← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وسألوا فأجابوا وبنوا القواعد ومهدوا الأصول وفرعوا عليها النوازل ووضعوا في ذلك للناس التصانيف وبوبّوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فتح عليه ووفق له، فانتهى إليهم علم الأصول والفروع والاختلاف والاتفاق وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه ويشبه، رضي الله عن جميعهم ووفاهم أجر اجتهادهم فالمتعين على المقلد العامي وطالب العلم المبتدئ أن يرجع في التقليد لهؤلاء لنصوص نوازله والرجوع فيما أشكل من ذلك إليهم، ولاستغراق علم الشريعة ودورها عليهم وأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم، لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل وجمهور المسائل لاختلافهم باختلاف الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن، يقلد المقلد من شاء منهم على الشهوة والبحث أو على ما وجه عليه أهل قطره وآله، فحظه هنا من الاجتهاد النظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم حتى يركن العامي في أعماله إلى فتواه ويجتهد في تعبداته على ما رآه وينصب العامي الأعلم من ملتزمي مذاهب هؤلاء منصبه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه من لا يرى مذهبه، فقد قال بعض المشائخ: إن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه كالنبي ﵇ مع أمته، ولا يحل له مخالفته. وهذا صحيح في الاعتبار مما بسطناه وشرطناه يظهر صوابه لأولي البصائر والأبصار وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرعه وحفظ ما ألفه وجمعه والاهتداء بنظره في ذلك والميل حيث مال معه إذ لو ابتدأ الطالب في كل مسألة فطلب الوقاف على الحق منها بطريق الاجتهاد عسر عليه ذلك إذ لا يتفق له إلا بعد جمع خصاله وتناهي كماله، وإذا كان بهذا السبيل استغنى عن تقليد أرباب المذاهب وكان من المجتهدين لنفسه

стр. 72

فسبيله أن يقلد من يعرفه أن، هذا هو الحق، حتى إذا أدرك من العلم ما قيض له وحصل منه ما قسم الله تعالى له وأفلح وكان فيه عمل للنظر والاجتهاد انتقل إلى ذلك وأدركه، فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قبلهم ومع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، لكن للعلل التي ذكرنا وكفاية ما نحلوه وانتقوه من ذلك كما قدمنا. ثم اختلفت الآراء والهمم في تعيين المقلد منهم بحسب ما اعتقدوه فيه أنه هو الأعلم والأولى بالإتباع، أما من اعتقاد اعتقدوه أو انتشار ذكر وثناء سمعوه أو من اتباع له اعتمدوه أو من تقليد لآبائهم أو أهل بلادهم نشأوا عليه وألفوه، فكان المقلدون المقتدى بمذاهبهم أصحاب الأتباع في سائر الأقطار البقاع كثرة قبل مالك بن أنس بالمدينة وأبو حنيفة والثوري بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة على ما تقدم منه، والأوزاعي بالشام، والشافعي بمصر، وأحمد بن حنبل (بعده) ببغداد وكان لأبي ثور هناك أيضًا أتباع. ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري وداود الأصبهاني فألفا الكتب واختارا في المذاهب على آراء أهل الحديث واطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهما أتباع، وسرت جميع هذه المذاهب في الآفاق فغلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا وظهر ببغداد ظهورًا كثيرًا وضعف بها بعد أربعمائة سنة وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب من بلاد خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور

стр. 73

وكان با وبغيرها أئمة ومدرسون سنذكر منهم بعد في طبقاتهم من ألهم الله تعالى إليه، وكان ببلاد فارس وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام، وغلب مذهب أبي حنيفة على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا وظهر بإفريقية ظهورًا كثيرًا إلى قريب من أربعمائة عام فانقطع منها ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديمًا بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس وغلب مذهب الأوزاعي على الشام وعلى جزيرة الأندلس أولًا إلى أن، غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع، وأما مذهب الحسن والثوري فلم يكثر أتباعهما ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب، وأما الشافعي فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهبي مالك وأبي حنيفة قبله وكان أول ظهوره بمصر وكثر أصحابه بها مع المالكية وبالعراق وبغداد وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا أتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع على أصولهم دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم، للعلل التي ذكرناها، وصار الناس اليوم في أقطار الدنيا إلى خمسة مذاهب مالكية وحنفية وشافعية وحنفية وحنبلية وداودية وهم المعرفون بالظاهرية. فحق على طالب العلم ومريد تعرف الصواب والحق أن يعرف أولاهم بالتقليد ليعمل على مذهبه ويسلك في التفقه سبيله، وها نحن نبين أن مالكًا رحمه الله تعالى هو ذلك لجمعه أدوات الإمامة وتحصيله درجة الاجتهاد وكونه أعلم القوم بأهل زمانه وأطباق أهل وقته على شهادتهم له بذلك وتقديمه، وهو القدوة والناس إذ ذاك ناس والزمان زمان، ثم للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي داره وانطلاق هذا الوصف ولإضافة على ألسنة الجماهير، وموافقة أحواله الحال التي أخبر في

стр. 74

الحديث عنه وتأويل السلف الصالح أنه المراد به، وتفصيل الكلام في ذلك وبسطه في فصلين أولهما ما اعتمد النقل والأثر وفي ذلك ترجيحان، والثاني مسلكه الاعتبار والنظر، وفيه ثلاث ترجيحات فانتهينا في ترجيح مذهبه وعظيم قدره في العلم وعلو منصبه إلى خمس حجج كلها أتينا فيها بمبلغ الوسع بما يقطع الغدر ويكاد ينتهي بعضها إلى مدارك القطع.

стр. 75

الفصل الأول اعلموا وفقكم الله تعالى أن ترجيح مذهب مالك على غيره وأنافة منزلته في العلم وسمو قدره من طريق النقل والأثر لا ينكره إلا معاند أو قاصر لم يبلغه ذلك مع اشتهاره في كتب المخالف والمساعد، وها نحن نقرر الكلام في ذلك في حجتين أولاهما: بالتقديم وهو الأثر المشهور الصحيح المروي في ذلك من رسول الله ﵇ من حديث الثقات، منهم سفيان بن عيينة عن أبي جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم. وفي رواية يلتمسون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم، وفي رواية من عالم المدينة وفي بعضها أباط الإبل مكان أكباد الإبل، وقد رواه غير سفيان عن ابن جريج بمثل حديث سفيان منهم المحاربي موقوفًا على أبي هريرة ومحمد بن عبد الله الأنصاري في سند وهو ثقة مأمون. وهذا الطريق أشهر طرقه ورجال هذا الطريق رجال مشاهير ثقات خرج عن جميعهم البخاري ومسلم وأهل الصحيح ورواه أيضًا المقبري عن أبي هريرة بلفظ آخر حدث به القاضي أبو البختري وهب بن منتبه عن عبد الأعلى بن عبد الله عن القبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه إلا أن أبا البختري ضعيف عندهم وقد رواه النسائي أيضًا، وخرجه في مصنفه عن علي بن محمد بن كثير عن سفيان

стр. 76

عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ تضربون أكباد الإبل وتطلبون العلم فلا تجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة. قال النسائي هذا خطأ والصواب أبو الزبير عن أبي صالح. ورواه أيضًا أبو موسى الأشعري عن النبي ﵇ بلفظ آخر حدث به معن بن عيسى عن أبي المنذر التميمي زهير قال: قال رسول الله ﷺ يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعل من عالم المدينة. وذكر ابن حبيب حديثًا يسنده عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنقطع الدنيا حتى يكون عالمًا بالمدينة تضرب إليه أكباد الإبل ليس على ظهر الدنيا أعلم منه. قال سفيان بن عيينة من غير طريق واحد: نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس، وفي رواية هو مالك بن أنس ومثله عن ابن جريج وعبد الرزاق وروي عن سفيان أنه قال كنت أقول هو ابن المسيب حتى قلت: كان في زمن ابن المسيب سليمان وسالم وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول أنه مالك. وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة، وهذا هو الصحيح عن سفيان رواه عنه الثقات والأئمة ابن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والزبير بن بكار، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وذويب بن غمامة السهمي وغيرهم (كلهم) سمع سفيان يقول في تفسير الحديث إذا حدثهم به: هو مالك أو أظنه أو أحسبه أو أراه وكانوا يرونه، قال ابن مهدي يعني سفيان بقوله كانوا يرونه التابعين. قال القاضي أبو عبد الله التستري هو أخبار عن غيره من نظرائه أو ممن هو فوقه وأن منزلته كانت في نفوسهم هذه المنزلة لما شاهدوه من حاله التي تشبه ما أخبر به في الحديث، قال وقد

