← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقيل له كيف أصبحت؟ فقال كيف اصبح من يطلبه الله بالقرآن والنبي ﷺ بالسنة، والحفظة بما ينطق، والشيطان بالمعاصي، والدهر بصروفه، والنفس بشهواتها، والعيال بالقوت، وملك الموت يقبض روحه، وقال: أحسن الاحجاج ما اشرقت معانيه، وأحكمت مبانيه، وابتهجت له قلوب سامعيه وقال: الطبع أرض والعلم بذر، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فغذا كان الطبع قابلًا زكا مربع العلم وتفرعت معانيه. وقال العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم. وأنشد فيه: ومنزل السفيه من الفقيه … كمنزلة الفقيه من السفيه فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه زهد منه فيه واستعار الشافعي من محمد بن الحسن كتبه فمنعه إياها. فكتب إليه: قل للذي لم تر عينا … من رآه مثله العلم يأبى أهله … أن يمنعوه أهله لعله يبذله … لأهله لعله؟ فأجابه محمد بن الحسن عن ذلك وكان الشافعي كثيرًا ما ينشد: أهين لهم نفسي لأكرمها بهم … ولن يكرم النفس الذي لا يهنيها يريد لمن يطلب العلم عنده. وقال المزني سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل رجلًا فقال: أما والله لقد كان يملأ العيون جمالًا، والآذان بيانًا. فقال له رجل: أعد رحمك الله، فقال: أعيده والله عليك بلا تهاتر مني، ولا إبكات ولا تزكية له.

стр. 387

ذكر محنته ووفاته رحمه الله تعالى قال الفضل بن الربيع: بعث إلي الرشيد في وقت لم يكن يبعث إلي فيه، فدخلت عليه في مجلس خاصته وبين يديه سيف وقد أزبد وجهه. فقال لي يا فضل أذهب إلى الحجازي محمد بن إدريس فأتني به، فإن لم تأتني به أنزلت بك ما أريد به، فأتيته وهو في مسجد بيته يصلي، فانتقل من صلاته، فقلت له: أجب أمير المؤمنين فقال: بسم الله وحرّك شفتيه ثم نهضت أمامه وهو يفنوني حتى أتيت القصر، وأنا أرجو أنه قد قام فإذا هو جالس. فقال ما فعل الرجل؟ قلت بالباب قال لعلك روعته قلت لا قال: أدخله. فلما دخل تزحزح له عن مجلسه وتهلل وجهه، وضحك إليه وصافحه وعانقه وقال له: يا أبا عبد الله لم يكن لنا عليك من الحق أن تأتينا إلا برسول، فاعتذر بعذر لطيف. فقال إن أمرنا لك بأربعة آلاف دينار وفي رواية بعشرة آلاف. فقال لا أقبلها. فقال: عزمت عليك لتأخذها. يا فضل، احملها معه. قال الفضل: فلما انصرف قلت: بالذي أنجاك منه وأبدل لك رضاه من سخطه، ما قلت في إقبالك إليه ودخولك عليه. قال نعم. قلت: شهد الله أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم رب العرش العظيم. اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة أو عاهة أو طارق، إلا طارقًا يطرق بخير يا أرحم الراحمين. اللهم أنت عياذي، فبك أعوذ وأنت ملاذي فبك ألوذ، يا من ذلت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بكرمك من غضبك ومن نسيان ذكرك، ومن أن تخزني أو تكشف ستري، أنا في كنفك في ليلي ونهاري، وظعني وأسفاري ونومي وقراري. فاجعل ثناءك دثاري وذكرك شعاري، لا إله غيرك، تنزيهًا لوجهك وتعظيمًا لسحبات

стр. 388

قدسك. أجرني من عقوبتك وسخطك، واضرب علي سراقات حفظك، وأعطني من خير ما أحاط به علمك. واصرف عني شر ما أحاط به علمك. وأمن روعاتي يوم القيامة يا راحم الراحمين. قال الفضل: فما دخلت على سلطان فدعوت بالدعاء إلا ضحك في وجهي وضمني وأكرمني وفي رواية أخرى، إن الفضل سأله بما دعى به، فقال له نعم. هو ما حدثني به مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ ، دعا به يوم الأحزاب: اللهم إني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة. وذكر نحو ما تقدم. وتوفي الشافعي بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم وإليه أوصى. قال الربيع: كنا جلوسًا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا إعرابي فسلم، ثم قال أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا توفي رحمه الله تعالى، فبكى بكاءًا شديدًا وقال ﵀ وغفر له، ما كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويهدي خصمه واضح الحجة، ويغسل من العار وجوهًا مسودة، ويوسع من الرأي أبوابًا منسدة، ثم انصرف. وكانت وفاته بمصر يوم لخميس وقيل ليلة الجمعة منسلخ رجب سن أربع ومائتين ودفنه بنو الحكم في قبورهم. وصلى عليه أمير مصر وكان رحمه الله تعالى خفيف العارضين يخضب. من أهل اليمن أبو قرة موسى بن طارق السكسكي كنيته: أبو محمد وأبو قرة لقب له. قال الحسين بن محمد الغساني الحافظ. وقال: نقلته من خط ابنفطيس. وقال الأمير أبو نصر في كتاب الإكمال: أبو قرة موسى بن طارق الجندي بجيم ونون مفتوحة ودال مهملة مكسورة

стр. 389

منسوب إلى جند، ناحية اليمن. وقال ابن شعبان هو من أهل زبيد، من أهل الخصيب. قاض لهم. وروى عن مالك ما لا يحصى حديثًا، ومسائل وقد روى عنه الموطأ، ولأبي قرة كتابه الكبير وكتابه المبسوط وسماع معروف في الفقه عن مالك، يرويه عنه علي بن زياد الحجبي. قرية هنالك، وروى عنه أيضًا صامت بن معاذ، وكان أبو قرة قاضي زبيد، وذكره أبو عمر المقرئ في كتاب القراء. فقال: قرأ أبو قرة على نافع وروى عن إسماعيل القسط وموسى بن عقبة ومالك وابن جريج وابن عيينة، روى عنه علي بن زياد الحجبي، ومحمد بن يونس الزبيدي، وابن حنبل وابن راهويه، قال أبو حاتم: محله الصدق، وأثنى عليه ابن حنبل خيرًا. وقال ابن أبي داود هو ثقة. محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن شروس ويقال الشروس الصنعاني. من أصحاب مالك. له عنه الموطأ. وكتاب سماع مسائل ثلاثة أجزاء يروي عنه أبو علي الحسن بن أحمد بن أبي الطيب الصنعاني. قال القاضي ﵁، وقد رأيت موطأه عن مالك، وهو غريب لم يقع لأصحاب اختلاف الموطأت فلهذا لم يذكروا منه شيئًا والله أعلم. وإنما يذكرون من حديث ابن شروس ما في غير الموطأ. من أهل البصرة والعراق وما وراءهما من بلاد المشرق عبد الله بن مسلمة ابن قعنب التميمي الحارثي، القعنبي أبو عبد الرحمن، اصله مدني وسكن البصرة، فهو من عداد البصريين. روى عن مالك وابن أبي ذئب وابنه،

стр. 390

ومخرمة بن بكير وشعبة والليث والدراوردي والعمري والحمادين وسليمان ابن بلال. روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعلي بن عبد العزيز والذهلي وأحمد بن سنان، ومحمد بن سهل بن عسكر، والرمادي، وأبو داود السجستاني، وأخرج عنه البخاري ومسلم. حكى أبو علي الغساني الحافظ عنه أنه قال: لزمت مالكًا عشرين سنة حتى قرأت عليه الموطأ. ذكر فضائله والثناء عليه قال ابن شاهين فيما يحكى عن الحسيني: كنا عند مالك رحمه الله تعالى فجاءه رجل فأخبره بقدوم القعنبي، فقال متى يقرب قدومه؟ فقال قوموا بنا إلى خير أهل الأرض نسلم عليه. فقام فسلم عليه. قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه. قال أبو حاتم: القعنبي أحب إلي من ابن أبي أويس. وهو بصري ثقة حجة. وقال: ما رأيت أخشع منه. سألناه أن يقرأ لنا الموطأ، فقال ائتوا بالغداة فقلنا إنا نجلس عند الحجاج. قال فإذا فرغتم. قلنا نأتي مسلم بن إبراهيم. قال فإذا فرغتم. قلنا يكون وقت الظهر ونأتي أبا حذيفة. قال فبعد العصر. قلنا نأتي حازمًا. قال فبعد المغرب. فكنا نأتيه ليلًا فيخرج وعليه لبد، ماتحته شيء في الصيف في الحر الشديد. فيقرأ لنا وهو على جسده ولو أراد لأعطي الكثير. قال هارون بن إسحاق: ما رأيت أحدًا يريد بعلمه الله، إلا القعنبي قال ابن معين فيه: ذلك من در ذاك من دنانير. قال: وإخوته ثقات كما تحب، قال: وأثبت في مالك هو معن، وقال مرة وأثبتهم القعنبي. قال أحمد

