Полный текст (1 447 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
باب شدة مالك في إقامة حدود الله تعالى
قال القاضي رضي الله تعالى عنه قال البهلول بن عبيدة كنت عند مالك فأتى برجل ملبًا فقالوا له: الأمير يقرئك السلام ويقول لك هذا خنق رجلًا فقتله.
فقال مالك اخنقوه حتى يموت كما فعل به وركبت مالك صفرة وتشوق حتى مد به بصره فأخبروه أنهم خنقوه فرجع إلى وجهه الدم.
فقال ابن كنانة في ذلك: فقال أظننتم أني ندمت؟ لكني خفت أن يبطل حكم من أحكام الله تعالى.
قال عبد الجبار بن عمر حضرت مالكًا وقد أحضره الوالي في جماعة من أهل العلم فسألهم عن رجل عدى على أخيه حتى إذا أدركه دفعه في بئر وأخذ رداءه وأبوا الغلامين حاضران فقال جماعة من أهل العلم الخيار للأبوين في العفو أو القصاص.
فقال مالك أرى أن تضرب عنقه الساعة.
فقال الأبوان ليقتل ابن بالأمس ونفجع في الآخر اليوم؟ نحن أولياء الدم وقد عفونا.
فقال الوالي يا أبا عبد الله ليس ثم طالب غيرهما.
وقد عفوا.
فقال مالك: والله الذي لا إله إلا هو لا تكلمت في العلم أبدًا أو تضرب عنقه، وسكت.
وكلم فلم يتكلم فارتجت المدينة وصاح الناس إذا سكت مالك فمن يسأل ومن يجيب؟ وكثر اللغط وقالوا لا أحد بمصر من الأمصار مثله، ولا يقوم مقامه في العلم والفضل.
فلما رأى الوالي عزمه على السكوت قدم الغلام فضرب عنقه فلما سقط رأسه
стр. 177
التفت مالك إلى من حضر وقال: إنما قتلته بالحرابة حين أخذ ثوب أخيه ولم أقتله قودًا إذ عفا أبواه، فانصرف الناس وقد طابت نفوسهم حين رأوه بر في يمينه إذ كان يعلم أنه لا يحنث.
قال حفص بن عياث: كان مالك يجلس عند الوالي فيعرض عليه أهل السجن فيقول اقطع هذا، واضرب هذا مائة، ومائتين، واصلب هذا.
كأنه أنزل عليه كتاب.
قال أشهب دعا بعض الأمراء مالكًا يستشيره في شيء فدخل عليه وأشار بقطع قوم وقتل قوم وخرج علينا وهو يبتسم ويقرأ: لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.
باب في حكمه ووصاياه وآدابه
قال الفقيه القاضي ﵁ قال مالك ﵀ إنما التواضع في الدين والتقى لا في (كذا) قال التواضع ترك الرياء والسمعة.
وقال شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال زيد بن الحسن سمعته يقول الزهد في الدين، طيب المكسب، وقصر الأمل.
وقال الدنيا صحة البدن وطيب النفس من النعيم.
وقال التواضع في التقى والدين وليس في اللباس.
وروى ابن المبارك عنه أنه قال له فرجة في قلبه أفضل منه في العلانية.
وقال ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
وقد روي هذا الكلام عن ابن مسعود.
وقال ابن وهب عنه
стр. 178
طلب العلم حسن.
لمن رزق خيره، وهو قسم من الله، ولكن انظر ما يلزمك حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه.
وقال العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقي خاشع.
وروى ابن عبد الحكم سئل مالك عن طلب العلم أفريضة هو؟ قال: لا.
ولا يطلب إلا ما ينتفع به ولا يطلب الأغاليط والإكثار.
وفي رواية أشهب سئل مالك عن طلب العلم أفريضة هو؟ قال لا والله.
ما كل الناس عالم وإن منهم من لا آمره بطلبه.
ثم قال: أما على كل الناس فلا.
قال ابن وهب: قال مالك: خير الأمور ما كان منها ضاحيًا بينًا أمره وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك فخذ بالذي هو أوفق.
وقال لابن وهب أد ما سمعت وحسبك ولا تحمل لأحد على ظهرك فإنه كان يقول أخسر الناس من باع آخرته بدنياه.
وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره.
وقال ينبغي للرجل إذا خول علمًا وصار رأسًا يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه ويمتهن نفسه إذا خلا بها ولا يفرح بالرئاسة.
فإذا اضطجع في قبره ووسد التراب رأسه ساءه ذلك كله.
وقال لأبي مسهر: لا تسأل عما لا تريد فتنسى ما تريد، فإنه من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه.
وقال من إذالة العلم أن تجيب كل من سألك ولا يكون إمامًا من حدث بكل ما سمع.
ومن إذالة العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه.
وقال إن المسألة إذا سئل فيها الرجل ولم يجب واندفعت عنه فإنما هي بلية صرفها الله عنه.
وقال لا يصلح طلب لمفلس ولا لغني متكبر.
وقيل له ما أفضل ما يصنع العبد؟ قال طلب العلم.
وقال لولا النسيان لكان أكثر الناس علماء.
وقال إنما أهلك الناس تأويل ما لا يعلمون.
وقيل له العالم يخطئ الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن
стр. 179
ذا الذي ليس فيه شيء؟ ولو لم يأمر بالمعروف إلا لمن ليس فيه شيء ما أمر أحدًا.
وقال من شأن ابن آدم أن لا يعلم ممن يعلم.
أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا.
وقال إنما الحكمة مسحة ملك على قلب العبد.
وقال أيضًا الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد.
وقال أيضًا يقع في قلبي أن الحكمة الفقه في دين الله.
وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
وقال أيضًا الحكمة التفكير في أمر الله تعالى والإتباع له.
وقال في سماع ابن وهب وابن القاسم الحكمة طاعة الله والإتباع لها، والفقه في الدين والعمل به.
وقال الفروي سمعته يقول لا خير في شيء من الدنيا وإن كثر بفساد دين الرجل أو مروءته وقال تعلموا الحلم قبل العلم.
وقال نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزء من النبوة.
وقال لبعض بني أخيه: إذا تعلمتم علمًا من طاعة الله فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك العلم الذي علمته السكينة والحلم والوقار، وقال حقًا على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يخوا أنفسهم من المزاح وبخاصة إذا ذكروا الله.
وقال أدب الله القرآن وأدب رسوله السنة وأدب الصالحين الفقه.
وقال لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يحرز لسانه.
وقال لبعض أصحابه لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لا بد منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد منه علمًا.
وقال سفيان دخلت على مالك فقلت له إن العلم كثير.
فقال العلم شجرة أصلها بمكة وأغصانها بالمدينة وأوراقها بالعراق وثمرتها بخراسان فقال اكتب يا غلام فهذه من طرائف مالك.
قال الزبيري: قلت لمالك: إن من الناس من إن أمرتهم ليطيعونني ومنهم من إن أمرتهم أتأذى منهم.
الشعراء يهجونني والشاطرون يضربونني ويحبسونني فكيف أصنع.
فقال إن
стр. 180
خفت وظنت أنهم لا يطيعونك فدع، وأنكر بقلبك، ولك في ذلك سعة.
ومن لم تخش منه فأمره وانهه وخاصة إذا أردت به الله ﵎، فإذا كنت كذلك لم تر إلا خيرًا وبخاصة إذا كان فيك شيء من لين.
ألا ترى قول الله تعالى إلأى موسى وهارون فقولا قولًا لينًا. . . .
الآية.
ينظر في أمرك ويقبل منك.
تعوضت وخرجت من جملة أهل القرآن، وقال في سماع أشهب وابن القاسم من صدق في حديثه متع بعقله ولم يصبه ما يصيب الناس من الهرم والخرف.
وقال له رجل خرفت فقال له إنما يخرف الكذابون.
وقال ابن المبارك سمعته يقول لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه.
وروى ابن أبي أويس عنه أنه قال بغيتك منها ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك، وما قل وكفي خير مما أكثر وألهى.
قال ابن وهب سمعه يقول ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة.
وقال خالد بن حميد: سمعته يقول عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك لحال الآخرة فعله، وإياك ومجالسة من يعللك قوله ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله.
وقال ابن القاسم ذكر مالك القصد وفضله ثم قال إياك من القصد ما تحب أن ترفع به.
قيل له لم؟ قال تعجب به.
قال مطرف: قال رجل لمالك أوصني قال: إذا هممت بأمر من طاع الله فلا تحبسه إن استطعت فواقًا حتى تمضيه، فإنك لا تأمن الأحداث، فإذا هممت بغير
ذلك فإن استطعت أن لا تمضه فواقًا فافعل، لعل الله يحدث له تركه، ولا تستحي إذا دعيت لأمر ليس بحق أن تقول قال الله تعالى في كتابه: والله لا يستحي من الحق.
وطهر ثيابك وأنقها عن معاصي الله وعليك بمعالي الأمور وكرائمها واتق رذائلها وما
стр. 181
سفسف منها فإن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفافها، وأكثر تلاوة القرآن واجتهد أن تأتي عليك ساعة من ليل أو نهار إلا ولسانك رطب في ذكر الله.
ولا تمكن الناس من نفسك، واذهب حيث شئت.
وقال ما أسر عبد سريرة خير إلا ألبسه الله رداءها.
ولا أسر سريرة سوء إلا ألبسه الله رداءها.
