Полный текст (1 447 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ذكر عبادته وزهده وخوفه ووفاته
قال أبو عمر: كان ابن وهب صالحًا خائفًا لله. قال غيره: كان كثير الحج. قال سحنون: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثًا، ثلثًا في الرباط، وثلثًا يعلم الناس بمصر. وثلثًا في الحج. وذكر أنه حج ستًا وثلاثين حجة. قال ابن وهب جعلت على نفسي كلما اغتبت إنسانًا صيام يوم، فهان علي، فجعلت عليها إذا اغتبت إنسانًا علي صدقة درهم فثقل عليّ وتركت الغيبة. قال أبو جعفر الأيلي: قال ابن وهب: ما من ليلة تمر إلا وأنا استهولها واذكر بها هول الآخرة، ولما طلب لقضاء مصر، استخفى عند حرملة سنة وأشهرًا. قال الحجاج بن رشدين: فأشرفت عليه
من غرفتي وكانت تحاذيه يومًا، فقال لي: يا أبا الحسن بينا أنا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء أحشر في زمرة القضاة. قال ابن أخيه: ما رأيت قط أزهد في الدنيا منه. كان ينهدم عليه بعض بنيانه فلم يصلحه، وما بنى قط شيئًا، ولا رأيت أكثر رباطًا منه. قال: وشهدت عبد الله ابن وهب يقرأ عليه في منزله كتاب الأهوال الذي كان يرويه أنه بلغه عن أبي هريرة وشهده أبو أسامة البكاء فأخذ في البكاء، ثم أن أبا أسامة قام بتلك الرِّقة وابن وهب على حاله والقارئ يقرأ وابن وهب ينشج رافعًا صوته، حتى أني لأحسب من كان على خمسين ذراعًا يسمعه، فلم يزل كذلك حتى مال على الحائط الذي كان مستندًا إليه، ثم احتمل إلى منزله فلم يزل على حاله لا يعقل، حتى توفي. فكنا نرى أن قلبه انصدع
стр. 422
قال يونس. قال ابن وهب: إن أصحاب الحديث طلبوا مني أن أسمعهم صفة الجنة والنار، وما أدري القدر على ذلك ثم قعد لهم فقرأوا عليه صفة النار، فغشى عليه ورش بالماء وجهه فقيل اقرأوا عليه صفة الجنة، فلم يفق وبقي كذلك اثني عشر يومًا فدعي له طبيب فنظر إليه فقال: هذا رجل انصدع قلبه. وكانت وفاته بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.
فيما قاله أحمد ابن صالح وأبو محمد الكندي. قال ابن الجزار: يوم الأحد لخمس بقين من شعبان منها وقيل سنة ثمان وتسعين وقال الباجي: سنة تسعين. والأول أصح وأشهر. وقال ابن سحنون: الثابت أنه مات سنة ست وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل ابن خمس وسبعين سنة. وقيل ابن ثمانين. ولد بمصر سنة أربع وعشرين ومائة وقيل سنة خمس وعشرين قال أبو اسحاق: وكان أسنّ من ابن القاسم بثلاث سنين، وعاش بعده خمس سنين. قال ابن أخيه لما توفي ابن وهب رأى رجل في المنام تلك الليلة أنه قيل له مات الليلة أربعمائة عالم. فلما انتبه سمع النوح، فسأل فقيل له: مات ابن وهب قال وكان ابن وهب روى
أربعمائة عالم قال الطباع فلما غسلوا ابن وهب وجدوا فيه رطبة وصلى عليه عبّاد والي مصر. قال أبو بشر بن قعنب رايت ليلة مايت ابن وهب كأن مائدة العلم رفعت. قال الطباع وغيره: وبيعت كتبه بعد موته، فبلغت خمسمائة دينار قال محمد بن عبد الحكمصى ابن وهب إلى أبي في كفّارة الأيمان، وأمره فيها بمّدين مدّين، وأوصى إليه بها ابن القاسم بمدّ بمدّ. وألف تآليف كثيرة جليلة المقدار عظيمة المنفعة منها سماعه على مالك،
стр. 423
ثلاثون كتابًا. موطأه الكبير وجامعه الكبير وكتاب الأهوال وبعضهم يضيفها إلى الجامع، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب البيعة وكتاب لا هام ولا صفر. وكتاب المناسك. وكتاب المغازي. وكتاب الردة. وله أخ اسمه عبد الرحمان والد أحمد، وعبد العزيز. وأخ اسمه عمر بن وهب، قيل: له حديث وما أعرفه. توفي في محرم سنة سبع وتسعين ومائة. قال ابن يونس: وكان ابن اسمه حميد. ذكر الكندي أنه كان مقبولًا عند قضاة مصر، قال الطحاوي وكانت فيه بطالة.
عبد الرحمان بن القاسم العتقي
قال أبو عمر الكندي في كتابه موالي مصر: كنيته أبو عبد الله، وهو عبد الرحمان بن القاسم بن خالد ابن جنادة. كذا ضبطه الدارقطني والأمير، ونقله الباجي: جبارة وهو وهم، مولى زبيد بن الحارث العتقي. وكان زبيد في حجر حميد، وذلك أن العتقاء جماع فيهم من حجر حميد، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مصر وغيرهم. قال ابن وضاح: وأصله من الشام من فلسطين، من مدينة الرملة. وسكن مصر، قال الدارقطني: وله بمصر مسجد يعرف بمسجد العتقي. قال ابن الحارث: وهو منسوب إلى العبيد الذين نزلوا من الطائف إلى النبي صلى الله عيه وسلم، فجعلهم أحرارًا. وكان أبوه في الديوان وعنه ورث ابن القاسم المال الذي أنفقه في رحلته إلى مالك، وأعطى سعدًا منها خمسين دينارًا. وسمعت أنه خرج عن مورثه كله
منه لأجل ذلك وروى عن الليث وعبد العزيز ابن الماجشون، ومسلم ابن خالد الزنجي، وبكر ابن مضر وابن الداروردي، وابن زبيد وابن أبي حازم
стр. 424
وسعد وعبد الرحيم وعثمان ابن الحكم وغير واحد وروى عنه أصبغ وسحنون وعيسى بن دينار، والحارث ابن مسكين وعيسى بن تليد ويحيى ابن يحيى الأندلسي، وأبو زيد ابن أبي الغمر ومحمد بن المواز وأبو ثابت المدني ومحمد عبد الحكم وأكثر روايات محمد بن المواز وابن عبد الحكم عن رجل عنه وخرج عنه البخاري.
ثناء الأجلاء عليه
قال الكندي في ذكر ابن القاسم لمالك، فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكًا. وقال الدارقطني: ابن القاسم صاحب مالك من كبار المصريين وفقهائهم. قال أبو عمر بن عبد البر كان قد غلب عليه الرأي وكان رجلًا صالحًا مقلًا صابرًا، وروايته في الموطأ صحيحة قليلة الخطأ. وكان فيما رواه عن مالك متقنًا حسن الضبط. سئل مالك عنه وعن ابن وهب، فقال ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه. قال ابن معين: هو ثقة. قال أبو زرعة: هو ثقة رجل صالح كان عنده ثلاثمائة جلد عن مالك من المسائل أو نحوها. سأله عنها أسد، وذكر باقي القصة وستأتي بعد. وقال النسائي: ومن فقهاء الأمصار بمصر عبد الرحمان بن القاسم وأشهب بن عبد العزيز.
وقال النسائي: ابن القاسم ثقة رجل صالح، سبحان الله ما أحسن حديثه وأصحّه عن مالك، ليس يختلف في كلمة أحد ولم يرو أحد الموطأ عن مالك أثبت من
стр. 425
ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله. قيل له: فأشهب؟ قال: ولا أشهب ولا غيره، هو عجب من العجب، الفضل والزهد وصحة الرواية وحسن الدراية وحسن الحديث، حديثه يشهد له. وقال ابن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن، يعني فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به وشغلنا بغيره. وبهذا
الطريق رجح القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد ابن القاسم بمالك وطول صحبته له، وأنه لم يخلط به غيره إلا في شيء يسير. ثم كون سحنون أيضًا مع ابن القاسم فهذه السبيل ما كان عليه من الفضل والعلم. قال يحيى بن يحيى: كان ابن القاسم أحدث أصحاب مالك بمصر منا، وأحدثهم طلبًا وأعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه. قال ابن الحارث: هو أفقه الناس بمذهب مالك. قال: وسمعنا شيوخنا يفضلون ابن القاسم على جميع أصحابه في علم البيوع. وقال له مالك اتق الله وعليك بنشر هذا العلم. قال أبو عبد الله بن أبي صبرة: لم يقعد إلى مالك مثله. يعني ابن القاسم. قال وكان الأصيلي يقول ذلك فيه، وقال الحارث بن مسكين: كان في ابن القاسم الزهد والعلم والسخاء والشجاعة والإجابة. قال أحمد بن خالد: لم يكن عند ابن القاسم إلا الموطأ، وسماعه من مالك كان يحفظها حفظًا. قال أحمد: إلا أنه كان لا يحسن يقرأ. غاب القارئ يومًا، فاحتاج إلى أن يقرأ فما تم صفحة حتى أحمرّ وجهه، ولم يقدر على شيء: وقال: انظروا من يقرأ لكم، ورمى بالكتاب. وسئل أشهب عن
стр. 426
ابن القاسم وابن وهب فقال: لو قطعت رجل ابن القاسم لكانت أفقه من ابن وهب. وكان ما بين أشهب وابن القاسم متباعد، فلم يمنعه ذلك من قول الحق فيه.