стр. 391

هو ثقة. وقال الكوفي: هو ثقة، رجل صالح. وقال سعيد بن منصور إنا لنقول أو إنه ليقال: ما يطوف بهذا البيت أحد من خلق الله أفضل من القعنبي. قال ابن مفرج: هو بصري ثقة عابد. قال عبد الله بن داود: حدثني القعنبي، وهو عندي والله أخير من مالك. قال ابن أويس: كان مالك إذا جلس قال ليليني منكم ذو الصلاح والنهى، فربما جلس القعنبي عن مجلسه. قال عبد الله بن عبد الحكم: كنت عند عبد الرزاق فنهرني مرة وأبى أن يكتب فبقيت مغمومًا، فرأيت النبي ﷺ ، فذكرت له قصتي مع عد الرزاق، فقال لي اكتب عن أربعة: عبد الله هذا، وإسماعيل، ويحيى، وعبد الملك بنو مسلمة، كلهم رووا عن مالك. قال أحمد بن الهيثم: كنا إذا أتينا القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم. قال البخاري توفي سنة عشرين بمكة يوم السبت، ست خلون من المحرم منها. وقال أبو إسماعيل الترمذي لست خلون، يوم خميس. وقيل يوم عاشوراء. وقاله ابن الجزار في كتاب التعريف. عبد الرحمان بن مهدي بن حسان العنبري يكنى أبا سعيد، مولى الأزد بصري، سمع السفيانيين والحمادين ومالكًا، وشعبة وعبد العزيز وشريكًا وهمامًا، وأبا عوانة وزائدة والأسطواني، وغيرهم. روى عنه ابن وهب وابن حنبل ويحيى وزهير وابن المديني، وابنا أبي شيبة وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور وابنه موسى بن عبد الرحمان وإسحاق ابن سعيد وغيرهم. وخرج عنه البخاري ومسلم، ولازم مالكًا فأخذ عنه

стр. 392

كثير الفقه والحديث وعلم الرجال، وله معه حكايات. قال ابن المديني: كان ابن مهدي يذهب إلى قول سفيان بن يسار، وكان سليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. قال أحمد بن عبد الله بن صالح: رسالة الشافعي ابن مهدي ابتدأها، وأتمها الشافعي. وذكر أبو إسحاق الشيرازي: إن الشافعي إنما كتب الرسالة إلى ابن مهدي، وهو الأشبه عندي. وكان يجالس الشافعي ويصحبه مع أحمد بن حنبل، فكان الشافعي يقول لهما: ما صح عندكما من الحديث فاعلماني لأتبعه لأنكما أعلم مني بالحديث. ويقال إن ما أرسله مالك من غير ابن مسعود فعن ابن مهدي أخذه. والله تعالى أعلم. ثناء العلماء عليه وذكر فضله قال علي بن المديني غير مرة: لو أخذت فحلفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من ابن مهدي. وقال أيضًا: كان ابن مهدي أعلم الناس. وقال ابن مهدي اختلفت إلى حماد بن زيد زمانًا، وما بي إليه حاجة. قال ابن حنبل: كان ابن مهدي ثقة. وقال: هو أشد توقيعًا من وكيع. قال أحمد بن سنان: كان ابن مهدي ورعًا منذ كان. وكان حماد بن زيد إذا نظر إلى ابن مهدي يمسح وجهه. قال أبو حاتم كان ابن مهدي خيارًا ثقة من معادن الصدق صالحًا مسلمًا. ولما حضر سفيان الموت قال لمولى حميد: انطلق إلى ابن مهدي فجيء به يفحصني. وقال سفيان: كتبي بالكوفة عند عجوز وددت لو وقدت عليها. فنظر فيها

стр. 393

ابن مهدي نظرة. قال علي بن المديني قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلما قدمت البصرة لقيت ابن مهدي فسلمت عليه فقال هات ما عندك فقلت ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئًا. فغضب. فقال: هذا كلام أهل العلم. ومن يضبط العلم ويحيط به، مثلك يتكلم بهذا؟ معك شيء تكتب فيه؟ فقلت: نعم. قال اكتب. قلت ذاكرني فلعله عندي. فقال الكتب لست أملي عليك إلا ما ليس عندك. قال: فأملى علي ثلاثين حديثًا لم اسمع منها حديثًا ثم قال: لا تعد. قلت: لا. قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان فقال: امض بنا إلى ابن مهدي حتى نفضحه اليوم بالمناسك. وكان سليمان من أعلم أصحابنا بالحج. قال: فذهبنا فدخلنا عليه فسلمنا وجلسنا بين يديه، فقال هاتا ما عندكما وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة. قال نعم. ما أحد يفيدنا في الحج شيئًا. فأقبل علي بمثل ما أقبل عليه. ثم قال يا سليمان: ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فوقع على أهله؟ فاندفع سليمان فروى يتفرقان حيث اجتمعا ويجتمعان حيث تفرقا. فقال وحتى يجتمعان ومتى يتفرقان؟ قال: فسكت سليمان. فقال اكتب. وأقبل يلقي عليه المسائل ويملي عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة، في كل مسألة يروي الحديث والحديثيين ويقول سألت مالكًا وسألت سفيان وعبيد الله بن الحسن، قال فلما قمت قال: لا تعد ثانيًا. فأقبل علي سليمان فقال: إيش خرج علينا من صلب مهدي هذا. وجاء رجل إلى ابن مهدي فقال: يا أبا سعيد حديث رواه الحسن عن النبي ﷺ ، من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة. فقال عبد الرحمان هذا لم تروه إلا حفصة بنت سيرين

стр. 394

عن أبي العالية، عن النبي ﷺ فقال له الرجل: من أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال إذا أتيت الصراف بدينارك فقال لك: هذا سرح. تقدر أن تقول له من اين قلت؟ فقال: فسره لي. قال هذا الحديث لم تروه إلا حفصة بنت سيرين. فسمعه هشام بن حسان منها وكان في الدار معها. فتحدث به الحسن: قال رسول الله ﷺ . فقيل له من أين سمعه الزهري؟ قال كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن والزهري، فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري فقال الزهري قال رسول الله ﷺ . قال لي أحمد بن صالح، لم يكن ابن مهدي يرويه إلا عن ثقة. وكل ما أرسله مالك عن ابن مسعود فإنما أخذه عن ابن إدريس، وما كان عن غير ابن مسعود، فإنما أخذه عن ابن إدريس، وما كان عن غير ابن مسعود، فإنما أخذه عن ابن مهدي. قال يحيى بن سعيد: سماع ابن مهدي نائمًا أحب إلي من إملاء غيره. وكما قال. قال ابن أخته كان خالي قد خط علي أحاديث، ثم صحح عليها بعد، وقرأتها عليه، فقلت له في ذلك، فقال: تفكرت في فصل ذلك لعله إسقاط لعدالة قبلها، فيكونون خصماء لي عند الله. يقول رأيتني؟ تعرفني؟ سمعت كلامي؟ ومرض ابن مهدي لأهل هذا البلد مرتين. وقال القطان: ما قرأ ابن مهدي على مالك أثبت مما سمع عنه الناس قال ابن مهدي: كتب عني الحديث بحلقة مالك. قال ابن أبي صفوان لو كتب عنه مالك ما ضره. قال ابن المبارك: من لقي ابن مهدي فلم يأخذ بخطه منه، فقد (كذا) وذكره أيضًا. فقال: ذلك رجل منذ عرفناه يزداد في كل يوم خيرًا. وقال محمد بن عبد الله بن السكوني: هو ثقة. وقال أبو داود فيه: حدثنا الثقة عبد الرحمان بن مهدي.

