Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الإسلام. وقال ابن أبي زيد وابن اللباد: إنها تجزئ، لأنا إن قلنا لا تجزئ، لم يؤدوا شيئًا. فلأن يؤدوا بتأويل، خير من تركها عامدين. قال أبو محمد: وكنت أستحب ذلك، إذ كانوا يشحون بيت المال. وقد أعطوا ذلك اليهود والنصارى وأنفقوها في الخمور، وحالوا بينها وبين أهلها. فلا تجزئ ويكون ما أخذوا منها، كمالٍ غصبه الغاصب، وعلى أهل الأموال إخراج زكاة ما بقي، كان فيه ما فيه الزكاة. قال: جُعِلت على بعض طلبة المؤدب محرز دراهم، جورًا وظلمًا. فأتى المؤدب فأخبره. فقال: لا خلاص لي من هذا، إلا بالله، ثم بك. فإن امتنعت خاصمتك غدًا بين يدي الله تعالى. فقال الشيخ عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. ما تريد يا أخي؟ قال: كتابًا الى باديس، يصرف عني ما أنا فيه. فقال: تكلفني مشقة. فقال: لابد. فقال الشيخ: الله المستعان. وأخذ قرطاسًا وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حقق الله الحق في قلوب العارفين من عباده، ونقل المذنبين الى ما افترض عليهم من طاعته. أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي. وهذا من البلاء. وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمة منه، وفضل. وربما جاء المضطر يسأل الحاجة. فإن تأخرت، خفت، وإن سارعت، فهذا أشرّ. وقد كتبت إليك في مسألة رجل من الطلبة، طولب بدراهم ظلمًا، ولا شيء له. وحامل رقعتي يشرح لك ما جرى، فعامل فيه مما لابد من لقائه، واستح ممن هو وحده. وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى،
واحذر بطانة السوء. فإنهم إنما يريدون دراهمك ويقرّبون من النار لحمك ودمك. فاحفظ، تحفظ واتق الله، فإن من يتق الله يجعل له من أمره يسرا. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. واستعن بالله، فإنه من يتوكل على الله، فهو حسبه. الآية. واستكثر من الزّاد، فقد دنا الرحيل. والسلام. فتلقى الطالب
стр. 1332
بكتابه، ولد المنصور. فقال له كاتبه - ابن أبي العرب - ما تريد؟ فأعلمه. فقال: هات الكتاب. فقال الطالب: إنما أريد وضعه في يد باديس. فأخذه باديس، وقبّله. وقال: هذا كتاب صديق الله. وأم الكاتب أن يكتب سجلًا، لجميع الطلبة بالحفظ، والرعاية. وأن يصرف عن جميع طلبة الشيخ ما تسبب إليهم، من المظالم.
أبو بكر عتيق السوسي
قيرواني، من أصحاب القابسي. ﵁
أبو محمد عبد الله العربي
قيرواني، معظّم في فقهائها. ذو علم، وحفظ، ونظر، وتحقيق، من أصحاب القابسي. أخذ عنه ابن محرز وابن سعدون، وغيرهما. قال ابن سعدون: مبرزًا من أحفظ الناس.
القاضي أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمن
المعروف بابن الحصائري. صقلي. لقي أبا محمد ابن أبي زيد، وأبا الحسن ابن بكرون، وأبا عبد الله محمد بن أحمد بن يزيد القروي، من أهل الفقه والفضل والدين، والرواية. أخذ عنه الناس، وتفقهوا عليه. سمع منه عتيق السمنطاري، وأبو بكر ابن يونس، وعتيق بن عبد الجبار، الربعي، الفرضي.
стр. 1333
أبو بكر بن العباس
فقيه صقلية. فاضل. أدب في القرآن والفرائض وتفقه عليه في المدونة وكان إمامًا في علم الفرائض، وعنه أخذها أهل صقلية وغيرهم. حدث عن القابسي، أخذ عنه ابن يونس، والسمنطاري.
أبو علي حسن بن أبي طالب الزيّات المروي
فقيه حدث عن هبة الله بن عقبة بن سعدون.
أبو حسين بن سلمون المسيلي
دخل الى الأندلس، فقطن قرطبة، بعهد الجماعة. فلم يرمها، وشهر بها علمه وفضله، وولي الشورى. فكان أحد جلة مفتيها الى أن مات. وكان عفيفًا متواضعًا حافظًا للمسائل، واقفًا على الأصول، فيما قاله ابن حيان. قال: وتوفي ﵀ سنة إحدى وثلاثين وأربعماية. ﵀.
أبو عبد الله ابن البناء ﵀
فقيه زاهد من أهل صقلية، رضي الله تعالى عن جميعهم.
محمد بن محمد بن إدريس الزيات
المعروف بابن الناظور، وأبو بكر من فقهاء القيروان، وأهل العناية
стр. 1334
بالعلم والظهور في الحديث والفقه. سمع من أبيه ومن أبي الحسن بن مسرور الدباغ، وأبي القاسم الستوري، وهبة الله بن محمد، وأبي الحسن بن شعبان وأبي إسحاق ابراهيم بن عبد الله الملايسي، وجماعة غيرهم. وكان أبوه راوية القيروان في وقته. رواه عنه ابن سعدون الفقيه، وأبو محمد بن سعيد.
أبو بكر بن عبد الله بن أبي زيد
ولد الشيخ أبي محمد. كانت له ولأخيه عمر بالقيروان، مكانة جليلة، بأبيهما وتقدمهما. ووليَ قضاء القيروان، قبل الفتنة. ولم يكن فيما بلغني بالمحمود السيرة. وقد رويت عنه كتب أبيه. وكان أدركه صغيرًا. وكتب أحمد بن نصر الداودي عنهما. ولم يكن بالطائل المعرفة. وله ولأخيه خاطبهما ابن رشيق بقوله:
يا موضعي أملي على التحقيق … وسميّي الصدّيق والفاروق
ما زال رأيكما كرأي أبيكما … يجري على التسديد والتوفيق
لكن أمتُّ إليكما دون الورى … فسرقت أمن ما لكون فويق
من أي وجه تنصران مخاصمي … من بعد ما وجبت عليه حقوقي
وأنا أحق بذاك غير مدافع … في كل ناحية وكل طريق
إن كان إشفاقًا عليه فإنه … فيما تعالى لم يكن بشفيق
لا ترغبا في بر من هو مثله … فلرب برٍّ يرجعنْ بعقوق
وإذا الفتى لم يرضَ من خالقه … لم تلقه يرضى عن المخلوق
стр. 1335
أبو عمر عثمان أبو العتاب
من فقهاء القرويين، وعظماء مدرسيها. أخذ عن القابسي، رحمهما الله.
أبو المنجار زيادة الله ﵀
الطرابلسي. له كتاب تذكرة الدارس. رضي الله عن جميعهم.
أبو الحسن علي بن محمد ﵀
المعروف بابن الهمر، من أهل طرابلس. أخذ ببلده عن ابن بكرون، وبه تفقه. وبمصر عن محمد بن عبيد الوشاء، وأبي القاسم الجوهري، وبمكة عن أبي الحسن ابن رزين، وبالقيروان عن القابسي، وكان فقيهًا فرضيًا. له في الفرائض كتاب
مفيد مشهور، سماه بالكافي. أخذ عنه ابن محرز.
أبو الحسن بن سي ﵀
قاضي طرابلس. من أصحاب ابن بكرون أيضًا. رضي الله عن جميعهم.
أبو بكر اسماعيل بن إسحاق بن عذرة الأيدي
فقيه فاضل زاهد قيرواني. من أصحاب أبي محمد ابن أبي زيد، وطبقته. ورحل الى المشرق فلقي ابن مجاهد الطائي المتكلم، وأخذ عنه. وأبا بكر الأبهري، وأبا بكر محمد بن أحمد البغدادي. وسمع غيرهم. وكان الغالب عليه الزهد والعبادة. وقد سمع منه الناس، روى عنه حاتم الطرابلسي،
стр. 1336
وأبو مروان الطلبني، وأثنى عليه ابن أبي زيد في شيبته، في كتابه منه، الى من سأل ابن عذرة عن خطباء بني عبيد. وقيل له: إنهم يثنون عليهم. قال: أليس يقولون: اللهم صل على عبدك الحاكم، وورّثه الأرض؟ قالوا: نعم. قال أرأيتم لو أن خطيبًا خطب فأثنى على الله تعالى ورسوله، فأحسن الثناء، ثم قال: أبو جهل في الجنة، أيكون كافرًا؟ قالوا: نعم. قال: فالحاكم أشر من أبي جهل. وسئل الداودي عن المسألة فقال: خطيبهم الذي يخطب لهم، يدعو يوم الجمعة. كافر يقتل. ولا يستتاب، وتحرم عليه زوجته، ولا يرث ولا يورث ماله في المسلمين. وتعتق أمهات أولاده، ويكون مدبروه للمسلمين. يعتق أثلاثهم، بموته، لأنه لم يبق له مال. ويؤدى مكاتبوه للمسلمين ويعتقون بالأداء، ويرجعون بالعجز، وأحكامه كلها، أحكام الكفر. فإن تاب قبل أن ظهر الندم، ولم يكن أخذ دعوة القوم، قبلت توبته. ومن صلى وراءه، خوفًا، أعاد ظهرًا أربعًا. ثم لا يقيم إذا أمكنه الخروج، ولا عذر له بكثرة عيال ولا غيره.