وقال مالك للقعنبي مهما تلاعبت بشيء فلا تلعبن بدينك.
وقال لابن أخيه إن أحببتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه وتفهما فيه.
وقال ما أكثر أحد قط فأفلح.
قال ابن وهب: قال لي مالك إنه لم يكن يسلم رجل حدث بكل ما سمع.
ولا يكون إمامًا ابدًا.
ومن أذل إهانة العلم عند من لا يطيعك.
قال ابن نافع قال مالك كل شيء ينفع فضله إلا الكلام.
قال مطرف وكان مالك إذا ودعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه.
قال مصعب كان مالك إذا أتاه موت أحد قال الحمد لله رب العالمين الذي أبقانا بعده، اللهم لا تجعله لنا فتنة.
قال ابن عبد الحكم وابن وهب سمعت مالكًا يقول أول المعاصي الكبر والحسد والشح.
حسد إبليس وتكبر فقال خلقتني من نار وخلقته من طين وقال الله تعالى فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة.
فشح آدم حتى أكل منها.
وقال أبو قرة: سمعت مالكًا يقول من علم أن قوله من عمله قل كلامه.
والقول من العمل.
قال أبو قرة هو أشد من العمل، به يكون الإيمان والكفر.
وقال ابن وهب سمعت مالكًا يقول من رضي بشيء كفاه وفيه يعني القناعة منفعة لأهل الورع.
وقال مالك: خرق المرء أشد من العدم.
والخرق لا ينمي له شيئًا.
قال ابن وهب وقال لمالك رجل أوصني.
فقال: أوصيك أن تعمل صالحًا وتأكل طيبًا.
وقال سمعته يقول: من أراد الله به خيرًا أجمع عليه شمله ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجمع عليه
стр. 182
أمره ومن بلواه عليه أن يشتت عليه أمره.
وسمعته يقول التقرب من أهل الباطل هلكة.
القول الباطل يصد عن الحق.
ومن سعادة المرء أن يوفق للخير، ومن شقاوة المرء أن لا يزال يخطئ وسمعته يقول إذا ظهر الباطل على الحق كان الفساد في الأرض، وقيل الباطل وكثيره هلكة، وإن لزوم الحق نجاة.
قال وسمعته يقول حقًا على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لآثار من قبله.
وقال من آداب العالم أن لا يضحك إلا تبسمًا.
وقال لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله، فبقدر ما يعقل يعبد ربه.
وقال الإسلام واسع إذا لم يرده بالحق فالإسلام أوسع من ذلك.
فلا ينبغي أن يضيق، زاد في موضع آخر إذا أقيمت حدوده.
قال وسمعته يقول إن المؤمن حسن المعونة يسير المؤونة والفاجر بضده، وفي سماعته عنه.
قال كنت أسمع بهذا الرجل يخطئ الخطيئة فيكون من رأس عمله في الخير، زاد في سماع أشهب ينيب إلى الله تعالى.
وقال القعنبي سمعته يقول: إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه.
قال ابن وهب: وسمعته يقول الكلام في هذه المسائل المعضلة تزيل الفتيا وتفسدها.
وسمعته يقول كثرة الكلام تمج العلم وتذله وتنقصه.
قال وذكر الكلام ومراجعة الناس فقال من صنع هذا ذهب بهاؤه، وكان يكره كثرة الكلام ويعيبه.
وقال لا يوجد إلا في النساء والضعفاء.
وكان يقال نعم الرجل فلان إلا أنه يتكلم كلام شهر في يوم.
قال خالد بن خراش: قلت لمالك: أوصني.
قال عليك بتقوى الله وطلب العلم عند أهله.
قال ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكًا يقول: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه.
وقال لن ينال هذا ألأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر.
قال أبو قرة سمعت مالكًا يقول تعلموا من العلم حتى لبس نعله.
وقال أشهب سمعته يقول
стр. 183
لا خير في رفع الصوت في المسجد لا في العلم ولا في
غيره.
أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك.
وقال ابن وهب عنه إذا كثر الكلام كان فيه الخطأ وإذا أصيب الجواب قل الخطاب.
وكان يقول حين يسأل ويستفتى الكلام بالباطل يصد عن الحق.
وقال لابن وهب اتق الله واقتصر على علمك فإنه لم يقتصر أحد على علمه إلا نفع وانتفع، فإن كنت تريد لما طلبت ما عند الله فقد أصبت ما تنتفع به إن كنت تريد بما تعلمت الدنيا فليس في يديك شيء.
وفي رسالة إلى أبي قرة إني أرى الصواب في ترك تعلم المسائل التي قد ينتفع ببعضها إذا كان فيه من المضرة ما يخاف على صاحبها الخطأ والفتنة، فكيف بغيرها من المسائل، التي لا منفعة فيها.
قال ابن وهب قال مالك إنما قبحت ألأشياء حتى يتعدى بها منازلها.
وقال: طلب الرزق من شبهه أحسن من الحاجة إلى الناس.
وقال الزهد في الدنيا طيب المكسب وقصر الأمل.
وقال الناس في العلم اربعة: رجل علم فعمل به فمثله في كتاب الله قوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء.
ورجل علم به ولم يلمه فمثله في كتاب الله: الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى. . . . .
الآية.
ورجل علم علمًا وعلم ولم يعمل به فمثله في كتاب الله: إن هم إلا كالأنام.
وقال من عيب القاضي إذا عزل لم يرجع لمجلسه الذي كان يتعلم وأفتى مالك لبعض الشعراء بما لا يوافقه فقال يا أبا عبد الله أتظن الأمير لم يكن يعرف هذا
القضاء الذي قضيته.
بلى.
وإنما أرسلنا إليك لتصلح بيننا فلم تفعل بالله لأقطعن جلدك هجاءًا.
فقال له مالك يا هذا أتدري ما وصفت به نفسك؟ وصفتها بالسفه والدناءة وهما اللذان لا يعجز عنهما أحد فإن استطعت فأت غيرهما مما تنقطع دونه
стр. 184
الرقاب من الكرم والمروءة.
وقال ابن وهب قال مالك كفى بك ظالمًا ألا تزال مخاصمًا.
وقال من روى عن ضعيف فقد بدأ بنفسه وقال الإعراب جلي اللسان.
وقال أهوال الدنيا ثلاثة ركوب البحر وركوب فرس عربي وتزويج حرة.
باب ذكر الموطأ وتأليف مالك إياه
قال الإمام القاضي ﵁. قال ابن مهدي ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ.
وقال لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك.
قال ابن وهب من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا.
وقال الشافعي ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك.
وقال ما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك وفي رواية أفضل وما كتب الناس بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك.
وإذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو الثريا.
قال سعيد بن أبي مريم وكان ابنا أخته بالعراق ولو جمعا عمرهما بالعراق ما أتيا بعلم يشبه موطأ مالك.
وقال في رواية أخرى: ما جاء بسنة مجمع عليها خلاف ما في الموطأ.
وقال ما أحسن لمن تدين به.
قال الدراوردي: كنت نائمًا في الروضة بين القبر والمنبر فرأيت النبي ﷺ قد خرج من القبر متكئًا على أبي بكر وعمر ثم رجع فقمت إليه فقلت له يا رسول الله من أين جئت؟ قال مضيت إلى مالك بن أنس فأقمت له الصراط المستقيم.
قال فأتيت مالكًا فأصبته يدون الموطأ فأخبرته بالخبر فبكى، وروى أبو مصعب
стр. 185
أن أبا جعفر قال لمالك ضع للناس كتابًا أحملهم عليه.
فكلمه مالك في ذلك فقال ضعه فما أحد أعلم منك.
فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر.
وقال أبو مصعب سمعت مالكًا يقول دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت الشمس بالأرض وقد نزل عن شماله إلى بساط وعلى البساط برذونان قائمان من حين دخلت إلى حين خرجت لا يبولان ولا يروثان أدبًا وإذا بصبي يخرج ثم يرجع، فقال أتدري من هذا؟ قلت لا؟ قال هو ابني وإنما يفزع من شيبتك وفي رواية إنه استنكر قرب مجلسك مني ولم يربه أحد قط، وحقيق أنت بكل خير وخليق بكل إكرام، وقد كان أدناه إليه وألصق بركبته فلم يزل يسألني حتى أتاه المؤذن بالظهر فقال لي أنت أعلم الناس وفي رواية أهل الأرض.
فقلت لا والله يا أمير المؤمنين.
قال بلى.
ولكنك تكتم ذلك.
وفي رواية فما أحد أعلم منك اليوم بعد أمير المؤمنين.
ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب، وفي رواية كما تكتب المصاحف ثم أعلقها في الكعبة وأحمل الناس عليها.
فقلت ياأمير المؤمنين لا تفعل فإن في كتابي حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقول الصحابة وقول التابعين ورأيًا هو إجماع أهل المدينة لم أخرج عنهم، غير أني لا أرى أن يعلق في الكعبة.
قال: وقال له أبو جعفر وهو بمكة اجعل العلم يا أبا عبد الله علمًا واحدًا.
قال فقلت له يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رآه، وفي طريق، إن لأهل هذه البلاد قولًا ولأهل المدينة قولًا ولأهل العراق قولًا تعدوا فيه طورهم.
فقال أما أهل العراق فلست اقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم وفي رواية فقلت له إن أهل العراق لا يرضون علمنا.