стр. 395

بقية أخباره ووفاته قال ابن حنبل: قدم ابن مهدي علينا بغداد، وهو ابن ست أو خمس وأربعين سنة. وقد خضب. قال صالح بن أحمد: شرف ابن مهدي وأبو داود الطيالسي للحفظ، فأما ابن مهدي فما مات حتى برص، وأما أبو داود فجذم. قال ابن اللباد: كان عبد الرحمان بن مهدي يبيع الجوهر، وأبوه طحان. قال البهلول بن راشد: لم آسف على شيء أسفي على كتاب رأيت ابن مهدي يعرضه على سفيان الثوري، فأعجب به سفيان. قال الصمادحي: فلما قدمت على ابن مهدي ذكرت له، فأخرج لي كتابه في السنة والفتوى من تأليفه. قال ابن مهدي: اختلف إلي حماد بن زيد ثلاثين سنة، فما رجعت منه إلا بفائدة. وقيل لابن مهدي: إن فلانًا صنع كتابًا في الرد على الجهمية. فقال عبد الرحمان: رد عليهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله. قالوا له بل بالرأي والمعقول. فقال: أخطأ، رد بدعة ببدعة. قال القاسم بن سلام: دخلت البصرة لأسمع من حماد بن زيد فإذا هو ميت فشكوت ذلك إلى ابن مهدي، فقال لي مهما سبقت فلا تسبقن بتقوى الله. قال القواريري: رأيت عبد الرحمان بن مهدي على درجة من المنبر يحدث، وأبوه مهدي على الدرجة الأخرى، وجده حسان من فوق ثبة في الدرجة العليا، وهو يحدث الناس. قال العباس رأيت ابن مهدي جاء يوم الجمعة فجلس خارجًا عن الحلقة فقال له يحيى: ادخل الحلقة. فقال أنت حدثتني عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام. قال يحيى: فإني رأيت حبيب

стр. 396

ابن الشهيد وهشامًا وابن أبي عروبة يتحلقون. قال ابن مهدي: فهؤلاء بلغهم أن النبي ﷺ قاله ففعلوه. فسكت يحيى. قال ابن المهدي (هكذا): كان ابن مهدي، يقال له في الحديث روى معن كذا. فيقول هو خطأ وينبغي أن يكون أخطأ عن وجه كذا. فيفتش عليه، فيوجد. كما قال ابن مهدي: من فر من الرئاسة تبعته. ومن طلبها لم يكن ينالها. وتوفي ابن مهدي رحمه الله تعالى بالبصرة في جمادى الأخرى سنة ثمان وتسعين، ويقال أربع ويقال ست وثلاثين ومائة. وله ابن روى عنه، اسمه إبراهيم، يروي عنه أحمد الدوري. محمد بن عمر بن واقد الواقدي مولى بني سهم بن أسلم أبو عبد الله مدني: عداده في البغداديين. سكن بغداد وولي القضاء بها للمأمون، بعسكر المهدي والجانب الشرفي، والصلاة بالرصافة. ولي القضاء من قبل الرشيد، روى عن مالك حديثًا كثيرًا، وفقهًا ومسائل، وفي حديثه منقطع كثير وغرائب، وكذلك في مسائله عنه منكرات على مذهبه لا توجد عند غيره، وكان واسع العلم كثير المعرفة، أديبًا نبيلًا عالمًا بالحديث والسير والأخبار. قال أحمد بن عبد الله بن صالح: ما رأيت أحفظ للحديث منه. وإنما تكلم فيه ابن المبارك. قال محمد بن سعد كاتبه في تاريخه الكبير: كان عالمًا بالمغازي والسير والفتوح، واختلاف الناس في الحديث والأحكام، وإجماعهم، ووضع الكتب، وحدث. قال القاضي وكيع: كان الواقدي من المتسعين في العلم. وسئل عنه أحمد، فقال: دعونا من بحار الواقدي، زعم أن عنده عشرة آلاف حديث عن معمر ليست لغيره،

стр. 397

فنظرنا إلى من هو أقدم منه مجالسة منه لمعمر فلم نجد هذا عنده. قال ابن البرقي هو كذاب. قال النسائي: ليس هو بثقة. ولا يكتب حديثه. قيل له فلم لم تضرب على اسمه؟ قال أستحي من ابنه وهو صديقي. وقال أحمد ابن عبد الله: كتبت نحوًا من ستين ألف حديث. فبلغني أن ابنه المبارك قال له: لا ترفع هذين الحديثين، فإنهما غير مرفوعين. فلج فيهما. فقال الناس: كذاب. فقال الجارود تركوه. وذكره أبو عمرو المقرئ في طبقات القراء. فقال روى القراءة عن نافع بن أبي تميم وعيسى بن وردان وسليمان ابن مسلم بن حبان، وسمع معمر بن راد هكذا روى عنه ابنه وكاتبه محمد بن سعد. ذكر جمل من أخباره وكرمه وذكر وفاته قال مصعب بن عبد الله: كلمت الواقدي في توكيل رجل من أهل المدينة بعض الوكالات التي يرتزق فيها. فأرسل إلي بصرة فيها مائة درهم فقلت لم أكلمك أن تصله. قال وأي شيء ينفق إلى أن أوكله؟ قال محمد ابن سعد: زارني الواقدي مغتمًا، فقال لي: لا تغتم فإن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب، أملقت مرة حتى بعت برذوني فاستبطأني يحيى بن خالد فاعتذرت إليه، فوقف على حالي، فأمر لي بخمسمائة دينار فصرت بها إلى البيت فأنا في تصريفها في قضاء الدين وعلى العيال إذ طرقني رجل من أهل المدينة قد قطع عليه الطريق، من ولد أبي بكر، فشكا إلي حاله، فدفعت إليه ما فضل ولم أشتر برذونًا فاستبطأني يحيى فأخبرته الخبر. فوجه إلى البكري، فقال: نعم أخذت الدنانير منه، فلما صرت بها إلى البيت جاءني

стр. 398

فلان الأنصاري فشكا إلي حاله فدفعتها إليه، فوجه يحيى إلي الأنصاري فأخبره، فتعجب من الكرم ثم أمر لي بألف دينار وللبكري بمثلها، ولزوجتي بخمسمائة لغمها حين دفعت الدنانير إلى البكري. قال هارون بن عبد الله القاضي: رفع الواقدي في رقعة إلى المأمون يذكر فيها غلبة الدين عليه، وقلة صبره عليه، فوقع المأمون على ظهرها: أنت رجل فيك خلتان الحياء والسخاء. فأما السخاء فهو الذي أطلق ما عندك وأما الحياء، فهو الذي منعك من إطلاعنا على ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بكذا وكذا، فإن أصبنا إرادتك فازدد في بسطتك وإن كنا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك. وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير إن خزائن الرزق مفتحة بإزاء العرش فمن أكثر كثر الله عليه ومن قلل قلل عليه. قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث، فكان ما ذكر فيه أعجب إلي من جائزته. قال هارون: وبلغني أن جائزته كانت مائتي ألف درهم. قال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي فنالتنا ضيقة، فقالت لي إمرأتي أنا نحن فنصبر إلى البؤس وأما صبياننا فقد قطعوا قلبي، فلو نظرت لهم في شيء تصرفه في صلاح شأنهم. فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة بما حضره، فوجه إلي كيسًا مختومًا ذكر أن فيه ألف درهم. فما استقر قراره، حتى كتب إلي الصديق الآخر يذكر مثل شكواي، فوجهت إليه بالكيس كهيئته وخرجت إلى المسجد أبيت فيه حياء من امرأتي، ثم رجعت فاستحسنت فعلي إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال اصدقني عن الأمر فأخبرته، فقال: وجهت إلي وما أملك إلا ما بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه إلي بكيس بخاتمي، قال فتواسينا الألف وقسمنا ما بيننا أثلاثًا بعد أن أخرجنا إلى المرأة مائة درهم، ونمى

стр. 399

الخبر إلى المأمون فدعاني، فشرحت له الأمر فأمر لي بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا الفان وللمرأة ألف. وقد ذكر في رواية أخرى في هذا الخبر نحوه، وأن البرمكي وجه فيه وقال: رأيتك البارحة في المنام بحالة دلت على شدة، فاشرح لي أمرك فذكر له القصة. فقال: ما أدري أيكم أكرم وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين ألفًا، وقلدني القضاء، ولم يذكر فيها المأمون. قال الواقدي: لقيت أشعب يومًا فقال لي: يا ابن واقد، وجدت دينارًا فكيف أصنع به. قلت: تصرفه. قال: سبحان الله. ما أنت في علمك إلا في غرر. قلت: فما الخبر با أبا العلا. قال أشتري به قميصًا وأعرفه بقبا. قلت إذن لا يعرفه أحد. قال فذاك أريد. قال المؤلف رحمه الله تعالى كذا وجدت هذا الخبر عنه. ولا أدري من هذا أشعب، فإن أشعب الطماع متقدم عن زمن الواقدي، سمع من سالم بن عمر، وقد قال أهل هذا الباب لا يعرف بهذا الاسم غيره. وتوفي الواقدي ببغداد وهو على قضاء عسكر المهدي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، مولده سنة ثلاث ومائة. وصلى عليه محمد بن مسلم وأوصى إلى المأمون فقبل وصيته وقضى دينه. يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمان التميمي الحنظلي مولاهم ويقال مولى بني منقر بن سعد بن عمر بن تميم النيسابوري. روى عن مالك الموطأ، وقيل إنه قرأه عليه، وهو الذي يدل عليه حديثه في صحيح مسلم وغيره، ولازمه مدة في الاقتداء به، وعده أبو عمر بن عبد البر في