أبو محمد بن الكراني من فقهاء القيروان
سئل عن من أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم، أو يقتل؟ قال: يختار
القتل، ولا يعذر أحد بهذا، إلا من كان أول دخولهم البلد. فيسأل إن يعرف أمرهم، وأما بعد، فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع، لا يجوز، وإنما أقام من هنا من العلماء والمتعبدين على المباينة لهم، لئلا يخلو بالمسلمين عدوهم، فيفتنوهم عن دينهم. وعلى هذا كان حبيب بن حمدون ونظراؤه، القطّان، وأبو الفضل الممسي، ومروان بن نصرون والجبنياني والسبائي، وبه
стр. 1337
يقولون ويفتون. وقال أبو يوسف بن عبد الله الرعيني في كتابه: أجمع علماء القيروان أبو محمد، وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم ابن شبلون، وأبو علي بن خلدون، وأبو بكر الطبني، وأبو بكر بن عذرة: أن حال بني عبيد، حال المرتدين والزنادقة، بما أظهروه من خلاف الشريعة، فلا يورثون بالإجماع، وحال الزنادقة بما أخفوه من التعطيل. فيقتلون بالزندقة، قالوا: ولا يقدر أحد بالإكراه على الدخول في مذهبهم، بخلاف سائر أنواع الكفر. لأنه أقام بعد علمه بكفرهم، ولا يجوز له ذلك، إلا أن يختار القتل، دون أن يدخل في الفكر. على هذا الرأي أصحاب سحنون يفتون المسلمين. قال أبو القاسم الدهان: وهم بخلاف الكفار، لأن كفرهم خالطه سحر بمن اتصل بهم، خالطه السحر. ولما حمل أهل طرابلس الى بني عبيد، أضمروا أن يدخلوا في دينهم، عند الإكراه. ثم ردوا من الطريق سالمين. فقال ابن أبي زيد ﵁: هم كفّار لاعتقادهم ذلك.
عبد الرحيم بن أحمد الكتامي
أبو عبد الرحمن، المعروف بابن العجوز من أهل سبتة. كان كبير قومه، كتامة. وإليه كانت الرحلة في جهة المغرب. وذا ذكر شهير في بلاد المغرب. ومنزلهم بالدمنة، من بلد قومهم، معروف. وإليه كانت الرحلة في جهة المغرب في وقته. وعليه مدار الفتوى، سمع عبد الرحيم بن العجوز، وطلب العلم، ورحل فيه الى
الأندلس، وإفريقية. ولزم أبا محمد بن أبي زيد فقيه القيروان نحو خمسة أعوام، وسمع منه كتبه النوادر، والمختصر وغير ذلك. وسمع أيضًا من عبد الملك بن الحسن الصقلي. وسمع من درّاس بن اسماعيل القابسي. وأبو محمد الأصيلي، ووهب بن مسرة الحجاز، وكانت
стр. 1338
رحلته ورحلة صاحبه، محمد بن غالب الى القيروان، في نحو الثمانين وثلاثماية. قرب وفاة أبي محمد ابن أبي زيد، ﵀. أخذ عنه الناس بسبتة، علماء كثيرًا. وتفقهوا عليه وسمعوا منه. وكان من حفاظ المذهب القائمين به. روى عنه أبو محمد قاسم ابن المأمون، ومحمد بن عبد الرحمن بن سليمان، وابن خلف الله، وجماعة فقهاء السبتيين والفاسيين، وسواهم من غيرهم، ممن روى عنه. وأبو عثمان بن سولب من أهل قلعة حماده. وتوفي ﵀: سنة ثلاث عشرة وأربعماية. وكان له بنون، عبد العزيز، وعبد الرحمن، وعبد الكريم. فأما عبد العزيز وعبد الرحمن، فخلفا أبيهما وسدا مكانه. وسيأتي ذكرهما. وأما عبد الكريم فطلب العلم أيضًا. وسمع من أبيه، وكان أكثر مدته في قومه كتامة، رأسًا فيهم. وهم له طاعة. وقتله المرابطون عند غلبتهم على كتامة. ودخولهم قلعتهم الدمنة.
يوسف بن حمود بن خلف بن أبي مسلم الصفّي
القاضي. أبو الحجاج. سبتي شهير البيت بها في العلم. كان فقيهًا خيرًا فاضلًا زاهدًا متقشفًا أديبًا شاعرًا. راوية. سمع من شيوخ بلده. ورحل الى الأندلس، فسمع أبا محمد الباجي، وأبا محمد الأصيلي، وأبا المغيرة خطاب بن بتري. وأبا بكر الزبيدي، وغيرهم. ووليَ قضاء سبتة ولاه المستعين من بني أمية العلويين، بعد قتل ابن زوبع. فكان من أجل قضاتها طريقة، وأحمدهم سيرة، وأشدهم على أصحاب السلطان شكيمة. وله في كل هذا أخبار مأثورة. وكان يرغب الانحلال عن الخطة، فلا يسعف. رحل الى المشرق، وهو كبير. بعد ولايته القضاء، سنة
ثلاث عشرة وأربعمائة. واستعفى الى الخطة عنه. فلم يسعف في الانحلال، فقيل له:
стр. 1339
استخلف. فاستخلف قاسم بن الفضل ابن أبي مسلم. وتخطط بالفقهاء. وسافر، فحجّ وسمع من أبي ذر، وأبي عبد الله الصوري، وانصرف. فرجع الى قضائه. وكان على مكانه من الجلالة، كثير التواضع، يمتهن نفسه، في نتاول أسبابه وفلاحته جنته. ويمتطي حمارًا له في تصرفاته. حدّثني من رآه متحزمًا في جنته بالميناء، ينظر في بعض مصالح غراستها. وحدثني غير هذا: أنه كان في بعض أزقة الميناء، إذ سمعت الناس يقولون: القاضي. ويتأهبون لحضوره. قال: فإذا بشيخ طويل القامة، أبيض اللحية، طويلها، يمشي وبيده قفة، فيها آلة الفلاحة. قد سترها بطنب غفارة عليه. وإذا به القاضي منصرفًا من جنته تلك. وخيره مع الغربيين اللذين قصداه، فألفياه بجنته. فدقا عليه الباب، فخرج إليهما في صورة خدمة الجنات، فعرّفاه أنهما يريدان لقاء القاضي، وهما يظنان أنه أجيره. فقال لهما: ترونه إن شاء الله تعالى. فلما قضى شغله لبس ثيابه، وركب حماره، وانصرف الى المدينة والرجلان معه. وتبين لهما من إجلاله وإكبار الناس له، أنه القاضي، فاعتذرا له، فهون عليهما ونظر في قصتهما. ومن خبره أن إدريس بن علي الحسني، أمير سبتة إذ ذاك، رأى هلال شوال في جماعة من أصحابه، ولم يره أحد من أهل سبتة سواهم. فقال له بعض أصحابه: إدفع شهادتك الى القاضي، وثبات ذلك عندك وصحته. فقال لهم ابن حمود: ذلك لا يغني عنده شيئًا، فأنكروا ذلك عليه. فقال لهم: سترون. ووجه إليه بعض ثقاته، يخبرونه برؤيتهم الهلال. ويأمه بالخروج من عندهم الى الصلاة، مع الناس. فقال لهم: إن كان ثبت عندي شيء يوجب أمرًا الى الآن. فرجع الرسول إليه. فقال لهم أبيتم إلا فضيحتنا.
стр. 1340
وقطع اليقين على أنه لا يقبل شهادتنا؟ قال: وجاء داخل الليل شيء من الصيادين، في البحر من الثقات. فأخبروه بكشفهم الهلال، من موضع صيدهم، ورؤيتهم له.
فأثبت شهادتهم ووجه الى ابن حمود بإثبات الخبر عنده، بشهادة من شهد بذلك من الصيادين، فزادهم عجبًا. وقد بسطنا من أخباره أشبع من هذا في قضاة السبتيين من تاريخنا. ولم يزل ابن أبي مسلم يتردد في الاستعفاء من القضاء الى آخر أيام إدريس. فصرفه وألحقه غضاضته. وسبب عليه من يطلبه، بما تولاه من الأحباس والأوقاف، فوقاه الله شرهم. توفي إثر ذلك في نحو ثلاثين وأربعماية. وكانت مدة قضائه، بضعًا وعشرين سة. وابنه أبو الفضل حمود، أحد رجالات سبتة. وكان قليل العلم، استشاره البرغواطيون في قلة الفقهاء. وكان المنظور إليه في البلد من مواليهم الأدراسة، سمع منه ابنه حمود، وابن أخيه ابراهيم بن الفضل القاضي، وقاسم بن علا قومه، وبنو عنان، وعبد الله بن محمد بن غالب، واسماعيل بن حمزة وابن المري، والمسيلي، ومحمد بن سليمان المعافري، وجماعة سواهم، من أهل بلدنا. والغرباء، ورحل إليه، ﵀.
من أهل الأندلس
عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون
أبو بكر المخزومي. قرطبي. أبو بني زيدون، وزراء العبّادية. كان أحد أصحاب ابن ذكوان، وكان متفننًا في ضروب العلم، جم الرواية والمعرفة. فصيحًا، جميل الأخلاق. ويخضب بالسواد، وكان أحد المشاورين المفتين بقرطبة. وابنه الأديب أبو بكر ابن زيدون ذو الثناء البعيد، في جودة الشعر والبلاغة. ولي كتابة المعتضد ابن عبّاد، وابنه، وليَ بعده
стр. 1341
وزارة ابنه المعتمد. وقتله المرابطون عند دخولهم عليه قرطبة، وقتلهم صاحبها المأمون ابن المعتمد بن عبّاد. وكانت وفاة الفقيه أبي بكر ابن زيدون: سنة خمس وأربعماية. وهو كهل، ابن نحود الخمسين سنة بالبيرة، فجيء بتابوته الى قرطبة. فدفن بها. ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثماية. ورثاه أبو عبادة ابن ماء السماء الشاعر، بقصيدة أولها:
أي ركن من الشهادة هيضا … وجموم من المكارم غيضا
حملوه من بلدة نحو أخرى … كي يوافوا به ثراه الأريضا
مثل حمل الرياح مزنًا طبيبًا … ليداوي به مكانًا مريضا
أبو عبد الله محمد بن عمر
المعروف بابن الفخار، ويعرف بالحافظ - لقب عرف به - أحد أئمة المالكية بقرطبة. وأحفظ الناس وأحضرهم علمًا، وأحسنهم تذكّرًا، وأسرعهم جوابًا، وأوقفهم على اختلاف العلماء، مرجحًا بين المذهبين. جافظًا للحديث والأثر، مائلًا الى الحجة والنظر، سمع أبا عيسى، وكان أولًا يميل الى مذهب الشافعي، ثم تركه. وروى عن الربيع أنه قال: دخلت على الشافعي في مرض موته، فوجدته يبكي. فقلت له: ما بكاؤك رحمك الله. قال أبكي، والله، لمفارقة مذهب مالك، وأنا أعلم أنه الحق. وكان ابن الفخار، يفضل داود القياسي ويقول في بعض الأشياء بقوله.
