← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

من الدواوين. قل ما رأيت كتابًا مشهورًا في المذهب، إلا وقع إليّ بخط يده، وسوى ذلك من كتب التفسير، وغيرها، انتهى. قاسم بن محمد بن هشام الرعيني المعروف بابن المأموني. سبتي شهير البيت بها. أخذ عن عبد الرحيم بن العجوز، وابن الشيخ، وابن يربوع ونظرائهم بسبتة. ورحل الى الأندلس، فسمع من ابن الدبّاغ، وأبي محمد الباجي، ورحل الى المشرق، فحجّ ولقي مسلمًا المالكي، وسمع من عبد الوهاب بن منير، وأبي محمد عبد الغني الحافظ، وأبي القاسم بن أبي يزيد، وغيرهم من المصريين. ثم انصرف فسكن المرية. وقد أخبرت أنه سكن إشبيلية أيام القاسم بن حمود، قبل هذا، وكانت له بها مكانة. وقد أخذ عنه جلة من مشيختنا وغيرهم. وحدثوا عنه، منهم أبو المطرف الشعبي، وأبو بكر ابن صاحب الأحباس القاضي، وأبو محمد غانم الأديب المالقي، وابنه حجاج بن غانم الفقيه، وغيرهم. وله كتاب في المناسك، رواه عنه ابنه. من أهل الأندلس أبو بكر محمد ابن قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن ذكوان، تقدم ذكر أبيه، وجده. قال ابن حيان: قرأ العلم، وسمع الحديث، وعكف على النظر، وتوسع في الكتب، حتى كان الحذّاق يتباهون بمجالسته. وكان قد خطط إثر موت أبيه، وهو شاب بمكانه، فسلك أسد مسالك أبيه، الى أن جاء عما قريب، أجود نسيج

стр. 1402

وحده. وكان قد جمع أشتات الفضائل مع رفعة المنصب، وعزة القدر والعلم والرحابة والأدب، وعزة النفس، ولم يكن من نمطه بالأندلس، أكثر كتبًا منه، ولاه المعتمد خطة المظالم، الخاصية. ثم وليَ القضاء بقرطبة، بعد موت يونس بإجماع أهلها عليه. وكان حميد السيرة، شديد المذهب صليب القناة، حمي الأنف، رامه الرئيس ابن جهور، على أخذ مال الأوقاف، لينفقه على المصالح. فلم يوافقه عليه. وألحّ ابن جهور عليه. فلم يساعده، وسد بابه عن الحكم، فاحتشم منه. وتوفي سنة خمس وثلاثين مخترمًا أول كهولته. ولم يكمل أربعين سنة. مولده سنة خمس. فحزن الناس لفقده. وأرغبوا لجنازته. وانهاروا لقبره، مع رئيسهم ابن جهور، ورثاه جماعة منهم، أبو الوليد بن زيدون بقوله: أعجب بحال السرو كيف تحال … ولدولة العلياء كيف تدال لا تفسحن للنفس في شأو المنى … إن اغترارك بالمنى لضلال يا قبره العطر الثرى لا يبعدن … حلو من الفتيان فيك حلال ما أنت إلا الجفن أصبح طيه … نصل عليه من الشباب صقال مَن للعلوم فقد هوى العلم الذي … وسمت به أنواعها الأغفال مَن للقضاء يعزّ في أثنائه … إيضاح مظلمة لها إشكال وُدّعتَ عن عمر عمرتَ قصيرَه … بمكارم أعمارهن طوال أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن مختار بن سهر الرعيني قال ابن حيان: كان عفيفًا متصاونًا يقظانًا، ذكيًا متصرفًا لمعاني الفقه، بصيرًا بالحساب من أهل بيت نباهة، بقرطبة. توفي سنة أربع وأربعين، وهو ابن أربعين سنة. تقدم ذكر أبيه.

стр. 1403

أبو الحسن مختار بن عبد الرحمن بن سهر الرعيني القرطبي قال ابن حيان: كان من كبار رجال قرطبة، جامعًا لفنون العلم، مستقلًا بما تقلده من الحكم. حسن الشارة والبلاغة، أديبًا فقيهًا، حاسبًا معدلًا، حافظًا جزلًا، عزيز النفس. وليَ قضاء المرية، استجلبه أهلها لذلك، على عادتهم من تدافع القضاء بينهم نفاسة. فلم يزل عليها الى أن مات. ويقال إنه شرب البلاذر، للحفظ، فأورثه سوء مزاج. فلم يزل به الى أن أهلكه سنة خمس وثلاثين، وهو بقرطبة. مولده سنة ثلاث وتسعين. أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أبي رعيل المعروف بابن الرقاق. قرطبي. كان مقدم المفتين، في هذه الطبقة نحو سنة. وكان حسن الخلق، سالم العيب، كثير الغفلة. تؤثر له في هذا الباب، نوادر محفوظة. ولم يكن راسخًا في علمها، ولا ذا تحقيق بها. عمر وتوفي في رجب سنة أربع وخمسين ﵀. سوار بن أحمد بن سوار أبو القاسم قرطبي. قال ابن حيان: كان معظّمًا معززًا، مقبلًا حليمًا، حسن البشر والتودد، لا يلقى السلطان، ولا يتصرف له. ولا يأتي الحكم ولا يشهد عندهم، لعلة أوجبت ذلك، ذا معرفة بأخبار بلده، وملوكه. فصيح اللسان حافظًا للمسائل، قائمًا على الشروط حسن الخط، يشرح العلم، ويفتي الى أن توفي، ﵀، سنة أربع وأربعين، وخلفه ابنه عبد الرحمن وكان حسن الخلق، ذا صياغة وعفة، داخل السلطان. وولي الشورى وقضاء قرطبة، وتوفي سنة أربع وستين.

стр. 1404

محمد بن عبد الرحمن بن عقبة قرطبي، من أهل النفاذ في المعرفة والتفنن في العلم. وليَ الشورى أيام المعتمد، وهو شاب، ثم مات عما قريب. ﵀. أبو القاسم محمد بن محمد بن عبد الله ابن أبي الحارث الثقفي الطائي قرطبي. صلب الفتيا، عفيف الطعمة، من قسم بالفقه، واقف على كثير من أصول المالكية. قال ابن حيان: من غير استبحارٍ في ذلك. قال: ولم يكن بالرضي، في كل أموره. توفي سنة أربع وثلاثين وأربعماية ﵀. أحمد بن سعد بن دنبل الأموي قرطبي. أبو القاسم ممن له عناية في العلم. أخذ عن أبي عيسى بن الخراز، وابن مفرج، وابن عون الله، والقلعي، وابن زرب. وله مختصر في وثائق ابن الهندي، مستحسن عند أهل الصنعة. وكان ثقة حليمًا، معلّمًا. قال الخولاني: كان من أهل العلم والفهم، والعدالة. من أصحاب ابن الشقاق وابن دحون، وصديقًا لهما. وعمر وأسنّ. حدث عنه أبو عبد الله الخولاني، وابنه أحمد. توفي سنة خمس وثلاثين وأربعماية. مولده سنة سبع وأربعين وثلاثماية. عبد الرحمن بن أحمد بن العاصي المعروف بولد المطورة. قرطبي من أصحاب أبي محمد بن دحون،

стр. 1405

ويونس القاضي، وممن لازمهما وأفاد منهما. وكان طلبه وهو كبير. فحصل على حظ من علم المسائل، ودربة فيه. وقلد الشورى بقرطبة. وكان المبدأ به آخر وقته عند موت أقرانه. وكان ملازمًا للقضاة. توفي سنة أربع وأربعين وأربعماية. ﵀. أبو عمر بن عبد الرحمن بن القرداحي قرطبي. كان أبوه المنبوذ بهذا اللقلب، رجلًا صالحًا. وكان ابنه أبو عمر هذا، فقيهًا أديبًا، حافظًا ذكيًا. أحذق أصحاب ابن دحون. قال ابن حيان: ولم يكن بالمرضي في نفسه، توفي وأبوه حي، سنة خمس وعشرين وأربعماية. أبو عمر أحمد بن عبد الله بن الزبير الثعلبي كان فقيهًا ذكيًا حافظًا. من أصحاب الشيخ ابن دحون، ﵀. توفي سنة تسع عشرة. ابن سيد المعروف بابن سرحان المري له كتاب في الوثائق، وكتاب في فقهها. سماه المفيد. وتوفي سنة نحو الخمسين وأربعماية. أبو بكر محمد بن مغيث ﵀ من أهل طليطلة. وحكماء فقهائها المتقدمين في الفتيا، والعلم. وله

