Полный текст (1 447 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فغضب مالك وقال مسألة خفيفة سهلة ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله تعالى: (إنا سنلقي عليل قولًا ثقيلًا) فالعلم كله ثقيل وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
قال بعضهم: ما سمعت قط أكثر قولًا من مالك لا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو شاء أن تصرف بألواحنا مملوءة بقوله لا أدري: إن تظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين لفعلنا.
وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر.
فقال مالك: ومن أين علموها؟ قال: منك.
قال مالك: ما أعلمها أنا فكيف يعلمونها؟ قال مفضل بن فضالة: ما نعد مالكًا إلا مثل نقاد بيت المال.
وقال ابن حاتم قلت ابن معين: مالك قل حديثه.
فقال بكثرة تمييزه.
وسئل مالك عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد.
فقال أما ما كان من لفظ النبي ﷺ فلا ينبغي أن يقوله إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فإذا كان المعنى واحدًا فلا بأس به.
قيل فحديث النبي ﷺ مزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد.
قال أرجو أن يكون خفيفًا.
وروى عنه ابن عقير نحوه.
قال القطان: لما مات مالك ﵀ أخرجت كتبه أصيب فيها فنداق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين.
قال ابن وهب: قال مالك: سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط، ولا أحدث بها.
فقال الفروي: فقلت له: لم؟ قال ليس عليها العمل.
قال عتيق بن يعقوب: قال لي مالك: أخذت من ابن شهاب تسعة فناديق في بطونها وظهورها أن، منها أشياءًا ما حدثت بها منذ أخذتها بالمدينة.
قال رجل لمالك أن الثوري حدثنا عنك في كذا.
فقال إني لأحدثك في
стр. 142
كذا وكذا حديثًا ما أظهرتها بالمدينة.
قال ابن مالك: لما دفنا مالكًا دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة.
فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه.
وفي رواية عن ابنه: وإنا ما وجدنا له إلا كتابًا واحدًا فيه لابن شهاب أحاديث قد خط على بعضها.
وعن ابن إسحاق بن بابين: وجدنا في تركة مالك صندوقين مقفولين فيهما كتب فجعل أبي يقرأها ويبكي ويقول: رحمك الله إنك كنت تريد بعملك الله.
لقد جالسته الدهر الطويل وما سمعته يحدث بشيء مما قرأت وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه ففتح صناديق مملوءة كتبًا فقرأها فذكر نحوه.
قال: ثم فتح صندوقًا آخر فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري وفتح آخر فأخرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة فما رأيت فيها شيئًا مما ذاكر به أصحابه في حياته.
قال أحمد بن صالح نظرت في أصول مالك فوجدتها شبيهًا باثني عشر ألف حديث.
قال بعضهم وهو حديث أهل المدينة في ذلك الوقت فلم يحدث مالك إلا بثلثها.
وأخرج إلي ابن أويس سماع مالك من الزهري فإذا نحو ثلاثمائة وخمسين حديثًا.
وأخرج إلي كتاب مالك في قراطيس غير كتاب ابن شهاب فقدرنا ذلك بنحو من عشرة آلاف حديث.
قال الشافعي: قيل لمالك: عند ابن عيينة أحاديث ليس عندك.
فقال: إذا أحدث الناس بكل ما سمعت إني إذًا أحمق.
وفي رواية إني أريد أن أضلهم إذًا.
ولقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث
стр. 143
منها سوطًا، ولم أحدث بها.
وإن كنت أفزع الناس من السياط.
وفي رواية أخرى قال وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت بها سوطًا.
قال الداودي: قلت له حدثني بحديث الملطا.
قال لا.
قلت سفيان يرويه عنك.
قال صدق ولو كنت حدثت أحدًا لحدثتك.
إن العمل ببلدنا ليس عليه وليس صاحبه بذلك وكان إذا قيل له هذا الحديث ليس عند غيرك تركه وإن قيل له هو مما يحتج به أهل البدع تركه.
وقيل له إن فلانًا يحدثنا بغرائب.
فقال: من الغريب نفر.
قال أبو مصعب: قيل لمالك لم لا تحدث عن أهل العراق.
قال لأنني رأيتهم إذا جاءونا يأخذون الحديث عن غير ثقة.
فقلت أنهم كذلك في بلادهم.
وقال عندي أحاديث لو ضرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبدًا.
وقال ابن عيينة: كان مالك لا يبلغ الحديث إلا صحيحًا.
ولا يحدث إلا من ثقة.
فقلت أنهم كذلك في بلادهم.
وقال عندي أحاديث لو ضرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبدًا.
وقال ابن عيينة: كان مالك لا يبلغ الحديث إلا صحيحًا.
ولا يحدث إلا عن ثقة.
قال الشافعي كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله.
قال معن سمعت مالكًا يقول إنما إنا بشر أخطئ وأرجع وكلما أقول يكتب.
قال أشهب ورآني أكتب جوابه في مسألة فقال لا تكتبها، فإني لا أدري أثبت عليها أم لا.
قال ابن وهب وسمعته يقول فيما يسأل عنه من أمر القضاء هذا متاع السلطان.
وسمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حتى يسأل يعني الرجل الذي يجلس لهذا.
وإنما يصنعه معلم الكتاب.
وكان الرجل يجلس فإن سئل العالم عن شيء سمعه.
وسمعته عندما يكثر عليه بالسؤال يكف ويقول حسبكم، من أكثر أخطأ.
وكان يعيب كثرة ذلك وقال يتكلم كأنه جمل مقتلم ويقول هو كذا هو كذا يهدر في كل شيء وسأله رجل عراقي عن رجل وطئ دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ أيأكله؟
стр. 144
فقال مالك سل عما يكون ودع ما لا يكون.
وسأله آخر عن نحو هذا، فلم يجبه.
فقال له لم لا تجبني؟ يا أبا عبد الله.
فقال له لو سألت عما تنتفع به أجبتك.
قال ابن المعدل قيل لمالك إن قريشًا تقول إنك لا تذكر في مجلسك أباءها وفضائلها.
فقال مالك إنما نتكلم فيما نرجو بركته.
قال ابن القاسم كان مالك لا يكاد يجيب وكان أصحابه يحتالون أن يجيء رجل بالمسألة التي يحبون أن يعلموها كأنها مسألة بلوى فيجيب بها.
وقال مالك لابن وهب اتق هذه الآثار، وهذا السماع الذي لا يستقيم أن يحدث به.
فقال له إنما أسمعه لأعرفه لأحدث به.
فقال ما سمع إنسان شيئًا إلا تحدث به، وعلى ذكر القدر وسمعت من ابن شهاب أشياء ما تحدثت بها، وأرجو ألا أفعل ما عشت.
وروى البياضي عنه أنه قال: لقد ندمت ألا أكون طرحت أكثر مما طرحت من الحديث.
وقال له القاسم بن مسرور أرأيت يا أبا عبد الله أحاديث تحدثت بها ليس عليها رأيك، لأي شيء أقررتها.
فقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت ولكنها انتشرت عند الناس، فإن سألني عنها أحد ولم أحدث بها وهي عند غيره اتخذني غرضًا.
قال بشر بن عمر سألت مالكًا مرة عن رجل فقال لو كان ثقة لرأيته في كتبي.
وسأله رجل عن مسألة من أهل المدينة، الجواب فيها.
فرده ثم عاد فرده ثلاثًا فكأنه تهاون بعلم مالك فأتاه أت في نومه يقول له: أنت المتهاون بعلم مالك؟ ائته فأسأله فلو كانت مسألتك أدق من الشعر وأصلب من الصخر لوفق فيها باستعانته بما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال أشهب رأيت في النوم قائلًا يقول لزم مالك كلمة عند فتواه لو ورد عليه الجبال لقلعتها.
وذلك قوله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
стр. 145
قال القعنبي دخلت على مالك فوجدته باكيًا فسألته عن ذلك فقال ومن أحمق بالبكاء مني لا أتكلم بكلمة إلا تبت بالأقلام وحملت إلى الآفاق وما تكلمت برأي إلا في ثلاث مسائل.
تم الجزء الأول من كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك والحمد لله على ذلك
стр. 146
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا وعلى آله وصحبه وسلم
باب صفة مجلس مالك للعلم ونشره له وصيانته إياه وتوقيره لحديث النبي ﷺ
قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رحمة الله عليه قال الواقدي: كان مالك يجلس على ضجاع ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتي من قريش والأنصار والناس.
وكان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلًا مصيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له من أين رأيت هذا.
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفينة بعد الفينة.
وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه.
وكان له كاتب قد نسخ له كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة له وإجلالًا.
وكان حبيب
стр. 147
إذا أخطأ فتح عليه مالك رحمه الله تعالى، وكان ذلك قليلًا، ولم يكن يقرأ كتبه على أحد، وكان كالسلطان له حاجب يأذن عليه فإذا اجتمع الناس ببابه أمر آذنه يخص أولًا أصحابه فإذا فرغ من يخص أذن للعامة وهذا هو المشهور
من سماع أصحابه أنهم يقرأون عليه، وسيأتي من أخباره ما يعضد هذا كثير.
إلا أن يحيى بن بكر ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربعة عشر مرة.
وزعم أن، أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه، وعوتب مالك في تقديمه الإذن لأصحابه.