قرأت بخط أبي محمد ابن أبي قحافة الفقيه. وذكر ابن الفخار، فقال: كان واحد عصره، وبديع دهره، ورئيس وقته، وعالم فقهه. وكان أرزق الناس وأسكنهم طائرًا، وأقنعهم مجلسًا، قبل أن يهاج. وكان سريع
стр. 1342
الغضب، تبدر منه عند ذلك بوادر، لا يضبط كلامه عند ذلك. وكان ذا منزلة عظيمة في النّسك، والفقه، والتقشف، والمشاورة في الأحكام. ورحل الى المشرق، فحجّ، وجاور واتسع في الرواية. وسكن مدينة النبي ﷺ . وشوّر بها، فكان يفخر بذلك على أصحابه. وكان كثير الانتزاع بكتاب الله تعالى. حاضر الجواب في ذلك. وحكي أنه قال: لما حججت وانصرفنا، وصلت برقة. فرأيت قائلًا يقول لي في النوم: يا محمد ارجع فحجّ، فإنك لم تحجّ. ففكرت في العلة. فوجدت المال الذي أنفقته، فيه شيء، فتفرغت من بقيته، ورجعت أخدم في سقي الماء وغيره، حتى حججت مرة ثانية. فلما بلغت برقة رأيت ذلك القائل بعينه يقول لي: قد قبل حجّك. وله اختصار في كتاب نوادر الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد. ورد عليه في بعض مسائله، واختصار المبسوط لاسماعيل القاضي، لا بأس به. وله رد على أبي محمد ابن أبي زيد، في رسالته، ردًا تعسف عليه فيه. في كتاب سماه التبصرة. ورد على أبي عبد الله بن العطار في وثائقه. وكانت له مذاهب، أخذ بها في خصة نفسه، خالف فيها أهل قطره. وكان يصلي الإشفاع خمسًا، ويعجل بصلاة العصر شديدًا ولا يرى غسل الذكر كله من المذي. وكانت له أعمال من البر صالحة. ودعوات مستجابات. وانتفع المسلمون بوعظه، وإرشاده. وفرّ عن قرطبة عند غلبة البرابرة عليها، لهدرهم دمه. إذ كان أحد المشددين في صلحهم، والنهي عنهم. فاضطرب بجهات الغرب والشرق وألقى عصاه ببلنسية. فأقام بها مطاعًا الى أن هلك لعشر خلون من ربيع الأول، سنة تسع عشرة فيما قاله ابن حيان. وثمان عشرة فيما قاله ابن مفرج، وأربعماية. وسنّه نحو الثمانين سنة.
وكان الحفل في جنازته عظيمًا، وعاين الناس فيها آية من طيور سوداء، مثل أمثال الخطاطيف تخللت الجمع دافقة فوق نعشه، مرفرفة
стр. 1343
عليه، لم تفارقه الى أن ووري في لحده، وسوي علي، فعجب منها.
أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن التجيبي
المعروف بابن حرمل، قرطبي. كبير المفتين في هذه الطبقة. سمع أبا ابراهيم، وابن الأحمر، وابن حارث، وابن مطرف، وأبا عثمان بن عبد ربه، وابن السليم القاضي، وأبا عيسى، واسماعيل بن بدر، وأبا جعفر التميمي. أخذ عنه ابن عتاب، وحاتم، جميع مسائل ابن زرب. قال أبو عبد الله الخولاني: كان من أهل العلم والصلاح، والفضل. قديم الخير. قال ابن حيان: كان حافظًا عالمًا، راوية، وجيهًا في قضاء الحوائج. طليق المحيا لجميع الناس، ولحقته زمانة أقعدته آخر عمره في بيته. وتوفي في منتصف صفر، سنة نيف وعشرة وأربعماية، فقده الناس. وترك ابنه محمدًا. وكان له حظّ من علم الشروط والأدب والمعرفة. ولم يحذق الفقه حذق غيره، ولا حفظ المسألة حتى حفظها. وكان ذا مروءة وظرف وفصاحة. توفي سنة خمس وثلاثين وأربعماية. ومولده سنة إحدى وسبعين وثلاثماية. رحمه الله تعالى.
أبو المطرف عبد الرحمن بن هارون بن عبد الرحمن الأنصاري
المعروف بالقنازعي. منسوب الى صنعته. قرطبي، فقيه زاهد ورع، متقشف، تفقه بالأصيلي، وابن المكوى، وابن أخي مسلمة، ونظرائه بالأندلس. وسمع الحديث بها من ابن أبي عيسى، والقلعي، وابن عون الله، وابن الخراز والباجي، وابن القوطية، وأبي المغيرة ابن بتري،
стр. 1344
وابن مفرج. ثم رحل الى المشرق، فلقي
ابن أبي زيد بالقيروان، وأخذ عنه، وحجّ وسع بمصر، من أبي علي المطرزي، وأبي الحسن ابن شعبان، وأبي القاسم ابن المؤمل، وأبي محمد الفاسي، وأبي الطيب الحريري، وأجازه ابن رشيق. وأخذ عن أبي بكر الأرموني، ثم تركه، إذ رآه داخل بني عبيد. وخرج محملًا بهم، فحمل بين يديه بين السماطين، وكان يقول: إنه دخل مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط. وفيه من مجالس المالكية في الفقه، والحديث نحو عشرين حلقة. وأهله يشكون لقياه والنقص بانتقال الدولة للشيعة على السنة. وحدث أبو علي المطرزي أن حمزة الكناني، قال له في سنة ثمان وأربعماية: سيمر بك سنة تسع وستين إن عشت، ولست والله ترى في الجامع من ينصر الله، ولا رسول من سنة. قال المطرزي: فمات من كان بها من العلماء. ومنع بقيتهم من الجلوس في الجامع. والأمير كان على مذهب الشيعة. فجاءت السنة المؤرخة، بما قال حمزة. وذكر الفقيه أبو عبد الله بن عتّاب، فقال: كان خيرًا فاضلًا. قدمه القاضي ابن بشر الى الشورى، فلم يلتفت الى ذلك، واستحضره للشهادة فاعتذر، وأبى. وكان يقرأ القرآن. قال ابن عبد البر: كان خيرًا عفيفًا ورعًا. كان يلبس قميصًا أبيض، على فروة. وربما لبس الفروة دونها. قال ابن الحصار: كان ورعًا زاهدًا صالحًا، من أهل العلم والتفقه في الحديث، وعلوم القرآن، من أحسن الناس تثبتًا لرواية يحيى، وعناية بها. قال ابن حيان، وذكره، فقال: الفقيه المقرئ الراوية الحافظ الزاهد المخبت الورع، المتقشف الفاضل العالم، أحد من تناهت فيه خلال الصلاح بقرطبة. وعظمت به المنفعة. ظاهره وباطنه. وسلك سبيل السلف المتقدمين من هذه الأمة في الزهد في
стр. 1345
الدنيا، والبعد عن الأمراء والقناعة باليسير، والحرص على التعليم والرضى عن الله، والتذكر لبلائه. وكان ممن امتحن بالبرابرة في الفتنة، أيام ظهورهم على قرطبة. محنة أودت بحاله، وقدحت في خاطره. فعراه طيف خيال خفيف، يغشاه فلا
يؤذيه، واضطر الى مؤاجرة نفسه في الإمامة والتعليم على حد من التحري. وتسرح في أيام الأخمسة والجمعات، الى الإسماع والتفقه. وكان أقوم من بقي بحديث موطأ مالك ﵀، وله في تفسيره كتاب مشهور، مفيد مستعمل، واختصار كتاب ابن سلام في تفسير القرآن، وكتاب اختصار وثائق ابن الهندي. وكان له حظ من علم العربية، يستقل به. روى عنه ابن عتاب، وابن عبد البر، وابن الطبني، وأبو أحمد جعفر ابن عبد الله التجيبي، وعبد الرحمن القلعي، والطرابلسي. مولده سنة إحدى وأربعين وثلاثماية. وتوفي في رجب سنة ثلاث عشرة وأربعماية بقرطبة. ﵀. وجعلت رجلاه مما يلي يحيى بن يحيى.
أحمد ويحيى ابنا حكم العاملي
المعروف بابن اللبان من أهل قرطبة. وليَ أحمد قضاء طليطلة. وأخذ المنصور بها عيدًا، فخطب به أحمد بإشارة ابن ذكوان القاضي، تنويهًا به. فارتج عليه، ففزع الى الدعاء ثم صلى. فقال المنصور لابن ذكوان: لم يف ضمانك فيه، لم يأمر بشرائع الإسلام. فذكر له ذلك ابن ذكوان، فقال: أحببت السنّة في تقصير الخطبة، ولم أظن أنكم نسيتم شرائع الإسلام فأذكركم بها. فلما بلغ المنصور كلامه ضحك واستظرفه. وأما أخوه يحيى، فكان في عداد المشاورين بقرطبة. ولم يكن فيها أهلًا لذلك. كان قليل العلم.
стр. 1346
أبو سعيد عمران بن عبد ربه
المعافري. قرطبي. فقيه صالح، اختصر كتاب الدلائل الكبير للأصيلي. وتوفي بقرطبة سنة إحدى وعشرين وأربعماية. رحمه الله تعالى.
