Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
الأندلس فلما وصل المرية مات الحكم، فانعكس أمل الأصيلي وبقي حائرًا هائمًا. نهض الى قرطبة ونشر بها علمه، فسار ذكره. وشرق به فقهاء البلد فبقي مدة مضاعًا حتى همّ بالانصراف الى المشرق، الى أن عرفه ابن أبي عامر فنوه به وأمر بإجراء الرزق عليه، باسم المقابلة. ثم ارتقت حاله بتقليده الشورى فنبّه حاله على غيره، انصرف الى الأندلس إثر موت الخليفة الحكم سنة ست وستين. فأقام بقرطبة وابن أبي عامر على غاية التعظيم له. وسمع منه عالم كثير وبه تفقه أبو عمران الفاسي وغيره.
جمل من ثناء الجلة عليه وذكر علمه وفضله وشيء
من فتاويه واختياراته
قال أبو إسحاق الشيرازي: وممن انتهى إليه هذا الأمر من المالكية بالأندلس أبو محمد الأصيلي، وانتهت إليه الرئاسة، قال ابن عفيف: رحل وتفقه فاحتوى على علم عظيم، وقدم الأندلس ولا نظير له فيها في الفهم والنبل، قال غيره: كان من جلة العلماء نسيج وحده، رحل الى الأمصار ولقي الرجال وتفنن في الرأي ونقد الحديث وعلله وألف كتبًا نافعة. قال ابن الفرضي: كان عالمًا بالكلام والنظر منسوبًا الى معرفة الحديث. وجمع كتابًا في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة سماه الدلائل، وحفظت عليه شيئًا - يعني فيما خالف فيه أهل الحديث - من
العقود فذكرها. قال ابن الحذاء وذكره: لم ألق مثله في علمه بالحديث ومعانيه وعلله ورجاله، وقال ابن المهلب: وذكر مشيخته، فقال: فأجلّهم علمًا، وفقهًا، وأثبتهم نقلًا،
стр. 1262
وأصحهم ضبطًا، وأرفعهم حالًا، وأعدلهم قولًا، أبو محمد الأصيلي. وقال ابن حيان: كان أبو محمد في حفظ الحديث، ومعرفة الرجال، والإتقان للنقل، والبصر بالنقد، والحفظ للأصول، والحذق برأي أهل المدينة، والقيام بمذهب المالكية، والجدل فيه على أصول البغداديين، فردًا لا نظير له في زمانه. بلغني من غير واحد أنه وجد في كتب الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أرَ مثله. قال غيره: كان الأصيلي من حفاظ رأي مالك، والمتكلم على الأصول وترك التقليد، من أعلم الناس في الحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله، ويحض أصحابه عليه، ولا يرى أن من خلا من علمه فقيهًا على حال، ولما ورد أبو يحيى ابن الأشج من أهل المشرق وكان قد روى كتاب البخاري سئل إسماعه فقال: لا يراني الله أحدث به والأصيلي حي أبدًا. فلما مات الأصيلي أسعف، قال أبو الوليد: لما دخلت القيروان أتيت أبا محمد ابن أبي زيد فقال لي: ما حاجتك؟ قلت: الأخذ عنك. فقال لي: ألم يقدم عليك الأصيلي؟ قلت: بلى، قال لي: تركت والله العلم وراءك، فكيف حاله مع أهل بلده؟ فأخبرته بظلمهم له، قال: جهلوا ما أتى به. وأتيت القابسي فجرى لي معه مثل ذلك. وقال لي مثل قوله. وأحضره ابن أبي عامر في جملة الفقهاء، فاستشارهم في أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة، أراد شراءها، فمنعه جماعة الفقهاء منها، غير الأصيلي وحده فإنه أفتاه بجوازه، واحتج لذلك. فرجع ابن صاعد منهم الى قوله. والأصيلي أيضًا أفتى لابن أبي عامر بجواز الصلاة، في العمارية التي كان يلزم الركوب فيها في أسفاره، وإباحة ذلك في الفريضة، دون النزول بالأرض إذا كانت صلاته إيماء للوجع الذي أصاب قدميه من علة النقرس، وهي إحدى روايتي ابن القاسم عن مالك. ولم
يرَ غيره هذه الفتيا. ورأي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، التي هي أم المذهب منع ذلك حتى
стр. 1263
يباشر الأرض، وكان يخطئ القول بنبوءة مريم أم عيسى ﵉، ويقول: هي صدّيقة، ويرد القول بإتيان النساء في إعجازهن كراهة من غير تحريم، على أن الآثار في ذلك شديدة. وقد روي في بعضها التحريم ولعنة فاعله، وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده أو كان بدعاء الصالحين. وقال المهلب: وكان يعمل بالمزارعة على الثلث والربع. ويرى ذلك ولا يقول بمنعها في المذهب، ويقول هي ألين مسائلنا وأضعفها، وحجته حديث معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، وأن النبي ﷺ عاملهم في أن يزرعوها ويعملوها ولهم شطر ما يخرج منها، وما حكي عن عمر وجماعة أهل المدينة. وله كتاب الدلائل، ونوادر حديث، خمسة أجزاء، والانتصار، ورسالة المواعد المنتجزة، ورسالة الرد على من استحل عن رسول الله ﷺ ، ورسالة الرد على ما شذ فيه الأندلسيون.
بقية أخباره ﵀
وكانت بين الأصيلي وابن زرب القاضي، وأصحابه مشاحنة، أثارتها النفاسة، وعلو كعب الأصيلي في العلم، وأزراؤه عليهم، فأراد ابن أبي عامر صلاح حالهم بتفريقهم، فقلد الأصيلي قضاء سرقسطة، فدارت بين الأصيلي وواليها بين يدي ابن أبي عامر منافسة، ومحارجة لأشياء أنكرها عليه الأصيلي. وكان في خلق الأصيلي حرج وزعارة، فاستعفى من القضاء فعوفي، وقيل بل حلف الوالي أن لا يلي معه. فصرفه ابن أبي عامر عن القضاء، صرفًا جميلًا. وأراد حاجته الى قربه بالحضرة. فأقام رأسًا في
стр. 1264
أهل الشورى بقرطبة، سيما بعد وفاة ابن زرب. فإنه استكملت رئاسته، حتى كان بالأندلس نظير ابن أبي زيد بالقيروان وعلى هديه، إلا أنه كان فيه ضجر شديد، يخرجه أوقات القيظ الى غير صفته. ذكر
بعضهم أنه هنأه بالشورى حين تقلدها، فقال: لعن الله الشورى إن لم أرفعها، ولعنني إن رفعتني، ونحو هذا. وأبلغ عن القاضي ابن زرب ﵀ يومًا كلامًا، عرض به فساءه، وحرك منه وانبعث من ضجره، ما شق جيبه غيظًا وتمثل:
لبستم ثياب الخز لما كفيتم … ومن قبل لا تدرون من فتح القرى
وقوفًا بأطراف الفجاج وخيلنا … تساقي كؤوس الموت يدعو بالقنا
فلما أكلتم قتلنا بسلاحنا … تحدث مكفي يعيب الذي كفى
ويحكى أنه ناظر ابن أبي زيد يومًا في مسألة فاحمر مزاجه، فقال له ابن أبي زيد: قال خلاف قولك فلان. فقال: لو قالها فلان ما صدقته، أو لكان خطأ، أو نحو هذا من الكلام مما أسرف فيه، وغلا بفرط حرجه، فانتدب له البرادعي وتولاه ووجد للمقال سبيلًا وأنكر عليه كل من حضر ولكن تولى ذلك البرادعي، بفرط حرج منه هو أيضًا. فخرج الأصيلي. فكان ذلك سبب مقاطعته مجلس ابن أبي زيد. فيقال إن ابن أبي زيد قال للبرادعي: لقد حرمتنا فوائد الشيخ بإسرافك في الرد عليه.
ذكر وفاته ﵁
توفي ﵀ يوم الخميس، لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة اثنتين وتسعين. وكان جمعه مشهودًا. وجهزه المظفر ابن أبي عامر
стр. 1265
على عادته للفقهاء. وبعث الى ابنه أكفانًا له وحنوطًا من عنده، رعاية لمكانة من أبيه المنصور. فقبل ابنه كرامته. وجهز شيخه فيما كان أعده لنفسه. وكان أراد أن يدفن ليلًا ولا يعلم بجنازته، فرده عن ذلك صهره ابن أبي صفرة، وأوصى أن يدفن في خمسة أثواب. وكان آخر ما سمع منه لما احتضر: اللهم إنك قد وعدت بالجزاء عند كل مصيبة، ولا مصيبة عليّ أعظم من نفسي، فأحسن جزائي عنها يا أرحم
الراحمين. ثم خفت. وكان قد أعد قبره لنفسه، يقف عليه ويتعظ به. وكان كثيرًا ما يتخوف من سنة أربعماية، وما يجري فيها من الفتن. فذكر يومًا شأنها في مجلسه، ودعا الله تعالى أن يتوفاه قبلها، وابنه محمدًا. وسأل من حضر التأمين. وأن ابنه محمدًا حاضر كاره، ففعل من حضر ذلك. وأجيب دعاؤه، فتوفي عما قريب كما ذكرنا. وتوفي ابنه بعده بأعوام. وكان سنة أربعماية، فكان فيها من الفتن، وخراب الأندلس ما كان.