فقال أبو جعفر يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط وفي بعضه إن أبا جعفر قال له إني عزمت أن أكتب كتبك هذه
стр. 186
نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة آمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدث فإنني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعملهم.
فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لو طاوعتني على ذلك لأمرت به.
وفي رواية إن المنصور قال له: يا أبا عبد الله ضم هذا العلم ودون كتبًا وجنب فيها شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود وأقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة.
وروي أن المهدي قال له ضع كتابًا أحمل الأمة عليه، فقال له مالك أما هذا الصقع يعني المغرب، فقد كفيته وأما الشام ففيه الأوزاعي وأما أهل العراق. . . .
فهم أهل العراق.
قال عتيق الزبيري وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث فلم يزل ينظر فيه سنة ويسقط منه حتى بقي هذا ولو بقي قليلًا لأسقطه كله.
يعني تحريًا.
قال سليمان بن بلال لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث أو قال أكثر.
فمات وهي ألف حديث ونيف يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين.
وقال مالك وقد ذكر له الموطأ فيه حديث رسول الله ﷺ وقول الصحابة والتابعين ورائى وقد تكلمت برأي على الاجتهاد وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره.
وقال أبو موسى الأنصاري وقعت نار في منزل رجل
стр. 187
فاحترق كل شيء في البيت إلا المصحف والموطأ.
قال ابن أبي أويس قيل لمالك ما قولك في الكتاب ألأمر المجتمع عليه عندنا وببلدنا وأدركت أهل العلم وسمعت بعض أهل العلم، فقال أما أكثر ما في الكتاب فرأي فلعمري ما هو رأيي ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المقتدى بهم الذين أخذت عنهم وهم الذين كانوا يتقون الله فكثر علي فقلت رأيي، وذلك إذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك.
فهذا وراثة توارثوها قرنًا عن قرن إلى زماننا وما كان أرى فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه.
وما قلت الأمر عندنا فهو ما عمل الناس به عندنا وجرت به الأحكام وعرفه
الجاهل والعالم.
كذلك ما قلت فيه ببلدنا وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شيء استحسنه في قول العلماء وأما ما لم أسمعه منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موضع الحق أو قريب منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم وإن لم أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول به عندنا، من لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لقيت فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم.
وذكر أحمد بن عبد الله الكوفي في تاريخه أن كل ما قال فيها مالك في موطأه الأمر المجتمع عليه
стр. 188
عندنا فهو من قضاء سليمان بن بلال وهذا لا يصح قال: وما أرسله فيه عن ابن مسعود، فرواه عبد الله بن إديس الأودي وما أرسله عن غيره فعن ابن مهدي.
قال الدراوردي إذ قال مالك على هذا فأدركت أهل العلم ببلدنا والأمر عندنا فإنه يريد ربيعة وابن هرمز.
قال عمر بن أبي سلمة ما من مرة أقرأ الجامع من الموطأ إلا رأيت في منامي رجلًا يقول لي هذا حديث رسول الله ﷺ .
قال: فلما قدمنا المدينة بوسيلة إلى مالك، قال لي أحضر غدًا بكتاب المدبر والمكاتب فإنهم اجتمعوا على أن يقرأوه فبت ليلتين فرأيت قائلًا يقول، وأنا نائم: غدًا يقرأ على مالك حديث رسول الله ﷺ فغدوت إلى مالك ومعي الكتابان فلما رآني قال لي أي شيء معك؟ قلت المكاتب والمدبر.
فقال إنهم قد بدا لهم وأجمعوا على قراءة الجامع فذكرت له الرؤيا فقال لي صدق، وهو حديث رسول الله ﷺ .
قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يومًا
فقال كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومًا قل ما تتفقهون فيه.
قال غيره أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون عمله كلامًا بغير حديث فلما رآه مالك قال ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام ثم عزم على تصنيف الموطأ.
فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطئات فقيل لمالك شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله.
فقال ائتوني بها فنظر فيها ثم نبذها وقال لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى.
قال مطرف قال لي مالك ما يقول الناس في موطأي قلت الناس رجلان محب مطرٍ، وحاسد مفتر.
فقال إن مد بك العمر فسترى ما يراد به الله.
قال فكأنما
стр. 189
ألقيت تلك في الآبار.
ما سمع منها شيء بعد ذلك.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما وضع مالك الموطأ جعل أحاديث زيد في آخر الأبواب فقلت له ذلك فقال إنها كالشرح لما قبلها.
قال أبو داود قيل لمالك ليس في كتابك حديث غريب.
قال سررتني.
وقال أبو زرعة لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها صحاح كلها لم يحنث، ولو حلف على حديث غيره كان حانثًا.
قال ابن أبي سوار الجدي سمعت مالكًا يقول الأمر عندنا كذا فأخبرت به ابن أبي ذئب فقال ما يحل لمالك أن يقول هذا، ليس هذا مما نحن عليه.
قال فأعلمت مالكًا.
فقال أنا لا أعتد برأي ابن ذئب أعتد بمن أدركت من أهل العلم.
ذكر ما قيل في الموطأ من الشعر
من ذلك قول سعدون الورجيني:
أقول لمن يروي الحديث ويكتب … ويسلك سبيل الفقه فيه ويطلب
إذا أحببت أن تدعى لدى الخلق علمًا … فلا تعد ما تحوي من العلم يثرب
أتترك دارًا كان بين بيوتها … يروح ويغدو جبرئيل المغرب
ومات رسول الله فيها وبعده … بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تأليفهم … وكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك … ومنه صحيح في المجس وأجدب
فأبرى بتصحيح الرواية داءه … وتصحيها فيه دواء مجرب
ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى … بليل عماه ما درى أين يذهب
стр. 190
فبادر موطأ مالك قبل فوته … فما بعده إن مات للخلق مطلب
ودع للموطأ كل علم تريده … فأن الموطأ الشمس والغير كوكب
هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه … ولم لا يطيب الفرع فالأصل طيب
هو العلم عند الله بعد كتابه … وفيه لسان الصدق بالحق معرب
لقد أعربت آثاره ببيانها … فليس لها في العالمين مكذب
ومما به أهل الحجاز تفاخروا … بأن الموطأ في العراق محبب
ومن لم تكن كتب الموطأ ببيته … فذاك من التوفيق بيت مخيب
فيعجب منه إذ علا في حياته … تعاليه من بعد المنية أعجب
جزا الله عنا في الموطأ مالكًا … بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد أحسن التحصيل في كل ما روى … كذا فعل من يخشى الأحد ويرهب
لقد فاق أهل العلم حيًا وميتًا … فأضحت به الأمثال في الناس تضرب
وما فاقهم إلا بتقوى وخشية … وإذ كان يرضى في الإله ويغضب
فلا زال يسقي قبره كل عارض … بمندفق ظلت غزاليه تسكب
وتسقي قبورًا حوله دون سقيه … فيصبح فيها بينها وهو معشب
وما بي بخل أن تسقى كسقيه … ولكن حق العلم أولى وأوجب
وقال أبو الطاهر أحمد بن محمد الأصفهاني في ذلك:
وأعم الكتب نفعًا للفقيه … موطأ مالك لا شك فيه
فلا تبدأ بشيء من سماع … سواه عن إمام ترتضيه
وصاحب من يعظمه وجانب … كتاب جميع من قد يزدريه
стр. 191
وقال القاضي المؤلف رضي الله تعالى عنه في ذلك:
إذا ذكرت كتب العلم فخيرها … كتاب الموطأ من تصانيف مالك
أصح أحاديثًا وأثبت سنة … وأوضحها في الفقه نهجًا لسالك
أسانيد أمثال الرواسي صحيحة … ورأي كأنوار النجوم الشوابك
هو الحجة الغراء والعصمة التي … ينجي هداها من جميع المهالك
به يهتدى في كل أمر ويقتدى … وفيه جلاء المشكلات الحوالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة … على رغم خشيوم الحسود المهالك
وأول تصنيف تهذب فاغتدى … يعلم كلًا نهج تلك المسالك
بتأليف أشكال وحسن عبارة … وإتقان ترتيت لتلك المدارك
فجاءكما جاء الوشام منظمًا … وخلص محض التبر تخليص سابك
فعنه فخذ علم الديانة خالصًا … ومنه استفد علم النبي المبارك
وشد به كف الضنانة تحتوي … فمن حاد عنه هالك في المهالك
باب في اعتناء الناس بكتاب الموطأ
وتهمتهم به = (هكذا؟)
قال القاضي رضي الله تعالى عنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ فإن الموافق والمخالف اجتمع على تقديره وتفضيله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه، وقد ذكرنا ذلك في باب قبله طرفًا ونذكر بعد هذا بابًا فيمن رواه من الجملة عن مالك إن شاء الله تعالى، فأما من اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك فعدد كثير من المالكيين وغيرهم من أصحاب الحديث والعربية وجمع كثير منهم حديث مالك
стр. 192
من الموطأ وغيره فممن ألف في ذلك القاضي اسماعيل صنع موطأ المسند على رجاله إلى مالك بن أنس من موطئات مالك وسائر حديثه.
