هذا وهم، أنا أنكره، إنما هي مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها. وقال فيه ابن حارث الأسلمي وقد ذكره إسماعيل بن إسحاق في مبسوطه، وروى الأسلمي عن مالك ولم يسمه. وقال محمد بن سعد: مطرف بن عبد الله بن يسار، وكان يسار مكاتبًا لرجل من أسلم فادعى عنه عبد الله بن أبي فريرة فعتق، فصار في دعوتهم، وهو ثقة. قال القاضي أبو الوليد الباجي: مطرف الفقيه صاحب مالك، هو ابن أخته، وكان مطرف أصم. روى عن مالك وان أبي الزناد وعبد الرحمان بن أبي المولى وعبد الله بن عمر العمري، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم بن المقدر والذهلي ويعقوب بن شيبة والبخاري، وخرج عنه في صحيحه. قال الشيرازي: تفقه بمالك، وعبد العزيز ابن الماجشون وابن أبي حازم وابن دينار وابن كنانة والمغيرة. قال ابن معين: مطرف ثقة. قال ابن وضاح: هو عنده ارجح من ابن أبي أويس. قال الكوفي هو ثقة. قال أحمد بن حنبل كانوا يقدمونه على أصحاب مالك. قال أبو حاتم: مطرف أحب إلي من إسماعيل بن أبي أويس، ومطرف صدوق، مضطرب. قيل لابن معين: مطرف مثل العقباني ومعن؟ قال: كلهم ثلاث. قال الزبير: قال مطرف: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد. وكان يعيب كتابة العلم علينا. ويقول لم أدرك أحدًا من أهل بلدنا
ولا كان ممن مضى يكتب. فقيل له فكيف نصنع؟ قال تحفظون كما حفظوا، وتعملون كما عملوا. حتى تنور قلوبكم فيغنيكم عن الكتابة. وقد كره عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذلك، وقال لا يكتب كتاب مع كتاب الله. قال ابن وضاح: رأيت سحنون لا يعجبه مطرف. قال أبو العرب: وامتحن مطرف في القرآن أيام المأمون
стр. 352
وقال البخاري: ولد ابن أبي خثيمة ومحمد بن سعيد، وقال في أولها. وقال الدارقطني: في صفر منها. وقال غيره: توفي سنة أربع عشرة، وقال ابن وضاح: سنة تسع عشرة. وقيل سنة بضع وثمانين.
ابن الماجشون: عبد الملك بن عبد العزيز
ابن عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة
كنيته أبو مروان واسم أبي سلمة ميمون. قاله الألكاني. ويقال دينار، وقال الباجي: مولى بني تميم من قريش. ثم لآل المنكدر. والماجشون هو أبو سلمة فيما قاله الألكاني. وقال محمد بن سعد والدارقطني: هو يعقوب بن أبي سلمة، أخو عبد الله. قال الباجي: والماجشون المورد، بالفارسية. قال الدارقطني: سمي بذلك لحمرة في وجهه. وحكى ابن خلاد أن أحدهم يلقى الآخر يقول: شؤون، شؤون يعني كيف أنت. فلقبوا بذلك. وحكى ابن حارث: أن ماجشون موضع بخراسان نسبوا إليه، وكان عبد الملك فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى موته، وعلى أبيه قبله فهو فقيه ابن فقيه. قال مصعب: عبد الملك مفتي أهل المدينة في زمانه. وكان ضرير البصر، ويقال عمي آخر عمره. وبيته بيت علم وخير بيت بالمدينة، وجده عبد الله يروي عن ابن عمر وغيره، خرج له مسلم. وأخو جده يعقوب بن أبي سلمة يروي عن ابن عمر أيضًا، وعمر بن عبد العزيز. خرج عنه مسلم أيضًا، ويوسف بن عبد العزيز أخو عبد الملك حدث عنه الزبير ابن بكار، ومنهم يوسف بن يعقوب بن عبد الله وأبي سلمة يروي عن ابن المنكدر الزهري،
خرج عنه البخاري ومسلم، وروى عنه ابن حنبل وابن
стр. 353
المديني وغيرهما، وأخوه عبد العزيز بن يعقوب أبو الأصبغ يروري أيضًا عن ابن المنكدر مراسيل رواها عنه ابن حنبل.
ثناء العلماء عليه وتعظيمهم له وفضله
قال الشيرازي: تفقه بأبيه ومالك وابن أبي حازم وابن دينار، وابن كنانة والمغيرة وكان فصيحًا، روي أنه كان إذا ذاكر الشافعي لم يعرف الناس كثيرًا مما يقولون. لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية، وعبد الملك تأدب في خولة من كلب، بالبادية. قال يحيى بن أكثم القاضي: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء. قال عبد الملك: أتيت المنذر بن عد الله الجذامي وأنا حديث السن، فلما تحدثت وفهم عني بعض الفصاحة قال لي من أنت؟ فأخبرته. قال لي: اطلب العلم فإن معك حذاءك وسقاك. وقال ابن المعذل: كلما تذكرت أن التراب أكل لسان عبد الملك، صغرت في عيني الدنيا. وقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟ فقال: كان لسانه إذا تضايا أحسن من لساني إذا تحايا. قال ابن حارث: كان من الفقهاء المبرزين، وأثنى عليه سحنون وفضله، وقال: هممت أن أرحل إليه وأعرض عليه هذه الكتب، فما أجاز منها أجزت، وما رد، رددت. وأثنى عليه ابن حبيب كثيرًا، وكان يرفعه في الفهم على أكثر أصحاب مالك قال ابن المواز: كنت عنده بعد أن عمي، حتى جاءه كتاب أمير المؤمنين فسأله عن أشياء فلما قرأ القارئ عليه، قال حول الكتاب واكتب جوابه، وأملى عليه، ثم ختمه ودفعه إلى الرسول. وقال ابن شعبان: كتب إليه
стр. 354
المأمون بولاية القضاء، وكان قد عمي فامتنع من ذلك، وقيل له لو خرجت إلى العراق وعالجت بصرك فإن بها من يعالجه، وتنظر في ذلك، وكان بها غلام بتجارة خلط عليه فيها. فقال لا أفارق المدينة. وذكر أنه أوتي بقداح يقدح بصره فقال له: أنك تقيم كذا وكذا على ظهرك مستلقيًا فأبى،
وقال ما كنت لألتمس ما جعل الله ثوابه الجنة بتعطيل فرض من الصلاة. قال ابن حارث وكانت له نفس أبية، كلمه يومًا مالك بكلمة خشنة فهجره عامًا كاملًا، وذكر أنه استقصى على مالك في الفقر بين مسألتين، فقال له مالك تعرف دار قدامة، وكانت دارًا يلعب فيها الأحداث بالحمام، وقيل بل عرض له بالسجن وكان العلماء يفضلونه في علم الأحباس. قال القاضي إسماعيل: عبد الملك عالم بقول مالك في الوقوف. وكان يقول بعد أن كف بصره هلم إلي سلوني عن معضلات المسائل. وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط بعض كلامه، ثم قال ما أجزل كلامه، وأعجب تفصيلاته، وأقل فضوله. وتفقه به خلق كثير، وأئمة جلة كأحمد بن المعذل وابن حبيب وسحنون. قال ابن أكثم القاضي ما رأيت مثل عبد الملك، أيما رجل لو كان مسائلون. وكان ممن سمع كتبه. كتب عنه أربعمائة جلد ومائتي جلد شك الرواي، أو كما قال. وقال النسائي: فقيه الأمصار من أصحاب مالك من أهل المدينة، عبد الملك بن الماجشون ولعبد الملك بن الماجشون كلام كثير في الفقه وغيره. قال ابن حارث وعلم كثير جدًا وله كتاب سماعاته وهي معروفة، وكتابه الذي ألفه آخرًا في الفقه يرويه عنه يحيى ابن حماد السجلماسي، ورسالة في الإيمان والقدر والرد على من قال بخلق القرآن والاستطاعة.
стр. 355
ذكر مذهبه فيما اختلف الناس فيه وإتباعه السنة
قال أبو مصعب الزهري: القرآن ليس بمخلوق وهو مذهب عبد الملك بن الماجشون، وكتب سحنون إلى عبد الملك يذكر ما حدث عندهم من الكلام في التشبيه والقرآن، ويسأله الجواب عليه. وكتب إليه عبد الملك مرة: من عبد الله بن الماجشون إلى سحنون بن سعيد، سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، وفقنا الله وإياكم لطاعته، سألتني عن مسائل ليست من شأن أهل العلم والعمل بها جهل، فيكفيك من مضى من صدر هذه الأمة أنهم اتبعوا بإحسان
ولم يخوضوا في شيء منها، وقد خلص الدين إلى العذراء في خذرها، فما قيل لها كيف ولا من أين؟ فاتبع لما اتبعوا وأعلم أنه العلم الأعظم الذي لا يشاء الرجل أن يتكلم في شيء من هذا، فيكب فيهوى في نار جهنم. وقال عبد الملك: لو أخذت المريسي لضربت عنقه. قال: وسمعت من أدركت من علمائنا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال القاضي رضي الله تعالى عنه. ذكرنا هذا كله وجلبناه من كتب الأئمة الثقات ردًا وإبطالًا حكاه الساجي، في علله من خلاق هذا العالم يصح عنه. ولم يعرف منه مما كان الأولى بعد تركه. ذكر ابن اللباد، أن يحيى بن أكثم القاضي كان مع عبد الملك على سريره. يعني وهما يتذاكران مذهب أهل العراق وأهل المدينة، ويتناظران في ذلك. فقال ابن أكثم: يا أبا مروان رحلنا إلى المدينة في العلم قاصدين فيه، وكنتم بالمدينة لا تعنون به، وليس من رجل قاصدًا فيه كمن كان فيه وتوانى. فقال عبد الملك: اللهم غفرًا، يا أبا محمد ادع لي أبا عمارة المؤذن
стр. 356
من ولد سعد. فجاء شيخ كبير فقال له: كم لك تؤذن؟ فقال سبعين سنة أذنت مع آبائي وأعمامي وأجدادي. وهذا الأذن الذي أؤذن به اليوم أخبروني أنهم أذنوا به مع ابن أم مكتوم. قال عبد الملك: وإن كتم تقولون توانيتم وتركتم، هذا الآذان ينادي به على رؤوسنا كل يوم خمس مرات متصلاُ بأذان النبي ﷺ ، فترى أنا كنا لا نصلي، فقد خالفتمونا فيه، فأنتم في غيره أحرى أن تخالفونا. فخجل ابن أكثم ولم يذكر أنه رد عليه جوابًا.