стр. 77

جاءت هذه الأحاديث بلفظين أحدهما: لا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة، والآخر: من عالم بالمدينة، ولكل واحد منهما معنى صحيح. فأما قوله من عالم بالمدينة فإشارة إلى رجل يعينه يكون بها لا بغيرها ولا نعلم أحدًا انتهى إليه علم أهل المدينة وأقام بها ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمن مالك مجمعًا عليه إلا مالكًا. ولا أفتى بالمدينة وحدث نيفًا وستين سنة أحد من علمائها يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره. وأما رواية عالم المدينة أو أهل المدينة فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أبو المغيرة أن تأويل ذلك ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة كان بها أو بغيرها. فيكون على هذا سعيد بن المسيب لأنه النهاية في وقته ثم بعده غيره ممن هو مثله من شيوخ مالك، ثم بعدهم مالك ثم بعده من قام بعلمه وصار أعلم أصحابه بمذهبه، ثم هكذا ما دام للعلم طالب ولمذهب أهل المدينة إمام. ويجوز على هذا أن يقال هو ابن شهاب في وقته والعمري في وقته ومالك في وقته، ثم إذا أجمعت اللفظتان اختص مالك بقوله من عالم بالمدينة ودخل في جملة علماء المدينة باللفظ الآخر، وقال بعض المالكية إذا اعتبرت كثرة من روى عن مالك من العلماء ممن تقدمه وعاصره أو تأخر عنه على اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرحلة إليه والاعتماد في وقته عليه، دل بغير مرية أنه المراد بالحديث. إذ لم نجد لغيره من علماء المدينة ممن تقدمه أو جاء بعده من الرواة والآخذين إلا بعض من وجدناه وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بهم بعضهم في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم ألف راو واجتمع من مجموعهم زائدًا على الألف وثلاثمائة، ويدل كثرة قصدهم له كونه أعلم أهل وقته وهو الحال

стр. 78

والصفة التي أنذر بها ﵇ لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث وعد هذا الخبر من معجزاته وآياته ﵇ مما أخبر به من الكائنات فوقعت كما أخبر به ﵊. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: أما أنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب. إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة. فبقول المراد به إمامي. ونحن ندعي أنه صاحبنا بشهادة السلف وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم عالم المدينة وإمام دار الهجرة فالمراد به مالك عندهم دون غيره من علمائها. كما إذا قيل قال الكوفي فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة. قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من أنه مالك من ثلاثة أوجه، أحدها تقييد السلف بأن المراد الحديث هو حسبما نقلنا عنهم وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق ولا ليذيعوه بهوى وهم المبرؤون من ذلك مع تنافس الأقران وما جبلت عليه القلوب من قلة الإنصاف للأمثال فكيف فضل هذا. الوجه الثاني أنك إذا اعتبرت ما أوردناه من شهادة السلف الصالح بأنه أعلم من على ظهر الأرض وأعلم من بقي وأعلم الناس وإمام الناس، وعالم المدينة وإمام دار الهجرة وأمير المؤمنين في الحديث، وأعلم علماء المدينة وتعويلهم عليه واقتداؤهم به وإجماعهم على تقديمه وطالعت ذلك فيما نورده من أخباره ظهر وبان أنه المراد بالحديث إذ لم تحصل هذه الأوصاف لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه. الوجه الثالث هو ما نبه عليه بعض الشيوخ من أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد

стр. 79

الإبل من شرق الأرض وغيرها ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك، لما اعتقدوا فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لما ولوا إليه فالناس أكيس من إن يحمدوا رجلًا من غير أن يجدوا آثار إحسان. الترجيح الثاني في هذا الفصل من طريق النقل والمعتمد فيه مجرد تقليد السلف وأئمة المسلمين وعلمائهم في المسألة وبالاعتراف لمالك رحمه الله تعالى بأنه أعلم وقته وإمامه وأعلم الناس وأعلم علماء المدينة وأشباه هذا من شهادتهم له بذلك واعترافهم به وتقليدهم إياه واقتدائهم به على رسوخ كثير منهم في العلم وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره مما سنورد في بابي ثنائهم عليه واقتدائهم به بعد هذا عند ذكرنا شمائله ومناقبه وهما بابان متسعان. وسنورد هنا لمعًا من ذلك تومي إلى ما وراءها إن شاء الله تعالى. من ذلك تومي إلى ما وراءها إن شاء الله تعالى. من ذلك قال ابن هرمز شيخه فيه أنه عالم الناس، وقال سفيان بن عيينة لما بلغه وفاته ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالك إمام ومالك عالم أهل الحجاز، ومالك حجة في زمانه ومالك سراج الأمة، وما نحن ومالك إنما كنا نتبع آثار مالك، وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذنا العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكًا حجة بيني وبين الله تعالى، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته، وقال: العلم يدور على ثلاثة مالك والليث وسفيان بن عيينة، وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: قال عالم العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين، وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية منك يا مالك، وقال أبو يوسف: ما رأيت أعلم من ثلاثة، فذكر مالكًا وأبا حنيفة وابن أبي ليلى، وقال ابن مهدي - وسئل عن مالك وأبي حنيفة - مالك أعلم من أستاذي أبي حنيفة، وقدمه ابن حنبل على الأوزاعي والثوري والليث وحماد،

стр. 80

والحكم في العلم. وقال: هو إمام في الحديث والفقه، وسئل عمن يريد أن يكتب الحديث وينظر في الفقه حديث من يكتب؟ وفي رأي من ينظر؟ فقال حديث مالك ورأي مالك، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك إمام يقتدى به، وقال ابن معين: مالك من حجج الله ما خلقه. إمام من أئمة المسلمين مجمع على فضله، وقال أيوب بن سويد: مالك إمام دار الهجرة، وقال أبو جعفر المنصور أنه أعلم أهل الأرض. وقال سعيد بن الحداد كان مالك من الراسخين في الإسلام أرسخ في العلم من الجبال الراسيات، وقال حميد بن الأسود كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر قال علي بن المديني وأخذ من زيد ممن كان يتبع رأيه واحد وعشرون رجلًا. ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاث ابن شهاب وبكير بن عبد الله وأبي الزناد، وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس، وقال أسد بن الفرات: إن أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك بن أنس، قال حماد بن زيد: دخلت المدينة ومناديًا ينادي لا يفتي الناس في مسجد رسول الله ﷺ ويحدث إلا مالك بن أنس، وقد استوعبنا هذه الشهادات والاعتراف بعد هذا، وقد اعترف له بالعلم والإمامة يحيى بن سعيد شيخه والأوزاعي والليث وابن المبارك وجماعة من هذا النمط ومن بعدهم كالبخاري ومحمد بن عبد الحكم وأبو زرعة الرازي ومن لا ينعد كثرة. وكذلك ذكرنا في الباب الآخر اقتداء السلف وأهل العصر من العلماء، وسائر الناس به ونحن نذكر هنا شيئًا من ذلك، قال سعيد بن منصور رأيت مالكًا يطوف وخلفه سفيان الثوري كلما فعل مالك شيئًا فعله يقتدى به، قال ابن أبي أويس كان الناس كلهم يصدون عن رأي مالك وكان للأمير عنه رجال يسأله وكذلك القاضي والمحتسب، وسأل رجل ابن عيينة عن الضحية بالليل فقال له سفيان لا بأس بذلك فقال له ابن وهب فإن مالكًا

стр. 81

قال لا يضحى بالليل فقرأ في أيام معلومات، فنادى سفيان بالرجل وقال: أن هذا أخبرني عن مالك أنه لا يضحى بليل، وقال حميد: أهل المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا قول مالك، وقال عتيق بن يعقوب: ما اجتمع أحد بالمدينة إلا أجمع عليه، ونطالع بعد هذا بقية ما شابه ما ذكرناه.