أبو محمد الشقاق
واسمه عبد الله بن سعيد بن محمد، قرطبي. شيخ المفتين بها في وقته، وأحد أكابر
أصحاب بني عمر بن المكوى المختصين بقرنائه. وقرأ القرآن على ابن النعمان. وسمع من أبي محمد القلعي. قال أبو مروان: كان أحد علماء الأندلسيين النحارير المبرزين في الفقه، والحذق بالفتوى والشروط والفرائض، والحساب. إمامًا في القراءات والتفسير، مشاركًا في الأدب والعربية والخبر، وانفرد هو وصاحبه أبو محمد بن دحون برئاسة العلم بقرطبة. وكانا خليلي صفاء. وقد عمل عمَل القضاء بعهد الجماعة، ببعض الجهات، ونظر بالحكم بالرد في الفتنة، وذكره أبو عمرو المقرئ في طبقات القراء فقال: كان مقرئًا بالقرى في مسجده، بقرطبة زمانًا. قال أبو حيان: كان هو وصاحبه ابن دحون يرخصان في السماع. توفي آخر رمضان، سنة ست وعشرين وهو ابن إحدى وثمانين سنة. مولده سنة ست وأربعين وثلاثمائة. ﵀.
أبو محمد عبد الله بن يحيى بن دحون
أجد جلّة شيوخ المفتين بقرطبة وكبار أصحاب ابن المكوى، وابن زرب. صحبهما وتفقه بهما وبغيرهما. قال ابن حيان: لم يكن في أصحاب
стр. 1347
ابن المكوى، بإجماع، أفقه منه. ولا أغوص على الفتيا ولا أضبط للروايات مع نصيب من الأدب والخبر. ولم يكن معه كتب إلا يسيرًا من الأصول. وكان بقية علماء وقته بقرطبة. وعاش بعد قرنائه، فانفرد بالرئاسة، بقية مدته. وكان فكه المجلس. جمّ الإفادة. شديد التواضع مع رفعة حاله، وتقديم الناس له. يشتري جميع ما يحتاج إليه في الأسواق لنفسه. حسن الرأي. أنشد بعض الأدباء لابن دحون، وزعم أنها من قوله، وهي تنشد لابن الروي ﵀:
عجبت من الخير في أنعم بالدجى … وأصبح ريّاه مع الصبح يعجب
فخلت الرِّيا طبعًا له فكأنه … فقيه يرائي وهو بالليل يشرب
قال ابن حيان: وكان يرخص في السماع، ويجادل فيه عن مذهبه. وسئل عن
حاله، فقال: ما حال من يعثر في ثوبه ويلقط الحيوان في جسمه. وتوفي في صدر محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعماية. وسنه تسع وثمانون.
أبو محمد حماد بن عمار الزاهد
قرطبي. كان منقطع القرين في فضله. جمع الى العلم الأدب والفقه، والبلاغة. وكان منزويًا عن الناس، منقبضًا عن الرؤساء، متبركًا به، مقطوعًا بفضله. خرج بعد الفتنة الى طليطلة، وطلب لقضاء قرطبة في الفتنة، فلم يطمع به. ولا أعلم أنه أخذ عنه علم. وبه ختم زهاد الأندلس، من طبقته. حدث عنه الطرابلسي. وتوفي بطليطلة سنة اثنتين وثلاثين وأربعماية. وسنه بالقياس أزيد من ماية سنة. وهو ممتع بجوارحه.
стр. 1348
أبو القاسم ابن نابل ﵀
واسمه: يحيى بن عمر بن حسين بن محمد بن نابل، قرطبي. بيته، من بيت علم. جدّه أبو بكر: من أهل الرواية الواسعة، عن أحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وابن لبابة، والقاضي أسلم. وابن الأعرابي، والطحاوي، والزبيدي، وابن أبي مطر، وأبي الطاهر المدني، وابن الورد، ونظرائهم من الأندلسيين، والمشرقيين. وكان شيخًا صالحًا. له حظ من الفقه، وعقد الشروط، وتصرف في العربية والشعر، وقرضه. غلبت عليه الرواية. حدث عنه ابن الفرضي وغيره. وكانت فيه غفلة. توفي سنة تسع وسبعين وثلاثماية، فيما قاله ابن عفيف، أو اثنين وسبعين. فيما قاله ابن الفرضي. ومولده سنة ست وتسعين ومايتين. وأبوه عمر بن حسين من أهل العلم والرواية أيضًا، عن قاسم بن أصبغ - وهو آخر من حمل عنه - وابن أبي دليم، ووهب، وطبقتهم. وكان مسندًا صدوقًا ثقة فاضلًا ورعًا. وعمي، وسُمع منه على حالته. وروى عنه ابنه أبو
القاسم هذا.
قال ابن عفيف: كان من أنجب في العلم وتفقه، وشهر بالحفظ الجيد، وقُدّم الى الشورى أيام القاضي ابن ذكوان. قال أبو عبد الله بن الحصار، كان من أهل الخير والفضل والصلاح، والتقدم في الفهم والأمانة في العلم. فقيه مشاور من بيت طهارة، واستقامة وهدي، رحل مع أبيه فحجا، وسمع من رجال المشرق. وقال ابن حيان: كان فقيهًا فاضلًا، خيرًا ورعًا، مقتديًا بالسلف، وقلده هشام المؤيد خطة الردّ بقرطبة.
стр. 1349
فجاءته الولاية يوم وفاته وكان موصوفًا ببر والدته، حتى أنه أسخط أباه بإرضائها. لما وكلته بمخاصمته في حقوق ادعتها قبله - أيام فارقها - فرأيت في كتاب الإمام أبي بكر الطرطوشي: حكى لنا أستاذنا أبو الوليد الباجي، أن امرأة وكلت ولدها على زوجها في طلب مال لها عنده، فأبى. فاستشار الفقهاء بقرطبة. فأشار بعضهم أن يطيع أمه. فيتوكل لها عليه، مراعاة بأن مبرة الأم آكد للحديث الوارد في ذلك. فلعل هذه الحكاية التي حكاها أبو الوليد، هي في قصة أبي القاسم هذا، أو غيره، فالله أعلم. ولما كانت الحادثة في نكبة بني ذكوان، رؤساء قرطبة. وكان أبو القاسم هذا صديقًا لهم، أعظم ما جرى عليهم كما قدمناه عن ابن المكوى. فلحقه من الأمر جزع عظيم، اختلط من أجله، فاحتجب ستة أيام. وذلك سنة إحدى وأربعماية. وأبوه عم حي بعد، مكفوف البصر، فصلى عليه ثم مات بعده بيسير، في السنة نفسها. وظهرت في موت عمر هذا آية وكرامة، وذلك أنه عهد الى ابنه أن يدرجه في كفنه، دون قطن، فخالفه وألقى القطن. فلما سوي فوق أكفانه على المشجب للبخور طارت شرارة، أحرقت القطن فأخبر حينئذ ابن ابنه بالأمر. فكفن دون قطن. كما عهد ﵏. وأخوه ابراهيم بن محمد عم أبي القاسم، شيخ أديب له حظ من العلم. يكنى بأبي إسحاق، ﵀.
أبو علي الحسن بن أيوب الأنصاري
المعروف بالحداد. شيخ الشورى بقرطبة. ومقدم مفتيها لاسيما بعد موت صاحبيه، ابن الشقاق، وابن دحون. كان حافظًا للمسائل، والأجوبة. قائمًا بها على مذهب المالكية، عارفًا بالحديث بارعًا في الخبر والأدب.
стр. 1350
ذا تفنن في المعارف وحذق بالشروط، وسعة الرواية. سمع من أبي عيسى، وأبي علي البغدادي، وأحمد بن هلال، وابن ثابت، وابن عيسى، وابن دحون، وغيرهم. حدث عنه أبو عبد الله بن عتاب. وأبو عبد الله بن الطلاع والساري الطليطلي. وأبو محمد بن الدباغ، وابن الحصار وابنه. توفي سنة خمس وعشرين وأربعماية. وقد بلغ سنًّا عالية. مولده سنة سبع وثلاثين وثلاثماية.