بقية أخباره ووفاته
ذكر ابن إسحاق: سأل ابن الماجشون عن مسألة فأجابه، فرد عليه، فأجابه. فلما اكثر، قال له: قم، إني لأثقف من أن ترد علي المسائل. فأعلم به سحنون، فقال: نعم هو أثقف من أن يرد عليه. قال عبد الملك كان رجل من قريش صديقًا لي وكان بينه وبين وكيله محاسبة، فأجلسني مع رجل ثم تكلم مع الوكيل فقال الوكيل:
قبضت كذا، ودفعت لك كذا. فقال القرشي: ما دفع إلي شيئًا. وقال لي ولصاحبي اشهد بما سمعتا منه، فإنه كان حجزني حقي. فقلت له: والله ما نشهد لهذا، ولا جلسنا لهذا. قال فاذهب بنا إلى مالك فإن أمر لي بالشهادة فاشهد. فقلت: لو أمرني لم اشهد لأخي. لم أقعد للشهادة. فأتينا ابن ابي حازم فذكر له القصة. فقال لي: الشهادة له عندكما. ثم دخلنا على مالك فذكر له القصة. فقال لي: يا عبد الملك لا تشهد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قد اختلف في هذا الأصل عندنا، واختلف في تأويل قول مالك فيه.
стр. 357
وكذلك لو أخفاهما ليشهدا على ماسمعا، أو أجلسهما للمحاسبة بشرط أن لا يشهدا، والصحيح من ذلك كله أن يشهد أذن أو لم يأذن، إذا استوعبا كلامه كله. حكى المطالبي في كتاب البستان: كان عبد الملك يجيد تفسير الرؤيا، فسأله رجل أنه رأى في منامه أن بيده سيفًا من ذهب وهو يهزه وينثني. فقال له خيرًا رأيت، جعلت فداك. فعزم عليه ليخبرنه. فقال يولد لك غلام يكون مخنثًا. فكان كذلك. قال ابو عمر بن عبد البر: كان عبد الملك مولعًا بالسماع ارتجالًا وغير ارتجال. قال احمد بن حنبل قدم علينا ومعه من يغنيه. قال ابن معين: قدم علينا عبد الملك ومعه من يغنيه فكنا نسمع صوت معازفه، لهذا والله أعلم لم يخرج عنه في الصحيح. قال ولما قدم عبد الملك من العراق سئل عنها فقال:
بها ماشئت من رجل نبيل … ولكن الوفاء بها قليل
يقول فلا ترى إلا جميلًا … ولكن لا يصدق ما يقول
وروى عنه أنه قال: إني لأسمع الكلمة المليحة فمالي إلا نميرق فأدفعه لصاحبها، واستكسي ربي، ولقد كنا بالمدينة فيحدثنا الرجل الحديث فيميليه علي ويذكر الخبر من الملح فأستعيده، فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ظرفي وأدبي. وكانت وفاة عبد الملك سنة اثنتي عشرة. وقيل أربع عشرة ومائتين، وهو ابن بضع وستين سنة.
عبد الله بن نافع الأصغر الزبيري
أبو بكر. قال الزبيري: هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله
стр. 358
ابن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، ويعرف بالأصغر وهو الفقيه صاحب مالك وله أخ آخر اسمه عبد الله، ويعرف بالأكبر. من أهل الفضل والدين ولم يكن فقيهًا. قال الزبير وأبوهما نافع، من أعبد أهل زمانه. صام من عمره خمسين سنة. قال يحيى بن مسكين ما رأيت أطول صلاة منه قط. وكان يحب ابنه هذا عبد الله الأصغر. قال مصعب: فكان يأتيه في صلاة فيدعو له، فيرى أن بركة دعائه أدركته. سمع عبد الله هذا من مالك وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة. روى عنه ابنه أحمد وعباس الدوري والزبير بن بكار والذهلي وهارون الجمال ويعقوب بن شيبة ويحيى ابن يحيى الأندلسي وابن رزين القروي، وعبد الملك بن حبيب وغيرهم، وهو أصغر من ألن نافع الصائغ، وروى عنه من لم يدرك ذلك. قال ابن معين فيه: صدوق. وليس به بأس. قال البخاري أحاديثه معروفة مستقيمة. قال البزار: هو ثقة. خرج عنه مسلم. قال منذر بن سعيد: ابن نافع إمام لم يرمه أحد ببدعة. قال الزبير: توفي وهو المنظور إليه من قريش بالمدينة في هديه وفقهه وعفافه. وكان صرد الصيام دهره. وحمل عنه. قال الضراب: صحب الزبيري مالكًا أربعين سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وسنبين الغلط في هذا. والأشبه أن صحة هذه الحكاية أن لا تكون لابن نافع الصائغ. قال عبد الله بن نافع: أول ما عرفت مالكًا أني كنت يومًا أقرأ على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح، فرفعت صوتي فزجرني وقال لي: أما ترى مالكًا. قال عبد الله بن نافع الأصغر: قال لي عبد الله بن نافع الأكبر: إذا كنت متخذًا يا عمر خليلًا فاتخذه عاصمًا. قال ابن نافع: كان في
стр. 359
آل الزبير رجل يشتم عبد الله بن مصعب بن ثابت، لا يضعه من فيه. فكان عبد الله بن مصعب يدفع في كل هلال دينارين ويأمرني أن أعطيه
إياها ويقول لا أحب أن يعلم أني وصلته. فلما مات مصعب استبأني فأخبرته فعاد يدعو إلي ويقرضني أنا. فقلت:
شتمت امرءًا لم يطبع الذم عرضه … زمانا ولا تدري ما كان يفعل
فلما تيقنت الذي كان صانعًا … غدوت علي اليوم بالجهل تخطل
وما كان لي ذنب ولا لابن مصعب … سوى أننا جئنا التي هي أجمل
حكى ابن اللباد: أن ابن نافع سأله رجل فقال خرجت من المسجد فتعلقت حصاة بخفي فقال له اطرحها. فقال له: فإنهم يقولون إنها تصيح. فقال: قل لها تصيح حتى ينشق حلقها. قال وكان في خلقه شيء هكذا ولست ادري أي ابن نافع منهما صاحب هذه الحكاية. والأشبه عندي أن صاحب هذه الحكاية ابن نافع الصائغ، فهو الذي وصف بما ذكر من ذلك من خلقه. وتوفي في المحرم سنة ست عشر ومائتين. قاله الزبير وقال البخاري سنة عشرة. وفي حكاية بضع عشرة. قال الزبير وهو ابن سبعين سنة. وهذا يرد ما قاله الضراب لأنه على هذا عاش بعد مالك ستًا وثلاثين سنة. فبقي من عمره أربع وثلاثون سنة منها طفولته وبعدها صحبته لمالك والله أعلم.
معن بن عيسى بن يحيى بن دينار
القزاز. كان يبيع القز مولى أشجع. أبو يحيى. روى عن مالك وابن أبي ذئيب وابن طهمان ومعاوية بن صالح، وخرمة بن بكير وأبي أويس وغيرهم. وروى عنه أحمد وابن المديني وابن معين والحميدي وإسحاق بن
стр. 360
موسى الأنصاري، وابن نمير، وإبراهيم بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسحنون بن سعيد، وعبد الله بن جعفر البرمكي، وذؤيب بن عمامة السهمي وأبو خيثمة وغيرهم. قال الشيرازي: وكان ربيب مالك وهو الذي قرأ عليه الموطأ للرشيد وابنيه، وكان يتوسد عتبته فلا يلفظ شيئًا إلا كتبه. وعده في فقهاء أصحابه، وعده ابن حبيب
فيمن خلف مالكًا في الفقه بالمدينة. قال ابن حارث: وله سماع معروف من مالك. ذكره ابن عبدوس في المجموعة فيما ذكر. وهومن كبار أصحاب مالك، وقد ذكر أيضًا كثيرًا من سماعه، وروايته عن مالك أبو عيسى الترمذي في جامعه، فكل ما أدخله عن مالك فقد قال في آخر كتابه: إنه من رواية معن. قال ابن عبد البر: كان أشد الناس ملازمة لمالك. وكان يتكئ عليه عند خروجه إلى المسجد حتى قيل له عصية مالك. قال يحيى: هو ثقة. أخرج عنه البخاري ومسلم.