стр. 1406

كلام حسن في الفقه، ونظر جيد. وكان يذهب الى الحجة والنظر على طريقة أبي عمر ابن الفخار، وكان يفقه أهل طليطلة. أبو محمد بن الرحوي ﵀ من عظماء هذه الطبقة، بطليطلة، والرواية والمفتين بها. وله رحلة أخذ فيها عن القاضي أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان. روى عنه كتبه. حدث عنه القاضي، أبو الوليد الباجي، وأبو عمر مغيث، ﵄. محمد بن اسماعيل بن محمد بن فورتش أبو عبد الله. سرقسطي. شهير البيت بها. وفي القضاء والنباهة. قال ابن الفرضي: وهم ينسبون الى بني أمية. وحدثني بعض أصحابنا من أهل بلدهم، أنهم ينسبون الى عذرة. وكان أبو عبد الله أحد فقهاء الثغور، ورجاله، وليَ قضاء بلده. حدث عن أبي عبد الله محمد بن نصر بن عاصم، وأبي عمرو السفاقسي، وحكم بن ابراهيم، وأبي عمر الطلمنكي. حدث عنه ابنه القاضي أبو محمد، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو عبد الله بن الضراب، وغيرهم. محمد بن أيوب بن بسام من أهل مالقة. وكبير فقهائها، ومشاهير بيوت العلم والقضاء. وبقي ذلك فيهم الى وقتنا هذا. وآخر من بقي منهم من أهل النباهة: أبو الحسن جابر بن بسام بن مسلم، كان مفتيًا في بلده، في زماننا، نبيلًا عاقلًا، سريًا. توفي بعد عشرين وخمسماية. وأما أكبرهم أبو عبد الله هذا. فكان

стр. 1407

من كبراء فقهاء بلده، ومشاوريهم ورأسًا فيهم، مع ابن بدر وابن أبي الهيثم، وأبي علي حسون، وأخذ عن ابن المكوى، وطبقته، وليَ قضاء بلده. ووقفت له على أجوبة نبيلة، وكلام في الفقه، حسن، واستدراك جيد على المفتين في أحكام ابن زياد القاضي. ويحكى عنه أخبار في نبله في أمر دنياه، ظريفة. أحمد بن محمد بن بدر من أهل مالقة أيضًا، والمشاورين الكبراء في وقته، وليَ قضاها. ﵀. ابن أبي الهيثم من أهل مالقة، وكبراء فقهائها، من هذه الطبقة. وولي القضاء، وألّف كلامًا في الفقه، حسنًا. ووقفت له على جواب في مسألة غائب، عن ملك، مدة من الزمان. فلما انصرف وجده عند أقوام ادعوا ابتياعه، ولم يثبت لهم ذلك، ولا ظهرت لهم وثيقة به. وطلب منهم صاحب الأرض الغلة. فقال: إذا ثبت الأصل للقائم، وأنه لم يفته في علم شهوده، ولم يعلم شراء من وجد بيده، إلا بقوله. فاختلف فيه أصحاب مالك، واختلف فيه أيضًا قول مالك، فقال، وقالوا: يحمل على الشراء. حتى يستبين خلافه. ويعلم أنه غاصب، ولا غلة عليه. وقالوا أيضًا: هو كالغاصب وعليه الغلة حتى يعلم الشراء. وقع القولان في أمهات كتبه. وخالفه أبو علي حسون في المسألة وقال: لا رجوع. ولا أعلم خلافًا بين مالك وأصحابه، فيمن استحق بيده شيء، لا يعلم تفويته فيه. أن لا رجوع عليه بغلة. وإنما يجب الرجوع بالغلة على الغاصب. تمت الطبقة بحمد الله، وعونه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 1408

طبقة عاشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال القاضي أبو الفضل عياض، ﵁: ثم انتهى الفقه في المذهب بعد هذه الطبقة، الى طبقة أخرى، بعد هؤلاء. منهم من أهل المشرق أبو يعلى أحمد بن محمد العبدي إمام المالكية بالبصرة، وصاحب تدريسهم، ومدار فتواهم، وذو التواليف في وقته، مذهبًا وخلافًا. أخذ عن أبي الحسن ابن هارون التميمي، المالكي. قال شيخنا القاضي الشهيد، أبو علي حسين بن محمد: كان مشهورًا بتقدم وإمامة، وصلاح. وكان يملي في كل جمعة في جامع البصرة، وعلى رأسه مستمليان يسمعان الناس ما يمليه، وبه تفقه مالكية البصرة، أبو عبد الله بن صالح، وأبو منصور بن باقي، وغيرهم. وسمع منه شيخنا القاضي أبو علي، والقاضي أبو بكر عبيد بن عمران النفزاوي، من بلدنا، وعالم عظيم، وقد ذكرته في معجم المشيخة. وتأخرت وفاته. فتوفي فيما بلغني: سنة تسع وثمانين وأربعماية. أبو الحسن علي بن محمد بن الطيب الواسطي قال شيخنا القاضي الشهيد: كان شيخًا فاضلًا، فقيهًا مالكيًا، وكان

стр. 1409

خطيب بلده واسط، يفتي بها. وسمعت منه. وكان يتعاطى الحديث. سمع من الشريف: أبي الحسن علي بن عبد الصمد الهاشمي، وغيره. وورد بغداد بعد الثمانين. فغرق في الدجلة، ﵀. أبو عبد الله محمد بن أبي الفرج المازري المعروف بالذكي. صقلي الأصل. وسكن قلعة بني حماد، ثم خرج الى الشرق، فدخل العراق، وسكن أصبهان الى أن مات بها فعداده فيها. وكان فقيهًا حافظًا، مدركًا نبيلًا، فهمًا متقدمًا في علم المذهب واللسان. متفننًا في علوم القرآن، وسائر المعارف. أخذ عن شيوخ بلده، وأخذ بالقيروان عن السيوري، والخرقي وغيرهما. وحكي أن السيوري كان يقول: ابن أبي الفرج، أحفظ من رأيت. فقيل له: تقول هذا، وقد رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا عمران الفاسي. فقال: هو أحفظ من رأيت. وكان القاضي أبو عبد الله بن داود يقول: شيخنا الذكي، أفقه من أبي عمران، ومن كل مالكي، حتى فضله على اسماعيل بن إسحاق القاضي. تفقه به في المغرب أبو الفضل ابن النحوي، والقاضي أبو عبد الله بن داود، وحمل عنه أدب كثير، وعلم جمّ، وألّف في علوم القرآن كتابًا كبيرًا سماه الاستئلاء. وله تعليق كبير في المذهب، مستحسن، وخرج على أنه ألف سؤال، وعنده تفقه أبو الفضل ابن النحوي، وأبو عبد الله بن داود القاضي، وغيرهما. بقية أخباره رحمه الله تعالى ولما صعد الى المشرق ودخل بغداد، وجد مذهب مالك بها قد درس وقل طالبه. فلم يحصل له بالفقه رئاسة هناك. ولتقدم أهل المشرق في

стр. 1410

صنعة النظر، وحذق الجدل الذي بذلك تقدم أئمتهم، فرس في النحو وعلم لسان العرب، واستصحبه القيم بالخلافة بها. إذ ذاك الملك العادل، أبو الفتح. واستصحبه الى أصبهان، لتدريس بقية الأدب، فذهب علمه بالسنة هناك ضياعًا. ولم يبلغني أن أحدًا أخذ عنه هناك، ويقال إن سبب هذا دعاء الشيخ أبي القاسم السيوري عليه. فإنه يحكى أنه كان كثيرًا ما يسيء الأدب معه، ويتبع سقطاته، حتى جمع من فتاويه نحو ثلاثين مسألة ادعى عليه الخطأ فيها، فأنكرها الشيخ، وكتب الى أصحابه لا تسمعوا منه فإنه كذاب. فأسقط بهذا، وتوفي بأصبهان بعد الخمس، بعد أن جرت له بها حروب، في مطالبة الغزالي. وكان أحد القائمين عليه هناك، لكنه حمي عنهم فلم يصلوا إلي. والله أعلم بالسرائر. لا إله غيره. من أهل مصر أبو محمد التونسي سكن مصر، وكان فقيهًا مالكيًا، وكان مفتي مصر في وقته، أخبرني بخبره شيخنا الأستاذ الخطيب، أبو القاسم خلف بن ابراهيم المقرئ، وقال لي: لقيته بمصر، وأفتى بقطع نخلة لبعض المصريين لإضرارها بما جاوره. فبلغ ذلك من صاحبها مبلغًا، وكان شاعرًا. فقال في رثاء نخلته أشعارًا كثيرة. ومال على التونسي فيها وذمه. يحيى بن حمود الاسكندراني كان فقيهً في وقته. وحاز رئاستها. وكان بها معظمًا، عليه اعتماد

стр. 1411

أهلها. ذكره أبو الحسن بن برية قال: قال لي يحيى بن حمود الفقيه: هل لك أن تزور هذا الفقيه، أبا بكر محمد بن ابراهيم الحنفي، الرازي؟ فقلت له: لا. لأنه يجاري المذهب. فلما بت رأيته في النوم، كأنه مقبل من البحر يمشي على الماء، وأنا وابن حمود وآخر وقوف على الساحل. فلما وصل إلينا، أقبل على ابن حمود وصاحبه، وسلم عليهما وأعرض عني، فلما أصبحت، استغفرت الله من سوء ظني به، وسرت الى ابن حمود فجئناه زائرين. محمد بن الفرج بن عبد الله القروي الأنصاري الطليطلي يعرف بالصواف. سكن مصر وحدث بها. روى عنه شيوخ بلده. وكان قد كتب عن جماعة، منهم: أبو الوليد محمد بن المجيش، بن السمّاك، وأبو العباس بن بندار الرازي، قال الرازي في مشيخته: كان فقيهًا وغلب عليه الرواية. حدث عنه الأمير أبو نصر بن ماكولا، وأبو العباس أحمد بن ابراهيم الرازي، وابنه. وعلي بن مشرف وابن مسلم. وحدثنا عنه شيخنا أبو القاسم ابن لنحاس، المقرئ، القرطبي. من أهل إفريقية أبو محمد عبد الحميد بن محمد المغربي المعروف بابن الصائغ. قيرواني. سكن سوسة. أدرك صغيرًا أبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا عمران. وتفقه بالعطار، وابن محرز والبوني، والتونسي والسيوري، وسمع أبا ذر الهروي، وكان فقيهًا نبيلًا فهمًا فاضلًا، أصوليًا