قال أبو الطاهر: أخبرني خالي وكان من المجتهدين ومن أهل العلم، رأيت في المنام كأن قائلًا يقول لا يفتي الناس إلا ابن وهب وابن القاسم المهذّب ثم رأيت ذلك بعد حول. قال ابن وضاح: لم يخرج لمالك وعبد العزيز مثل أشهب وابن القاسم وابن وهب. كان علم أشهب الجراح، وعلم ابن القاسم البيوع، وعلن ابن وهب المناسك. وقال أبو اسحاق الشيرازي: جمع بين الفقه والورع. صحب مالكًا عشرين سنة، وتفقه به وبنظرائه. قال ابن الحارث، وذكر ابن القاسم واقتصاره على مالك قال: سمع من سفيان أن أحاديث يكتبها في الواحد، ثم سمع من مالك
شيئًا فمحا تلك وكتب ما سمع من مالك. قال الحارث: قلت لابن القاسم: أخبرني بالرؤيا التي بلغني أنك رأيتها سنة كذا. قال ولا تخبر بها أحدًا، رأيت كأنه يقول لي: إن الله يصلي عليك وعلى سعيد بن زكريا. يعني سعيد الأدم. قال بعضهم وقف أشهب على قبر ابن القاسم فقال: رحمك الله يا عبد الله قد - كنا نترك كثيرًا خوفًا من نقدك فسنهلك بعدك.
ذكر ابتداء طلبه وسيرته في ذلك
قال ابن وضاح: سمع ابن القاسم من الشاميين والمصريين وإنما طلب وهو كبير ولم يخرج لمالك حتى سمع من المصريين. وأنفق في سفرته إلى مالك
стр. 427
ألف مثقال. قال سحنون عنه: ما خرجت لمالك إلا وأنا عالم بقوله. وقال له - لابنه موسى بن عبد الرحمان -: إلا أخبرك كيف طلبت العلم؟ قال: بلى. قال: كان لي أخ فنازع رجلًا فسار إلى السلطان فتبعته حتى أتياه، فأمر بأخي إلى السجن فتبعته، فدخلت المسجد وعليّ نعل سندي، ومعصفرة. فإذا حلق الناس يتلاقون العلم، فبهت فيهم وشغلت عن الذهاب إلى أخي. فرجعت إلى المنزل وأخذت حذاء ورداء آخر غير الأول، فأتيت المسجد فجلست فيه، وحدي أنظر إلى الناس، فانصرفت فقمت فأتاني آت فقال لي: إن أحببت العلم فعليك بعالم الآفاق. قلت ومن عالم الآفاق؟ قيل لي هذا الشيخ فإذا شيخ أشقر طوال حسن اللحية فاستيقظت وقد مضى أكثر شوال، فاكتريت إلى مكة وحججت مع الناس فلما أتينا المدينة اغتسلت ودخلت إلى المسجد، ونظرت فإذا انا بالصفة التي رأيت في المنام، وإذا هو مالك ابن أنس والناس يعرضون عليه، فعرفته إنه الذي قيل لي في النوم أنه عالم بالآفاق، فلزمته. وقال إصبع: قال ابن القاسم حملتاأحاديث المصريين فوقع في نفسي طلب الفقه، فاتيت أبا شريح وكان صالحًا حكيمًا، فاستشريته وقلت له: أردت أن أشخص إلى مالك، فقال لي: ما أحسن الفقه، وإن كان أهله يعتريهم
الكبر، ولكن اطلب فإن توسد العلم خير من توسد الجهل. قال: ترنمت بأثر ذلك فرأيت في منامي كان عقابًا انقض على راسي. وقال غيره: كأن بازيًا رفرف على رأسه او على حجره، فأخذه فبقر جوفه. فقال له قائل: لا تضيع جوفه فإن حشوه جوهر.
وفي رواية فجعلت ابتلعه حتى أتيت عليه. فعبر الرؤيا على أبي شريح.
قال غيره: وعلى رجل كان بصيرًا بالعبادة يقال إنه زين بن شعيب، فقال:
стр. 428
البازي سيد الطير والجوهر العلم، هذا عالم أمرت أن تأخذ من علمه وإن تأتيه. وفي حديث أصبغ: العقاب سيد الطير، والعالم سيد الناس، ولئن صدقت رؤياك لترثن علم عالم، فاتق الله يا عبد الرحمن. فأمرني أن اخرج إلى مالك وألزمه. فخرج إلى مالك وسمع منه ولازمه، وفي رواية، أنه قال له: لعلك حدثت نفسك بشيء من طلب العلم؟ قلت: نعم. قال: فمن ذكرت؟ قلت: مالكًا. قال هو بازيك الذي صدت. قال ابن القاسم: كنت أسمع من مالك كل يوم غلسًا إذا خرج من المسجد ثلاثة أحاديث، سوى ما أسمع مع الناس معه بالنهار. وفي رواية: كنت آتي مالكًا غلسًا، فأسأله عن مسألتين ثلاثة أربعة، وكنت اجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة في عتبته فغلبتني عيني، فنمت وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها وقالت لي: ان مولاك قد خرج ليس يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة. ظنت السوداء انه مولاه من كثرة اختلافه إليه. وفي جزء آخر أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئًا. قال: فبينما انا عنده إذ أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك. فقال أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إلي فاقبل يقبل عيني ووجدت منه ريحًا طيبة، فإذا هي رائحة الولد وإذا هو ابني، وكان ترك أمه به حاملًا، وكانت ابنة عمه، وكان اسمع عبد
الله، وكان خبر أمه عند سفره لطول إقامته فاختارا البقاء، ولم يذكر الناس عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم هذا في ولده،
стр. 429
وسنذكرهم. ولعله مات شابًا قبله والله أعلم. قال أبو زيد: سمعت ابن القاسم يقول: ما ضن احد بعلمه فأفلح. لقد كنت أحضر مجلس مالك فاسمع منه، فإذا لم يحضر أصحابي سألوني ما سمعت أخبرهم، ويحضرون وإلا احضر فاسألهم فلا يخبرونني. وقال ابن القاسم كأني كنت أنا وأشهب نختلف إلى عاملين مختلفين، لاختلافهما في الرواية. قال الصمادحي: من أجل هذا تركت السماع من أشهب. وذكر الطالبي: أن ابن القاسم لما رجع إلى مصر اجتمع حوله الناس في المسجد، فسأل عن ذلك الليث فقيل له: هذا ابن القاسم. فقال يأبى الله ذلك والمسلمون.
فرأى في المنام تلك الليلة: هاتفًا ينكر عليه ذلك. فاستيقظ وهو يقول لا يأبى الله ذلك ولا المسلمون. تحراني الجامع فحدث الناس حوله برؤياه. ولابن القاسم سماع من مالك عشرون كتابًا وكتاب المسائل في بيوع الآجال.
ذكر فضله وعبادته وورعه وكرامته وشيء من خبره
قال ابنه موسى: قال لنا أبي، وأمرنا بالصلاة والخير ثم قال: كنت وأنا ابن ثمان عشرة سنة أختم في كل يوم، وأحسبه قال وكل ليلة القرآن. قال الحارث ابن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا مني وامنعني منها بما منعت به صالحي عبادك. فكان في الورع والزهد شيئًا عجيبًا. قال غيره: ذكر أنه شهد عند بعض قضاة مصر فلم
стр. 430
يعرفه وطلب من يعدله لخموله وانقباضه. فخرج وهو يقول بل الله يزكي من يشاء. حتى عرف به، فلما عرف له، حكم بشهادة ويمين الطالب وكان عراقيًا لا يرى ذلك ولكنه فعل لفضل ابن القاسم. وقيل بل شهد عند
بعض القضاة، فقال القاضي: الاسم عدل ولا أعرف العين. فجئني بمن يعنيها، إذ كان لا يداخل القضاة. قال: وإنما كان مشتغلًا بالعبادة والعفاف. قال سحنون: وكان مالك معلم ابن القاسم في العلم، وكان معلمه في العبادة سليمان بن القاسم. وقال ابن القاسم فيهما: رجلان أقتدي بهما في ديني، سليمان في الورع، ومالك في العلم. وذكر أن بعض سياسي مصر أراد أن يزوجه ابنته وينقد عنه ويتكلف مؤونته، فقال: حتى أشاور. فشاور عمه سليمان بن القاسم. فقال له: تحب أن يخدمك الخصيان وتلبس الخز وتركب الخيل ويراح عليك غدوة وعشية بالجفان؟ قال: لا. فقال له فلم تشغل نفسك بمال فلان! فترك ذلك. قال أسد: كان ابن القاسم يختم في كل يوم وليلة ختمتين فنزل لي حين جئته عن ختمة رغبة في إحياء العلم. وقال يحيى بن يحيى، وقيل له: بلغنا أنه ابن القاسم كان لا يأكل من حنطة مصر. فقال: كذبوا ما كان يأكل هو ومالك إلا منها. ولقيت ابن القاسم مقبلًا في سوق مصر ومعه حمال بطعام، فسألته، فقال: طعام اشتريته، فأدخلت يدي فيه لابصره، فغذا هو كثير الغلث فقلت له: فهل كان أطيب من هذا؟ فقال: لا ياابا محمد، إني رضيت باليسير، ما يكفيني في الدنيا، فاستجزيت به. قال يحيى ولو أراد ابن القاسم أن يحمله له كبراء أهل مصر على ظهورهم لفعلت.