أبو عبد الله ابن الحذاء
واسمه محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب بن داود التميمي. هكذا نسبهم. والحذاء بالذال المعجمة. وحكى ابن عفيف، أنهم يأبون ذلك. ويقولون هو بدال مهملة. من حدا الإبل. وإن جدهم الذي ينسبون إليه هو حادي رسول الله ﷺ . قالوا: ولكن لما سكن أولنا في ربض الحذائين بقرطبة، تصحف على الناس نسبنا، لقرب الحرفيين، ينسبون الى بني أمية. وكان جدهم داود: أمير، يوم مرج راهط. فكان صدرًا في موالي بني أمية. وهو الداخل الى الأندلس من الشام. وكان بنوه ذوي وجاهة في أعمال السلطان بالأندلس، من التقديم على مهم الأعمال والتصريف في الأمور الجليلة. قال ابن عفيف: كان أبو عبد الله هذا فقيهًا عالمًا حافظًا، متفننًا في الأدب، حافظًا للرأي، مميزًا للحديث ورجاله بصيرًا بالوثائق، مرسلًا بليغًا. وكان خطيبًا مجيدًا، ومعبرًا من أبصر الناس بذلك. له فيها نوادر مشهورة، محسنًا، حسن المشاركة للناس. قال ابن عفيف: وغلب عليه الحديث، فبذّ في علومه أهل زمانه. وكان ابن زرب قد
استخثه من صغره. وهو ابن أربعة عشر عامًا، وتفقه عنده، ولقي غيره من شيوخ الأندلس، ﵏، كزكريا بن برطال،
стр. 1351
وابن السليم، ومحمد بن أبي دليم، والأنطاكي، وابن عون، والقلعي، والزبيدي، وابن النعمان، وابن عابد، وأبي عيسى الليثي، وغيرهم. ثم رحل، فلقي ابن أبي زيد بالقيروان، وتفقه معه. وحمل عنه تواليفه، ولقي بمصر الثعالبي، والجوهري والذهلي الكبير. فتفقه عندهم، وسمع منهم ومن عبد الله بن عبد الغني، وابن ماهان، وأبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة، راوية الطحاوي، وابن المهندس، والأدفوي، وابن غلبون، وابن حسنون السامري وابن رشدين وغيرهم. وحجّ فسمع من أبي إسحاق الدينوري، وغير واحد. وكان عدة شيوخه ستين شيخًا. وانصرف فبقي بمصر والقيروان مستكثرًا من مشائخه، متفقهًا عندهم في الحديث والمذهب. وورد الأندلس، فلازم الأصيلي، وارتفعت طبقته في العلم، وولاه السلطان خطة الوثائق والشورى والقضاء، بغير جهة، كإشبيلية وبجانة. ولحقت فتنة البربر، فلحق بالثغر، فوليَ هناك قضاء تطيلة، ثم استوطن سرقسطة، حتى مات بها. وذكر ابنه القاضي أبو عمر، فقال: كان له علم بالفقه والحديث والعبارة للرؤيا، روى عنه الطرابلسي وابن الحصار، قال أبو عبد اللهالخولاني: كان من أهل العناية بالعلم، متقدمًا في الفهم والنّبل، وكان من النقاد يشبه المتقدمين في حذقهم وسيرهم. وألف شرحًا في الموطأ سماه كتاب الاستنباط لمعاني السّنن والأحكام، من أحاديث الموطأ، ثمانين جزءًا، وكتاب التعريف برجال الموطأ، أربعة أسفار، وكتاب البشرى في عبارة الرؤيا، وهو شرح كتاب الكرماني، خمسة عشر جزءًا، وكتاب الأنباء على أسماء الله تعالى. وكتاب الخطب والخطباء. قال ابنه أبو عمرو: ما حدثت عندنا حادثة إلا وقد أنذر بها أبي، حسبما دلت عليه الرؤيا. فنجدها كما قال. مولده سنة سبع وأربعين وثلاثماية، في المحرم. وتوفي سنة عشرة. وقال ابنه ست عشرة
وأربعماية. وهو ابن سبعين سنة. ولقبه: القاضي أبو عمر ﵀.
стр. 1352
أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف
قرطبي. سمع بها من ابن عيسى وابن السليم، وابن زرب، وابن برطال، وابن عون الله، والقلعي، وابن مظهر ناصر السبتي، وعباس بن أصبغ البصري، والزبيدي، وابن القوطية، ومحمد بن رفاعة وغيرهم. وأخذ بحظ وافر من الفقه، وبرع في الوثائق والشروط. قال ابن مفرّج: فلم يكن في عصره أعلم بها منه. وشارف كثيرًا من العلوم، وصحب الصالحين كالقرشي، والقبري، ومسلمة وغيرهم. حدث عنه الطرابلسي، والدلائي. وكان يعظ الناس في مسجده. ويقرأ عليهم كتب الرقائق. وكان كثير الخشية، سريع الدمعة، متهجدًا بالقرآن، متقنًا لأحرفه السبعة، بصيرًا بمعانيه، وإعرابه. عارفًا بالخبر والشعر، طيب المجالسة، وقورًا سمحًا قانعًا برزقه وحظه. وكان يغسل الموتى، وله كتاب حسن في ذلك، سماه كتاب الجنائز. وألّف في علم الشروط تأليفًا حسنًا، وألّف كتاب المعلمين وكتاب الاحتفال في علماء الأندلس، وصل به كتاب ابن عبد البر، وله شعر حسن، ولاه المهدي خطة الشرطة والوثائق. فلما زالت أيامه، قضاه المستعين. فخرج عند حلول الحادثة بقرطبة الى المرية. فنوه به صاحبها. وقلده قضاء لورَقه. فحسنت سيرته، الى أن توفي بها سنة عشر وأربعماية، وسنّه أربع وسبعين سنة. مولده سنة ست وأربعين وثلاثماية.
أبو عامر محمد بن حفص بن الأشعث
المعروف بابن قرطبي. قال ابن حيان: كان عفيفًا سمحًا متصاونًا، عدلًا متأدبًا. مشاورًا لم يكن بالمستبحر في الرأي. كان حسن العلم، مشاركًا في الأدب. توفي سنة تسع وعشرين بقرطبة. وسنه نحو الستين سنة.
стр. 1353
القاضي أبو المطرف ابن بشر
المعروف بابن الحصار، اسمه: عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر، مولى بني فطيس. تقدم ذكر أبيه. وكان أبو المطرف هذا، من أجلّ علماء وقته، علمًا وعقلًا وفقهًا، وسمتًا وعفة وهديًا. صحب ابن ذكوان قاضي الجماعة. وكتب له بعهد الجماعة ووليَ الشورى، مع ابن الفخار، وطبقته. ثم اختاره ابن ذكوان للقضاء في الفتنة، أيام الحمودية. فعمل مدتهم وبعدهم الى أيام المعتمد، آخر خلفاء بني أمية في الفتنة. قال أبو محمد ابن حزم، وذكره في كتابه، قال ابن حيان: لم يكن في وقته بقرطبة مثله، حفظًا للفقه، وحذقًا بالحكم، وبصرًا بالشروط، ومشاركة في الأدب، مع العفة والصيانة، وبعد الهمة. وكان شديد التعسف على الفقهاء والتقويم لميلهم. فلما وليَ المعتمد اجتمعوا عليه وطلبوه، حتى عزله. وولى مسرة بن الصفار، وعهد إليه بالتزام داره، وسد بابه. فأدركه خمول كثير ثم أبيح له الخروج، فمات بقرب ذلك. وقال ابن حيان في موضع آخر: كان عالمًا فطنًا. وكان من الفقه والعلم بالشروط، بمحل كبير. أخذ عن أبيه، وبه تفقه أبو عبد الله بن عتاب. وكتب بين يديه. وكان يفخر ابن عتاب بذلك ويثني عليه. وكانت وفاته منتصف شعبان، سنة اثنتين وعشرين، وشهده الناس وتعاهدوه. وحضر جنازته الخليفة المعتمد. مولده سنة أربع وستين. وكانت مدة قضائه بقرطبة اثنتي عشرة سنة وعشرة أشهر. ﵀.
أبو عبد الله محمد بن علي بن هشام بن عبد الرؤوف الأنصاري
حاكم قرطبة، زمن الحمودية وبعدهم. قال ابن حيان: كان واسع
стр. 1354
العلم حاذقًا بالفتوى، صليبًا في الحكم، شديدًا على أهل الاستطالة. متحققًا بعلم اللسان، ورعًا
عفيفًا متقللًا، جوادًا قوالًا للحق. نفاعًا لإخوانه. طالت ولايته، ولم يوجد له بعد موته كبير شيء. وتوفي في رمضان سنة أربع وعشرين. وكان موته مشهودًا ورثاه ابن الخياط الشاعر بقصيدة أولها:
لو رمت من أسف لكنت خليقًا … لم يبق لي ريب الزمان صديقا
قالوا أبا عبد الإله طوى الردى … فافزع لصبرك قلت لست أطيقا
إن كان أودى علة فأنا الذي … أودي عليه زفرة وشهيقا
حكم يذكرنا بفضل قضائه … وقضائه، الفاروق والصديقا
يرويك قائله إذا ما لم تجد … في فيك من ظمأ الحوادث ريقا
﵃ أجمعين.
الليث بن حريش
أبو الوليد. قرطبي. من مشيخة المفتين بها. وولي قضاء المرية فانتقل إليها، الى أن توفي بها، عقب صفر، سنة ثمان وعشرين وأربعماية، بوجع أصابه لليلته، وقد قارب ثمانين سنة. قال أبو عبد الله بن عتاب: شاهدت القاضي أبا المطرف ابن بشر، يتكلم معه في مسألة. ﵁ ورحمه.
أبو محمد مكي ابن أبي طالب
واسمه محمد - ويقال له حموس - ابن مختار القيسي، وأصله من القيروان، نزيل قرطبة، المقرئ. كان فقيهًا مقرئًا أديبًا متفننًا راوية، وغلب عليه علم القرآن، وكان من الراسخين فيه، أخذ بالقيروان عن أبي محمد ابن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وأبي عبد الله الفراء اللغوي، ورحل الى الشرق سنة
стр. 1355
سبع وسبعين. فلقي ابن الأدفوي، وابن غلبون بمصر، وحجّ عامه. ثم عاد مكة، سنة سبع وثمانين. فأقام بمكة أربعة أعوام، وتحول في رحلته، فلقي من المحدثين
والفقهاء جماعة، منهم: أبو القاسم السقطي، وأبو الفضل أحمد بن عمران الهروي، وأبو العباس أحمد بن محمد بن زكريا البسري، وعبد الرحمن بن علي العباسي، وأبو الحسن المطوَّعي، وصدقه بن أحمد الزقي، وغير هؤلاء. وانصرف الى القيروان سنة اثنتين وسبعين، ودخل قرطبة أيام المظفر ابن أبي عامر، سنة ثلاث وتسعين ولا يؤبه به الى أن تنبه لمكانه ابن ذكوان القاضي، فأجلسه في المسجد الجامع، فنشر علمه وعلا ذكره ورحل إليه الناس، ثم وليَ الخطبة والصلاة مدة، الى أن أقعده عنها الخوف. وكان رسوخه في علم القرآن وتفننه فيه، قراءات وتفاسير ومعاني، نحويًا لغويًا فقيهً راوية. وليَ الشرى وصنف تصانيف جليلة في علوم القرآن، وغير ذلك. ومن أشرف تصانيفه كتاب الهداية في التفسير، وكتاب الكشف في وجوه القراءات، واختصار الحجة للفارسي، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب الإيضاح في ناسخه ومنسوخه. وهو كتاب حسن، وكل تواليفه حسنة، وكتاب المأثور عن مالك في الأحكام، والتفسير والتبصرة والموجز، واختصار أحكام القرآن، والإيجاز واللمع في الإعراب، وانتخاب نظر القرآن للجرجاني، والواعي في الفرائض وغير ذلك. وأخبرني شيخنا الفقيه أبو إسحاق ابراهيم بن جعفر أن له تصنيفًا روى عنه جلة الناس، كأبي عبد الله بن عتاب، وأبي فلان الباجي، وحاتم الطرابلسي، وأبي محمد بن سهل المقري، وبعدهم أبو الأصبغ ابن سهل، وآخر من حدث عنه بالإجازة، شيخنا أبو محمد بن عتاب، وتوفي ﵀ صدر محرم، سنة خمس وخمسين وثلاثماية.