стр. 1412

زاهدًا نظارًا، جيد الفقه، قوي العارضة، محققًا. وله تعليق على المدونة. أكمل بها الكتب التي بقيت على التونسي. وبه تفقه أبو عبد الله المازري، المهدوي، وأبو علي ابن البربري، وأبو الحسن الحوفي، وأخذ عنه من أهل الأندلس: أبو بكر بن عطية. وأصحابه يفضلونه على أبي الحسن اللخمي، قرينه، تفضيلًا كثيرًا. جمل من أخباره ﵀ لما أراد تميم بن المعز صاحب المهدية، تولية أبي الفضل بن شغلان، قضاءها. شرط ابن شغلان ألا يتقلد ذلك إلا باستجلاب عبد الحميد الى المهدية، ليقوم بفتواها، إذ لا يرى استفتاء أحد من فقهائها، لأمور يتهمها عليهم. فحلف له، فلزم المهدية. ودارت عليه فتواها، فلما شغبت سوسة على تميم، قبض على جماعة، فيهم ولد عبد الحميد، فضربه وأغرمه ستماية دينار. فباع فيها عبد الحميد كتبه. وكان سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا، فلقيه بعد ذلك تميم واعتذر له، فلم ينفعه ولزم الانقباض، والتزام داره، وأظهر التجانز، ولم ينتفع به في شيء، وجعل لا يجالس أحدًا، وتحيّل في الخروج الى سوسة، لعلة المعاناة بحسن هوائها. فبقي على حالته تلك ستة أعوام الى أن دخل الإفرنج المهدية، واستباحوا أهلها. ودخل جلّ قصر صاحبها، وذلك سنة ثمانين، فانكسر بعد ذلك تميم، وقلّ حزبه. وهان على الناس، وداراهم. فظهر عبد الحميد وراجع حالته الأولى. وأفتى ودرّس وانتفع به، الى أن مات. حكى أن الفقيه أبا علي حسان المهدوي، قال: رحلت الى سوسة، الى عبد الحميد للأخذ عنه، فلما لقيته رحب بي،

стр. 1413

ثم قال لي: من الحق ألا أدخرك نصيحة شيخي، الذي أخذت عنه وأفخر به، أبي القاسم التونسي السيوري، الى الآن حيّ. وإنما بيننا وبينه ميسرة كذا، وإن شغلت بالأخذ عني فإن لك منه خير كثير، وإن لقيته لم أفتك أنا إن شاء الله تعالى، بتبليغي عمر مثلي. فانهض إليه، وستدركني إن شاء الله تعالى. فشكرته وخرجت الى السيوري، وخرج مع الشيخ مشيعًا. فلما ودعته، وجئت لأركب، أخذ بركابي، وغلبني على ذلك، وقال لي: أنت تمشي في خير، فعونك عليه فيه أجر، أو نحو هذا. فلقيت السيوري، وأخذت تعليقه، وصحبته مدة، ثم لحقت أملي من عبد الحميد. وتوفي عبد الحميد، ﵀ سنة ست وثمانين وأربعماية. أبو إسحاق بن منصور القصي كان من فقهاء إفريقية، وفضلائها، من أصحاب أبي بكر ابن عبد الرحمن وطبقتهم. وصحب أبا الطيب الخلدوني، وأبا إسحاق التونسي، والسيوري، وغيرهم. أثنى لنا عليه بالعلم البارع والدين، القاضي أبو عبد الله بن داود، وذكر لنا أن شيخه أبا عبد الله الذكي، كان يثني عليه كثيرًا. ويقول: ما اجتمع لأحد من أهل إفريقية، ما اجتمع لأبي إسحاق، أو كما قال: أراه سكن طرابلس، وأصله من قفصة. وكان بها مدة. أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز التميمي يعرف بابن غرور. نزل المهدية من أصحاب أبي بكر، وأبي عمران، وكان أحد الأربعة الفقهاء، الذين خرجوا من القيروان، بعد خرابها. وهم عبد الحميد المقرئ، وأبو الحسن اللخمي، وأبو محمد هذا، وأبو الرجال

стр. 1414

المكفوف. وكان أبو محمد هذا، فقيهًا فاضلًا، مفتيًا. به تفقه ابن حسان والقاضي ابن اللبيدي، وغير واحد. وكان رأس الفقهاء بالمهدية، في وقته. وكان من أقيم الناس على كتب المدونة، وأحثهم على أسرارها، وإثارة الخلاف من آثارها. وكان الفقيه حسان يرفعه جدًا. ويصفه بفهم عظيم. وكان من أهل العبادة، والفضل. يقال إنه أفتى ابن نيف وعشرين، وأزيد، وطلب على القضاء فامتنع. توفي فيما أظن، في نحو ثلاث وسبعين ﵀. أبو الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي. وهو ابن بنت اللخمي. قيرواني، نزل صفاقس، تفقه بابن محرز، وأبي الفضل ابن بنت خلدون، وأبي الطيب، والتونسي، والسيوري، وظهر في أيامه. وطارت فتاويه. وكان السيوري يسيء الرأي فيه كثيرًا، لطعن عليه. وكان أبو الحسن فقيهًا فاضلًا ديّنًا مفتيًا متفننًا، ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر، حسن الفقه، جيد الفهم. وكان فقيه وقته، أبعد الناس صيتًا في بلده. وبقي بعد أصحابه، فحاز رئاسة بلاد إفريقية جملة. وتفقه بجماعة من الصفاقسيين، وغيرهم. أخذ عنه أبو عبد الله المازري، وأبو الفضل ابن النحوي وشيخنا أبو علي الكلاعي، وعبد الحميد الصفاقسي، وعبد الجليل بن هور وغير واحد. وله تعليق كبير على المدونة سماه بالتبصرة، مفيد حسن، وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب واستقراء الأقوال، وربما اتبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده فخرجت اختيارته في الكثير عن قواعد المذهب. وكان حسن الخلق مشهور المذهب، توفي سنة ثمان وسبعين ﵀.

стр. 1415

أبو حفص عمر العمودي قيرواني، نزل صفاقس، وكان فقيهًا أديبًا مفتيًا من حفّاظ المدونة والقائمين عليها، ومن حفاظ الشعر أخذ عن أبي بكر وأبي عمران وصحب السيوري. ذكر بعض أصحابه، قال: لما ودعني الفقيه أبو حفص أنشدني: هيّجوا للبين برقًا فلمع … وأثاروا دمع عيني فاندفع ودعوا قلبي فلما جاءهم … أوقفوه بين يأسٍ وطمع أبو سعيد القصار قيرواني، من فقهائها. من أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران وكان أكثر - فيما يقال - فقهه في البيوع والأقضية، رحمه الله تعالى. أبو الرجال المكفوف قيرواني، فقيه فاضل، أراه سكن المهدية، رحمه الله تعالى. مكي المعروف باللياني يكنى فيما أظن بأبي يحيى. أخذ عن السيوري وأبي إسحاق ﵁. وكان فقيهًا توفي بعد الثمانين، ﵀. أبو عبد الله محمد السلمي قيرواني، سكن المهدية آخرًا. سمع أبا ذر الهروي، وأبا عمران الفاسي، سع منه أبو بكر ابن عطية، ﵀.

стр. 1416

أبو عمران موسى المعروف بالشعري مهدوي، من فقهائها ومفتيها، وقتله الإفرنج عند دخولهم المهدية سنة ثمانين ﵀. أبو بكر بن أبي طاعة من أهل العلم من أصحاب أبي عمران الفاسي ﵀. أبو محمد عبد الله بن حسن الجبيري بجيم مكسورة بعدها ياء باثنتين من أسفل وباء مكسورة، وأراه مهدوي من فقهائها ومفتيها، وكان له معرفة بالحديث ورجاله. وتوفي الجبيري في سنة اثنتين وثمانين. أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي بن بلال القروي تفقه بالقيروان على جماعة، وسمع من شيوخها كابن الأجدابي وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي علي الزيات، والبوني واللبيدي، ومكي القرشي، وأبي سعيد ابن الفاسي، والسيوري، وأبي عبد الله المعروف بالمالكي وغيرهم. ثم حجّ فسمع بمكة من أبي صخر، وأبي بكر المطوعي، وأبي ذر الهروي، وسمع بمصر من ابن أبي ربيعة وابن الطبّال، وأبي الحسن بن منير، وأبي العباس بن النحاس وابن باشاد. وسمع أيضًا من جماعة غير هؤلاء. وكان فقيهًا حافظًا للمسائل نظّارًا فيها على مذهب القيروانيين، حسن اللسان، وألّف إكمال التعليق للتونسي على المدونة، واشتغل بالتجارة فطاف ببلاد المغرب