وألف مسند حديث مالك وألف أيضًا شواهد الموطأ وألف مسند الموطأ قاسم بن أصبغ وأبو القاسم الجوهري، وأبو الحسن القابسي في كتابه الملخص وألف مسند الموطئات أبو ذر الهروي وألف حديث مالك أبو بكر القبّاب وألف مسند الموطأ أيضًا أبو الحسن علي بن خلف السجلماسي روى عنه عبدوس وأبو محمد ومثله للمطرز ولأبي عبيد الله الجيزي ولأحمد بن سدّاد الفارسي والقاضي ابن مفرّج ولابن الأعرابي ومسد حديث مالك رواية محمد بن شروس الصنعاني وحديث مالك رواية ابن نافع الزبيري وألف مسند حديث مالك أبو عبد الرحمان النسائي وأبو أحمد بن عدي الجرجاني، وأحمد بن إبراهيم بن جامع البكري وبندار وابن الأعرابي وابن عفير وأبو عبد الله السراج النيسابوري، وأبو بكر ابن زيد النيسابوري وأبو العرب التميمي وأبو حفص بن شاهين وعبد العزيز ابن سلمة وأبو القاسم الحافظ الأندلسي، وأبو عمر بن عبد البر، والقاضي ابن مفرج، ومحمد بن عيشون الطليطلي، وألف أبو القاسم الجوهري أيضًا مسند حديث مالك خارج الموطأ، وأبو بكر محمد بن عيسى الحضرمي، وعبد الغني ابن سعيد، وأبو الفضل بن أبي عمران الهروي.
وألف أبو الحسن الدارقطني أيضًا وله في اختلاف الموطئات، وألف غريب حديث مالك دعلج بن أحمد وابن الجارود وقاسم بن أصبغ ولأبي الحسن الدارقطني تأليف في الأحاديث التي خولف فيها مالك والبزاز تأليف في نحو هذا، ومحمد بن المظفر الحافظ كتاب فيما وصله مالك مما ليس في الموطأ وألف مسند الموطأ رواية القعنبي أبو عمر بن خضر الطليطلي وإبراهيم بن نصر السرقسطي ولأبي بكر بن أحمد ابن سعيد بن فرضخ الإخميمي مسند الموطأ أيضًا.
وألف مسند حديث مالك أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زير وأسامة بن علي بن زيد المصري
стр. 193
وموسى بن هارون الحامل وأبو نعيم الجيلي القلانسي وللقاضي أبو بكر ابن السليم كتاب التوصيل مما ليس في الموطأ، ولأبي الحسن بن أبي طالب العابر كتاب الموطأ ولأبي بكر بن ثابت الخطيب كتاب طرق الموطأ وصنع يحيى ابن يزيد عليه كتابه في شرحه في كتابه المسمى بالمغرب.
ولابن مزين أيضًا كتاب في رجاله ولابن وهب فيه شرح، وكذلك لعيسى بن دينار ولعبد الله بن نافع الصائغ ولحرملة بن يحيى ولمحمد بن سحنون ولابن حبيب ولمسلم تأليف في شيوخ مالك وللبرقي كتاب في رجال الموطأ وكذلك لأبي عمر الطلمنكي وكذلك للقاضي أبي عبد الله بن الحذاء ولأبي عبد الله بن مفرج كتاب في ذلك، وللبرقي أيضًا شرح تغريبه ولأحمد بن عمران الأخفش كتاب في غريبه ولابن القاسم العثماني المضري شرح غريبه أيضًا ولأبي جعفر الدراوردي كتابه النامي في شرحه، ولأبي مروان القنازعي كتابه المشهور في شرحه أيضًا.
ولابن خوصا جمع الموطأ من رواية ابن وهب وابن القاسم.
ورأيت بقبرة جمعًا من رواية يحيى الأندلسي وأبي مصعب ولأبي عمر بن عبد البر كتاباه الكبيران المشهوران في الكلام عليه وشرح معانيه كتاب التمهيد وكتاب الاستذكار، وله كتاب التقصي في مسند حديثه ومرسله وكتاب في حديث مالك
خارج الموطأ وللقاضي أبي وليد الباجي كتابه المشهور أيضًا عليه المنتقى وكنا الإيماء وكتاب الأستيفاء.
لكن هذا لم يتم.
وهو كان أكبرها وأجمعها.
وله كتاب اختلاف الموطئات أبي الوليد بن الصفار
стр. 194
كتاب المرغب في شرحه المسمى بالحلي ولأبي بكر بن سائف المغلي كتابه في شرحه المسمى بالمسالك ولأبي محمد بن حزم الظاهري كتاب في شرحه أيضًا.
ولابن أبي صفرة فيه شرح.
وكان شيخنا الفقيه أبو الوليد بن العواد ألف تأليفًا جمع فيه بين الاستذكار والتمهيد.
توفى ﵀ قبل تمامه.
ولأبي محمد بن السيد البطاليسي النحوي كتاب في شرحه كبير سماه المقتبس.
وتوجيه الموطأ لأبي عبد الله بن عيشون الطليطلي ولأبي سعيد عمران بن عبد ربه المعافري الأندلسي المعروف بالدباغ عمل في دلائل أبي محمد الأصيلي وتأليفه على أبواب الموطأ، وقفت عليه، ولأبي القاسم بن الجد الكاتب كتاب في اختصار التمهيد لابن عبد البر في حديث الموطأ، وبعضهم ينسبه إلى أبي عبد الله مالك بن وهب، وللشيخ حازم بن محمد بن حازم كتابه المسمى بالسائر على أثار الموطأ في أربعين جزءًا.
وفي الموطأ تفسير أيضًا لرجل قرطبي يعرف بأبي الحسن الإشبيلي.
ولرجل آخر يسمى باب سراحيل ولأبي عمر الطلمنكي فيه تعبير لم يكلمه.
وكذلك القاضي أبي عبد الله بن الحذاء وشرح مسند الموطأ للقاضي يونس بن مغيث وهو شرح الملخص.
وشرحه أيضًا أبو القاسم المهلب ابن أبي صفرة وأخوه أبو عبد الله.
وصنع القاضي أبو بكر العربي كتابًا سماه القبس.
ولأبي محمد بن يربوع المحدث الشهير ممن نسيناه كتاب في الكلام على أسانيده سماه تاج الحلية وسراج البغية.
وللشيخ عاصم النحوي كتاب شرحه لم يكمله أيضًا.
وشرح الملخص أبو بكر بن موهب الغبري في أسفار كثيرة.
стр. 195
باب في ذكر من روى الموطأ
من الجلة والأئمة المشاهير الثقات عن مالك رحمه
الله تعالى
وروى عن أكثرهم في المشرق والمغرب منهم: عبد الرحمان بن القاسم وعبد الله بن وهب، ومطرف بن عبد الله، وأبو مصعب الزهري، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ومصعب بن عبد الله الزبيري وأخوه بكار، ويحيى ابن يحيى النيسابوري، ويحيى بن يحيى الأندلسي، وشبطون بن عبد الله الأندلسي، ومحمد بن طاووس الصناعاني، وأبو قرة السكسكي، ومحمد بن المبارك الصوري، وعبد الله بن سلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التيسي، وأبو حذافة السهمي بغدادي، وأحمد بن منصور التامراني، وقتيبة بن سعيد خرساني، ومعمر بن عيسى مدني، وعتيق بن يعقوب الزهري، أسد بن الفرات القروي وإسحاق بن عيسى الطباع شامي، وجرير المعنى بغدادي، وحفص بن عبد السلام أندلسي، وأخوه حسان، وحبيب بن أبي حبيب كاتبه، وخلف بن جرير بن فضالة قروي، وخالد بن نزار الإيلي، والغازي بن قيس الأندلسي، وقرعوس ابن العباس أندلسي، ومحمد بن يحيى أندلسي، ومحرز المدني، وأراه بن هارون ابن عبد الله الهديري، ويحيى بن مالك وأخته فاطمة، ويحيى بن صالح الرحاضي شامي، ويحيى بن مضر أندلسي،
وسعيد بن الحكم، وابن أبي مريم مصري، وسعيد بن كثير بن عفير مصري، وسعيد بن أبي هند أندلسي، وسعيد بن
стр. 196
عبدوس أندلسي، وسليمان بن برد مصري، وعبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، وعد الرحيم بن خالد المصري، وسويد بن سعيد الحدثاني، وإسماعيل بن أبي أويس وأخوه أبو بكر، وعلي بن زياد التونسي، وعباس بن ناصح أندلسي، وعيسى بن شجرة التونسي، وأيوب بن صالح المزني، وسكن الرملة.
عبد الرحمان بن هند طليطلي أندلسي، وعبد الرحمان بن عبيد الله أشبوني أندلسي، وعبد الله بن جبار الدمشقي وسعيد بن داود بن سعيد بن أبي زبير مدني.
قال القاضي رضي الله تعالى عنه فهؤلاء الذين حققنا أنهم رووا عنه الموطأ ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال وقد ذكروا أيضًا أن محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطأ عنه كتابة وإسماعيل ابن صالح أخذه عنه مناولة وأما أبو يوسف القاضي فرواه عن رجل عنه، وذكروا أن الرشيد وبنوه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموطأ وقد ذكر عن المهدي والهادي أنهما سمعا منه ورويا عنه، وأنه كتب الموطأ للمهدي ولا مرية إن رواة الموطأ من هؤلاء من جلة أصحابه ومشاهير رواته ولكن إنما ذكرنا من بلغنا نصًا سماعه له منه وأخذه له عنه، أو من اتصل إسنادنا له فيه عنه، والذي اشتهر من نسخ الموطأ مما رويته أو وقفت عليه أو كان في روايات شيوخنا ﵏ أو نقل منه أصحاب اختلاف الموطئات نحو عشرين نسخة وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة وبالله التوفيق.
