحدث عن مؤمل بن يحيى المصري، عن حمديس، عن محمد بن عبد الحكم: أفضل ما جر المرء نفسه في أعمال البر، حدث عنه أبو ذر الحافظ قال وكان ثقة مأمونًا، لقيته بالبصرة. قال الخطيب أبو بكر: وقدم بغداد

стр. 1231

فحدّث بها وسمع منه أبو عبد الله بن بكير وعبيد الله بن عثمان الصيرفي، والعتيقي، قال أبو عبد الله الصوري: وكان فقيهًا مالكيًا مرضيًا ثقة في الحديث متحريًا في الرواية مقبول الشهادة. مولده سنة عشر وثلاثماية، قال الحبال توفي سنة سبع وأربعماية، وقال الصوري: توفي بمصر ما بين سنة خمس وسنة عشرة وأربعماية. أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد بن ابراهيم الحضرمي فقيه مالكي، يروي عن أبيه، وعن أبي جعفر الأسواني، والحسن بن رشيق، والحسين بن عبد الله القرشي، وعبد الله بن محمد المفسر. روى عنه أبو محمد بن الوليد، وأبو اسحاق الخيال، ﵏. أبو مطر علي بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن عبد الرحمن الغفاري المعافري الاسكندراني قاضيها، من بيت علم وقضاء وتقدم في مذهب مالك، قال أبو ذر وكان مالكيًا شيخًا ثقة، قرأت عليه في منزله بالاسكندرية، حدث عن عبد الرحمن بن عمر بن عثمان العلاف، وقد تقدم ذكر بيته ﵀. محمد بن عبد الله بن عتاب أبو عبد الله يعرف بابن المقري، من أهل الاسكندرية. روى عنه

стр. 1232

أبو ذر بها، وذكره فقال: كان فقيهًا مالكيًا من خيار المسلمين، ثقة مأمونًا، وكان بنو عبيد ضربوه وردوه على السنة وأحرقوا كتبه، فحدث عن الأعرابي. محمد بن أحمد بن العباس أبو الحسن الأخميني، ذكره أبو ذر فقال شيخ صالح ثقة مالكي، قرأت عليه بمصر، ولقد قال لي عبد الغني بن سعيد رأيت له عن ابن زيان مثل هذا - يعني رزمة كبيرة. الحسن بن عمر بن ابراهيم أبو محمد بن زكريا العروضي، ذكره أبو ذر وقال قرأت عليه بمكة وكان لا بأس به، حدث عن ابن القاسم بن بكار بن أحمد السلمي المرادسي. أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي يزيد خالد ابن خالد بن يزيد المطري الأزدي يعرف بالصواف، دخل الأندلس تاجرًا آخر الدولة العامرية وفارًا من مصر لشيء وقع له فيها مع أميرها، سمع القاضي أبا طاهر الذهلي، وأبا سعيد بن يونس الصدفي، وحمزة الحافظ، وابن أبي الموت، وأبا محمد الفرغاني، وابن الورد، وابن السكن، رآه عمر السمرقندي وغيره، حدث

стр. 1233

عنه بالأندلس أبو عمر ابن الحذاء، وابن الحصار، وقاسم ابن الراموني السبتي. قال ابن المأموني: كان منقطع القرين في مروءته وعلمه، وكان فقيهًا مالكيًا متكلمًا نسابة أدبيًا، ذا قوة في علم الاعتقاد ويحقق في علم النسب. له قطع من الشعر مطبوعة. وقع الاجتماع أنه لم يصل الى الأندلس من بلده مثله. ولم يكن بالراسخ في الفقه، كان مشاورًا فيه، قال أبو عمر ابن الحذاء كان حافظًا للحديث حسن الشعر، قال الحصار: استوطن قرطبة أعوامًا كثيرة الى زمن الفتنة، فخرج عن الأندلس الى مصر فتوفي بها. وقال ابن حيان: خرج من الأندلس الى إفريقية ثم جاء الى الأندلس فمات بها سنة عشرة وأربعماية. من أهل إفريقية أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن القابسي. سمع من رجال إفريقية أبي العباس الإبياني، وأبي الحسن بن مسرور الدباغ، وأبي عبد الله بن مسرور الغسال، وأبي محمد بن مسرور الحجام، ودراس بن اسماعيل الفاسي، والسدري، ورحل فحجّ وسمع بمصر ومكة من حمزة بن محمد الكناني، وأبي الحسن التلباني، وابن أبي الشريف، وابن زيد المروزي، وأبي الحسن ابن حبونه النيسابوري، وأبي الحسن بن أبي هلال، وأبي الحسن بن شعبان الطحان، وأبي الحسن بن هاشم، وأبي الطاهر محمد بن عبد الغني، وأبي الحسن الأسيوطي، وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد المؤمن، وأبي أحمد بن المفسر، وأبي الفتح بن يرمين، وأبي إسحاق عبد الحميد بن أحمد بن عيسى. وكتب إليه أبو بكر ابن خلاد، وكان واسع الرواية عالمًا بالحديث وعلله ورجاله، فقيهًا أصوليًا متكلمًا مؤلفًا

стр. 1234

مجيدًا. وكان من الصالحين المتقين الزاهدين الخائفين، وكان أعمى لا يرى شيئًا وهو مع ذلك من أصح الناس كتبًا وأجودها ضبطًا وتقييدًا. يضبط كتبه بين يديه ثقات أصحابه، والذي ضبط له في البخاري سماعه على أبي زيد بمكة أبو محمد الأصيلي بخط يده، وكان يزور الشيخ الزاهد أبا إسحاق الجبنياني فدعا له. قال أبو الحسن: قلت له - يعني عند رجوعه أول ما زاره - أذكر لك اسمي فمتى ذكرتني دعوت لي، فقال: بل أدعو لك في جملة المسلمين، فقلت: بل تخصني، قال: أرأيت من أودع وديعة فضيعها، أليس يضمن كالمعتدي؟ قلت: بلى فما دعا الإنسان الى شيء أن ضيعه ضمنه. قلت لا عليك أن أعرفك باسمي فإن نشطت للدعاء دعوت وإلا تركت، فلما رآني كئيبًا إذ لم يقبل مسألتي، قال لي: ما اسمك؟ قلت: علي، قال لي: أبشر يا علي أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة، فلما قدمت دابة أبي الحسن أخذ الجبنياني بركابه، وكانت عادته لمن قبله علم أو خير. قال الشيرازي: وجلس مجلس ابن شبلون بعد وفاته. وكان أبو سعيد ابن أخي هشام يعظم الشيخ أبا الحسن ويقول: الشيخ أبو الحسن لا يحاسب على مكيال ولا ميزان. وإن كان لا يدخل الجنة إلا مثل أبي الحسن فما يدخلها منا أحد. وذكر ابن سعدون أن أب الحسن لما جلس للناس وعزم عليه في الفتوى تأبّى وسدّ بابه دون الناس، فقال لهم أبو القاسم ابن شبلون اكسروا عليه بابه لأنه قد وجب عليه فرض الفتيا، هو أعلم من بقي بالقيروان، فلما رأى ذلك خرج إليهم ينشد: لعمر أبيك ما نُسب المعلى … الى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرّت … وصوّح نبتُها رُعِي الهشيم

стр. 1235

قال حاتم الطرابلسي صاحبه: كان أبو الحسن فقيهًا عالمًا محدثًا ورعًا متقللًا من الدنيا، لم أرَ أحدًا ممن يشار إليه بالقيروان بعلم إلا وقد جاء اسمه عنده وأخذ عنه، يعترف الجميع بحقه ولا ينكر فضله. وقال محمد بن عمار الهوزني - في رسالته - وذكره فقال: متأخر في زمانه متقدم في شأنه العلم والعمل والرواية والدراية، من ذوي الجتهاد في العباد والزهاد مجاب الدعوة. له مناقب يضيق عنها الكتاب. عالمًا بالأصول والفروع والحديث وغير ذلك من الرقائق، وذكره أبو عبد الله ابن أبي صفرة فقال: كان فقيه الصدر، قال أبو الحسن: لما رحلت الى الإبياني أنا وأبو محمد الأصيلي، وعيسى - يعني ابن سعادة الفاسي - كنا نسمع عليه، فإذا كان بعد العصر ذاكرنا في المشكل، فتذاكرنا يومًا وطال الذكر فخصني بأن قال لي يا أبا الحسن لتضربن إليك اباط الإبل من أقصى المغرب، فقلت له: ببركتك إن شاء الله، ولما نرجوه من النفع بك إن شاء الله. ثم جرى لي منه ذلك يومًا آخر ثم ذاكرني يومًا ثالثًا فهمني له، فقال مثل ذلك، فقلت له ببركتك إن شاء الله فقال: والله لتضربن إليك اباط الإبل من أقصى المغرب، وعليه تفقه أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم البيري، وغيرهما. وروى عنه أبو بكر عتيق السوسي، وأبو القاسم ابن الحساري، وابن سمحان، وابن أبي طالب العابد، وأبو عمرو ابن العتاب، وابن محرز، وابن سفيان، وأبو محمد اللوبي، وأبو حفص العطار، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عبد الله المالكي، ومكي الفارسي، وابن الأجدابي، وروى عنه من الأندلسيين المهلب ابن أبي صفرة، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبو عمر المغربي. ذكر تواليفه ﵀ لأبي الحسن تواليف بديعة مفيدة ككتابه: المهذب في الفقه، وأحكام