стр. 1356
سليمان بن بيطير بن سليمان بن بيطير بن ربيع الكلبي
أبو أيوب. قرطبي. قال ابن الحصار: كان رجلًا صالحًا حافظًا للمسائل، تفقه
بابن زرب. سمع من ابن الأحمر، وأبا عيسى وابن القوطية، وابن قطر، وله في الكتب الثمانية، لأبي زيد القرطبي، اختصار، واختصر كتب المدينة لعبد الرحمن بن دينار، واختصاره حسن. وخرج الى مالقة، بعد زمن الفتنة.
القاضي يونس ابن الصفار
هو: أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث. قرطبي. وكان أولًا يتولى بني أمية. فلما انقرضت دولتهم، انتمى في الأمصار. نشأ في طلب العلم، فسمع من ابن الأحمر، وابن أبي بدر، وابن ثابت وزكريا بن بطال، وابن الخراز صاحب الصلاة، وابن أبي زمنين، وابن أبي العرب، وأبا عيسى، ومحمد بن عبد العزيز، وابن مجلس الكبير، وابن السليم، وابن جهور المرشاني، وابن زرب والزبيدي، وعبد الرحمن بن أحمد بن بقي، ومحمد بن أحمد بن خالد، وابن القوطية، وابن عبدون، وجماعة سواهم. قال محمد بن عبد الله الخولاني: كان رجلًا صالحًا، قديم الخير والطلب، مع الأدب. مقدمًا في الفقهاء والأدباء، مشاركًا في كل فن. قدمه ابن زرب للشورى، وسمع منه الناس، روى عنه جماعة من الجلة، منهم: القاضي أبو الوليد الباجي، وابن عتاب، وأبو مروان سراج، والعقيلي والطرابلسي، وأبو مروان الطبني، وحازم بن محمد، وأبو عبد الله بن الطلاء، وأبو المطرف الشعبي، وآخر من حدث عنه بالإجازة: أحمد بن محمد الحصار، بعد الخمسماية. قال ابن حيان: كان يونس من أكابر أصحاب ابن زرب، المقدمين في بسط العلم وسعة الرواية وجودة الخطابة، وبراعة الشعر. آخر الخطباء المعدودين،
стр. 1357
وأسند من بقي من المحدثين، وأوسعهم جمعًا وأعلاهم سندًا، وكان خاتمة قضاة بني أمية في الفتنة، وتولى للسلطان أعمالًا كثيرة من القضاء، بالكور والعمل بخطة الرد والشرطة. وولي الشورى بقرطبة والزهراء والزاهرة، وولي قضاء الجماعة أيام المعتمد، وهو ابن نيف وثمانين، وكان يقال بقرطبة، إن مات يونس ولم يلِ
القضاء الجماعة، مات شهيدًا. وكان يميل مع هذا الى التصرف والعبادة والنسك، مع هذا كله. وكان مقدمًا في علم اللسان والأدب، حسن البلاغة سريع الدمعة، ولم يكن بالبارع في فقهه، وتوالى مرضه فاستخلف على الصلاة والخطبة مكي ابن أبي طالب، ولازم الحكم متحاملًا الى أن مات، وأشهد على عهده بالقضاء لحفيده مغيث بن محمد بن يونس، فلم ينفذ فيه عهده بعد موته. فكانت مدته في قضاء قرطبة تسع سنين، ونصفًا. وذكره الأمير أبو نصر في كتابه فقال: مختلف فيه. قال الباجي: هو مشهور بالعلم. قال ابن الحصار: وكان في سيرة يونس أيام قضائه إباحته المقصورة لجميع الناس، ومنع المارة في صحن الجامع. قال أبو مروان الطبني: شهدت يومًا شيخًا جاء الى القاضي يونس يرغب إليه أن يجيز له ما رواه، ولم يرو بعد هذا، فلم يجبه. فغضب السائل، فنظر الى يونس، فقال: يا هذا نعطيك ما لم نأخذ؟ هذا، محال، محال. فقال يونس: هذا جوابي. وأنشد له ابن حيان:
أدافع أيامي بقصد وبلغة … وألزم نفسي الصبر عند الشدائد
وأعلم أني في مكابدة البلاء … بعين الذي يرجوه كل مكابد
وله أيضًا ﵀:
سارع الى الخير وبادر به … فإن من خلفك ما تعلم
لا تسأم الكد وطول السرى … فطالب الفردوس لا يسلم
стр. 1358
وله أيضًا ﵀:
النوم من مرسله رحمة … وراحة للبدن المتعب
فخذ من النوم بحظ فإن … قضيت منه وطرًا فانصب
وألّف كتاب الموعب في تفسير الموطأ، وجمع مسائل ابن زرب، وأكثر تواليفه في أخبار الزهّاد وأرباب الرقائق، وهي تواليف مليحة مفيدة. منها كتاب التسبيب
والتقريب، وكتاب الابتهاج لمحبة الله ، وكتاب المنقطعين الى الله ، وكتاب التهجد، وكتاب فضائل الأنصار، وكتاب التسلي عن حب المدينة، وتكملة كتاب العباد، وكتاب الموجز الكافي ودعاء الصالحين، وكتاب طب القلوب الشافي من ألم الذنوب، وكتاب أنس الوحيد، وكتاب المراقب والمحاضر، وكتاب المعمرين، وكتاب الحكايات، وكتاب فضائل السير في الزاهد، وكتاب المستصرخين بالله تعالى. وتوفي في رجب سنة تسع وعشرين، وقد نيف على التسعين سنة. مولده سنة ثمان وثلاثين وثلاثماية. وهو سليم الحواس. ويخطب ويؤلف.
أبو المطرف عبد الرحمن سعيد بن فرج
أوله من البيرة. وسكن قرطبة، وطلب العلم وتفقه بابن أبي زمنين، ومسلمة بن البتري وطبقتهم. ورحل فحجّ وأخذ عن القابسي، والداودي وغيرهما. وشوّر بقرطبة. وكان كثير الدعاء والذكر، ملازمًا للجامع يقرأ فيه على من يحلق إليه من العامة. قال ابن حيان: ولم يكن من المستبحرين في العلم، ولا من أهل الحذق بالمسائل المالكية. وتوفي سنة تسع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة. مولده سنة ثمان وستين وثلاثماية.
стр. 1359
أبو القاسم أحمد بن مختار بن شهر
قال ابن حيان: كان فقيهًا حافظًا، حسن القيام على المسائل، من بيت نباهة. توفي بقرطبة سنة إحدى عشرة وسنذكر ابنه وغيره، من آل بيته.
أبو مروان عبد الملك بن أحمد بن محمد بن عبد الملك
ابن الأصبغ القرشي المرواني
المعروف بابن المشتري الحناط. من ولد الأصبغ بن هشام بن الحكم بن عبد الرحمن بن معاوية. وكان متقدمًا في فقهاء قرطبة الأشراف، مشاورًا. له حظ من علم المسائل، مع عفة. وله كتاب سمّاه: كنز معرفة الأصول، ورجح مذهب مالك. جمع فيه أشياء من أصول الفقه، ومقدمات العلم، لم يكن فيما جمع من ذلك بالحاذق ولا بالنبيل القول. رواه عنه ابنه. وروى عنه أيضًا ابن الحصار وابنه أحمد. قال ابن الحصار: كان من أهل العلم، مقدمًا في الفهم قديم الخير والفضل. قال: وله تأليف حسن في الفقه والسنن. وولاه المعتمد نقابة قريش. ولم يلها بالأندلس سواه. وامتحن بالشهادة في شأن الدعي المشبه، الذي قام به بنو مروان، وزعموا أنه هشام المؤيد المخلوع، فيمن امتحن بالشهادة من أكابر الناس على عينه. فسقط بذلك بعد تقدمه. وأخرجه بنو جهور الثوار بقرطبة، عن قرطبة لذلك، ولفرط تشيعه في المذكور. وتوفي رحمه الله تعالى، سنة ست وثلاثين إثر ذلك.
стр. 1360
وابنه أبو عبد المهيمن
كان متفقهًا عفيفًا. منقبضًا. روى عن أبيه كتابه. رواه عنه أبو الأصبغ بن سهل القاضي، أبو بكر محمد بن علي حسين المخزومي، المعروف بابن امحي بالحاء المهملة. كان من فقهاء قرطبة. مشهورًا آخر أيام العامرية. فلما انقرضت دولة بني أمية اتهمه بنو حمود بالعصبية لهم. وكان شديدًا في ذلك، فامتحن وسجن وأخرج عن قرطبة، ثم رجع إليها. فمات في محرم سنة أربعماية. ﵀.
أحمد بن ابراهيم بن أبي سفيان الغافقي
أبو عمر. قرطبي. من فقهائها. قال ابن حيان: وكان أديبًا عفيفًا غنيًا وجيهًا. قدمه
المهدي الى الشورى في الفتنة مع ابن بشر، وابن الفخار القروي، وابن المشاء، وابن حيوة الصخري. وتوفي في صفر سنة عشر وأربعماية.
عبد الرحمن بن أحمد بن نصر بن خالد
أبو المطرف. المعروف بابن الطيش، والقاضي. كان ممن قُدِّم بقرطبة للشورى، أيام الفتنة. وولي قضاء إشبيلية. وتوفي آخر سنة تسع وأربعماية.