стр. 400

كتابه المنتقى في الفقهاء من أصحاب مالك، وروى عن الليث والحمادين وأبي عوانة وابن لهيعة وابن عيينة وهشيم وابن المبارك وزهير بن معاوية، وسليمان بن بلال وغيرهم. قال أبو عمر: وكان له مال بنيسابور وحظ في الفقه. وكان ثقة مأمونًا مرضيًا. روى عنه جماعة من أهل بلدنا وغيرهم من الأئمة. كإسحاق بن راهويه، والذهبي والبخاري ومسلم، وخرجا عنه في الصحيح كثيرًا. قال ابن خلاد الرامهرمزي في كتابه الفاضل: ورحل يحيى إلى مصر والشام واليمن والعراق، وكان ابن حنبل يثني عليه، ويقول: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وكان من ورعه يشك في الحديث كثيرًا حتى سموه الشكاك. وذكر من فضله وإتقانه أمرًا عظيمًا، وذكر نحوه أبو حاتم الرازي وأثنى عليه أبو زرعة الرازي ووثقه وقال إسحاق بن راهويه: لم أكتب العلم على أحد أوثق في نفسي منه. ومن الفضل بن موسى السناني. قال: وكان يحيى رجلًا عاقلًا. وقال: يحيى أثبت من ابن مهدي. وقال ما رأيت مثل يحيى بن يحيى. ولا أراه رأى مثل نفسه. قال محمد بن مسلم، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت له: عمن اكتب العلم؟ قال عن يحيى بن يحيى. قال أحمد بن عدي: وكان من العباد فاضلًا. قال يحيى بن الشهيد: ما رأيت محدثًا أورع من يحيى ولا أحسن لباسًا منه. قال ابو بكر بن إسحاق: لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى. وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس، أقام عليها لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له في ذلك. فقال: إنما أقمت مستفيدًا لشمائله فإنها شمائل الصحابة والتابعين. قال أبو أحمد بن عدي في معجمه: يقال أن إسحاق بن راهويه ركبه الدين، فركب ابن مروان إلى عبد الله بنيسابور، فكلم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمره. فقال ما تريدون؟ فقالوا له تكتب إلى عبد الله بن طاهر رقعة، وعبد الله أمير

стр. 401

خراسان إذ ذاك، فقال يحيى: ما كتبت إليه، فألحوا عليه، فكتب في رقعة: إلى عبد الله بن طاهر، إسحاق بن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح. فحمل إسحاق الرقعة إليه فلما جاء الباب فقال للحاجب: معي رقعة يحيى ابن يحيى إلى الأمير. فقال يحيى بن يحيى: قال نعم. قال: أدخله. فأدخله وناوله الرقعة فقبلها ابن طاهر وأقعد إسحاق بجنبه، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم، وصيره في جلسائه، وكان لا يختلف إليه، وكان يحيى بن يحيى من المياسير، وذكر أنه أهدى هدية إلى مالك باع مالك من فضلتها بثمانين ألفًا. قال البخاري وتوفي ضحى يوم الأربعاء منسلخ صفر في سنة ست وعشرين ومائتين. انتهى الجزء الأول بحمد الله وحسن عونه.

стр. 402

تَرتيبُ المَدَارِكْ وَتقرِيب المَسَالِكْ لِمعْرفَة أعْلَام مَذْهَبْ مَالِك للقاضي عياض القَاضِي أبو الفضل عيَاض بن مُوسى بن عيَاض اليحصبيّ السَّبْتي المتوفى سَنَة ٥٤٤ هـ - ١١٤٩ م تحقيق الدكتور أحمد بكير محمُود الجزء الثاني منشورات دَار مكتَبَة الحيَاة - بَيروتْ دار مكتبة الفكر - طرابلس ليبيا

стр. 403

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الجزء الثاني من المدارك اعتمدنا في مقابلتنا لهذا الجزء على أجزاء أربعة مخطوطة مثل الجزء الأول، إلا أننا عوضنا الجزء الثاني من نسخة - ص - التي ينقصها جزء بجزء آخر موجود بمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة الأعظم دام عمرانه، مرقمة ٣٢٤١. يقع هذا الجزء المنفرد من كتبا المدارك في ١٥٣ ورقة حجمه ١٩ - ٢٥ من أحباش المشير أحمد باشا الأول باي تونس يبتدئ بترجمة عبد الله بن وهب، وينتهي بترجمة حبيب بن نصر بن سهل التميمي صاحب مظالم سحنون. خطه مغربي ضعيف، كثير الأنماط الرسمية، إلا أنه واضح مقروء. لا تاريخ لكتابها أو اسم الناسخ، إلا أنها تبدو من أقدم النسخ عندنا بتونس، وقد يرجعها بعض أصحاب الدراية إلى أواخر القرن الثامن أو أوائل التاسع. كتب على الوجه من الورقة الأولى قيمة الكتاب وهي: خمسون ريالًا. ثم نص الوقف مشهود عليه ببيان عدلين وطابع المشير أحمد باش باي الأول وآخر ما كتب فيه بعد ترجمة حبيب بن نصر، تعليق في

стр. 404

ثلاثة أسطر على قول المؤلف قليل الفائدة. وفي أسفل الورقة بيتان من البردة وهي: أمن تذكّر جيران بذي سلم … مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم أم هبّت الريح من تلقاء كاظمة … وأومض البرق في الظلماء من إدم أشرنا إلى هذه النسخة في تحقيقنا للنصّ ب أ

стр. 405

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم من أهل الشام الوليد بن مسلم بن السائب أبو العباس، مولى بني أمية، دمشقي. قال ابن شعبان: له عن مالك ما لا يحصى كثرة. الموطأ والمسائل والحديث الكثير. يروي عن مالك وابن جريج والأوزاعي، وهو مختص به، والليث والثوري وعبد الرحمان بن يزيد ومسلمة بن علي وعمر بن جابر ويزيد بن جابر وأبي بكر بن أبي مريم وغيرهم، وروى عن شريك عشرة أحاديث. قال الألكاني: روى عنه الليث والحميدي وأحمد بن حنبل وابن المديني وأبو خيثمة وغيرهم، وروى عنه أيضًا اسحاق بن راهويه وهشام ابن عمار وصفوان بن صالح، وأخرج عنه البخاري ومسلم. قال أبو مسهر: رحم الله أبا العباس، لقد كان معتنيًا بالعلم. وقال أحمد: هو ثقة في الحديث. قال يحيى: كان يدلس. قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشاميين منه ومن إسماعيل بن عياش. قال الوليد: وافيت مكة وعليها محمد بن إبراهيم يقصر الصلاة بمنى وعرفة. فأعاد سفيان الصلاة وأتمها ابن جريج

стр. 406

فأتيت المدينة وذكرت ذلك لمالك، فقال لي أصحابي والأمير: أخطأ سفيان وابن جريج، وأن الأوزاعي قال فيه مثله. فأتيت مصر، فذكرت ذلك للشافعي، فقال لي: أخطأ الأمير والأوزاعي ومالك وأصحاب سفيان وابن جريج. أما مالك فيرى القصر للحاج وإن كان من أهل مكة كما فعل الأمير، وقاله الأوزاعي ويقصر الناس معه من أهل مكة وغيرهم، وعند الشافعي يتمون وراءه المكيون. وهو قوله الثوري وابن حنبل وأهل الرأي. وقال الخطابي في إعادة سفيان لأنه يرى للمفترض أن يصلي خلف المنتفل، وصلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مكي، فاستأنف سفيان الصلاة، وهذا خلاف ما ذكر عنه في الاتمام، وفي روايته عن مالك شذوذ وغرابة. قال أحمد فيه: ثقة. وقال أحمد بن صالح الكوفي: قال البخاري وابن أبي خيثمة وابن وضاح. وتوفي سنة خمس وتسعين في منصرفه من الحج بذي المروة. وقال ابن شعبان وغيره: توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وماية. مولده سنة تسع عشرة وماية. أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى ابن مسهر الغساني الدمشقي قال أبو عمر المقرئ، أحمد بني كعب بن هند، قال أبو سفيان: روى عن مالك الموطأ وغيره من المسائل والحديث الكثير. قال ابن أبي حازم: سمع سعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء بن زمر، وخالد بن يزيد بن صالح يروي عن أبي الجواري، وأبو زرعة الدمشقي ويحيى بن معين وأبو حاتم. قال ابن شعبان: ما رأيت مثله منذ خرجت من بلادي. أشبه بالمشيخة الذين أدركت من أبي مسهر. وهو ثقة. قال أبو حاتم: ما رأيت ممن