стр. 1236

الديانة، وكتاب المنقذ من شبه التأويل، وكتابه المنبه للفطن من غوائل الفتن، والرسالة المعظمة لأحوال المتقين، وأحكام المتعلمين والمعلمين، وكتاب الاعتقادات، وكتاب مناسك الحج، وكتاب الذكر والدعاء، ورسالة كشف المقالة في التوبة، وكتاب ملخص الموطأ، وكتاب رتب العلم وأحوال أهله، وكتاب أحمية الحصون، ورسالة تزكية الشهود وتجريحهم، ورسالة في الورع. ذكر فضائله وخوفه وبقية أخباره كان أبو الحسن من الخائفين الورعين المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء فقهاء القيروان المتقللين من الدنيا، البكائين، المعروفين بإجابة الدعاء وظهور البراهين. قال بعض أصحابه كان أبو الحسن إذا دخل محرابه وانتفخت عيناه واحمرت، ولجأ الى الله ورأينا ذلك منه انتظرنا إجابة دعائه، وكانت الى ثلاثة أيام، وكان بالمهدية نصراني ابن أخ لخاصة باديس صاحب القيروان فافتض هذا النصراني صبية شريفة، فلما سمعت بذلك العامة رجعوا إليه فقتلوه، وبلغ ذلك باديس فعظم ذلك عليه، وأرسل قائدًا بعسكر الى المهدية، وقال لهم: اقتلوا من هو قد السيف الى فوق، وبلغ ذلك أبا الحسن، فدخل المحراب وأقبل على الدعاء في كشف هذا، فلما وصل القائد الى قصر مسور قرب المهدية بات فيه فقام بالليل وهو سكران يمشي على السطح فمشى في الهواء وسقط على رأسه وانتثر دماغه، وجاءت البرد الى باديس بذلك، وأعلم بدعاء الشيخ أبي الحسن فرعب لذلك، وقال لابن أبي العرب وكبراء رجاله: تمشون للشيخ. فلما ضربوا عليه بابه وأعلم بهم، قال: تمضون للجامع حتى يأتيكم العلماء - ولم يدخلهم داره - ووجه الى أصحابه أبي بكر ابن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، وأبي القاسم

стр. 1237

ابن الكاتب، وأبي محمد اللوبي، وأبي عمرو ابن العتاب، والخواص، وابن سفيان، وأبي عبد الله المالكي، ومكي الفارسي، وابن الأجدابي، والربعي، وابن سمحان، وغيرهم، وأملى عليهم رسالة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم بالله أستعين، وعليه أتوكل. الغوث الغوث الغوث بما حلّ بالمسلمين من الافتئات عليهم، ثم ينادي بمثل. وفي فصل منها: كيف يحل لمن يعتقد الإسلام أن يقوم في دم كافر اغتصب صبية من سلالة المصطفى ﷺ . لو انطبقت السماوات والأرض من أجل هذا الفعل كان قليلًا. وهي رسالة طويلة. وقال لأصحابه إذا وصلتم الى الجامع فليقرأها واحد منكم على المنبر ممن له صوت. ففعلوا ذلك فجعل القواد يقول بعضهم لبعض والله ما السلطان إلا هذا الشيخ. ذكر البيري أنه رآه قد اجتمع مع عيسى بن ثابت العابد يومًا فتذاكرا وبكيا حتى سقط كل واحد منهما على ظهره. وذكر أن رجلًا من أصحاب أبي إسحاق غره القمر ليلة فبكر فأخذه الحرس بالقيروان فاستغاث به وأعلمهم أنه ضيف أبي الحسن ومن أصحابه، فلم يلتفتوا إليه، وحملوه الى السجن وأودعوه الحديد، وأطلع رجل من غرفة على ذلك، فلما أصبح، أعلم أبا الحسن بحال صاحبه، فقال له اذهب فأخرجه من السجن، وثق بالله، أو كما قال، فذهب الرجل فدخل الى السجن حتى وصل الى الرجل دون أن يعترضه أحد، فوجد الرجل في ثقل الحديد، فلم يقدر الرجل على الخروج في حديده، فرجع الرسول الى أبي الحسن فأخبره، فقال له: اذهب بحداد يحل عنه، فأخذ الرجل معه حدادًا حتى حلّ عنه حديده في السجن، وخرج ثلاثتهم، وحراس السجن ينظرون إليهم فلا ينكرون عليهم شيئًا مما صنعوه، وكأنهم لا يرونهم، وكأنهم

стр. 1238

ألقي إليهم النسيان فلم يعرف من جهة الحرس من القصة خبر، قال أبو عمرو المقري في طبقات القراء وذكره فقال: أخذ عن ابن الدهن، وأقرأ القرآن بالقيروان دهرًا، ثم قطع القراءة لما بلغه أن بعض أصحابه استقرأه الوالي فقرأ عليه، ودرس الحديث والفقه الى أن رأس فيهما، وبرع الى أن صار إمام عصره وفاضل دهره، وذكر أن أبا الحسن سأل أصحابه يومًا في رمضان عما كان إفطارهم عليه ليلة يومهم فأخبره كل واحد منهم بما كان على قدر وسعه، فقال أبو القاسم البرادعي: أفطرت على ثريدة خروف بأطراف سلق وحمص، وبعد ذلك إسفنجة، فقال له أبو الحسن: والله يا خلف لا صلحت أبدًا ما اجتمع هذا من حلال قط، ولم يكن أبو الحسن قابسيًّا وإنما كان له عم يشد عمامته مثل القابسيين فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل، وتوفي أبو الحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعماية، ودفن بباب تونس، وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير، مولده في رجب لست ليال مضين منه سنة أربع وعشرين وثلاثماية، وكانت رحلته الى المشرق وسنّه اثنتان وخمسون سنة. أبو عبد الله الحسين ابن أبي العباس عبد الله ابن عبد الرحمن الأجدابي المشهور في فقهاء القيروان. من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وكان واسع الرواية سمع من شيخه، ومن هبة بن أبي عقبة، وأبي القاسم بن حيران، وتميم بن أبي العرب، وأبي عبد الله بن الناظور، وأبي محمد البادسي، وغيرهم من أهل إفريقية، ورحل فلقي الناس بمصر والحجاز فسمع من أحمد بن أبي يعلى الحمادي، وأبي حفص بن عراك،

стр. 1239

وأبي بك الأدفوي، وأبي القاسم السفطي، والقاضي أبي نصر النيسابوري، وأبي الحسن ابن زريق، وأبي زرعة الجرجاني. وسمع أيضًا من عيسى بن حبيب، وابن اسماعيل المهري، وأبي زكريا بن عابد الأندلسي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن خالد الأزدي، وتميم بن أبي العرب، وسمع منه أبو محمد عبد الحق، وابن سعدون، وأبو محمد بن سبعين وغيرهم. وألّف مناقب ربيع القطان، والممسي، والسبائي، وابن نصرون. وأخوه أبو محمد الحسن مشهور بالعلم والتقدم في الفهم، وكثرة الرواية بإفريقية والمشرق، ومقدم في بلده، وسمع منه. وأخوه أبو الحسن علي. حدث عن تميم ابن أبي العرب، وأبي القاسم بن حيران، حدث عنه ابن سعد. أبو عمر أحمد بن سعدي واسمه: أحمد بن محمد أصله أندلسي إشبيلي، ونزل المهدية، وعليه دارت الفتيا بها وكان فقيهًا صالحًا، وله رحلة دخل فيها العراق، ولزم أبا بكر الأبهري وحمل عنه كتبه وتفقه عليه. وسمع من جماعة بمصر والعراق، ولقي أيضًا من المالكية أحمد بن أبي يعلى الحمادي، وأبا القاسم الجوهري، وابن الوشاء، وأبا إسحاق التمار، وأبا بكر الباقلاني، وسمع أيضًا أبا الفضل الهاشمي، وابن غلبون، والحربي. حدث عنه حاتم الطائي الطرابلسي، وأبو محمد ابن الوليد، وأبو القاسم بن محرز، وتوفي بالمدينة. أبو الحسن علي بن أحمد اللواتي سوسي، كان فقيه بلده في وقته. أخذ عن أبي العباس الإبياني، وابن مسرور، والدباغ، سمع منه أبو عمران الفاسي.