стр. 82

الفصل الثاني في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر وفيه ثلاث اعتبارات الاعتبار الأول أن نبين جمع مالك لدرجات الاجتهاد في الدين وحوزه خصال الكمال في العلم، وبلوغه في ذلك المنزلة التي لم يبلغها أحد من هؤلاء المقلدين، قاصدًا بذلك مقصد الحق غير راكن إلى التعصب قائمًا بالصدق ومقتصدًا فيما أذكره من ذلك غير مستبيح عرض أحد من الأئمة، وقاده الخلق. وها هنا معارك النزاع والاعتلاج ومثار العناد واللجاج. فأقول والمستعان الله: لا خفاء على منصف من الإمامة في علوم الشريعة وعلم الكتاب والسنة وأنه إمام المسلمين وأعلمهم في وقته بسنة ماضية وباقية وأمير المؤمنين في الحديث ثم العلم بالاختلاف والاتفاق، وهذا كله ما لا ينكره مخالف ولا مؤالف إلا من طبع على قلبه التعصب، وأنه القدوة في السنن وهو أول من ألف فأجاد التأليف ورتب الكتب والأبواب وضم الأشكال وصنع من ذلك ما اتخذه المؤلفون بعده قدومًا وإمامًا، إلى وقتنا هذا في أقطار الأرض، هذا مع صفوة الابتداء وخيرة الاختراع وهو أول من تكلم في غريب الحديث وشرح موطئه الكثير منه، وقد قال الأصمعي أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك، وله في تفسير

стр. 83

القرآن كلام كثير. وقد جمع، وتفسير رواه عنه بعض أصحابه، وقد جمع أبو محمد مكي مصنفًا فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه مع تجويده له وإحسان ضبط حروفه، وقد ذكره أبو عمرو المقري في كتابه في طبقات القراء المتصدرين وذكر رواية عن نافع، قال البهلول ابن راشد وغيره ما رأيت أنزع بآية من مالك بن أنس مع معرفته بالصحيح والسقيم والمعمول به من الحديث المتروك، وميزة الرجال وصحة حفظه وكثرة نقده إلى ما يؤثر عنه من الكلام في غير ذلك من العلوم كرسالته إلى ابن وهب في الرد عى أهل القدر، وكقوله: جالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة، ويروى ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس. قال: وكان من أعلم الناس بالرد على أهل الأهواء، وبما اختلف فيه الناس، وقال المهدي: أخبرني بعض نقاد المعتزلة من القرويين قال: أتيت مالك بن أنس فسألته عن مسألة من القدر بحضرة الناس فأومأ إلي أن اسكت فلما خلا المجلس قال لي سل الآن وكره أن يجبني بحضرة الناس. قال: فزعم المعتزلي أنه لم تبق مسألة من مسائلهم إلا سأله عنها وأجابه فيها، وأقام الحجة على أبطال مذهبهم حتى نفذ ما عند المعتزلي وأقام عنه، وتأليفه في الأوقات وفي النجوم وإشاراته إلى مأخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها وقواعد بنوا عليها وغيره ممن ذكرنا، لم يجمع هذا الجمع ولا وصل هذا الحد مع اشتغالهم الفقه ووصفهم بالعلم ولكن فوق كل ذي علم عليم، مع الثقة التامة والتقوى وشدة التحري في الحديث والفتيا. وبهذا الوجه احتج الشافعي على محمد بن الحسن في ترجيح علم مالك على علم أبي حنيفة حين تناظرا في ذلك فقال له الشافعي: الإنصاف تريد أم المكابرة. قال الإنصاف، قال

стр. 84

الشافعي ناشدتك الله فمن أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه قال محمد ابن الحسن: اللهم صاحبكم، فقال الشافعي: فمن أعلم بسنة رسول الله ﷺ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي فمن أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي فلم يبق إلا القياس. قال محمد صاحبنا أقيس، قال الشافعي القياس لا يكون إلا بهذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس، ثم قال الشافعي ونحن ندعي لصاحبنا ما لا تدعونه لصاحبكم، وفي رواية وصاحبنا لم يذهب عليه القياس ولكنه كان يتوقى ويتحرى ويريد التأسي من تقدمه فرحم الله تعالى الشافعي ومحمد بن الحسن فلقد أنصفا والذي قاله الشافعي هو حق اليقين فإن الاجتهاد واليقين والقياس والاستنباط إنما يكون على الأصول فمن كان أعلم بها كان استنباطه أصح وقياسه أحق وإلا فمتى اختلت معرفته بالأصول قاس على اغترار، وبنى على شفا جرف هار، وقد احتج بهذه الحكاية الإمام أبو إسحاق الشيرازي على الخراسانيين في اقتصارهم في النظر على المسائل القياسيات المسماة عندهم بالطبوليات لتنتج الكلام فيها ومد أنفاس الجدال بين أهلها، وإذا كان بإتفاق ما قاله الشافعي وهو الحق وهو قول جماهير العلماء أن الاجتهاد لا يصح والقياس إلا لمن جمع آلته من علم الكتاب والسنة وأحكم ذلك على ما يجب، ثم جمع إلى ذلك من آلات الاجتهاد وفهم الألفاظ والمعاني وتصريفها ما لا غنى له عنه، ثم عرف مواضع الإجماع والاتفاق ومسائل الخلاف والنزاع فمتى اختل على العالم شيء من ذلك كان غضًا من إمامته ونقصًا من كماله، ولم يصح له الاجتهاد ولا ساغ له النظر في الدين إلا بإجتماع ذلك. ومتى أخل بأحد هذه القواعد فلا يحل له الاجتهاد في الدين ولا الفتوى بين المسلمين ولا القياس على ما يبلغه. وقد تقرر استقلال مالك

стр. 85

بهذه الأصول على السنة المولف والمخالف، ولا يلتفت إلى متعصب نعق آخر الزمان بما أراد به الغض منه في الاجتهاد وما غض إلا من نفسه، مع تصريحه عنه بأنه أعلم علماء المدينة وأمير المؤمنين في الحديث وإمامة الشافعي تكذب هجر قوله، وأئمة الهدى وأعلام العلماء ممن ذكرنا وممن سنذكر إن شاء الله تعالى يخالفه ويشهد بتهافته فيما قال وجهله، ثم نظرنا إلى الأئمة لمقلدين في عصره فلم نجد واحدًا منهم جمع من ذلك ما جمع ولا اضطلع بهذه الأصول كما اضطلع. وأما أبو حنيفة والشافعي فيسلم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه. لكن ليس لهما إمامة في الحديث ولا معرفة به ولا استقلال بعلمه، ولا يدعيانه ولا يدعى لهما وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة. وهذا أهل الصحيح لم يخرجا عنهما منه حرفًا، ولا لهما في أكثر المصنفات ذكر، وإن كان الشافعي متبعًا الحديث ومفتشًا على السن لكن بتقليد غيره، والاحتمال على رأي سواء، والاعتراف بالعجز عن معرفته، فقد كان يقول لابن مهدي وابن حنبل أنتما أعلم بالحديث، إذا لم يتبحر فيه أو في علم القرآن إذا لم يستقل به، يسأل هل لنازلته التي ينظر فيها أصل فيهما أم لا؟ ولا سبيل إلى إمامتهما (في الفقه) جملة، وللشافعي في تقرير الأصول وتمهيد القواعد وترتيب الأدلة والمآخذ وبسطه ذلك ما لم يسبقه إليه من قبله، وكان فيه عليه عيالًا، كل من جاء بعده مع التفنن

стр. 86

في علم لسان العرب والقيام بالخبر والنسب، وكل ميسر لما خلق له. كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا يسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما وميلهما مع المفهوم من الحديث. لكن داود نهج إتباع الظاهر وبقي القياس فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء أن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين وحتى أنكر عليه ذلك إسماعيل القاضي أشد إنكار، وإذا لم يقل بالقياس وهو أحد أركان الاجتهاد فيما يجتهد (فعلى م) فيما لم ينص عليه يعتمد، وليس تقصير من قصر منهج في فن بالذي يسقط رتبته عن الآخر ولكل واحد منهم من الفضائل والمناقب ما حشيت به الصحف ونقله السلف والخلف. لكن نقص ركن من أركان الاجتهاد يخل به على كل حال والله ولي الإرشاد. الاعتبار الثاني: الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقهم، ونظرهم على الجملة في علمهم، إذ تخصيصه في آحاد النوازل وشعب الوقائع لا يدرك صوابه إلا المستقل بالعلم وتبين ذلك لغيره يطول، ولا يدرك إلا في أمد تنقضي فيه الأعمار وتمر السنون، وحسب المبتدئ أن يلوح له بتلويح يفهمه اللبيب ويقضي منه بترجيح مصيب، وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم مأخذه وترتيبه على ما يوجبه الفعل ويشهد له الشرع بتقديم كتاب الله على ترتيب وضوح أدلته من نصوصه ثم ظواهره ثم مفهوماته ثم كذلك بسنة رسول