قال أبو حاتم الرازي: أوثق أصحاب مالك واثبتهم معن. وهو أحب إلي من ابن نافع وابن وهب. قال محمد بن سعيد:: ان ثقة كثير الحديث، مأمونًا ثبتًا. قال الشافعي: قال لي الحميدي حدثني من لم تر عيناك مثله، معن بن عيسى. وسئل يحيى عن الثبت في مالك، فقال: القعنبي، ومعن. قال ابن الجنيد قلت لابن معين كان عند معن غير الموطأ؟ قال شيء قليل. قال علي بن المديني: أخرج إلينا معن أربعين ألف مسألة سمعها من مالك. قال معن: كان مالك لا يجيب أحدًا من العراقيين حتى أكون أنا الذي أسأله عنه. قال ابن بكير: كان معن يبيع لخز وكان طويلًا. قال محمد بن سعد: وكان له غلمان حاكة. قال ابن بكير وكان معن يقول: حدثني مالك. فقيل له: فكيف تقول هذا. إنما كان يقرأ عليه. قال: كنت أستخرج الحديث في رقاع منه، ثم أقول يا أبا عبد الله اقرأ لي هذا الحديث. فيقرأه. ثم أتركه أيامًا وأجيئه برقعة أخرى. قال
стр. 361
ابن وضاح: اقبل قوم إلى معن بالمدينة يستأذنون عليه في داره، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم أسود ليدخل داره، فسألوه الأذن لهم، فدخل فنادى يا من فاستجاب له، فأعلمه، فأذن ودخلوا. فقالوا أصلحك الله. عجبًا من تسمية هذا الأسود لك. قال: أما أنه مع ذلك مملوكي. قالوا هذا أكبر. قال وما اردتم، أكان يدعوني بأفضل من اسمي الذي رضيه لي ربي. وكأنه حسنه فعله. قال البخاري: ومات معن سنة ثمان وتسعين ومائة قيل في شوال
منها بالمدينة.
إسماعيل بن أبي أويس
أبو عبد الله. قاله البخاري. وقال ألإلكاني والجرجاني: أبو خثيمة. ويحيى ابن معين ومعن بن عيسى: اسم أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس ابن أبي عامر الأصبحي، ابن عم مالك بن أنس وابن أخته وزوج ابنته. قال الشافعي وابن شعبان: أن اسم أبي أويس عبد العزيز بن عبد الله. قال غيره اسمه أوس بن مالك بن عبد الله والأول صحيح. وكان أبو أويس ممن يسمع العلم، وروى عن ابن شهاب وابن المنكدر وهشام بن عروة وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: زعموا أن سماعه وسماع مالك كان شيئًا واحدًا. سمع منه الناس بالحجاز والعراق. روى عنه القعنبي وغيره، واختلف فيه. فأثنى عليه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وضعفه ابن المديني، وضعف حديثه يحيى بن معين، لكنه قال: كان صالحًا. وقال مرة كان ثقة.
ومرة ليس به بأس. وصدوق. وليس بحجة. وقال مرة كان ثقة. ومرة ليس به بأس. وصدوق. وليس بحجة. وقال مرة: ليس بثقة. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الناس: أثنى
стр. 362
عليه ابن معين وأحمد والبخاري. حدث عنه بالكثير وهو خير من أبيه لأنه كان مقبلًا. وتكلم فيه النسائي. وقال الصدفي عنه: جالست خالي مالكًا من سنة ثمان وخمسين ومائة إلى أن مات وذلك إحدى وعشرون سنة. وروى عنه ابن وضاح واثنى عليه. وقال: أنه كان شديد القول فيمن يقول بالمخلوق. وروى عن مالك حديثًا كثيرًا، وفقهًا. قال إسماعيل: قدمت على سفيان بعد وفاة خالي فأدنى مجلسي وذكر خالي فدعا له، وذكر فضله وحاله، وما أصيب الناس به منه، وبكى. ثم قال: سلني ما شئت لمكان خالك. قلت أحاديث أحب أسمعها منك. قال أيما أحب إليك؟ تقرأ أم أقرأ لك. قلت اقرأ أنا
فهو أثبت لي. قال فافعل. فبدأت بالقراءة، فقال ناس من أهل العراق: يا أبا محمد اقرأ أنت نسمع كلنا. فقال: اطلبوا إليه، فإني قد آثرته بهذا المجلس لمكان خاله، فكلموني فأبيت عليهم، وقرأت فصاحوا وقالوا: ألا نسمع؟ فقال لهم: لا سمعتم ما أصنع بكم. فجعلوا يصيحون ويقولون لا نفعك الله به، أو نحو هذا. قال ابن وضاح: وسأل رجل ابن أبي أويس، وهو جالس من الروضة داخل المسجد، فقال له: رحمك الله أي شيء تقول في القرآن؟ فإنه قد اختلف علينا فيه. فغضب وقال: بقيت أنا حتى أسأل عن هذا؟ أو يذكر في مجلسي؟ ناشدتك الله والقبر ومن فيه والمنبر ومن علاه وأشار إليهما إما أن تقوم عني وإما قمت عنك. هذا مما يذكر في مجلسي؟ وتوفي إسماعيل سنة ستة وعشرين ومائتين وقيل سنة سبع وعشرين ومائتين.
стр. 363
أخوه أبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس المعروف بالأعمش
يروي عن أبيه وأخيه وخاله وابن عجلان وابن أبي ذئب وسليمان بن بلال وقرأ على نافع القارئ، وكان صاحب عربية وقراءة. أخرج له البخاري ومسلم، وروى عنه أمد بن صالح المصري وأخوه إسماعيل وإبراهيم بن المنذر وإسحاق بن موسى وسليمان بن بلال وعبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة ومحمد بن عبد الحكم. قال يحيى: هو ثقة فيما حكاه ابن أبي حاتم والعقيلي وغيرهما. قال ابن شعبان: له ولأخيه عن مالك ما لا يحمل الموطأ وغيره. وروى عن مالك أنه قال لهما: أراكما تحبان هذا الشأن، فإن أردتما أن ينفعكما الله به فأقلا منه وتفقها فيه. وذكر يحيى بن بكير، فقال: ما بلغني الأخير كان كثير العلم. قال أحمد التميمي في كتاب المحن عن موسى بن الحسن، قال: سمعت أبا بكر بن أبي أويس
ومطرف ابن عبد الله، وقد دعيا إلى المحنة في القرآن بالمدينة. فلما قرئ عليه الكتاب قال أبو بكر أكفر بالله بعد نيف وتسعين سنة، ومجالسة مالك ورجال أهل العلم متوافرون بالمدينة؟ فقيل له ليكن بيتك سجنك. وقال صحبت نافعًا القارئ أربعًا وعشرين سنة لا أفارقه إلا في منزله. وكان الغالب عليه الحديث. وحكى ابن شاهين، أن ابن معين كان يضعف بيت آل أويس كلهم جدًا. وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث ومائتين، ويقال سنة إحدى ومائتين.
стр. 364
داود بن سعيد بن أبي زنبر
قال الحكم هو قريشي صحب مالكًا وروى عنه حديثًا وفقهًا كثيرًا، ويقال إنه كان أحد أوصيائه، وكان كثير الحديث.
وقد روى عنه جماعة من اصحاب مالك كمحمد بن مسلمة وكابن نافع وغيرهما، وأثنى عليه ابن أبي أويس خيرًا. قال الحاكم: هو أول من أخذ الفقه عن مالك. قال غيره: كان ممن يخصه مالك بالأذن عليه، في أول من يأذن له. وكان أحد أوصيائه، وابنه سعيد بن داود يكنى بأبي عثمان. قال الدارقطني: يروي أيضًا عن مالك نسخة عن أبي الزناد وعن الزهري، وهشام بن عروة وثور بن زيد أحاديث تفرد بها. قال ابن أبي حاتم: وسكن سعيد بغداد، وقدم الري وروى الموطأ عن مالك، وتكلم فيه أبو حاتم الرازي، وقال: ليس بالقوي. قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: حدث عنه أحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن عمار الداري، وروى عنه خالي، وقد روى عنه ابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة. وقال البخاري سعيد بن داود الزبيري ويقال ابن داود، مدني سكن بغداد. وعده الحاكم في الضعفاء. قال: ويروي عن مالك أحاديث موضوعة. وقد استشهد به البخاري في الصحيح ولم نقف على ذكر وفاته.
يحيى بن عبد الله الهديري ويكنى أبا زكرياء
قال الدارقطني هو يحيى بن عبد الملك بن هارون بن عبد الله بن إبراهيم ابن عبد الله بن محرز الهديري التميمي. قال غيره: هو من ولد ربيعة بن
стр. 365
عبد الله الهديري. مشهور بصحبة مالك، والرواية عنه حديثًا ومسائل. وله روايات عنه رواها أبو يحيى الزهري القاضي وبه تفقه. قاله الشيرازي. وروى عنه الزبير بن بكار وتوفي سنة ست ومائتين وقيل سنة ثمان ومائتين.