عيسى بن محمد بن عبد الرحمن
أبو الأصبع يعرف بابن الحشاء، وبابن المعلم. قرطبي. روى عن جماعة من الأندلسيين ورحل الى المشرق، فلقي الناس واتسعت معرفته، قال ابن عفيف: كان فيها من أهل الأدب والعلم، راسخًا في الرأي، بصيرًا بالوثائق، ورعًا، منقبضًا، من خيار المسلمين، عامرًا للمسجد الجامع لتفقيه الناس وفتياهم، بصيرًا بالاختلاف، جميل اللقاء، إمامًا في المذهب المالكي.
стр. 1266
ناظر الجلة في علم السنة. وعلا بغزارة علمه، وقدمه ابن زرب للشورى، فانتفع به، ودعي للقضاء مرتين فأبى. ولزم حاله الى أن مات. قال ابن حيان: كان غزير العلم، معتنيًا بالأخبار، حسن الأدب والفهم، كثير الحفظ، فصيحًا، عفيفًا، ورعًا مجانبًا للسلطان. أراده المظفر والمهدي بعده عن القضاء ببعض الكور فأبى. ولم يقدر فيه على شيء، واستهدف بجفوتهما فوقي شرهما. وعاتبه ابن ذكوان في ذلك، وكان الذي هدى ابن عامر الى مكانه. وقال له: يقع الناس فيك. فقال: بلى. فبرر جفاه حينًا. ومات ﵀ سنة اثنتين وأربعماية. فقدم موضعه للشورى ابن دحون.
أحمد بن سعيد بن ابراهيم الهمداني
أبو عمر. المعروف بابن الهندي، قرطبي. أخذ عن ابراهيم وظيفته، وسمع محمد
بن أبي دليم. قال ابن حيان: كان واحد عصره في علم الشروط لا نظير له، يعترف له بذلك فقهاء الأندلس. وله فيها كتاب مفيد جامع محتو على علم كثير وفقه جم، وعليه اعتماد الحكام والمفتين، وأهل الشروط بالأندلس والمغرب. إذ سلك فيها الطريق الواضح، وقد اختصره جماعة منهم. اعتنى به منهم القنازعي، وابن ذهل، وابن عبد الواحد، مع ما أضاف إليه. ولم يكن بالمرضي في دينه، ولا بالمقبول قوله، عديم المروءة. وذكرت فيه أشياء منكرة. وهو أحد من لاعن زوجته بالأندلس بعهد القاضي ابن السليم. وكان فكهًا حسن الحديث. وتوفي في رمضان
стр. 1267
سنة تسع وتسعين وثلاثماية. وهو ابن ثمانين سنة. ولا أعلم روى عنه غير أبي بكر ابن سيرين وحمزة بن حاجب فإنه روى عنه تأليفه.
محمد بن أحمد بن عبد الله
المعروف بابن العطار، أبو عبد الله. قرطبي. قال ابن حيان: كان هذا الرجل متفننًا في علوم الإسلام، وثابتًا في الفقه، لا نظير له، حاذقًا بالشروط، وأملى فيها كتابًا عليه معول أهل زماننا. وكان يفضل فقهاء وقته بمعرفته بالنحو واللسان. فكان لا يزال يزري بأصحابه المفتيين، ويعجب بما عنده، الى أن تمالأوا عليه بالعداوة، وحملوا قاضيهم ابن زرب على إسقاطه، وقد استفسده بعد أن كان مقدمًا في أصحابه، وهو الذي رقاه الى الشورى أول ولايته، فجرى له مع الفقهاء أخبار كثيرة. وذكر الفقيه أبو عبد الله ابن عتاب فقال: ومحل أبي عبد الله في العلم معروف، وهو به موصوف، ولقد كان فقيهًا موثقًا، لم يحفظ أنه أخذ عليها أجرًا. قال ابن حيان: فلم يزل ابن العطار مع خصاله منقوص الحظ، وكان فريد فقهاء وقته مع توافرهم. أيام ضمهم مجلس ابن أبي عامر الذي عقده للمناظرة في موطأ مالك ﵀. فقصر أكثرهم عن شأوه في تدقيق معانيه وغريبه، حتى شرقوا منه، وتلطف أحمد بن ذكوان الى صاحبه ابن أبي عامر عنه حتى قطعه، فاستجر
الى جماعتهم. وكان الذي هيّج أحقادهم عليه، عجب فيه، وشكاسة في خلقه. ذكر بعضهم أنه حضر مجلس شورى، في مسألة اختلف فيها ابن العطار والوتد، وأمسك سائرهم لياذًا من ابن العطار، الى أن خرجا الى المهاجرة فقام عندها ابن المكوى والأصيلي منصرفين عنهم. وزاد الأمر
стр. 1268
بينهما الى أن حذب ابن العطار الوتد بالدراية، فحلف الفقهاء ألا يحضروا مع ابن العطار مجلس شورى. فكان الحكام يوجهون فيه وحده بعدهم.
ذكر محنته ﵁
قال ابن العطار: رأيت في المنام قبل محنتي كأني أنظر في المرآة، فأرى في جبهتي سطرًا مكتوب:
أنظر لنفسك أيها الإنسان … سينالك النقصان والشنئان
وكنت أرى نعشًا يحمل، وموضع الجنازة قلم كنت أكتب به عرفته، فكان يدفن في القبر ويصلي عليه، فترحمت لذلك حتى جرت الحادثة، وكان السبب في مطالبة ابن زرب له ومساعدة أعدائه عليه، أن ابن العطار سبق بالفتح عليه يوم الجمعة في خطبته لتوقف عراه. فقال ابن زرب: وكفوا ألسنتكم عن الرفث، فلم يكد يقف، حتى قال ابن العطار: قبيح القول. وكانت معهودة من كلام ابن زرب: فنظره ابن زرب شزرًا وقال: ودور الكلام وما عاد لتلك اللفظة الأولى بعدها في خطبة. ومضى في خطبته، وقد توقد عليه غضبًا شغله في الصلاة. فأسقط من القراءة ففتح عليه ابن العطار أيضًا. فكانت حسبة مغيرة عليه. فأنكر ذلك من فعله وقال: هل سمعتم بخطيب فتح عليه، كان ذلك الكلام لا يبدل، أو نحو هذا. وسعى ابن العطار في استصلاحه فلم يقدر واستمسكت مديدة، لحسن رأي ابن أبي عامر فيه، الى أن سقط عنده، لقيه فأسلمه لابن زرب وأصحابه. وكان ابن العطار قد رد على ابن أبي عامر قولًا قاله، وذلك
стр. 1269
أنه حكى حكاية قال فيها: فلقنه بعينه أي
أصابه - بالقاف - فنظر ابن العطار لخطابه ولم يكن يصبر عليها لشرهه. فاستطر بذكر حكاية من ذلك المعنى فلقنه بعينه - على الصواب - ففطن ابن أبي عامر لمراده وقال: لو علمنا سقوط الهيبة لاشترطنا حسن المجالسة، يدخل مَن على الباب من أرباب اللغة، فإذا بصاعد قد مثل فسأله، وقد كان الأمر ألقي إليه، فقال: يقال بالقاف والفاء والقاف أشهرهما فأخذ ابن أبي عامر حجة، وأقبل على توبيخ ابن العطار وتبكيته، وأمر بإخراجه، ومكن منه أعداءه، فقاموا في ذلك وحمل ابن زرب على كشف معايبه، الشاهد بما عندهم. فأتوا من ذلك بما أراده، إلا قومًا منهم ابن المكوى، وابن صاعد فأبوا ذلك وأنكروه. وسجل شهادتهم تلك وقد حوت عظائم من الجرح، اقتضت إسقاطه عن الشورى، والشهادة، وأمضى ذلك ابن أبي عامر عليه وأوعد عليه بالانقباض عن الناس وإغلاق بابه. فجرى عليه مكروه عظيم ولم يزل ابن المكوى يذكر ما جرى عليه، ويتشنع ما شهد به عليه فيه، حتى غمص ابن زرب بسببه وقال: رفعه لغير الله ووضعه لغير الله. وقال حين دعي للشهادة: ما أعلم فيه جرحة أشهد بها، مع أنه كان يؤذيني في مجالس الشورى بلسانه. ولما نفذ السجل عليه كتب الى المنصور ابن أبي عامر:
بالله والحاجب المنصور أعتصم … من حاسد وبنصر الله أنتقم
الظلم فيما رويناه ونعلمه … يوم الحساب على أربابه ظلم
والإفك والبغي معدولان عن رجل … له حشاشة دين أو له كرم
هل من رأى عجبًا مثلي ومثلهم … بأن تعاور الغربان والرخم
وما لنا عندهم ذنب سوى حسد … نيرانه داخل الأحشاء تضطرم
стр. 1270
وهي طويلة، تشكى فيها للمنصور، مدحه، وتلطفه، فدس فيه الوتد - عدوه - بيتًا في ذم القاضي ابن زرب أحفظه، وكان يقول: لو كنت شاعرًا لأجبته. فأجابه الوتد على لسانه في الروي والقافية، ناقضه فيها وأفحش له. ويقال إن ابن أبي