стр. 87

الله ﷺ على ترتيب متواترها ومشهودها، ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها على ما تقدم في الكتاب ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة. وبعد ذلك عند عدم هذه الأصول القياس عليها والاستنباط منها إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك ما تواتر من سنة نبيه وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله ثم الظواهر ثم المفهوم منها لدخول الاحتمال في معناها ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع عند عدم الكتاب والتواتر لها وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة على الفعلين وتركهم في نظر أنفسهم متى بلغهم خبر ثقة عن النبي وامتثالهم مقتضاه دون خلال منهم في ذلك، آخرًا. إذ إنما يلجأ إليه عند عدم هذه الأصول في النازلة فيستنبط من دليلها ويعتبر الأشياء بها على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلم من مذهبهم أجمعين، وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقررت مأخذهم في الفقه والاجتهاد في الشرع وجدت مالكًا رحمه الله تعالى ناهجًا في هذه الأصول منهاجا، مرتبًا لها مراتبها ومدارجها مقدمًا كتاب الله ومرتبًا له على الآثار، ثم مقدمًا على القياس والاعتبار، تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور الجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا الوجه، سوء التأويل وقوله ما لا يقوله بل يصرح أنه من الأباطيل. ثم كان من وقوفه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالحين وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضيين، ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مأخذه في الفقه وأصوله. لكن خالفه في أشياء أداه إليه اجتهاده وثقوب فطنته ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر، وتزحزحه عن الانتهاء في معرفته، ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر وحمله عليه حتى

стр. 88

تميز عنهم بعد أن كان معدودًا فيهم وواحدًا من جملتهم، فبان بأصحابه وتلاميذه، وصرح حينئذ بالخلاف والرد على أكبر أسانيده كما سنذكر في أخباره بعد هذا إن شاء الله تعالى من قصته مع فتيان ابن أبي السمح، وتعصبه عليه وامتحان ذلك الآخر به ودخول التنافر بينه وبين جماعتهم منذ ذلك بسببه. (فصل) وأما أبو حنيفة فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السنن والآثار، فترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول وآثر الرأي والقياس والاستحسان، ثم قدم الاستحسان على القياس فأبعد ما شاء. وحد بعضهم استحسان أنه الميل إلى القول بغير حجة. وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحدث في الدين والبدعة، حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع في الدين. ولهذا ما خالفه صاحباه محمد وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه إذ وجدوا السنن تخالفهم تركها لما ذكرناه عن قصد لتغليبه القياس وتقديمه أو لم تبلغه ولم يعرفها إذ لم يكن من مثقف علومه وبها شنع المشنعون عليه وتهافت الجراء على دم البراء بالطعن إليه. ثم ما تمسك به من السنن فغير مجمع عليه، وأحاديث ضعيفة ومتروكة وبسبب هذا تحزبت طائفة أهل الحديث على أهل الرأي وأساءوا فيهم القول والرأي. قال أحمد بن حنبل ما زلنا نلعن أهل الرأي ويعلنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا يريد أنه تمسك بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أن من الرأي ما يحتاج إليه وتنبني أحكام الشرع عليه، وأنه قياس على أصولها ومنتزع منها. وأراهم كيفية انتزاعها، والتعلق بعللها وتنبيهاتها. فعلم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع الأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلا بعد الأصل،

стр. 89

وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولًا. ونحو هذا في هذا الفصل قول ابن وهب: الحديث مضلة إلا للعلماء. ولولا مالك والليث لضللنا وأما أحمد وداود فإنهما سلكا إتباع الآثار، ونكبا عن طريق الاعتبار، ولكن داود غلا في ذلك فترك القياس جملة. فأحدث هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة، فخانه التمسك برفع أدلة الشريعة وأعرض مما مضت عليه من الاجتهاد والاعتبار وسمى ما لم يجد فيه نصًا ظاهرًا عفوًا، وأطلق على بعضه الإباحة واضطربت أقوال أصحابه في ذلك لضيق المسلك فيه، فتهافت مذهبه، واختل نظره، وجاء من أتباع الظاهر بمقالات يمج الكثير منها السمع وينكره. وقال أحمد: الخبر الضعيف عندي خير من القياس، وبديهة العقل تنكر هذا. فلا خير في بناء غير أساس، وهذا أكرمكم الله اعتبار في التفضيل نبيل، يدل المنصف على السالك منه نهج السبيل. الاعتبار الثالث: يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم من التعصب شهيد، وهو الالتفاف إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها. فنقول: إن أحكام الشريعة وأوامر ونواهي تقتضي حثًا على قرب من محاسن، وزجرًا على مناكر وفواحش، وإباحة لما به مصالح هذا العالم وعمارة هذه الدار ببني آدم. وأبواب الفقه وتراجم كتبه كلها دائرة على هذه الكلمات وسنشير إلى رموز في كلمات هذه القواعد لنبين للناظر من اتبع فيها معنى الشرع المراد أو خالف فنكب على السداد وحاد، وإن مالكًا

стр. 90

في ذلك كله أهدى سبيلًا وأقوم قيلًا وأصح تفريعًا وتفصيلًا. فنقول أول ما تكلم فيه من أبوابه الطهارة التي صرح صاحب الشرع بأنها شطر الإيمان وأمر الله تعالى بالطهارة من الحدث والخبث وخص ذلك بالماء بقوله: (ماء ليطهركم به) (وأنرلنا من السماء ماء طهورًا). فأبو حنيفة الذي يرى إنها تجزي الطهارة من الحدث بالنبيذ المستنبذ في السفر عند عدم الماء مع حكم أكثر العلماء بنجاسة ما بلغ من الأنبذة هذا الحد وتجزي عنده من النجاسة بكل نبيذ مائع خل ومرير وعسل ولين وتجزي منها عنده وعند الشافعي في أحد قوليه بكل ماء مضاف ومتغير بالإضافة، ولو كان بقطران وما أشبهه ما لم يغلب على أجزائه ما أضافه. أتراهما رأيا للفظ التطهير والتنظيف قدرًا وقد زاد العضو تلويثًا بذلك وقدرًا أم جعلا لتخصيص الماء حكمًا أو لوصفه بالتطهير معنى، كذلك اشترطه الشافعي وأحمد القلتين فيما تحل فيه النجاسة، وحديثها ليس بثابت وتقريرهما تخمين وحدس غير متفق ولا مستقر لهما قول عليه، وإنه إن نقص منهما كوز أثرت فيه النجاسة وحتى حلت نجاسة قليلة في كيزان كثيرة كانت كلها نجسة ما دامت متفرقة فإذا جمعت في بركة صارت طاهرة، وإنه إن غرف من ماء قدر قلتين بإناء نجس كان ما في الإناء طاهرًا وباقي القلتين نجس. وسوة في هذا الباب كله عن مدرك الصواب، حتى قال عظيم من أصحابه اشتراط القلتين مثار لوسواس. كذلك داود في اقتصاره في النهي عن البول في الماء الدائم على مجرد ظاهره فلا يفسده عنده ولا بواقع النهي إلا من بال فيه، وإن من بال