стр. 197
باب ذكر تأليفه غير الموطأ
قال القاضي الإمام رضي الله تعالى عنه اعلموا وفقكم الله تعالى أن لمالك رحمه الله تعالى أوضاعًا شريفة مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من
العلم، لكنه لم يشتهر عنه منها ولا واظب على إسماعه وروايته غير الموطأ حذفه منه وتلخيصه له شيئًا بعد شيء وسائر تأليفه، إنما رواها عنه من كتب بها إليه أو سأله إياها أحد من أصحابه ولم تروها الكافة فمن أشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية وهو من خيار الكتب في هذا الباب الدالة على سعة علمه بهذا الشأن ﵀ وقد حدثنا بها غير واحد من شيوخنا بأسانيدهم المتصلة إلى مالك رحمه الله تعالى، منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب حدثنا بها هو وغيره عن حاتم بن محمد عن أبي محمد ابن دنير الطليطلي، عن أبي الفرج عبد الله بن عبد الله الوارث عن محمد بن أحمد ابن سعدون، عن محمد بن سحنون، عن عبد العزيز بن يحيى القرشي، عن ابن وهب وأخبرنا بها القاضي أبو علي الصدفي عن القاضي أبي الوليد البادي عن أبي محمد بن الوليد عن أبي محمد بن أبي زيد عن سعدون بن أحمد الخولاني عن عبد الرحمان عن ابن وهب.
وهذا سند صحيح مشهور الرجال وكلهم ثقات ومنها كتاب في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جدًا قد اعتمد الناس عليه في هذا الباب وجعلوه أصلًا
стр. 198
وعليه اعتمد أبو محمد عبد الله بن مسرور الفقيه القروي في تأليفه في هذا الباب وصدر بفصوله وقد أدخل جميعها صاحب كتاب أقوال مالك أبو عبد الله المعيطي وأبو عمر بن المكوى في جامع كتابهما الكبير.
قال سحنون سمعته من ابن نافع وهو مما انفرد بروايته (عن مالك) عبد الله ابن نافع الصائغ.
قال سحنون سمعته من ابن نافع وهو في رواتنا عنه من طريق غير واحد من شيوخنا عن أبي القاسم الطرابلسي عن ابن دنير عن أبيه عن عبد الرحمان عن بعض أصحابه عن محمد بن ميمون عن إبراهيم بن هلال ومطرف بن قيس عن سحنون عن عبد الله بن نافع الصائغ عن مالك وعن غير واحد، عن أبي عبد الله
بن عتاب عن أبي القاسم بن يحيى عن أبي جعفر تميم بن محمد عن أبيه عن عبد الجبار بن خالد وأحمد بن أبي سليمان عن سحنون قال أبو القاسم وحدثنا به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خالد عن إبراهيم بن هلال عن سحنون، وهذا أيضًا سند صحيح رواته كلهم ثقات وزمن ذلك رسالة مالك في الأقضية كتب بها إلى بعض القضاة، عشرة أجزاء أخبرنا بها الفقيه أبو إسحاق بن جعفر عن ابن سهل عن حاتم بن محمد عن ابن دنير عن أبي جعفر بن رحمون عن سعيد بن شعبان عن محمد بن يوسف بن مطروح عن عبد الله بن عبد الجليل مؤدب مالك بن أنس ومن ذلك رسالته إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى وهي مشهورة يرويها عنه خالد بن نزار ومحمد بن مطرف وهو من كبار أهل المدينة قرينًا لمالك يروي عن أبي حازم وزيد بن أسلم وروى عنه الثقات ووثقوه.
وقد نقل أبو إسحاق بن شعبان أقوال مالك في هذه الرسالة منها في كتابه ومن ذلك رسالته إلى هارون الرشيد المشهورة في الآداب والمواعظ حدث بها بالأندلس أولًا ابن حبيب
стр. 199
عن رجاله عن مالك.
وحدث بها آخرًا أبو جعفر بن عون الله والقاضي أبو عبد الله بن مفرج عن أحمد بن زيدويه الدمشقي ولم يرجع السند وحدثنا شيوخنا بذلك عن أبي عمر الطلمنكي عنهما ولم يرجع سند هذه الرسالة من هذا الطريق وأما من غيره فقد أخبرنا به القاضي الشهير أبو علي وغير واحد من شيوخنا عن أبي الحسن بن الغيور البغدادي عن أبي الحسن العبيدي عن أبي عمر بن حيوه عن أبي عمر وعبيد الله بن عثمان العثماني عن أبيه عن عبد الله ابن نافع بن مالك.
وأخبرنا بهذا أيضًا أبو محمد بن عتاب عن أبي عبيد الله بن نبات عن ابن مفرج عن أبي جعفر محمود بن عبد الحميد الفرغاني عن عثمان ابن عبد الله بن سعيد بن المغيرة العثماني.
قال حدثنا عبد الله بن نافع الزبيري قال هذا كتاب وضعه مالك بن أنس أدبًا للناس، قال أبو عبد الله بن عتاب هذا الإسناد وهم.
ولا شك في سقوط رجل محدث منه، وقد أنكرها بعض مشائخنا إسماعيل القاضي والأبهري وأبو محمد بن أبي زيد وقالوا إنها لا تصح وإن طريقها لمالك ضعيف وفيه أحاديث لا نعرفها.
قال الأبهري فيها أحاديث منكرة تخالف أصوله، قالوا وأشياء فيها لا تعرف من مذهب مالك ورأيه.
وقد أنكرها أصبغ بن الفرج أيضًا، وحلف ما هي من وضع مالك.
ومن ذلك كتابه في التفسير لغريب القرآن الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمان المخزومي أخبرنا به أبو جعفر أحمد بن سعيد عن أبي عبد الله بن محمد بن الحسن المقرئ عن محمد بن علي بن العلا المصيصي عن أبيه عن أبي الحسن بن أحمد الرزاز عن أبي بكر الجعدي عن أبي العباس محمد بن أحمد بن هانئ عن يحيى بن عتيك القروي عن خالد بن عبد الرحمان
стр. 200
المخزومي عن مالك وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخه الكبير عن أبي العباس السراج النيسابوري أنه قال هذه سبعون ألف مسألة لمالك وأشار إلى كتب منضدة عنه كتبها.
قال القاضي المؤلف رضي الله تعالى عنه هي جواباته في اسمعة أصحابه الني عند العراقيين وقد نسب إلى مالك أيضًا كتاب يسمى كتاب السر من رواية ابن القاسم عنه حدثنا به بالإجازة أبو محمد بن عتاب عن أبي عمر بن الحذاء عن أبيه أبو عبد الله عن أبي القاسم الحسين بن عبد الله بن أحمد العثماني عن محمد بن عبد العزيز بن الوزير بن ضافي الحراني يعرف بالجروي عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك.
وأما رسالته إلى الليث في إجماع أهل المدينة فقد رويناها أيضًا وذكرناها أول
الكتاب بنصها لأنها صغيرة واحتجنا إلى ذكرها في موضعها والله ولي التوفيق بعزته.
في أخبار مالك مع الملوك ووعظه إياهم وحسن مقامه عند الولاة وزيارته لهم وأخذه منهم جوائزهم
قال القاضي رضي الله تعالى عنه. سئل عيسى بن عمر المدني، أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال لا.
إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم وقيل لمالك تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله وأين المتكلم بالحق؟ وقال مالك حق على كل مسلم أو رجل فعل الله في صدره شيئًا من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويعظه حتى
стр. 201
يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم إنما يدخل يأمره بالخير وينهاه عن الشر فإذا كان فهو الفضل الذي لا بعده فضل.
قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يومًا على هارون الرشيد فحثه على مصالح المسلمين قال له لقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور يخرج الدخان من لحيته وقد رضي الناس منكم بدون هذا.
ودخل عليه مرة وبين شطرنج منصوب وهو ينظر فيه فوقف مالك ولم يجلس وقال أحق هذا يا أمير المؤمنين؟ قال لا.
قال: فما بعد الحق إلا الضلال فرفع هارون رجله وقال لا ينصب بين يدي بعد.
وقال لبعض الولاة يومًا أتفقد أمور الرعية فإنك مسؤول عنهم فإن عمر بن الخطاب قال والذي نفسي بيده لو هلك حمل بشاطئ الفرات ضياعًا لظننت أن
الله يسألني عنه يوم القيامة.
وقال الحنيني سمعت مالكًا يحلف بالله ما دخلت على أحد منهم يعني السلاطين إلا أذهب الله هيبته من قلبي، حتى أقول له الحق.
قال خلف بن عمر قلت لمالك الناس يكثرون أنك تأتي الأمراء.
فقال إن ذلك الحمل من نفسي وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي.
قال لي آخر لولا أني رأيتهم ما رأيت للنبي ﷺ في هذه المدينة سنة معمولًا بها. قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك دخلت على أبي جعفر فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث فرزقني الله العافية من ذلك فلم أفعل.
وروى أنه كان جالسًا مع أبي جعفر فعطس
стр. 202
أبو جعفر فشمته مالك فلما خرج أنكر عليه الحاجب ذلك وتهدده إن عاد لتشميته فلما كان بعد ذلك جلس عنده فعطس أبو جعفر فنظر مالك للحاجب ثم قال للمنصور أي حكم تريد يا أمير المؤمنين أحكم الله أم حكم الشيطان؟ قال لا بل حكم الله.