فقال أصحابي وجيران رسول الله ﷺ .
قال إسماعيل بن حماد أتيت مالكًا فرأيته جالسًا في صدر بيته وأصحابه بجنبتي البيت.
وقال أبو مصعب وابن الضحاك ومطرف والمهدي وعبد الملك وابن سلمة وغير واحد من أصحابه كان جلساء مالك كأنما على رؤوسهم الطير تسمتًا وأدبًا، وقال حبيب كان مالك إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم.
قال مطرف وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأتاهم وإن قالوا الحديث قال لهم اجلسوا ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ولبس ساجه وتعمم ووضع على رأسه طويلة وتلقى له المنصة فيخرج إليهم وقد لبس وتطيب وعليه الخشوع ويوضع عود.
فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ .
قال يحيى كنا نجتمع على بابه فإذا توافينا صرخ الآذن ليدخل أهل المدينة ثم ليؤذن لغيرهم فيدخل ويسم عليه ويسكت ونسكت ساعة فإذا رأى ازدحامنا قال توقروا فإنه عون لكم وليعرف صغيركم حق كبيركم، ومن رواية أخرى، كان إذنه لنا رفع سطر في أسطوانة فندخل عليه وهو قاعد.
قد ميل رأسه حتى إذا
стр. 148
أخذ الناس مجالسهم رفع رأسه فقال السلام عليكم.
إنما كان يفعل ذلك لئلا يقرب بعض الناس على بعض من العلوية أو العثمانية أو
غيرهم فينتقد عليه ذلك كان يدعهم حتى يأخذون مجالسهم وكان بعضهم يعرف حق بعض فإذا قدم الحاج جعل جوابًا على بابه فيأذن أولًا لأهل المدينة فإذا دخلوا قال للبواب تنح.
قال ابن قعنب ما رأيت قط أشد وقارًا من مجلس مالك، لكأن الطير على رؤوسهم.
قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس للحديث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة.
ثم حدث فقيل له في ذلك، فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا وكان يكره أن، يحدث في طريق قائمًا ومستعجلًا وقال أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ ، قال ابن المنذر وكان مالك لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدع أحدهم حيث انتهى به مطرف وإسماعيل (كذا) قال ابن أبي أويس كان إذا جلس للحديث قال ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى.
قال إسماعيل فربما قعد القعنبي عن يمينه.
قال ولم يكن يجلس على المنصور إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ .
قال أبو مصعب كان مالك لا يحدث إلا على وضوء إجلالًا منه لحديث رسول الله ﷺ .
قال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا سئل الحديث توضأ وتهيأ ولبس ثيابه فقيل له في ذلك فقال: إنه حديث رسول الله ﷺ .
قال عبد الله بن المبارك: وكنت عند مالك وهو يحدثنا فلدغته عقرب ستة عشر مرة ومالك يتغير لونه ويصبر ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ
فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبًا قال إنما صبرت إجلالًا لحديث رسول الله ﷺ .
قال يحيى
стр. 149
ابن يحيى الأندلسي كنت جالسًا عند مالك فوقعت على رأسه وزغتان فمرتا على قلنسوته ثم دنتا إلى عنقه حتى دخلتا تحت طوقه حتى خرجتا من تحت ثيابه وما نفضهما وما حل صفوته.
قال مصعب الزبيري كان حبيب يقرأ على مالك وأنا على يمينه وأخي عن شماله وهو أقرب إلى مالك.
وكان أسن مني وكان حبيب يقرأ لنا عشية من ورقتين إلى ورقتين ونصف ولا يبلغ ثلاثًا والناس ناحية لا يدنون ولا ينظرون فإذا خرجنا جاءنا الناس فعارضوا كتبهم بكتبنا.
قال وجئنا يومًا إلى أبينا بالعرصة لنقيم عنده ونسير بالعشي إلى مالك فأصابتنا سماء يمًا فلم نأته تلك العشية ولم ينتظرنا وعرض عليه الناس فأتيناه بالغد فقلنا له يا أبا عبد الله أصابتنا أمس سماء ثقلتنا عن حضور العرض، فاردد علينا قال لا.
من طلب هذا الأمر صبر عليه.
قال جعفر ابن إبراهيم كلم صديق لأبي، مالكًا أن أسمع منه فأذن فكنت اختلف إليه وأنا مدل بنسبي من الرسول ﵊ وموضعي، فأنخطأ الناس إلى وساد مالك فلا يتزحزح ويريني أنه لم يدنيني احتقارًا لي.
فشكوت ذلك إلى أبي وغيره فبعثوا إليه يسألونه إكرامي وأثرتي فقال للرسول ما هو عندنا وغيره إلا سواء.
إنما هي عافاك الله مجالس علم السابق إليها أحق بها.
فكنت أني وقد أحدق الناس فما يوسع لي فاستدني حيث وجدت.
قال ابن وهب كنا إذا جلسنا إلى مالك فإنما يتساءل الناس بينهم فإذا اختلفوا
وأرادوا أن يرفعوه إلى مالك فإنما يضم إليه رجل واحد.
بخفض الصوت مع الإجلال والهيبة فيقول ما تقول أصلحك الله في كذا وكذا.
قال فإن كان الرافع المصيب قال له وفقك الله، وإن، كان الآخر قال له ذلك فأيهم ناداه بالتوفيق علم أنه المصيب.
قال عبد الرزاق بينما نحن في المسجد
стр. 150
الحرام فقيل لنا هذا مالك فلقيناه داخلًا من باب بني هاشم وعليه رداء وقميص صنعاني فطاف بالبيت وخرج ناحية الصفا فصلى ركعتين ثم احتبى.
فلما فرغ احتوشناه كما يصنع أصحاب الحديث فلما جلسنا قام من بيننا كالمغضب.
فجئنا مشائخنا.
أي شيء كتبتك عن مالك فأخبرناهم بالذي فعل.
فقالوا الذي فعلتم لا يحتمله مالك، فلما كان من الغد جئنا واحدًا واحدًا وعلينا السكون فحدثنا وقال الذي فعلتم أمس فعل السفهاء.
قال خالد بن نزار سألت مالكًا عن شيء وكان متكئًا فقال حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ثم استوى جالسًا وتجلل بكساه فقال استغفر الله فقلت له في ذلك.
فقال إن العلم أجل من ذلك ما حدثت عن رسول الله ﷺ وأنا متكئ.
قال ابن بكير قام رجل إلى مالك فقال له أعرض؟ قال نعم.
فقال أحدثكم ابن شهاب عن سالم، فقال له مالك أنت ثقيل.
يقوم غير هذا فقام آخر فقال حدثكم ابن شهاب، بلا استفهام، فقال مالك أحسنت.
مثل هذا فليعرض.
ودخل بقية بن الوليد على مالك فقال الناس اليوم ننتفع بأبي محمد يسأل مالكًا مسائل نكتبها عنه.
فسأله عن ست مسائل فأجابه فيها كلها وسأله بعد ذلك فقال له مالك أكثرت خذوا بيد الشيخ فجاء نفسان فأخذا بضبعيه فأخرجاه.
قال ابن المنذر كانت لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة.
ولم يكن يوسع لأحدهم ولا يرفعه يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.
حكى الزبير عن عمه مصعب وغير واحد أن هارون لما حج أتى مالكًا فأستأذن عليه حاجبه ثم أذن له.
وفي رواية بعضهم ثم خرج إليه فلما دخل قال يا أبا عبد الله ما حملك على أن أبطأت، وقد علمت مكاني.
وفي رواية حبسنا ببابك.
قال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت وعلمت أنك لا تأتي إلا لحديث رسول الله ﷺ ، فأحببت أن أتأهب له.
فقال قد علمت أن الله ما رفعك
стр. 151
باطلًا.
وأخذ بيده فمضى إلى قبر النبي ﷺ ، فقال أخبرني عن مكان أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال كان محلهما منه في حياته كمحلها منه بعد وفاته.
قال هشام بن عيسى لما قدم هارون المدين دعا مالكًا.
فقال مالك: منكم خرج هذا العلم وأولى الناس بإعظامه ومن إعظامكم له ألا تدعوا حملته إلى أبوابكم.
قال قد فعلت يا أبا عبد الله.
وقال بعضهم حج المهدي فدخل المدينة فسار إليه مالك وأظهر من بره وإعظامه
وأمر ابنيه موسى وهارون أن يسمعنا منه.
فبعثوا إليه فلم يصل إليهم وأعلموا المهدي فبعث إليه لم يأتهم؟ فقال يا أمير المؤمنين العلم أهل لأن يوقر ويؤتى.
قال، صدق.
سيروا إليه.
فلما حضروه قالوا له إقرأ علينا.
قال إن هذا البلد إنما يقرأ فيه على العالم كما يقرأ الغلام على المعلم فإذا أخطأ فتاة فانصرفوا عنه، وأعلموا المهدي.
فبعث إليه.
فقال امتنعت أن، تصير إليهم فصاروا إليك فامتنعت أن، تقرأ عليهم.
قال يا أمير المؤمنين سمعت ابن شهاب يقول جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة، وهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة وسليمان ونافع ثم نقل عهم ابن هرمز وأبو الزناد وربيعة والأنصار وبحر العلم ابن شهاب وكل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرأون.