стр. 91

في كوز وصبه فيه أو أحدث فيه أو بال بقربه فسال إليه بوله غير داخل في النهي عنده ولا مفسد للماء شيء من ذلك إلا بتغييره. أليس يعلم على القطع إن هذا صد عن مراد الشارع وقطع كذلك، فهم من تخصيص بعض الأعضاء بالوضوء ما تقدم من معنى التنظيف والتحسين الذي هو معنى الوضوء. إذ تلك الأعضاء من الوجه واليدين والرأس والرجلين هي الطهارة من ابن آدم غالبًا والتي تحتاج إلى التنظيف والتحسين أبدًا أما اليدان والرجلان فلما يعاني بها من الأعمال التي تعقب الأدناس والأوساخ وتلاقي من الأمور التي تنتج عنها الدرن والأقذار، وانظر من لا يهتبل بالوضوء والماء والطهارة من البوادي وأجلاف الأعراب واسوداد القذر بروائحه وبراجمه وتراكم الدنس الموالي جوفًا بكوعه ورسغه، وكذلك الوجه سمة ابن آدم ومحياه وصورته التي كرمه الله بها وسيماه وهو نصب لفح الهواجر، ومثار نقع الأقدام والحوافر وفيه مسام تقذف بأوساخها من قذاء عين ومخاط أنف وبصاق فم، وكل يحتاج إلى تنظيف، فشرع بجميعها الغسل والتكرار. ولما كان الرأس مستورًا غالبًا شرع فيه المسح اكتفاء بدهنه بالماء لأن الله شعثه ولأن غسله عند كل حدث مما يشق ويهلك، فهل وفى الشافعي بعبرة هذا الأصل إذا اكتفى بصب الماء عن الدلك وبالمسح على شعرات أو ثلاث من جميع الرأس؟ زأبو حنيفة في الاقتصار على الناصية؟ والثوري في الاقتصار على شعرة؟ ولا يعترض على ما مهدناه بكون التيمم بدلًا من الوضوء عند عدم الماء ولا تنظيف فيه ولا تحسين بل الضر من ذلك، فاعلم أن هذا السر عجيب في الشريعة لمن عدم الماء الطهور وهو متكرر وشاق في السفر وكانت الصلاة دونه مع تأدية

стр. 92

فقد تركن إليها النفوس لحبها الدعة وخشية اتخاذها ذلك عادة، جعل اشرع التيمم تنبيهًا على أنها لا تستباح إلا بطهارة، ولتنقي النفس على استعمالها وشرع ما لا يعدم من وجه الأرض وخفف حاله في بعض الأعضاء وفي كل حكم والله الموفق. وكذلك قال ﵊: إنما الأعمال بالنيات. وأبو حنيفة والثوري يريان أ، الطهارة للصلاة تجزى بغير نية وهي مفتتح أجل القربات وفرق بينها وبين التيمم بغير حجة إلا بحيلات لا تقوم على قدم. وسوى الأوزاعي في الجميع فلم يوجبها. ترتقي إلى أجل القربات المقرونة بكلمتي التوحيد وهي الصلاة والزكاة وأبو حنيفة يجزي عنده من الصلاة أقل ما يجزي في كل مذهب وهي رياضة النفوس الجامة وصقالة القلوب الصدية ومظان الخشوع والمناجاة وسر العبودية المحضة ويرى التحيل في إسقاط الزكاة بعد وجوبها عند رأس الحول يبعدها عن ملكه ظاهرًا بما يوطئ عليه غيره، ليصرفها عليه بعد الحول، وهي طهارة الأموال ودليل صحة ألإيمان كما قال ﵇: الصدقة برهان وسد خلة الضعفاء. ونهى الشرع عن التحيل فيها بالتفريق والتجميع ونهى عن الخداع والخلابة فهل وفى القائل بها في هاتين القاعدتين فجهدها أو طابق عمله المعنى الموصوف له في الشرع وحكمها. كذلك نهى عن شرب الخمر، وعلل ذلك بإيقاع العداوة أو البغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد فهمت الصحابة لأول ورود الآية المعنى فحملوه على العموم. وقال النبي ﷺ كل مسكر حرام. فمن فرق من الكوفيين بين نبيذ العنب ومطبوخه وسائر المسكرات أباحها ما لم تبلغ بشاربها

стр. 93

عدم التمييز خالف الأصلين وخرج قاعدة الشرع في الفصلين، ثم ننظر في الفروج فنتيقن أن حكمة الله في تحصينها وضع أعظم الحدود وأشنعها لمؤثر السفاح على ما أبيح له منها بالنكاح، والملك على الوجوه التي قيدها الشرع لصلاح هذا الخلق وبقاء التمييز والمعارف لهذا النسل، فمن رأى أن الاستئجار على الزنى مسقط للحدود الموضوعة فيه، وأ، الزاني بأجرته للخدمة لا حد عليه، وكذلك اللائط بالذاكران وهو أفحش الفواحش لا حد فيه بل يعزر على قوله، وقول أهل الظاهر، فد ناقض موضوع الشرع وحل رباط هذا الأصل. كذلك حرم الله الدماء والأعراض أشد التحريم وفرض على المعتدين فيها الحد والعذاب الأليم وحمى الأموال على أربابها إلا بحقها وحد القطع على سارقها والقتل على المحارب بسببها. فهل قوله أيضًا بإسقاط الحد على سارق كل رطب من الأطعمة حتى لو بقيت قطرة عسل أو ماء في حب ذهب فسرقه سارق لم يقطع لأجلها. وكذلك إسقاطه ذلك عن سارق كل ما أصله الإباحة من الجواهر الخطيرة مستخرجات المعادن الثمينة وملتقطات البحر النفيسة وإسقاط القطع عن النباش عن أكفان الموتى فاتح غلق الصيانة للأموال ومسهل التوصل إلى التعدي على الكثير منها دون خوف كبير نكال لا سيما على مذهبه ومذهب داود في تخفيف التعزيز واقتصارهم من ذلك على الخفيف اليسير. وكذلك قوله إن من تعدى على ثياب رجل فأفسدها أو شياهه فذبحها وطبخها، فقد صارت له أموالًا وملكها ولزمت ذمته لربها قيمتها على زعمه مع وجود عينها وإن كان عديمًا غير مراع - نهى الشرع عن العدوان والتمادي على اغتصاب الأموال وتسويغ إخراجها من أيدي أربابها دون أثمان ثم جعل الله في القصاص حياة وردعًا

стр. 94

للمعتدين. فأبو حنيفة يقول إن من قتل الخلائق من غير محدد الحديد من التغريق والتحريق والتخنيق وسقي السم وغير ذلك من أنواع الاجتراء والظلم لا يقتص منه فقد اجتثت هذا الأصل وبسط أيدي المجرمين على أشنع ضروب القتل آمنين من القصاص على هذا الفعل. كذلك الاعراض حصنت حصنتها وصينت حرمتها بحدود المفترين. فالشافعي الذي لا يرى الحد بالتعريض المفهوم والحنفي يرى أن جماعة من الفساق المجاهرين عدد شهود الوفاء فأكثر لو جاء، ويجيء الشهادة مجالس الحكام، وصرحوا بقذف أفضل الأنام لم يلزمهم حد لمقامهم هذا المقام. فهل يعجز كل فاسق جريء عن هتك عرض كل مسلم بريء بأنواع التعاريض القبيحة. أو بأداء الشهادة مع أمثاله على رؤوس الملأ بالفواحش الصريحة، وهم يتوصلون وإن لم تقبل شهادتهم بأمانهم من الحد إلى تمزيق الأدم الصحيحة والإخفاء، بأن حكمة الله في منصب الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى. ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه ومحال تغيير حكم البشر في الباطن، حكم الله وحكمته، وقد قال ﵇: لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار. فأما أبو حنيفة الذي يرى أن القاضي بشهادة شهداء الزور في نكاح إمرأة وانتقال ملك يحلل للمشهود له الراشي لهم على الشهادة وطء ذلك الفرج وأكل ذلك المال سرًا أو علنًا ظاهرًا وباطنًا. وهو يعلم تحريمه عليه وباطل نسبته إليه وكذلك قال فيمن غصب جارية وادعى أنها ماتت فحكم عليه

стр. 95

بقيمتها ثم أظهرها أنها قد طابت وحلت له. وكذلك لو تحيلت إمرأة عنده بشاهدي زور على طلاق زوجها فقضى بذلك القاضي حل لها غيره من الأزواج. ولو كان أحد الشاهدين، فأين هذا وفقكم الله من المفهوم من مراد الشارع ومقصده بتغليظ الزجر لاستحلال الفروج بغير حقها، والمنع هل يتعذر على الفساق بهذا، الوصول إلى شهواتهم فيمن امتنع عليهم من المحصنات أو حضر عليهم من الشهوات فأسأل الله توفيقًا يعصم ولا يصم برحمته وهذا وفقكم الله خمس ترجيحات كلها توجب اليقين وتوضح الحق المبين، وترغم أناف المتعصبين، وحسب الناظر في هذا الاعتبار الأخير حسن التأمل أولًا وإجمال التأويل آخرًا. فلم نر به التسبب لنقص أحد من الأئمة ولا التسلط على عرض سلف الأمة. لا كنا عرفنا الحق وأهله، ولم ننكر مع ذلك لكل واحد تقدمه وفضله. والسعيد من عدت عثراته ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل. ونحن بعد هذا نسرد أخبار مالك ﵀ وسيره وجملة تاريخه وأخباره بابًا بابًا حسبما سبق الوعد به. ونبدأ بالترتيب بذكر نسبه ثم نأتي بطبقات أصحابه تترى وبأعلام أهل مذهبه عصبة بعد أخرى والله المستعان على تحقيق ما أطلق على ألسنتنا من ذلك لا إله غيره. باب في نسب مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله تعالى ونفع به آمين قال إسماعيل ابن أبي أويس فيما حكاه عن الزبير ابن بكار القاضي وغيره أن مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر بن الحارث بن غميان بن حنبل