عامر لم يهنى عليه ما بلغ منه، ولكنه استحيى قاضيه ابن زرب، ولم يمكنه من الحمية، واستأذن للحج فأذن له فرحل وقضى فرضه. واجتمع في طريقه هذا بجماعة من علماء الأمصار، فاعترفوا بفضله. وذكر في كتابه وجرت له معهم أثناء ذلك قصص من هنياته. فيحكي أنه سأل أبا محمد ابن أبي زيد ﵀، بالقيروان يومًا عن صلاة الناس بصلاة الإمام على قعيقعان وأبي قبيس، فأجابه بالجواب المنصوص في المسألة، أنه لا يجوز، فسأله من قال هذا، أو كيف قال؟ فاحتج له بنص المسألة في المدونة وكررها. فقال له: إنما وقعت مسألة المدونة، إذا صلى المأموم هنالك بصلاة الإمام في الحرم. ولم أسألك عن هذا، وإنما سألتك عن مسألة إذا كان الإمام والمأموم جميعًا هنالك، وهذا ما لا يخالف فيه أحد ولا يمنعه. ففطن الشيخ لما أراد من تعنيته، وأضرب عن كلامه في المسألة، إذ لم يظن هذا. وإنما أجابه عن المسألة المعروفة. ثم انصرف الى الأندلس. وقد مات ابن زرب، وقد كملت خصاله، ونقصت شكاسة خلقه، وكبر منه، واعتدلت حاله، فلاطف ابن أبي عامر فانفسح له، ورحب به فحكي أنه قال يومًا لأهل مجلسه، إثر خروج ابن العطار: إني لأستحي من هذا الرجل، ولوددت لو تهيأ صرفه لحاله، وإباحة المسلمين الانتفاع به. فقال له بعضهم: وما يمنع من ذلك إذا أردته. قال: وكيف يحل تسجيل
стр. 1271
ابن زرب؟ فقال المتكلم: ليس يحل، ولكن يعارض بالشهادة لابن العطار باستقامة أحواله، وزيادته في الخير بعد التسجيل، وأنه أهل الفتوى فأنفذ الى ابن الشرفي، صاحب الشرطة النظر في القصة، فأظهرت وثيقة بصلاح ابن العطار، وأعيد الى طريقته، وصحة نزوعه عما نقم عليه، واقتدائه بالسلف. شهد فيها ثقاتهم وعلماؤهم. وقل من توقف عن الشهادة فيها وأثبت ابن الشرفي، ورفعت الى المنصور، فجمع أهل العلم فرأوا إسقاط السخطة عنه، ورده الى أفضل أحواله فنفذ. وعهد المؤيد الى القاضي ابن برطال، فأعاده الى حاله،
واستقل من نكبته، ولزم القاضي وكبر عنده، ولولده ألّف كتابه في الوثائق المعروف، وأفرده ابن أبي عامر بالفتوى في أمور الجناية بين العمال والرعية، وكان من أفتاه بالتجميع بجامع قصر الزاهرة، وخالف في ذلك أصحابه، والتزم الصلاة معه فيه، بقية مدته، والجلوس فيه للإقراء. وأقصر مع ذلك من غلوائه إلا فوارض يدرسها في أصحابه، خلال الفتوى، بفضله وزيادة أدبه. وكان أبعدهم له أحمد بن ذكوان، وبخاصة لما ولي القضاء. فإنه غض منه غضًا شديدًا، وجعل ينكر صرفه الى الفتوى، بعد التسجيل، وجرت بينهما خطوب، وعلا لسان ابن ذكوان أيام عبد الملك المظفر، فازدادت غضاضة ابن العطار
стр. 1272
ودب ابن العطار لمطالبة ابن ذكوان أيام المهدي، فأعجلته المنية قبل تمكنه من ذلك ﵀.
فصل من نوادر ابن العطار
سئل ابن العطار عن مسألة من السهو في الصلاة، فأفتى فيها بسجود السهو، فقال له السائل: إن أصبغ بن الفرج الطائي، لم يرَ علي سجودًا، فرد عليه ابن العطار: كلا لا تطعه واسجد واقترب. وبلغه أن ابن المكوى لم يشهد عليه، حين دعي الناس للشهادة بجرحه. فقال: كل يعمل على شاكلته، من قول الله تعالى، وكل إناء ينضح بما فيه. من قول العرب، والأمور بيد الله لا شريك له في حكمه، ولما سمع ابن العطار أن ابن صاعد لم يشهد عليه قال:
هون عليك الخطب … فالله فيما حاولوا حسبي
فكان ابن صاعد يقول: من عذيري من ابن العطار، ما وجدت في رضاه حيلة. ولما بلغه ما شهد به عليه. قال: ستكتب شهادتهم ويسألون. ذكر ابن صاعد يومًا لابن العطار فاستصغر حفظه، فبلغ ابن صاعد. فقال: ما الذي أصنع معه؟ سالمته فلم أسلم. فقال ابن العطار: إن كان خالف الحق فقد أثم، وإن كان خالف المين فقد ظلم. وجاءت إليه جارية شاطرة ناشز على زوجها، فقالت: يا فقيه الحب إذا سقط
كيف فقال: الهم من الألم وفي التعليل شفاء الغليل. وكان المنصور أمره بالمسير إليه كل يوم
стр. 1273
ثلاثاء يذاكره ويحدثه. فحضر يومًا منها وتعذر عليه الوصول لشغل المنصور فكتب إليه:
يا من حكى بهديه لنا السلفْ … عبدك بالباب ماثلًا يقف
كل ثلاثًا يومُ زورته … وهي العلا والفخار والشرف
يدعو لك الله في البقاء … وفي التأييد والنصر ثم ينصرف
وكتب أبو بكر الزبيدي الى ابن العطار:
يا عليمًا بكل علمٍ عليّ، ناظرًا … فيه عن عيان خفي
هل تجوز الصلاة خلف إمام … ألكن أو تجوز خلف الخصي
فأجابه ابن العطار:
لا تجوز الصلاة خلف إمام … ألكن بالقرآن جذم عيي
وتجوز الصلاة في الغب ما لم … يتصل منه ذاك خلف الخصي
نسأل الله أن يوفق للحق … بفعل ومنطق مرضي
توفي ابن العطار عقب ذي الحجة، سنة تسع وتسعين وثلاثماية. وكان جمعه عظيمًا. وانتاب قبره طلاب العلم أيامًا، ختم قراؤهم على قبره القرآن ختمات وذلك أمر لم يعهد قبل بالأندلس.
موسى الوتد ﵀
هو موسى بن أحمد. ويقال ابن محمد بن سعيد بن الحسن اليحصبي
стр. 1274
قرطبي، يعرف بابن الوتد ويكنى بأبي محمد. سمع من قاسم بن محمد، وأحمد بن مطرف، ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز ونظرائهم. وكان بصيرًا بالشروط نبيلًا فيها، حافظًا، يقظًا، حازمًا في أموره، حسن المعاملة مع إخوانه. وله حظ من تعبير الرؤيا، كتب لمحمد بن برطال أيام قضائه، وقلد الشورى، وتصرف في دفع كتب
المظالم الى المنصور. ودرس عليه الفقه. قال ابن الفرضي: وكان ينسب إليه تخليط كثير عرف منه، وشهر به، وتوفي في ربيع الأول المبارك سنة سبع وتسعين وثلاثماية.
أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي
أبو القاسم، قرطبي، أحد أكابر علماء قرطبة، وزعماء مفتيها. قال ابن مفرج: كان فقيهًا جليلًا في الدولة العامرية، حافظًا بالمسألة بصيرًا برأي مالك وأصحابه، عارفًا بالوثائق. ورحل فحج ولقي الناس بالمشرق. وكان من أكرم الناس عناية، وأعلاهم همة. وليَ قضاء بطليوس وثغورها. فحسنت سيرته. ثم لحقته من ابن أبي عامر غضاضة، بسبب مخالفته لهواه في الفتيا بالتجميع في الجامع الذي بناه في مدينته، بطرف قرطبة الشرقي، المسماة بالزاهرة. فإنه استشار في التجميع فيه الفقهاء، فمنعه من ذلك أكثرهم، إذ لا يجمع في مصرٍ واحدٍ في جامعين. ومضى أكثرهم على ذلك، وأفتى ابن العطار في قليل منهم بجواز ذلك، لاتساع البلد وعجز كثير ممن يسكن هنالك عن الوصول الى الجامع الأول. حتى قاسوا ما بين المسجدين، على أبعد الطرق بينهما، فوجدوه نحو الفرسخ. فامتثل
стр. 1275
ابن أبي عامر رأي من أجازه، على أنه لم يجمع به حتى مات قاضيه ابن زرب. وذهب من يستحيي منه، ودعا ابن أبي عامر أصبغ هذا، الى تولي الصلاة والخطبة بأهله. وكان ممن لم يرَ ذلك فامتنع. وقال: سبحان الله يا منصور أنا لا أرى الجمعة أقامت به، فكيف أقوم بها، والعرض مني كثير. فألزمه المنصور ذلك، وأظهر إكراهه عليه. فألح وامتنع، وأقسم على ذلك ولو ناله العقاب. فسخط عليه المنصور عندها، وعزله عن القضاء والفتيا. إلا أنه سلم من أذاه، وعاش بقية عمره مصونًا، الى أن مضى لسبيله. وكان ممن سخط عليه المنصور لذلك أيضًا، أبو بكر بن وافد، فأسخطه عن الشورى والشهادة، وألزمه داره. واحتصل الباقين
من ابن ذكوان، والأصيلي، وابن المكوى، وابن صاعد، وابن جني، وابن الصفار. فلم يغير عليهم شيئًا. وجمع ابن العطار في هذا الجامع، وجلس فيه للفتيا، والتعليم والتفقه. وانفرد بالفتيا بين العمال والرعية. وجعل قوم من رؤساء الفقهاء، من سكان الربض الشرقي، جوار هذا الجامع يشهدون الصلاة فيه، ويعيدونها أصلًا، لئلا يحقد ابن أبي عامر عليهم، منهم الأصيلي، وابن صاعد، وابن الصفار، وابن جني. ولم يصنع ذلك ابنا ذكوان ثقة بمكانهما من ابن أبي عامر. فكان إذا احتاجهما، دعاهما إثر الصلاة. وتوفي أصبغ بن الفرج سنة سبع وتسعين وثلاثماية.
عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن صاعد بن وثيق
أبو المطرف. يقال جده صاعد معتق بني عبده، قرطبي. سمع بها من
стр. 1276
ابن الأحمر، وابن عيسى، وابن الخراز وغيرهم. وبالقيروان من ابن أبي زيد، والقابسي، رحمهما الله. قال ابن الفرضي: عني بحفظ الرأي والتفقه في المسائل، وقدم للشورى أيام ابن زرب. وكان حليمًا، أديبًا، نزيهًا عن المطامع. ووليَ قضاء شذونة. ثم استعفى. قال ابن حيان: كان من أهل العلم، والفقه، والديانة. قال ابن مفرج: كان فقيهًا فاضلًا، ديّنًا فهمًا، حافظًا كريم الأخلاق، حسن الصحبة، ذا أدب بارع، وجاه باذخ، كثير الصلاة والصدقة، والبكاء والخشية. كتب إليه بعض إخوانه:
أيا عالمًا فاق الأنام بعلمه … وأربى عليهم بالسنى والفضائل
فديتك هل يجري الطلاق لذاهل … فرد أنت اليوم قطب المسائل
فأجابه ﵀:
إذا كان ذا فهم وطلق زوجه … فقد لزم التطليق يا خير سائل
فإن كان معتوهًا ولا عقل عنده … يقينًا فلا طلاق لذاهل
توفي رحمه الله تعالى، سنة تسعين، وهو كهل ابن تسع وأربعين سنة.
أبو العاصي أمية بن أحمد بن حمزة القرشي المرواني
قرطبي. كانت له من ابن أبي عامر خاصة، وكان يتقيه. وشاوره ابن زرب في الأحكام. وكان من وجوه أصحابه، وولي الشرطة، والأحكام. فجلس لذلك في الجامع، وكان شديدًا سالمًا انتفع به. مع الغفلة. تولى لابن أبي عامر من وجوه الإنفاق في سبيل الأمانات، في
стр. 1277
بناء الجوامع، والحصون، وتفريق الصدقات مالًا أحمله فما تعلق بمثقال ذرة، ولا ازداد كسبه درجة. قال ابن الفرضي: وكان متأخرًا في عمله وعقله. ومن غريب غفلاته، أنه صرف يومًا الى المنصور درهمين، زعم أنهما بقيا له من صدقة دفعها إليه يفرقها. وأنه لم يجد لمن يدفعهما، لعمومه، أهل الحاجة، فاستضحك المنصور.
محمد بن أحمد بن محمد بن قادم بن زيد
قرطبي مشهور، أبو عبد الله. سمع من قاسم بن أصبغ، وغير واحد. ورحل فسمع ببغداد أبا بكر الشافعي، وابن حمدان، والصواف. وأخذ عن السيرافي. وسمع أيضًا بالبصرة من غير واحد. وبمصر من ابن الورد، وحمزة، وابن أبي التمام. وتفقه عند ابن شعبان. وكان ينتحل مذهب مالك ﵁. وكان شاعرًا محسنًا حافظًا للخبر. وهذا كان الغالب عليه. قال ابن الفرضي ﵀: وكان مضعوفًا، غير ضابط لنفسه، ولا للسانه. وذكر أنه كان قاضيًا. وكتب عنه غير واحد. قال: وكان أهلًا لذلك. توفي سنة ثمانين وثلاثمائة.
أحمد بن محمد بن عبد الله بن هاني العطار
المعروف بابن اللباد، قرطبي. يكنى بأبي عمر. سمع هو وأبوه من قاسم بن أصبغ، وكان أبوه أحد العدول. وكتب عنه. قال ابن الفرضي: وكان أحمد فقيهًا. وقد كتب عنه أيضًا، ومات وأبوه حيّ. وتوفي أبوه سنة خمس وتسعين.
стр. 1278
محمد بن رادع بن محمد الضرير
يكنى أبا عبد الله، قرطبي. له رحلة سمع فيها من القاضي المرواني بالمدينة، ومن الخزاعي بمكة، ومن العجيمي بالبصرة، قال ابن الفرضي: كان العجيمي يومئذ ابن مائة سنة وأربع وأربع سنين. وبقي بعد سماعه منه عامًا. وسمع ببغداد من الأبهري أبي بكر، وأخذ عنه كتبه، وسمع من غيره. وانصرف الى الأندلس وكفّ بصره. فقرئ عليه بعض كتب الأبهري، وابن أبي زيد ﵀. حدث عنه ابن الفرضي وغيره. قال القاضي أبو الفضل ﵀: الذي عرفته وذكره أئمة الصنعة، أن أبا إسحاق ابراهيم ابن علي العجيمي، توفي وهو ابن ماية سنة وثلاث سنين، وأنه لم يحدث حتى تمت له ماية سنة، وذلك أنه كان رأى في منامه أنه تعمّم، ودور على رأسه ماية وثلاث دورات. فعبر له أنه يعيش هذا القدر من السنين. فلم يحدث حتى بلغ المائة. ثم حدث فأراد السامعون اختبار عقله بعلو سنّه، فقرئ عليه القارئ يومًا:
إن الجبان حتفه من فوقه … كالكلب يحمي جلده بروقه
فقال العجيمي: قل الثور يا ثور. فإن الكلب لا روق له. فسرّ الناس بثباته وصحة عقله. وكان العجيمي يروي عن القاضي اسماعيل كتبه، وعن غيره من الجلة رحمه الله تعالى. وتوفي ابن رادع سنة ثلاث وسبعين، وقيل أربع، وهو ابن ستين سنة.
стр. 1279
قاضي القضاة أبو العباس ابن ذكوان
اسمه أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان بن عبد الله بن عبدوس بن ذكوان الأموي. قال ابن الفرضي: أصلهم من جيان. قال ابن حيان: أصلهم فيما يقال من برابرة فحص البلوط ويتولون بني أمية. فلما انقضرت دولة بني أمية انتموا في قيس بن غيلان من سليم. وكان أبوه أبو بكر بن عبد الله من أهل العلم. وليَ خطة الرد بقرطبة، بعد طلب عبد الملك بن منذر صاحب الرد. وله مكانة من المنصور، وسمع قاسم بن أصبغ، وأحمد بن عبادة ونظرائهم. قال ابن الفرضي: وكان عاقلًا عالمًا باللغة والنحو، حافظًا للمشاهد والأيام، ذا مروءة وافرة. وكانت وفاته سنة سبعين وثلاثماية. ونشأ ابنه العباس هذا أكمل رجالات الأندلس، وأتمهم عقلًا. كان من جلة أصحاب ابن زرب. وهو الذي قدمه للشورى، ثم ولاه ابن أبي عامر عند وفاة أبيه خطة الرد. ثم قضاء الجماعة، عند عزل ابن برطال. قال ابن حيان: وكان صارمًا في حكمه، محمود الطريقة، عاقلًا عاملًا بمذاهب المالكية. ذا عفاف ونزاهة وبراءة من الريبة، وبعد همة، وفرط هيبة وزكانة. فلقد كان في هذا الباب في مرتبة الخليفة، لم يقدر أحد ينقصه منها قلامة ظفر، مع اختلاف الدول، وحلول الفتن، الى أن فارق الحياة، وهو أعلى الناس محلًا. وذكر أبو الخيار الشنتريني الداودي، أبا العباس - وكان ما بينهما شيئًا - فقال: أبو العباس وما أبو العباس نظر في الفقه على مذهب مالك فأدرك طرفًا منه، إلا أنه لم يستجد في الحفظ، واكتسب بالدربة الحذق في الحكومة. وكان مع ذلك
стр. 1280
صليبًا فهمًا بعيدًا من المداراة، حاد بالناس إجلاله عن مذاكرته، فلاذوا من مناظرته، بالتسليم والموافقة. وتحاموا السؤال منه وكان أكبر ما فيه عقله ورأيه.