стр. 431
ولكنه كان لا يفعل ذلك، ولا يشتهيه، من الورع. قال: وسمعت ابن القاسم يقول: ما كذبت منذ شددت على مئزري. يعني: الحلم.
قال يحيى: وما كان أخلقه بذلك. قال يحيى: سمع رجلان من أهل الاندلس على ابن القاسم وكتبا عنه بما أفتاهما. قالا له: تشهد لنا رجلًا من أهل بلدنا بما سمعنا منك؟ فأنكر ذلك وقال: لا خير في قوم لا يصدقهم أهل بلدهم فيما ينقلون إليهم إلا بلبينة. قال يحيى: ولما قرأ أسد على ابن القاسم الأسدية وضع أشهب يده في مثلها، فخالفه في جلها، قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى
عنه: وهي المعروفة بمدونة أشهب، وبكتب أشهب. فقلت لابن القاسم: يا أبا عبد الله لو أعدت نظرك في هذه الكتب، فإن صاحبك قد خالفك فما لائمك عليه أقررته، وما خالفك فيه، أعدت النظر فيه، فقال: افعل إن شاء الله، فلما تقاضيته بعد أيام في ذلك فقال: يا أبا محمد نظرت في مقالتك، فوجدت إجابتي يوم أجبت، لله وحده، فرجوت أن أوفق، وإجابتي اليوم إنما تكون نقضًا على صاحبي، فأخاف أن أوفق، وإجابتي اليوم إنما تكون نقضًا على صاحبي، فأخاف أن لا أوافق في الأمر فتركته.
قال يحيى: وكان طول ما يقرأ عليه، رافعًا إصبعه مبتهلًا إلى اله تعالى في التوفيق والسلامة، قال: وتذاكرنا يومًا مع ابن القاسم هذا الأمر بكلنا، قال: لاورع أشد ما في هذا الدين. فقال ابن القاسم ما هو عندي كذا. فقلت له يا أبا عبد الله وكيف ذلك. فقال: أنا أمرنا ونهينا فمن فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه فذاك أورع الناس، فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد خف عليك ما ثقل على غيرك، فأي شيء وجدت من هذا
стр. 432
الأمر أثقل؟ فقال ما وجدت شيئًا أثقل علي من مكابدة أجزاء الليل.
وحكى يحيى بن عمر عن بعضهم قال: شهدت العيد مع عبد الرحمن بن القاسم فلما انصرفنا دخل ابن القاسم المسجد فصلى، ثم سجد فطول حتى خفت أن يفوتني الغداء مع أهلي، فدنوت منه فسمعته يقول: إلهي انقلب عبادك إلى ما أعدوه لهذا اليوم وانقلب عبد الرحمان إليك يرجو مغفرتك في هذا اليوم العظيم، فإن كنت فعلت فبخ بخ وإن كنت لم تفعل فيا ويلي ويا حسرتي، قال فجعلت على ثوبه علامة ثم سرت إلى أهلي، فتغديت معهم ووطئت وقمت ثم جئت المسجد فوجدته على هيأته كما تركته، قال يحيى: وخرج ابن القاسم إلى الحج، فلما كان بالأبواء، إذ أتته جارية كأحسن الجواري فناولها شيئًا، فقالت له ما أريد هذا، إنما
أريد منك ما يكون من الرجل إلى المرأة، فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، وأتاه أصحابه وهو كذلك فسألوه فأخبرهم، فجعلوا يبكون. فقال لهم لم تبكون؟ قالوا لأنا لو ابتلينا بما ابتليت به لم نأمن من الفتنة. فرأى ابن القاسم في المنام يوسف ﵇، فقال له: لقد كان في شأنك مع امرأة العزيز عجب فقال له يوسف شأنك مع صاحبة الأبواء أعجب إني هممت وأنت لم تهم، ومن كتاب الفقيه أبي مروان بن مالك القرطبي: قال ابن القاسم: خرجت إلى الإسكندرية ومعي وديعة فأرسينا في موضع مخوف فآثرت السهر لحفظ الوديعة، فإذ في شط البحر رجل أبيض على برذون أشهب فشق البحر إليّ حتى وقف على السفينة فقال لي: نم يا ابن القاسم فنحن نحرسها، قال ابن القاسم للحارث: لا نخبر به أحدًا في حياتي. وفي رواية أخرى إن الوديعة كانت عشرة آلاف، وأن الفارس قال له أن ربي أرسلني إليك
стр. 433
أحرس لك هذه الأمانة فنم آمنًا، فكنت إذا استيقظت نظرت إليه يجول حوالينا. كان دأبه ذلك ثلاثة ليال حتى مضى من مصر إلى الإسكندرية وقال يحيى بن يحيى: خرج ابن القاسم إلى بعض صحارى مصر فعطش، وكان بعض ملوكها خرج متنزهًا فبينما هو يسير إذ وقفت دوابه فلن تنطلق، فضربت فلم تنهض. فقال لمن معه، هذا الأمر فانظروا، فنظروا. فقالوا: هذا شخص. فقال: سلوه، فسألوه. فقال: عطشت. فسقوه. فانطلقت الدواب.
قال عيسى بن دينار: وكنت بالإسكندرية مع ابن القاسم في الرباط ومعه رجل كان يألفه، فينما نحن في السفينة ليلة سبع وعشرين من رمضان، إذ قال رجل من أهل السفينة أخبرك بشيء عظيم رأيت في نومي ساعتي هذه. فأخبره، فقال لصاحبه: إن كان ما قال حقًا فهي ليلة القدر. وذكر أن علامة ذلك عذوبة ماء البحر، ومالا إلى صدر السفينة، فرأيتهما يشربان ثم استقبلا القبلة، فقمت فأتيت الموضع الذي آتياه فشربت فوجدته عذبًا. قال الحارث: كان ابن القاسم لا يقبل جوائز السلطان،
وكان يقول: ليس في قرب الولاة ولا في الدنو منهم خير. وكان أولًا يأتيهم، ثم ترك ذلك. قال ابن وضاح، كان ابن القاسم لا يجالسه إلا واحد، أو اثنان. ولم يكن فيه منفعة للناس، ولا لأبويه ولا ابنيه ولا نفسه في شيء من أمور الدنيا إلا بالعلم. وكان أشهب وابن وهب يقعدان في جماعة. وتنقضي عندهما الحوائج، وينفعان الناس. قال سحنون: كثيرًا ما كنت اسمعه يقول إياك ورقّ الأحرار. فيسأل فيقول كثرة الإخوان. ولم يكن
стр. 434
يشهد جنازة لأحد، ولا يخرج من المسجد. وذكر حديث سليمان بن القاسم لا تحمل لغيرك ما لا تحمله لنفسك على نفسك. قال، وكان سبب موت ابن القاسم أنه اغتسل بماء بارد، بمدين ولم يرد أن يسخن له منها، لأنها كانت غصبًا لبعض بني أمية. قال سحنون، قمت يومًا في المسجد الحرام أشرب ماء، فقال ابن القاسم من أين تشرب؟ قلت، أليس في الفيء قدر أشرب به ماء. قال وأي فيء بمكة.
إنما هي صدقات. قال سحنون، أشترى عبد الصمد الأطرابلسي لابن القاسم جارية ثم أخرى، لم يتخذ غيرهما حتى ماتتا، لما ماتت الأولى أرسل إليه يشتري له جارية صقلبية كما تقول. فاشتراها له وبعثها له، وهي أم ابنيه. وسيأتي ذكرهما بعد هذا. وكان عبد الصمد هذا نم العباد، لزم المحرص باطرابلس، قال ابن وضاح وإنما قصد للصقالبة لأنهم لا عهد لهم، قال، وحكى أبو محمد بن أبي زيد ابن القاسم كان يتصدق بنصف قوته، يعمله كعكًا صغيرًا فإذا وقف به السائل أعطاه كعكة صغيرة، كما عملت. وأنه باع نصف قوته سنة فاشترى به تمرًا يعطي السائل تمرة. قال أبو محمد: كأنه رأى أن هذا أقل للمتكلف وأزكى في القدر لإشفاقه من رد السائل بغير شيء وهذا بقدر النية. وقال ابن وهب حين مات ابن القاسم: كان أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة. ما رحت رواحًا ولا غدوت غدوًا قط إلى هذا المسجد إلا وجدته سبقني إليه. وحكى عن أبن
القاسم أنه كان يقرأ عليه الموطأ إذ قام قيامًا طولًا، ثم جلس. فقيل له في ذلك فقال: نزلت أمي تسأل حاجة، فقامت وقمت لقيامها، فلما صعدت جلست. قال: فسرَّت. قال سحنون: لما حججت كنت أزامل عبد الله بن وهب، وكان معنا أشهب
стр. 435
وابن القاسم، فكنت إذا نزلت ذهبت إلى عبد الرحمان أسائله إلى وقت الرحيل، فقال لي ابن وهب وأشهب لو كلمت صاحبك ليلة واحدة يفطر عندنا. فكلمته. فقال إن ذلك يقل علي. فقلت له فيم يعلم القوم مكاني بك. فأجابني. فانتهيت إليهم فأعلمتهم، فلما كان وقت التعريس قام وقمت معه إلى القوم، فوجدت أشهب قد مدّ أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب دونك ذلك. فسلم ابن القاسم وقعد ثم أدار عينيه فإذا بسكرجة فيها دقة، فأخذها بيدها بيده فحرك الأبزاز إلى ناحية ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن اصل ملح مصر طيب. ثم قام وقال بارك الله لكم. قال سحنون: فاستحيت أن أقوم. فتكلم أشهب وعظم الأمر. فقال ابن وهب: دعه. قال أبو الفضل مولى نجم: كان ابن القاسم يأكل في الشهر عشرين مدًا من دقيق بمد النبي ﷺ ، وكان فقيهًا عابدًا. قال غيره: لأنه كان رد قوته إلى ثلث مد من شعير في اليوم. وذكر أن رجلًا من أهل العلم والخير قدم من العراق وأراد الاجتماع به فأتاه رجل في ذلك فوعده وقتًا لذلك، فلما استنجزه قال ابن القاسم: إني نظرت في ذلك فرأيت أنه يدخله المباهاة يتزين لي وأتزين له. دعني من ذلك وكان المصريون يقولون للكوفيين: اذكروا أخلاق سفيان، وتذكروا أخلاق ابن القاسم وأشهب حتى أفسدوا ما بينهما، وحلف أشهب بالمشي إلى مكة أن لا يكلم ابن القاسم، فندم، وأراد أن يمشي، فلما سمع بذلك ابن القاسم قال: هو يحنّث نفسه ويمشي، وأمشي معه. فمشيا جميعًا وحجا وعيسى بن دينار معهما. قال يحيى: سمعت ابن القاسم يدعو على رجلين من أهل
стр. 436
الأندلس، ادخلا بينه وبين أشهب. فسمعته يقول اللهم أعنهما بسعيهما ولا تنفعهما
بحملهما. فما ماتا حتى عرف ذلك فيهما. وقيل بل كان ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة. وحلف كل واحد منهما على نفي قول الآخر، فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكًا قال القولين جميعًا قضاء لليمين التي حنثا فيها.