стр. 1417

والأندلس، وأخذ عنه هناك الناس، وسمعوا منه كثيرًا ولم يكن له أصول حسنة. سمع منه بالأندلس جماعة من شيوخها أبو علي الحافظ، وأبو محمد سفيان بن العاصي، ومن غيرهم ابنا مفوز وابنا مدير في آخرين، وسمع منه ببلدنا شيخنا القاضي أبو عبد الله التميمي، وأبو علي النحوي وغيرهما. وتوفي بأغمات في جمادى الأولى سنة ست وثمانين وأربعماية. مولده عام ثلاثة عشر. أبو بكر أبو عبد الله بن يونس، صقلي. وكان فقيهًا فرضيًا حاسبًا أخذ عن القاضي أبي الحسن الحصائري، وصنف في الفرائض وشرحًا كبيرًا للمدونة عليه اعتماد الطالبين بالمغرب للمذاكرة. أبو الحسن علي بن عبد الجبار المعروف بابن الكوني من فقهاء صقلية، وكان نبيلًا أديبًا وهو القائل يرثي صقلية عند الحادث بها من الفتنة: كانت وكنّا بها في … ظل عيش ناعم رطب مدّ عليها الأمن أستاره … فسار ذكراها مع الركب لم يشكروا نعمة ما خولوا … فبدلوا المالح من العذب أبو حفص عمر بن عبد النور يعرف بابن الحكّار، صقلي، فاضل عالم نظّار محقق حسن الكلام

стр. 1418

والتأليف، أديب شاعر حسن القول. وله في المدونة شرح كبير نحو ثلاثماية جزء، وانتقد على التونسي، ألّف مسألة واختصر كتاب التمامات. أنشد له جامع شعر الصقليين قوله: تأملت علم المرتضين أولي النهى … فأفضلهم من ليس في جده لعب ومن فقهه مستنبط من حديثه … رواه بتصحيح الرواية وانتخب وما مالك إلا الهدى وإذا اهتدى … به أمم من سائر العجم والعرب حكي أن بعض شباب فقهاء صقلية وحفّاظها وهو أبو القاسم ابن الحداد وكان ممن يعتني، تقدم مرة بين يدي الشيخ أبي حفص ﵀، فأصله له قرنه أو نعله، فقال له: اصفعني به يا أبا القاسم ولا تفتني في دين الله ، ﵃ جميعهم. ابن فروج صقلي، موصوف بعلم، له تأليف رتّب فيه تمهيد البرادعي على نسق كتاب المدوّنة رأيت له أسماء تعاليق وتصانيف كثيرة، ﵀. أبو العباس أحمد بن محمد الكلاعي أحد فقهاء صقلية ونبلائها من هذه الطبقة، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا ﵀. ابن القابلة صقلي، من فقهاء صقلية رحمه الله تعالى.

стр. 1419

من أهل الأندلس القاضي أبو الوليد الباجي واسمه: سليمان بن خلف بن سعدون بن أيوب بن وارث الباجي أصلهم من بطليوس. ثم انتقلوا الى باجه الأندلس، ثم سكنوا قرطبة واستقر أبو الوليد بشرق الأندلس، أخذ بالأندلس، عن ابن الرحوي وأبي الأصبغ ابن أبي درهم وأبي محمد مكي وأبي شاكر القبري خاله ومحمد بن اسماعيل بن فورتش وأبي سعيد الجعفري والقاضي يونس بن مغيث. ورحل سنة ست وعشرين أو نحوها - فيما قاله الجياني - فأقام بالحجاز مع أبي ذر ثلاثة أعوام حجّ فيها أربع حجج. كان يسكن معه بالسراة ويخدمه ويتصرف له في حوائجه، وسمع هناك أيضًا من أبي بكر المطوعي وأبي بكر ابن سحنون وابن صخر وابن أبي محمود الورّاق. ورحل الى بغداد فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويسمع الحديث عن أئمتها فلقي بها جلة من الفقهاء كأبي الفضل بن عمروس إمام المالكية وأبي الطيب الطبري وأبي إسحاق طاهر بن عبد الله الشيرازي الشافعي وأبي عبد الله الدامغاني والصيمري رئيس الحنفية، وسمع بها من أبي إسحاق البرمكي وابن العشاري وابن قشيش النحوي وغلام الأبهري وأبي عبد الله الصوري، وأبي بكر الخطيب، وأبي النجيب الأرموي، وأبي الحسن العتيقي وأبي الفتح الطناجري وابن حمامة وأبي علي العطار وأبي القاسم التنوخي وأبي الحسن ابن زوج الحرة وأبي منصور السوّاق وأبي رومة وغيرهم. ودخل الشام فسمع بها من ابن السمسار وطبقته، وسمع بمصر من أبي محمد بن الوليد وغير واحد، ودخل الموصل فأقام بها عامًا يدرس على السمناني الأصول، وحاز علمً كثيرًا، قال الجياني: وكان مقامه

стр. 1420

بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا وجلّ قدره بالشرق والأندلس، وسمع منه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا وحاز الرئاسة بالأندلس، فأخذ عنه بها علم كثير وسمع منه جماعة. وتفقه عليه خلق. فممن تفقه عنده وسمع منه الإمام أبو بكر الطرطوشي وابنه أبو القاسم، وأبو محمد بن أبي قحافة، وأبو الحسن بن مفوز وغيرهم، وشيخنا القاضي أبو عبد الله بن شبرين، وسمع منه من شيوخنا سواه وأبو علي الحافظاني، والقاضي أبو القاسم المعافري من أهل بلدنا والفقيه أبو محمد ابن أبي جعفر، وأبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد. وكان أكثر تردد أبي الوليد بشرق الأندلس ما بين سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية ولم يكن بالأندلس قط أتقن منه للمذهب، وبلغني أن أبا محمد ابن أبي جعفر وأبا محمد بن حزم الظاهري على بعد ما بينهما كان يقول: لم يكن للمالكية بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد، ﵀. مكانته من العلم وثناء الجلة عليه كان أبو الوليد ﵀، فقيهًا نظّارًا محققًا راوية محدثًا، يفهم صيغة الحديث ورجاله، متكلمًا أصوليًا فصيحًا شاعرًا مطبوعًا، حسن التأليف، متقن المعارف. له في هذه الأنواع تصانيف مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها في الفقه وإتقانه، على طريق النظّار من البغداديين وحذّاق القرويين والقيام بالمعنى والتأويل، وكان وقورًا بهيًا مهيبًا جيد القريحة حسن الشارة والذي ذكره الأمير أبو نصر ابن ماكولا في إكماله فقال: هو من باجة الأندلس، متكلم فقيه أديب شاعر. رحل الى المشرق فسمع بمكة من أبي ذر، وبالراق من البرمكي وطبقته، ودرس الفقه على الشيرازي

стр. 1421

والكلام على السمناني، ورجع الى الأندلس يروي، ودرس وألّف، وكان جليلًا رفيع القدر والخطر، وقد روى عنه الخطيب أبو بكر، وسألت عنه شيخنا قاضي قضاة الشرق أبا علي الصدفي الحافظ صاحبه فقال لي: هو أحد أئمة المسلمين لا يسأل عن مثله ما رأيت مثله، وكان القاضي أبو عبد الله بن شبرين يثني عليه كثيرًا، وكذلك كان شيخنا أبو إسحاق ابن جعفر الفقيه وقاضي القضاة أبو محمد بن منصور يربون به جدًا، ويفضلونه ويفضلون كتبه وذكره الإمام أبو بكر الطرطوشي فقال: ذكر أستاذنا أبو الوليد الباجي قال لي القاضي: لما ورد علينا بغداد أبو القاسم ابن القاضي أبي الوليد سرت معه الى شيخنا قاضي القضاة أبي بكر الشاشي وكان ممن صحبه أبو الوليد قديمًا ببغداد وعلّق عنه فلما دخلنا عليه قلت له: أعزك الله هذا ابن شيخ الأندلس فقال: لعله ابن الباجي. فقلت نعم، فأقبل عليه. ذكر جمل من أخباره ﵀ وكان في رحلته وأول وروده الأندلس مقلًا من دنياه حتى احتاج في سفره الى القصد بشعره، واستأجر نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته مستفيضًا لحراسة درب، فكان يستعين بإجارته على نفقته، وبضوئه على مطالعته. ثم ورد الأندلس، وحاله ضيّقة فكان يتولى ضرب ورق الذهب للغزل والأنزال ويعقد الوثائق، فلقد حدثني ثقة من أصحابه - والخبر في ذلك مشهور - أنه كان حينئذ يخرج إلينا إذا جئنا للقراءة عليه وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل، الى أن فشا علمه وعرف وشهرت تواليفه، فعرف حقه وجاءته الدنيا وعظم جاهه وقرّبه الرؤساء وقدّروه قدره، واستعملوه في الأمانات والقضاء وأجزلوا صلاته. فاتسعت حاله وتوفر كسبه حتى مات عن مال وافر خطير