قال المهدي اذهبوا فاقرأوا، ففي هؤلاء قدوة.
فكان مؤدبهم يقرأ عليهم.
وفي رواية ابن نافع في هذا الحديث لما دخل مالك على هارون رفع مجلسه وقال لابنيه قوما فاجلسا بين يدي عمكما فقاما فجلسا بين يدي مالك.
فقال حدثهما فتغير وجه مالك ثم التفت إلى هارون وقال أن الله رفعك وجعلك في موضعك الذي أنت فيه للعلم، فلا تكن أول من يضع عز العلم فيضع الله عزك فالتفت هارون إلى ابنيه وقال لهما قوما فإذا مضى عمكما فأتيا
стр. 152
منزله فاسمعا منه.
فلما انصرف مالك ركبا إليه ونزلا ودقا الباب فلم يفتح لهما فتركا فجلسا على
الباب والريح تضرب وجوههما بتراب العقيق فلما أيسا انصرفا.
قال بعضهم قدم الرشيد المدينة ومالك عليل فبعث إليه أن يأتيه ليسأله عن مسألة، فقال أنا عليل فقال لا بد من لقائك ووجه إليه محفة وحمله على أيدي الخدم.
فلما دخل قام إليه الفضل بن الربيع فسأله عن مسألة فقال مالك يا وغد إليك حملت؟ لأخبرن أمير المؤمنين.
فأكب عليه الفضل يقبله ويستعطفه فلما دخل قام إليه الفضل بن الربيع فسأله عن مسألة فقال مالك يا وغد إليك حملت؟ لأخبرن أمير المؤمنين.
فأكب عليه الفضل يقبله ويستعطفه فلما دخل إلى هارون سأله عما أراد.
وقال مطرف وابن نافع وغيرهما وبعضهم يزيد على بعض، لما قدم هارون المدينة وجه إلى مالك البرمكي وقال له قل له احمل لي الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك فوجد من ذلك مالك واغتم وقال للبرمكي إقرئه السلام وقل له العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي فرجع البرمكي إلى هارون فأخبره بذلك، فغضب وأشار عامة أصحاب مالك أن يأتي هارون وقال البرمكي للرشيد يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك.
أعزم عليه حتى يأتيك فإذا بمالك قد دخل فسلم وليس معه كتاب، فقال له هارون في ذلك فقال مالك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى بعث إلينا محمدًا ﷺ وأمر بطاعته واتباع سنته وأن نرعاه حيًا وميتًا وقد جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أول من ضيع العلم فيضيعك الله.
الله لقد رأيت من ليس هو في حسبك ولا نسبك من الموالي وغيرهم يعز هذا العلم ويجله ويوقر حملته فأنت أحرى أن، تجل علم ابن عمك، ولم يزل يعدد عليه حتى بكى.
ثم قال له حدثني الزهري وذكر حديث ذيل بن ثابت، كنت أكتب بين يدي رسول
الله ﷺ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة، فقال رسول
стр. 153
الله صلى الله عليه سلم ما أدري.
قال زيد وقلمي رطب لم يجف حتى غشي النبي ﷺ الوحي ووقع فخذه على فخذي فكادت تندق من ثقل الوحي ثم خلا عنه فقال اكتب يا زيد غير أولى الضرر فقال يا أمير المؤمنين هذا حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه أفلا ينبغي لي أن أجله وأعزه؟ قال، فقال هارون قم بنا إلى منزلك.
فأتى هارون منزل مالك فدخل مالك واغتسل ولبس ثيابًا جددًا وتطيب ووضع مجامير فيها عود وجلس فقال هات، فقال هارون تقرأ علي.
ما قرأت على أحد منذ زمان.
قال فأخرج عني الناس حتى أقرأه عليك.
فقال مالك إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم تنتفع به الخاصة.
قال فأمر بعض أصحابه يقرأه فأمر المغيرة على مالك وفي رواية إن الذي قرأه له معن.
قال فكان هارون قد استند إلى جنب مالك فلما بدأ يقرأ له قال يا أمير المؤمنين من تواضع لله رفعه الله.
وفي رواية أبي مصعب من إجلال الله إجلال ذوي الشيبة المسلم.
فقام فقعد بين يديه فحدثه، فلما فرغ عاد إلى مكانه.
قال مالك: لما كان بعد مدة قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينة فلم تنتفع به.
وكان يأتيهم فيحدثهم.
قالوا وكان رجل قرشي ينتقص مالكًا ويقول بأي شيء هو أكبر منا؟ فلما قدم هارون وجلس الناس قالوا له هذا هارون ومالك يدخل وأنت تدخل فافعل ما فعل.
وأرسلوا معه من ينظر، فتقدم مالك فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، عمك مالك بن أنس أين يجلس؟ قال: ها هنا تجلس.
وأقبل الرجل خلفه فقبل يدي هارون، فقال هارون لمالك إن رأيت أن تأتي ولديك فتحدثهم يعني ابني هارون.
قال فما رد عليه مالك شيئًا حتى خلا من عنده، فتول إليه فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تكون أول من أجرى على يديك ذل العلم.
стр. 154
قال وما ذاك.
قال أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون.
فقال له أصبت بل يأتوك.
وخرج مالك.
فقال هارون هذا الذي تلومونني فيه ما رأيت رجلًا اعقل منه، قلت له آنفًا فلم يرد على شيء كراهية أن يخرج منه شيء في ذلك الجمع فلما خلوت خرج لي عما في نفسي مروا له بكذا وكذا جائزة، فكانوا بعد يقولون للقرشي كيف ترى؟ فيقول ذلك رجل معصوم.
قال مطرف دخل مالك على هارون في بعض حاجته فقال له هارون أريد أن تأتيني فتقرأ على كتابك.
فقال مالك العلم يؤتى ولا يأتي.
قال فأرسل إلي من ينسخها قلت نعم.
قال ابن مهدي مشيت مع مالك يومًا إلى العقيق من المسجد فسألته عن حديث
فانتهرني، وفي رواية فالتفت إلي وقال لي كنت في عيني أجل من هذا، أتسألني عن حديث رسول الله ﷺ ونحن نمشي.
فقلت إنا لله ما أراني إلا وقد سقطت من عينه.
فلما قعد في مجلسه بعدت منه فقال ادن ها هنا فدنوت فقال قد ظننت أنا أدبناك تسألني عن حديث رسول الله ﷺ وأنا أمشي سل عما تريد هاهنا.
قال ابن مهدي وسألوا مالكًا بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم قال أبو مصعب وسأله جرير بن عبد الحميد القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه.
فقيل له إنه قاض فقال القاضي أحق أن يؤدب احبسوه فحبس إلى الغد.
قال عبد الله بن صالح كان مالك والليث لا يمسان الحديث إلا وهما طاهران.
قال المروي كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد ينبسط معنا في الحديث وهو أشد تواضعًا منا له.
فإذا أخذ في الحديث تهيبنا كلامه كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.
ولما حج هاشم بن جريج وهو حدث أتى مالك بن أنس وقد رحل الناس بورقتين من حديث، فقال له: أقرأ هذه الأحاديث فقد مضى الناس.
فقال
стр. 155
مالك ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس جاء فقال: أقرأ لي، فقد رحل الناس.
فالتفت هاشم إلى مالك فقال أصلحك الله إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك ووقفت عند أمرك وفرحت بذلك في نادي قومي، وسدت به على عشيرتي استودعك الله، فإن طاعتك فرض وقولك حكم استودعك الله.
قال مالك مثل هذا طلب العلم، ردوه.
فبعث في طلبه فأتى به فقرأ له ثم انصرف.
قال القروي لما كثر الناس على مالك قيل له لو جعلت مستمليًا يسمع الناس.
قال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا
تجهروا له بالقول).
وحرمته حيًا وميتًا سواء.
قال ابن مهدي وما أدركت أحدًا إلا يخاف هذا الحديث إلا مالكًا وحماد بن زيد فإنهما كانا يجعلانه من أعمال البر.
وكان مالك يقول لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم.
قال مطرف: حضرت مالكًا يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه فيفعل وروى ابن وهب عنه أنه رآه مرة فعله ومرة كرهه وأجاز المناولة وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري مائة حديث لابن شهاب فقيل له اقرأها عليك؟ قال كان أفق من ذلك.
قال مصعب وسأله المهدي أن يسمع منه كتبه فقال له هذا شيء يطول عليك ولكن أكتبها لك وأصححها وابعث بها إليك، وكان أكثر أمله أن يقرأ عليه على أحد كتاب الموطأ.
وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجزي العرض وزعم ابن بكير أنه سمع الموطأ من مالك بقراءة نفسه غير مرة، وقال لمالك غير واحد أرأيت ما قرأته عليك أن أقول فيه حدثنان وأخبرنا.
قال نعم.
ألست فرغت لكم نفسي
стр. 156
وأقمت سقطه وزلله؟ قيل له فيجوز لمن حضر أن يقول ذلك؟ قال: نعم.
وفي سماع ابن وهب سأل رجل مالكًا عن الكتاب يعرض عليك ثم ينقلب به صاحبه فيبيت عنده أيجوز أن أحدثه؟ قال نعم.