سعيد بن عمر بن الزبير (بن عمر بن الزبير)
ابن العوام الأسدي القرشي
ذكره الزبير في جمهرته. وقال: قد روى عن مالك بن أنس وعبد الرحمان ابن أبي الزناد وكان من جلساء مالك وأصحابه، ولي الشرطة بدمشق لعباس ابن محمد بن إبراهيم. قال الزبير بن بكار ووكيع القاضي عن أبي يحيى الزهري وبعضهم يزيد على بعض، وحديث الزهري ألمَ. دعا أبو البختري الزهري وبعضهم يزيد على بعض، وحديث الزهري أتم. دعا أبو البختري وهب بن وهب حين ولي المدينة سعيد بن عمر ليوليه شرطه، فأبى، وحلف وهب ليضربنه وليسجننه ثم لا يرسله ما دام عليه سلطان. فقبل عمله فألبسه السواد وقلده سيفًا وأعطاه مائة دينار، وقال له: صل بالناس العتمة. ففعل. فلما انصرف إلى منزله وتبعه رسول وهب بالمدينة قال ضعها في تلك الكوة. وندم على توليته فأراد أبو البختري أن يؤكد الأمر فأرسل إليه، صل بالناس الصبح، فإني مريض، فأبى وغدا حين أصبح إلى المسجد فجلس فيه. قال الزبير إنما ولاه قضاء المدينة. فلما أصبح جلس في الرحبة وأرسل إلى ثلاثة من فقهاء المدينة وهم أبو زيد الأنصاري ومطرف بن عبد الله وعبد الملك بن الماجشون.
وقال لهم: رزقني الأمير ثلاثين دينارًا. فأنا أقسمها بينكم لكل رجل منكم عشرة.
وقد استخلفتك يا أبا زيد. فقال
стр. 366
أبو زيد: أن عشرة دنانير لمستزاد، ولكني ضعيف عن أن أخلفك. وقال لعبد الملك وأما أنت فقد استكتبتك. فقال أن عشرة في الشهر لمرغوب فيها. ولكني ضعيف البصر ولا أصلح للكتابة. وقال المطرف استعملك على الطواف وكان مطرف ضعيفًا. فقال له: لو استعملت على عملك ما قبلته. فكيف أعمل لك على الطواف. فقال ما أنا بتارككم إلا أن أعفى. وقال وكيع وبعث إلى أبي عزية الأنصاري ومطرف وعبد الملك وابن نافع الصائغ، فقال لمطرف وليتك السجون. وقال لأبي غزية وليتك السوق. وقال لعبد الملك وليتك كتابتي. وقال لابن نافع وليتك كذا. وذكر مثله. فدخلوا على وهب فذكروا ذلك له فأرسل إليهم. فلا جاءه كلمه في تركهم فقال له سعيد: ليس لك أ، تكرهني وتمنعني من إكراههم. فقال له: لا تعجل فحلف أن لا يعمل إلا أن يدعه يكره على العمل من رأى. فقال له وهب: ضع سيفنا، واخلع سوادنا، واردد مالنا. وأمر به فدفع في قفاه، وهو يكبر. فلحقه الرسول فطلب المالية فقال له أين وضعها، فأخذها وانصرف. فقال في ذلك سعيد بن عمر:
أظن وهب بن وهب أن أكون له … لما تغطرس في سلطانه تبعا
لما تغطرس وهب في عمايته … وازداد أبهة واختال وابتدعا
خرجت منها خروج القدح لا وكلا … وجلل العبد فيها الخزي والطمعا
أخو الوليد بن عمر
قال الزبير: كان سريًا استخلفه بعض ولاة المدينة بها. وكان من
стр. 367
جلساء مالك. وذكر بعض أصحابنا أنه ألف لمالك كتابه، موطأه. يعني - والله أعلم - بيضه له.
إبراهيم بن هارون بن محمد بن الياس بن أبي الليثي
قال الزبير: كان من جلساء مالك حافظًا عنه جامعًا لأنواع العلم، عاقلًا راجح الذهن. قال غيره: كان حافظًا متقنًا روى عنه الزبير.
زيد بن داود
قال مطرف: حدثني زيد بن داود وكان من أفضل أصحابنا. قال رأيت في منامي كأن القبر فرج عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاعدًا هكذا والناس قد انقضوا عليه، فصاح صائح بمالك بن أنس، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فأعطاه شيئًا وقال اقسم هذا بين الناس. فرأيته يعطيهم إياه. فإذا هو مسك فتأولنا ذلك، العلم الذي بثه مالك في الناس.
أبو زيد الأنصاري
اسمه محمد بن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن حارثة كذا نسبه القاضي وكيع. وكان من رواة مالك وجلسائه وأحد فقهاء المدينة ومفتيهم من ابناء الأنصار، وولي قضاءها أيام المبيضة عند دخول محمد بن سليمان بن داود المدينة فلما رجعتها المسودة عزلته، ثم ولي أيام المأمون مرتين قبل أبي مصعب
стр. 368
وبعده. ذكر ذلك القاضي وكيع. قال: ولاه المأمون قضائ المدينة سنة عشرين ومائتين وعنه في كتاب ابن حبيب روايات. سمع منه ابن حبيب.
عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي
تقدم نسبه في الطبقة الأولى عند ذكر أبيه. كان من أصحاب مالك وجلسائه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، كنيته أبو معاوية، روى عن أبي الزناد ويحيى بن محمد بن هانئ وابن وهب وروى عنه أبو زرعة. وقال أبو مصعب: كان أجمل وجهًا وأحسنه لسانًا، ولي إمرة المدينة وقضاؤها، وأمه ابنة عثمان بن الزبير بن
عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان. قال محمد بن الجراح، في كتاب الورقة: كان أديبًا ظريفًا مدنيًا. قال وكيع كان من أصحاب مالك وابن أبي الزناد ومن أهل الأدب، حدث عنه إسماعيل القاضي وغيره. وولي قضاء المدينة وولايتها سنة اثنتين ومائتين. وله:
وعوراء قد أسمعتها فصرفتها … وأوطأًتها من غير عي بها نعلي
فلم يثنها ناث وكانت كما مضى … وجرت عليه العاصفات سفى الرمل
وله أيضًا:
أمر الغواني واحد … حذو المثال على المثال
أصبرن قبلك بالمنى … قطعن أعناق الرجال
وأنشد له الزبير:
ومولى منحت النصح مني وإنه … لطاو حشاه والضمير على بغض
стр. 369
يحيى ويستحيي إذا ما لقيته … وإن غبت أو وليت ارتع في عرضي
فلو شئت قد عض الأنامل نادمًا … وأوطأته إذ كان في موطئ دحض
ولكنه إحدى يدي فلم أجد … سبيلًا إلى وصل ببعض إلى بعض
فأغضيت منه غير وهن على التي … لعمرك ما يغضي على مثلها بغضي
وقال له الحسن بن زيد يومًا - وكان الحسن ولاه شرط المدينة، فعتب عليه في شيء -: لقد هممت أن أفارقك فراقًا لا رجعة بعده، فقال له المساحقي إذًا أيها الأمير أقول:
وفارقت حتى ما أبالي من النوى … وإن بان جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي … وعيني على ماهجر الحبيب تنام
قال الزبير توفي سنة ست وعشرين ومائتين وسنة ثلاث وثمانون سنة وهو شيخ قريش.
حبيب اللئال
بشد الهمزة. ويعرف ببابين. أحد أصحابه القدماء وجلسائه المختصين به، وأحد من كان يقدمه في الأذن عليه ويخصه، وأحد أوصيائه. وقال بعضهم فيه: إبراهيم بن حبيب واراه ابن هذا. وذكر أنه وصي مالك، وذكرهما ابن شعبان معًا، وذكر أيضًا اسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن بابين، ووجدت له حكاية عند موت مالك بن أنس: وجد إسحاق بن بابين، في تركة مالك، صندوقين مقفلين فيهما كتب. فجعل أبي يقرأها ويبكي ويقول رحمك الله، إن كنت تريد يعلمك الله. لقد جالسته الدهر الطويل فما سمعته يحدث بشيء مما قرأت، وأرى صوابه أبا إسحاق. قال قاسم بن اصبغ: إبراهيم بن حبيب ثقة من أصحاب مالك وهو وصي مالك رحمه الله تعالى.
стр. 370
حبيب بن أبي حبيب
واسم أبي حبيب مرزوق ويقال رزين. كاتب مالك وقارئه، وبقراءته سمع الناس الموطأ. مدني انتقل إلى مصر، وعدة بعضهم في المصريين لأنه توفي بها. روى عن مالك غير شيء، الموطأ والفقه وكثيرًا من الحديث وغيره. ضعفه ابن حنبل وابن معين والنسائي وأبو حاتم الرازي وكذبوه وذموه. وقال ابن معين: حبيب الذي بمصر كان يقرأ على مالك ويخطرف للناس ويصفح ورقتين. سألوني عنه فقلت: ليس بشيء. وبقراءته سمع ابن بكير. وهو شر العرض. قال ابن أبي خثيمة ذكرت لمصعب ما ذكر أن حبيبًا. وكان نزل على مالك. قال مصعب قال لنا مالك: صلوا حبيبًا. أعطوا حبيبًا. وكان نزل على مالك. قال مصعب: كان حبيب يقرأ على مالك وأنا عن يمين حبيب، يقرأ كل يوم ورقتين أو ورقتين ونصفًا. وكان يأخذ في كل عرضة دينارين من كل إنسان، فزدناه نحن. قال
حبيب: جعل لي الدراوردي وابن كنانة وابن أبي حاتم دينارًا على أن اسأل مالكًا عن ثلاثة سمعوا منهم مع مالك، ولم يحدث عنهم مالك، وتهيبوا الحديث عنهم لذلك، فدخلت عليه بعد الظهر وليس عنده غير هؤلاء الثلاثة. فقال ليس هذا وقتك. قلت: أجل: ليس في البيت دقيق ولا سويق وقد جعل لي قوم دينارًا لأسألك: لم لم ترو عن فلان وفلان وفلان. فأطرق ثم قال ما أحب منفعتك إلي، ولكن، لم أحمل العلم إلا عن أهله. فأومأ إلى
стр. 371
القوم إن أكتفي بمسألتي. وقال يحيى بن يحيى: أرشيت حبيبًا بألف درهم حتى مكنني من مالك، فسمعت عليه ألف حديث. وتوفي بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين.