ذكر وفاته
قال ابن سحنون وغيره: كانت وفاة ابن القاسم بمصر ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة إحدى وتسعين ومائة. بعد قدومه من مكة بثلاثة أيام. وقيل ستة. وقد ذكرنا سبب ذلك، ومرض ستة أيام وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقيل توفي سنة اثنتين وتسعين وهو ابن ستين سنة. قال الكندي والشيرازي: مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقال أبو الطاهر وابن بكير، وقال أبو عمر بن عبد البر وابن حارث مولده سنة ثمان وعشرين ومائة. وترك ابنين يأتي ذكرهما. وذكر الكندي عمر بن القاسم أخا عبد الرحمان بن القاسم. قال: كان مقبولًا عند القضاة. وكان فاضلًا. قال الأمير أبو نصر: كانت فيه غفلة. ورئي ابن القاسم بعد موته فسئل فأخبر بما لقيه من الخير، فقيل له بماذا قال بركعات ركعتها بالإسكندرية. فقيل بالمسائل. فقال لا وأشار بيده، أي وجدناها هباءً. قال علي ابن معبد: رأيته في النوم فقلت له: كيف وجدت المسائل قال أف أف. قلت له: فما أحسن ما وجدت قال الرباط بالإسكندرية. قال عبد الله بن عبد الحكم: بينا أنا أفكر في وحشة القبر إلى أن قيل لي أما في ابن القاسم
стр. 437
أسوة. قال عبد بن الحكم: كنت أرى في النوم كأني أموت فاجزع من الموت فيشتد شدة شديدة ويقال لي: أنا ترضى أن تكون رفيقًا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. ومع عبد الرحمان ابن القاسم.
أبو عمرو أشهب
هو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي المعافري الجعدي. من ولد جعدة بن كلاب بن ربيعة ابن عامر. اسمه مسكين. وأشهب لقب. وكنيته أبو عمرو زوى عن مالك والليث والفضيل بن عياض، وسليمان بن بلال وابن لهيعة، ويحيى بن أيوب وبكر بن مضر والدراوردي، والمنذر ابن عبد الله الحزامي. وروى عنه الحارث ابن مسكين ويونس الصدفي وبنو عبد الحكم، وأبو الطاهر وسعيد بن حسان وسحنون بن سعيد، فيما لا ينعد كثرة، وجماعة. قال الشيرازي: تفقه بمالك والمدنيين والمصريين. قال أبو عمر المقريء: وقرأ على نافع. قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم.
فقال لي: أنا مشغول بنفسي، وجعلت الأخرة أمامي، ولكن، عليك بابن وهب فأتيته. فقال إنما أنا صاحب آثار، ولكن ايت أشهب. قال أبو عمر
стр. 438
الحافظ كان أشهب فقيهًا نبيًا. حسن النظر من المالكيين المحققين. وكان كاتب خراج مصر، وكان ثقة فيما روى عن مالك. وصنف كتابًا في الفقه رواه عنه سعيد بن حسان وغيره، قال أبو عمر الكندي في كتاب قضاة مصر: كان أشهب على مسائل القاضي العمري بمصر، قال محمد بن الحكم: أشهب. أفقه من ابن القاسم مائة مرّة. قال ابن لبابة: ليس هذا عندنا، كما قال. وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه. قال ابن لبابة: ليس هذا من عندنا، كما قال. وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه. أبو عمر: كلاهما معلمه وشيخه وهو أعلم بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: لم يسمع محمد بن عبد الحكم من ابن القاسم. وستأتي الحجة على هذا، ولا أدري من أين أتى على أبي عمر في هذا مع تقدمه في هذا الباب. وسئل سحنون عنهما أيهما أفقه، فقال: كانا كفرسي رهان، ربما وفق هذا وخذل هذا ووفق هذا، وقال سحنون: حدثني المتحري في سماعه. وقال رحم الله أشهب، ما كان أصدقه
وأخونه لله تعالى، ما كان يزيد حرفًا واحدًا، ولقد قال له ابن عبد الحكم يومًا لو أمسكت قليلًا. قال لقد علمت الذي تقول. ولو فعلت ذلك لكنت أن أجّلّ في عيون الناس، ولقطعت بعض كلا مهم، ولكن والله لا أعمل شيئًا أبدًا إلا أريد به الله. وكان سحنون يعطي لأشهب الورع في سماعه، ولم يسمعه منه، إنما سمعه من ابن نافع. قال ابن الوضاح: وسماع أشهب أقرب، أشبه من سماع ابن القاسم. وعدد كتب سماعه عشرون كتابًا. قال ابن وضاح: ولما سمعناه أنا وابن حميد من محمد بن عبد الحكم قال لنا: ابن السكري - وكان يجالس محمد بن عبد الحكم ويسمع قراءتنا - أحبّ أن تعيداه لي. فقلنا له: وقد سمعته؟
стр. 439
قال لم ألو سماعه عن السكري. قال ﵊: إنما الأعمال بالنيات. وسمعته جيّد المسائل حسنًا جدًا. ولو أردت أن أخرج على كل مسألة منه حديثًا لفعلته. قال سحنون: ما كان أحد يناظر أشهب، إلا اضطره بالحجة حتى يرجع إلى قوله. ولقد كان يأتينا في حلقة ابن القاسم فيتكلم في أصول العلم، ويفسّر ويحتج، وابن القاسم ساكت ما يرد عليه حرفًا. وكان أشهب مهيبًا. وكان أزرق العينين فإذا كلمه إنسان في مسألة يرفع عينيه إليه إذا، تعذرت المسألة. وكان يلبس قلنسوة سوداء. وكان آمرهم بمعروف أنهاهم عن منكر. قال: ثم سمعه من محمد بن عبد الحكم واعتقده. وكان الشافعي وأشهب يتصاحبان بمصر ويتذاكران الفقه. وكان ما بينهما متقاربًا. وذكره أبو عمر مع عبد الله بن عبد الحكم فيمن أخذ الشافعي من كبار أصحاب الشافعي، وإنما كانا - يريد الشافعي وأشهب - متناظرين. وألف أشهب كتبه المدونة رواها عنه سعيد بن حسان وغيره، وهو كتاب جليل كبير كثير العلم. قال ابن الحارث: لما كملت الأسدية أخذها أشهب، وأقامها لنفسها، واحتج لبعضها. فجاء كتابًا شريفًا. فبلغني أنه لما وجد كتابًا تامًا فبنى عليه. فأرسل إليه أشهب: أنت إنما غرفت من عين واحدة، وأنا من عيون كثيرة. فأجابه ابن القاسم: عيونك
كدرة وعيني أنا صافية. وله كتاب اختلاف في القسامة. وله كتاب في فضائل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
стр. 440
ذكر شيء من فضائله - وجوده وأخباره
قال سحنون: كتب أشهب إلى رجل كان يقع فيه: أما بعد، فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم إني أرتع في حسناتك كما ترعى الشاة الخضر. السلام. وجلس أشهب يومًا بمكة إلى ابن القاسم فسأله رجل عن مسألة، فتكلم فيها عبد الرحمان فصعّر له أشهب وجهه، وقال ليس هو كذلك. ثم أخذ يفسرها ويحتج فيها. فقال ابن القاسم: الشيخ يقوله، عفاك الله. يعني مالكًا. فقال أشهب: لو قاله ستين مرة. فلم يرادّه بن القاسم. قال أشهب: أتيت الفضيل أستشيره في إتيان الوالي وكيف أتيته فليس أحد يأتيه أقوم بأمره ونهيه مني، وربما قيل وانتفع بذلك المسلمون، فقال لي أنت رجل تسألني عن خاصة نفسك لأنك لا تأتيهم ولا تودهم ولا تود من يودهم. ولا تود من يودّ من يودّهم. قال ابن وضاح: كان أشهب يقول: إنما الورع في المشتبهات وأما الكبائر فكل أحد يتقيها. قال أشهب أمرني أبي أن أتخذ سقاية بموضع سمّاه فبنيتها مرات ويهدمها جيران حسدوني فيها. فأدركني يومًا غمّ ذلك، فقعدت عندها باكيًا مفكرًا، فسمعت صوتًا من الصحراء يقول: ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة الآية، فحرّكت دوابي نحو الصوت فلم أر أحدًا.