стр. 407

كتبنا عنه الصحيح أثبت منه، وهو إمام. وقد خرج عنه البخاري. قال ابن وضاح: كان فاضلًا ثقة. وقد روى عنه محمد بن يوسف السكري والنسائي وأبو داود. قال الزبيري: وقرأ القرآن على نافع وأيوب بن تميم، وروى عنه أبو زرعة الدمشقي وأبو عبيد بن سالم. قال ابن مفرج: وأبو مسهر سيد أهل الشام وفقيههم وعابدهم. قال ابن معين فيه: ثقة. قال الكوفي: هو ثقة. قال عبد الباقي بن الحسن: رجعت الإمامة بعد ابن ذكوان في القراءة، إلى أبي مسهر. وسأل أبا مسهر رجل عن مسألة فلم يجبه، ثم أعاد عليه فلم يجبه، ثم أعاد عليه فلم يجبه. فقيل له في ذلك فقال: سمعت مالكًا يقول من إذالة العلم أن تجيب كل من سألك. فصل في أخباره ونوادره وحديثه سئل أبو مسهر عن حديث بقية فقال: احذر الأحاديث بقية وكن منها على تقية، فإنها غير نقية. وكان على خاتمه مكتوب: عبد الأعلى قل الحق. وكان نقش خاتم أخيه علي أبرمت فقم. فكان إذا استثقل جليسه ناوله خاتمه ليقرأ نقشه، وحاجبه محمد بن عبد كلان فكتب إليه أبو مسهر. إني أتيتك للتسليم أحامل فلم … تأذن عليك لي الأستار والحجب وقد علمت بأني لم أردَّ ولا … مارد إلا الإخا والعلم والأدب فأجابه:

стр. 408

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا … إن السماء ترجى حين تحتجب لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما … قال ابن أوس ففي استقفائه أدب قال هارون بن موسى: دخلت علي أبي مسهر وكان مستلقيًا على قفاه فترنم بقول الشاعر: يمسي الفتى ما كان قدم من تقى … إذا نزل الداء الذي هو قاتله ذكر محنته قال موسى بن الحسن: سمعت أبا مسهر وقد وجه به المأمون إلى اسحاق ابن إبراهيم ببغداد فأحضر له اسحاق جماعة ليقرّ بكتاب المحنة الذي كتبه المأمون في خلق القرآن، ونفي الرؤية وعذاب القبر، وإن الميزان ليس بكفتين وإن الجنة والنار غير مخلوقتين. فلما قرئ الكتاب على أبي مسهر قال: أنا منكر لجميع ما في كتابكم هذا. بعد مجالسة مالك والثوري ومشائخ أهل العلم: إذًا لا أكفر بالله بعد إحدى وتسعين، ولا أقول القرآن مخلوق ولا أنكر عذاب القبر ولا الموازين إنها كفتان ولا أن الله يرى في القيامة ولا أن الله تعالى على عرشه، وعلمه قد أحاط بكل شيء، علمًا نزل بذلك القرآن وجاءت به الأخبار التي نقلها أهل العلم فإن كانوا متهمين في القرآن فهم الذين تلقوا القرآن والسنن عن رسول اله ﷺ . فجر برجله وطرح في أضيق المحابس فما أقام إلا يسيرًا حتى توفي رحمه الله تعالى. فحضر جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله. وقال أبو داود في المحنة فلم يجب. وقال أبو جعفر الطبري: حمل أبو مسهر إلى المأمون بالرقة

стр. 409

للمحنة في القرآن، فلم يجبه. فدعا له بالسيف والنطع ليقتله. فلما رأى ذلك قال: مخلوق. فتركه فلم يقتله، وأشخصه إلى بغداد في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة. فحبس فلم يلبث إلى يسيرًا حتى مات في غرة رجب من السنة المذكورة. وذكر البلخي أن المأمون لما ورد دمشق ذكر له أبو مسهر ووصف بالعلم والفقه، فأحضره وناظره في القرآن ثم سأله عن النبي ﷺ هل أختلف. فقال: لا أدري. فسبّه وأقامه وهذا إنما فعله المأمون به عداوة لمخالفته إياه في القرآن. ومن قال لا أدري فقد أنصف. وقيل لأبي مسهر في الرجل يصحف ويخطئ ويهم في الحديث. فقال: بيّن أمره. فقيل له: أذلك عيب؟ قال لا. توفي فيما قاله الطبري والبراني والبخاري: سنة ثمان عشرة ومائتين وقال ابن مفرج: سنة عشرة. مولده سنة أربعين ومائة ونحوه قال البخاري. مروان بن محمد بن حسان الأسد الظاهري دمشقي صحب مالكًا وروى عنه حديثًا ومسائل كثيرة وعن الليث بن سعد وسعيد بن عبد العزيز ومعاوية بن سلام. قال ابن وضاح: مروان بن محمد كبير فاضل. قال ابن معين: ومن كان مرجئًا بدمشق عليه عمامة، ومن لم يكن مرجئًا لم يعتم. قال البخاري: وإنما قيل له الظاهري لثياب نسب

стр. 410

إليها. سمع معاوية بن سلام وخرّج عنه مسلم في الصحيح وأبو داود وغيرهما من الأئمة وضعفه بعضهم. حدث عنه الهيثم بن خارجة ومحمود بن خالد وأحمد ابن أبي الجواري والرازي وأحمد بن أبي الأزهر النيسابوري، وسلمة بن شيبة. روى عنه انه قال: ثلاثة لا يؤتمنون في دين: الصوفي والقصاص ومبتدع يرد على أهل الأهواء وابنه إبراهيم بن مروان بن محمد يروي عن أبيه، كتب عنه أبو حامد الرازي وقال: كان صدوقًا قال البخاري: مات مروان سنة عشر ومائتين وقال غيره سنة ست عشرة. إسحاق بن عيسى بن نجيح أبو يعقوب المعروف بابن الطباع وهم ثلاثة أخوة: محمد ويوسف وأسحق سمع أسحق مالك بن أنس وصحبه وسمع شريك بن عبد الله وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم وأبا ضمر أنس بن عياض روى عنه ابن أخيه محمد بن يوسف بن حنبلي وأسحق ابن بهلول ويعقوب بن شيبة وعباس الدوري، والحارث بن أسامة والحسن ابن مكرم، ومسلم بن الحجاج، وخرّج عنه في صحيحه وغيرهم قال الخطيب أبو بكر كان قد انتقل آخره عمره إلى أذن، فأقام بها إلى أن مات سئل عنه صالح بن محمد فقال: لا بأس به صدوق وقال محمد بن سعد: توفي سنة خمس عشرة ومائتين أسحاق بن الطباع الفقيه وقال ابن سنة أربع عشرة قال أبو بكر الحافظ والأول أصح.

стр. 411

من أهل مصر عبد الله بن وهب بن مسلم القريش مولاهم مولى يزيد بن رمانة ويقال، بني فهر قاله البادي وقال الدارقطني: مولى يزيد بن ربابة مولى يزيد أنس الفري وقال أبو عمر الكندي مولى يزيد بن رمانة، مولى آل شيبان بن محارب بن فهر قال وقد اختلف في ولائه فقيل أن ابن رمانة مولى امرأة من الأنصار من بني بياضة كان زوجها فهريًا قال غيره فرجع ولاؤه إلى بنيه بسببها قال البخاري: هو مولى رمانة وقال ابن حاتم مولى ابن رمانة مولى فهر وقال ابن شعبان وابن عبد البر: مولى ريحانة مولاة لأبي عبد الرحمان يزيد ابن أنس الفري قال الكندي: وكان ابن وهب زعموا ربما قال: الأنصاري، ربما قال القرشي، ثم ثبت على القرشي وذكر نحوه ابن محبر هكذا وقال ابن بكير: وجدت شهادته في صك، الأنصاري قال أبو الطاهر: كان مسلم جده بربريًا روى عن مالك والليث وابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد والثوري وابن عيينة وابن جريح وابن أنعم، وعبد العزيز بن الماجشون ويحيى بن أيوب ونحو أربعمائة شيخ من المصريين والحجازيين والعراقيين وقرأ على نافع، وروى عنه الليث وصرح باسمه. وقيل أن مالكًا روى عنه عن ابن لهيعة حديث العرباض ومن أروى الناس عنه أصبغ بن الفرج، الحنون وأحمد بن صالح وابن بكير، ويونس وأبو الطاهر وقتيبة وابن غفير والوقار والقراطيسي، والحارث بن مسكين، وبنو عبد الحكم وحرملة وأبو مصعب الزهري وغيري واحد قال الشيرازي