стр. 1240

أبو موسى عيسى ابن القمودي فقيه مالكي من أصحاب الإبياني ﵁. أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي من أئمة المالكية بالمغرب، والمتسمين في العلم، المجيدين للتأليف، أصله من المسيلة، وقيل من بسكرة. كان بطرابلس، وبها أملى كتابه في شرح الموطأ، ثم انتقل الى تلمسان، وكان فقيهًا فاضلًا متفننًا مؤلفًا مجيدًا، له حفظ من اللسان والحديث والنظر، أخذ عنه أبو عبد الله البوني، وعليه تفقه، وألّف كتاب القاضي في شرح الموطأ، والواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على الفكرية، وكتاب الأصول، وكتاب البيان، وكتاب الأموال، وغير ذلك، وبلغني أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد، وبقاؤهم بين أظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك. فأجابوه أسكت لا شيخ لك، أي لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل الى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام، وبقية صالحة للإيمان، وأنهم لو خرج العلماء عن إفريقية لتشرّق من بقي فيها من العامة الألف والآلاف فرجحوا خير الشرين، والله أعلم، حمل عنه أبو عبد الله البوني، وأبو بكر ابن الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد ﵀، وأبو علي ابن الوفاء من أهل بلدنا وغيرهم. قال حاتم الطرابلسي: توفي بتلمسان سنة اثنتين وأربعماية، وقبره عند باب العقبة، ولم يسمع منه

стр. 1241

حاتم وكان حيًا إذ كان حاتم بالقيروان، وقرأت في بعض التواريخ أن وفاته سنة إحدى عشرة والأول أصحّ. أبو موسى بن مناس ﵀ من كبراء فقهاء إفريقية ونبهائها، والمقدّمين بها، وله كلام كثير، وتفسير لمسائل المدونة مسطرة، وقد سمع من البوني ﵁. أبو علي بن خلدون ﵀ من فقهاء إفريقية وعلمائها وصلحائها، من أصحاب أبي الحسن القابسي، كان قد نشأ بإفريقية، جليل القدر في فقهائها، مطاعًا. وكانت العامة تتبعه. وكان شديدًا على أهل البدع والروافض مغريًا بهم، يستند منه أهل السنّة الى ملجأ ووزر، فضجر لذلك شاعر الرافضة المعروف بالباحجوري في قطعة له وهي: عيني من التغميض ممنوعة … ومهجتي بالنار ملذوعة من حسن ظبي حسن وجهه … طرته بالمسك مصنوعة كأنما ذكرى الهوى عنده … ذكرى ابن خلدون لدى الشيعة ذكر الشيخ أبو عمران قال: نزلت بالقيروان مسألة الملاعنة إذا نكلت عن اليمين ثم أرادت الرجوع الى اللعان فاختلفنا فيهعا، فأفتى فيها أبو علي ابن خلدون وغيره أن لها ذلك، كما لها الرجوع بالإقرار المحض، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، وذهب أبو القاسم ابن الكاتب أن الرجم قد وجب عليها، وليس لها الرجوع بعد النكول لأن الزوج لما حقق عليها ما رماها به بالشهادات الأربع صارت تلك الشهادات كأربعة شهدوا على معاينة الزنى

стр. 1242

فعليها أن تأتي بما يقابلها ذلك ويكافئ شهادته، فإن نكلت فكأنها صدقت شهادته، بخلاف مجرد الإقرار، وبه قال أبو عمران، ولابن الكاتب في ذلك تأليف طويل نص فيه فتياه وبيّن وجه قوله. خبر قتله رحمه الله تعالى ولما قتلت الرافضة سنة سبع وأربعماية، وكان ابتداء ذلك يوم الجمعة منتصف محرم مفتتحها، وهو يوم كان وصول المعزّ بن باديس الى القيروان فيه، بعد موت أبيه واستفتاح ولايته، فقتلت العامة الرافضة أبرح قتل بالقيروان، وحرقوهم وانتهبوا أموالهم وهدموا دورهم وقتلوا نساءهم وصبيانهم وجروهم بالأرجل، وكانت صيحة من الله سلطها عليهم، وقال إن عامل القيروان منصور بن رشيق كان يمشي كأنه يسكن الناس وهو يشير على العامة، وأفتق الأمر فلم يقدر السلطان على ضبطه وولي عاملًا آخر فتعذر عليه سده، وخرج الأمر عن القيروان الى المهدية وسائر بلادهم، فقتلوا حيث وجدوا وأحرقوا بالنار فلم يترك أحد منهم بمدن إفريقية وأعمالها إلا من اختفى. ولجأت الرافضة الى مساجد البادية فقتلوا فيها أبرح قتل وهدموا دار الإمارة بالمنصورة، وتعدت العامة ذلك الى جماعة من أهل السنة من غيرهم. فلقد حكي أن العامة جاءت تتعلق برجل منهم اتهموه برأيهم فمروا به على شيخ من العامة بسألهم عن تعلقهم به، فقالوا نسير به الى الفقيه أبي علي ابن خلدون فنأخذ عليه بما يأمرنا به، فقال لهم الشيخ العامي لمَ لا تقتلوه الآن فإن كان رافضيًا أصبتم وإن كان سنيًا عجلتم بروحه الى الجنة من الآن؟ أو كما قال. وحكي أنه رئي يتبع واحدًا منهم ليقتله، فقيل له ما تصنع؟ فقال هذا زنديق يفضّل علي ابن الخطاب على عمر ابن أبي طالب

стр. 1243

أو كما قال بلفظ العامي، فانتقم الله منهم على أيدي عامة المسلمين وقتلوهم كل مقتل، فرعب المعز منهم وأراد كسر شوكتهم فدبر قتل زعيم السنة وشيخ هذه الدعوة. فلما كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال من السنة، أتى عامل القيروان ومعه خيل ورجال فتقدم الى مسجد أبي علي بعد صلاة العصر وهو جالس وعنده جماعة، فطلع بعض رجالاته الى المسجد فقتلوا أبا محمد ابن العرب جليسه وهم يظنونه أبا علي إذ احتقرت عيونهم أبا علي لكونه سناطًا فلم يظنوه صاحب المجلس، وخرجوا، فلما عرفوا أنه ليس إياه رجعوا فقتلوا أبا علي وتعاودوه بسكاكينهم وجرحوا جماعة ممن في المسجد فحمل الى داره به حشاشة فتوفي في ليلته، وارتجت المدينة وثارت الصيحة من نواحي القيروان فمال أهل المنصورة من الرجال والعبيد فنهبوا جميع ما في حوانيتها، حتى لم يدعوا حانوتًا، وألقيت النار في كبار الأسواق، ونهبت أموال التجار، وكانوا آمنين وأموالهم بحوانيتهم، فذهل الناس وخرجوا، وشغلوا بأنفسهم عن ذكر أبي علي وخبره، فطاح بهذه السبيل دمه، وأراد عامل البلد استرضاء الناس فجاء برجلين وقال إنهما اللذان قتلاه فقتلهما، ودفن أبو علي بالليل، وفي ذلك يقول الحصري أبو إسحاق الأديب من رثاء فيه: دفنوا صبحهم بليل وجاءوا … حين لا صبح يطلبون الصباحا ومن رثاء ابن الوراق فيه: مضرج بدم الإسلام، مهجته … من بين أحشاء دين الله تنتزع والمراثي فيه كثيرة منها لابن جرمون قصيدة أولها: جفوني لا تدري الدموع بأسحم … ونفسي ألا تلتظي فتضرمي فلا وجد إلا أن تفيضي من الأسى … ولا دمع إلا أن يكون مع الدم

стр. 1244

وقال ابن يحيى في قصيدة: وأكون متبعًا لأشنع سنة … قبلي العالم أبو تمام للبست لبس الثاكلات وجئت في … سود السلاب بكاة من حام أبو جعفر عمر بن مثنى كان أبوه من جلّة أصحاب عيسى بن مسكين، مات وتركه صغيرًا، فربّاه الشيخ أبو الحارث ليث بن محمد الفقيه، قال اللبيدي: وكان عمر من العلماء بالقراءة، يجيد رواية ورش، مقدمًا في الإعراب، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والخاص والعام والتفسير والغريب والحساب والفرائض ودرس الفقه، سمعت أبا محمد الصدفي يقول: ما رأيت في خارج إفريقية أعلم منه وكان قد لزم السكنى بعد مسرة بن مسلم بقصر زياد يؤمد فيه ويطلب عليه الناس منقطعًا في العبادة، ما رأيته ضاحكًا قط، ولا كان يبتسم ولا يتكلم يما لا يعنيه، إنما كان يجلس لقراءة القرآن، ومذاكرة العلم، وينزوي للصلاة والذكر، وكان من أعلم الناس بالوثائق والبلاغة في الترسيل، وحجب أيضًا حمدون بن مجاهد، ومحمد بن عبد الرحيم بن عبد ربه، وكان خاصة بأبي إسحاق الجبنياني ينشط إليه ما لا ينشط الى غيره رحمه الله تعالى. من أقصى المغرب أحمد بن خلف المسيلي أبو جعفر يعرف بالخياط، من أهل العدوة ودخل الأندلس فاستوطنها، قال ابن الفرضي كان فقيهًا عالمًا بالمسائل حافظًا لها، حسن التكلم في الفقه على مذهب مالك، وكان ورعًا زاهدًا فاضلًا، دخل الأندلس، وسكن