فعدت إلى موضعي فسمعت الصوت فقمت فلم أر أحدًا. فعدت للقعود فعاد الصوت ثالثة، فعلمت أني المراد فحمدت الله. وقامت
стр. 441
لي نية في طلب العلم وبنيتها ووكّلت من يحرسها، بأجرة. فلم يعد أحد إلى خرابها. وقد حكيت مثل هذه الحكاية لليث بن سعد حين بنى داره والله أعلم. وقال ما مرت بي إلا أعوام يسيرة حتى أحتاج أولئك وغيرهم من أهل بلدي إليّ. قال ابن أبي مريم: شيعنا أشهب إلى
الرباط ما يملك نصف درهم، فما مات حتى كان ينفق كل يوم على مائدته عشرة مثاقيل. وكان فتح عليه في الدنيا. وقال سحنون: كانت بمصر مجاعة فحضرته يتصدق بالدنانير من الغدوة إلى الليل. ويتصدق بما كان معه من طعام. وذكر عنه سحنون، أنه رآه يتصدق في يوم واحد بألف دينار. وذكر ابن الجزار في كتاب التعريف: أن ابن القاسم ترك كلام أشهب لأنه تقبل خراج مصر. فسأل رجل ابن القاسم عن فيالة أرض مصر، فقال له: لا تجوز. فقال له: فأشهب يتقبلها. فقال له ابن القاسم: افعل أنت ما يفعل أشهب. وتقبل الجامع. وذكر أن رجلًا سأل أشهب عن الحرث في أرض مصر. فقال لا تجوز. فقال له أنت تحرث فيها. فقال له: فأحمل لنفسي ولك أيضًا. وسأل عنها ابن وهب فنهاه. فقال له: فأشهب يفعله. فقال أعطنا آخر كأشهب. يكفل ايتامنا، ويرق لضعفائنا، ونبيح لك أن تحدث في مسجدنا. قال سحنون: كان يتصدق بأضعاف كرائها. قال سحنون: حضرنا أشهب يوم عرفة بجامع مصر، وكان من حالهم إقامتهم بمسجدهم إلى غروب الشمس، يعني للذكر والدعاء كما يفعل أهل عرفة بها، وكان يصلي جالسًا يعني النافلة. وفي جانبه صرة يعطي منها السوّال، فنظرت فإذا بيد سائل دينار، مما أعطاه، فذكرته له، فقال لي وما كنا نعطي من أول النهار، وذكر يونس قال: زعم أشهب أنه سمع سليمان
стр. 442
السائح في مساجد الصحراء يقول: يا رب عبدك سليمان جائع، لم يأكل منذ ثلاث ليال. فلما فرغ سمعته يمضغ فكرهت أن أدخل عليه فأحشمه، وكان للمسجد بابان فخرج من القبلي ودخلنا من آخر. فإذا بأنواء تمر وتمرة منتبذة فأكلتها، فأقمت معصوبًا عشرة أيام لا آكل ولا أشرب. قال سحنون: اجتاز أشهب بابن القاسم يومًا وعلى أشهب ثياب تتقعقع، وتحته بغلة هملاج، فقال ابن القاسم: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون. ثم سكت ساعة وقال بلى: يا رب نصبر ونصبر. وقد نمت هذه الحكاية وهذا الكلام للمزني، وقد
مرّ به بنو عبد الحكم في موكبهم بمصر أيضًا والله أعلم. وذكر أن رجلًا من أهل العراق لقي أشهب فقال له العراقي: أنتم تحلون إتيان النساء في أدبارهن، فقال أشهب: أنتم تحرمونه ولكن تعال أحلف لي ما فعلته، واحلف لي أنت بمثله، فلم يفعل العراقي.
وذكر أن أشهب بينما هو في أصحابه إذ سمع إنسانًا ينذر بلص، فقام وأخذ سلاحه وخرج يتبعه، فقيل له في ذلك أن مثلك لا يليق به هذا؟ فقال: ما كنت لأتخلَّق بغير ما حبلني الله عليه.
ذكر مولده ووفاته
قال ابن عبد البر وأبو عمر المقريء: ولد أشهب سنة أربعين ومائة. وحكاه ابن حزم الصدفي عن أبي الطاهر، وحكى الشيرازي أنه ولد سنة خمسين ومائة، وتوفي بمصر سنة أربع ومائتين في رجب، وقيل لثالث وعشرين ليلة خلت من شعبان. قال الشيرازي: بعد الشافعي بشهر. وقال
стр. 443
ابن عبد البر: ثمانية عشر يومًا. وقيل بثلاثة وعشرين يومًا. وهذا هو المشهور من تاريخ وفاته. قال أبو علي البصري في كتاب المعرب: وقيل توفي سنة ثلاث ومائتين. قال محمد بن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت. فذكرت ذلك له فأنشد متمثلًا:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
فمات الشافعي واشترى أشهب من تركته غلامًا طباخًا، فمات بعده بثمانية عشر يومًا واشتريت أنا الغلام من تركة أشهب ونهيت عن شرائه. وقيل لي دعه فقد دفن العالمين في بضعة عشر يومًا فاشتريته وتركت التطيّر. وحكى الربيع بن سلمان، قال: سمعنا أشهب يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك. فبلغ ذلك الشافعي، فأنشأ يقول، البيتين. قال محمد بن حفص المعافزي:
مرض أشهب فرأيته في المنام أن قائلًا يقول لي يا محمد فأجبته، فقال:
ذهب الذين يقال عند فراقهم … ليت البلاد بأهلها تتصدع
فقلت لامرأتي ما أخوفني أن يموت أشهب. فخرجت فإذا هو قد مات. وقال آخر نمت في القائلة فرأيت هاتفًا يقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيًا … فقد أوشكوا هلكًا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملّها من كان يقلقه الوعد
فخرجت إلى المسجد، فنعي إلي أشهب رحمه الله تعالى. قال يونس: دخلت على أشهب في مرضه الذي مات فيه فقال لي: يا يونس. قلت لبيك. قال: انظر ما ها هنا وأشار إلى كتبه، فإذا جمعت من الحجج على هذا البدن الضعيف ما أستريح. أن آخذ المصحف فأضعه على صدري. قال وكانت كتبه في زنبيل بجلد كبير.
стр. 444
سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم
أبو عثمان الأنصاري المصري، سمع من مالك الموطأ وغير شيء، وصحبه. وغلب عليه علم الحديث، وعلم الخبر، وكان علامة بأخبار الناس، وله تاريخ. وسمع الليث بن سعد وابن لهيعة ويعقوب بن إبراهيم وابن وهب. وكان آخر مشائخ مصر في وقته. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو صدوق، وليس بالثبت. كان يقرأ في كتب الناس. روى عنه البخاري ومسلم ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وخرج عنه البخاري ومسلم. ولما ورد المأمون مصر وحضر عنده أهلها، كان فيهم سعيد بن عفير، فقال المأمون: هذه مصر التي قال الله فيها ما قال. وأقبل يحقرها فقال له ابن عفير: يا أمير المؤمنين، هذه مصر وقد دمرها الله فما ظنك بها قبل التدمير؟ قال الله تعالى: ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه. فقال المأمون: من المتكلم؟ فقيل: سعيد بن عفير صاحب مالك. فقال يا سعيد ما تقول فيمن قال: عليّ المشي إلى مكة؟ قال: عليه المشي. فقال له
المأمون: لقد تيس مالك في هذه المسألة. فقال سعيد: أتيس من التيس، من سمع التيس. يريد أن أباه الرشيد، لما حلف بذلك أفتاه مالك بالمشي، فمشى. فوجم لها المأمون. فهم كذلك. إذ تشكى بعاملين فقال: يا سعيد ما تقول فيهما؟ فكيف تشهد عليهما؟ قال: كما شهدت أنك أمير المؤمنين قبل أن أراك. قال ابن عفير: سمعت في المنام قائلًا يقول أن الله لا يعبأ بصاحب رواية
стр. 445
ولا حكاية، وإنما يعبأ بصاحب قلب ودراية. مولده سنة سبع وأربعين ومائة. ومات سنة ست وعشرين ومائتين، وبقي العلم في بيته زمانًا طويلًا وكان لابن عفير ابنان عبد الله وأبو الحارث أسد. روى أبو الحارث عن أبيه، وابن وهب الشافعي، وتوفي في صفر ستين ومائتين وإبراهيم بن عبد الله ابن ابنه أبو إسحاق يعرف بالصيّوفي حدث أيضًا. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين. والحسين بن زيد بن أسد بن سعيد، أبو عبد الله، ويقال أبو علي. توفي في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
أبو عمر إدريس بن يحيى
مولى بني أمية يعرف بالخولاني. من أصحاب مالك توفي في أول سنة إحدى عشرة ومائتين وغلبت عليه العبادة.