وقال مالك في سماع ابن القاسم وابن وهب وغيرهما: العرض أعجب إلي من السماع وأثبت إذا كان الذي يقرأ يتثبت، واستعدى عليه رجل خرساني قاضي
المدينة فقال جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض وأبى مالك أن يقرأ علينا.
فحكم القاضي على مالك أن يقرأ له.
فقيل له أصاب الحق؟ قال نعم.
قال الحارث ابن مسكين، كلم بعض الهاشميين مالكًا في أيام الموسم أن يعرض عليه فأبى وقال هي أيام الحج فإذا انقضت فإن شئت عرضت بعد.
فغضب، وقال قد أرادك هارون أمير المؤمنين على هذا فأجبته.
قال مالك قد أراداني فما فعلت.
قال القطان قراءة ابن مهدي على مالك كالحديث لأنه كان يقول سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا يقول قال ابن المديني.
قلت ليحيى: كان مالك يملي عليك قال كنت أكتب بين يديه.
قال مصعب كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه ولكن لا يرد عليه ولا يراجعه وقال أشهب عاب مالك الكتاب للعلم، وقال لم أدرك أحدًا يفعله، إنما كانوا يحفظون قال القطان دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومالك أسود الرأس واللحية والناس حوله سكوت لا يتكلم أحد هيبة له ولا يفتي أحد في مجلس الرسول ﷺ غيره.
فجلست بين يديه فسألته فحدثني فراددته فراددني ثم غمزني بعض أصحابه فسكت.
قال معن كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما.
وروى عنه ابن عمير مثله ذكر ابن وهب
стр. 157
قال لما أتيت عبد العزيز بن الماجشون لأسمع منه قال لي: إياك وأن تعلم مالكًا أنك تأتيني فلا يحدثك.
كأنه يعلم أنه يغمزه.
قال إسماعيل قال حماد بن أبي حنيفة: أتيت مالكًا فرأيته جالسًا في صدر بيته وأصحابه بجنبتي الباب، له واحد منهما له مجلس (كذا) فقمت على باب البيت قال من أنت؟ قلت فلان أسأله عن مسألة.
قال ادن حتى أقعدني بين يدي فرشه، فلما رأى ذلك أصحابه قاموا جميعًا من مجالسهم فخرجوا من البيت، فقال لي ما كان أبوك يقول في كذا؟ فأخبرته فقال وما كانت حجته؟ فأعلمته، وجعل يسألني عن أشياء من مذهب أبي حنيفة وعن حجته.
ثم قال: سل.
فسألته، فأجابني.
فلما خرجت عاد أصحابه إلى مجالسهم.
قال الحسن بن الربيع البواري كنت على باب مالك فنادى مناديه ليدخل أهل الحجاز فما دخل إلا هم.
ثم نادى في أهل الشام.
في أهل العراق.
فكنت آخر من دخل.
وفينا حماد بن أبي حنيفة فقال السلام عليكم ورحمة الله.
قال فأوما الناس إليه بأيديهم أن اسكت.
فقال أفي صلاة نحن فلا نتكلم؟ فسمعت مالكًا يقول أستخير الله مرتين ثم قال: أخبرنا نافع فحدثنا بعشرين حديثًا ثم قال أخرجوهم فأخذتنا المقارع.
قال الشافعي قرأت الموطأ على مالك ولم يكن يقرأ عليه إلا من فهم العلم وجالس أهله، وكنت قد سمعت من ابن عيينة والزنجي وغيرهما من المكيين ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته.
قال عبد الله بن مطيع أتينا مالكًا فحدثنا بأحاديث فاستزدناه فقال حسب فأخذتنا المقارع.
وسأله رجل مالكًا عن مسألة فلم يجبه فقال له لم لا تجبني.
فقال لو سألت عما تنتفع به أجبتك.
قال
стр. 158
الشافعي أستأذنت على مالك وكنت أريد أن أسمع منه حديث السقيفة، فقلت إن جعلته أولًا خشيت أن يستطيله ولم يحدثني وإن جعلته آخرًا خشيت أن لا أبلغه، فجعلته بعد عشرة أحاديث.
فأخذت أسأله فلما مرت عشرة، قال حسبك.
فلم أسمعه.
قال بشر بن آدم سأل الأغضب مالكًا عن مسألة ثم عن أخرى فأجابه، ثم عن أخرى فلم يجبه.
فقال له هو لم؟ فقال مالك يا غلام خذ بيده فاذهب به إلى السجن.
قال إني قاضي أمير المؤمنين.
قال ذلك أهون لك.
قال لا أعود.
قال خل سبيله.
قال إسماعيل بن بنت السندي سألت مالكًا عن حديث رسول الله ﷺ إنه رمل من الحجر إلى الحجر قال، فقلت إسناده.
فقال جروا برجله.
قال إسماعيل القواريري دخلت على مالك فسألته الحديث فحدثني أظنه باثني عشر حديثًا، فاستزدته وكان سودان قيام على رأسه فإذا هم حملوني وأخرجوني من داره فرموا بي في الطريق أو نحو هذا.
قال ابن حارث دخل ابن المبارك وأصحابه على مالك فقالا يا أبا عبد الله حدثنا ولا تحدثنا إلا بحديث الزهري، فقال مالك يؤخذ بأيديهم ويقاموا عني فقام القوم فلما كان من الغد قال ابن المبارك لأصحابه إن مالك بن أنس لا يضره ألا تسمعوا منه شيئًا.
فعودوا إلى الرجل، فدخلوا عليه فلما أخذوا مجالسهم اعتبرهم وحدثهم من حديث الزهري كما أرادوا.
قال أبو مسعر كان مالك يسأله عن مسألة وثانية فإذا سئل عن ثالثة قال خذوا بيده فأخرجوه.
قال ابن مهدي لما أراد يحيى ابن أبي زائدة الحج كلم عبد الله بن إدريس أن يكتب له كتابًا إلى المدينة ليسمع منه، وكانت بينهما مودة ففعل، وكان يسمع إذا جاءه يومًا رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في رجل أوصى لعبده بمائة درهم فقال مالك الوصية
стр. 159
جائزة.
فقال له يحيى يا أبا عبد الله يوصي بماله لماله؟ فنظر مالك إلى من عنده فقال.
ولتعرفنهم في لحن القول لا تعد إلي.
باب في ذكر ما كان رزقه مالك في العلم من نباهة القدر والهيبة والمجد
قال القاضي ﵁.
قال زياد بن يونس ما رأيت قط عالمًا ولا عابدًا ولا شاطرًا ولا واليًا أهيب من مالك رحمه الله تعالى.
وقال ابن الماجشون، دخلت على أمير المؤمنين المهدي فما كان بيني وبينه إلا خادمه فما هبته هيبتي مالكًا وقال مثله الدراوردي.
قال سعيد بن أبي مريم: ما رأيت أشد هيبة من مالك لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان.
وقال مصعب الزبيري ما رأيت قط أهيب من مالك إلا الخليفة.
وقال سعيد ابن أبي هند: ما هبت أحدًا هيبتي عبد الرحمان بن معاوية يريد ملك الأندلس حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة صغرت هيبة ابن معاوية.
قال ابن أبي أويس وأبو مصعب: ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة أن يقول قال رسول الله ﷺ إلا حبسه مالك، فإذا سئل فيه قال يصحح ما قال ثم يخرج.
قال إسماعيل، ولقد كان ابن كنانة وابن أبي حازم والدراوردي وغيرهم سمعوا مع مالك من مشائخ وتركوا الحديث عنهم هيبة له حتى مات.
ففشى ذلك فيهم: قال الأصمعي ما هبت عالمًا قط ما هبت مالكًا حتى لحن فذهبت هيبته من قلبي، قلت له في ذلك، فقال كيف لو رأيت ربيعة؟ كنا نقول له كيف أصبحت فيقول بخير أو بخيرًا.
قال ابن وهب قدمت
стр. 160
المدينة فسألني الناس أن أسأل لهم مالكًا عن الخنثى وقد اجتمعوا إليه وكنت أنا الذي أسأل لهم، فهبت أن أسأله وهابه كل من في المجلس أن يسأله.
قال هشام بن عمار دخلت المدينة فأتيت مالكًا بن أنس فلما وقع بصري عليه هبته حتى ضربت على خاصرتي.
قال الشافعي ما هبت أحدًا قط هيبتي مالك بن أنس حين نظرت إليه وقيل كان الثوري في مجلسه فلما رأى إجلال الناس له وإجلاله للعلم أنشد:
يأبي لجواب فلا يراجع هيبة … فالسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
قال ابن حنبل كان مالك مصيبًا في مجلسه لا يرد إعظامًا له.
قال الشافعي كان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك امتلأ منزله حتى يضيق بهم الموضع وإذا حدثهم عن غيره من شيوخ الكوفة لم يجبه إلا اليسير فكان يقول ما أعلم أحدًا أسوأ ثناءًا منكم على أصحابكم.
قال بكير بن الشرود وغيره والمعنى متقارب أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة ونحن نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم ما تصنعون بربيعة وهو قائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا أنت ربيعة الذي يحدث عنك مالك؟ قال نعم.
قلنا كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ فقال أما علمتم ابن مثقالًا من دولة خير من حمل علم.