стр. 1245

الثغر أعوامًا كثيرة. وكان منسوبًا الى البأس والنجدة، وتوفي ﵀ بقرطبة في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلاثماية، ﵀. عبد الله بن الزويزي بزاءين، قاضي أصيلا من بلد المغرب، مشهور الاسم بعيد الصيت في الفتيا والذكر بالعلم، وبه يضرب المثل الى الآن بالمغرب، فيقول لا أفعل كذا لو أفتاك به ابن الزويزي، وله مع بني عامر غزوات بثغور الأندلس ﵀. أبو سعيد خلف بن مسعود الرعيني يعرف بابن أمنية من أهل المغرب، ودخل الأندلس. فنزل مالقة. قال ابن حيان: كان من أهل الرواية والعلم وذا لسان وعارضة، وقدم قرطبة سنة ثلاث وتسعين، فحمل عنه بها علم كثير، وكانت له بها من ابن ذكوان مكانة. فلما ثارت الفتنة بقرطبة وقاموا على البربر أول قيام المهدي اتصلت الثورة بالأندلس فأغرى العامة بعض أعدائه فشدخوه بالحجارة، وقيل إنهم لما أرادوا قتله سألهم أن يمهلوه حتى يصلي ركعتين، فأمهلوه، ثم أضجعوه فذبحوه، وطافوا برأسه، وذلك آخر سنة أربعماية، وقد نقل الشيعي عنه في نوازله في مسألة. أبو بكر محمد بن عيسى ﵀ ويعرف بابن زويع، من أهل سبتة، وقال أبو حيان: ابن زويعة، من

стр. 1246

أهل العلم والأدب، وأجلّ قضاة سبتة، وكان تخطط بالشرطة العليا، وقضاء سبتة وأصيلا والمغرب. كذا رأيت السجلات تنعقد عليه، ويقال إن أصله من البصرة، وله رحلة الى الأندلس، ويقال إنه دخل العراق وحجّ ولقي علماء البلاد، ورجع الى قرطبة فاختصّ بابن ذكوان، وهو كان المنوه به لما وجد عنده من العلم، وكان له مال واسع وذلك أن قاضي الجماعة تسلف له مالًا من مال الأحباس بإشبيلية وأخرجه في زيت باسمه فعاد عليه منه عائد كان أصل ماله فيما ذكر، وكان حسن السيرة في قضائه وأيامه مشهورة لعلو مكانه، وسعة علمه، وبعد صيته، قال لي بعض الشيوخ وكان متفننًا في علمه نظارًا صاحب حجة وجدل عالمًا بالحديث، قال ابن حيان: وكانت له منزلة عالية عند سلطان الأندلس متمكن الأسباب لديه وهو آخر قضاة بني أمية بسبتة. قال أبو مروان ابن حيان: وكان من وجوه أصحاب ابن ذكوان وله في العلم والعفة والصرامة درجة سامية، وقدم صدق أدنته الى المنية، وقال: وقلده المظفر قضاء سبتة بلده وعمله، بإرشاد ابن ذكوان إليه، وذلك عند اختياره لخطة القضاء أهلها، فحمدت ولايته واتصلت الى أن قامت الفتنة، وسما قاسم بن حمود الى الخلاف على بني مروان بسبتة فكان من قاضيها هذا عنه بعض التأخر، فأغرى به العامة بقتله ورعب الناس بقتله فلم يختلوا عليه، وخبره مشهور في الجزالة، وما قاله ابن حيان من إغرائه للعامة غير صحيح، فقد كان أجل في قلوبها من ذلك وإنما قتلته رجال بني حمود والصحيح أن الآمر بقتله علي بن حمود أخو قاسم، وذلك بعد الأربعماية، وقد بسطت أخباره في ذكر قضاة سبتة من تاريخها.

стр. 1247

أبو مروان عبد الملك الكوري من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد ﵀، من فقهاء فاس، ومعظمها بعدوة الأندلس منها، وبه تفقه عثمان بن مالك، وغيره من الفاسيين، وتوفي سنة سبع وأربعماية. يحيى بن تمام ﵀ من فقهاء سبتة في هذا الحين، قال أبو بكر الحسن بن مفرج القيسي كان من فقهائها مشهورًا بالعلم بها، وهو صاحب مسألة الشفعة في الصدقة، وقد ذكرناها في أخبار أبي عمر ابن المكوي ﵀. من أهل الأندلس القاضي أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب بن يزيد قرطبي، كان أبوه يبقى أحد قراء القرآن للناس، قال ابن الفرضي: سمع من قاسم بن أصبغ، ومحمد بن عبد الله بن أبي دليم وطبقتهما، وعني بالرأي فتقدم فيه. وكان تفقه عند اللؤلؤي، وأبي ابراهيم، واللؤلؤي هو المنوه به. وكان ابن زرب من أحفظ أهل زمانه لمسائل مذهب مالك وأفقههم به. وعليه كان مدار طلبه في المناظرة، وكان الفقه جلّ علمه، ولم تكن له رحلة ولا رواية، كان القاضي ابن السليم يقول له: لو رآك عبد الرحمن ابن القاسم لعجب منك يا أبا بكر، وشوّر في الأحكام أيام ابن السليم قبل أبي عمر ابن المكوى سنة ستين، فلما مات وليَ مكانه قضاء الجماعة سنة سبع وستين الى أن مات. قال غير واحد: كان ابن زرب مع علمه عالمًا مجتهدًا ورعًا عفيفًا كثير الصلاة والتلاوة، بصيرًا بالعربية والحساب، حسن

стр. 1248

الخطابة، قريب الدمعة، بعيد المنظر، دقيق التفقه، مستبحرًا في المسائل، حافظًا للأصول حاذقًا بالفنون، كثير الاقتداء، متثبتًا في أحكامه، وإليه كانت الخطبة والصلاة، وألّف كتاب الخصال المشهور في الفقه على مذهب مالك عارض به كتاب الخصال لابن كاوس الحنفي، فجاء غاية في الإتقان، وله كتاب في الردّ على ابن مسرة، وكان آخر حاله قد فرّ الى العمل وجدّ في القيام وأكثر الاستغفار، حتى قيل إنه كان يختم القرآن كل ليلة. ويقال إن سبب ذلك حضوره المجلس الذي عقده ابن أبي عامر وذلك لتهمتهم في القيام على هشام الخليفة، وإقرار عبد الملك بذلك على نفسه. ويقال إن القاضي كان نزع عندما استفتي بالآية: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، وقيل نزع بها غيره، نكث ابن منذر لإقراره حتى زجره ابن أبي عامر، وقال له تريد أن تشككه في نفسه يا قاضي هو أعلم بما أقر به على نفسه، فرخص القاضي ﵀ ونفذ قتل ابن منذر وصلبه. سيرته ﵁ قال ابن حيان: سمعت المشيخة ﵃ يقولون إنه لما وليَ القضاء احتبس خواص أصحابه المشاورين وقد جاءوه مهنئين، فأمر غلامه فكشف عن مال عظيم في صندوق وقال يا أصحابنا قد عرفتم ما امتحن به من تولى القضاء قديمًا من سوء الظنة، وأخشى أن أطرق الناس على عرضي. وهذا حاصلي ورزقي هذا من الصندوق، وفي مخازني ما يفي بقيمته، وحظي من التجارة ما عرفتم، فإن فشى من مالي ما يناسب هذه الجملة فلا لوم، وإن تباعد ذلك فقد وجب مقتي فاسألوا الله تخليصي مما نشبت فيه. وكان