ولايته القضاء وخبره فيها مع العامرية وسيرته
قد قدمنا أن الذي ولاه القضاء، المنصور ابن أبي عامر. وكان من جملة أصحابه
وخواصه، ومحله منه فوق محل الوزراء يفاوضه في تدبير الملك وسائر شؤونه. لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته، ولا فارقه في ظغن ولا إقامة. وكذلك كان حاله مع ولديه المظفر والمأمون بعده. قد تيمنوا برأيه وعرفوا النجاح في مشورته. وكان له داخل القصر بيت خاص به يأتيه آخر النهار. فيجلس فيه الى أن يخرج إليه ابن أبي عامر فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه. وربما بات عنده بالنزاهة وخفة الوطأة، حتى قيل إنه ما سأله قط على مكانته منه، حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس. بل كان يعرض ما يحتاج إليه عرضًا كالمنكر أو المستحسن، يطّرد للبحث عنها. وكانت الصلاة والخطبة أيامه لابراهيم بن الشرفي الحاكم، الى أن فلج، فجمعت مع القضاء لابن ذكوان. ولم يزل على هذا الى أن هلك المنصور، وولي ابنه المظفر فزاده أثرة. الى أن فسد ما بين القاضي، وبين وزير الدولة، عيسى بن سعيد، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها عيسى من ولد ابن السليم السفيه، فقضى ابن ذكوان بردها الى السفيه. وفسخ بيعه فالتحمت بينهما العداوة، وعمل عيسى في طلب ابن ذكوان وجوه الحيلة، الى أن أوقع المظفر بخادمه
стр. 1281
الغالب على أمره طرفة فسعى عيسى به. وكانت لابن ذكوان من طرفة هذا ألطف منزلة. ونسب عيسى طرفة وأصحابه الى القدح في الملك. فقتل طرفة. ونكب أصحابه. واشتملت التهمة على بني ذكوان. ووجد عيسى للمقال سبيلًا، فصرف المظفر أبا العباس ابن ذكوان عن القضاء والصلاة. وصرف أخاه أبا حاتم عن المظالم. وساء رأيه فيهما. وولى مكانه القضاء والصلاة، عبد الرحمن ابن فطيس. فلم يقم - على استقامته واستقلاله - مقام ابن ذكوان، لتبريزه. فحن القضاء إليه، وأسف الناس على فقده، وحسن رأي عبد الملك عما قريب فيهما. فصرف أبا العباس الى خطته، بعد تسعة أشهر من عزله. بعد إلزام ورغبة، فازداد رفعة الى رفعته وسمت حاله عند
المظفر، سيما عند اتهامه وزيره عيسى عدو ابن ذكوان بالقدح في دولته، وبطش المظفر به وقتله إياه. ففرغ مكانه لأبي العباس، واستراح منه. فلم يجر شيء من أمر المملكة إلا عن مشورة ابن ذكوان. الى أن هلك عبد الملك المظفر ووليَ أخوه عبد الرحمن. فرفع منزلته جدًا. وولاه الوزارة مجموعة الى القضاء. ولم يجتمعا قبل لأحد بالأندلس قبله. ولا خطط لقاضي القضاة بها أيضًا لأحد قبله. وإنما كانوا يتخططون بقضاء الجماعة. وانقرضت دولة بني عامر بقيام المهدي ابن عبد الجبار المرواني عليهم أول ملوك الفنتة. وكان أحقد الناس على ابن ذكوان، بخاصة تقربه من العامرية، ناقمًا عليه أحكامًا أمضاها عليه في قضائه، فتوق عنه لجلالته في قلوب الخاصة والعامة، والتماسًا للعثرة، الى أن عوجل المهدي فمضى لسبيله، ووقي شره. إلا أنه أزال عنه اسم قاضي القضاة. واقتصر به على قضاء الجماعة.
стр. 1282
قال: وكان ابن ذكوان ضابطًا للحق، صليبًا فيه، لا تأخذه لومة لائم. وكان الناس والخصوم يلتزمون في مجلسه من الوقار وغضّ الصوت الغاية. وكانوا يقربون إليه الأول فالأول بأسمائهم، قد قيد ذلك في جريدة فمن ضاق عنه أول يوم الوصول، دفعت إليه رقعة ترتبه للغد، على الرسم القديم للقضاء. ومن نوادر الخبر أن أبا بحر أنس بن أحمد بن فرج الجياني الشاعر، خاصم عند أبي العباس وقتًا فجعل يرفع صوته، ويستطيل، ويحسر عن ساعديه، بخلاف الرسم، فنهاه أبو العباس عن ذلك وأمره بقبض ذراعه. فلما انقضى المجلس ناوله أبو محمد رقعة لوقته فيها:
أسأت أبا العباس تأديبًا … فاتك معامله وقف علي فتكات
تؤنبني إن لاح مني ساعدي … مبسم في ظهر كل شدات
ولست من الصنف الذي قيل فيهم … ولم تك إن أنصفتني بصفاتي
يخبئن أطراف البنان من التقى … ويخرجن شطر الليل معتجرات
فلما قرأها ابن ذكوان وجم. وقال: تكلم بكلتا يديك ورجليك فلا حرج عليك.
محنته ووفاته ﵀
ولما قتل واضح - الصقلي الحاجب - المهدي، وبايع الناس لهشام المؤيد خلافته الثانية، وقام واضح بأمره وحجابته، والبرابرة مع سليمان المستعين يفاتنون قرطبة، ويرومون دخولها. وكان هوى بني ذكوان في جماعة الناس الى السلم وصلح البرابرة وصاحبهم. فيقال إن ابن ذكوان نصح
стр. 1283
لهشام في واضح فبلغت واضحًا. فسعى على بني ذكوان، بالتهمة في الميل الى البرابرة، وأن الناس تبع لما يشيرون به. فنفذ أمر هشام بإخراجهم عن الأندلس، ونفيهم الى العدوة. فأخرج أبو العباس وأخوه أبو حاتم وأخوهما الأديب أبو عمر. وذلك في سنة إحدى وأربعماية. ووكل بهم من يوصلهم، فحملوا الى المرية، وأجيزوا لحينهم البحر في حال شدة ارتجاجه، وعنِّف بهم، وخلفوا دوابهم وثيابهم، فكتبت سلامتهم. وخرجوا الى وهران. وقامت لنكبتهم بقرطبة القيامة، وعظم على الخاصة والعامة ما جرى عليهم. حتى تفزع جماعة من الأعيان لاستهوال الحادث عليهم، لفرط محنتهم وجلالتهم في القلوب. وأسرعت الإقالة لهم عما قريب. فلما قتل الجند واضحًا حسن الرأي فيهم فوجه فيهم، وعادوا الى وطنهم بالأندلس. إلا أنهم لم يعاودوا بعد العمل، ولا تقلدوا ولاية، مع تكرار الرغبة إليهم من جميع خلفاء الفتنة. بل كان رجال الولايات عن رأيهما، الى أن مات أبو العباس سنة ثلاث عشرة وأربعماية. ثم تلاه أبو حاتم أخوه، فاعتد أهل قرطبة المصيبة بهما كفاء ما جرى عليهم من المحن. وذهب من يستحيي منه. فاستوى الناس بعدهما فكانت مدة عمل أبي العباس على القضاء في الكرتين سبعة أعوام ونصفًا. وترك ابنه أبا بكر فجاء بعد منه خير خلف. وولي القضاء وسيأتي ذكره بعد هذا في طبقته. ورثى ابن الخياط الغرير أبا العباس:
عفاَء على الأيام بعد ابن ذكوان … وقبحًا لدنيا غيّرت كل إحسان
سأبكي دمًا بعد الدموع بعبرة … تغيّر أحزاني تعبر عن شان
стр. 1284
وإن حياتي اليوم بعد وفاته … دليل بأن الغدر في كل إنسان
أحقًا سراج العلم أخمده الردى … وهدم ركن الدين من بعد تبيان
وغودر في دار البلى علم الهدى … مزعزع آساس مضعضع أركان
فشقت عليه المكرمات جيوبها … وألقت رؤوس المجد عنها بتيجان
وقال أبو عامر ﵀ أخرى أولها:
إذا لم تجد إلا الأسى لك صاحبًا … فلا تمنعنّ الدمع ينهل ساكبا
هوت بأبي العباس شمس من التقى … وأمسى شهاب الحق في الغرب غاربا
أخوه أبو حاتم محمد بن عبد الله صاحب المظالم
كان من جملة القضاة والحكام بعهد العامرية. عمل فيها أعمالًا جليلة بغير كورة. وتصرف في الأمانات. وولاه المظفر المظالم. فحمد في كل ذلك وكان يخلف أخاه أبا العباس على قضاء الجماعة، بقرطبة مدة مغيبه في المغازي مع السلطان. وتأيد مع أخيه على إعزاز الحق. قال أبو حيان: كان أبو حاتم أطلق من أخيه لسانًا، وله طبع في حسن الإيراد والامتناع. قال أبو الخيار الشنتريني: وذكره إثر ذكر أخيه قال: وأما أبو حاتم فتلوه في الصنعة ودونه في العلم، يختص بأدب وسط وعلم بالخبر وطيب بالمجلس. وله أوفر حظ من الدربة بالحكومة. وقد ذكرنا من أخباره ونكته في أخبار أخيه ما قدمناه. وتوفي أبو حاتم نصف شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعماية. مولده سنة أربع وأربعين وثلاثماية. وترك ابنه حسنًا أبا علي، فوليَ الحسبة بقرطبة في الفتنة، ثم أحكام القضاء. وكان ثقة عارفًا بالحكومة، ذا جزالة ونزاهة عاطلًا من العلم والأدب.