محمد بن الضحاك بن عثمان الخزاعي
من جلساء مالك يروي عنه وعن أبيه الضحاك. روى عنه يعقوب بن حميد بن كاسب. تقدم ذكره عند ذكر أبيه وجده في الطبقة وهناك بقية أخباره. قال الزبير: ومات شابًا وخلف أباه في العلم والأدب.
أبو غزية محمد بن موسى بن مسكين الأنصاري
من بني مازن بن النجار ومن ولد أسامة بن زيد، من جهة النساء. من أصحاب مالك والقائلين بقوله وله رواية، وولي القضاء بالمدينة، وسمع ابن أبي الزناد. قال محمد بن سعد: كانت له رواية وعلم ونظر بالفتوى والفقه قال البخاري: يعد في أهل الحجاز وعنده منا كبر. وفي بعض نسخ تاريخ البخاري الكبير في ذكره، ثقة. وجدت ذلك بخط شيخنا القاضي الشهير رحمه الله تعالى توفي في سنة سبع ومائتين قاله البخاري.
مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله
ابن الزبير بن العوام أبو عبد الله القرشي الأسدي
كذا نسبه البخاري وغيره، هو عم الزبير بن بكار. روى عن مالك
стр. 372
الموطأ وغير شيء وعرف بصحبته، وروايته في الموطأ معروفة. سمع أباه ومالك بن أنس ونمطهم من أهل المدينة، وكتب عنه أبو خيثمة وابنه، ويحيى بن معين. وكان علامة قريش في النسب والشعر والخبر، شريفًا معظمًا عند الخاصة والعامة. شاعرًا ظريفًا. قال الصدفي: مصعب بن عبد الله الزبيري أبو عبد الله صاحب الأنساب وصاحب مالك. قال يحيى بن معين: هو ثقة.
ذكر جمل من أخباره
قال مصعب: قال لنا أبي اطلبوا العلم، فإن لم يكن لك مال أكسبك مالًا، وإن يكن لك مال أجداك جمالًا. قال ابن أبي خثيمة: قلت لمصعب ابن عبد الله: إن هؤلاء يقولون القرآن كلام الله، ويقفون. فيقولون من قال مخلوق ابتدع، ومن قال غير مخلوق ابتدع ويحتجون بك ويزعمون أنك تقول بهذا القول، وإن مالكًا يقوله. فقال معاذ الله. أما أنا فأقول كلام الله وأسكت وقلبي يميل إلى أنه غير مخلوق، ولكني أسكت لأنه بلغني عن مالك أنه يقول الكلام في الدين كله أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه، القدر ورأي جهم، وكلما أشبهه. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الله فأحب إلي السكوت عن هذه الأشياء لأن أهل بلدنا ينهون عن الكلام لا فيما تحته عمل. ولقد ناظرني إسحاق بن إسرائيل فقال: لا أقول كذا ولا كذا ولا أقول ذلك على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي. فأنشدته قصيدتي التي قلتها في الواقعة فكتبها وأعجبته وهي:
أأقعد بعدما رجعت عظامي … وكان الموت أقرب ما يليني
стр. 373
أجادل كل معترض خصيم … وأجعل دينه عرضًا لديني
وأترك ما علمت رأي غيري … وليس الرأي كالعلم اليقين
وما أنا والخصومة وهي لبس … تصرف في الشمال وفي اليمين
وكان الحق ليس له خفاء … أغرّ كغرة الفلق المبين
وهي أطول من هذا.
ذكر جمل من ملحه
ذكر الجراح في كتاب الورقة عنه، قال: دخلت على أحمد بن هشام فقال يا أبا عبد الله لقد شهرك إبراهيم الموصلي حين قال:
لام فيها مصعبٌ وصباح … فعصينا مصعبًا وصباحا
عذلا ما عذلا ثم ملًا … فاسترحنا منهما واستراحا
فقلت ما شهر إلا بأمر جميل، جعلنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وما شهرك بن أشهر، حين قال:
وصافية من المدام رقيقة … رهينة عام في الدنّان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهنا … من الليل حتى انجاب عنا الظلام
فما ذرّ قرن الشمس حتى رأيتنا … من العيّ نحكي أحمد بن هشام
عتيق بن يعقوب
ابن صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو بكر. وأمه حفصة ابنة عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير من المختصين بمالك والقائلين بقوله، المكثرين عنه المحافظين لسيرته وشمائله. قال: سمعت
стр. 374
مالكًا يقول: ينبغي للرجل أن يؤدب أهله وولده، ومن يجب عيه فرضه، وقد قال ﵊: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فأدب أهلك أو من وليت أمره على أدبك وخلقك حتى يتأدبوا على الذي أنت عليه ليكونوا لك عونًا على طاعة الله. وذد ذكرنا في أخبار مالك دخوله منزل مالك بعد وفاته، ما وجد فيه من حديثه، وإنه ما رأى منه شيئًا مما ذاكر به أصحابه في حياته. قال محمد بن
سعيد كاتب الواقدي في تاريخه: كان ملازمًا مالك. كتب عنه الموطأ ويره، ولزم أيضًا عبد الله العمري واعتزل، ثم رجع إلى المدينة، ولم يزل من خيار المسلمين. توفي سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائتين وعداده من المكيين من أهل الحجاز.
محمد بن إدريس الشافعي
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمه أزدية. ولد بالشام بغزة. وقيل باليمن سنة خمسين ومائة وحمل إلى مكة وسكنها وتردد بالحجاز والعراق وغيرها. ثم قدم مصر واستوطنها. روى عن مالك ومسلم بن خالد وابن عيينة، وإبراهيم بن سعد وسعيد بن سالم وإسماعيل بن علية، ويحيى بن حسان والدراوردي وإبراهيم بن أبي يحيى ومروان بن ماوية وابن أبي فديك وابن أبي مسلمة والقعنبي، وفضيل بن عياض، وعن عمه محمد ابن شافع. روى عنه أحمد بن حنبل والحميدي وأبو الطاهر بن السراج، وحرملة بن يحيى والبويطي والمزني والربيع المؤذن، ويونس بن عبد الأعلى وأبو ثور والزعفراني، وأحمد بن سنان الواسطي، ومحمد بن عبد الحكم وابن أخي ابن وهب وهارون الإيلي وآخرين.
стр. 375
ابتداء طلبه وحفظه
قال الشافعي: كنت وأنا في المكتب اسمع المعلم يلقن الصبي فأحفظ ما يقول، ولم يكن عند أبي ما يعطي وكنت يتيمًا، فكان المعلم يرضى مني بأن أخلفه إذا قام، ولقد كانوا يكتبون. وقبل أن يفرغ المعلم من الإملاء حفظت جميع ما كتبت. وفي رواية فقال لي ذات يوم ما يحل لي أن آخذ منه. ثم لما خرجت من المكتب كنت التقط الخزف وعزب النخل وأكتاف الجمال، فأكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين فأستوهب الظهور، وأكتب فيها، حتى ملأت جبابًا كانت لأبي في ذلك.
فسمع إذ ذاك بمكة من عمه ومسلم بن خالد الزنجي وغيرهم من المكيين، ثم قال خرجت من المكتب فقدمت هذيلًا أتعلم كلامها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبعة عشر عامًا، راحلًا برحلتهم ونازلًا بنزولهم. فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار، وأيام العرب، فمر بي رجل من الزبيريين فقال لي: يا أبا عبد الله، عزّ عليّ أن يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقع، فتكون قد سدت أهل زمانك. فقلت: من بقي يقصد. فقال لي: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ. فوقع في قلبي، وعمدت إلى الموطأ فاستعرضته وحفظته في تسع ليال، ثم دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى مالك وكتابه إلى والي المدينة، وقلت له: تبعثه إلى مالك يأتيك فتوصيه بي.