стр. 1249

ابن زرب لا يجلس للحكومة حتى يأكل. وكان موصوفًا بطيب الطعام، له منه ومن الحلوى والفاكهة وظيفة معلومة، كان لا يؤاكل أحدًا إذا قرّب عامه قرمًا عليه، دون أن يستدعي أحدًا، فلما كان أحد الأيام حضره المتطيب الترجلي وكان يخف عليه فقرع عليه وقال لا أريد فقال المتطيب فما قولك لمن يريده فقال نعمى عين ومسرة وعلي أن تأكل وحدك فلا فضل في الأكل. فقال المتطيب تكفاه، فضحك وأمر فتاه بإخراج المائدة فقدمها عليها ثريدة صغيرة من درمك مكللة بلحم خروف الصنعة، ثم بعدها جنب خروف مشوي برغيف درمك، فقال: هذا طعامي الذي يكثر عليّ فيه، لونان كل وقت لا أزيد عليهما، ولا سرف في لونين. فقال له: أيها القاضي أمن أصل تقوله؟ قال نعم، ورفع فيه حديًا لبعض السلف، لم يذكره الراوي: قال ابن الفرضي: وكان بعيدًا من الحيف في أحكامه وفيه سلامة حال، قال غيره: كان كريم العناية نفاعًا لمن صحبه وكان ابن أبي عامر يعظمه ويستحسنه ويتحرك إليه إذا أتاه ويجلسه معه في فراشه، لم يقبّل له ابن زرب يدًا قط عند أخذه أهل مملكته، ولما أشهر ابن أبي عامر جامع الزاهرة واستشار الفقهاء في التجميع فيه أفتى القاضي بمنع ذلك وقال بقوله ابنا ذكوان، وابن المكوى، وابن وافد، وابن الفرج الطائي، وجماعة، وساعده ابن العطار على التجميع فاستحيى خلاف ابن زرب وآدابه كثيرة، وتوفي ﵀ في رمضان سنة إحدى وثمانين، ومولده في رمضان سنة سبع عشرة وثلاثماية. وتفاقده الناس وأثنوا عليه حسنًا، وأظهر ابن أبي عامر لموته غمًا شديدًا. وكتب لورثته كتاب حفظ ورعاية انتفعوا به، وتفقدهم في حياته، واستدعى ابنه محمدًا وهو طفل ابن ثلاثة أعوام فوصله بثلاثة آلاف دينار والطاف قيمتها ألف دينار، قال القاضي غريب بن محمد: رأيت ابن زرب بعد وفاته، فسألته؟ فقال: ما وجدت شيئًا أضرّ من

стр. 1250

الاختلاف الى أبواب الملوك، وقال المقرئ الباقلاني: سألته في النوم؟ فقال ما وجدت أنفع من قراءة القرآن، وكانت ولايته في القضاء أربعة عشر عامًا. محمد بن عبيد الله بن الوليد المعيطي أبو بكر، من أبناء الأشراف وأعيان الفقهاء الأخيار. سمع من أبيه ووهب وابن الخراز القروي، وابن سعيد، والمحيلي، وأبي ابراهيم الطليطلي، قال ابن الفرضي: وكان حافظًا للفقه، عالمًا بمذهب مالك وأصحابه. قدم الى الشورى وهو ابن ثلاثين سنة. وكان ورعًا زاهدًا وصار في آخر عمره متبتلًا منقطعًا معتزلًا عن جميع الناس. قال غيره: وكان ثبتًا سليمًا طرح الدنيا عندما تمت له. وصارت إليه رئاسة قرطبة بالعلم والشرف والقرب من الخليفة، وصيّر قاضي الجماعة فزهد في ذلك كله في عنفوان شبابه، فلزم بيته وأطرح السلطان والفتيا، وعهد ضيعته، وباع دابة ركوبه، ولزم غرفة باب داره منفرًا لعبادة ربه، ويأكل ما يصنع بيده مثل بقل الفحص وما أشبه ذلك، ولبس الصوف وتوسّد الأرض، واعتزل امرأته باختيارها المقام معه، وكان لا يجالس أحدًا البتة. قال القاضي موسى: كان أبو بكر فقيهًا قد عني بالحديث والمسائل، وكان ذا رئاسة في العلم والخبر، وشوّر وعظم جاهه، ثم أوقع الله تعالى في نفسه حب الآخرة والزهد في الدنيا، فزهد في الدنيا ولزم العبادة الى أن مات. وكان ابتداء تبتله عند انصرافه من دفن أبي بكر البيري الزاهد صاحبه، وكان يجالسه، وهو سهّل الطريق له الى العبادة بتدريج حتى تم له مراده، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، حتى مات. وكان يخدمه أيام نسكه أبو بكر القرشي الزاهد، قال القاضي يونس الصفار: فعدت الى المعيطي في تبتله مرة في الجامع فوجدته على ما

стр. 1251

عهدته من الانبساط إليّ وكان بيننا المرافقة في طلب العلم، فذاكرته بحديث نقله ابن أبي الدنيا في أن الشاب إذا صدق في توبته عجلت منيته، فسرّ به وسألني أن أرسل إليه بالكتاب الذي وجدته فيه، فما عاش بعد ذلك إلا نحو شهرين ومات، وما رجع إليّ الكتاب إلا بعد موته وكان موته بعد انقباضه بسبعة عشر شهرًا رحمه الله تعالى. خبر تأليف كتاب الاستيعاب لقول مالك ﵁ كان ساقطًا الى الحكم أمير المؤمنين كتاب من رأي مالك، ابتدأه بعض أصحاب اسماعيل القاضي، وبوبه وقدره ديوانًا جامعًا لقول ملك خصة، لا يشاركه فيه قول أحد من أصحابه باختلاف الروايات عنه، وذكر من رواها: مضى للمؤلف منه مقدار خمسة أجزاء أو نحوها، واخترمته المنية عن تمامه فلما رآه الحكم أعجبته بساطته وحرص على إكمال الفائدة به فذاكر به قاضيه ابن السليم وسأله هل عندهم من يكمله على الرغبة؟ فقال له: نعم بشرط إباحة أمير المؤمنين خزانة كتبه للبحث عن أقوال مالك حيث كانت، روايات المكيين والمدنيين والعراقيين والمصريين والقرويين والأندلسيين وغيرهم، فقال له الحكم: افعل ذلك على ضنانتي بها حرصًا على إكمال الفائدة. فسمى له الفقيهين أبا بكر المعيطي القرشي هذا، وأبا عمر ابن المكوى فمكنهما من الأسمعة وما جانسها فاقتدرا منها على ما أراداه، وألّفا كتاب الاستيعاب الكبير في مائة جزء، بلغا فيه النهاية، وكان بين أيديهما راوٍ مجيد لتبييض ما يودانه، فكان ابن المكوى أولًا يقدم القرشي لنسبه ويقدم اسمه عليه فيما يتكلمان فيه فيقول: قال محمد حتى وقع بينهما شيء فأنف أبو عمر من تقديم اسمه عليه لسنّه وعلمه فجعل يقدم نفسه فيما يكتب ويملي، وعارضه الآخر بمثل

стр. 1252

ذلك وأنكر الحكم اختلافهما في ذلك بحجة تقديم القرشي لنسبه. وأقرّ قاضيه - ابن السليم - بإصلاح بينهما وجمعهما على ما أمر به، فصلحت حالهما، فلما تم الكتاب سُرّ به ووصل كل واحد منهما بألف دينار ومنديل بكسوة، وقدمهما الى الشورى. وفاته ﵁ واخترم المعيطي قبل أقرانه، فكانت وفاته في ذي القعدة سنة سبع وستين وثلاثماية، وأبوه عبيد الله حي وهو الذي صلى عليه، وسنّه نيف على الأربعين سنة، مولده سنة سبع وعشرين في صفر منها، وكان له ابن يسمى عبد الله ويكنى بأبي مروان، قال ابن حيان: كان حافظًا عالمًا ورعًا فاضلًا عظيم الصدقة من بيت علم وفقه وعبادة، بشر بخير قبل موته. وشاوره سليمان المستعين في أيامه وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسماية، وسنّه ثلاث وأربعين سنة، قال بعضهم حضرت يوم موت أبي بكر المعيطي وهو يغسل إذ نظرت في قبلة حائط بيته مكتوبًا بخطه: من رجال شيئًا طلبه ومن خاف شيئًا هرب منه. فقلت: أنت والله ذلك الطالب الهارب يا أبا بكر، فنفعك الله بذلك. أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوى، مولى بني أمية، وسكن قرطبة، شيخ فقهاء الأندلس في وقته، تفقه بأبي ابراهيم وصحبه، وكان أبو إبراهيم يتفرس فيه النجابة فحرضه واعتنى به، وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره لا يفتر عنه ليله ونهاره، ورجعت فيه لذته، وكان أول أمره ضعيف الحفظ قليل