قال يرحمك الله.
قال يعيش بن هشام الخابوري: كنت عند مالك إذ أتاه رسول المأمون ويقال الرشيد وهو الصحيح ينهاه أن يحدث بحديث معاوية في السفرجل.
قال: ثم تلا مالك قول الله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا. . . .
الآية.
ثم قال: والله لأخبرن بها في هذه الصرفة واندفع فقال: حدثنا نافع عن ابن عمر، قال كنت عند رسول الله ﷺ فأهدي إليه سفرجل فأعطى أصحابه واحدة واحدة وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال القن بهن في الجنة.
وقال رسول الله ﷺ السفرجل يذهب طحاء القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى لم يدرك مالك أيام المأمون توفى قبلها وذكر المأمون هنا وهم.
قال الزبيري عن مالك لما دخلت على أبي جعفر وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه نحو القصة التي قدمها.
قال كلمته في الناس وحضضته عليهم وجعل يسألني عن بني وعن ابني وعن أهلي فأخبره، فقال لي أترى أني أعرف منزلك ولا أعرف أمر الناس؟ ثم قال لي إن رابك ريب في عامل المدينة أو سوء سيرة في الرعية فاكتب إلي بذلك أنزل بهم ما يستحقون، وقد كتبت إلى عمالي بهذا أن يسمعوا منك ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم فانههم عن المنكر وأمرهم بالمعروف تؤجر على ذلك وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك ثم خرجت فتبعتني صلة ذكر أنها كانت خمسة آلاف وكسوة حسنة ولابنه محمد ألف.
قال فلما لحقه
стр. 203
الخصي جعلها على منكبه وكذلك كانوا يفعلون يخرج بها على الناس فانحنى مالك عنها كراهية لذلك فناداه أبو جعفر بلغها إلى رجل أبي عبد الله.
ولما قدم المهدي إلى المدينة جاءه الناس مسلمين عليه فلما أخذوا مجالسهم استأذن مالك فقال الناس اليوم يجلس مالك آخر الناس فلما دنى ونظر إلى ازدحام الناس، قال يا أمير المؤمنين أين يجلس شيخك مالك؟ فناداه عندي يا أبا عبد الله.
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى وأجلسه حتى أتى المهدي بالطست والإبريق فغسل يده ثم قال للغلام قدمه إلى أبي عبد الله فقال له مالك: يا أمير المؤمنين ليس من الأمر المعمول به ارفع يا غلام فأكل معه غير متوضئ فذكر قصته معه في الموطأ وروى أن مالكًا دخل على عبد الملك بن صالح أمير المدينة فجلس ساعة ثم دعا بالطعام والوضوء فقال ابتدئ أولًا بأبي
عبد الله.
فقال له مالك إن أبا عبد الله يعني نفسه لا يغسل يده.
فقال لم؟ قال ليس هذا هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا إنما هو من زي الأعاجم وقد نهى عمر عن أمر الأعاجم وكان عمر إذا أكل مسح يده بباطن قدمه.
- -
فقال له عبد الملك أأترك يا أبا عبد الله؟ فقال أي والله.
فما عاد إلى ذلك عبد الملك بن صالح.
قال مالك ولا آمر الرجل أن لا يغسل يده ولكنه إذا جعل ذلك كأنه واجب عليه فلا.
أميتوا سنة الأعاجم وأحيوا سنن العرب.
أما سمعت قول عمر تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وإياكم وذي العجم.
قال حسين بن عروة ولما قدم المهدي المدينة بعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة آلاف دينار مع الربيع فلما خرج من عنده قال يا جارية لا تمسي هذا المال فإني (قد) تفرست حين نظرت وجه الربيع ورأيت فيه أمرًا منكرًا، ولهذا المال سبب
стр. 204
فلما حج المهدي وقدم المدينة أتاه الربيع بعد ذلك فقال له أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويجب أن تعادله إلى مدينة السلام.
فقال مالك اقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قال رسول الله ﷺ والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
والمال عندي على حاله أخرجيه يا جارية.
أخرجيه.
فأبى الربيع أن يقبله فلم يزل به مالك حتى أخذه فأتى الربيع المهدي فغمه رد المال فلما كان وقت رحلته شيعه الناس فوصلهم ووجه إلى مالك فودعه ولم يأمر
له بشيء فلما أتى منزله وجه له ستة آلاف دينار.
فالتفت إلى من كان حاضرًا وقال من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا مما ترك.
وقال لمالك بعض ولاة المدينة: لم لا تخضب كما يخضب أصحابك؟ فقال مالك لم يبق عليها من العدل إلا أن أخضب؟ وأثني على والي المدينة بحضرته عند مالك فغضب مالك.
ثم التفت إليه وقال إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك فاتق الله في التزكية منك لنفسك وترضى بها من يقولها لك في وجهك فإنك أنت أعرف بنفسك منهم.
فإنه بلغني أن رجلًا امتدح رجلًا عند النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ قطعتم ظهره أو عنقه لو سمعها ما أفلح.
وقال النبي ﷺ احثوا التراب في وجوه المداحين وناظر أبو جعفر المنصور مالكًا في مسجد النبي ﷺ فرفع أبو جعفر صوته، فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد إن الله تعالى أدب قومًا فقال: لا ترفعوا أصواتكم في هذا المسجد إن الله تعالى أدب قومًا فقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ . . . .
الآية ومدح قومًا فقال إن الذين يغضون أصواتهم. . . .
الآية.
وذم قومًا فقال: إن الذين يناودنك. . . .
الآية وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا.
فاستكان أبو جعفر وقال له أبو جعفر أدعو مستقبلًا القبلة أم مستقبلًا رسول الله ﷺ .
فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى
стр. 205
يوم القيامة بل استقبله واستشفع به إلى ربك يشفعك قال الله تعالى: ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك. . . .
الآية.
قال أسامة بن زيد: لما قد أبو جعفر دخلنا مسلمين عليه وأخذنا مجالسنا فبينما نحن كذلك إذ دخل مالك فقال له أبو جعفر إلى ها هنا يا أبا عبد الله.
ولو تركتم قول علي وابن عباس، وأخذتم بقول ابن عمر، قال لأنه آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ .
فقال المنصور والله يا أبا عبد الله ما بقي على الأرض أعلم مني ومنك.
خذ بقول ابن عمر ودعني مما سواه.
قال مصعب لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما أبصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلم عليه وسايره.
فالتفت مالك إلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن بالمدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة.
فقال له ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ قال لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ ، ومن قبر محمد عندهم فينبغي أن يعلم فضلهم على غيرهم.
ففعل المهدي ما أمره به مالك.
فلما دخل المدينة ونزل وجه بغلة إلى مالك ليركبها ويأتيه فرد البغلة وقال إني لأستحي من الله أن أركب في مدينة، فيها جثة رسول الله ﷺ وأتاه ماشيًا.
وكانت به علة فاتكأ على المغيرة المخزومي وعلى ابن حسن العلوي وعلى ابن أبي علي اللهلي وهؤلاء علماء المدينة وأشرافها.
فلا بصر به المهدي قال يا سبحان الله ترك ركوب البغلة إجلالًا لرسول الله ﷺ
стр. 206
فقيض الله تعالى له هؤلاء فاتكأ عليهم، والله لو دعوتهم أنا إلى هذا ما أجابوني.
فقال المغيرة يا أمير المؤمنين نحن قد افتخرنا على أهل المدينة لما اتكأ علينا.
واستسقى مالك عند المهدي فأتي بقدح زجاج في أذنه حلقة فضة فأبى أن يشرب فأتي بكوز فخار فشرب فأمر المهدي بالحلقة فقلعت.
قال معن دخل إبراهيم بن يحيى العباسي أمير المدينة يومًا على مالك ومالك حدث عهد بعلة فثبت مالك في مجلسه لم يقم له ولم يوسع، فجلس إبراهيم على أقل فراش مالك، ومالك لا يتزحزح فحادثة ساعة ثم قال له: ما تقول يا أبا عبد الله في محرم قتل قملة؟ قال لا يقتلها.
قال فإنه قتلها فما فديتها؟ قال مالك لا يفعل.
قال فعل.
قال لا يفعل.
قال أقول لك قد فعل فتقول لي لا يفعل.
قال نعم.
فقام إبراهيم مغضبًا وسكت مالك ساعة ثم قال: إما يريدون أن يعبثوا بالدين، إنما الفدية على من قتلها غير غير عامد لقتلها.
وهذا يريد أن لا يبقى في عسكره قملة على أحد من حشمه.
قال معن وسأله إبراهيم هذا مالكًا لأن يكتب له كتابًا فكتب له، ثم دخل عليه مالك يومًا فقال له إبراهيم أحب أن تكتب لي كتابًا مكان ذلك الكتاب فقد ضاع.
فقال مالك لم يضع أصلحك الله قال بلى، وحقك لقد ضاع، فعجل لي تابًا مثله.
قال ما أنا يفاعل.
قال له لم؟ قال لأنه لا يضيع كتاب مثلك.
مر به يطلب تجده إن شاء الله.
ثم عاد إليه بعد فقال علمت يا أبا عبد الله أنا طلبنا الكتاب فوجدناه.