стр. 412

تقفه بمالك وعبد الملك بن الماجون وابن أبي حازم، وابن دينار والمغيرة والليث قال حرملة سمعت ابن وهب يقول لقيت ثلائمائة عالم وستين عالمًا، ولولا مالك والليث لضللت في العلم وقال: أدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلًا وقد حدث الليث عن ابن وهب بحديث كثير قال أبو الطاهر سمع ابن وهب من مالك قبل ابن القاسم ببضع عشرة سنة وصحب مالكًا من سنة ثمان وأربعين إلى مات ولم يشاهد ابن وهب موته، كان يخرج للحج وقال ابن وضاح حج ابن وهب سنة أربع وأربعين وفيها لقي مالكًا أولًا، ولم يسمع منه إلا مسألة واحدة، وسمع فيها من المثنى بن الصباح بمكة، والمسألة التي سمع من مالك في الجمع في المطر بين العشاءين وقد أرسل إليه الوالي في ذلك وكان مطرًا يسيرًا فأمره بالجمع قال الشيرازي صحب ابن وهب مالكًا عشرين سنة قال ابن وضاح: وسمع العلم صغيرًا ابن ست عشرة سنة وذكر ابن الحنون عنه أنه قال طلب العلم ابن سبع عشرة سنة. ذكر مكانته في العلم والفقه والحديث وسماع الإجلاء عليه قال أبو عمر: يقولون إن مالكًا لم يكتب لأحد بالفقيه، إلا إلى ابن وهب وقاله ابن وضاح وكان يكتب إليه: عبد الله بن وهب فقيه مصر قال الشيرازي: كان مالك يكتب إليه: إلى أبي محمد المفتي وحكى مثله أبو الطاهر، زاد ولم يكن يفعل هذا لغيره وقال مالك: ابن وهب

стр. 413

إمام وقال: ابن وهب عالم ونظر إليه يومًا فقال: أي فتى لولا الإكثار. وقال أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم وقال أيضًا ابن وهب صحيح الحديث عن مشايخه الذين روى عنهم بفضل السماع من العرض والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وقال أيضًا ما أصح حديثه وأعرفه بالإسلامي إلا أن الذين حملوا عنه لم يضبطوا، إلا هارون ابن معروف وقال يوسف بن عدي: ما أدركته الناس: فقيهًا غير محدث، ومحدثًا غير فقيه، خلا عبد الله بن وهب فإني رأيته فقيهًا محدثًا زاهدًا. قال أبو مصعب: كنا إذا شككنا في شيء من رأي مالك بعد موته كتب ابن دينار والمغيرة وكبار أصحابه إلى ابن وهب فيأتينًا جوابه قال ابن حنبلي أخبرنا من رأي ابن أبي حازم يعرض له ابن وهب، رأي مال قال هارون القاضي الزهري: كان أصحاب مالك بالمدنية يختلفون في قول مالك بعد موته فينتظرون قدوم ابن وهب فيصدرون عن رأيه وقال ابن وضاح: كان أهل الحجاز يحتاجون إلى ابن وهب في علم الحجاز، وأهل العراق، يحتاجون إليه في علم أهل العراق وكان عنده علم كثير ونعي إلى ابن عيينة فترحم عليه وقال: أصيب به المسلمون عامة وأصبت به أنا خاصة وقال ابن رشدين: ابن وهب أعلم من ابن القاسم بكثير وقال مالك وقد قام عنه: كذا يكون أهل العلم، لما رأى من تخشع وقال له سيفان: أنت ابن وهب المصري قال: نعم قال له: ما زلت أعرف مكانك من الإسلام منذ بلغني عنك قول يحيى بن معين ابن وهب ثقة.

стр. 414

قال أحمد بن خاله: كان ابن وهب من الفضلاء الكبار وممن يضبط ويحسن وكان ابن القاسم يقول: حدثني أوثق أصحابه، يريده وقال ابن رشدين قال لي الحسن بن توبان وزاد: لئن عاش هذا الفتى ليكون أمام هذا العصر إن شاء الله تعالى قال أحمد بن صالح: ليس أحد من خلق الله أكبر في ملكه من ابن نافع وابن وهب وابن نافع أحب إلى أحمد وابن وهب المقدم في كثرة العلم والمسائل لم يكن مالك يتكلم بشيء إلا كتبه ابن وهب وكان ابن وهب يتساهل في المشايخ ولو أخذ بما أخذ مالك كان خيرًا له قال أحمد بن صالح: حديث ابن وهب مائة ألف حديث وما رأيت أكثر منه وقع عندنا في حديثه سبعون ألفًا. قال أبو زرعة: نظرت من حديث ابن وهب نحو ثمانين ألف حديث فما رأيت له حديثًا لا أصل له وهو ثقة وهوأفقه من ابن القاسم وقال الكوفي هو ثقة صاحب سنة وآثار، رجل صالح وقال محمد بن عبد الحكم: هو أثبت الناس في مالك وسأل رجل علي بن معبد عن مسألة، وكان بالإسكندرية مرابطًا، فقال: ما كنت لأجيب بموضع فيه ابن وهب، فأذهب فأسأله قال محمد بن الحسين، كان ابن وهب في عصره محدث بلده، وكان عبدًا صالحًا قال محمد بن عبد الحكم وابن بكير كان ابن وهب أقفه من ابن القاسم إلا أنه كان يمنعه الورع من إلفنا وقال ابن وضاح: كان علم ابن وهب أحب المناسك، وعلم ابن القاسم البيع وقال أبو حاتم الرازي: ابن وهب أحب إليّ من ابن نافع ومن الوليد بن مسلم، وهو أصح حديثًا من الوليد بكثير، وابن وهب صالح الحديث صدوق قال

стр. 415

ابن معين والنسائي: ابن وهب ثقة وقال ابن معين: هو ثقة إلا أنه روى عن الضعفاء وسئل: لم تركت ابن القاسم ورويت عن ابن وهب؟ قال: كان ابن القاسم فاضلًا، ولكن ابن وهب صاحب آثار. وخرج عنه البخاري ومسلم وكان أبو مصعب يعظم ابن وهب، وسمع مسائله عن مالك وكان يقول: هي صحيحة وقال أصبغ: ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنين والآثار وقال عبد الرحمان بن محمد السهمي: رأيت مالكًا في النوم على بغلة فأخذت بلجامها لأسأله عن اختلاف قوله، فتأبّى عليّ، وقال: كأن تسأل عن اللؤلؤ والجوهر المكنون؟ قلت نعم. قال عليك بكتاب ابن وهب القديم. قال الحارث: جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادة، وكان إمامًا ورزق من العلماء محبة، وحظوة من مالك وغيره. وما أتيته قط إلا وأنا أفيد منه خيرًا. قال أبو زيد بن أبي الغمر: سمعت ابن وهب يقول: حججت أربعًا وعشرين حجة ألقى فيها مالكًا قال أبو زيد: وكنا نسمي ابن وهب ديوان العلم. قال حرملة: رأيت كتاب مالك، إلى ابن وهب مفتي مصر. قالوا وما من أحد إلا زجره مالك إلا ابن وهب، فإنه كان يعظمه ويحبه. وكان ابن القاسم يقول: لو مات ابن عيينة لضربت إلى ابن وهب أكباد الإبل، ما دوَّن أحد العلم تدوينه. قال يونس: ما رأيت أبا الحسن الإسكندراني قال لابن وهب قط إلا: يا عم. ولقد كانت تلك المشيخة إذا رأت ابن وهب خضعت له. قال أبو الطاهر: وقيل لابن وهب في المسائل الجدد، فقال: أدع أنا السائل القدم التي قرأناها عليه وهو نشيط لها حتى أنه ربما

стр. 416

محا لي الشئ بكمه من كتابي. قال ابن أخيه: كنت معه بالإسكندرية مرابطًا، فاجتمع الناس عليه يسألونه نشر العلم، فقال لي: هذا بلد عبادة. وقال ما أمهد لنفسي فيه مع شغل الناس. فترك الجلوس لهم في الأوقات التي كان يجلس، وأقبل على العبادة والحراسة، فبعد يومين أتاه إنسان فأخبره، أنه رأى نفسه في المسجد الحرام، والنبي ﷺ فيه، وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله وأنت بين يديه وفي المسجد قناديل تزهر أحسن شيء وأشدها ضياء، إذا طفيت منها قنديلًا فانطفأ. فقال لك رسول الله ﷺ : قم يا عبد الله أوقده، فأوقدته ثم آخر كذلك ثم أقمت أيامًا فرأيت القناديل كلها همت أن تطفأ، فقال أبو بكر يا رسول الله: أما ترى هذه القناديل. فقال ﷺ : هذا عمل عبد الله يريد أن يطفيها. فبكى ابن وهب وقال له الرجل جئت لأبشرك ولو علمت أنه يغمك لم أأتك. فقال: خير. هذه الرؤيا وعظت بها نفسي ظننت أن العبادة أفضل من نشر العلم. فترك كثيرًا من عمله للعلم، وحبس نفسه لهم يقرأون عليه ويسألونه. ذكر مذهبه في الرواية قال ابن وهب: كل شيء في كتبي كتب إليّ مالك فقد سمعته منه. وكانت له منه خاصة. قال ابن وهب سألت مالكًا أن يخليني في شيء يعرضه لي ففعل. فأنا عنده اقرأه عليه إذ استأذن عليه عبد الصمد