стр. 96

بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح. كذا غميان بالغين المعجمة المفتوحة والياء الساكنة باثنتين من أسفل. وذكر ذلك غير واحد وكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا، وحكاه عن إسماعيل بن أبي أويس وخثيل بخاء معجمة مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة وياء باثنتين من اسفل ساكنة هذا هو الصحيح. وكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا وأتقنه وضبطه، وحكاه عن محمد ن سعد عن أبي بكر ابن أبي أويس. وقال أبو الحسن الدارقطني وغيره جثيل بالجيم، وحكاه عن الزبير. وأما من قال عثمان بن حنبل فقد صحفه وأما ذو أصبح فقد اختلف في نسبة اختلافًا كثيرًا. فقال الزبير ذو أصبح بن سويد ابن عمر بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن حميد الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية ابن جشم ابن عبد شمس بنو وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن ايمن بن هميع بن حمير، وإنما الأكثر هو عبد شمس بن سبأ - وإنما سمي سبا لأنه أول من سبا وغزا القبائل - بن يعرب بن يشجب بن قحطان. وقال غيره ذو أصبح بن عوف بن مالك بن يزيد بن شداد بن زرعة. وهو حمير ألأصغر ابن سبأ الأصغر بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر بن يشجب ابن يعرب ابن قحطان، وقيل ذو اصبح بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عفير بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن جشم بن عبد شمس. وقيل هو عوف بن مالك بن زيد بن عامر بن ربيعة بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشجب. وقيل ذو أصبح ويحصب أبناء مالك بن زيد بن حمير. هذا ما ذكر في نسب ذي أصبح من الخلاف

стр. 97

ولا خلاف أنه من ولد قحطان، وقد اختلف في نسب قحطان ورفعه، وهل هو من ولد إسماعيل أم لا اختلافًا لا ينحصر وليس من غرضنا فنعده. قال القاضي أبو الفضل ﵁: لم يختلف العلماء بالسير والخبر والنسب في نسب مالك هذا واتصاله بذي أصبح إلا ما ذكر عن ابن إسحاق وبعضهم من أنه مولى لبني تميم وسنبين وهم من قال ذلك، والعلة التي من أجلها تطرق الوهم إليهم وأما أبو عبد الله محمد بن حمدويه الحاكم المعروف بابن البيع فقد غلط غلطًا شنيعًا لا خفاء به، ولا قاله أحد قبله ولا بعده. وخلط في هذا تخليطًا كثيرًا، فقال: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر وهو الحارث بن عثمان بن حسل بن عمر بن الحارث بن عبد الرحمان بن عثمان بن عبد الله من ولد تميم بن مرة. يلقى رسول الله ﷺ عند مرة بن كعب. فعجبًا له كيف اتفق هذا الغلط ومن اين تطرق له؟ ثم قال في باب آخر إنه من خولان فأين هذا من ذلك وكلاهما خطأ. وإما وهم من زعم أنه مولى تميم فدخل عليه الوهم إذ وجده ينتمي إليهم ويحسب عدادهم بسبب حلفه معهم وإلا فنسبهم في ذي أصبح صحيح. ذكر ذلك غير واحد من زعماء قريش ونسابها وغيرهم من أهل العلم كمحمد ابن عمران الطلحي، وعبد الملك ابن صالح وصعب بن ثابت الزبيري وعامر بن عبد الله الزبيري وأبي بكر اليعمري وابنه طلحة وأبي مصعب الزهري وأبناء أبي أويس وخليفة بن خياط العصيري والواقدي والبخاري وابن أبي خيثمة وأحمد بن صالح بن بكار القاضي ومن بعدهم الحفاظ، كالدارقطني وعبد الله التستري القاضي وأبي محمد العراب وأبي القاسم الجوهري وأبي القاسم الإلكاني وأبي نصر ابن ماكولا ومن لا ينعد كثرة. بل كل من ذكر نسبه ولم يتابع أحد منهم ابن إسحاق على

стр. 98

قوله من جاء بعده بل بينوا وجه وهمه. قال عامر بن عبد الله الزبيري وذكر بيت مالك بن أنس أما أنهم من العرب من اليمن ذو قرابة بالنظر بن مريم. وقال الدراوردي: قال لي أبو سهل ابن مالك نحن قوم من ذي أصبح ليس لأحد علينا ولاء ولا عهد. وقال أبو مصعب: مالك من العرب صليبه وحلفه في قريش في بني تيم بن مرة. قال محمد بن عمران لمن سأله عنه: وهو رجل من العرب من حمير من أنفسهم ما بيننا وبينه نسب إلا أن أمه مولاة لعمي عثمان بن عبيد الله وقال أبو بكر العمري السالمي: مالك صحيح النسب من أنفسهم لا من مواليهم. وقال مصعب بن عبيد الله الزبيري: بنو أصبح الذين كان الملك فيهم بنو عم مالك. قال الفرياني: سألت مصعبًا عن مالك. فقال: عربي شريف كريم في موضعه من ذي أصبح، بطن من اليمن من ملوك اليمن بني إبراهيم بن الصباح. وقال أحمد بن صالح مالك من ذي أصبح صحيح النسب. وقالت بنت طلحة ما لنا عليه عقد ولاء. تعني جد مالك. ولما قدم زياد بن عبيد الله المدينة قال ما هنا أحد من أهل العلم، فنسبوا له مالكًا. فقال هذا بيت اليمن. فكان أول من استفتاه. وقال عبد الملك بن صالح الهاشمي: مالك بن أنس من ذي أصبح. وجاء أبو المهاجر إلى عثمان بن عبد الله التيمي أو غيره، يشتكي بأبي عامر جد مالك ابن أنس وكان أبو المهاجر على الصدقة، فقال للتيمي ألا تعذرني من مولاك؟ قال ليس بمولاي، هو رجل من العرب من أهل اليمن.

стр. 99

باب في انتماء مالك وآله إلى تيم بن مرة من قريش وذكر نسب أمه قال أبو عمر بن عبد البر الحافظ: لا أعلم أن أحدًا أنكر أن مالكًا ومن ولده كانوا حلفاء لبني تيم بن مرة من قريش، ولا خلاف فيه إلا ما ذكر عن ابن إسحاق فإنه زعم أنه من مواليهم. قال: وروى عن ابن شهاب أنه قال حدثني نافع ابن مالك التيمي، قال وهذا عندنا لا يصح عن ابن شهاب. قال الإمام القاضي أبو الفضل ﵁، قول ابن شهاب هذا في صحيح البخاري أول كتاب الصيام. وتعرف الموالي في لسان العرب بمعنى الحليف والتناصر وغيرهما معروف فلعله ما أراد ابن شهاب، ولذلك قال عبد الملك بن صالح الهاشمي مالك من ذوي أصبح مولى لقريش. وقال الزبير بن بكار عداده في بني تيم بن مرة. وقد روى عن مالك أنه لما بلغه قول ابن شهاب هذا ليته لم يرو عنا شيئًا. قال أبو سهيل عم مالك نحن قوم من ذي أصبح قدم جدنا المدينة فتزوج في التيميين فنسبنا إليهم ومثله قول ابن عمران التميمي القاضي الذي تقدم ما بيننا وبينه نسب إلا أن أمه مولاة لعمي عثمان بن عبيد الله. وقال الربيع بن مالك أخو أبي سهل عن أبيه قال لي عبد الرحمان بن عثمان بن عبد الله التيمي ابن أخي طلحة ونحن بطريق مكة يا مالك هل لك إلى ما دعانا إليه غيرك فأبينا، أن يكون دمنا دمك وهدمنا هدمك ما بل بحر صوفه. فأجبته إلى ذلك. وقال عبد الله ابن مصعب قدم مالك ابن أبي عامر متظلمًا من بعض الولاة باليمن. فمال إلى بعض بني تيم بن مرة فعاقده وصار معهم. وقد روي أن مالك بن أبي عامر لم يجب عبد الرحمان بن عبد الله إلى الحلف الذي دعاه إليه، وقال