المفضل بن فضالة
هو المفضل بن فضالة بن عبيد، أبو معاوية الحميدي القتباني، وقتبان بقاف مكسورة وتاء باثنين من فوق وباء واحدة في أسفل، قبيلة من رعين، إليها ينسب المفضل. يروي عن ابن عجلان ويونس بن يزيد وعقيل بن خالد. قال أبو عبد الله الجيزي في كتابه في قضاة مصر: كان المفضل أحد أهل الفضل وخيار الناس. قال ابن شاهين: هو رجل صدق روى عنه ابنه فضالة، وقتيبة بن سعيد وحسان الواسطي وابن بكير، وحجاج ويونس بن محمد وأخرج عنه البخاري
ومسلم في صحيحيهما. وقال أبو حاتم: هو صدوق.
стр. 446
وقال يحيى بن معين ليس بذلك. قال أبو زرعة يكتب حديثه. وله أخ اسمه عبد الله بن فضالة. قال ابن يونس لا أعلم له رواية. قال محمد بن سعد: ولي القضاء وكان محمودًا منكر الحديث.
سيرته وأخباره
ولي المفضل قضاء مصر مرتين: إحداهما في سنة وثمان وستين ومائة، وصرف سنة تسع ثم رجع إلى القضاء عند عزل أبي الطاهر الحزمي، وكان عزله سنة أربع وسبعين، وبقي المفضل قاضيًا إلى صدر سنة تسع وسبعين. قال الجيزي: وهو أول القضاة بمصر، طول الليث. وكان إذا أشكل عليه القضاء في شيء كتب به إلى مالك حتى يأتيه جوابه، فيعمل به. قال غيره: كان يفتي بقول مالك. قال ابن شاهين كان إذا جاءه رجل قد انكسرت يده أو رجله، جبرها. وكان يصنع الأرحية. ذكر أبو الحسن ابن ضمضم قال، بلغني أن المفضل بن فضالة بلغه هذا الدعاء، فقال يا ذا الجلال والإكرام بحرمة نور وجهك الكريم أسألك صحة بصري وطول عمري في حسن عمل ورزقًا واسعًا لا منَّة لأحد عليَّ فيه. فأعطي الثلاث. وذكر الجيزي عنه قال: كتبت إلى مالك في حبس ابن أبي مدرك، ونسخته حرفًا بحرف وأعلمته أن الذين طلبوه وأحازوه ولد البنين، واحتجوا بأن جبير بن نعيم القاضي كتب لهم إجازة للأخير فالآخر منهم. وأن القضاة إجازته ولن يقتضوا فيه للنساء البنين ولا غيرهم بميراث، واحتج غيرهم بأن المحبس لم يذكر في حبسه كونه الآخر، ولمن يصرفه بعد انقراض البنين
стр. 447
إلى شيء من وجوه الأحباس في سبيل الله، فكتب إليّ: نظرت في حبس ابن أبي مدرك وفيما احتج به من أراد رده ميراثًا، فوجدت في كتاب ابن أبي مدرك الذي جاء به بنوه، وأقروا به وأنفذوه: إن كل دار هي له حبس على بنيه، وثلت فضل خراجها بعد سكن بنيه
في سبيل الله. وذكر في الطاحونة مثل ذلك. وذكر ابن الجراح صاحب كتاب الورقة: أن اسحاق بن معاذ الشاعر كان يخاصم عند الفاضل بمصر، فأتاه يومًا وكان قد هجاه ببيتين وهما:
خف الله واسمع واتئد أي مفضل … فإنك عن فضل القضاء ستسأل
وقد قال أقوام عجيب لقولهم … أقاض له شعر طويل مرجل
وكان كتبها وجعلها في كمه مع ظلامته، وحضر عنده فأدخل يده ليخرج للقاضي رقعة الظلامة فأخرج له رقعة الهجاء، فلما قرأها ردها إليه وقال: اللهم غفرًا، ليست هذه يرحمك الله. توفي المفضل سنة إحدى وثمانين ومائة.
فتيان بن أبي السمح
وضبطه بفاء مكسورة بهدها تاء باثنين من فوقه ساكنه، وياء باثنتين من أسفل، مفتوحة وألف ونون، مولى تجيب تقدم نسبه. قال أبو الحسن الدارقطني وغيره: هو أبو الخيار مصري، يروي عن مالك. وكان من كبراء أصحابه المتعصبين لمذهبه، وقال أبو حارث في كنيته: أبو السمح. قال أبو عمر الكندي: في كتاب أعيان موالي مصر: ومنهم أبو الخيار فتيان بن أبي السمح، واسمه عبد الله بن السمح بن أسامة بن زكي. مولى بني عامر ابن عدي من تجيب. وكان فقيهًا من أصحاب مالك. وكنى ابن وضاح أبا السمحاء. وفد تقدم ذكر أبيه في الطبقة الأولى، كان أيضًا من أصحاب
стр. 448
مالك. قال ابن وهب: كان يشتري لمالك حوائجه وكان له منه عشر مسائل فيجيبه، فقدم على مالك فسأله عن مسائله فأجابه. ثم زاد فأجابه ثم قال مالك: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض. . الآية. قال غيره: كان فتيان يخدم ابن القاسم. قال أبو عمر: كان فيما حكي أنه شغب في المناظرة وكانت بينه وبين الشافعي مناظرة. في بيع الحر في الدين. فكان الشافعي يقول يباع وفتيان يقول: لا يباع. فقال فتيان له أن ثبتّ على هذا فهل بك كيت
وكيت. وذكر عن محمد بن عبد الحكم أن فتيان كلم الشافعي في مناظرة وكانت في عجلة. فخاطب الشافعي لخطاب أغلظ فيه. ثم افترقا وبعث السري بن الحكم أمير مصر إلى الشافعي يستخبره عما بلغه من الأمر، فيقال أن الشافعي أخبره فضرب السري فتيانًا بالسّوط. قال محمد فرأيته والمنادي ينادي عليه: هذا جزاء من سب رسول الله ﷺ ، وفتيان يقول عائذًا بالله من ذلك. وقال ابن وزير حضرتهما جميعًا فتناظرا فيما لا يعجبني إعادته. ثم جرى بينهما الكلام إلى أن ذكر الأئمة. فقال فتيان: حدثني مالك أن الإمام لا يكون إمامًا أبدًا إلا على شرط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه قال: وليتكم ولست بخيركم. ألا وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه. ألا وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني. فاحتج الشافعي بأشياء لا أذكرها أبدًا. فبلغ ذلك السري، فضرب فتيانًا فوثب أهل المسجد بالشافعي، فدخل منزله فلم يخرج منه إلى أن مات. وقال الطحاوي: وكان أبو زيد ممن حضر مناظرتهما وكانت بينه وبين فتيان منازعة في صدقة البقر. فكان فتيان يقول هي كصدقة الإبل. ويحتج في ذلك بأشياء حتى تواثبا. فكان أبو زيد ممن دخل
стр. 449
إلى السري مع الشافعي، فيقال أنه شهد عليه وسمع فتيان يقول: الله بيني وبين الشافعي، أولًا. أحلل الشافعي. قال الدارقطني: أتهم الشافعي في أمر فتيان، فسئل عن ذلك فقال: والله ما ذكرته قط للسلطان. ولقد سمعت منه ما لو شهدت به عليه لحل دمع. قال غيره: ولعصبيته لمالك وإفراطه فيها، نشأت العداوة بين المالكيين والشافعيين. بمصر، فثاروا بالشافعي وأرادوا نفيه فضرب الأمير أجلًا فمات فيه. قال الكندي: وتوفي سنة خمس ومائتين، وولد سنة خمسين ومائة. قال ابن حارث ولد سنة خمس وعشرين ومائة: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
اسحاق بن الفرات بن الجعد بن سليم
أبو نعيم مولى معاوية بن حديج الكندي، قاضي مصر. قال ابن وضاح: كان من أكابر أصحاب مالك، ولقى أبا يوسف وأخذ عنه. قال الكندي: كان فقيهًا. قال الشافعي: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف الناس من اسحاق ابن الفرات. وقال إبراهيم بن علية: ما رأيت ببلدكم أحدًا يحسن العلم إلا اسحاق بن الفرات. ولي القضاء بمصر سنة أربع وثمانين ومائة فكان شديدًا رفيقًا. قال الشافعي: أشرت على بعض الولاة أن يولي اسحاق بن الفرات القضاء. وقلت له: إنه يتخيّر وهو عالم باختلاف من مضى. قال أحمد بن سعيد الهمداني. قرأ علينا اسحاق بن الفرات موطأ مالك من حفظه، فما أسقط حرفًا فيما أعلم. وصرف عنها صدر سنة خمس وثمانين، وهو أول من ولي مصر من الموالي. ذكر ذلك كله
стр. 450
أبو عمر الكندي، قال الكندي: وقال ابن أبي حاتم: اسحاق بن الفرات قاضي مصر يروي عن يحيى بن أيوب ومعاذ بن محمد الأنصاري. روى عنه محمد بن عبد الحكم ويحيى بن نصر وعيسى بن أحمد العسقلاني. قال أبو حاتم ليس بمشهور. قال العقيلي: لا بأس به. وقال الكوفي: هو ثقة. قال الكندي: وتوفي سنة خمس ويقال أربع ومائتين وولد سنة خمس وثلاثين ومائة.