стр. 1285
قاضي القضاة ابن وافد رحمه الله تعالى
أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي، قرطبي. سمع بها من أبي عيسي. قال ابن حيان: كان أحد من حاز كمال القضاة بالأندلس، علمًا وهديًا ورجاحة ودينًا، جامعًا لخلال الفضل. تقلد الشورى بعهد العامرية. فكان مبرزًا في أهلها، وتقلد الصلاة بالزهراء مدة الى أن استعفاها. وقد ذكرنا في أخبار أصبغ بن الفرج الطائي، أنه كان ممن لا يرى التجميع بالزاهرة. وأبى من فتيا ابن أبي عامر بجوازه، حتى سخط عليه، كما فعل بأصبغ وعزله عن الشورى بعد. قال أبو الخيار الطاهري: كان ابن وافد مستبحرًا في مذهب المالكية، حاذقًا بحفظ المسائل والأجوبة، من أكمل قضاة الأندلس، ولي القضاء والخطبة عند صرف ابن ذكوان ونكبته في الفتنة. ولقب بقاضي القضاة. قال ابن حسان: وكان حاضر العلم في مجالسته، كثير الإفادة، فصيح اللهجة، وكان شاعرًا مطبوعًا. قرأت في انتخاب ابن مفرج: أهدى الفقيه ابن وافد الى الزبيدي في طبق ورد بكيرًا وكتب معه إليه:
أهديت شبهك منظرا … في العالمين ومخبرا
فتقبلن بدر الذي … يرجو رضاك وذا حرا
فأجابه الزبيدي:
قد أتانا منك ما جانس … أخلاقك فوحا
طبق الورق الذي أهدى … الى الأرواح روحا
стр. 1286
فأنا دهري عليه اعتنى … بالشكر مدحا
لم تزل في العلم يا يحيى … على الأدواح دوحا
محنته ومهلكه رحمه الله تعالى
كان ابن وافد أحد الأشداء على البرابرة، وخليفتهم المستعين سليمان، وأكثر الناس
نفارًا منهم، ومن البيعة لصاحبهم. والصلح معهم على خلع هشام المؤيد خليفة قرطبة. وقد حصلت قرطبة من ذلك في محنة، وشد البرابرة عليها قتالهم من كل جهة، وخربوا أفاءها وقطعوا مرافقها حتى رضي الناس بالدخول تحت طاعتهم وخلع هشام ومصالحتهم على ذلك وتقديم صاحبهم. وكان أبناء ذكوان ممن يرغب في ذلك في طائفة من الفقهاء والجلة، منهم ابن حوبيل، وابن الشقاق، وابن دحون. وكان ابن وافد شديد النفار والإبانة عن ذلك. مغريًا بهم العامة محرضًا عليهم صلحهم والإنابة إليهم، معه على رأيه ابن الفخار في جماعة. فلما تغلب البربر على قرطبة، وتم الصلح وخلع هشام، وهم أحنق الناس على ابن وافد فاستخفى واشتد الطلب فيه فعثر عليه عند امرأة، فحمل راجلًا مكشوف الرأس مهانًا يقاد بعمامته في عنقه، والمنادي ينادي عليه: هذا قاضي النصارى، مسبب الفتنة وقائد الضلالة. وهو يقول: كذبت بفيك الحجر بل والله ولي المؤمنين، وعدو المارقين. أنتم والله شر مكانًا، والله أعلم بما تصفون، والناس تتقطع قلوبهم لما نزل به. فلقيه في هذه الحال بعض أعدائه فقال: كيف رأيت صنع
стр. 1287
الله بك؟ فقال: ما أتاهم قضاؤه كان ذلك في الكتاب مسطورًا. ولقيه بعض أصحابه فقال: ترى أن أبلغ أمرك أبا العباس ابن ذكوان، فإنه مقبول القول عند البرابرة؟ فقال لا حاجة لي في ذلك. فأدخل على المستعين سليمان بن الحكم في ذلك الوقت. فأكثر توبيخه وأغرته به البرابرة فأمر بصلبه، وشرع في ذلك فاضطرب البلد له، ووردت عليه شفاعة أبيه الحكم، وشفاعات ابن ذكوان وابن حوبيل، وجماعة من الفقهاء والصالحين، الذين لا يرى ردهم يرغبون إليه في شأنه ويقبّحون إليه ما أمر به فيه، فرفع عنه الصلب والمثلة، وأمر بضمه الى المطبق وتثقيفه، فكان شديد الصبر في محبسه كثير التبسم والحديث متعاهدًا لصلاح نفسه وجسمه من الاغتسال والاستياك والاستحداد حتى عذله بعض من جمعته وإياه المحنة في ذلك
المكان على فعله، فقال له: وما لي لا أتهيأ للقدوم على ما لابد لي منه واصل الراحة؟ والله إني لا أرجو غاديًا أو رائحًا. وسواكي طواي وجسمي نقي. أو نحو هذا. وكان السلطان يجري وظيفته على من فيه. وكان ابن وافد لا يأكلها معهم. ولم يبعد ﵀ أن اعتل في مجلسه فمات. فتكلم الناس أن حيلة وقعت عليه، فالله أعلم. فأخرج ميتًا في نعش منتصف ذي الحجة سنة أربع وأربعماية. فوضعه الأعوان بالميضآت موضع غسل المحاويج، فاحتمله قوم الى دار صهره ابن الأعرش الفقيه فسد الباب في وجه النعش تقية. وسمع الزاهد حماد بن عمار بالقصة، فبادره وصار بنعشه الى منزله فقام بأمره. وكان من عجيب الاتفاق أن ابن وافد كان أودع عند هذا الصالح كفنه وحنوطه وقارورة من ماء زمزم لجهازه. فتم مراده. وعدت
стр. 1288
من كراماته. وجاء بنعشه فصلى عليه في طائفة من العامة عند باب الجامع ثم ساروا به فواروه. وامتنع من يعرف ممن شهد الجامع من الصلاة تقيه. وكانت مدة عمله للقضاء في الكرتين والمصرتين عشرين شهرًا.
وولده الوزير ابن وافد
الطبيب المشهور المعترف بإمامته في علمه وصحة نظره ومنفعته بحرفته وله في هذا العلم تأليف مشهور منتفع به.
أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس
من مشاهير علماء القرطبيين وجلتهم وفضلائهم وكان الغالب عليه الحديث، سمع ابن الأحمر وأبا عيسى وطبقتهما، وبعدهم أبا عبد الله بن مهدي حدث عنه حاتم الطرابلسي. قال أبو محمد بن حزم وكان وليَ القضاء والمظالم بقرطبة، وكان واحد زمانه في جمع الحديث وروايته، ولم يكن بعهد المستنصر أجمع منه ولا أعرف بما يجمع، ولم يكن بالأندلس من يملي الحديث من حفظه على رسم أهل المشرق وسواه أحد من أئمة السنن. قال أبو حيان كان مشهورًا بالزهد والفقه والصلابة. فقلد المظالم والأحكام لابن أبي عامر المنصور ومن بعده، فقام بها أحسن قيام ووليَ قضاء الجماعة للمظفر عند صرف ابن ذكوان الأول تسعة أشهر، وغلب عليه الحديث والبصر به وأسماء الرواة، وتوفي سنة أربعين وثلاثماية. قال أبو عمر ابن الحذاء: كان من أبناء الدنيا فلما وليَ القضاء وترك زي الوزارة ولزم زيًا أخضر - زي الفقهاء -
стр. 1289
وكان عدلًا شديدًا في أحكامه عالمًا بالحديث والتقييد. ذكر أنه لما ولي القضاء دخل عليه ابن العطار مهنئًا، وكان ابن ذكوان عدوه، فقال: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة، وصرفهما عن أهل الكفر والجهل وجعلهما في أهل العلم والفضل، ونحو هذا من الكلام، فلم يمضِ إلا مدة حتى سئل ابن العطار فقال: عدو عاقل خير من صديق أحمق. ولما رضي المظفر عن ابن ذكر ذكوان صرف ابن فطيس عن قضاء الجماعة، ورد إليها ابن ذكوان ﵀ وخطط بالوزارة تنويهًا به.
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى ابن أبي زمنين المري البيري
أصله من العدوة من نفزة، تفقه بقرطبة عند أبي ابراهيم، وسمع منه ومن وهب بن مسرة، وابن الجزار القروي، وابن المشاط، وأبان بن عيسى بن محمد، وأحمد بن حزم، وابن فحلون، وابن الأحمر، وابن العطار صاحب الورد. وسمع من أبيه، ومحمد بن قاسم بن هلال. تفقه به أهل بلده وغيرهم. وحدث عنه أبو زكريا القلعي، وأبو عمر ابن الحذاء، وحكم ابن محمد، وهشام بن سوار، والقاضي يونس وحسين بن غسان، وأبو عبد الله ابن الحصار. قال ابن عفيف: كان من كبار
المحدثين والفقهاء الراسخين في العلم. قال ابن مفرج: كان من أجلّ أهل وقته حفظًا للرأي ومعرفة بالحديث، واختلاف العلماء، وافتنانًا في الأدب والأخبار، وقرض الشعر، الى زهد وورع واقتفاء لآثار السلف، وكثرة العمل والبكاء والصدقة والمواساة بماله وبجاهه. وبيان ولهجة، وما رأيت قبله ولا بعده مثله، قدم قرطبة، فسمع منه بها الناس سنة ثمان وسبعين. قال الخولاني: كان رجلًا زاهدًا
стр. 1290
صالحًا من أهل الحفظ والعلم. آخذًا في المسائل، قائمًا بها، متقشفًا واعظًا له أشعار حسان في الزهد والحكم، له رواية واسعة. وكان حسن التأليف، مليح التصنيف، مفيد الكتب في كل فن، ككتابه المغرب في اختصار المدونة وشرح مشكلها، والتفقه في نكت منها ليس في مختصراتها مثله باتفاق. قال ابن سهل: هو أفضل مختصرات المدونة وأقربها ألفاظًا ومعاني لها، وكتاب المنتخب في الأحكام الذي ظهرت منفعته، وطار بالمشرق والمغرب ذكره، وكتاب المهذب في اختصار شرح ابن قرين للموطأ، وكتاب المشتمل في علم الوثائق، وكتاب مختصر تفسير ابن سلام للقرآن، وكتاب حياة القلوب في الرقائق والزهد، وكتاب أنس المريد في مثله، وكتاب أدب الإسلام، وكتاب أصول السنّة، وكتاب قدوة الغازي، وكتاب منتخب الدعاء، وكتاب المواعظ، وكتاب النصائح المنظومة من شره. وله شر في المواعظ والرقائق والزهد كثير جدًا حسن فمنه قوله:
أيها المرء إن دنياك بحر … طامح موجه فلا تأمننها
وطريق النجاة منها مبين … وهو أخذ الكفاف والقوت منها
وقوله:
خليلي أنا للذي تعلمانه … زمان التصابي وانطلاق عنانه
شديد الجوى جم الأسى محرق ال … حشى فهل من مجير مخبر بأمانه
وإني مجير عند من قد عصيته … فيا أسفي إن لم يجد بحنانه
وقوله:
وذي دوعة راحت زفراته … إذا ما سطت في قلبه خطراته
له في دجى الأظلام خلوة مخلص … تذكره فيها الجحيم هناته
إذا ما تلا التنزيل وانكشفت … له عجائبه زادت له عبراته
стр. 1291
وإن لحظت عين المبين سعادة … سعت خوفه من مائها لحظاته
بنفسي وليّ أنسه بمليكه … وفي ذكره أصباحه وبياته
وتوفي بالبيرة سنة تسع وتسعين وثلاثماية. مولده آخر سنة أربع وعشرين وثلاثماية. وخلف ابنًا من الصالحين اسمه أحمد ﵀.