стр. 1422

وكان يصحب الرؤساء ويرسل بينهم ويقبل جوائزهم، وهم على غاية ابرّ، فكثر القائل فيه من أجل هذا، وليَ قضاء مواضع من الأندلس تصغر عن قدره، كأريولة وشبهها، وكان يبعث إليها خلفاءه وربما قصدها المرة بنفسه ووجد عند وروده بالأندلس لابن حزم الداودي، صيتًا عاليًا وظاهريات منكرة، وكان لكلامه طلاوة، وقد أخذت قلوب الناس، وله تصرف في فنون تقصر عنها ألسنة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت، لقلة استعمالهم النظر وعدم تحققهم به، فلم يكن يقوم أحد بمناظرته، فعلا بذلك شأنه، وسلموا الكلام له، على اعترافهم بتخليطه، فحادوا عن مكالمته. فلما ورد ابن الوليد الأندلس وعنده م الإتقان والتحقيق والعرفة بطرق الجدل والمناظرة ما حصله في رحلته، أمله الناس لذلك، فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة، وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال، فيما بعد. وقد ذكر أبو الوليد في كتاب الفرق من تأليفه من مجالسته تلك ما يكتفي به من وقف عليه، ولما ألّف أبو الوليد رسالته المسماة بتحقيق المذهب من أن النبي ﷺ كتب وكان أصل ذلك أنه قرئ عليه بدانية في كتاب البخاري، حديث المقاضاة فمرّ في حديث إسرائيل فتكلم أبو الوليد على الحديث وذكر قول من قال بظاهر هذا اللفظ فأنكره عليه ابن الصائغ وكفّره بإجازته الكتابة على النبي الأمي، وأن هذا تكذيب للقرآن وأعلى ما حمل من أشياعه في الإنكار والشناعة، وقبّحوا عند العامة ما أتى به وأكثر القالة فيه من لم يفهم غرضه، حتى أطلق عليه اللعنة غلاتهم وضمنوا البراءة منها، أشعارهم، وحتى قام بذلك بعض خطبائهم في الجمع وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر: برئت ممن شرى دنيا بآخرة … وقال إن رسول الله قد كتبا

стр. 1423

- في نظمه - أخبرني الثقة أنه سمع خطيب دانية ضمّنها خطبته يوم الجمعة فأنشدها على رؤوس الناس ﵀، فألف هذا الكتاب وبيّن فيه وجوه المسألة لمن لم يفهمها وأنها لا تقدح في المعجزة كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد أن لم يكن قارئًا، بل في هذا معجزة أخرى. وأطال في ذلك الكلام وذكر من قال بهذا القول من العلماء، وكان المقرئ أبو محمد ابن سهل من أشدّ الناس عليه في ذلك. ولم ينكر عليه في ذلك، ولم ينكر عليه أولو التحقيق في العلم والمعرفة بأسراره وخفائه شيئًا من قوله، وكتب بالمسألة الى شيوخ صقلية وغيره فأنكروا إنكارهم عليه وأثنوا عليه وسوغوا تأويله، منهم: ابن الجزار ممن ذكرنا ثناءه عليه في الباب المقدم ذكره. ذكر تصانيفه من ذلك في الفقه والمعاني كتابه المنتقى في شرح الموطأ عشرين مجلدًا لم يؤلف مثله، وكان ابتدأ كتابًا أكبر منه بلغ فيه الغاية سماه الاستيفاء في هذا المعنى، لم يصنع مثله، في مجلدات، ثم اختصر من المنتقى كتابًا آخر سماه الإيماء خمس مجلدات وكتاب السراج في عمل الحجّاج في مسائل الخلاف كبير لم يتمّ، والكتاب المقتبس في علم مالك بن أنس لم يتم أيضًا، وكتاب المهذّب في اختصار المدونة، وهو اختصار حسن، وشرح المدونة لم يتم ومختصر المختصر في مسائل المدونة ومسألة مسح الرأس، ومسألة غسل الرجلين ومسألة اختلاف الزوجين في الصداق وغير ذلك، ومن تواليفه في الحديث: كتاب اختلاف الموطآت، وكتاب التعديل والتريح لمن خرج عنه البخاري في الصحيح. ومن كتبه في الأصول والكلام، كتاب التسديد الى معرفة طريق التوحيد، وكتاب أحكام الفصول في أحكام الأصول، وكتاب الإشارة

стр. 1424

في الأصول، وكتاب الحدود، وكتاب تفسير المنهاج في ترتيب طرق الحجاج وتواليفه كثيرة مفيدة، ككتاب سنن الصالحين وسنن العائدين، وكتاب سبيل المهتدين، وكتاب تهذيب الزاهر لابن الأنباري، وتفسير القرآن لم يتم، والناسخ والمنسوخ لم يتم، وكتاب الأنصار لأعراض الأئمة الأخيار، وغير ذلك. بقية أخباره ووفاته وكان مطبوع القول، شغفًا بالشعر، وقد ألّف أبو القاسم ابنه شعره. ومن شعره المشهور، ما أنشده أبو بكر الخطيب البغدادي. قال أنشدني أبو الوليد سليمان بن خلف لنفسه ﵀: إذا كنت أعلم علمًا يقينًا … بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنينًا بها … وأجعلها في صلاح وطاعة ومما أنشدناه له ثقة من أصحابه يرثي ابنه وأخاه: رعى الله قبرين استكانا ببلدة … هما أسكناها في السواد من القلب لئن غيبا عن ناظري وتبوّءا … فؤادي لقد زاد التباعد في القرب يقر لعيني أن أزور رباهما … وألصق مكنون الترائب بالترب وأبكي وأُبكي ساكنيها لعلني … سأنجد من صحب وأمطر من سحب فما ساعدت ورق الحمام أخا أسى … ولا روحت ريح الصبا عن أخي كرب ولا استعذبت عيناي بعدهما كرىً … ولا ظمئت نفسي الى البارد العذب أحن ويثني اليأس نفسي عن الأسى … كما اضطر محمود الى المركب الصعب وكان له ابنان أحدهما أبو القاسم خلف مجلسه، وسيأتي ذكره والأخر

стр. 1425

أبو الحسن محمد، توفي في حياة أبيه بسرقسطة، وكان نبيلًا ذكيًا مرجوًا، فرثاه أبوه بمراثي شجية، وكان له إخوة جلّة نبلاء، وبيته بيت علم ونباهة قال أبو علي الجياني: مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعماية، وتوفي بالمرية سنة أربع وسبعين لسبع عشرة خلت من رجب، وكان جاء الى المرية سفيرًا بين رؤساء الأندلس يؤلفهم على نصرة الإسلام، ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملوك المغرب المرابطين على ذلك، فتوفي قبل تمام غرضه ﵀. أبو عمر ابن عبد البر ﵀ اسمه: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ شيخ علماء الأندلس وكبير محدّثيها في وقته، وأحفظ من كان بها لسنة مأثورة، قد تقدم ذكر أبيه، رحل عن وطنه قرطبة في الفتنة فكان بغرب الأندلس، ثم تحول منها الى شرق الأندلس فتردد فيه ما بين دانية وبلنسية وشاطبة، قال شيخنا أبو علي الغساني، ﵀: أبو عمر ﵀ من النمر بن قاسط في ربيعة. من أهل قرطبة طلب بها وتفقه عند أبي عمر بن المكوى وكتب بين يديه ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيرًا من علم الرجال والحديث وهذا الفن كان الغالب عليه، وكان قائمًا بعلم القرآن، وسمع من سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم البزاز، وأبي محمد بن أسد وخلف بن سهل، وابن عبد المؤمن، وأبي زيد عبد الرحمن بن يحيى وسعيد بن القزاز، وأبي زكريا الأشعري، وأبي عمر الباجي، وأبي القاسم ابن أبي جعفر، وابن الجسور. وأجازه أبو الفتح بن سَيبُخت، وعبد الحميد بن سعيد الحافظ، ولم تكن له رحلة. سمع منه عالم عظيم فيهم من جلة أهل العلم المشاهير أبو العباس الدلائي، وأبو محمد بن أبي قحافة

стр. 1426

وسمع منه أبو محمد ابن حزم، وأبو عبد الله الحميدي، وطاهر ابن مفوز. ومن شيوخنا أبو علي الغساني، وأبو بحر سفيان ابن العاصي، وهو آخر من حدث عنه من الجلة، وكان سنده مما يتنافس فيه. ذكر الثناء عليه ﵀ قال أبو علي الجياني: وصبر أبو عمر على الطلب ودأب فيه ودرس وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس، وعظم شأن أبي عمر بالأندلس وعلا ذكره في الأقطار، ورحل إليه الناس وسمعوا منه، وألف تواليف مفيدة طارت في الآفاق. قال أبو علي: سمعت أبا عمر يقول: لم يكن ببلدنا أفقه من قاسم بن محمد بن قاسم، وأحمد بن خالد. قال أبو علي وأنا أقول إن أبا عمر لم يكن دونهما ولا متخلفًا عنهما. وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة كثيرة من علم النسب والخبر. وذكره القاضي أبو الوليد الباجي في كتاب الفرق ولم يكن الذي بينهما بالحسن لتجاذبهما سؤدد العلم في وقتهما. ذكر تصانيفه ﵁ ألّف أبو عمر ﵁ على الموطأ، كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد وهو عشرون مجلدًا، وهو كتاب لم يضع أحد مثله في طريقه، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وكتاب التقصي لحديث الموطأ، وكتاب الاستيعاب لأسماء الصحابة، وكتاب جامع بيان العلم، وكتاب الإنباه على قبائل الرواه، وكتاب الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء مالك والشافعي، وأبي حنيفة