стр. 1253

العلم، فلم يزل أبو ابراهيم عليه بالدرب والتحريض على المطالعة وإقامة الدرس حتى فتح عليه، وكان أول طلبه ممكنًا في عيشه يتجر في سوق البزازين لا يفارق أثناء ذلك المطالعة في جلوسه وحركته، فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا الى فتواه قلده الحكم الشورى، وقرر القاضي ابن السليم أمره للحكم فأخرج له ألف دينار فلما رآها هالته، قال: كنت أرى القيامة قد قامت وأنا أساق الى العرض، فكنت أسير وأجد في نفسي قوة فإن أمري على دين الإسلام، فكنت أقف بين يدي العرض فأحاسب يسيرًا، ثم يقال لي أقعد فأنت آمن، ثم يؤتى بصكوك كثيرة، فيقال لي خذ كتابك فأقبض يدي ثم الثانية فلا آخذه ثم الثالثة فكنت كذلك ثم استيقظت، وبي رجف من الفزع فلم يلهني، فانقطع بعد هذه الرؤيا ولم تبق من نفسه بقية الى أن مات، ذكر أن صديقًا له قصده في عيد زائرًا له فأصابه داخل داره ودربه مفتوح، فجلس منتظره وأبطأ عليه، فأوصى إليه فخرج وهو ينظر في كتاب فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه لاشتغال باله بالكتاب، فتنبّه حينئذ له، وسلم عليه، واعتذر إليه من احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يمكنه تركها حتى فتحها الله عليه، فقال له الرجل: في أيام عيد ووقت راحة مسنونة؟ فقال: إذا علمت بهذه النفس انصبت الى هذه المعرفة، والله ما لي راحة ولا لذة في غير النظر والقراءة. قال ابن عفيف: إليه انتهت رئاسة العلم بالأندلس حتى صار بمثابة يحيى بن يحيى في زمانه، واعتلى على جميع الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه، فحكم على الحاكم، وبعد صيته بالأندلس، وحاز رئاسة أحاديثها مشهورة، وكان ﵀ من ذوي المتانة في دينه والصلابة في رأيه والبعد عن هوى نفسه، لا يداهن السلطان، ولا يدع صدعه بالحق، كان البعيد والقريب عنده في الحق سواء.

стр. 1254

ذكر مكانه من العلم ﵀ قال ابن مفرج: وكان أفقه أهل زمانه، وأتقنهم للرأي، وكان أحفظ الناس لمذهب مالك ﵀، واختلاف أصحابه، لا يلحقه أحد من المتقدمين في عصره، ولا يقوم به أحد من طبقته، وكان متفننًا في علوم الشريعة، وأطلب الناس لنجاة الناس عند مضائق الفتيا. وكان في الحفظ آية من آيات الله . أقرّ له أصحابه كلهم بذلك. وكانوا يقولون: أبو عمر ابن المكوي أحفظ منا للعلم كثيرًا. وسمع أبو محمد ابن الشقاق الفقيه يوم دفنه يقول على قبره: رحمك الله يا أبا عمر، فلقد فضحت الفقهاء بقوة حفظك في حياتك، ولتفضحهم بعد مماتك، أشهد أني ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة كحفظك، ولا علم من وجوهها كعلمك. وكان ابن زرب على تقدمه يعترف له بذلك. ولقد قال يومًا لأصحابه، بعد خروجه عنه وثنائه عليه في وجهه: يا أصحابنا الحقُّ خيرُ ما قيل، أبو حمر والله أحفظ منا كلنا. ولقد كانت أعيتهم مسألة عويصة، فسأله القاضي، هل يذكرها قال نعم، في كتاب كذا من المبسوط في باب كذا آخر مسألة منه، أو كما قال. فطلب منه الكتاب فإذا بها كما ذكرها، قال غيره: وعلى أبي عمر دارت الفتيا بالأندلس أجمع الى أن هلك، وكان في ذريته فيما جرى على يديه أحصى العجائب، وكان تمامًا في ذهنه وفطنته، لطيف الحياة في الإصلاح بين الناس. قال أحمد بن الليث: كان أبو عمر من أهل الحفظ والفهم الثاقب، مع الذكاء والفطنة وحدة الذهن، حتى كان يشبه بإياس بن معاوية ونظرائه. ظهرت له من ذلك في فتاويه أمور عجيبة، قال القاضي أبو الفضل عياض ﵁: وعظم قدر أبي عمر بالأندلس كلها، وصار معتمدًا لجميع قضاتها وحكامها فيما اختلفوا فيه. ودعاه ابن أبي عامر الى تقليد قضاء الجماعة

стр. 1255

مرتين، إحداهما عند وفاة ابن زرب والأخرى عند عزل ابن برطال بعدها فأبى من ذلك في المرتين أشد إباء، وأغلظ القسم ألا يلي القضاء ولا شيئًا من الأحكام أبدًا، وهو الذي أسند إليه الحكم تأليف كتاب الاستيعاب الذي قدمنا ذكره، مع أبي بكر المعيطي. قال ابن حيان، وكان في أول حاله لم يأخذ نفسه بتثقيف علم اللسان فراغت في فتاويه غرائب من لحنه، بقاها عليه أصحابه ثم فطن لنفسه، فأشاع ذكر مرض حبس نفسه فيه شهرًا عاكفًا على كتاب سيبويه، فخرج مكتفيًا من علم النحو لقوة حفظه وتقرب فهمه، فصلحت حالاته. وكان مما أعانه على سعة المطالعة، أنه تخير هو وقوم من الفقهاء صدر خلافة هشام أيام ابن أبي عامر لامتحان خزانة العلم، وتفتيش ما يعرض فيها من آلاته وردها الى مواضعها مرتبة الى أشكالها، معهم من الفتيان طائفة يتولون ذلك بين أيديهم، فاستجاب أبو عمر لما كلف من ذلك، على بعده من الالتباس بعمل السلطان، لما رجا في ذلك من المطالعة للغرائب، التي جلبها الحكم، واقتدر منها على ما لم يقدر عليه سواه، مما كان أبو عمر يتشوق إليه، فرغب أبو عمر الى أصحابه أن يعفوه من مباشرة ما اشتغلوا به من التأليف، ويتركوه والمطالعة، فاستوسع في ذلك وطالت مدة عملهم في ذلك، لكثرة هذه الكتب، ووفور خزانتها حولًا كاملًا وفوقه، فحصل للشيخ من ذلك ما أمله، وكان عظيم التذكر، حسن الحفظ، بطيء النسيان، وكان يتكلم عنده يوم الإثنين في الموطأ، وما شاكله، ويوم الثلاثاء في المدونة والمستخرجة وما جانسهما، فكان النبلاء من أصحابه كابن الشفاء، وابن دحون وأمثالهما من الأكياس والحفاظ، يتظاهرون عليه، لينشروا حفظه، فإذا جرت المسألة وأمعن القول فيها الى أبي عمر وترجيحه،

стр. 1256

بدر كلٌّ من أولئك الحفاظ الى ما يغرب من قولة شاذة، فينصت أبو عمر الى كل ما يقوله كل منهم، حتى يستوفي كلامهم. ثم يرد على كل واحد فيما أغرب به، ويفصل له أمكنته ونسبته الى قائله. ويذكر الاختيار من ذلك من قول الأصحاب كأنما ينظر في صحيفة، ثم يجرد إثر ذلك هو اختياره فيريهم العجب، من كل فعله. ومن غرائب فتاويه ونزعاته ﵀، كان أبو عمر لكثرة حفظه، وقوة درايته، لا يبطئ بالفتاوي ولا يطيل حسبما عند نفسه، بل يجيب لوقت أو يومه، ومن نوادر ما أفتاه أبو عمر فتواه في امرأة حرة بقرطبة، لها ابنة مملوكة صبية باعها مولاها من رجل يخرجها عن قرطبة، فشكت أمها ذلك فأفتى بمنعه من إخراجها وبيعها على مشتريها، وخالفه في ذلك القاضي ابن زرب وغيره من الفقهاء، فأخذ فيها ابن أبي عامر بقول أبي عمر. ومنها مسألة وقعت ببلدنا بسبتة وهي إذ ذاك من عمل صاحب الأندلس، وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام من أهلها، اشترى حصة من حمّام فيه شرك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه، ليقطع شفعة الشريك، فقام الشريك بشفعته، فأفتى الفقهاء بها إذ ذاك كلهم بقطع الشفعة، إذ لا شفعة في الصدقة. فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة بقرطبة. فرفع إليهم السؤال على وجهه، وبدأ بالشيخ أبو عمر فوقع أسفلها: هذا من حيل الفجار، وأرى الشفعة واجبة. فلما رأى ابن تمام جوابه، قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحه، والحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك. ومن غرائب فتاويه التي زاحم فيها ابن أبي عامر، قصة عبد الملك بن منذر البلوطي وكان يتولى