стр. 417

الهاشمي والي المدينة، فسأله مثل ما سألته، فأبي وقال: قد أرداني الخليفة على هذا فلم أجبه. فقلت في نفسي: كيف لم يحتج عليه بي. قال ابن وهب كنت بين يدي مالك أكتب فأقيمت الصلاة، وفي رواية فأذن المؤذن وبين يديه كتب منشورة، فبادرت لأجمعها فقال لي على رسلك. فليس ما تقدم إليه بأفضل ما أنت فيه، إذا صحت فيه النية. قال ابن وهب: قال لي مالك: ما خلفك عنا منذ ليال. فقال: كنت أرمد. قال مالك: أحسب من كتب الليل. قلت أجل. فصاح مالك بالجارية هاتي من ذلك الكحل لصديقي المصري ابن وهب. قال إسماعيل ابن قعنب: كنت مه ابن وهب عند مالك فكانت الهدية تأتي إلى مالك بالنهار ويهديها إلى ابن وهب باللّيل. قال ابن وهب دخلت المسجد فإذا الناس يزدحمون علي ابن سمعان وهشام بن عروة جالس فقلت اسمع من هذا وأصغي إليه، فلما فرغت قام، فأتيت منزله فقيل هو راقد. فقلت أحجّ وأرجع إليه، فرجعت وقد مات. وقيل لابن وهب: ابن القاسم يخالفك في أشياء. فقال: جاء ابن القاسم إلى مالك وقد ضعف. وكنت أنا آتي مالك وهو شاب قوي، يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد فيه الخطأ فيأخذ خرقة بين يديه فيبلها في الماء فيمحوه، ويكتب لي الصواب. قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيرني. فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان لي: خذ هذا ودع هذا. قال نعيم بن حماد: كان ابن وهب جعل للغرباء يوم الثلاثاء، فيقرأون عليه فيأتي الداخل وقد بقي عليه من الكتاب الذي

стр. 418

يقرأ شيء. فيقول أجزه لي. فيجيبه ويفعل ذلك بغير واحد حتى يقوم إليه فيسأله عن الحديث فيقول: الساعة قرئ هذا. فيقول أنا أن قرأنا عليك قلنا قرأنا على أبي محمد، وإن قرئ ونحن حضور قلنا قرئ على أبي محمد، ونحن حضور. وكان لنا حسن الخلق. فيقول لم نكن نأخذ الحديث كما نريد. قال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بعد موته بثلاثمائة دينار. وفي رواية أخرى ستين، وأصحابنا متوافرون. وكان أبي وصيّه فلم ينكر ذلك أحد. ولولا أنه أوصى بعضهم أن لا يزيد لبلغت أكثر. وروي أنه دفع لإحدى زوجتيه من ثمنها ثمانون دينارًا، ولم يورث بولد. وهذا الحساب أكثر من الأول والله أعلم. ذكره في المبسوطة، قال أبو زيد: اجتمع ابن وهب وابن القاسم واشهب على أني إذا أخذت الكتاب من المحدث أن أقول فيه: أخبرني. وقيل لابن حنبل وقد أثني على حديثه: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: نعم. ولكن إن نظرت إلى حديثه وما أخذ عن شيوخه وجدته صحيحًا. باب في غير شيء من أخباره قال ابن وهب: كان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم فولع بي الشيطان في ذكر عيسى ﵇، وكيف خلقه الله فشكوت ذلك إلى شيخ، فقال لي: اطلب العلم. فكان سبب طلبي. وقال حسين بن عاصم كنت عند ابن وهب فوقف على الحلقة سائل، فقال يا أبا محمد، الدرهم الذي أعطيتني بالأمس زائف فقال يا هذا إنما كانت بأيدينا عارية. فغضب السائل

стр. 419

وقال صلى الله على محمد. هذا الزمان الذي كان يحدث به أنه لا يلي الصدقات إلا المنافقون من هذه الأمة. فقام رجل من أهل العراق فلطم المسكين لطمة خرج منها لوجهه. فجعل يصيح يا أبا محمد يا إمام المسلمين يفعل بي هذا في مجلسك. فقال ابن وهب: ومن فعل هذا؟ قال العراقي أنا أصلحك الله. فعلته للحديث الذي حدثتنا: أن النبي ﷺ قال: من حمى لحم مؤمن من منافق يغتابه حمى الله لحمه من النار وأنت مصباحنا وضياؤنا. يغتابك في وجوهنا؟ فقال: لأحدثنكم بحديث. إن النبي ﷺ قال في آخر الزمان يكون مساكين يقال لهم الغناة كذا لا يتوضأون لصلاة ولا يغتسلون من جنابة، يخرج الناس من مساجدهم وأعيادهم يسألون الله من فضله، ويخرجون يسألون الناس، يرون حقوقهم على الناس، ولا يرون حقوقهم عليهم حقًا. وكان ابن وهب يقول: من قال في موعد إن شاء الله فليس عليه شيء. وطلب ابن وهب من مالك كحلًا، فقال لجاريته أعطي من الكحل لصديقي المصري. قال فأتوه بأنبوبة أو أنبوبتين. قال الربيع صاحب الشافعي: جئنا عبد الله بن وهب للسماع واجتمع على بابه خلق كثير، فقام ليفتح، فلما فتح ازدحمنا للدخول فسقط وشج وجهه، فقال ما هذا إلا الخفّة وقلة الوقار ونحو هذا، والله لا أسمعتكم اليوم حرفًا. ثم قعد وقعدنا. فلما رأى ما بنا من الهدوء، قال

стр. 420

أين سكينة العلم، إنما أنا أكفِّر عن يميني وأسمعكم، فكفّر وأسمعنا. ونظر ابن وهب إلى رجل يمضغ اللبان فقال له: إنه يقسي القلب ويضعف البصر ويكثر القمل. قال ابن وهب: كنت أصلي في المسجد بالإسكندرية فسمعت العلا بن كثير يقول لأصحابه: ما منكم من يقترف هذا الفتى فيزوجه ابنته، تفرسنا فيه. قال سحنون: نذر ابن وهب أن لا يصوم يوم عرفة، أبدًا. وذلك أنه صام مرة فاشتد عليه الحر والعطش في الموقف قال: فكان الناس ينتظرون الرحمة وأنا انتظر الإفطار. قال ابن وهب: قال لي مالك: لا تترك أحدًا من أهل الكتاب يعلم المسلمين. قال ابن وهب: وكان معلمي نصرانيًا. قال يحيى بن يحيى: سمعت ابن وهب يحدث بحديث فيه: بعد العشرين ومائة ليربّي أحدكم جروًا خيرًا له من أن يربي ولدًا. فاستنكرت ذلك عليه. فقال له: يا أبا محمد ما أراك فيما أتاك الله من فضله ولدت إلا بعد هذا الرجل. فقال لي: نعم. فوالله ما عاد إلى ذكر الحديث حتى فارقته. قال يحيى ولم كان أحد يسلم من عيب الإكثار لسلم منها ابن وهب. وقال النسائي: لا بأس به، إلا أنه تساهل في الأخذ تساهلًا شديدًا. قال ابن سعيد: وكان يدلس. قال سعيد بن منصور: وكان عبد الله بن وهب يسمع معنا عند المشايخ؛ فكان ينام في المجالس ثم يأخذ الكتب من بعضنا فيكتبها. قالوا وهو أول من فرق بمصر بين نا وأنا.