قال ابن حارث كان مالك يجل العلم الذي عنده إجلالًا عظيمًا ويصون نفسه عن جميع الوجوه التي تنقص وإن قلت وكان يتهيب شديدًا.
قال يحيى بن حسن كتبت يومًا عن مالك ثمانية أحاديث فسررت بها سرورًا
كثيرًا.
وقال بشر الحافي
стр. 161
حدثنا مالك وأستغفر الله أن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك.
قال حبيب رأيت مالكًا منصرفًا من عند المهدي ما يمر بأحد إلا قام إليه وذكر الله.
قال فذكرت الحديث الذي جاء إذا رأى ذكر الله.
قال غيره كان مالك يسأل عن المغازي الضحاك بن عثمان وابن كنانة ثم يتحدث عنهما في مجلسه فيبتدئ الناس يكتبونها عنه، ويكتبها معهم الضحاك وابن كنانة وأكثرها إنما سمعه منهما.
قال القعنبي ما أحسب مالكًا بلغ ما بلغ إلا بسريرة كانت بينه وبين الله تعالى.
رأيته يقام بين يديه الرجل كما يقام بين يدي الأمير.
قال إسماعيل بن يعقوب السهمي كنت مع مالك بن أنس جالسًا يومًا عند بروز أهل الموسم فجلس إليه رجل عراقي فسأله عن مسألة فأجاب ثم سأله مرة أخرى فأجاب، ثم سأله فأبى أن يجيبه فقال لقد أنفقت وجئت هذا الوجه وأنا مسترشد فأرشدوني فقال بلغني أن رسول الله ﷺ قال لا إيمان لمن لا حياء له.
فقال العراقي وأنا قد بلغني أن النبي ﷺ قال إذا كنف وجه الرجل رق دينه.
فوثب إليه جماعة من جلساء مالك فنزعوا عمامته وطرحوها في رقبته وخنقوه بها.
قال أشهب: عاد مالك محمد ابن علي من علة وطرحوها في رقبته وخنقوه بها.
قال أشهب: عاد مالك محمد ابن علي من علة فصارت له بعيادة مالك وجهة في
الناس.
قال عبد الله بن نافع الزبيري: كنت أقرأ على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح فرفعت صوتي فزجرني وقال أما ترى مالكًا.
وهو أول ما عرفت به مالكًا.
وروي هذا عن ابن وهب، قال يونس بن تميم قدمت المدينة سنة ستين ومائة فأتيت مالكًا فلما نظرت إليه هبته ولم أتقدم إليه ورأيت الناس يهابونه فأقمت أتردد عشرة أيام فشكوت ذلك لبعض أهل المدينة فقيل لي اعط كاتبه يسأل لك عما أحببت، وأما أنت فلا أحسب تتهيأ لك مسائلته لأنه أهيب من ذلك في صدور الناس.
قال عبد الله العباسي: كان أهل المدينة إذا مات لهم ميت يقولون امضوا بنا إلى مالك يعزينا.
قال مصعب: رأيت مالكًا على
стр. 162
ضجاع لا يقعد معه أحد وقريش قعود فإذا جاء الرجل من بني هاشم ثنى رجله وأجلسه على ضجاعه فيقبل عليه ولا يلتفت أحد حتى يفرغ.
قال التستري وهذا في غير مجلس العلم، وقد قيل إن المخزومي كان ممن يجلس معه على فراشه، قال بعضهم سعى ابن أبي الزناد بمالك إلى بعض أمراء المدينة فأتاه مالك يسأله أن يكف عنه فأدخله حجلته فتعجب الناس منه كيف ائتمنه على حرمه لما بينهما، ومضى إلى الوالي ورجع فقال قد كفيته.
ثم لم يعد مالك إلى كلامه حتى مات.
قال بعض الحسنيين كنت مقيمًا عند أهلي أيام ابتنائها فأتاني مالك وأنا مع أهلي في الحجلة فأستأذن فكرهت أن أجلسه في الباب إلى أن أباعد أهلي فخرجت من الحجلة وأرخيت الستر على وجه زوجتي فقعدت بين يدي الحجلة وأذنت له فدخل
وجلس.
ثم قال أن هذا يعني ألأمير قد حبس غلامي أخذه العسس فامض إليه حتى يطلقه.
فهبت أن أخبره بموضع زوجتي أو أرجعه فتركته جالسًا وخرجت إلى الأمير فأطلق غلامه وجئت به فلما رآني مالك آخذًا بيد الغلام تلقاني وانتزع الغلام وخرج يتوكأ عليه والله ما قال لي أحسن الله جزاك.
باب اتباعه السنن وكراهيته المحدثات وبعض ما روي عنه في عقائد أهل السنة والكلام في أهل الأهواء
قال الفقيه القاضي رضي الله تعالى عنه كان مالك كثيرًا ما يتمثل:
وخير أمور الدين ما كان سنة … وشر الأمور المحدثات البدائع
قال أحمد بن حنبل: مالك أتبع من سفيان.
وقال ابن حنبل: إذا
стр. 163
رأيت الرجل يبغض مالكًا فاعلم أنه مبتدع.
قال أبو داود أخشى عليه البدعة.
وقال ابن المهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحدًا يتناوله فاعلم أنه على خلاف وقال إبراهيم ابن يحيى بن بسام ما سمعت أبا داود لعن أحدًا قط إلا رجلين، أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكًا، والآخر بشر المريسي.
قال معن: انصرف مالك يومًا إلى المسجد وهو متكئ على يدي فلحقه رجل يقال له ابو الجويرة يتهم بالأرجاء فقال يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أعلمك به وأحاجك وأخبرك برأي.
فقال: احذر أن اشهد عليك قال: والله ما أريد إلا الحق اسمع فإن كان صوابًا فقل
إنه.
أو فتكلم.
قال فإن غلبتني.
قال اتبعني.
قال فإن غلبتك.
قال أتبعك.
قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا.
قال اتبعناه.
فقال له مالك يا عبد الله بعث الله محمدًا بدين واحد وأراك تنتقل وقال عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وقال مالك ليس الجدال في الدين بشيء.
وقال مالك المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد.
وقال إنه يقسي القلب ويورث الضغن.
قال الزهري رأيت مالكًا وقومًا يتجادلون عنده فقام ونفض رداءه وقال إنما أنتم حرب.
قال الهيثم بن جميل قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة يجادل عنها؟ قال لا.
ولكن يخبر بالسنة.
فإن قبل منه وإلا سكت.
قال أبو طالب المكي: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين وأشدهم بغضًا للعراقيين: وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين.
قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا، فقال على العرش استوى.
كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليًا حتى علاه الرحضاء وما رأينا مالكًا
стр. 164
وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينتظرون ما يأمر به ثم سري عنه.
فقال الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالًا أخرجوه عني.
فناداه الرجل يا أبا عبد الله والله الذي لا إله إلا هو لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدًا وفق لما وفقت له.
قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوًا مالكًا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه.
فحبس.
فقيل له ابن مهدي فوجه إليه وقال له أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلك: من أحدث في مسجدنا حادث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يقعد ذلك أبدًا في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره.
وفي رواية ابن مهدي، قال فقلت للحرسين تذهبا بي إلى أبي عبد الله.
قالا إن شئت.
فذهبا بي إليه، فقال يا أبا عبد الرحمان تصلي متسليًا؟ فقلت يا أبا عبد الله إنه كان يومًا حارًا كما رأيت فثقل ردائي علي، فقال: الله ما أردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليهم.
قلت: الله.
فقال خلياه.
قال سفيان بن عيين سألت مالكًا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات.
فقال هذا مخالف لله ورسوله أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
أما سمعت قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
стр. 165
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
ومن أمر النبي ﷺ أن يهل من الميقات وسأل رجل مالكًا عن الشيء من علم الباطن، فغضب وقال: علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر، فمتى عرف علم الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن.
ولا يكن ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره.
ثم قال للرجل عليك بالدين المحض.
وإياك وبنيات الطريق وعليك بما تعرف واترك ما لا تعرف.
قال ابن وهب سمعت مالكًا يقول إذا جاءه بعض أهل الأهواء، يقول أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى مثلك فخاصمه.
ثم قرأ: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله. . . . .
الآية.
قال مطرف سمعت مالكًا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا الأخذ بها إتباع لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها ولا النظر في شيء خالفها.
من اهتدى بها استنصر ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورًا، وسأل رجل مالكًا من أهل السنة يا أبا عبد الله؟ قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا رافضي ولا قدري.
قال ابن نافع وأشهب وأحدها يزيد على الآخر.
قلت يا أبا عبد الله: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة.
ينظرون إلى الله.
قال نعم بأعينهم هاتين.
فقلت له فإن قومًا يقولون لا ينظر إلى الله إن، ناظرة بمعنى منتظرة
стр. 166
إلى الثواب.
قال كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى ﵇: رب أرني أنظر إليك.
أفترى موسى سأل ربه محالًا؟ فقال الله لن تراني في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما بقي بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما بقي إلى ما بقي.
وقال الله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.
قال زهير بن عباد قلت لمالك ما قولك في صنفين عندنا بالشام اختلفوا في الإيمان؟ فقالوا يزيد وينقص.
قال بئس ما قالوا قلت قالوا إنا نخاف على أنفسنا النفاق.