стр. 1427

﵃، وكتاب البيان عن تلاوة القرآن، وكتاب بهجة المجالس وأنس المجالس، وكتاب أسماء المعروفين بالكنى سبعة أجزاء، والكتاب الكافي في الفقه في الاختلاف وأقوال مالك وأصاحبه ﵏ عشرون كتابًا والدرر في اختصار المغازي والسير، وكتاب القصد والأمم في التعريف بأنساب العرب والعجم وأول من تكلم بالعربية من الأمم. والشواهد في إثبات خبر الواحد. والبستان في الإخوان. والأجوبة الموعبة في الأسئلة المستغربة، وكتاب الاكتفاء في القراءة، وكتاب التجويد واختصار التمييز لمسلم، وكتاب الإنصاف فيما في بسم الله من الخلاف، واختصار تاريخ أحمد بن سعيد. والإشراف في الفرائض، وغير هذا من كتبه الصغار ولأبي عمر في وصف كتاب التمهيد: سهير فؤادي من ثلاثين حجة … وصاقل ذهني والمفرج عن همي بسطت لكم فيه كلام نبيكم … لما في معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآداب ما يهتدى به … الى البرّ والتقوى وينهى عن الظلم مات بشاطبة ليلة الجمعة، سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعماية عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، ﵀. أبو عبد الله محمد بن عتاب بن محسن قرطبي. شيخ المفتين بها في هذه الطبقة، تفقه بأبي عمر ابن الفخار، وأبي الأصبغ القرشي، وبالقاضي ابن بشير، صحبه أزيد من اثني عشر عامًا. وكتب له في مدة قضائه، وروى عن القنازعي، وابن وافد، وابن حوبيل، وأبي علي الحداد، وأبي محمد بن بنوش، وأبي عبد الله بن نبات، وأبي أيوب

стр. 1428

بن عمران، وسعيد بن رشيق، وسعيد بن سلمة، والشنتجالي والطلمنكي، وأبي محمد مكي، والقاضي يونس، وخلف الله، وخلف بن يحيى، والطليطلي، وعبد الرحمن بن الأشج، وأبي الطيب بن الحديدي، والباغاني المقرئ، وأحمد بن ثابت الواسطي، ومحمد بن عمر بن عبد الوارث. وأجازه أبو ذر ولم تكن له رحلة، تفقه به الأندلس. وسمعوا مه كثيرًا. فمن تفقه به، وسمع منه ابناه والقاضي بن سهل، وأبو لحسن بن حمدين وأبن جعفر بن رزق الله ﵏. ذكر مكانه من العلم والثناء عليه وفضله قال القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل، وذكره: كان إمامًا جليلًا، متصرفًا في كل باب من أبواب العلم. أحد الفقهاء بالأندلس، حافظًا نظّارًا مستنبطًا بصيرًا بالأحكام والعقود، معه كان أكثر تفقهي. وصحبته طويلًا ورويت عنه كثيرًا. وأجاز لي جميع ما رواه. وذكره أبو علي الغساني الحافظ شيخنا ﵀. فقال: كان من جلة الفقهاء وأحد العلماء الأثبات، وممن عني بسماع الحديث دهره وقيده فأتقنه. وتقدم في المعرفة بالأحكام، وعقد الشروط وعللها فاق في ذلك أقرانه. وكان على سنن أهل الفضل، جزل الرأي، حصيف العقل، على منهاج السلف المتقدم. وقال الفقيه أبو مروان بن مالك، وقد رأى له كلامًا استحسنه: لو كان هذا الكلام لأحد من المتقدمين، لعدّ في فضائله. وذكر غيره: أنه كان متواضعًا يتصرف راجلًا ويحمل خبزه الى الفرن بنفسه، ويتولى شراء حوائجه ويحملها الى داره بنفسه، فإذا لقيه من يكبره من طلبته وغيرهم، وسأله أن يكفيه

стр. 1429

مؤنتها وحملها قال له: لا أفعل، الذي يأكلها يحملها. وهو مع ذلك في عيون الناس وقلوبهم النجم رفعة وجلالة، حتى رئيس البلد ابن جهور ينزل الى مسجده في الأحيان، لمهم الأمور، ويأخذ فيها رأيه هناك، وربما جمع له بقية فقهاء الشورى، فيقضي قضاءه، وينفذ أحكامه هناك. سمعت شيخنا أبا محمد عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن عتاب يقول: كان أبي يقول لا غنى للطالب عن الإجازة، وإن سمع الديوان أو الحديث قراءة على المحدث أو منه لجواز السهو والغفلة والسنة على أحدهما، قال: وعلى هذا اعتمدت في روايتي. وروى لنا عنه أنه كان لا يزيد في الرد إذا شمت عند العطاس يرحمك الله على قوله: وإياكم. وأريد أبو عبد الله بن عتاب على القضاء غير مرة، فامتنع ولم يقدر عليه بشيء. طلبه أهل طليطلة، وأهل المرية لقضاء بلدهم على عادتهم معًا في كون القضاء عندهم في غير بلدهم للتنافس الذي كان بين أهل هذين البلدين في القضاء، فكانوا يطلبونه من غيرهم، فطلب أهل هذين البلدين ابن عتاب لذلك، وبذلوا له ليقبل ذلك الرزق الواسع فامتنع، ولما مات القاضي بقرطبة سراج بن عبد الله، رغبه ابن جهور بنفسه ولاطفه جهده، فلم يقدر عليه، وحلف بحضرته ألا يلي وقال: ما إبايتي إلا إباية ضعف وقوة، لا من وهن وطاعة. وحكى أنه كان خلّف صندوقًا مقفلًا قد أوصى ألا يفتح إلا بعد موته، فلما مات، فتح فإذا فيه أربعة كتب من أربعة رؤساء: ابن عباد وابن الأفطس وبن صمادح وابن هود، كل منهم يدعوه الى نفسه وتقلّد القضاء ببلده، وقد كتب على كل كتاب منها: تركت هذا لله. وسأله رجل عن مسائل انتخبها وأعدها فأجابه أحسن جواب. فأثنى عليه الرجل فقال له: يا ابن أخي لا تتخذ هذا عادة، فلولا أني طالعتها البارحة ما أجبتك بمثل هذا أو كما قال. توفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وأربعماية. وقد نيف على الثمانين سنة. ولد لسبع

стр. 1430

بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين - ذكر ذلك الجياني ﵀. أبو عمر ابن القطان ﵀ اسمه: أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال. قرطبي. بعيد الصيت في فقهائها، وعليه وعلى أبي عبد الله بن عتاب دارت الفتيا بها، الى أن فرّق الموت بينهما. وكان لا يزال الذي بينهما متباعدًا ولا يزال يخالف ابن عتاب إذ كان متقدمًا عليه لسنة. وكان ابن عتاب مع سنه يفوقه بتفننه، وثبوت معرفته، وهذا ببيانه وقوة حفظه، وجودة استنباطه. وكان قائمًا بالشروط بصيرًا بعقدها، تفقه بأبي محمد بن دحون وابن الشقاق وابن حوبيل. وسمع القاضي يونس، وشور في أيام ابن بشر القاضي. قال ابن حيان: وكان أحفظ الناس للمدونة والمستخرجة، وأبصر الناس بالتهدي الى مكنونهما وأبعد أصحابه عن مكروه، وبأبي عمر تفقه القرطبيون، وابن مالك وابن الطلاع، وأحمد وابن دحون وابن رزق ونمطهم. وروى عنه مولد أبي عمر فيما ذكره ابن حيان بقرطبة، سنة تسعين وثلاثماية. وتوفي ببجاه، وقد خرج عن قرطبة يروم مدينة المرية للاستحمام بحماماتها لفالج أصابه يوم الاثنين منتصف ذي القعدة سنة ستين وأربماية. أبو مروان بن مالك ﵀ واسمه: عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن مالك. قرطبي. كان أبوه محمد يتفقه على ضعف معرفته وكتب لأبي الحسن ابن بقي في قضائه بطليطلة.

стр. 1431

ثم توفي وابنه هذا قد علق بصناعة قبى الحرير، فتعلق إذ ذاك بالطب فانقطع إليه، فجلس الى فقهاء طليطلة. ثم عاد الى وطنه فجد في طلبه، وأخذ عن القرشي وابن الأصبغ، وأبي عمر ابن القطان، ومن أدركه. فأعمل لحينه، ورسخ في مذهب مالك، واستظهر أم كتبهم المدونة، قبل في تصريفها، وله فيها مختصر حسن، فعضل، واحتيج إليه فشور مع شيوخه ودارت عليه معهم الفتوى حياته، وكتب لولد ابن زرب عند ولايته قضاء قرطبة، وكان له بالحساب والفرض واللسان والكلام والجدل والتفسير، وله في عقود أهل السنة والكلام عليها كتاب حسن. وبه وبابن عتاب، تفقه ابن سهل وغيره من القرطبيين. وكان كثير الجهاد والرباط مذكرًا للعامة يقرأ عليها كتب التفسير والرقائق، ولم تكن له كتب. سمعت شيخنا أبا إسحاق ابن جعفر الفقيه يحكي عن شيخه القاضي ابن سهل، قال: لم يكن عند ابن مالك من الكتب إلا فقه فيها معاني النحاس ومختصره في المدونة وأراه ذكر المستخرجة وأشياء من الكتب قليلة فكان إذا ذكر عنده المكثرون في الكتب وجمع الدواوين يقول: لا أدري هذه كتبي والله لأموتنّ وأنا أجهل الكثير مما فيها فماذا يصنع بالإكثار منها؟ أو نحو هذا من الكلام. وكان ابن سهل يعظمه ويستنبله كثيرًا ويفضله على غيره. قال بعض القرطبيين دخلت مع أبي مروان الزهراء مدينة الخلفاء بقرطبة الخراب فوقف متعجبًا ثم تناول فحمة فكتب بها على جدار: بلدٌ ألمّ بها الخراب وزارها … فغدوت أنظر شاخصًا آثارها فالدهر أفناها وغير حالها … وأباد منها صرفه عمارها وإلهنا ذو العرش يحيي أهلها … يوم تحدّث الأرض أخبارها وتوفي بقرطبة ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من جمادى الأولى سنة ستين وأربعماية عام وفاة ابن القطان بشبه الفجأة. ذكر أهله أنه انصرف من صلاة