فقال الحمد لله أصبت حين طلبته.
قال عتيق بن يعقوب خرجنا مع مالك إلى المصلى يوم عيد ومالك يمشي، وخرج عبد الملك بن صالح أمير المدينة في سلاح وتعبيه ورايات وأعلام فنظر إليهم مالك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون
стр. 207
ما هكذا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون.
فبلغ ذلك عبد الملك فأتاه في المصلى.
فقال يا أبا عبد الله ما الذي أنكرت؟ قال ما رأيت معك.
إنما أتى الناس الصلاة خاشعين يرجون المغفرة ولقد أخبرني يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ دخل عام الفتح مكة في عشرة آلاف أو اثني عشر الآفًا وكان راكبًا وحط راحلته وتحته قطيفة قيمتها أربعة دراهم منكس الرأس وهو يقول الملك لله الواحد القهار.
وكان يأتي المصلى للعيدين والاستسقاء متوكئًا على عصا أو قوس منكسًا رأسه خاشعًا.
قال عتيق بن يعقوب دخل مالك يومًا على عبد الملك بن صالح وقد غضب على بعض أهل المدينة حتى بلغ ذلك منه.
فقال له مالك قال كعب لعمر في التوارة مكتوب ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء.
فقال عمر: لا من حاسب نفسه.
فقال كعب ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه.
ووعظ المنصور في افتقاد أحوال الرعية فقال أليس إذا بكت ابنتك من الجوع جعلت الخادم تحت الرحى لئلا يسمعها الجيران؟ فقال مالك والله ما علم بهذا إلا الله.
فقال له فعلمت هذا ولا أعلم حال الرعية؟ قال بعضهم لما قدم الرشيد المدينة وقال آخر: بعض الخلفاء أراد أن ينقض النبي ﷺ فقال لمالك ما ترى؟ فقال ما أرى.
فغضب وقال: لقد زاد فيه معاوية.
فقال مالك إن المنبر إذ ذاك كان صلبًا فلست آمن إن نقضته أن تذهب البركة منه.
وفي رواية أن يتهافت فيتشاءم الناس منك، ويقولون زال على يده أثر من آثار رسول الله ﷺ .
فقال أحسن الله جزاءك.
فترك ما كان نواه.
قال وشاور المهدي مالكًا في ثلاثة أشياء في الكعبة أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه فأشار عليه أن لا يفعل، وفي النبر أن ينفضه ويرده على ما كان عليه وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغارًا على منبر النبي ﷺ ، فقال له مالك إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان يعني التي زادها معاوية،
стр. 208
وأخشى إن نقضته أن يخرب وينكسر ولولا ذلك لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى، وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه للصلاة فأشار عليه أن لا يفعل.
وقال: هو إمام الآف أن يكون منه شيء من الغفلة فيحكى عنه.
قال ابن عبد الحكم: استأذن المهدي على مالك فحبسه ساعة ثم أذن له، فلما دخل قال يا أمير المؤمنين إن العيال سمعوا بمجيئك فأحبوا أن يصلحوا من منزلهم.
قال سعيد بن أبي زنبر: كتب مالك ﵀ إلى بعض الخلفاء كتابًا يعظه فيه: أما بعد فإني كتبت إليك كتابًا لم آل فيه رشدًا ولم أدخر فيه نصحًا.
تحميد الله وأدب رسول الله ﷺ فتدبر ذلك بعقلك ورد فيه بصرك وأوعه سمعك واعقله بعقلك واحضره فهمك ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله تعالى في الآخرة.
ذكر نفسك غمرات الموت وما هو نازل بك منه وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله تعالى ثم الحساب ثم الخلود بعد الحساب إما إلى الجنة وإما إلى النار وأعد له ما تسهل به عليك أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله وما صاروا إليه من أنواع العذاب وشدة نقمة الله وسمعت زفيرهم في النار وتنهيقهم مع كلوح وجوههم وطول غمتهم وتقلبهم في إدراكها على وجوههم لا يسمعون ولا يبصرون يدعون بالثبور وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله تعالى بوجهه وانقطاع رجائهم من روحه وإجابته إياهم بعد طول الغم أن اخسئوا فيها ولا تكلموني لم يتعاظمك شيء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك ولا آمنك من هوله ولو قدمت في طلب النجاة جميع ما لأهل الدنيا كان ذلك صغيرًا، ولو رأيت أهل طاعة الله وما صاروا إليه من كرامة الله ومنزلتهم مع قربهم من الله تعالى ونضرة وجوههم ونور ألوانهم وسرورهم بالنظر إليه والمكانة منه، والجاه عنده مع قربه منهم لتقلل في عينك عظيم ما طلبت به الدنيا فاحذر
стр. 209
على نفسك حذرًا غير تقرير وبادر إلى نفسك قبل أن تسبق إليها وما تخاف الحسرة فيه عند نزول الموت وخاصم نفسك لله تعالى على مهل وأنت تقدر بإذن الله تعالى على جر المنفعة، وصرف الحجة عنها قبل أن يوليك الله حسابها ثم لا تقدر على
صرف المكروه عنها ولا جر المنفعة، وصرف الحجة عنها قبل أن يوليك الله حسابها ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها ولا جر المنفعة إليها.
اجعل الله من نفسك نصيبها بالليل والنهار، إن عمرك ينقص مع ساعات الليل.
وأنت قائم على الأرض وهو يساربك، فكلما مضت ساعة من أجلك، والحفظة لا يغفلون عن الدق والجل من عملك حتى تملأ صحيفتك التي كتب الله عليك فعليك بخلاص نفسك إن كنت لها محبًا، فاحذر وما قد حذرك الله منه تعالى فإنه يقول: ويحذركم الله نفسه، ولا تحقر الذنب الصغير مع ما علمت من قول الله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وقال: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
وحافظ على فرائض الله واجتنب سخط الله واحذر دعوة المظلوم واتق يومًا ترجع فيه إلى الله والسلام.
وقال ابن نافع الصائغ كتب مالك إلى بعض الخلفاء كتابًا فيه: اعلم أن الله تعالى قد خصك من موعظتي إياك بما نصحتك به قديمًا وأتيت لك فيه ما أرجو أن يكون الله تعالى جعله لك سعادة وأمرًا جعل به سبيلك إلى الجنة فلتكن رحمنا الله وإياك فيما كتبت إليك مع القيام بأمر الله وما استدعاك الله في رعيته فإنك المسؤول عنهم صغيرهم وكبيرهم وقد قال النبي ﷺ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وروي في بعض الحديث أنه يؤتى بالوالي ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفك عنه إلا العدل، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول والله إن هلكت سخلة بشط الفرات ضياعًا لكنت أرى الله تعالى سائلًا عنها عمر.
وحج
стр. 210
عشرة سنين وبلغني أنه كان ما ينفق في حجة إلا اثني عشر دينارًا.
وكان ينزل في ظل الشجرة ويحمل على عنقه الدرة ويدور في الأسواق يسأل عن
أحوال من حضره وغاب عنه.
وبلغني أنه وقت أصيب حضر أصحاب النبي ﷺ فأثنوا عليه، فقال المغرور من غررتموه، لو أن ما على وجه الأرض ذهبا لا افتديت به من أهوال المطلع.
فعمر رحمه الله تعالى كان مسددًا موفقًا مع ما قد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ثم مع هذا خائف لما تقلد من أمور المسلمين فكيف من قد علمت.
فعليك بما يقربك إلى الله وينجيك منه غدًا، أو احذر يومًا لا ينجيك فيه إلا عملك.
ويكون لك أسوة بما قد مضى من سلفك وعليك بتقوى الله فقدمه حيث هممت وتطلع فيما كتبت به إليك في أوقاتك كلها وخذ بنفسك فتعاهدها والأخذ به والتأديب عليه وأسأل الله تعالى التوفيق والرشاد إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله بن مسلم الخياط لما قدم الرشيد لبست ثيابًا وغدوت على مالك وقلت يتوكأ علي فأصيب بسببه من أمير المؤمنين مالًا.
فغدا مالك متوكئًا علي يرافقه يحيى.
فأجاز مالكًا بأربعة آلاف دينار وأجاز ابنه بخمسمائة دينار وجاءته من الرشيد صلة، وقال له رجل خراساني ما تقول يا أبا عبد الله في رجل يقوم عليه دينًا أعطى بعضًا وترك بعضًا أله أن يأخذ منه؟ فقال مالك إذا كان الرجل يغني عن المسلمين ما لا يغنيه المسلمون عن نفسه أخذ منه، ولقد كنت أنظر البارحة في قصة المحبين إلى أن طلع الفجر.
وقال الحارث عن ابن القاسم كان مالك يقول أما الخلفاء فلا شك يعني أنه لا بأس به، وأما من دونه فإن فيه شيئًا.
وقال ابن أبي زنبر أجازه هارون بثلاثة آلاف فقال له رجل من الزهاد يا أبا عبد الله ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين كأنه يستكثرها.
فقال مالك: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل.
فأنصف أهل المروءة أصابه شبيه لذلك لم أر به بأسًا وإنما أكره الكثير
стр. 211
الذي لا شبيه أن يستحقه صاحبه.
وسأله غير واحد عن جائزة السلطان فقال لا تأخذها فقال أنت تقبلها فقال أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك.
وقال لآخر أجئت تبكتني بذنوبي.