قال بئسما قالوا.
قلت فإن قالوا نحن مؤمنون إن شاء الله قالت الأخرى الإيمان واجب وإيمان أهل الأرض كإيمان أهل السماء.
قال: لا تقولوا.
قلت فإن قالوا نحن مؤمنون حقًا.
قال لا تقولوا قلت فما ينبغي للطائفتين أن يقولوا؟ قال يقولون نحن مؤمنون: فيكفوا عما سوى ذلك من الكلام.
فإن النبي ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . الحديث.
وقال تعالى: لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا.
قال زهير فقلت له فإن الطائفتين بعضها بعضًا.
فاسترجع وتعجب وقال لي وقد أفلح الناس يصلون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا ثم أمروا بالصلاة إلى البيت الحرام فقال الله: وما كان الناس ليضيع إيمانكم.
يعني صلاتكم إلى بيت المقدس وإني لأنكر بهذه الآية قول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان.
قال زهير وقد كان دخل على مالك من سأله عن نحو هذا فأمر به فأخرج وكأنه لمخزيًا قال غير واحد سمعت مالكًا يقول الإيمان قول
стр. 167
وعمل يزيد وينقص وبعضه أفضل من بعض.
قال والله في السماء وعمله في كل مكان.
قال ابن القاسم كان مالك يقول الإيمان يزيد وتوقف عن النقصان وقال ذكر الله زيادته في غير موضع.
فدع الكلام في نقصانه وكف عنه.
وقال مالك أنا مؤمن والحمد لله.
قال ابن أبي أويس قال مالك القرآن كلام الله وكلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق.
زاد غيره عنه، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر، والذي يقف أشد منه يستتاب وإلا ضربت عنقه.
وفي رواية ابن نافع عنه يجلد ويحبس من قال ذلك.
وفي رواية بشر بن بكير التنسي يقتل ولا تقبل توبته.
قال البركاني والتستري من شيوخنا العراقيين معنى الجوابين المستبصر الداعية ويضرب غيره وسئل عن حديث التنزيل ينزل أمره كل سحر وأما هو دائم فلا يزول.
وقال الوليد بن مسلم سألت مالكًا عن هذه الأحاديث فقال أقرأها كما جاءت.
فقيل له إن ابن عجلان يحدث بها فقال لم يكن من الفقهاء.
قال في رواية ابن القاسم وابن وهب إنه كان لا يعرف هذه الأشياء.
وكره مالك أن يحدث بها عوام الناس الذين لا يعرفون وجهه ولا تبلغه عقولهم فينكروه أو يضعوه في غير موضعه.
وجاء إلى مالك رجل فقال له ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق.
قال زنديق فاقتلوه.
فقال يا أبا عبد الله ليس هو كلامي، إنما هو كلام سمعته.
قال لم أسمعه أنا إلا منك.
قال أشهب كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه يا أبا عبد الله فأشرف له مالك ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه.
فقال له الطالبي إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني قلت مالك قال لي.
فقال له قل قال من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر قال العلوي ثم من؟ قال مالك ثم عمر.
قال العلوي ثم من؟ قال الخليفة المقتول ظلمًا
стр. 168
عثمان.
قال العلوي والله لا أجالسك أبدًا.
قال له مالك فالخيار لك.
قال عبد الرحمان بن القاسم عنه ما أدركت أحدًا إلا وهو يرى الكف بين عثمان وعلي ولا شك في أبي بكر وعمر أنهما أفضل من غيرهما.
زاد ابن وهب عنه وعلى هذا مضى الناس وفي رواية أبي مصعب سئل مالك من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ وقال مالك أبو بكر ثم قال ثم من؟ قال عمر ثم قال ثم من؟ قال عثمان.
قيل ثم قال ها هنا وقف الناس.
هؤلاء خيرة رسول الله ﷺ أمر أبا بكر على الصلاة واختار أبو بكر عمر وجعلها عمر إلى ستة فاختاروا فوقف الناس ها هنا.
زاد في رواية وليس من طلب الأمر كمن لا يطلبه.
وفي رواية ابن وهب أفضل الناس أبو بكر وعمر قلت ثم من؟ فأمسك.
قلت إني امرؤ أقتدي بك في ديني فقال وعثمان في رواية أبي مصعب ثم استوى الناس وقال البزاز سألت أبا عاصم النبيل عن التقدمة في السلف.
قال حمزة وجعفر.
قلت إنما نحن في العشرة فسكت ثم قال: كان مالك يقدم حمزة.
قال مصعب الزبيري وابن نافع دخل هارون المسجد فركع ثم أتى قبر النبي ﷺ ثم أتى مجلس مالك فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم قال لمالك هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟ قال لا ولا كرامة قال من أين قلت ذلك؟ قال قال الله: ليغيظ بهم الكفار.
فمن عابهم فهو كافر ولا حق للكافر في الفيء واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين. . . . .
الآيات قال فهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا معه وأنصاره الذين جاءوا من بعده يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا. . . . . . الآية.
فما عدا هؤلاء فلا حق له فيه.
قال إسحاق بن عيسى رأيت رجلًا من أهل المغرب جاء مالك بن أنس فقال إن الأهواء كثرت قبلنا فجعلت على نفسي أن آتيك إن إنا رأيتك آخذ بما تأمرني به.
فوصف
стр. 169
له مالك شرائع الإسلام الصلاة والزكاة والحج والصوم ثم قال خذ بها ولا تخاصم أحدًا.
قال ابن وهب وغير واحد سئل مال عن أهل القدر أيكف عن كلامهم؟ قال نعم.
إذا كان عارفًا بما هو عليه.
قال ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؟ ويخبرهم بخلافهم ولا يواضع القول ولا يصلي عليهم، ولا تشهد جنائزهم ولا أرى أن يناكحوا زاد في رواية غيره، قال الله ولعبد مؤمن خير من مشرك.
قال في رواية أشهب ولا يصلى خلفهم ولا يحمل عليهم الحديث وإن وافيتوهم في ثغر فاخرجوهم منه.
قال ابن القاسم عنه ولا يسلم عليهم ولايعاد مرضاهم.
قال الواقدي ولا تجوز شهادة القدري الذي يدعو أو الخارجي والرافضي.
وقد روى عن مالك منع شهادته مجملًا وروي عنه إذا كان داعية.
قال مصعب سأل رجل مالكًا فقال الفواحش كتبها الله علينا.
قال نعم: قبل أن يخلقنا.
ولا بد لكل من كتب الله عليه ذلك أن يعلمها ويصير إلى ما قدر عليه وكتب.
قال الكرابيسي سمعت مالكًا وسئل عن القدرية من هم؟ قال من قال: ما خلق المعاصي.
وقال القاسم بن الحكم سألت مالكًا عن القدرية من هم؟ فقال سألت أبا سهيل كما سألتني فقال الذين يقولون الاستطاعة إليهم إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا.
قال الفروي سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك إن لنا رأيًا نعرضه عليك فإن رأيته حسنًا مضينا عليه وإن رأيته سيئًا تنكبنا عنه لا نكفر أحدًا بذنب.
المذنبون كلهم مسلمون قال ما أرى بها بأسًا.
فقال له داود ابن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وابن نافع الصائغ يا أبا عبد الله إن هذا يسوق الكلام إلى أن ديني دين الملائكة، وجبرائيل وميكائيل.
فقال لا والله الدين يزيد.
قال الله: ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم.
وقال إبراهيم
стр. 170
رب أرني كيف تحيي الموتى. . . .
الآية.
قد أثبت زيادة في دينه قال ابن وهب سمعت مالكًا يقول إن المرجئة أخطأوا وقالوا قولًا عظيمًا.
قال إن أحرق الكعبة أو صنع كل شيء فهو مسلم.
فقيل لمالك ما ترى فيهم؟ قال، قال الله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين.
قال ابن وهب سمعت مالكًا وقيل له إن أهل الأهواء يحتجون علينا بحديث كل مولود يولد على الفطرة.
الحديث فقال احتجوا عليهم بأخرى الله أعلم بما كانوا عاملين.
قال ابن نافع سألت مالكًا يقول إن العبد ارتكب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله شيئًا ثم نجي من الأهواء رجوت أن يكون في أعلا الفردوس.
لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء وكل هوى ليس هو منه على رجاء، إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم.
قال مالك أهل الأهواء كلهم كفار وأسوأهم الروافض.
قيل فالنواصب؟ قيل لهم الروافض رفضوا الحق فمن رفض الحق ونصبوا له العدواة والبغضاء معناه أن الأربعة أهل الحق فمن رفض واحدًا منهم فقد ناصب الحق قال مطرف رأيت مالكًا يحتجم يوم الأربعاء ويوم السبت منكرًا لما روي في ذلك.
باب في ذكر عبادة مالك وورعه وعزلته وإجابة دعائه
قال القاضي عياض ﵁ قال الزبير بن حبيب كنت أرى مالكًا إذا دخل الشهر أحيا أول ليلة منه.
وكنت أظن إنما يفعل هذا ليفتتح به
стр. 171
الشهر.
وقالت فاطمة بنت مالك كان مالك يصلي كل ليلة حزبه فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها.