стр. 1432

العشاء بمسجده وآوى بعد حين الى فراشه فقبض أسهل قبض لم يعلم به ضجيعه حتى جفّ. وسنه إذ ذاك ستون سنة، مولده سنة أربعماية ﵀. ابن أبي عبد الصمد ﵀ واسمه: موسى بن هذيل ابن أبي عبد الصمد وكنيته أبو محمد. قرطبي. جليل مفتٍ مع أصحابه، فقيه البيت في العلم. قال ابن حيان: كان من فضلاء قرطبة وكفّ بصره قبل موته بمدة فكان ابنه يكتب عنه وكان له ابنان، عبد المولى: توفي شابًا في حياة أبيه، سنة ثمان وخمسين وأربعماية وسنّه ثلاثون سنة، وكان ذا حظ من الفقه والمعرفة، ذا هدى وفضل. وأبو الحسن حاز خطة أبيه من الفتيا والرئاسة بعد موته ووليَ بعده قضاء قرطبة، وسيأتي ذكره بعد هذا وكانا جميعًا - فيما ذكره ابن حيان - يشاركان أباهما فيما يتقلده من الفتوى. سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج الأموي أبو القاسم. قرطبي. من بيت شهير، في موالي بني أمية. قال أبو علي الغساني الحافظ: كان من موالي بني أمية وخاصتهم، وأهل الجاه والحظوة منهم. وكان شيخًا صالحًا عفيفًا على منهاج السلف الأول، قال ابن حيان: وكان يصرح بولائهم ويفخر بكتاب عتق جده الأكبر سراج من مولاهم المنعم عليه عبد الرحمن بن معاوية، ﵀. قال القاضي: وكان ابنه شيخنا الوزير أبي الحسن سراج بن عبد الملك بن سراج الحافظ اللغوي الأديب ينتفي من مواليه بني أمية رقًا وأقسامًا، ويدعي أن ذلك إغراق وولاء وأن جدهم سراج بن قرة الكلابي الوافد على رسول الله ﷺ .

стр. 1433

وقال ابن الوليد ابن طريف: إن أولهم أصابه سبى قديم صيرهم أولًا في ولاء بني أمية بالمشرق فكانوا في عداد مقدمة مواليهم وينكر أن جدهم سراج بن قرة الكلابي صاحب رسول الله ﷺ . كذا سمعت شيخنا أبا الحسين يقول: إن قرة بالراء وصوابه قوة بالواو وكذا قيده أصحاب الصنعة، وهو سراج بن قوة بن رفعي بن زرعة بن الكاهن بن عمر بن عوف بن أبي ربيعة بن الصوت بن عبد الله بن كلاب وهو شاعر مشهور. وما ذكره من أن له وفادة على رسول الله ﷺ ، لا أعلم أحدًا ذكر ذلك. سمع القاضي أبا القاسم الأصيلي، والقاضي ابن برطال، ومسلمة بن بتري ونمطهم. حدث عنه أبو علي الجياني وابنه أبو مروان عبد الملك بن سراج الحافظ وابن طريف الكاتب وغير واحد، وولي الشورى بقرطبة مع هذه الطبقة وخطط بالوزارة، ثم وليَ قضاءَها. قال ابن حيان: وكان من أفضل أهل زمانه وأعفهم وساذج الفقه، قليل المعرفة. وتوفي في شوال سنة ست وخمسين، ولم يختلف الناس في إجمال ذكره والثناء عليه لعفته وطيب طعمته وانقباضه واقتفائه آثار من سلف ولين جانبه، وبه اختتم وجوه موالي بني مروان بقرطبة، وكانت مدته في القضاء ثمانية أعوام. وخلف سؤدده وسد مكانه ابنه أبو مروان عبد الملك الحافظ إمام الأندلس في وقته في علم لسان العرب وضبط لغاتها وأذكرهم لشوارد أشعارها وأوثقهم في ذلك، وإليه كانت الرحلة من جميع جهات الأندلس. سمع من أبيه والإقليلي والصفاقسي والحراني والقاضي يونس، ومكي المقرئ وطبقتهم واحتاج الكثير بعد من شيوخه الى الأخذ عنه والاستفادة منه. حدثنا عنه ابنه أبو الحسين الحافظ، وأبو علي الجياني والصدفي الحافظان، والقاضي أبو عبد الله بن عيسى الفقيه وأبو عبد الله ابن الحاج وغير واحد من شيوخنا. وتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة تسع وثمانين، فصير مكانه وناب منابه شيخنا أبو الحسين سراج. ووصل الرحلة

стр. 1434

الى داره وأخذ عنه الناس وأخذ عنه في حياته ابنه أبو الحسين المذكور وحاز الإمامة في هذا الباب بعده وكان رجل وقته فهمًا وعلمًا وحفظًا وإتقانًا مع التقدم في ثمرة الأدب النثر والنظم وهو القائل: بث الصنائع لا تحفل بموقعها … في آمل شكر المعروف أو كفرا كالغيث ليس يبالي حيث ما انسكبت … منه الغمائم تربًا كان أو حجرا لقيته ﵀ بقرطبة وقرأت عليه من كتب الشروح وغيرها كثيرًا. وتوفي ﵀ في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسماية، وقد أجريت من ذكرهم في كتاب المعجم في الشيوخ أشبع من هذا، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى. أبو زيد عبد الرحمن بن عيسى بن محمد المعروف بابن الحشاء القاضي. قرطبي. قال ابن حيان: كان بارع العلم راجحًا، عفيفًا، حاضر الشاهد والخاطر، حلو الشمائل. حجّ ولقي الناس بالمشرق وتخلق بأخلاقهم، وكان أحد نبلاء قضاة وقته، وليَ قضاء طرطوشة أيام مقاتل، ثم استعفاه لوحشة تخيلها منه، لحكم حكمه على بعض أصحابه، كره ذلك مقاتل. ثم ولي قضاء طليطلة فحمدت فيها سيرته الى أن نكبه صاحبها المأمون يحيى بن ذي النون عند قبضه على مشيختها فعزله وأخرجه منها. وكتب له في قضائه بطليطلة أبو الأصبغ بن سهل وأبو محمد ابن أبي قحافة. وعلى يده جرت قصة ابن الشرهو في ذنبه. وكانت وفاته في نحو السبعين وثلاثماية. أبو محمد عبد الرزاق ابن عبد الرحمن بن خلف الصفار القرطبي كان حافظًا للمسائل حاذقًا بالوثائق متقنًا لمعانيها مطبوعًا فيها وكتب

стр. 1435

للقاضي سراج بن سراج أيام قضائه بقرطبة، وتوفي سنة خمس وخمسين وأربعماية بقرطبة. عبد الرحمن بن سعيد المرواني الملقب بالمدوري، ويعرف بالطالوتي لمذهب مالك مفقه للعامة يجتمع إليه في مسجده للمناظرة ويعقد للشروط مع فضل وعفة وصبر على القلة وانقباض، الى أن مضى لسبيله ﵀. وكانت فيه غفلة تغلب عليه. وتوفي سنة خمس وخمسين، وقد نيف على السبعين ﵀. أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي. المعروف بابن القبري، خرج عن قرطبة في الفتنة، وكان من أهل العلم بالحديث والفقه والعربية والكلام والنظر والجدل على مذهب أهل السنة والحذق، يصوغ القريض والخطابة، تولى المظالم بشاطبة، والصلاة والحكم ببلنسية. سمع من أبيه وأبي محمد الأصيلي، وأبي حفص بن نابل وغيرهما، وأجازه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي. سمع منه ابن أخته القاضي أبو الوليد الباجي، وشيخنا أبو علي الباجي الجياني الحافظ وأبو الأصبغ بن سهل وغيرهم. وله خطب مؤلفة حسان، وهو القائل في رثاء قرطبة: يا ليت شعري والأيام تجمعنا … ونأخذ البين مغلوبًا فنصفعه في جنة الأرض أعني أرض قرطبة … فكل شيء بديع فهي تجمعه استودع الله أهليها فإنهم … كالمسك قد ملأ الدنيا تضوّعه