وقال محمد بن سلمة دخل مالك على المهدي فقال له أوصني.
فقال أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال المدينة مهاجري وبها قبري وبها بعثتي وأهلها وجيراني وحقيق على أمتي حفظي في جيراني فمن أحفظهم كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال.
فأخرج المهدي عطاءًا كثيرًا وطاف بنفسه على دور المدينة فلما أراد الخروج دخل عليه مالك فقال له يا مالك أما أني محتفظ بوصيتك التي حدثتني بها ولئن سلمت لا غفلت عنهم.
وقال أبو مصعب قال لي مالك دخلت على المهدي فذكر له أن النبي ﷺ قال أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنقي الناس كما ينقي الكير خبث الحديد.
فأخذ المهدي زئيرة من فراشه وقال والله لا واسيتهم ولو بهذه.
قال مالك ثم دخلت على هارون فسألني عن أهل المدينة فحدثته بأحاديث المهدي فقال لي: ما قال المهدي؟ فأعلمته بما كان فقال أنا ابن أبي هارون الزهري سمعت مالكًا يقول: لما قدم هارون كنت ممن لقيته فقلت يا أمير المؤمنين إن لأهل
المدينة حقًا فاستوص بهم خيرًا.
فقال وما حقهم؟ فقلت هل تعلم أنه يعرف على وجه الأرض قبر نبي غير نبيك محمد ﷺ ؟ قال لا.
قلت فلو أن أهل المدينة خرجوا عنها وجب عليك أن تجيء بمن يسكنها ويجاوز قبره، وتجري عليه الرزق؟ فقال لي لو لم أملك
стр. 212
من الدنيا إلا ردائي هذا لواسيتهم به.
قال مصعب وابن زنبر استفتى والي المدينة مالكًا في مسألة فأبى أن يجيبه وقال كيف أجيبك وقد وليت على المسلمين خيثم بن عراك؟ فعزله وأفتاه.
قال يحيى بن بكير جئت الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق رقبة، وسأل مالكًا فقال صيام ثلاثة أيام.
فقال لم أنا معدم؟ وقال عبد الرزاق دخل مالك على لأبي جعفر، فقال من بالباب من أصحاب نافع؟ فقال مالك وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب.
قال أو ليس يزن بذلك الرأي؟ يعني القدر.
قال يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أسمعناها منك إن كنا لنزنك بها.
قال المفضل بن محمد بن حرب دخل مالك والقاضي ابن عمران في أشراف المدينة على المنصور فكان كل من أراد الانصراف ألقى أبو جعفر كمه فقبله فقال بعضهم لأقتدين اليوم بهذا الشيخ يعني مالكًا فإن قبل الكم قبلت وإن لم يفعل لم أفعل.
فقام مالك وانصرف ولم يقل وأردت ذلك فلم تقلني ركبتاي حتى قبلت.
قال معن أفتى مالك عند والي المدينة بقتل رجل فأمر الوالي بضرب وسطه.
فتهيأ مالك للقيام وقال لا أقعد بمكان يمثل فيه بأحد.
قال الله تعالى (فضرب الرقاب) قال الوالي اقعد أبا عبد الله لا تضرب وسطه
أضربوا عنقه.
стр. 213
باب من أخبار مالك مع العلماء رحمه الله تعالى مع العلماء ومناظرته معهم
قال القاضي رضي الله تعالى عنه: قال عبد العزيز بن يحيى لما قدم أمير المؤمنين المدينة ومعه أبو يوسف والبرمكي وكان قاضيًا، لمالك (كذا) يحب خطه ووقعه.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن مالكًا حمل الناس على رأيه ورأى الاستخفاف برأي أهل العراق، فلو جمعت بينه وبين أبي يوسف فإن كان الحق بيده، عرفت ذلك وإن كان الحق بيد غيره عرفت ذلك.
فوجه أمير المؤمنين إليه يقرؤه السلام ويأمره بالمشي إليه.
فكتب إليه مالك إن كان أمير المؤمنين أراد أن يسألني عما أشكل عليه فأرى أن يكتب إلي بذلك ليأتيه فيه الجواب فإني ضعيف البدن لا تحملني رجلاي.
فقال له يحيى يسمع الناس أنك وجهت إلى مالك فلم يأتك فاكتب إليه بعزيمة.
ففعل.
فجاء مالك فدخل عليه متوكئًا على ثلاثة نفر من أصحابه، المغيرة المخزومي وعبد الرحمان بن عبد الله العمري وسعيد بن سليمان المساحقي العامري.
فلما جلسوا وكان هؤلاء الثلاثة يومئذ أشراف المدينة والمنظور إليهم فجاء أبو يوسف حتى جلس مستقبل مالك.
فقال يا أمير المؤمنين أتأذن لي في مناظرة أبي عبد الله؟ فقال: ناظره.
فقال أبو يوسف: إن أبا عبد الله يقول لو أن رجلًا أخذ لوزة فحلف بالطلاق أن فيها توأمًا ثم كسرها كسرًا عنيفًا فلم يعرف ما فيها لكان حانثًا.
فقال المساحقي أتأذن لي يا أمير
стр. 214
المؤمنين في الكلام فلصقت بمالك فقلت له إن هذا يعنتك فلا تجبه وأمير المؤمنين لا يكره ذلك، فلما انصرفنا عاد ابو يوسف فلم يجبه مالك وقال إنما حسبته مسترشدًا وأظنه إنما يسأل معنتًا فلا أجيبه.
قال بعضهم سأل أبو يوسف الرشيد أن يأمر مالكًا يناظره فقال ناظره يا أبا الله.
فقال مالك إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة.
فلم يعف هارون عنه وجعل يقول ناظره.
ومالك ساكت.
فقال عبد الملك بن الماجشون إن شيخنا يا أمير المؤمنين قد جل عن المناظرة والكلام ونحن تلاميذه نقوم مقامه فنحن نناظره ونتكلم عنه فإن رأى خطأ لم يسكت عليه.
فقال هارون: ذاك.
فلما تناظرا ذكر أبو يوسف صداق المرأة وقال لها إن تصنع به ما شاءت (إن شاءت) رمت به وجاءته في قميص وإن شاءت جعلته في خيط الدوامة.
فقال مالك لو أن أمير المؤمنين خطب إمرأة من أهله وأصدقها مائة ألف درهم فجاءته في قميص لم يحكم لها بذلك.
ولكن يأمرها أن تتجهز وتتهيأ له بما يشبهه مما يتجهز به النساء فقال هارون أصبت قال وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف أجرى النبي ﷺ الخيل في الغابة؟ فقال لا يا أمير المؤمنين إنما هي الغابة.
وهي وراءك.
قال أبو محمد الزهري وقال أبو يوسف لمالك ما تقول في رجل بعث مع رجل دينارًا وبعث معه آخر بدينارين فخلطهما، ثم سقط له منها دينار.
فقل مالك: أما واحد فلصاحب الاثنين لا شك فيه وواحد فيه شك فيتشاطرانه.
قال عبد الملك ابن الماجشون سأل رجل من أهل العراق مالكًا عن صدقة الحبس.
فقال إذا حيزت مضت.
فقال العراقي: إن شريحًا قال: لا حبس عن كتاب
стр. 215
الله.
فضحك مالك وكان قليل الضحك ثم قال: رحم الله شريحًا، لم يدر ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ هنا.
وقال سعيد بن داود بن أبي زنبر: دخل هارون المدينة ومعه أبو يوسف فأتى إليه مالك، فسلم عليه وأبو يوسف عن يسار الرشيد وأبناؤه الأمين والمأمون تجاهه، فلما دخل مالك غمز ابنيه فقال قوما بين يدي عمكما، حتى يخرج.
يعني مالكًا.
قال أبو يوسف: فدخل وكان على مالك ثياب عتيقة سود، فو الله ما رأيت قط أحسن منه فيها.
فتزحزح هارون له حتى أجلسه معه على المنصة فكأن أبا يوسف حسده فقال له ما تقول يا أبا عبد الله في محرم كسر ثنيه ظبي؟ فقال مالك عليه الفدية.
فضحك أبو يوسف وقال: وهل للظبي ثنايا؟ فرفع مالك رأسه إلى هارون وقال له يا سبحان الله ما علمت أن أحدًا يذكر العلم فيضحك.
فلا وقر العلم ولا مجلس أمير المؤمنين وإنما أجبته إن كان الظبي في حالة يكون له سن في موضع الثنايا، ففعله محرم فعليه الفدية وإلا فقد علمته ما علم، وليس هذا ينبغي لناس أن يعلموه ولا هو واجب عليهم.
ولكن ما تقول في إمام عرفة إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة.
هل عليه أن يجهر بالقراءة فإن هذا واجب على المسلمين أن يعملوه.
فقال أبو يوسف يجهر بها.
فقال مالك أخطأت والله ما يذهب هذا على صبيان مكة وسودانهم دون غيرهم،
الجمعة إذا وافقت عرفة لا يجهر فيها يتوارثها الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا.
ثم التفت إلى هارون وقال يا أمير المؤمنين سفيه سأل عن مسائل لسفهاء، توليه على أمور المسلمين، وقام فلما كان وقت الرواح عاد إليه وهو متكئ على المغيرة والمساحقي فسلم عليه فالتفت أبو يوسف إلى هارون فقال يا أمير المؤمنين أبو عبد الله لا يحدث عن
следующие страницы →