قال المغيرة خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة فمررت بمالك بن أنس فإذا أنا به قائم يصلي فلما فرغ من الحمد لله ابتدأ بالهاكم التكاثر حتى بلغ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم فبكى بكاءًا طويلًا وجعل يرددها ويبكي وشغلني ما سمعت ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت إليها فلم أزل قائمًا وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر.
فلما تبين له ركع فصرت إلى منزلي فتوضأت ثم أتيت المسجد فإذا به في مجلسه والناس حوله فلما أصبح نظرت فإذا وجهه قد علاه نور حسن.
قال محمد ابن خالد بن عتمة كنت إذا رأيت وجه مالك رأيت أعلام الآخرة في وجهه، فإذا تكلم علمت أن الحق يخرج من فيه.
قال أبو مصعب كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة لا يتحرك منه شيء.
فلما ضرب قيل له لو خففت في هذا قليلًا.
فقال ماينبغي لأحد أن يعمل لله عملًا إلا حسنه، والله تعالى يقول: ليبلوكم أيكم أحسن عملًا.
قال ابن وهب: ما رأت عيني قط أروع من مالك بن أنس.
وذكر ابن القاسم أن خادم مالك قالت له: إن لمالك اليوم بضع وأربعين سنة.
قلما يصلي الصبح إلا بوضوء العمة.
قال ابن المبارك رأيت مالكًا فرأيته من الخاشعين وإنما رفعه الله بسريرة بينه وبينه، وذلك أني كثيرًا ما كنت أسمعه يقول من أحل أن، يفتح له فرجة في قلبه وينجو من غمرات الموت وأهوال يوم القيامة فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية وروى نحوه عن مطرف.
قال ابن مهدي: ما رأيت أحدًا الله في قلبه أهيب منه في قلب مالك بن أنس.
وفي رواية أجل مكان أهيب.
قال ابن أبي أويس كان مالك يأمر بالمعروف ويحث عليه.
قال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ عنده تغير
стр. 172
لونه وانحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه.
فقيل له يومًا في ذلك.
فقال لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله على حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد أتى جعفر بن محمد وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اخضر واصفر.
قال مالك ولقد اختلفت إليه زمان فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صائمًا، وإما يقرأ القرآن.
وما رأيته قط يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على الطهارة: ولا يتكلم فيما لا يغنيه.
وكان من العباد الزهاد الذين يخشون الله وما أتيته قط إلا ويخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي وأخذ يعدد فضائله.
وما رواه من فضائل غيره من أشياخه في خبر طويل.
قال بعضهم رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير.
فقيل له في ذلك فقال وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا وأشار إلى لسانه.
ولقد أن رجلًا دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد فإذا قال هو فكيف بنا إلا أن يتغمدنا الله برحمته.
وقال مالك كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأتعظ أيامًا بنفسي.
قال بشر بن عمر كان مالك لا يضحك فقيل له في ذلك فقال الضحك يدعو إلى السفه وقد بلغني أن ضحك النبي ﷺ تبسم.
قال ابن وهب كان في كم مالك منديل مطوي على أربع طاقات فإذا سجد سجد عليه فقيل له في ذلك فقال أفعله لئلا يؤثر الحط على جبهتي فيظن الناس أني أقوم الليل.
قال ابن وهب وكان أكثر عبادة مالك في
стр. 173
السر بالليل والنهار حيث لا يراه أحد.
قال أبو بكر الأوسي كان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين وكان كثير القراءة طويل البكاء.
وقال ابن مهدي سمعت مالكًا يقول لو علمت أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها.
قال مطرف كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يلتزمه الناس ويقول لا يكون العالم عالمًا حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لا يكون عليه فيه إثم.
قال الشافعي رأيت بباب مالك كراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر فقلت ما أحسنها! فقال هي هبة مني إليك.
فقلت دع لنفسك منها دابة تركبها.
قال أنا أستحي من الله أن أطأ تربة نبي الله بحافر دابة.
قال أبو عمران الصدفي دخلت على مالك وعليه ثياب صوف.
فقال أخرجوه فقلت لا تفعل يا أبا عبد الله إنما أتيتك لأنك من ورثة الأنبياء.
فسألته عن جوائز السلطان فكرهها، فقلت له فإنك تقبل؟ فقال أتريد أن، تبوء بإثمي وإثمك؟ فقال المسيبي: ما كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيرًا ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون.
فقال مالك: الصبيان هم؟ قال لا.
قال أمجانين؟ قال لا، قوم مشائخ وغير ذلك عقلًا.
قال مالك ما سمعت أن أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا.
قال الرجل يل يأكلون ثم يقومون فيرقصون نوائب ويلطم بعضهم رأسه وبعضهم وجهه فضحك مالك ثم قام فدخل منزله.
فقال أصحاب مالك للرجل لقد كنت يا هذا مشؤومًا على صاحبنا، لقد جالسناه نيفًا وثلاثين سنة فما رأيناه ضحك إلا في هذا اليوم.
قال يحيى بن الزبير قال لي مالك اعتزلت أنت وعبد الله بن عبد العزيز؟ قلت نعم.
قال عجلتم، ليس هذا أوانه.
ثم لقيت مالكًا بعد عشرين سنة فقال هذا أوانه ثم اعتزل ولزم بيته.
قال بعضهم لم يشهد مالك الجماعة والجمعة سنين.
قال محمد بن عمر
стр. 174
لما خرج محمد بن الحسن لزم مالك بيته فلم يخرج منه حتى قفل محمد.
قال الواقدي ومصعب بن عبد الله كان مالك يحضر المسجد ويشهد الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجيب الدعوة ويقضي الحقوق زمانًا، ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز فكان يأتي أصحابها ويعزيهم، ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم والصلاة في مسجد النبي ﷺ ، حتى الجمعة ولا يعزي أحدًا ولا يقضي له حقًا، فكان يقال له في ذلك فيقول ما يتهيأ لكل أحد أن يذكر ما فيه.
وفي بعض الرواية من الأعذار أعذار لا تذكر.
فاحتمل الناس له كل ذلك.
قال عتيق بن يعقوب ومصعب فلما حضرته الوفاة سئل عن تخلفه عن المسجد قال عتيق بن يعقوب وكان تخلفه عنه قبل موته بسنين فقال لولا أني في آخر يوم من الدنيا وأوله من الآخرة ما أخبرتكم؟ سلس بولي.
فكرهت أن آتي مسجد رسول الله ﷺ على غير طهارة استخفافًا لرسول الله ﷺ وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي.
وفي طريق آخر أنه قال خيفة أن آتي منكرًا وفي رواية خلف بن محمد عنه أني ضعفت عن ذلك.
وقيل بل كان عراه فتق من الضرب الذي ضرب فكانت الريح تخرج منه فقال كرهت أن أوذي مسجد رسول الله ﷺ وقال يعقوب بن عبد الرحمان كان مالك لا يتكلم عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.
وقال ابن وهب كان لا يفتي ولا يتكلم حتى تطلع الشمس.
زاد مروان بن محمد وسعيد بن الجهم وكان يسبح ويذكر الله إذا طلعت الشمس.
قال مروان قام إلى حلقته وذاكر أصحابه إلى حلقته وقال السلام عليكم.
قال مطرف لقد رأيته يومًا وهو جالس في
стр. 175
المجلس بعد الصبح يدعو ووجهه يصفر ويخضر حتى أطال الدعاء فأتاه سائل عن مسألة فقطع عليه فالتفت مغضبًا، فقال يأت أحدكم الرجل وهو في دعائه وقد فتح الله عليه منه ما شاء أن يفتحه مما يستدعي به الإجابة فيقطع ذلك عليه فلا يعود أبدًا.
قال ابن أبي حازم كان بين رجل من قريش ومالك كلام، فقال له مالك إن كنت تريد عيبي فسلط الله عليك من يخرجك من بيتك شر مخرج فلما صلى بنا إمامنا الصبح جلس في محرابه، فقام فيه فرأى عمر بن الخطاب معه حرسي يقول اخرج الحمار الضال من المسجد.
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بل حلاله وحرامه وسنن نبيه، وما يقرب إليه فأنبته الإمام لينبه الناس على الرجل، وقد أخرج من المسجد ووضع في عنقه حبل.
وجيء به إلى دار السلطان فأخبر الناس الإمام برؤياه فأخبر الرجل بالقصة فجعل يضرع لمالك ويقول خلني يا خير من يقول حدثنا.
فاستغفر له مالك.
قال أبو مصعب سمعت مالكًا يقول إني لأذكر وما في وجهي طاقة شعر وما منا أحد يدخل المسجد إلا معتمًا إجلالًا لرسول الله ﷺ .
قال بشر بن عمر جئت مع مالك من منزله حتى دخل المسجد فانتهى إلأى جماعة فوسع لي في صدرها فأبى وجلس حيث انتهى به المجلس فقلت في نفسي هذا رجل منصف كنا لا نوسع لأحد في مجلسه لا يقعد في صدور مجالس الناس.
قال الحارث بن مسكين رحم الله مالكًا، ما كان أصونه للعلم وأصبره على الفقر ولزوم المدينة.
أمر له بجوائز ثلاثة آلاف دينار فما استبدل منزلًا غير المنزل الذي كان فيه ولا استفاد منه غلة ولا صنعة ولا تجارة.