فقال: يا ليتني إذا ركبت إليه مع حشمي معك، حتى نأتي بابه ونجلس عليه، حتى تضرب وجوهنا الريح بتراب العقيق أذن لنا؟ فلما صلينا ركب معي إليه، وصرت معه حتى
стр. 376
أتينا العقيق، وكان منزله بمن معه وجلس على بابه، واستأذن. فخرجت إليه جارية، فقالت الشيخ يقول لك: إن كنت تريد المسائل فاكتبها في رقعة أجبك عنها. فقال لها قولي له إن الأمير قد كتب إلي في حاجة فدخلت فأبطأت ثم التفت إلي وقال ألم أقل لك؟ قلت: بلى. ثم خرج مالك وجلس وقال ما شاء الله. فناوله الأمير الكتاب فلما بلغ موضع الشفاعة رمى به ثم قال: يا سبحان الله! وصار علم رسول الله ﷺ يؤخذ بالوسائل! قال: فرأيت الوالي قد تهيبه أن يكلمه. فتقدمت إليه وقلت أصلحك الله أني رجل مطلبي، ومن حالي وقصتي فلما سمع كلامي نظر إلي ساعة، وكانت له فراسة، فقال لي: ما اسمك؟ قلت محمد. قال يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن من الشأن. ثم قال: نعم وكرامة. إذا كان غدًا تجيء وتجيء بمن يقرأ لك الموطأ. قلت فإنني أقوم بالقراءة. قال: فقدمت عليه وابتدأت قراءته ظاهرًا، والكتاب في يدي فلما تهيبت
مالكًا وأردت قطع القراءة وقد أعجبته قراءتي، قال بالله يا فتى زد. حتى قرأت عليه في أيام يسرة، فأقمت بالمدينة إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وفي رواية: أن مالكًا لم نظر في الكتاب قال: من هو؟ فقال له الوالي هذا. فنظر إلي ونكس رأسه، ثم قال: كيف يصلح لمن لا يرضى من خوف الله، فإذا كان كذلك أوشك أن ينفعه الله بالعلم. فقال له الأمير هذا مطلبي. فما سمع ذلك سري عنه وذكر نحوه. قال مصعب الزبيري: قدم الشافعي المدينة فكان يجلس في المسجد ينشد أشعار الشعراء، وكان حسن اللفظ فصيح القول، عالمًا بمعانيه. فقال له أبي يومًا ترضى لنفسك في قرشيتك مما أنت فيه، أن تكون شاعرًا؟ قال
стр. 377
فما أصنع؟ قال تفقه. قال رسول الله ﷺ من يرد الله بن خيرًا يفقهه في الدين. قال فأنّى لي بذلك؟ قال: مالك بن أنس سيد المسلمين. قال تقوم بنا إليه. فأتينا مالكًا وجلس عنده وأخبره بشرفه وأمره، فقرّبه مالك وجعل يسمع منه، فلما كان بعد أيام قال الشافعي لأبي: الذي يقول مالك أمرنا، والذي عليه بلدنا، والذي عليه أئمة المسلمين الراشدين المهديين، أي شيء هو؟ فقال له أولهم رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر وعمر وعثمان الذين ماتوا بالمدينة. فترك الشافعي ما كان فيه، وسمع الموطأ من مالك، وسرّ به مالك. ثم سار الشافعي إلى العراق، فلزم محمد بن الحسن وناظره على مذهب أهل المدينة. وكتب كتبه ورتب هناك قوله القديم، وهو كتاب الزعفراني.
اقتداؤه بمالك واعترافه له
قد تقدم في أخبار مالك كلام الشافعي فيه، وكثير من ثنائه عليه. وقال الشافعي مالك بن أنس معلمي. وفي رواية أستاذي، ومنه تعلمنا العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ عليّ من مالك، وعنه أخذت العلم. وقال: إنما أنا غلام من غلمان مالك. وقال: جعلت مالكًا حجة فيما بيني وبين الله. قال محمد بن عبد
الحكم: لم يزل الشافعي يقول بقول مالك ولا يخالفه إلا كما يخالف بعض أصحابه، حتى أكثر فتيان عليه فحمله ذلك على ما وضعه على مالك، وإلا فإنه كان الدهر كله إذا سئل عن الشيء قال: هذا قول الأستاذ. قال القاضي هارون بن عبد الله الزهري: كان الشافعي معي بغزة، في منزل واحد. فكان يصنف كتبه بالليل، فقلت له: تتعب نفسك تسهر وتفني الزيت وتؤلف كتبًا تخالف فيها مذهب
стр. 378
أهل المدينة، من ينظر فيها؟ فقل لي يبعث لها قوم أغنام من أهل هذا المشرق فتكون عندهم أكثر من الكتاب والسنة. قال القاضي أبو عبد الله التستري: قال لي القاضي أبو العباس بن شريح الشافعي قلت لأبي إسحاق إبراهيم بن حماد ما بين مالك والشافعي أقل مما بين أبي يوسف وأبي حنيفة. وجعل يحتج بما ذهب إليه مالك في مسألة خلع الثلث. فقال: أنا لا أفتي ولا أقضي إلا بقول مالك. وحكى أبو العباس الشارقي عن أبي إسحاق الشيرازي، أنه قال له: ما نعد الشافعي إلا أحد أصحاب مالك. ولو عد ما خالفه فيه مع ما خالفه فيه عبد الملك أو غيره من أصحابه لكان أقل، ونحو هذا من الكلام.
ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل
قال محمد بن عبد الحكم: قال لي أبي: إلزم هذا الشيخ يعني الشافعي، فما رأيت أبصر منه بأصول العلم. وقال: بأصول الفقه. قال محمد: لولا الشافعي ما عرفت، وهو الذي علمني القياس، وكان صاحب أثر وفضل وخير، مع لسان فصيح طويل، وعقل رضي صحيح. وقال فيه ابن عيينة: هذا أفضل فتيان زمانه، وكان ابن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والرؤيا قال سلوا هذا. يعني الشافعي. وقال له مسلم بن خالد الزنجي وهو شاب، سنه خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة: قد آن لك أن تفتي يا أبا عبد الله. وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو للشافعي في صلاتي، لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله
ﷺ . وقال أحمد بن حنبل ما أحد يحمل بخبره من أصحاب الحديث إلا وللشافعي عليه منة. قال: وكنا
стр. 379
نلعن أصحاب الرأي ويلعوننا حتى جاء الشافعي، فخرج بيننا. وقال: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسته.
وقال أحمد بن حنبل لإسحاق بن راهويه: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله. فأراه الشافعي. قال، وقال لي: جالسه يا شيخ. فقلت إن سنه قريب من سننا. اترك ابن عيينة والمقبري؟ قال ويحك: إن ذلك لا يموت وذا يموت؟ قال ابن حنبل: كان الشافعي أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وكان قليل الطلب للحديث. قال: وقد رآه هذا رحمة من الله لأمة محمد ﷺ . قال بعضهم قلت لأحمد: تركت سفيان وعنده السالفون - يعني وجنئت إلى الشافعي - فقال لي: اسكت فإن فاتك علو الحديث تجده بنزول لا يضرك في دينك ولا عقلك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده أبدًا، ما رأيت أفقه في كتاب الله منه. وقال أحمد: كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للناس. فانظر هل لهذين من عوض. قال أحمد: وبلغني أن النبي ﷺ قال: يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلًا يقيم لها أمر دينها وقال: قد اختلفنا إليه فما رأينا إلا خيرًا. وقال ابن معين لصالح بن أحمد ابن حنبل: أما يستحي أبوك رأيته مع الشافعي، والشافعي راكب وهو راجل، ورأيته قد أخذ بركابه. قال صالح فقلت لأبي فقال لي: قل له إن أردت أن تتفقه، فخذ بركابه الآخر. قال إسحاق: ما تكلم أحد إلا والشافعي أكثر إتباعًا وأقل خطأ. وقال إسحاق: الشافعي إمام. قال أبو عبيدة: ما رأيت رجلًا قط أكمل من الشافعي. وقال هارون: ما رأيت مثله، لو ناظر على أن هذا العمود الذي من حجارة أنه من
стр. 380
خشب، لأثبت ذلك لقدرته على المناظرة: وقال أبو ثور: الشافعي عندي أفقه من الثوري والنخعي. قال غيره: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدًا من أهل العلم
إعظامه للشافعي. وقال هلال بن العلا: الشافعي فتح أقفال العلم. وقال الزعفراني: ما رأيت قط أفصح ولا أعلم من الشافعي. كان يقرأ عليه من كل الشعر فيعرفه. قال ابن هشام: الشافعي حجة في اللغة وذاكر بمصر في أنساب الرجال فقال له الشافعي بعد ساعة دع هذا، فإنها لا تذب عنا وخذ بنا في أنساب النساء. فلما أخذا في ذلك بقي ابن هشام فكان يقول: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا. قال النسائي هو أحد العلماء ثقة مأمون. وقال يونس ما أخرجت الحجاز مثل الشافعي. قيل له فكيف كان أخذكم عنه؟ قال قصرنا وعاجله الموت، ولو مد في عمره لأدرك من علمه ما لم يدرك من علم أحد في زمانه. وقال: ما رأى أهل العراق مثل الشافعي، لو ضمت عقول الناس كلهم إلى عقله لغرقت عقولهم في عقله.