стр. 100

له لا حاجة لي به والأول أصح وأشهر. وذكر أن أبا عامر تحالف مع عثمان بن عبد الله في الجاهلية وقدما معًا المدينة. وقيل إن أبا عامر إنما حالف في الجاهلية عبد الله بن جدعان، قال ابن أبي أويس: نحن أصبحيون حلفاء بني تيم. فننتمي إلى قريش أحب إلينا من اليمن. فالسبب الذي تقدم لهم من الالتفاف بتيم إما بالحلف على الأشهر والصحيح أو بالصهر انتسبوا تيمين فظن ابن إسحاق ومن لم يحقق الأمر أنهم مواليهم إذ لم يكن لهم نسب معروف فيهم. وأما أمه، فقال الزبير هي العالية بنت ابن بكار شريك بن عبد الرحمان بن عبد الرحمان بن شريك الأزدية وقال ابن عائشة أمه طليحية مولاة عبد الله بن معمر وقد تقدم قول ابن عمران. باب في ذكر آل مالك وبيته ونسبه ذكر القاضي بكر بن علاء القشيري أن أبا عامر بن عمر وجد أبي مالك ﵀ من أصحاب رسول الله ﷺ قال وشهد المغازي كلها مع النبي ﷺ خلا بدرًا وابنه مالك جد مالك كنيته أبو أنس من كبار التابعين ذكر ذلك غير واحد يروي عن عمر وطلحة وعائشة وأبي هريرة وحسان بن أبي ثابت وكان من أفاضل الناس وعلمائهم وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ليلًا إلى قبره وغسلوه ودفنوه وكان خدنا لطلحة يروي عنه بنو أنس وأبو سهيل نافع والربيع. مات سنة ثنتي عشرة ومائة وذكر أبو محمد الضراب أن عثمان ﵁ أغزاه إفريقية ففتحها. وروى التستري محمد بن أحمد القاضي أنه كان ممن يكتب المصاحف حين جمع عثمان المصاحف وكان عمر بن عبد العزيز

стр. 101

يستشيره، وقد ذكر ذلك مالك في جامع موطأه. قال أبو القاسم الإلكاني الحافظ كان لأبي أنس بن مالك ابن أبي عامر أربعة بنين، أحدهم أنس أبو مالك الفقيه. قال غيره وبه كان يكنى. روى عنه ابنه مالك. قال الضراب وقد روى ابن شهاب عنه وقاله ابن أبي حاتم يرويه عن أبيه. قال أبو إسحاق بن شعبان روى مالك عن أبيه عن جده عن عمر حديث الغسل واللباس. قال ابن وهب سئل مالك عن أبيه فقال كان عمي ثقة أبو سهيل. قال أبو مصعب كان أبو مالك بن أنس مقعدًا وكان له قصر بالحرف يعرف بقصر المقعد. قال غيره وكان يعيش من صنعة النبل قال الإلكاني والثاني نافع أبو سهيل، روى عنه مالك أيضًا وإسماعيل ومحمد ابنا جعفر ابن أبي كثير والدراوردي وغيرهم. قال الإمام أبو الفضل ﵁، وقد روى عنه ابن شهاب أيضًا. والثالث أويس وجد جده أبي أويس أبي إسماعيل وأبي كر وسيأتي ذكرهما. وسماه غيره أوسا مكبرًا ووهم. روى عن أبيه أيضًا وزعم الضراب أنه روى عن ابن شهاب أيضًا. والرابع الربيع. قال إسماعيل جالسته، قال أبو حاتم لم يرو عنه العلم. قال أبو القاسم الجوهري لم يرو عنه إلا سليمان بن بلال وذكر التستري لأبي بكر الأويسي عنه رواية، وذكر أيضًا ابنه مالك بن الربيع وفيه نظر. وقد روى أربعتهم عن أبيهم مالك بن أبي عامر، وقد خرج أهل الصحيح البخاري ومسلم ومن بعدهم عن مالك بن أبي عامر وأبي سهيل ابنه كثيرا. قال إسحاق بن شعبان عمومة مالك ثلاث نافع والنظر ويسار. قال الضراب كان لمالك عم يقال له النظر به كان يعرف مالك أولًا، وكان يقال مالك ابن أخي النظر، فما لبث إلا يسيرًا حتى قال الناس النظر عم مالك. وقال محمد بن طلحة والأشهر

стр. 102

أن النظر الذي كان به يعرف مالك أولًا ثم صار يعرف به أخ مالك كذا ذكر أحمد بن صالح والأصح والأعرف في أعمام مالك الأول. قال مالك كان لي أخ في سن ابن شهاب فألقى أبي يومًا علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت فقال لي أبي ألهتك الحمام. وكان لمالك ابنان يحيى ومحمد وابنه اسمها فاطمة، زوج ابن أخته وابن عمه إسماعيل بن أبي أويس. قال ابن شعبان ويحيى بن مالك يروى عن أبيه نسخة وذكر أنه روى الموطأ عنه باليمن، وروى عنهما ابن سلمة وابنه محمد. قدم مصر وكتب عنه. حدث عنه الحارث بن مسكين وزيد بن بشر قال أبو عمر بن عبد البر كان لمالك أربعة من البنين يحيى ومحمد وحماد وأم البهاء. فأما يحيى وأم البهاء فلم يوص بهما إلى أحد أوصى بالآخرين إلى إبراهيم بن حبيب رجل من أهل المدينة. وقال ابن شعبان حبيب وهو اللآلي ويعرف ببابين أنه هو كان وصيه مع داود بن أبي زنير ولعل إبراهيم ولد حبيب هذا. فالله أعلم. وقد ذكره في الرواة عنه ابن أبي إسحاق، وذكر أيضًا إسحاق بن إبراهيم ابن حبي بابين وذكرهم الثلاثة في المدنيين فالله أعلم. وأرى قوله إسحاق وهم، وإنه أبو إسحاق. وقال قاسم بن أصبغ: إبراهيم بن حبيب ثقة من أصحاب مالك، وهو وصيه. قال الزبير، كان لمالك ابنة تحفظ علمه يعني الموطأ. وكان تقف خلف الباب فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه. وكان ابنه محمد يجيء وهو يحدث وعلى يده باشق ونعل كتب فيه، وقد أرخى سراويله فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول إنما الأدب مع الله: هذا ابني وهذه ابنتي. قال الفروي: كنا نجلس عنده وابنه

стр. 103

يدخل ويخرج ولا يجلس. فيقبل علينا ويقول: إن مما يهون علي أن هذا الشأن لا يورث وأ، أحدًا لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن مفرج القرطبي في رواة مالك وأبو بكر الخوارزمي البرقاني الحافظ في كتابه في الضعفاء الذين اتفق رأيه ورأي أبي منصور بن حكمان مع أبي الحسن الدارقطني على تركهم. وتوفى أحمد هذا سنة ست وخمسين ومائتين. باب في مولد مالك رحمه الله تعالى والحمل به ومدة حياته ووقت وفاته قال الإمام القرطبي أبو الفضل ﵁: اختلف في مولده رحمه الله تعالى اختلافًا كثيرًا، فالأشهر في ما روي من ذلك قول يحيى بن بكر أن مولده سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان. وقال ابن عبد الحكم بل سنة أربع وتسعين. وقال إسماعيل بن أبي أويس كان في خلافة الوليد. قال غيرهما في ربيع الأول منها. وروي عن محمد ابن عبد الحكم أن مولده سنة أربع وتسعين وقال أبو موسى سنة تسعين. وقيل سنة ست وتسعين، وقيل سنة سبع وتسعين، وقال أبو داود السبجستاني سنة ثلاث وتسعين، وقال أبو إسحاق الشيرازي سنة خمس وتسعين. قال محمد بن سعيد مولى سفينة قال مالك أتى عمي أبو سهيل إلى عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة ليفرض لي فقال احتلم؟ فقال سل أباه فهو أعلم مني به. قال مصعب بن عبد الله: هذا خطأ. عزل محمد عن المدينة سنة ثلاث