قال ابن القاسم كان لمالك رحمه الله تعالى أربعمائة دينار يتجر له بها، فمنها كان قوام عيشه ومصلحته.
قال ابن أبي أويس كان مالك قد أكثر النظر قبل موته بسنين وكان كثير القراءة طويل البكاء ﵀.
стр. 176
باب شدة مالك في إقامة حدود الله تعالى
قال القاضي رضي الله تعالى عنه قال البهلول بن عبيدة كنت عند مالك فأتى برجل ملبًا فقالوا له: الأمير يقرئك السلام ويقول لك هذا خنق رجلًا فقتله.
فقال مالك اخنقوه حتى يموت كما فعل به وركبت مالك صفرة وتشوق حتى مد به بصره فأخبروه أنهم خنقوه فرجع إلى وجهه الدم.
فقال ابن كنانة في ذلك: فقال أظننتم أني ندمت؟ لكني خفت أن يبطل حكم من أحكام الله تعالى.
قال عبد الجبار بن عمر حضرت مالكًا وقد أحضره الوالي في جماعة من أهل العلم فسألهم عن رجل عدى على أخيه حتى إذا أدركه دفعه في بئر وأخذ رداءه وأبوا الغلامين حاضران فقال جماعة من أهل العلم الخيار للأبوين في العفو أو القصاص.
فقال مالك أرى أن تضرب عنقه الساعة.
فقال الأبوان ليقتل ابن بالأمس ونفجع في الآخر اليوم؟ نحن أولياء الدم وقد عفونا.
فقال الوالي يا أبا عبد الله ليس ثم طالب غيرهما.
وقد عفوا.
فقال مالك: والله الذي لا إله إلا هو لا تكلمت في العلم أبدًا أو تضرب عنقه، وسكت.
وكلم فلم يتكلم فارتجت المدينة وصاح الناس إذا سكت مالك فمن يسأل ومن يجيب؟ وكثر اللغط وقالوا لا أحد بمصر من الأمصار مثله، ولا يقوم مقامه في العلم والفضل.
فلما رأى الوالي عزمه على السكوت قدم الغلام فضرب عنقه فلما سقط رأسه
стр. 177
التفت مالك إلى من حضر وقال: إنما قتلته بالحرابة حين أخذ ثوب أخيه ولم أقتله قودًا إذ عفا أبواه، فانصرف الناس وقد طابت نفوسهم حين رأوه بر في يمينه إذ كان يعلم أنه لا يحنث.
قال حفص بن عياث: كان مالك يجلس عند الوالي فيعرض عليه أهل السجن فيقول اقطع هذا، واضرب هذا مائة، ومائتين، واصلب هذا.
كأنه أنزل عليه كتاب.
قال أشهب دعا بعض الأمراء مالكًا يستشيره في شيء فدخل عليه وأشار بقطع قوم وقتل قوم وخرج علينا وهو يبتسم ويقرأ: لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.
باب في حكمه ووصاياه وآدابه
قال الفقيه القاضي ﵁ قال مالك ﵀ إنما التواضع في الدين والتقى لا في (كذا) قال التواضع ترك الرياء والسمعة.
وقال شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال زيد بن الحسن سمعته يقول الزهد في الدين، طيب المكسب، وقصر الأمل.
وقال الدنيا صحة البدن وطيب النفس من النعيم.
وقال التواضع في التقى والدين وليس في اللباس.
وروى ابن المبارك عنه أنه قال له فرجة في قلبه أفضل منه في العلانية.
وقال ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
وقد روي هذا الكلام عن ابن مسعود.
وقال ابن وهب عنه
стр. 178
طلب العلم حسن.
لمن رزق خيره، وهو قسم من الله، ولكن انظر ما يلزمك حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه.
وقال العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقي خاشع.
وروى ابن عبد الحكم سئل مالك عن طلب العلم أفريضة هو؟ قال: لا.
ولا يطلب إلا ما ينتفع به ولا يطلب الأغاليط والإكثار.
وفي رواية أشهب سئل مالك عن طلب العلم أفريضة هو؟ قال لا والله.
ما كل الناس عالم وإن منهم من لا آمره بطلبه.
ثم قال: أما على كل الناس فلا.
قال ابن وهب: قال مالك: خير الأمور ما كان منها ضاحيًا بينًا أمره وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك فخذ بالذي هو أوفق.
وقال لابن وهب أد ما سمعت وحسبك ولا تحمل لأحد على ظهرك فإنه كان يقول أخسر الناس من باع آخرته بدنياه.
وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره.
وقال ينبغي للرجل إذا خول علمًا وصار رأسًا يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه ويمتهن نفسه إذا خلا بها ولا يفرح بالرئاسة.
فإذا اضطجع في قبره ووسد التراب رأسه ساءه ذلك كله.
وقال لأبي مسهر: لا تسأل عما لا تريد فتنسى ما تريد، فإنه من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه.
وقال من إذالة العلم أن تجيب كل من سألك ولا يكون إمامًا من حدث بكل ما سمع.
ومن إذالة العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه.
وقال إن المسألة إذا سئل فيها الرجل ولم يجب واندفعت عنه فإنما هي بلية صرفها الله عنه.
وقال لا يصلح طلب لمفلس ولا لغني متكبر.
وقيل له ما أفضل ما يصنع العبد؟ قال طلب العلم.
وقال لولا النسيان لكان أكثر الناس علماء.
وقال إنما أهلك الناس تأويل ما لا يعلمون.
وقيل له العالم يخطئ الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن
стр. 179
ذا الذي ليس فيه شيء؟ ولو لم يأمر بالمعروف إلا لمن ليس فيه شيء ما أمر أحدًا.
وقال من شأن ابن آدم أن لا يعلم ممن يعلم.
أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا.
وقال إنما الحكمة مسحة ملك على قلب العبد.
وقال أيضًا الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد.
وقال أيضًا يقع في قلبي أن الحكمة الفقه في دين الله.
وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
وقال أيضًا الحكمة التفكير في أمر الله تعالى والإتباع له.
وقال في سماع ابن وهب وابن القاسم الحكمة طاعة الله والإتباع لها، والفقه في الدين والعمل به.
وقال الفروي سمعته يقول لا خير في شيء من الدنيا وإن كثر بفساد دين الرجل أو مروءته وقال تعلموا الحلم قبل العلم.
وقال نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزء من النبوة.
وقال لبعض بني أخيه: إذا تعلمتم علمًا من طاعة الله فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك العلم الذي علمته السكينة والحلم والوقار، وقال حقًا على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يخوا أنفسهم من المزاح وبخاصة إذا ذكروا الله.
وقال أدب الله القرآن وأدب رسوله السنة وأدب الصالحين الفقه.
وقال لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يحرز لسانه.
وقال لبعض أصحابه لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لا بد منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد منه علمًا.
وقال سفيان دخلت على مالك فقلت له إن العلم كثير.
فقال العلم شجرة أصلها بمكة وأغصانها بالمدينة وأوراقها بالعراق وثمرتها بخراسان فقال اكتب يا غلام فهذه من طرائف مالك.
قال الزبيري: قلت لمالك: إن من الناس من إن أمرتهم ليطيعونني ومنهم من إن أمرتهم أتأذى منهم.
الشعراء يهجونني والشاطرون يضربونني ويحبسونني فكيف أصنع.
فقال إن
стр. 180
خفت وظنت أنهم لا يطيعونك فدع، وأنكر بقلبك، ولك في ذلك سعة.
ومن لم تخش منه فأمره وانهه وخاصة إذا أردت به الله ﵎، فإذا كنت كذلك لم تر إلا خيرًا وبخاصة إذا كان فيك شيء من لين.
ألا ترى قول الله تعالى إلأى موسى وهارون فقولا قولًا لينًا. . . .
الآية.
ينظر في أمرك ويقبل منك.
تعوضت وخرجت من جملة أهل القرآن، وقال في سماع أشهب وابن القاسم من صدق في حديثه متع بعقله ولم يصبه ما يصيب الناس من الهرم والخرف.
وقال له رجل خرفت فقال له إنما يخرف الكذابون.
وقال ابن المبارك سمعته يقول لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه.
وروى ابن أبي أويس عنه أنه قال بغيتك منها ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك، وما قل وكفي خير مما أكثر وألهى.
قال ابن وهب سمعه يقول ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة.
وقال خالد بن حميد: سمعته يقول عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك لحال الآخرة فعله، وإياك ومجالسة من يعللك قوله ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله.
وقال ابن القاسم ذكر مالك القصد وفضله ثم قال إياك من القصد ما تحب أن ترفع به.
قيل له لم؟ قال تعجب به.
قال مطرف: قال رجل لمالك أوصني قال: إذا هممت بأمر من طاع الله فلا تحبسه إن استطعت فواقًا حتى تمضيه، فإنك لا تأمن الأحداث، فإذا هممت بغير
ذلك فإن استطعت أن لا تمضه فواقًا فافعل، لعل الله يحدث له تركه، ولا تستحي إذا دعيت لأمر ليس بحق أن تقول قال الله تعالى في كتابه: والله لا يستحي من الحق.
وطهر ثيابك وأنقها عن معاصي الله وعليك بمعالي الأمور وكرائمها واتق رذائلها وما
следующие страницы →