стр. 1257

الرد بقرطبة وكان من صنائع الحكم، فلما تغلب ابن أبي عامر على الأمر واتخذ لنفسه صنائع، وحجر على هشام الأمير وهويت قلوب الناس إليه فكانوا يتربصون به الدوائر، واجتمع جماعة من وجوه الناس على النكث بهذه الطبقة المستغربة، والبطش بهذا الخليفة المستضعف، والبطش بابن أبي عامر وقتله، والقيام بغيره. وكان ابن منذر المتولي لكبر القصة فوقع ابن أبي عامر على الخبر وعلى كتاب بخط ابن منذر في القصة، وجمع الفقهاء والقاضي ابن زرب للشورى في أمرهم. وقد أقر ابن منذر بالأمر على نفسه، وأن الكتاب خطه. فأفتى بعض الفقهاء فيهم بحكم المحاربة، لما سعوه من الفساد في الأرض. وتوقف آخرون، منهم القاضي وألحّ ابن أبي عامر، على أبي عمر ابن المكوى واضطره الى القول فيها. فقال: ما أرى عليه شيئًا، هو رجل همّ بمعصية فلم يفعلها. ولم يجرد سيفًا، ولا أخاف سبيلًا. إنه ممن قال فيه ﷺ : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فخرج أمر السلطان بعد ذلك بطلب ابن المنذر، فنفذ ذلك في الحين وانقبض ابن المكوى في داره، وادعى مرضًا نحوًا من شهرين فلم يفتِ أحدًا، ولا خرج لمن أتاه، إنكارًا لما جرى على صاحبهم، ابن المنذر. وإذ لم يؤخذ فيه برأيه وتوقعًا لشر ابن أبي عامر، الى أن تقادم العهد وخشي زيادة وحشة ابن أبي عامر، فعاد لحاله. ومن غرائب ذكائه وتلطفه، أن بعض الحكام وجه الى امرأة معها بنية تطلب فرضها من أبيها، والرجل ينكر أن تكون ابنته، فلم يزل به يعظه، ويخوفه، ويستلطفه، ولا تنفعه رأفة فيه، وكانت عادته الصبر في مثل هذا. الى أن أخذ أبو عمر الطفلة، وكانت حسنة الصورة،

стр. 1258

عليها فروة جديدة فأجلسها في حجره، وجعل يمسح عليها، ويثني على حسنها، ويترصد غفلة الرجل، الى أن رآه مطرقًا غافلًا فقال: حتى فروها مشاكل لها، أحسن في شرائه أخلف الله له، ثم قال له مستعجلًا بكم بالله اشتريته؟ فقال - من غير روية -: بعشرة دراهم فقال: أحسنت قم فأفرض لابنتك بأقل ما يلزمك كذا. فخجل الرجل وأذعن. ومثل ذلك قصة أخرى في رجلين رفعا إليه من العامة أحدهما يدعي رق الآخر، وأنه ابن أمته، منذ زمان حتى عرفه الآن وهو في زي التجار. فأخذ الشيخ في ألطافهما ووعظهما فلا يلقى منهما إلا الإصرار فتفرس في المدعى قوة أدّته الى طول مراوضتهما فلعله يظفر ببغيته، فجعل يكلمهما معًا ومنفردين في الرجوع الى الحق فلا يغيبه، فكان فيما سأل عنه المدعي أن قال له: كيف كان اسمه عندك؟ فقال: رزق، قال فاكتم هذا، وكان قد تسمى بأحمد، وعاد الى شأنه من مراوضتهما الى أن أظهر الضجر وقال: أصرفهما يا غلام وعرف الحكم أني ما أجد على المدعي عليه حجة، ولا شبهة توجب شيئًا غير ضامن يأخذه عليه، الى أن يظهر غير هذا فانطلقا عنه، وقد علت المدعي فترة أكسبت العبد طمعًا ألقاه في الغفلة، فلما ولوه ظهرهما نادى الفقيه: يا رزق فلبّاه نعم يا سيدي، فقال له: طال ما أعييتنا يا كذا أطع مولاك وقال لمولاه: خذ بيد عبدك، فبهت العبد وانقاد لسيده فمضى معه. وفاته ﵁ توفي أبو عمر ﵀ أول انبعاث الفتنة البربرية بقرطبة، في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعماية فجأة. ويقال إن سبب موته ما جرى على

стр. 1259

أصحابه، زعماء قرطبة بني ذكوان عند نكبتهم، وتسييرهم عن الأندلس. وأعظم الناس ما جرى عليهم، وذهلوا لعظمهم في أنفسهم، فيقال إن موته كان بعد تسييرهم عن الأندلس بيوم والله أعلم. مولده سنة أربع وعشرين وثلاثماية وذكر ابن أخيه أبو الأصبغ قال: كان عمي من أشد الناس رضاء عن ابن المسيب وأحرصهم على اقتفاء أثره وسيرته، لا يزال يذكره ويحفظ أخباره، ويثني عليه. فلما احتضر رأيناه تبسم وسلم ويشير بإصبعه، ويقول انزل يا سيدي رضي الله عنك إلي الساعة أقوم معك - بكلام خفي - فسئل فقال: هذا سعيد بن المسيب معي جاءني، ثم قبض رحمه الله، وترك ابنًا اسمه عبد الله وليَ قضاء قرطبة أيام بني جهور بعد ولد ابن ذكوان، وكان صارمًا في حكومته، عفيفًا مستقيمًا، خلوًا من المعرفة أجلس معه أبو عمر ابن القطان لفتواه، وتسديد أحكامه، وتوفي سنة تسع وأربعين. أبو محمد الأصيلي ﵀ واسمه عبد الله بن ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر. قال ابن مفرج: أصله من كورة شذونة. وقال ابن الحذاء: أصله من الجزيرة الخضراء. وكان جده من مسالمة أهل الذمة، ورحل به الى أصيلا دخل من بلاد العدوة فسكنها. ونشأ أبو محمد بها وطلب العلم بالآفاق. ويقال بل ولد بأصيلا فيما قاله ابن عائد. قال ابن الفرضي: أخبرني أنه دخل قرطبة سنة اثنتين وأربعين وثلاثماية. قال ابن الحذاء: وكان أبوه وراقًا للحكم. قال ابن

стр. 1260

عائد: تفقه أبو محمد بقرطبة منذ صباه بشيخيها اللؤلؤي وأبي ابراهيم وسمع ابن حزم وابن المشاط والقاضي ابن السليم وابن الأحمق وأبان بن عيسى بن دينار الأصغر ونظرائهم. وأخذ عن وهب بن مسرة الحجازي بوادي الحجارة، وعن ابن فحلون ببجانة. ورحل الى المشرق سنة اثنتين وخمسين وثلاثماية. وقال ابن الفرضي: سنة إحدى وخمسين وثلاثماية فلقي شيوخ إفريقية كأبي العباس الإبياني التونسي وأبي العرب التميمي، وعلي بن مسرور، وعبد الله بن أبي زيد ﵀. وكتب عنه ابن أبي زيد عن شيوخه الأندلسيين، ولقي بمصر القاضي أبا الطاهر البغدادي، وابن رشيق، وحمزة الحافظ وأبا إسحاق ابن شعبان، ومحمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري وأبا أحمد بن المصف وغيرهم. وحجّ سنة ثلاث وخمسين فلقي بمكة أبا زيد المروزي، سمع منه البخاري وأبا بكر الآجري. وبالمدينة قاضيها أبا مروان المالكي، وسار الى العراق فلقي بها الأبهري رئيس المالكية، وأخذ عنه الأبهري أيضًا. وسمع من الدارقطني، وسمع منه الدارقطني أيضًا. وقد حدث عنه كثيرًا في كتابه في الرواة عن مالك وسمع بها من أحمد بن يوسف ابن خلاد، وأبي علي الصواف، وأبي بكر الشافعي وغير واحد واضطرب بالمشرق مدة طويلة. قال أبو عمر ابن الحذاء: أقام بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا، وسمع ببغداد عرضته الثانية في البخاري، من ابن زيد، وسمعه أيضًا من أبي أحمد الجرجاني، وهما شيخاه في البخاري وعليهما يعتمد. قال في كتاب ابن مفرج: وسمع به الحكم وهو بالشرق مدة طويلة فأقبل الى

стр. 1261

الأندلس فلما وصل المرية مات الحكم، فانعكس أمل الأصيلي وبقي حائرًا هائمًا. نهض الى قرطبة ونشر بها علمه، فسار ذكره. وشرق به فقهاء البلد فبقي مدة مضاعًا حتى همّ بالانصراف الى المشرق، الى أن عرفه ابن أبي عامر فنوه به وأمر بإجراء الرزق عليه، باسم المقابلة. ثم ارتقت حاله بتقليده الشورى فنبّه حاله على غيره، انصرف الى الأندلس إثر موت الخليفة الحكم سنة ست وستين. فأقام بقرطبة وابن أبي عامر على غاية التعظيم له. وسمع منه عالم كثير وبه تفقه أبو عمران الفاسي وغيره. جمل من ثناء الجلة عليه وذكر علمه وفضله وشيء من فتاويه واختياراته قال أبو إسحاق الشيرازي: وممن انتهى إليه هذا الأمر من المالكية بالأندلس أبو محمد الأصيلي، وانتهت إليه الرئاسة، قال ابن عفيف: رحل وتفقه فاحتوى على علم عظيم، وقدم الأندلس ولا نظير له فيها في الفهم والنبل، قال غيره: كان من جلة العلماء نسيج وحده، رحل الى الأمصار ولقي الرجال وتفنن في الرأي ونقد الحديث وعلله وألف كتبًا نافعة. قال ابن الفرضي: كان عالمًا بالكلام والنظر منسوبًا الى معرفة الحديث. وجمع كتابًا في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة سماه الدلائل، وحفظت عليه شيئًا - يعني فيما خالف فيه أهل الحديث - من العقود فذكرها. قال ابن الحذاء وذكره: لم ألق مثله في علمه بالحديث ومعانيه وعلله ورجاله، وقال ابن المهلب: وذكر مشيخته، فقال: فأجلّهم علمًا، وفقهًا، وأثبتهم نقلًا،