ومن فهم عن الشافعي ما يقول فهو الغاية. وكان يكلم الناس على قدر إفهامهم. قال المزني: ألف الشافعي كتاب السبق والرمي وكان بصيرًا بذلك. وأي علم كان يذهب عليه. وقال: لو كنا نفهم عن الشافعي كل ما يقول، لأتيناكم عنه بصنوف من العلم. ولكنا لم نكن نفهم. وسأله رجل عن الرأي فقال: أين أنت من كتب الشافعي. قال الأصمعي: ورأيت محمد بن إدريس، فرأيت فقيهًا عالمًا حسن المعرفة عذب اللسان، يحتج ويعرف، ولا يحسن إلا لصدر سرير، وذروة منبر، وما علمت أني أفدت حرفًا، فضلًا عن غيره. ولقد استفدت من ما لو حفظ رجل يسيره هكذا لكان عالمًا. قال غيره: أقام الشافعي في علم العربية وأيام الناس عشرين سنة. فقيل له في ذلك. فقال ما أردت به إلا الاستعانة على الفقه. قال الزعفراني: كان يخص مجلسه ببغداد الأدباء والكتاب. يسمعون حسن
стр. 381
ألفاظه وفصاحته، وما رأيت ولا أرى أحد في عصر الشافعي مثله. وقال أيوب بن سويد: ما طننت أن أبقى حتى أرى مثل الشافعي، ما رأيت مثل هذا الرجل قط. وكان لقي الناس. وقال أيوب أبو يعقوب البويطي: رأيت الناس بمصر والشام
والعراق والكوفة والبصرة والحجاز من كل صنف من علماء القرآن والفقه ولسان العرب والسير والكلام وأيام العرب، ما رأيت أحدًا يشبه الشافعي. هو عندي أروع وأشد توق من كل من رأيت نسب إلى الورع. وقال الشافعي: وددت أن الخلق يعلمون ما في كتبي ولا ينسبون إلى منها شيئًا. قال سويد بن سعيد: كنا عند ابن عيينة بمكة فجاء الشافعي فجلس فروى ابن عيينة حديثًا رقيقًا فغشي على الشافعي. قيل لسفيان: مات ابن إدريس. فقال إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صاحب رأي وكلام، ليس عنده حديث. وكان يتشيع. والثناء على الشافعي كثير وفضله مشهور إلا ما كان من يحيى بن معين فإنه أكثر القول فيه وأساءه، ونحوه لعلي بن المديني ويونس والحسن بن مكرم، ومحمد بن الحكم وغيرهم. وقد تقدم ليونس ومحمد خلاف ذلك، وأرى لأجل كلام يحيى وأولئك فيه، ترك أهل الصحيح حديثه، فلم يدخلوا له حرفًا. وكيف كان بلا خلاف في إمامته في الفقه، وإنما ضعف حديثه، لروايته عن الضعفاء كما قال محمد بن عبد الحكم يروي عن الكذابيين والبدعيين، وإلا فهو في نفسه بريء من ذلك.
وقد ألف الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب كتاب الحجة في الشافعي، وأثبته في الصحيح، وسنجلب بعد هذا من تسننه ما يصحح ما قلناه، ويبطل ما عداه إن شاء الله تعالى، وأخبار الشافعي كثيرة وفضائله مأثورة. قال الربيع لمن سأله أن، يحدثه بأخباره، لو ذهبت أحدثكم بأيام الشافعي ما أتيت عليه في سنة.
стр. 382
ذكر الأثر المتأول فيه وتسننه وإتباعه ومذهبه فيما اختلف فيه
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: اللهم اهد قريشًا، فإن
عالمها يملأ طباق ألأرض علمًا. اللهم كما أذقتهم عذابًا أذقهم نوالًا. قال الربيع: قال الشافعي: القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال مخلوق، فهو كافر. وقيل لمحمد بن عبد الحكم: أكان الشافعي بدعيًا أو كذابًا؟ قال: وإن خالفناه فلا ينبغي أن نقول عليه ما لا نعلم، كان ابعد الناس من ذلك. قيل له فكان يقف في القرآن؟ قال ما علمت ذلك. كان بريئًا من ذلك أو نحوه. قال ابن حنبل: الشافعي ثقة صاحب رأية وكلام، وليس عنده حديث. وكان يتشيع. وقيل للشافعي فيك بعض التشيع. قال: وكيف؟ قالوا: تظهر حب آل محمد. قال: يا قوم، ألم يقل رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟ وقال إن أوليائي وقرابتي المتقون، فإذا كان واجبًا أن أحب قرابتي وذوي رحمي إذا كانوا من المتقين، أليس من الدين أن أحب من قرابة رسول الله ﷺ من كان كذلك؟ فإنه كان يحبهم. ثم أنشد:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى … واهتف لساكن خبيها والناهض
سحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى … فيضًا كملتطم الخليج الفائض
إن كان رفضًا حب آل محمد … فليشهد الثقلان أني رافضي
وكان الشافعي يقول لأحمد وابن مهدي: أما أنتم فأعلم بالحديث مني، فإذا كان صحيحًا فاعلموني به، اذهب إليه. قال البويطي: إنما كان الشافعي ليتبع أخلاق رسول الله ﷺ .
стр. 383
ذكر جوده وبقية أخباره وفضائله
انصرف الشافعي من اليمن إلى مكة ومعه عشرة آلاف دينار، فضرب خباء خارج مكة وجاء الناس فما برح حتى فرقها كلها. . . . فلما دخل مكة استسلف ما أنفق. قال الربيع: ما أراه أتى عليه يوم إلا تصدق فيه. وكان في شهر رمضان كثير الصدقة بالثياب والدراهم، ويعطيهم الفقراء. وأصلح رجل زره، فأعطاه ديناراً واعتذر اليه، وناوله آخر سوطه فأعطاه صرة دنانير وقال: لم يحضرني غيرها. وقال الربيع: قد سمعنا بالأسخياء، وقد كان قوم عندنا بمصر منهم، رأيناهم. فأما مثل الشافعي فما رأيناه ولا سمعنا أحداً في زمانه كان مثله. وكان إذا سأله انسان يحمر وجهه حياء في المسائل. ودخل مرة الحمام، فأعطى صاحبه مالاً كثيراً، وسقط سوطه فناوله إنسان فأعطاه خمسين ديناراً. وأنشد الشافعي عند خروجه إلى مصر:
أخي أرى نفسي تتوق الى مصر … ومن دونها ارض المفاوز والفقر
فوالله ما أدري أللحفظ والغنى … أساق اليها أم أساق الى قبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: سيق اليهما معاً، ﵀. قال سعيد ابن عبد الله بن عبد الحكم: لما قدم الشافعي مصر قدم علينا على خلة شديدة فمضى أخي محمد إلى بعض من بالبلد من المياسير، فقال له: قد قدم علينا من أصحابنا ومن أهل قربتنا من قريش على خلة فتأمر لنا بما تغير به حاله. فأمر له بخمسمائة دينار، فلما كان المساء اجتمعنا عند أبي. فقال ما كان ينفعني أن يرضى بمثل هذا من فلان. فقال له أخي: فأعنا عليه. فأتمها ألفا (١)
стр. 384
قال الشيرازي: يقال ان ابن عبد الحكم دفع إلى الشافعي من مال نفسه ألف دينار، وأخذ له من بعض أصحابه الفاً، ومن رجلين آخرين ألفاً ثالثاً.
وعند ابن الحكم مات الشافعي. قال سعد: وكان الشافعي يلزم محمداً (١) ولا يفارقه، يأتيه كل يوم غدوة فربما لم يجده في المنزل، فيسأل اين ذهب، فيمضي إليه. وكان يأخذ من كتبنا كتب مالك في كل يوم جزأين، فيمكثان عنده ذلك اليوم وليلته، ثم يغدو وقد فرغ منهما فيردهما ويأخذ آخرين. وروى من أخباره أنه قال: بينما أنا أدور في طلب الحديث باليمن قيل لي هنا امرأة وسطها إلى اسفل بدن (٢) والى فوق بدنان مفترقان، بأربع أيدي ورأسين، فأحببت رؤيتها ولم أستحل ذلك فخطبتها ودخلت بها فوجدتها على ما وصفت، فاليدان يتلاطمان ويتقابلان ويأكلان ويشربان، ثم نزلت عنها وغبت ورجعت بعد مدة، فسألت عنها، فقيل: مات الجسد الواحد وربط اسفله بحبل وثيق، وترك حتى ذبل ثم قطع ودفن، فرأيت الشخص الآخر بعد ذلك يذهب في الطريق ويجيء.
قال المؤلف ﵀ في نكاح مثل هذا نظر! وهما أختان لا شك جمعهما بعض الجسد وفرج واحد مشترك، وإذا كان على ما وصف من خلاف أخلاقهما وأغراضهما فهو أبين والله تعالى اعلم.
قال ابن عبد الحكم: روي أن أم الشافعي لما حملت به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر ثم وقع في كل بلد منه شظية. فتأول أنه عالم يخص علمه أهل مصر ويفترق منها في البلاد.
قال الربيع: كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة فإذا كان رمضان ختم في كل ليلة منه ختمة، وفي كل يوم ختمة. قال: وأفتى وهو ابن خمس
стр. 385
عشرة سنة. وكان يحيي الليل حتى مات. ولما قدم الشافعي على الزعفراني نزل عليه، فكان الزعفراني يكتب للجارية ما يصلح من الألوان كل يوم لطعامه. فدعا الشافعي يومًا الجارية ونظر في الكتاب فزاد بخطه لونًا اشتهاه، فلما حضر الطعام أنكر الزعفراني اللون الذي لم يأمر به فسأل الجارية، فأخبرته. فلما نظر في الرقعة ووجده بخط الشافعي اعتق الجارية فرحًا بذلك. وألح عليه يومًا أصحاب الحديث فقال لهم: لا تكلفوني أن أقول لكم ما قال ابن سيرين لرجل ألح عليه: إنك إن كلفتني ما لا أطيق ساءك ما سرك مني من خلق. وروي أن الشافعي كان عطيرًا. وكان غلامه يأتيه كل يوم بغالية يمسح بها الأسطوانة التي يجلس إليها، وكان إلى جانبه رجل متزهد فعمد إلى عذرة فجعلها في شارب نفسه، مضادة لما فعل. وكان سميه البطال؟ فلما شم الشافعي الرائحة قال: فتشوا نعالكم. ثم قال ليشم بعضكم بعضًا فوجدوا ذلك بالرجل، فقال له الشافعي ما حملك على ما فعلت؟ قال رأيت تجبرك
فأردت أن أتواضع لله. قال الشافعي: اذهبوا به إلى صاحب الشرطة يعقله، حتى ننصرف. فلما خرج الشافعي أمر به فضربه ثلاثين درة. قال له: هذا أراه لجهلك. ثم أربعين، وقل له هذا لتخطيك المسجد بالعذرة.