سليمان بن برد بن نجيح التجيبي مولاهم
أبو الربيع. روى عن مالك الموطأ والفقه وغير ذلك. قال بن حبيب: كان سليمان بن برد من فقهاء مصر، وعده من طبقاته. قال محمد بن عبد الحكم: الموطأ الذي سمع ابن برد أصح موطأ. وذكره أبو عمر الكندي في كتاب القضاة، وكتاب الموالي، فقال: كان مقبولًا عند قضاة مصر. فقال: ولم ير في عصر ابن برد أعلم منه بالقضاء وآلته. وكان القائم بأمر عيسى ابن المنكدر أيام قضائه بمصر،
لم يضطرب أمر ابن المنكدر حتى مات ابن برد، وولي عبد الله بن عبد الحكم مسائل ابن المكندر، وقال مقداد بن داود: ما رأيت أحدًا أعلم بالقضاء ورتبته من سليمان، وتوفي سنة عشر ومائتين. وقيل اثنتي عشرة ومائتين وأورث العلم عقبه بمصر. فلم يزل منهم مقدم للمالكية في كل طبقة على ما يأتي ذكره. وذكر ابن أبي دليم وغيره من رواة مالك بن سليمان بن برد في الإسكندرانيين. وذكر أبا الربيع بن سليمان بن برد في المصريين ولم يذكر غيره وهو وهم والله أعلم.
стр. 451
يوسف بن عمرو بن يزيد بن يوسف بن خرخسن الفارسي
كذا قيده أبو نصر الحافظ بخاءين معجمتين بينهما راء ساكنة وبعدها سين مهملة ونون ساكنين وقال ابن أبي دليم: خرخسرو، وجعل مكان النون راء مضمومة بعدها واو. كذلك قاله الكندي. وكنيته أبو يزيد، سمع من مالك وسمع ابن وهب وغيره من أصحابه. وكان من فضلاء أصحاب مالك ذا زهد وفضل. قال غيره وسنّه قريب من سنّ هؤلاء، وفي طبقتهم. ذكره ابن حبيب، روى عنه ابن عبد الحكم قال سعيد الأدم: هو ثقة صالح. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا أحد أوصياء الشافعي، وكان مصابًا بعينه، وكانت لحيته قد ملأت صدره. قال الحارث ابن مسكين: كان يوسف لا يقبل جوائز السلطان، وكان عليه دين، ولقد مات فما بلغ ما ترك وفاء دينه، قال يوسف: صحبت مالكًا ونحن شباب نتعاطى النحو، فما أنكرنا لسانه. قال الحارث: كان أشهب أو يوسف بن عمرو، أكثر ظني أنه يوسف، شك الرواي عنه. قد جعل على نفسه إن أتى أحدًا من الولاة صدقة خمسين دينارًا وكأنه يأتيهم. ثم ترك ذلك. وسئل محمد بن عبد الحكم عن القراءة بالألحان فقال: مالك يكرهه. ولكن كان أبي ويوسف بن عمر، وغيرهما في بينت
الشافعي، فقال له بعضهم: اقرأ الراهب. أو نحو هذا. فاستبشع أبي تلك الكلمة. وقال يوسف: تعالى فاقرأ: يوم يجمع الله الرّسل. حكاية الرهبان. قال محمد: أحضر لهيعة القاضي أصحابنا للمشاورة فيهم أبي ويوسف بن عمر، فقال يوسف لا
стр. 452
تحضرنا، إن كان فلان يحضر بمجلسك فليس هو من يرضى. قال أبو الربيع الرشيدي: كان يوسف بن عمر يقول ليحيى بن بكير اذهب بنا إلى رشدين ابن سعد، لعل قلوبنا ترقّ، فيأتونه وبيته بيت رجل صالح. قال أبو الربيع: وسمعت يوسف بن عمر يقول والله الذي لا إله إلا هو لا تصلح الدنيا لشيء مما خلق الله إلا للزهد فيها. قال محمد بن عبد الحكم: كان أبي والشافعي وابن بكير وجماعة من أصحابنا في منزل يوسف بن عمر، وفي صنع، غرس لهم. وكان ثم لهو ودف فما أنكره واحد منهم. قال يونس: مرض يوسف مرضًا شديدًا ثم نقه، فاشتهى رطبًا فأتاه به بعض أهله في السوق فأكله وغلبت عليه شهوته، وكأنه قبله لا يأكل شيئًا، حتى يبحث عن أصله، فلما فرغ من أكله نام فاستيقظ فازعًا وسأل الذي اشتراه له من أين هو؟ فقال: لا أدري. إلا أني اشتريته من السوق فوجه ليبحث عنه. فقيل له من رطب حلوان. قال يوسف رأيت في منامي كأني أقيء خنافس وكان والله أعلم في أرض حلوان شيء. وتوفي في صفر سنة خمسين ومائتين مولده سنة خمس ومائة وسيأتي ذكر ابنه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
سعيد بن هشام بن صالح المخزومي
بصري نزل الفيوم. قال الحارث بن مسكين: كان من أصحاب مالك. وكان قد تقدم. قال ابن شعبان أسند عن مالك حديث: لا تسبوا الدهر. روى عنه الحارث بن مسكين، وقال الحارث: قدم مصر قاض عمري كأنه
стр. 453
شعلة نار. وكان يجلس للناس من صلاة الغداة إلى الليل. وكان حسن الطريقة مستقيم الأمر، وكان ابن وهب وأشهب وجميع أهل العلم يحضرون مجلسه. فقال: أعينوني ودلوني على
قوم من أهل البلد استعين بهم، فمن يرضى؟ قال سعيد: فكتب إليَّ أن أخلفه بالفيوم، وأعينه. وكتب إلي أصحابي يسألونني ذلك ويخبرونني بصحة واستقامة أمره، فأشكل علي الأمر ولم أدر ما اصنع. فسمعت قائلًا لا أراه ويقول: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار. . الآية. فقلت لقد بيّن الله لي ووعظت، وعزمت على أن لا أدخل في شيء، وكتبت إلى أصحابنا أن كفيتموني وإلا انتقلت فكتب إلى بعضهم يعتذر.
سعيد بن الجهم بن قاسم
مولى الحارث بن داخر الأصبحي. ثم السحلولي أبو عثمان الجيزي. مسكنه الجيزة. ذكره أبو عمر الكندي: وكان فقيهًا من أصحاب مالك، وهو أحد أصفياء الشافعي، وقبل شهادته قضاة مصر. قال الأمير: هو مقبول القول لا نعلمه أسند إلاّ حديثًا واحدًا. ويروي عن ابن عفير، والربيع بن سليمان، روى عنه أبو الربيع الرشديني في كتاب عبد مصر المصريين والحارث بن مسكين. قال الكندي: لما اشتهر سعيد بن الجهم عند العمري، تصدق العمري واعتق فرجا بشهادته. وذكر أبو الربيع الرشديني في كتاب عباد مصر، المصريين. قال: كان يرجى بعد يوسف
стр. 454
ابن عمرو، وكان من أصحاب مالك. وقد رايته وجالسته. قال سعيد ابن الجهم: جمع أبو شريح عبد الله بن شريح، وعمر بن الحارث الصلاة في المسجد، يعني بمصر، فقال أبو شريح لعمرو بن الحارث: ما تقول في رجل ورث مالًا حلالًا فأراد أن يخرج من جميعه إلى الله زهدًا في الدنيا، ورغبة فيما عنده؟ قال: لا يفعل. فقال أبو شريح سبحان الله، لا يفعل، لا يزهد في الدنيا. فقال عمرو بن الحارث: ما أدب الله به نبيه أفضل من ذلك. قال الله تعالى، لنبيه ﷺ . ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك. . الآية. ولكن تقدم بعضًا وتمسك بعضًا. فقال أبو شريح ما أفقهك يا أبا أمية، أزهد في الدنيا، يا أبا أمية، فقال عمر وادعو
الله لي يا أبا شريح. توفي سنة تسع ومائتين.
أبو مسعود الماضي بن محمد بن مسعود
الغافقي: ويقال أبو يعقوب، ويقال أبو عبد الملك، وذكروه في الرواة عنه. وعده من القائلين بقوله من علماء مصر، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة.
أبو الحسن علي بن زياد الإسكندراني
من رواة مالك المشهورين، من أهل الخير والزهد. يعرف بالمحتسب. ولم يشتهر في الفقهاء من أصحابه، ولكن له رواية عن مالك في الحديث والمسائل. وهو روى عن مالك إنكار مسألة وطء النساء في أدبارهن. قال بعض رواة مالك: حضرت علي بن زياد يسأل مالكًا، فقال عندنا
стр. 455
يا أبا عبد الله قوم بمصر يحدثون عنك أنك تجيز وطء النساء في أدبارهن، فقال مالك: كذبوا عليّ عافاك الله. وقد ذكرنا في باب علي بن زياد التونسي في الطبقة قبل هذا. وذكرنا أخباره وفضائله.
ومن أهل أفريقية
أسد بن الفرات بن سنان
مولى بني سليم بن قيس. كنيته أبو عبد الله. قال أبو العرب في طبقاته: وأبو علي البصري في معربه، أنه من خراسان من نيسابور. قال بعضهم ولد بحرّان من ديار بكر. وقيل بل قدم أبوه وأمه حامل، وقد كان علم القرآن ببعض القرى، ثم اختلف إلى علي بن زياد بتونس، فلزمه وتعلم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق، فجمع من مالك ابن انس موطأه، وغيره. ثم ذهب إلى العراق فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو، وكتب عن يحيى ابن أبي زائدة وهشيم، والحسيب وأبي شريك، وأبي بكر بن عياش وغيرهم. وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك. وذكر يحيى بن اسحاق أنه قال: أخذه عني محمد بن الحسن، ولا أدري
كيف هذا، محمد قد سمع الموطأ من مالك، وسمع عليه حديثًا كثيرًا. قال محمد: أقمت عند مالك ثلاث سنين، ولا سمعت منه لفظًا أكثر من سبعمائة حديث. قال أسد: رأت أمي كأنَّ حشيشًا نبيت على ظهري، ترعاه البهائم فعبر لها بأنه علم يحمل عني والله تعالى أعلم.