стр. 1262

وأصحهم ضبطًا، وأرفعهم حالًا، وأعدلهم قولًا، أبو محمد الأصيلي. وقال ابن حيان: كان أبو محمد في حفظ الحديث، ومعرفة الرجال، والإتقان للنقل، والبصر بالنقد، والحفظ للأصول، والحذق برأي أهل المدينة، والقيام بمذهب المالكية، والجدل فيه على أصول البغداديين، فردًا لا نظير له في زمانه. بلغني من غير واحد أنه وجد في كتب الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أرَ مثله. قال غيره: كان الأصيلي من حفاظ رأي مالك، والمتكلم على الأصول وترك التقليد، من أعلم الناس في الحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله، ويحض أصحابه عليه، ولا يرى أن من خلا من علمه فقيهًا على حال، ولما ورد أبو يحيى ابن الأشج من أهل المشرق وكان قد روى كتاب البخاري سئل إسماعه فقال: لا يراني الله أحدث به والأصيلي حي أبدًا. فلما مات الأصيلي أسعف، قال أبو الوليد: لما دخلت القيروان أتيت أبا محمد ابن أبي زيد فقال لي: ما حاجتك؟ قلت: الأخذ عنك. فقال لي: ألم يقدم عليك الأصيلي؟ قلت: بلى، قال لي: تركت والله العلم وراءك، فكيف حاله مع أهل بلده؟ فأخبرته بظلمهم له، قال: جهلوا ما أتى به. وأتيت القابسي فجرى لي معه مثل ذلك. وقال لي مثل قوله. وأحضره ابن أبي عامر في جملة الفقهاء، فاستشارهم في أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة، أراد شراءها، فمنعه جماعة الفقهاء منها، غير الأصيلي وحده فإنه أفتاه بجوازه، واحتج لذلك. فرجع ابن صاعد منهم الى قوله. والأصيلي أيضًا أفتى لابن أبي عامر بجواز الصلاة، في العمارية التي كان يلزم الركوب فيها في أسفاره، وإباحة ذلك في الفريضة، دون النزول بالأرض إذا كانت صلاته إيماء للوجع الذي أصاب قدميه من علة النقرس، وهي إحدى روايتي ابن القاسم عن مالك. ولم يرَ غيره هذه الفتيا. ورأي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، التي هي أم المذهب منع ذلك حتى

стр. 1263

يباشر الأرض، وكان يخطئ القول بنبوءة مريم أم عيسى ﵉، ويقول: هي صدّيقة، ويرد القول بإتيان النساء في إعجازهن كراهة من غير تحريم، على أن الآثار في ذلك شديدة. وقد روي في بعضها التحريم ولعنة فاعله، وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده أو كان بدعاء الصالحين. وقال المهلب: وكان يعمل بالمزارعة على الثلث والربع. ويرى ذلك ولا يقول بمنعها في المذهب، ويقول هي ألين مسائلنا وأضعفها، وحجته حديث معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، وأن النبي ﷺ عاملهم في أن يزرعوها ويعملوها ولهم شطر ما يخرج منها، وما حكي عن عمر وجماعة أهل المدينة. وله كتاب الدلائل، ونوادر حديث، خمسة أجزاء، والانتصار، ورسالة المواعد المنتجزة، ورسالة الرد على من استحل عن رسول الله ﷺ ، ورسالة الرد على ما شذ فيه الأندلسيون. بقية أخباره ﵀ وكانت بين الأصيلي وابن زرب القاضي، وأصحابه مشاحنة، أثارتها النفاسة، وعلو كعب الأصيلي في العلم، وأزراؤه عليهم، فأراد ابن أبي عامر صلاح حالهم بتفريقهم، فقلد الأصيلي قضاء سرقسطة، فدارت بين الأصيلي وواليها بين يدي ابن أبي عامر منافسة، ومحارجة لأشياء أنكرها عليه الأصيلي. وكان في خلق الأصيلي حرج وزعارة، فاستعفى من القضاء فعوفي، وقيل بل حلف الوالي أن لا يلي معه. فصرفه ابن أبي عامر عن القضاء، صرفًا جميلًا. وأراد حاجته الى قربه بالحضرة. فأقام رأسًا في

стр. 1264

أهل الشورى بقرطبة، سيما بعد وفاة ابن زرب. فإنه استكملت رئاسته، حتى كان بالأندلس نظير ابن أبي زيد بالقيروان وعلى هديه، إلا أنه كان فيه ضجر شديد، يخرجه أوقات القيظ الى غير صفته. ذكر بعضهم أنه هنأه بالشورى حين تقلدها، فقال: لعن الله الشورى إن لم أرفعها، ولعنني إن رفعتني، ونحو هذا. وأبلغ عن القاضي ابن زرب ﵀ يومًا كلامًا، عرض به فساءه، وحرك منه وانبعث من ضجره، ما شق جيبه غيظًا وتمثل: لبستم ثياب الخز لما كفيتم … ومن قبل لا تدرون من فتح القرى وقوفًا بأطراف الفجاج وخيلنا … تساقي كؤوس الموت يدعو بالقنا فلما أكلتم قتلنا بسلاحنا … تحدث مكفي يعيب الذي كفى ويحكى أنه ناظر ابن أبي زيد يومًا في مسألة فاحمر مزاجه، فقال له ابن أبي زيد: قال خلاف قولك فلان. فقال: لو قالها فلان ما صدقته، أو لكان خطأ، أو نحو هذا من الكلام مما أسرف فيه، وغلا بفرط حرجه، فانتدب له البرادعي وتولاه ووجد للمقال سبيلًا وأنكر عليه كل من حضر ولكن تولى ذلك البرادعي، بفرط حرج منه هو أيضًا. فخرج الأصيلي. فكان ذلك سبب مقاطعته مجلس ابن أبي زيد. فيقال إن ابن أبي زيد قال للبرادعي: لقد حرمتنا فوائد الشيخ بإسرافك في الرد عليه. ذكر وفاته ﵁ توفي ﵀ يوم الخميس، لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة اثنتين وتسعين. وكان جمعه مشهودًا. وجهزه المظفر ابن أبي عامر

стр. 1265

على عادته للفقهاء. وبعث الى ابنه أكفانًا له وحنوطًا من عنده، رعاية لمكانة من أبيه المنصور. فقبل ابنه كرامته. وجهز شيخه فيما كان أعده لنفسه. وكان أراد أن يدفن ليلًا ولا يعلم بجنازته، فرده عن ذلك صهره ابن أبي صفرة، وأوصى أن يدفن في خمسة أثواب. وكان آخر ما سمع منه لما احتضر: اللهم إنك قد وعدت بالجزاء عند كل مصيبة، ولا مصيبة عليّ أعظم من نفسي، فأحسن جزائي عنها يا أرحم الراحمين. ثم خفت. وكان قد أعد قبره لنفسه، يقف عليه ويتعظ به. وكان كثيرًا ما يتخوف من سنة أربعماية، وما يجري فيها من الفتن. فذكر يومًا شأنها في مجلسه، ودعا الله تعالى أن يتوفاه قبلها، وابنه محمدًا. وسأل من حضر التأمين. وأن ابنه محمدًا حاضر كاره، ففعل من حضر ذلك. وأجيب دعاؤه، فتوفي عما قريب كما ذكرنا. وتوفي ابنه بعده بأعوام. وكان سنة أربعماية، فكان فيها من الفتن، وخراب الأندلس ما كان. عيسى بن محمد بن عبد الرحمن أبو الأصبع يعرف بابن الحشاء، وبابن المعلم. قرطبي. روى عن جماعة من الأندلسيين ورحل الى المشرق، فلقي الناس واتسعت معرفته، قال ابن عفيف: كان فيها من أهل الأدب والعلم، راسخًا في الرأي، بصيرًا بالوثائق، ورعًا، منقبضًا، من خيار المسلمين، عامرًا للمسجد الجامع لتفقيه الناس وفتياهم، بصيرًا بالاختلاف، جميل اللقاء، إمامًا في المذهب المالكي.
следующие страницы →