جمل من حكمه وآدابه رحمه الله تعالى
قال الشافعي: من ولي القضاء ولم يفتقر فهو سارق. ومن حفظ القرآن نبل قدره، ومن تفقه عظمت قيمته، ومن حفظ الحديث قويت حجته، ومن حفظ العربية والشعر رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم.
стр. 386
وقيل له كيف أصبحت؟ فقال كيف اصبح من يطلبه الله بالقرآن والنبي ﷺ بالسنة، والحفظة بما ينطق، والشيطان بالمعاصي، والدهر بصروفه، والنفس بشهواتها، والعيال بالقوت، وملك الموت يقبض روحه، وقال: أحسن الاحجاج ما اشرقت معانيه، وأحكمت مبانيه، وابتهجت له قلوب سامعيه وقال: الطبع أرض والعلم بذر، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فغذا كان الطبع قابلًا زكا مربع العلم وتفرعت معانيه. وقال العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم. وأنشد فيه:
ومنزل السفيه من الفقيه … كمنزلة الفقيه من السفيه
فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه زهد منه فيه
واستعار الشافعي من محمد بن الحسن كتبه فمنعه إياها. فكتب إليه:
قل للذي لم تر عينا … من رآه مثله
العلم يأبى أهله … أن يمنعوه أهله
لعله يبذله … لأهله لعله؟
فأجابه محمد بن الحسن عن ذلك وكان الشافعي كثيرًا ما ينشد:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم … ولن يكرم النفس الذي لا يهنيها
يريد لمن يطلب العلم عنده. وقال المزني سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل رجلًا فقال: أما والله لقد كان يملأ العيون جمالًا، والآذان بيانًا. فقال له رجل: أعد رحمك الله، فقال: أعيده والله عليك بلا تهاتر مني، ولا إبكات ولا تزكية له.
стр. 387
ذكر محنته ووفاته رحمه الله تعالى
قال الفضل بن الربيع: بعث إلي الرشيد في وقت لم يكن يبعث إلي فيه، فدخلت عليه في مجلس خاصته وبين يديه سيف وقد أزبد وجهه. فقال لي يا فضل أذهب إلى الحجازي محمد بن إدريس فأتني به، فإن لم تأتني به أنزلت بك ما أريد به، فأتيته وهو في مسجد بيته يصلي، فانتقل من صلاته، فقلت له: أجب أمير المؤمنين فقال: بسم الله وحرّك شفتيه ثم نهضت أمامه وهو يفنوني حتى أتيت القصر، وأنا أرجو أنه قد قام فإذا هو جالس. فقال ما فعل الرجل؟ قلت بالباب قال لعلك روعته قلت لا قال: أدخله. فلما دخل تزحزح له عن مجلسه وتهلل وجهه، وضحك إليه وصافحه وعانقه وقال له: يا أبا عبد الله لم يكن لنا عليك من الحق أن تأتينا إلا برسول، فاعتذر بعذر لطيف. فقال إن أمرنا لك بأربعة آلاف دينار وفي رواية بعشرة آلاف. فقال لا أقبلها. فقال: عزمت عليك لتأخذها. يا فضل، احملها معه. قال الفضل: فلما انصرف قلت: بالذي أنجاك منه وأبدل لك رضاه من سخطه، ما قلت في إقبالك إليه ودخولك عليه. قال نعم. قلت: شهد الله أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم رب العرش العظيم. اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة أو عاهة أو طارق، إلا طارقًا يطرق بخير يا أرحم الراحمين. اللهم أنت عياذي، فبك أعوذ وأنت ملاذي فبك ألوذ، يا من ذلت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بكرمك من غضبك ومن نسيان ذكرك، ومن أن تخزني أو تكشف ستري، أنا في كنفك في ليلي ونهاري، وظعني وأسفاري ونومي وقراري.
فاجعل ثناءك دثاري وذكرك شعاري، لا إله غيرك، تنزيهًا لوجهك وتعظيمًا لسحبات
стр. 388
قدسك. أجرني من عقوبتك وسخطك، واضرب علي سراقات حفظك، وأعطني من خير ما أحاط به علمك. واصرف عني شر ما أحاط به علمك. وأمن روعاتي يوم القيامة يا راحم الراحمين. قال الفضل: فما دخلت على سلطان فدعوت بالدعاء إلا ضحك في وجهي وضمني وأكرمني وفي رواية أخرى، إن الفضل سأله بما دعى به، فقال له نعم. هو ما حدثني به مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ ، دعا به يوم الأحزاب: اللهم إني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة. وذكر نحو ما تقدم. وتوفي الشافعي بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم وإليه أوصى. قال الربيع: كنا جلوسًا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا إعرابي فسلم، ثم قال أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا توفي رحمه الله تعالى، فبكى بكاءًا شديدًا وقال ﵀ وغفر له، ما كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويهدي خصمه واضح الحجة، ويغسل من العار وجوهًا مسودة، ويوسع من الرأي أبوابًا منسدة، ثم انصرف. وكانت وفاته بمصر يوم لخميس وقيل ليلة الجمعة منسلخ رجب سن أربع ومائتين ودفنه بنو الحكم في قبورهم. وصلى عليه أمير مصر وكان رحمه الله تعالى خفيف العارضين يخضب.
من أهل اليمن
أبو قرة موسى بن طارق السكسكي
كنيته: أبو محمد وأبو قرة لقب له. قال الحسين بن محمد الغساني الحافظ. وقال: نقلته من خط ابنفطيس. وقال الأمير أبو نصر في كتاب الإكمال: أبو قرة موسى بن طارق الجندي بجيم ونون مفتوحة ودال مهملة مكسورة
стр. 389
منسوب إلى جند، ناحية اليمن. وقال ابن شعبان هو من أهل زبيد، من أهل الخصيب. قاض لهم. وروى عن مالك ما لا يحصى حديثًا، ومسائل وقد روى عنه الموطأ، ولأبي قرة كتابه الكبير وكتابه المبسوط وسماع معروف في الفقه عن مالك، يرويه عنه علي بن زياد الحجبي. قرية هنالك، وروى عنه أيضًا صامت بن معاذ، وكان أبو قرة قاضي زبيد، وذكره أبو عمر المقرئ في كتاب القراء. فقال: قرأ أبو قرة على نافع وروى عن إسماعيل القسط وموسى بن عقبة ومالك وابن جريج وابن عيينة، روى عنه علي بن زياد الحجبي، ومحمد بن يونس الزبيدي، وابن حنبل وابن راهويه، قال أبو حاتم: محله الصدق، وأثنى عليه ابن حنبل خيرًا. وقال ابن أبي داود هو ثقة.
محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن شروس
ويقال الشروس الصنعاني. من أصحاب مالك. له عنه الموطأ. وكتاب سماع مسائل ثلاثة أجزاء يروي عنه أبو علي الحسن بن أحمد بن أبي الطيب الصنعاني. قال القاضي ﵁، وقد رأيت موطأه عن مالك، وهو غريب لم يقع لأصحاب اختلاف الموطأت فلهذا لم يذكروا منه شيئًا والله أعلم. وإنما يذكرون من حديث ابن شروس ما في غير الموطأ.
من أهل البصرة والعراق وما وراءهما من بلاد المشرق
عبد الله بن مسلمة
ابن قعنب التميمي الحارثي، القعنبي أبو عبد الرحمن، اصله مدني وسكن البصرة، فهو من عداد البصريين. روى عن مالك وابن أبي ذئب وابنه،
стр. 390
ومخرمة بن بكير وشعبة والليث والدراوردي والعمري والحمادين وسليمان ابن بلال. روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعلي بن عبد العزيز والذهلي وأحمد بن سنان، ومحمد بن سهل بن عسكر، والرمادي، وأبو داود السجستاني، وأخرج عنه البخاري ومسلم. حكى أبو علي الغساني الحافظ عنه أنه قال: لزمت مالكًا عشرين سنة حتى قرأت عليه الموطأ.
ذكر فضائله والثناء عليه
قال ابن شاهين فيما يحكى عن الحسيني: كنا عند مالك رحمه الله تعالى فجاءه رجل فأخبره بقدوم القعنبي، فقال متى يقرب قدومه؟ فقال قوموا بنا إلى خير أهل الأرض نسلم عليه. فقام فسلم عليه. قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه. قال أبو حاتم: القعنبي أحب إلي من ابن أبي أويس. وهو بصري ثقة حجة. وقال: ما رأيت أخشع منه. سألناه أن يقرأ لنا الموطأ، فقال ائتوا بالغداة فقلنا إنا نجلس عند الحجاج. قال فإذا فرغتم. قلنا نأتي مسلم بن إبراهيم. قال فإذا فرغتم. قلنا يكون وقت الظهر ونأتي أبا حذيفة. قال فبعد العصر. قلنا نأتي حازمًا. قال فبعد المغرب. فكنا نأتيه ليلًا فيخرج وعليه لبد، ماتحته شيء في الصيف في الحر الشديد. فيقرأ لنا وهو على جسده ولو أراد لأعطي الكثير. قال هارون بن إسحاق: ما رأيت أحدًا يريد بعلمه الله، إلا القعنبي قال ابن معين فيه: ذلك من در ذاك من دنانير. قال: وإخوته ثقات كما تحب، قال: وأثبت في مالك هو معن، وقال مرة وأثبتهم القعنبي. قال أحمد