стр. 1436

قال أبو علي الغساني الحافظ: كان من أهل النبل والذكاء سريًا متواضعًا وتوفي في رجل سنة ست وخمسين وسنّه نحو الثمانين سنة بشاطبة وحمل الى بلنسية فدفن بها. مولده في ذي القعدة سنة سبع وسبعين وثلاثماية ﵀. أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الصدفي كبير طليطلة وفقيهها. كان حافظًا بصيرًا بالفتيا والأحكام. فهمًا نظارًا فصيحًا أديبًا. تفقه بابن زهير وابن أرفع رأسه وابن بدر وابن الفخار. ورحل فحجّ وسمع منه. حدث عن صاعد بن محمد وأحمد بن صاعد، وأبي محمد الشارفي، وأبي محمد العقيبي وأبي الطيب بن الحديدي وغيرهم. وحدث عنه بالإجازة شيخنا أبو عبد الرحمن بن عتاب وأراه لقي بالقيروان أبا بكر بن عبد الرحمن وألف المقنع في الوثائق. أبو جعفر أحمد بن قاسم القروي المعروف بابن أرفع رأسه. طليطلي. شهير البيت بها في العلم والجلالة كان رأسًا في فقهاء بلده، مقدمًا فيهم، مفتيًا. حدث عنه القاضي ابن سهل وكان حافظًا تفقه بابن الفخار وطبقته. أبو جعفر أحمد بن سعيد المعروف بابن اللورانكي من كبار فقهاء طليطلة ومفتيها وأجدر علمائها، امتحن بابن ذي النون يحيى المأمون محنته المشهورة في ستة من أكابر البلد فيهم ولد ابن مغيث وأبو جعفر هذا وولد ابن أرفع رأسه. وكان قد وشي بهم إليه بالتهمة على سلطانه فاستدعاهم مع قاضيهم أبي زيد ابن الحشاء القرطبي

стр. 1437

يريهم أنه يأخذ معهم في أمر من أمر النصارى غدوة، فحضروا، وربما اجتنبوا حضور قصره، إذ كانوا في ظهيرة من عامة بلدهم، فلما نزلوا بموضع، ترك لهم استدعاءهم واحدًا واحدًا، فيعدل بالداخل الى موضع قد أعد له فيه قيود وحداد، ففرق بينهم ستتهم، وسخط على قاضيهم فعزل وحوسب على ما جرى على يده، وبلغت العامة القصة فهموا بالنفور الى السلاح، على عادتهم لقصرهم، فإذا بمنادي السلطان في الجند بالسيف على من أعلن أو نطق. فسكن الناس واستبيحت دور الممتحنين. وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ستين وأخرج القوم يومهم الى قلعة كونكة، واسكنوا المطبق وأزعج قاضيهم الى وتده. واتهم بالسعي عليهم ضدهم كبير البلد أبو الطيب ابن أبي بكر يحيى بن سعيد بن أحمد الحديدي وبيته في العلم والرئاسة بطليطلة كما قدمنا شهرة وجلالة، فلم يزل القوم بهذا السبيل وقد خلت وجوههم لابن الحديدي وحاز رئاسة البلد وحده، الى أن مات المأمون وولي ولده الملقب بالقادر والحال لابن الحديدي حتى كأنه في حجره. فخاب حاله وقيل له لن تقدر عليه إلا بإخراج أضداده، فتستميل بهم الى العامة وتفترق العامة عنه. فأخرجوا ليلًا الى طليطلة، ودخلوا القصر سرًا، واستدعاه الى القصر فجاء على عادته، فلما رآهم سقط ما بيده. فتناولوه بالسبّ وقام بعض من كان في المحنة معهم بقتله مع اثنين من أصحابه الفقهاء، كانا قد تبعاه مستحسنين خبره فيمن تبعه من أشياخه، فجلسا بخارج القصر، الى أن حدثت الحادثة، فسعوا بهما ووقع الى العامة دسّ من الخبر، فهاجت فلم يرعها إلا الرؤوس مائلة والمنادي بين أيديهم والمشيخة الممتحنون خلفها يتقدمهم شيخاهم الفقيهان أبو جعفر بن مغيث وابن اللورانكي، وقد أصاب شيخهم ابن اللورانكي من العمى

стр. 1438

ببصره في المطبق ما زاد في الزكانة له والحنق على عدوه، فنسيت العامة ابن الحديدي برؤيتهم، وأقبلوا مبتهلين بالدعاء لهم والتهنئة بخلاصهم فطاح بهذا السبيل، ﵀. أبو جعفر بكر بن عيسى بن أحمد المعروف بالكندي، الفقيه الناسك. جياني. وسكن في الفتنة الأخيرة قرطبة، أخرجته عن بلده المخافة، فلزمها ملتزمًا مسجدها بالنهار للإقراء ومنزله بالليل للعمل الصالح، لا يخوض في شيء من أمر الفتنة ولا يخالطه الناس جملة. قال ابن حيان: كان على تحققه بعلم القرآن والسنة، عالمًا بالعربية بصيرًا بالنحو مشاركًا في الأدب، له حظ من الطب في الناس دون ثواب، وتظهر المنفعة به، أجمع الناس على عدم نظيره في وقته، وانتفع به أصحابه، تفقه عنده جماعة، منهم: ابن بنته أبو الحسن ابن حمدين وأبو جعفر ابن رزق، وأبو الأصبغ بن سهل وغيرهم من شيوخ شيوخنا، وكان شديدًا عليهم يأخذهم بالأدب والزجر، وربما أمر من يمسك له من يتهمه من طلابه بأمر لو يتخيل فيه تعطيل قراءة واشتغالًا بفضول، فيوجعه أدبًا، ويحتمل له ذلك، فانتهوا به. توفي ﵀ بقرطبة صدر رجب سنة أربع وخمسين، وجعل الناس لمشاهدته. وحدث بعض من كان في الصحراء من مشاهير الناس أنهم رأوا يوم موته عمود نور قد تخلل ما بين قرطبة والسماء، فلما وردوا الحضرة سألوا: هل من حادثة؟ فأخبروا بموت هذا العالم العامل ﵁. أبو المطرف عبد الرحمن بن سلمة فقيه طليطلة وحافظها ومفتيها، كان من أحفظ القوم وأعرفهم بطريق

стр. 1439

الفتيا، ذا فضل وصلاح وانقباض عن السلطان وأشياعه، لم يدخل في شيء مما دخل فيه فقهاء بلده، رزق السلامة. أخذ عن أبي بكر ابن زهر وطبقته حدث عنه شيخنا أبو محمد ابن أبي جعفر. وكان رحل إليه وتفقه عنده، وروى عنه أيضًا القاضي أبو الأصبغ ابن سهل غير شيء من فتاويه. وسع منه الناس، ولما دارت المحنة من النصارى على طليطلة وافتتحوها، خرج أبو المطرف فيمن خرج. فتوفي ﵀ ببطليوس رضي الله عن جميعهم. أبو علي حسين بن عيسى المالقي المعروف بحسون. فقيه بلده ومفتيه وكبيره، وذو بيت مشهور فيه وأبو علي حسون من كبرائه وقضاته. تفقه ببلده وبفقهاء سبتة عبد الرحمن بن العجوز وابن غالب. وولي قضاء بلده وكان مشاورًا فيه وكان من أهل الفقه الجيد والحفظ والذكاء والمعرفة. وحجّ، وله سماع من أبي ذر الهروي، وأبي الحسن الحوفي. ولقي أبا عمران القابسي وساءله، وذكر أن أبا ذر كان إذا سأله سائل عن مسألة بحضرته بمكة، أحال عليه في الفتيا. أخذ عنه أبو المطرف الشعبي وبه تفقه. وذكره ابن سهل القاضي فقال: فقيه مالقة، ورثاه الأديب أبو محمد بقصيدة أولها: لو كان يُبقي الموت حبرًا عالمًا … لوقى الحمام أبا علي واق وموقر لبس المشيب جلالة … بحر لباغي العرف عذب مذاق أبقيت في الدنيا مآثر جمّة … تتلى على الأيام وهي بواق

стр. 1440

وفيه أيضًا يقول ابن الخياط الضرير الشاعر لما وليَ القضاء في دولة العلويين: حسنت بحسونٍ خلافة هاشم … قاض تخيره الخليفة فاتقى حسنت به الدنيا وأصبح عدله … في المغرب الأقصى فأضحى مشرقا وفيه يقول أيضًا: يا هادي الضلال نهج طريقه … وموفّي الإسلام كنه حقوقه وإمام علم الدين والعدل الذي … سواه بين عدوه وصديقه وُفّقت فاستقضيت أنك واحد … وجدوا صلاح الكل في توفيقه أبو محمد عبد الله بن موسى المعروف بالمشارقي من أهل طليطلة وذوي العلم والفهم موصوفًا بورع بها، لقي شيوخها وشيوخ قرطبة وسمع منهم. حدث عن القاضي يونس وابن عتاب وأبي لأصبغ القرشي وابن القطان، ومن أهل طليطلة: عن أبي بكر ابن الرحوي، وأبي محمد ابن ادريس وابن أرفع رأسه. حدث عنه القاضي ابن سهل، وأبو الحسن ابن المشاط حاكم الجزيرة الخضراء، وأبو القاسم بن عفيف. وكان يكتب لابن الحديدي، ذكر أنه جلس معه أخ له يومًا فرأى حال ابن الحديدي ورئاسته وسعة حاله. فقال له أخوه: أين كنا إذ فرقت هذه الأموال؟ فسكت عنه، فلما خرجا مر به على ربط الجذمى فلما أوقفه على اختلاف بلائهم، قال له أبو محمد: أين كنا يا أخي إذ فرق هذا البلاء. أبو بكر عيسى بن محمد بن عيسى المعروف بابن صاحب الأحباس، فقيه أهل المرية، ومقدمهم في العلم
следующие страницы →