стр. 421

ذكر عبادته وزهده وخوفه ووفاته قال أبو عمر: كان ابن وهب صالحًا خائفًا لله. قال غيره: كان كثير الحج. قال سحنون: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثًا، ثلثًا في الرباط، وثلثًا يعلم الناس بمصر. وثلثًا في الحج. وذكر أنه حج ستًا وثلاثين حجة. قال ابن وهب جعلت على نفسي كلما اغتبت إنسانًا صيام يوم، فهان علي، فجعلت عليها إذا اغتبت إنسانًا علي صدقة درهم فثقل عليّ وتركت الغيبة. قال أبو جعفر الأيلي: قال ابن وهب: ما من ليلة تمر إلا وأنا استهولها واذكر بها هول الآخرة، ولما طلب لقضاء مصر، استخفى عند حرملة سنة وأشهرًا. قال الحجاج بن رشدين: فأشرفت عليه من غرفتي وكانت تحاذيه يومًا، فقال لي: يا أبا الحسن بينا أنا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء أحشر في زمرة القضاة. قال ابن أخيه: ما رأيت قط أزهد في الدنيا منه. كان ينهدم عليه بعض بنيانه فلم يصلحه، وما بنى قط شيئًا، ولا رأيت أكثر رباطًا منه. قال: وشهدت عبد الله ابن وهب يقرأ عليه في منزله كتاب الأهوال الذي كان يرويه أنه بلغه عن أبي هريرة وشهده أبو أسامة البكاء فأخذ في البكاء، ثم أن أبا أسامة قام بتلك الرِّقة وابن وهب على حاله والقارئ يقرأ وابن وهب ينشج رافعًا صوته، حتى أني لأحسب من كان على خمسين ذراعًا يسمعه، فلم يزل كذلك حتى مال على الحائط الذي كان مستندًا إليه، ثم احتمل إلى منزله فلم يزل على حاله لا يعقل، حتى توفي. فكنا نرى أن قلبه انصدع

стр. 422

قال يونس. قال ابن وهب: إن أصحاب الحديث طلبوا مني أن أسمعهم صفة الجنة والنار، وما أدري القدر على ذلك ثم قعد لهم فقرأوا عليه صفة النار، فغشى عليه ورش بالماء وجهه فقيل اقرأوا عليه صفة الجنة، فلم يفق وبقي كذلك اثني عشر يومًا فدعي له طبيب فنظر إليه فقال: هذا رجل انصدع قلبه. وكانت وفاته بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. فيما قاله أحمد ابن صالح وأبو محمد الكندي. قال ابن الجزار: يوم الأحد لخمس بقين من شعبان منها وقيل سنة ثمان وتسعين وقال الباجي: سنة تسعين. والأول أصح وأشهر. وقال ابن سحنون: الثابت أنه مات سنة ست وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل ابن خمس وسبعين سنة. وقيل ابن ثمانين. ولد بمصر سنة أربع وعشرين ومائة وقيل سنة خمس وعشرين قال أبو اسحاق: وكان أسنّ من ابن القاسم بثلاث سنين، وعاش بعده خمس سنين. قال ابن أخيه لما توفي ابن وهب رأى رجل في المنام تلك الليلة أنه قيل له مات الليلة أربعمائة عالم. فلما انتبه سمع النوح، فسأل فقيل له: مات ابن وهب قال وكان ابن وهب روى أربعمائة عالم قال الطباع فلما غسلوا ابن وهب وجدوا فيه رطبة وصلى عليه عبّاد والي مصر. قال أبو بشر بن قعنب رايت ليلة مايت ابن وهب كأن مائدة العلم رفعت. قال الطباع وغيره: وبيعت كتبه بعد موته، فبلغت خمسمائة دينار قال محمد بن عبد الحكمصى ابن وهب إلى أبي في كفّارة الأيمان، وأمره فيها بمّدين مدّين، وأوصى إليه بها ابن القاسم بمدّ بمدّ. وألف تآليف كثيرة جليلة المقدار عظيمة المنفعة منها سماعه على مالك،

стр. 423

ثلاثون كتابًا. موطأه الكبير وجامعه الكبير وكتاب الأهوال وبعضهم يضيفها إلى الجامع، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب البيعة وكتاب لا هام ولا صفر. وكتاب المناسك. وكتاب المغازي. وكتاب الردة. وله أخ اسمه عبد الرحمان والد أحمد، وعبد العزيز. وأخ اسمه عمر بن وهب، قيل: له حديث وما أعرفه. توفي في محرم سنة سبع وتسعين ومائة. قال ابن يونس: وكان ابن اسمه حميد. ذكر الكندي أنه كان مقبولًا عند قضاة مصر، قال الطحاوي وكانت فيه بطالة. عبد الرحمان بن القاسم العتقي قال أبو عمر الكندي في كتابه موالي مصر: كنيته أبو عبد الله، وهو عبد الرحمان بن القاسم بن خالد ابن جنادة. كذا ضبطه الدارقطني والأمير، ونقله الباجي: جبارة وهو وهم، مولى زبيد بن الحارث العتقي. وكان زبيد في حجر حميد، وذلك أن العتقاء جماع فيهم من حجر حميد، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مصر وغيرهم. قال ابن وضاح: وأصله من الشام من فلسطين، من مدينة الرملة. وسكن مصر، قال الدارقطني: وله بمصر مسجد يعرف بمسجد العتقي. قال ابن الحارث: وهو منسوب إلى العبيد الذين نزلوا من الطائف إلى النبي صلى الله عيه وسلم، فجعلهم أحرارًا. وكان أبوه في الديوان وعنه ورث ابن القاسم المال الذي أنفقه في رحلته إلى مالك، وأعطى سعدًا منها خمسين دينارًا. وسمعت أنه خرج عن مورثه كله منه لأجل ذلك وروى عن الليث وعبد العزيز ابن الماجشون، ومسلم ابن خالد الزنجي، وبكر ابن مضر وابن الداروردي، وابن زبيد وابن أبي حازم

стр. 424

وسعد وعبد الرحيم وعثمان ابن الحكم وغير واحد وروى عنه أصبغ وسحنون وعيسى بن دينار، والحارث ابن مسكين وعيسى بن تليد ويحيى ابن يحيى الأندلسي، وأبو زيد ابن أبي الغمر ومحمد بن المواز وأبو ثابت المدني ومحمد عبد الحكم وأكثر روايات محمد بن المواز وابن عبد الحكم عن رجل عنه وخرج عنه البخاري. ثناء الأجلاء عليه قال الكندي في ذكر ابن القاسم لمالك، فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكًا. وقال الدارقطني: ابن القاسم صاحب مالك من كبار المصريين وفقهائهم. قال أبو عمر بن عبد البر كان قد غلب عليه الرأي وكان رجلًا صالحًا مقلًا صابرًا، وروايته في الموطأ صحيحة قليلة الخطأ. وكان فيما رواه عن مالك متقنًا حسن الضبط. سئل مالك عنه وعن ابن وهب، فقال ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه. قال ابن معين: هو ثقة. قال أبو زرعة: هو ثقة رجل صالح كان عنده ثلاثمائة جلد عن مالك من المسائل أو نحوها. سأله عنها أسد، وذكر باقي القصة وستأتي بعد. وقال النسائي: ومن فقهاء الأمصار بمصر عبد الرحمان بن القاسم وأشهب بن عبد العزيز. وقال النسائي: ابن القاسم ثقة رجل صالح، سبحان الله ما أحسن حديثه وأصحّه عن مالك، ليس يختلف في كلمة أحد ولم يرو أحد الموطأ عن مالك أثبت من

стр. 425

ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله. قيل له: فأشهب؟ قال: ولا أشهب ولا غيره، هو عجب من العجب، الفضل والزهد وصحة الرواية وحسن الدراية وحسن الحديث، حديثه يشهد له. وقال ابن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن، يعني فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به وشغلنا بغيره. وبهذا الطريق رجح القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد ابن القاسم بمالك وطول صحبته له، وأنه لم يخلط به غيره إلا في شيء يسير. ثم كون سحنون أيضًا مع ابن القاسم فهذه السبيل ما كان عليه من الفضل والعلم. قال يحيى بن يحيى: كان ابن القاسم أحدث أصحاب مالك بمصر منا، وأحدثهم طلبًا وأعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه. قال ابن الحارث: هو أفقه الناس بمذهب مالك. قال: وسمعنا شيوخنا يفضلون ابن القاسم على جميع أصحابه في علم البيوع. وقال له مالك اتق الله وعليك بنشر هذا العلم. قال أبو عبد الله بن أبي صبرة: لم يقعد إلى مالك مثله. يعني ابن القاسم. قال وكان الأصيلي يقول ذلك فيه، وقال الحارث بن مسكين: كان في ابن القاسم الزهد والعلم والسخاء والشجاعة والإجابة. قال أحمد بن خالد: لم يكن عند ابن القاسم إلا الموطأ، وسماعه من مالك كان يحفظها حفظًا. قال أحمد: إلا أنه كان لا يحسن يقرأ. غاب القارئ يومًا، فاحتاج إلى أن يقرأ فما تم صفحة حتى أحمرّ وجهه، ولم يقدر على شيء: وقال: انظروا من يقرأ لكم، ورمى بالكتاب. وسئل أشهب عن
следующие страницы →