стр. 456
ذكر أخباره في رحلته
قال أسد: لما خرجت من المشرق وأتيت المدينة فقدمت مالكًا وكان إذا أصبح خرج آذنه، فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس فكنت أدخل معهم. فرأى مالك رغبتي في العلم، فقال لآذنه: ادخل القروي مع المصريين. فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له: إن لي صاحبين وقد استوحشت أن أدخل قبلهما فأمر بإدخالهما معي. وكان ابن القاسم وغيره يحملني أن اسأل مالكًا، فإذا أجابني قالوا لي قل له فإن كان كذا وكذا، فضاق علي يومًا وقال هذه سلسلة بنت سلسلة. إن كان كذا كان كذا. إن أردت فعليك بالعراق. فلما ودعته حين خروجي إلى العراق، دخلت عليه وصاحبان لي، وهما حارث التميمي وغالب صهر أسد. فقلنا له: أوصنا. فقال لي أوصيك بتقوى الله العظيم والقرآن ومناصحة هذه الأمة خيرًا. فراسة من مالك فيه. فولي أسد بعدها القضاء. وقال لصاحبي أوصيكما بتقوى الله والقرآن ونشر هذا العلم. قال سليمان بن خالد: لما سمع أسد الموطأ عن مالك قال له: زدني سماعًا. قال حسبك ما للناس. وكان مالك إذا تكلم بمسألة كتبها أصحابه فرأى أسد أمرًا يطول فرحل إلى العراق، وقال: فلما أتيت الكوفة، أتيت أبا يوسف، فوجدته جالسًا ومعه شاب وهو يملي عليه مسألة. فلما
стр. 457
فرغ منها قال ليت شعري ما يقول فيها مالك؟ قلت كذا وكذا. فنظر إليّ، فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك، وفي الثالث مثله، فلما افترق الناس دعاني، وقال، من أين أنت ومن أين أقبلت؟ قال فأخبرته. قال وما تطلب؟ قلت ما ينفعني الله به، فعطف عليّ
الشاب الجالس، فقال ضمه إليك، لعل الله ينفعك في الدنيا والآخرة فخرجت معه إلى داره، فإذا هو محمد بن الحسن. فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه. قال أسد: قلت لمحمد من الحسن أنا غريب والسماع منك قليل. قال اسمع العراقيين بالنهار وجئني بالليل وحدك تبيت معي، فأسمعك. فكان إذا رآني نعست نضج وجهي بالماء. ورآني يومًا أشرب ماء السبيل فقال لي، تشربه؟ فقلت له أنا ابن سبيل. فلما كان الليل بعث إليّ بثمانين دينارًا. وقال ما عرفت أنك ابن سبيل، إلا الآن. فلما أراد الانصراف إلى إفريقية لم يكن عنده ما يتحمل به، فذكر ذلك لمحمد بن الحسن، فقال له، أذكر شأنك لولي العهد. فلقيه ابن الحسن وذاكره أمره ثم قال لأسد، قف بالحاجب يوم كذا يدخلك عليه، واعلم أنك حيث تنزل نفسك أنزلوك. فمضى أسد وأستأذن، فأذن له فدخل حتى أنتهى إلى موضع أمر بالجلوس فيه، ومضى الخادم الذي أدخله، فجاء بمائدة مغطاة فجعلها بين يديه قال أسد ففكرت وقلت ما أرى هذا إلا منقصة. وقلت للخادم، هذا الذي جئتني به منك أو من مولاك. قال مولاي أمرني به. قلت: مولاك لا يرضى بهذا يأكل ضيفه دونه. يا غلام هذا برّ منك وجبت مكافأتك عليه. وكانت في جيبي أربعون درهمًا لم يبق معي سواها فدفعتها إلى الخادم، وقلت له أرفع مائدتك. ففعل وعرّف مولاه. فبلغني أنه قال حر والذي لا إله إلا هو. ثم قال الخادم ادخل. فدخلت عليه. وهو على سرير ومعلمه على آخر، وسرير ثالث. قال فأمرني بالجلوس عليه،
стр. 458
فجلست. وجعل يسائلني وأجيبه، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إليّ وقال قف بهذا إلى صاحب الديوان وتعود إليّ. فأخذت الرقعة وحضرتها. ولقيت محمدًا من الغد فسألني، فأعلمته. فقال لي أوصل الساعة الرقعة. ففعلت. فدفع إليّ صاحب الديوان عشرة آلاف درهم، فأعلمت محمد بن الحسن فقال لي إن عدت إلى القوم صرت لهم خادمًا، وفيم أخذت عون لك. قال أسد، ورغب إليّ محمد أن
أزامله إلى مكة. فكأني كرهت هذا. فقال لي أصحابه وددنا لو اشترينا هذا منه بعشرة آلاف درهم، فزاملته. فكنت أسأله عما أريد، وربما سألته وهو في الصلاة، فيمهد بالقراءة يعلمني أنه يصلي، فأقول: تشغل عني الصلاة وقد قطعت البلاد إليك. فيقطع ويجيبني. قال محمد بن الحارث وأبو اسحاق الشيرازي ويحيى بن اسحاق وبعضهم يزيد على بعض، رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة. ثم نعي مالك فارتجت العراق لموته. قال أسد فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها. كلهم يوقل مالك، واجتماعهم على ذلك ذكرته لمحمد بن الحسن، وهو المنظور فيهم. وقلت له لأختبره ما كثرة ذكركم لمالك، على أنه يخالفكم كثيرًا. فالتفت إليّ وقال لي اسكت. كان والله أمير المؤمنين في الآثار. فندم أسد على ما فاته وجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه. فقدم مصر ولم يذكر أبو اسحاق
стр. 459
أسدًا فيمن أخذ عن مالك ولا أن له عنه سماعًا، وإنما ذكره في اتباع أصحابه. وأرى أنه لم يبلغه ذلك وإلا فأخذه عنه صحيح مشهور. قال ابن الحارث: فقال أسد عن ذلك: إن كان فاتني لزوم مالك فلا يفوتني لزوم أصحابه. والله تعالى أعلم.
ذكر الكتب الأسدية والمدونة
قال أبو اسحاق الشيرازي: لما قدم أسد مصر أتى إلى ابن وهب وقال هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك. فتورع ابن وهب وأبى. فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب. فأجابه فيما حفظ عن مالك بقوله. وفيما شك قال: أخال وأحسب وأظن به، ومنها ما قال فيه، سمعته يقول في مسالة كذا وكذا. ومسألتك مثله، ومنه ما قال فيه باجتهاده على اصل قول مالك، وتسمى تلك الكتب الأسدية. قال أبو زرعة الرازي: كان أبو أسد قد سأل عنها محمد بن الحسن. قال أسد: فكنت أكتب الأسئلة بالليل في قنداق من أسئلة العراقيين على قياس قول
مالك. وأغدو عليه بها، فأسأله عنها. فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها. فارجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي. قال: وقال لي ابن القاسم: كنت اختم في اليوم والليلة ختمين فقد نزلت لك عن واحدة رغبة في إحياء العلم. قال: ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إليّ ابن القاسم سماعه من مالك. وقال لي ربما أجبتك وأنا على شغل. ولكن أنظر
стр. 460
في هذا الكتاب فما خالفه مما أجبتك فيه، فأسقطه. ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني. قال وهي الكتب المدونة وأنا دونتها. وأخذ الناس عن ابن القاسم تلك الكتب. وقال سليمان بن سالم: إن أسدًا لما دخل مصر اجتمع مع عبد الله بن وهب، فسأله عن مسألة فأجابه بالرواية. فأراد أن يدخل عليه، فقال له ابن وهب: حسبك إذ أدّينا إليك الرواية. ثم أتى إلى أشهب فأجابه. فقال له من يقول هذا: قال أشهب. هذا قولي. فدار بيننا كلام فقال عبد الله بن عبد الحكم الأسد: كذا مالك. ولهذا أجابك بجوابه. فإن شئت فأقبل وإن شئت فأترك. فرجع إلى ابن القاسم فسأله، فأجابه. فأدخل عليه، فأجابه حتى انقطع أسد في السؤال. فقال له ابن القاسم كذا. ازياد مغربي. وقال له من أين أقبلت؟ حتى أتبين لك. فقام أسد في المسجد على قدميه، وقال: معاشر الناس، إن كان مات مالك، فهذا مالك. فكان يسأله كل يوم، حتى دون عنه ستين كتابًا، وهي الأسدية. قال وطلبها منه أهل مصر، فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه! رجل سأل رجلًا فأجابه وهو بين أظهركم فاسألوه كما سأله. فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم في نسخها، فسأله، فأجابه، فنسخوها، حتى فرغوا منها وأتى بها أسد إلى القيروان، فكتبها الناس. قال ابن سحنون: وحملت لأسد بتلك الكتب في القيروان - رياسة. قال غيره: وأنكر عليه الناسإ إذ
следующие страницы →