أبو القاسم خلف بن البناء
الملقب بشراها. من الفقهاء الحفّاظ لمسائل المذهب بقرطبة. وكان
стр. 1361
أمنيًا، وكان أكابر الفقهاء يعترفون بقوة حفظه. توفي في آخر جمادى سنة عشر وأربعماية. ﵀.
أبو الوليد بن هشام ﵀
من فقهاء قرطبة. وليَ الشورى، وتوفي أول سنة خمس عشرة وأربعماية.
أبو محمد الباجي ﵀
من أهل القيروان، وولى المهدي له الشورى بقرطبة في الفتنة.
هشام بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أكدر بن حما
كان من أهل العلم والمعرفة والعفة، والفقه والرواية. سمع من الأصيلي، والعائذي وطبقتهم وأخذ عنه الناس. قال ابن حيان: كان من المقدمين في العلم والعفة واليسار. وعمل للمظفر ابن أبي عامر أعمالًا واسعة من القضاء. كان فيها محمود الطريقة، ولحق الفتنة ولم يتلبس منها بشيء. وكان أصمّ، قال ابن الحصار ﵀: كان من أهل العلم والأدب والفهم، والميز بالرجال. كتب عن الشيوخ ﵃. توفي سنة إحدى وعشرين. ﵀.
خلف بن مروان بن أمية بن حيوة الصخري
والصخرة بلد بغرب الأندلس. قال ابن حيان: كان أحد أكابر الفقهاء بقرطبة. وكانت له عناية بطلب العلم والرحلة فيه الى المشرق. وله بيت
стр. 1362
شهير، ومروءة. ذا معرفة في العلم والنزاهة، والتفقه. قلده الظفر قضاء طليطلة وأعمالها، كارهًا. فحكم بين أهلها مقسطًا، وأقام بها مستعفيًا، الى أن وافاه الأجل، بعد حول. فخرج عنها مبادرًا على بغله الذي جاء عليه، بأخف من خروجه الذي جاء به، ما أبدل في ولايته شكلًا، لبغلته. فضلًا عن غيرها. ولم يقتبس من طليطلة نارًا. فأبكى أهل طليطلة فراقه، ثم وليَ الشورى بقرطبة. صدر الفتنة. فهلك ببلده، في رجب سنة إحدى وأربعماية.
أبو محمد عبد الله بن محمد بن قيد
المعروف بالطليطلي. قرطبي. من أكابر أصحاب الأصيلي. لزمه، وصاحبه للمناظرة والسماع. كان من أهل البراعة في الفقه والحديث، والافتتان في ضروب من العلوم، والتحقق منها بعلم العربية، مع مروءة وعفة. وولي الأحكام بقرطبة، وخطط بالوزارة، ووليَ قضاء بجانة والبيرة. وكان متقعرًا في كلامه. له في ذلك نوادر محفوظة مستظرفة، من ذلك: رسالته الى البربر المشهورة. واخترم قبل أقرانه، ففقد بظاهر قرطبة يوم وقعة النصارى بأهلها، بعقبة البقر، عند تفانن المهدي والمستعين. وانضمت النصارى الى المستعين، القائم عليه بها. وكان المستعين أخرجه معه في جماعة. فكان ممن فقد، ﵀. وكانت هذه الوقعة سنة أربعماية.
عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي
من بيوتات العلم والشرف بقرطبة. قد تقدم ذكر أبيه، وأخيه.
стр. 1363
أخذ عن أبي محمد
الباجي، وطبقته، ووليَ الشورى بقرطبة. فلما كانت الفتنة خرج عن قرطبة. فاستدعاه مجاهد الموفق - صاحب دانية والجزائر الشرقية - فرضيه خليفة، وأخذ له على الناس البيعة. فكان يخطب بنفسه في الجمع، ويصلي. فلم يستجب أحد من أمراء الفتنة لدعوة مجاهد له. وخرب ما بينه وبين مجاهد فهمّ بالقبض على مجاهد. فبادر به مجاهد، وأخرجه عن الأندلس الى ساحل إفريقية، بجهة بجاية، فاستقر هنالك، خاملًا فخفي شأنه، يؤدب الصبيان الى أن مات. حكى أبو علي ابن ذكوان: أن المعيطي كان يختلف الى أبي محمد الباجي بقرطبة، أيام كونه بها. وله منه منزلة. فقال له الباجي يومًا: يا قرشي كأني بك قد أثرت فتنة وتقلدت إمارة، إلا أنك قليل المتعة بها. فاستعذ بالله من شرها. فوجم المعيطي وقال له: من أين يقول الشيخ هذا؟ ويعلم الله بعدي منه. فقال: رأيتك في النوم، توقد نارًا حطبها زرجون، لم تلبث أن خمدت فأوّلتها ذلك. وكانت وفاته بموضع خموله، سنة اثنتين وثلاثين وأربعماية. ﵀.
أحمد بن عمر بن عبد الله بن منظور الحضرمي
إشبيلي. أبو القاسم، يعرف بابن عصفور. كان ببلده فقيهًا مشاورًا خطيبًا فاضلًا، صالحًا زاهدًا، عاقلًا، من أهل العلم والأدب، يروي عن أبي محمد الباجي، ونمطه. وكان شاعرًا مطبوعًا. ذكره أبو عبد الله ابن الحصار، وحدث عنه. وقال أبو حيان: توفي الأديب الخطيب الناسك ابن عصفور، صاحب صلاة إشبيلية، وكان ناسكًا في الورع والعلم والحكاية، سنة عشر وأربعماية، ببلده، ﵁.
стр. 1364
أبو بكر ابن زهر ﵀
واسمه: محمد بن مروان بن زهر الإيادي، إشبيلي. شهير البيت بها نبيه. سمع من
ابن الأحمر، وابن ثابت، وابن عيسى، وأبي يحيى ابن بطال، وأبي بكر ابن القوطية، وابن زرب والجسري، وغيره. حدث عنه أبو المظفر ابن سلمة الطليطلي، وحاتم بن محمد وأبو عبد الله الحصار وابنه، وابن الفرات البطليوسي، وأبو جعفر بن مغيث. وبه تفقه أهل طليطلة. قال محمد بن الحصار الخولاني: كان فقيهًا مشاورًا من أهل العلم، والحفظ للمسائل، قائمًا بها، مطبوعًا في الفتيا على الأصول. ذكر أبو الأصبغ بن سهل: أنه كان من يفتي في الإيمان اللازمة، بطلقة واحدة على ما ذهب إليه أبو عمران الفاسي. قال أبو الأصبغ: وكان بعض الطليطليين يفتي فيها بواحدة بائنة. ولا أعلم لقوله بائنة، وجهًا.
خبر محنته ﵁
ولما قام أبو القاسم ابن عباد في الفتنة بإشبيلية، واقتنصها ملكًا لنفسه واحتاط لحاله، فنكب كل من خشي على نفسه من كبرائها منه، وكان الرجل حيث كان جلالة وعلمًا، فخاف على نفسه، وسكن طليطلة مدة. فعندها أخذ الطليطليون عنه. وتفقهوا معه، ثم رُدّ بالثغور الشرقية، الى أن مات، واقتطع بنو عباد عند مغيبه أمواله، واستصفوه. كانت واسعة، ومن ذريته هؤلاء، بنو أزهر النجباء، منهم ابنه عبد الملك ابن أبي بكر. ثم مال الى الطب، ففاق. ورأس أهل وقته، وتلاه في ذلك ابنه الوزير الأجلّ، أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر. ففاق أهل وقته، جلالة
стр. 1365
وعلمًا وجاهًا، ومكانة عند الرؤساء، والخاصة والعامة. مولده سنة ثمان وثلاثين، وثلاثماية.
سليمان بن بطّال
أبو أيوب البطليوسي، وانتقل الى البيرة. ويعرف بالمتلمس. كان مقدمًا في أهل العلم والفقه والفهم، والشعر والأدب. وكان أولًا كثير الشعر، مشهورًا به، ومال
آخرًا الى الزهد، وترك قول الشعر. وله كتاب في مسائل الأحكام، سماه المقنع. عليه مدار المفتين والحكام. قال ابن عبد البر: وليس لمالكي مثله في معناه. وكتاب في الزهد سماه الموقظ. وكتاب أدب الهموم، وكتاب الدليل الى طاعة الجليل. وبمثل هذا الاسم، سمي أيضًا أبو علي الطلمنكي، كتابه الكبير. حدث عنه أبو عمر بن عبد البر، وحكم بن محمد بن أبي الربيع الأيسري، وابن الرمينة السبتي، وابن الحصار الإمام. توفي عام اثنين وأربعماية، فيما أظن.
عيسى بن معاوية
إشبيلي، الضرير. أحد وجوه أهل إشبيلية ورجالاتهم ودهاتهم، مع المعرفة والعلم والنزاهة. وليَ القضاء بعهد المنصور. وكان يقول: منه جنة لو عوينت ببصر، لطمست الأعين. وكان من أصحاب ابن ذكوان. فلزم الانقباض وحسن الطريقة، الى أن مات ﵀.