أبو عمر أحمد بن يحيى بن سعيد بن الحديدي الطليطلي
قال صاعد بن أحمد بن صاعد: من بيوت الشرف والعلم بطليطلة بيت آل الحديدي. وكان كبيرهم أبو عمر هذا فقيهًا ذا رئاسة جليلة في بلده، وذا مكانة من الفقه والعفاف والثروة. وتلاه في حاله ولده بعده.
أبو موسى ابن أبي الحزم ابن جهور المرشاني
من أهل سبحه، قال ابن حيان كان فقيه بلده ووجهه، مشهورًا بالعفة والعلم. قتله البرابرة سنة سبع وعشرين وأربعماية. قال ابن عفيف وهو من ذرية أبي موسى عبد الرحمن بن موسى الهواري رواية مالك بن أنس. أخوه أبو الوكيل. سمع منهما الناس ببلدهما بقرطبة، وأبو عمر ولد أبي الوكيل منهما حجّ وروى العلم، ﵀.
أبو بكر محمد بن موهب التجيبي الحصار
المعروف بالقبري. قرطبي مشهور، وهو جد القاضي أبو الوليد الباجي
стр. 1292
كان من العلماء الزهّاد الفضلاء. أخذ ببلده عن أحمد بن ثابت، وابن قطن وأحمد بن هلال، وأبي محمد الباجي وغيرهم. ورحل الى المشرق فسمع من رجاله، وصحب أبا محمد ابن أبي زيد ﵀، واختص به وحمل عنه تواليفه وغير ذلك، وكان القاضي ابن ذكوان يقدمه على فقهاء وقته وعلى نفسه ويرغب دعاءه. وكان الأصيلي يعرف حقه ويثني عليه، وغلب عليه الكلام والجدل على نصرة مذهب أهل السنّة، والتواليف في ذلك، إلا أنه كان يخل بعلمه عدم معرفته اللسان. وذكره الجياني أبو علي شيخنا فقال: أحد الفضلاء العلماء حدث عنه أبو بكر بن الغراف، واسماعيل بن حمزة السبتي. قال ابن حسان: وكان شديد الورع والزهد مجتنبًا للسلطان اشترى يومًا تينًا فلما عده عليه بايعه، أقبل يثني له عليه أنه يشرب من ناعورة السلطان، فترك التين عنده ودفع إليه ثمنه، وقال لبائعه: أمسكه الى أن أقضي حاجة فإن أبطأت عليك فتصدق به ومضى لسبيله. واستدعاه المستعين صاحب البرابرة، فأجابه مع مجانبته لمن قبله، ودخل عليه بعد أن استعفاه من تقبيل يده الذي جرت به عادتهم فأعفاه وزاد تكرمته، وله في العقائد تواليف كثيرة مفيدة وله شرح رسالة شيخه أبي محمد ابن أبي زيد رحمهما الله.
ذكر محنته ﵁
كان أبو بكر هذا لتعلقه بهذه العلوم النظرية الغريبة بالأندلس مشومًا عند كثير من الفقهاء بقرطبة، سيما من لم يتعلق منهم من العلم بغير الفقه ورواية الحديث، ولم يحضر في شيء من النظر. وكان أبو عون الله شيخ
стр. 1293
المحدثين في طائفة من أصحابه، منهم أبو عمر الطلمنكي تلميذه، قد أغروا به فجرت بينه وبينهم قصص ومجاوبات في مسألة الكرامات، فإن ابن وهب كان يذهب فيها مذهب شيخه أبي
محمد بن أبي زيد ﵀، في إنكار الغلو فيه. وكان أولئك يجوزونها ويسعون في رواية أشياء كثيرة منها، وكان يثبت نبوءة النساء ويقول بصحة نبوءة مريم وبإحالة بقاء الخضر ﵇ أبد الآبدين. فجرت بينهم في هذه المسائل فتن لاسيما عند موت ابن عون الله تداركها ابن أبي عامر، فسير جماعة من الطائفتين عن الأندلس الى العدوة فيهم ابن القبري هذا، مع طائفة من أضداده. وكان الأصيلي وابن ذكوان في طائفة من نحارير العلماء في حزب القبري، وجماعة الفقهاء والمحدثين في الحزب الآخر. فخرج القبري إذ ذاك الى العدوة وبقي فيها مدة أخذ عنه بها، وأراه أقام ببلدنا مدة، وبها أخذ عنه اسماعيل بن حمزة كتبه وكتب الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد ﵀، ثم راجع الأندلس خفية فورد قرطبة متسترًا، فرمى بنفسه على الأصيلي، ففزع الأصيلي لذلك، لسطوة ابن أبي عامر فوبخه القبري وقال له: افعل ما بدا لك فعلى الله توكيلي أو نحو هذا، فأعلم الأصيلي ابن أبي عامر بالأمر وأنه لم يعرف به حتى ورد عليه ورفعه إليه، فعفا عنه ولزم قرطبة ممسكًا لسانه بقية دولتهم، وتوفي بقرطبة سنة ست وأربعماية.
أبو عثمان سعيد بن محسن الغاسل
من أصحاب ابن زرب والمتفقهين عنده، قال ابن حيان، وقلد الشورى بقرطبة ودخل السلطان وعمل في القضاء، فلم يحمد ولم يكن بالقوي في علمه. وكان يختص بغسل موتى أولي النباهة. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وأربعماية.
стр. 1294
أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن ابراهيم الحضرمي
المعروف بابن الشرفي الخولاني. كان قديم الصيانة، إمامًا في الرواية والعلم. قائمًا بذلك قويًا عليه، مجتهدًا فيه، من النقاد، متسننًا، على تقوى وسمت، ذكيًا نبيلًا حافظًا حسن الإيراد. قال ابن الفرضي وأبو عبد الله: من أهل الفضل
والعبادة والعلم بالقرآن. سمع أبو إسحاق من أحمد بن سعيد ابن حزم، وأحمد بن مطرف، ومحمد بن أحمد بن قاسم بن هلال وأبي إسحاق عيسى، وأبي ابراهيم التجيبي، وابن أبي العطاف، وابن الخراز. قال ابن حيان: كان أحد رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة مع جودة المعرفة وغزارة العلم ومتانة الخطابة، والسداد في الحكومة مع الصلابة والنزاهة. وليَ الشرطة والأحكام بقرطبة والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث. وكان ابن أبي عامر يسترجحه ويباهي به. ويذكر عنه أنه قال: في أصحابي رجل بصير بدنياه يصلح لكل خطة، من مكاني بالحجابة الى مكان بوابي فلان فما بينهما، من ذوي منزلة، ومشتغل بكل أمر، ويصلح لكل خطة فإذا استفسر عنه قال هو ابن الشرفي، وكان من ثقاته وخواصه، سمع منه عالم عظيم من الناس، وكان يتولى القراءة بنفسه فكان يكمل في ميعاده ما بين الظهر والعصر كل يوم اثنين وخميس جزءًا لدربته في القراءة. قال ابن حيان ولم ينتقل - مع ما ناله من حظوة - عن سنن التواضع والاقتصاد. وله في التسحير أخبار عجيبة منها: أنه ما ارتبط لنفسه دابة قط، خوفًا لمؤنتها، وإنما كان يمتطي دواب ابن أبي عامر ترتبط له
стр. 1295
بنوبة. ويكتري ما احتاج إليه، وأصابه فالج عطله، قبل موته نحو ثلاثين شهرًا، فكان لا ينطق بغير: لا إله إلا الله. ولا يكتب غير: بسم الله الرحمن الرحيم. لا يقدر على غير ذلك، آية من الله. بعد أن كان فيهما طرفًا. توفي في نصف شعبان سنة ست وتسعين.
أحمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن الكلاعي
المعلم. من أهل قطربة، يعرف بابن الضحى، يكنى أبا عمر. وكان فقيهًا عالمًا بالمسائل، عاقدًا للشروط، سمع من ابن عيسى، ومسلمة بن محمد، وشكور الطليطلي، وغيرهم. وكان يجتمع إليه في التفقه ويقرأ عليه، وكان على سنة وقوان طريقة. توفي فجأة في جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين وثلاثماية.
وكان الثناء عليه حسنًا.
أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر
المعروف بابن الحصار. قرطبي كنيته أبو العباس. وهو والد القاضي أبي المطرف بن بشر، مولى لابن فطيس، سمع من قاسم بن أصبغ، وابن أبي دليم، ومسلمة بن قاسم، وخالد بن سعيد، ومحمد بن عيسى وغيرهم. وكان كثير السماع مشهورًا بطلب الحديث يعقد الشروط، ويفتي ويحدث. سمع منه كثير روى عنه ابنه وابن نبات. قال ابن حيان كان فقيهًا راوية. قال ابن الفرضي: ولم يكن بالضابط لكتبه. توفي في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاثماية. وهو ابن وست وأربعين وكان أعور. ﵀.
стр. 1296
أحمد بن عبد الله بن الحسن
قرطبي. أبو عمر، سمع من قاسم ابن أصبغ وغيره. واستقضي بكورة ريّة، الى أن توفي. وكان مشاورًا. وكتب عنه فيما قيل. توفي آخر سنة اثنتين وسبعين وثلاثماية.
وهب بن محمد بن محمود بن اسماعيل بن عبد الله بن جني الأموي
قرطبي. أبو الحزم، سمع من قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة وغيرهما. وكان حافظًا للرأي شاوره ابن السليم، أيام قضائه. ولم يشاور ابن زرب. كان شيخًا صالحًا كثير الصلاة والملازمة للجامع، يجتمع إليه فيه، ويستفتى، وقد حدث. توفي سنة إحدى وتسعين ﵀.
أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني
المعروف بابن المشاط. قرطبي. في كتاب ابن مفرج: كان من أهل العلم والفهم أديبًا بصيرًا بزمانه. وليَ الشورى والوثائق للسلطان، وقضاء استجة، واشبونه وقرمونه. ولاّه جميع ذلك ابن أبي عامر. ثم صرفه عنه وولاه أحكام السوق، وقضاء جيان، ثم قضاء بلنسية، وقلده التاريخ، فجمع كتابه الباهر، وكان حاملًا لما قلده، ذا جاه ومنزلة. حسن المنطق والصوت مليح الإيراد. قال ابن حيان: وتوفي في مجلس نظره أيام المظفر سنة ست وتسعين وثلاثماية.
стр. 1297
أبو العباس الباغاني ﵀
واسمه أحمد بن علي بن أحمد المغربي. قال ابن حيان: ربانيًا في علوم الإسلام. جمّ الرواية شديد الحفظ، آية في ذلك. لم يخلف بعده أحد يقربه في علوم القرآن. وهي كانت الغالبة عليه. وكان بحرًا من بحار العلم، وله تأليف في أحكام القرآن، وكانت له خاصة من العامرية. وقدم للشورى أثر موت ابن المكوى، فلم يطل أمره. وكان أبو عبد الله بن عتاب يستحسن تأليفه في الأحكام، وقرأه عليه. وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وأربعماية. وهي سنة ابن الكوى وابنه أبو بكر خلفه، بجامع قرطبة للإقراء. وكان حسن التلاوة ذا حظ من الفقه، وبصيرًا بالشروط، طاهر الثوب. ﵀.
عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد البكري
المعروف بابن عجب. أبو المطرف، قرطبي. قال ابن حيان: كان أحد الحفاظ للمسائل، المتبحرين في الرأي. ووليَ الشورى والأحباس لابن ذكوان، وكان أحد أصحابه. توفي ﵀ أول سنة أربع وأربعماية.
أبو عبد الله الحسن بن جني بن عبد الملك بن جني التجيبي
قرطبي. طلب العلم بالأندلس ورحل فحجّ، وتردد في الشرق فسمع الآجري، وانصرف الى الأندلس، فقدمه ابن زرب للشورى، وتقلد
стр. 1298
القضاء بجهات، والوثائق، للعامرية. قال ابن حيان: ولم يكن بالبارع في فقهه ولا بالمحمود في شيء من أمره. وكان مفرط القصر، ولذلك كان ابن المنتحيلي ذو النوادر العجيبة يسميه بالقصير كله، واستهواه حب الدنيا فارتكس في الفتنة، مع المهدي ابن عبد الجبار. وكان أحد دعاته فاستوزره عند ظهوره وقلده المظالم. فأخلد الى الأرض واعدًا ردع هشام المخلوع مدة؟ وكان محمد ابن أبي عامر يتفرس فيه ويقول له: إنه يموت على فتنة. ولما انقرضت دولة المهدي، لجأ الى الاستخفاء، والطلب عليه شديد الى أن وجد سبحًا في بعض المقابر، قد استخرج من استخفائه ميتًا فوق نعش، على صدره رقعة فيها خبره. فرفع أمره الى السلطان. فأمر بمعاناته ودفنع. وذلك في آخر سنة إحدى وأربعماية.
عبد الرحمن بن عبد الله الترجالي
أبو بكر من بيت نبيه بقرطبة، في أصحاب السلطان. كان خيرًا فاضلًا حليمًا، طاهرًا، ديّنًا، كثير الخير والمعروف، طويل الصلاة. يقال إن قدميه تقطرتا صديدًا من طول قيامه. قال ابن الفرضي: سمعت محمد بن يحيى بن عبد العزيز يقول: وقد خرج من عنده، وقد أتاه عائدًا: ما أعرف أحدًا يصلح للقضاء غير هذا الرجل. وقال سليمان بن أيوب: كان أولى بالقضاء من ابن أبي عيسى وغيره. ثم قال: هذا الذكر يغار له الناس. واستوزره الحكم أمير المؤمنين تنويهًا بمكانه. فلم تستهوه الدنيا بحال. ومات وهو مخطط بالوزارة في جمادى الأولى سنة خمس
وسبعين وثلاثماية.
стр. 1299
عبد الله بن محمد الصابوني
المعروف بابن بركة، قرطبي. يكنى بأبي محمد، مولى بني مروان لآل الأحمر. ويقال مولى للفهريين. وغلب عليه اسم أمة بركة مولاة ابن القاسم سمع ابن الأحمر، وابن حزم، وابن مطرف، وتفقه. قال ابن مفرج: وكان من أهل الحفظ للفقه والحذق به، وليَ الشورى أيام ابن زرب. وكان عالمًا بالوثائق، وقال ابن الفرضي: كان قليل العلم ولم يزل مشاورًا الى أن مات. قال غيره: كان حسن التأني للناس والإصلاح بينهم، حتى كان الحكام يوجهون إليه المتشاكين من الخصوم لحسن وساطته، وكان له دكاكين يصنع فيها خدمته الصابون، ومنه عيشه. توفي في سنة ثمان وسبعين وثلاثماية ويقال ثلاث.
أبو عبد الله محمد بن طاهر بن أبي الحسام
المعروف بالشهيد القيسي. التدميري. من بيوتات الشرف ببلده. قال ابن مفرج وغيره: وكان من عظماء الأندلسيين، بعيد الصيت في الخير والصلاح والانقطاع الى الله تعالى. طلب العلم ببلده، ومن شيوخه. وبقرطبة من العابدي، وابن مفرج وغيرهما وتفقه وأخذ بحظ وافر من علم الرأي، ورسخ في علم السنة. وبالغ في صالح العمل، وحجّ وجاور في الحرمين ثمانية أعوام. فلقي هناك العلماء والصالحين، وسمع منهم وصار الى العراق للقاء أبي بكر الأبهري. فتفقه معه ودخل واسط، فلقي العلماء والنساك،
стр. 1300
واقتدى بآثارهم، ولبس الصوف، وأعرض عن شهواته. وكان عيشه تلك المدة من الوراقة، فإذا سئم منها أجر نفسه في الخدمة. وكان أعظم علمه الورع والتشدد فيه، وله سؤالات في وجوه المكاسب، سألها عنه مصنفها وجريت منه دعوات مستجابة. قال ابن الفرضي: وظهرت له
بالشرق إجابات وكرامات وذكره هناك مشهور. وانصرف الى بلده مجيبًا لدعوة والده، إذ كان في الحياة، فتنكب مدينة مرسية، ولقيه قبل، فنزل خارجًا منها في قرية بني طاهر. وكان لا يرى سكناها ولا الصلاة فيها في جامعها، واتخذ لنفسه خيصة من شعر البقر واعتمر جنينة له هناك، يقتات من تينها، ثم نزع الى الجهاد فلازم الثغور، وحسن أثره في العدو وشهر بالبأس الى أن استشهد ﵀، سنة تسع، فيما قاله ابن مفرج. وصحح ابن الفرضي أنه سنة ثمان، وله كتاب في الإجابات والكرامات أخذ عنه.
عيسى بن العلاء أبو الأصبغ تدميري
عني بالعلم، وسمع من ابن عائد وغيره، ورحل الى الشرق. وكان موصوفًا بالفقه مستفتى بموضعه. توفي سنة إحدى وتسعين وثلاثماية.
أبو عبد الله بن الجالطي
واسمه محمد بن قاسم بن محمد الفراء. سمع القرشي وابن الأحمر وطبقته، بقرطبة. ورحل الى المشرق، وصحب القاضي أبو عبد الله ابن الحذاء في السماع هناك. ولقي جماعة وانصرف، فوليَ بقرطبة الحكم بالشرطة والصلاة والخطبة بالزهراء مدينة السلطان. وقدّم الى الشورى أيام المظفر. قال ابن الحصار: كان ممن عني بالعلم، وشهر بالفهم، وكان نظارًا معدودًا في
следующие страницы →