أبو الوليد بن محمد بن عباد اللخمي
إشبيلي. قال ابن حيان: كان رجل غرب الأندلس في وقته. وكان
стр. 1366
حسن المعرفة، يقطع من العلم جليله، صالح النظر في الفقه، عالمًا كاتبًا حليمًا أديبًا، حسيبًا كثير التوجيه للمرافق، وافر النعمة. ذكروا أن أملاكه كانت تعدل ثلث كورته. لم يكن رئيس يعدله في قراه. قديم الجاه عند سلطان الأندلس، زمن العامرية، مشتغلًا لهم بالأمور العظيمة، تولى قضاء بلده، وعمله مدة. ثم صرف عنها أيام المظفر عند ارتياده للقضاء أهل السلامة. واستقدم الى قرطبة، وولي مكانه أبو عمر ابن الباجي، نحو سنة. فلم يحمدوه في أمورهم، ولا قام لهم مقامه، ولم يخلص القضاء بغيره. فاضطروا إليه، وردوه الى عمله، وصرفوا الآخر صرفًا جميلًا. وأصيب ببصره آخرًا، فاحتيج إليه، على ما هو به. وقعد عن القضاء آخرًا، شيخًا. وكان
أهل الغرب لا يخرجون عن طاعته. وتوفي في ربيع الآخر سنة عشرة وأربعماية. وانتصب للرئاسة مكانه ابنه، أبو القاسم محمد، وكان جزلًا ذا أدب ومروءة، وولاه القاسم ابن حمود القضاء، مكان أبيه، فسد مكانه، وأثروا صيته الى أن ثار ببلده عند اضطراب أمر بني حمود، فتأمر به، وحاز رئاسته وأورثها عقبه، فجاءوا بعد من أجل الملوك بالأندلس.
أبو عمر الطلمنكي
واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن أبي عيسى - واسمه لبّ - ابن يحيى بن محمد بن قزلمان المعافري، أصله من طلمنكة، بثغر الأندلس الشرقي، وبها ولد، ونشأ بقرطبة. فسمع من رجالها: ابن مفرج، وابن عون الله، وأبي محمد القلعي، وأبي عيسى، وأبي القاسم خلف بن محمد المكتب، وزكريا بن خالد، وابن ناصر السبتي، وابن النعمان والأنطاكي، وابن زرب، وحسين بنابل، والزبيدي، وعباس بن أصبغ، ومحمد
стр. 1367
بن خليفة ومسلمة بن بتري، وابن جندل، وابن البلكاوشي، وطبقتهم. ورحل الى المشرق فلقي جماعة منهم ابن عمار الدمياطي، وأبو الطيب بن غلبون وابنه ظاهر، والأدفوي، وأبو القاسم الجوهري، وابن صفوان البرذعي، وابن المهندس، وابن عراك، وابن أبي غالب، وابن سنجر، وأبو إسحاق التمار، وغير هؤلاء. سع منه وحدث عنه الجلة، سماعًا وإجازة. منهم حاتم الطرابلسي، وأبو عبد الله بن عتاب، وابن المرابط وابن فوريش، والمووفشي. وأبو عمر بن الحرار، واتسعت روايته. وتعين في علوم الشريعة. وغلب عليه القرآن والحديث ألف تواليف نافعة كثيرة، كبارًا، ومختصرة، احتسابًا. ككتاب الدليل الى معرفة الجليل، نحو ماية جزء. وكتابه في تفسير القرآن، نحو هذا. وكتاب البيان في إعراب القرآن. وفضائل مالك، ورجال الموطأ، وكتاب الرد على ابن مسرة، وكتاب الوصول الى معرفة الأصول. وغير ذلك من تواليفه. قال حاتم: كان أبو
عمر من أهل الإقامة بالعلم، والضبط له، وله علوم ما شاء حسنة. قال ابن الحصار الخولاني: كان من الفضلاء الصالحين، على هدى وسنّة. قديم الطلب والعلم. مقدمًا في الفهم مجودًا للقرآن. حسن اللفظ، فضائله جمة أكثر من أن تحصى. قال أبو معمر عمر المقرئ: وكان خيرًا فاضلًا، ضابطًا لما روى. قال ابن الحذاء: وكان فاضلًا شديدًا في كتاب الله تعالى. سيفًا على أهل البدع، سكن قرطبة وأقرأ بها. ثم سكن المرية ثم البيرة ثم سرقسطة. ثم عاد الى بلده، طلمنكة، مرابطًا. فتوفي بها صدر محرم، سنة تسع وعشرين، وقيل في ذي الحجة سنة ثمان، وقد قارب التسعين، وصحبه ذهنه. مولده سنة أربعين وثلاثماية.
стр. 1368
أبو الوليد بن مقبل ﵀
واسمه محمد بن عبد الله البكري. من أهل مرسية، ولازم مدة قرطبة، وبها تفقه. ثم عاد الى بلده. سمع من سهل بن ابراهيم الاستجي. حدث عنه أبو عبد الله ابن المرابط، وأبو عمر ابن الحذاء، وأبو بكر عبد الرحمن بن عيسى السماني. وآخر من حدث عنه، صاحب المظالم ابن طاهر. كان فقيهًا ديّنًا. وقال أبو عمر ابن الحذاء: ما رأيت أتم منه ورعًا، ولا أحسن خلقًا، وكرمًا. لم يأكل لحمًا. مذ وقعت الفتنة إلا من طير أو حوت، ولا لبس خفًّا، إلا من جلود، ميورقة، إذ لم يدخلها النهب. وكان من أحفظ الناس لمذهب مالك. وأقومهم فيه حجة. عالمًا بصحيح الحديث، وسقيمه ورجاله. وباللغة والنحو والشعر والقراءات. وكان كثير الضيافة على توسط حاله. ولقد أضاف أقوامًا نزلوا به أعوامًا. وكان محسودًا ببلده. وتوفي فيها. قرأته بخط شيخنا القاضي عبد الله التميمي، في شوال سنة ست وثلاثين وأربعماية. مولده سنة اثنتين وستين وثلاثماية.
أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي
سكن المرية، من أهل العلم الراسخين فيه. المتفنني في الفقه والحديث والعبارة، والنظر. صحب الأصيلي، وسمع منه، وتفقه معه. وكان صهره، وسمع أيضًا من غيره، من شيوخ الأندلس، كأبي زكريا الأشعري، وعبد الوارث بن خيرون، ورحل فسمع بالقيروان ومصر من جماعة. منهم: أبو الحسن القابسي، وأبو ذر الهروي، ويحيى بن محمد الطحان، وعبد الوهاب بن الحسن بن منير الخشاب، وأخوه عبد الله، وأبو بكر ابن يزيد
стр. 1369
الأنطاكي، ومحمد بن عباس، وأبو جعفر ابن مسمار، وأبو عبد الله بن يسار، وأبو بكر بن ابراهيم البغدادي، المعروف بابن الحداد، وأبو إسحاق المصري، وأبو عبد الله بن صالح المصري، ومحمد بن شاكر. وروى عن أبي الحسن الطائي العابد، كتبه. حدث عنه القاضي ابن المرابط، وأبو عم ابن الحذاء، وأبو العباس الدلائي، وحاتم الطرابلسي. وولي القضاء بمالقة. قال أبو عمر ابن الحذاء: كان أذهن من لقيت، وأفهمهم وأفصحهم. قال أبو الأصبغ ابن سهل القاضي: كان أبو القاسم وأبو محمد من كبار أصحاب الأصيلي، وبأبي القاسم حيا كتاب البخاري بالأندلس، لأنه قرئ عليه تفقهًا، أيام حياته. وشرحه واختصره. وله في البخاري، اختصار مشهور، سماه كتاب النصيح في اختصار الصحيح. وعلق عليه تعليقًا في شرحه مفيد. وتوفي سنة ثلاث وثلاثين، أو نحو ذلك.
أخوه محمد ﵀
سمع من الأصيلي. وكان من كبار أصحابه، وتوفي بالقيروان. وقد سمع منه أخوه المهلب، وله شرح في اختصار ملخص أبي الحسن القابسي. ﵀.
أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أرباح الأموي
الشنتجالي، الشيخ الصالح. طلب بالأندلس، وأخذ عن سلمة الزاهد. ورحل الى المشرق فجاور بمكة، بضعًا وثلاثين سنة. يثابر على الحج، وكتابة الحديث والقيام بالعلم، وأكثر من ذلك. واشتهر هنالك اسمه، وانتفع به، وحصل على منزلة رفيعة في النسك والخير. وكان الغالب عليه.
стр. 1370
قال الباجي: كان شيخنا صالحًا يكنى بالضابط. سمع من أبي سعيد السنجري، وأبي سعيد الواعظ، وأبي بكر المطوعي، وأبي الحسن الطائي الفقيه، وأبي الحسن ابن فراس، وأبي القاسم السقطي، وأبي ذر، والقاضي أبي العباس الكرخي، وأبي عبد الله الوشاء، وأبي العباس الكناني، وأبي الحسن القروي، وأبي الفضل بن أحمد الهروي وغيرهم. وانصرف الى الأندلس، سنة ثلاث وثلاثين، راغبًا في الجهاد. فلم يزل مثابرًا عليه بالثغور والناس يأخذون عنه، خلال ذلك. حدث عنه خلق كثير. منهم أبو عبد الله بن عتاب، والطرابلسي، ومحمد بن الحصار، وأبو حفص الهروي، وآخر من حدث عنه بالإجازة: شيخنا، أبو محم بن عتاب. ودخل قرطبة، فسمع منه بها مسلم، وأجازه لكل من دخل قرطبة من طالبي العلم. قال القاضي أبو الأصبغ: سألت ابن عتاب إجازة، كتاب مسلم. وكان الشيخ سمعه من الشنتجالي. فقال لي: أنتم ونحن سواء. قد أجاز الشنتجالي، لكل من دخل قرطبة من طالبي العلم. قال المؤلف ﵁: ذكرنا هذه الحكاية ليعلم أن مذهب هؤلاء الثلاثة، جواز إجازة المجهول، المختلف فيها. وقد رأيت إجازة القاضي أبي الأصبغ ابن سهل، بخط يده لكل من طلب عنده العلم بسبته، بلده. وله مختصر في الفقه مشهور. وكان يوالي الاكتحال بالإثمد. وتوفي بقرطبة سنة ست وثلاثين.
أبو الطيب سعيد بن أحمد بن يحيى بن سعيد
المعروف بالحداد، طليطلي. حاز رئاسة بلده، بعد أبي عمر في الفقه، والوجاهة
وبيتهم بطليطلة، من بيوت الشرف والعلم. قال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد: كان لأبي الطيب حظ من الفقه، والرواية. ورحل
следующие страницы →