стр. 104

وتسعين. وأما وفاته فالصحيح ما عليه الجمهور من أصحابه ومن بعدهم من الحفاظ وأهل علم الأثر ممن لا يعد كثرة أنه توفى سنة تسع وسبعين ومائة واختلفوا في أي وقت منها فالأكثر على أنه في ربيع ألأول قاله إسماعيل ابن أبي أويس وابن أبي زنبر وابن بكير وأبو مصعب الزهري وغيرهم، واختلفوا بعد ذلك فقال ابن أبي أويس والواقدي وابن سعد صبيحة أربع عشرة من الشهر المذكور. وقال أبو مصعب لعشر مصت منه وحكى أبو علي البصري في الكتاب المغرب أن وفاته يوم الأحد لثلاث خلون من هذا الشهر وقال ابن وهب في تاريخ ابن سحنون يوم الأحد لثلاث عشرة خلت منه، وحكى أبو عمر بن عبد البر لعشر خلون منه، وقال ابن سحنون في إحدى عشرة ويقال في اثنتي عشرة من رجب من السنة. وقال مصعب الزبيري وخالف هذا كله حبيب كاتبه ومطرف فيما ذكر عنه. قاللا سنة ثمانين. وخالف أيضًا الفزاري فحكى عنه ابن سحنون وأبو العرب التميمي أن، وفاة مالك سنة ثمان وتسعين وهذا وهم والأول هو الصحيح. واختلف على هذا في سنه. فقال ابن نافع الصائغ وابن أبي أويس ومحمد بن سعيد وحبيب أنه توفى سنة خمس وثمانون وقيل أربع وثمانون وقيل عن ابن نافع سبع وثمانون، وقاله سحنون وقال الواقدي تسعون. وقال الفريابي وأبو مصعب ست وثمانون وذكر عن ابن القاسم سبع وثمانون وقاله ابن سحنون وأبو العرب وعن القعنيني تسع وثمانون. وقال أيوب بن صالح اثنتان وتسعون وقال أبو محمد الضراب وهذا خطأ والصواب ست وثمانون وهو الأشبه مع قول ابن القاسم على الأصح من مولده ووفاته. واختلف في حمل أمه به فقال ابن نافع الصائغ والواقدي ومعن ومحمد بن الضحاك حملت به أمه ثلاث سنين

стр. 105

وقال نحوه بكار بن عبد الله الزبيري، وقال أنضجته والله الرحم. وأنشد الطرماح: تظن بحملنا الأرحام حتى … تنضجنا بطون الحاملات قال ابن المنذز وهو المعروف وروي عن الواقدي أيضًا أن حمل أمه به سنتان. قاله عطاف بن خالد ولا خلاف أن وفاته بالمدينة. باب في صفته وخلقه قال أبو عاصم: ما رأيت محدثًا أحسن وجهًا من مالك. وقال عيسى ابن عمر المديني: ما رأيت قط بياضًا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب منه. ووصفه غير واحد من أصحابه، منهم مطرف وإسماعيل والشافعي وبعضهم يزيد على بعض، قالوا كان طويلًا جسيمًا عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية شديد البياض إلى الصفرة، أعين، حسن الصورة أصلع أشم عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه ولا يحلقه ولا يحفيه ويرى خلفه من المثل. وكان يترك له سبلتين ويحتج بفتلة عمر لشاربه، إذا همه الأمر. ووصفه أبو حنيفة أنه أزرق أشقر. قال أبو العباس بن شريح القاضي وذكرت له صفته هذه صفة عاقل. وقال: الفراسة تدل على أن من هذه صقته كان عاقلًا. وقال مصعب الزبيري كان مالك من أحسن الناس وجهًا وأحلاهم عينًا وأنقاهم بياضًا وأتمهم طولًا في جودة بدن. قال بعضهم: كان مالك ربعة من الرجال والأول أشهر. قال غيره: دخلت على مالك فرأيته في إزار. وكان في أذنيه كبر كأنهما كفا

стр. 106

إنسان أن دون ذلك. قال الحكم بن عبدة: دخلت مسجد المدينة وإذ بمالك وله شعرة قد فرقها. قال أحمد بن إبراهيم الموصلي رأيت مالكًا مضموم الشعر. قالوا ولم يكن يخضب ويحتج بعلي ﵁ وهذا هو المشهور عنه. وقد روى أن بعض ولاة المدينة قال له: لم لا تخضب يا أبا عبد الله؟ فقال له: هذا بقي عليك من العدل. وقد روى ابن وهب أنه رأى مالكًا يخضب بالحنا وروى نحوه عبد الرحمان بن واقد، ولم يقل بالحنا. قال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة لم يخضب شيبته ولا دخل الحمام ولا حلق وفي رواية ولا حلق قفاه. باب في ملبسه وطيبه وحليته ومسكنه ومطعمه ومشربه قال محمد بن الضحاك كان مالك جميل الوجه نقي الثوب رقيقه يكره أخلاف اللباس. قال خالد بن خداش: رأيت على مال طيلسانًا طرازيًا وقلنسوة وثيابًا مروية جيادًا وفي بيته وسائد وأصحابه عليها قعود، فقلت له يا أبا عبد الله الذي أرى شيئًا حدثته أم وجدت الناس عليه؟ قال: رأيت الناس عليه. قال الوليد بن مسلم: كان مالك لا يلبس الخز ولا يرى لبسه، ويلبس البياض، ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان ولا يريان بلبسها بأسًا. قال بشر بن الحارث: دخلت على مالك فرأيت عليه طليسانًا يساوي خمسمائة قد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك. قال أشهب: كان

стр. 107

مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه وأسدل طرفها بين كتفيه. قال ابن وهب: رأيت على مالك ريطة عدنية مصبوغة بمشق خفيف. وقال لنا هو صبغ أحبه ولكن أهلي أكثروا زعفرانها، فتركته. وقال لنا ما أدركت أحدًا يلبس هذه الثياب الرقاق إنما كانوا يلبسون الضفاف الأربيعة، فإنه كان يلبس مثل هذا، وأشار إلى قميص عليه عدني رقيق. قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد والخراسانية والمصرية المرتفعة البيض ويتطيب بطيب جيد، ويقول ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا ويرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم، وكان يقول أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب. قال ابن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبرًا قط. قال أشِهب: كان مالك يستعمل الطيب الجيد المسك وغيره. قال الواقدي: كان مالك يجلس في منزله على خماع ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيوت لمن يأتيه من قريش والأنصار، ووجوه الناس. قال أشهب: كان مالك إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته وكان يكرهه إ لعلة. قال ابن نافع الأكبر ومطرف وإسماعيل: كان خاتم مالك الذي مات وهو في يده فصه حجر أسود نقشه سطران فيهما: حسبنا الله ونعم الوكيل، بكتاب جليل، وكان يحبسه في يساره وربما خرج علينا وهو في يمنيه لا نشك أنه إذا توضأ حوله في يمينه. وسأله مطرف عن اختياره لما نقش فيه فقال: سمعت الله يقول: (وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). . . الخ. الآية الأخرى. قال مطرف: فحولت خاتمي وصيرته كذلك، والله أعلم. قال أحمد بن صالح: كان مالك قليل المشي يظهر التجمل ضيق الأمر، لم يكن له منزل. كان يسكن بكراء إلى أن، مات، وسأله المهدي: ألك دار؟ فقال: لا.

стр. 108

وحدثني ربيعة أن نسب المرء داره. قال عتيق بن يعقوب: كان على باب مالك مكتوب: ما شاء الله. فقيل له في ذلك فقال: قال الله: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله). . . الآية. والجنة الدار. قال ابن المنذر: وكانت دار مالك بن أنس التي كان ينزل بالمدينة دار عبد الله ابن مسعود، وكان مكانه من المسجد مكان عمر بن الخطاب وهو المكن الذي يوضع فيه فراش رسول الله ﷺ في المسجد إذا اعتكف. كذا قال الأوسي. وقال مصعب: كان مالك يجلس عند نافع مولى ابن عمر في الروضة حياة نافع وبعد موته. قال ابن بكير مولد مالك بذي المروة وكان أخوه النظر يبيع البز وكان مالك معه بزازًا ثم طلب العلم وكان ينزل أولًا بالعقيق ثم نزل بالمدينة وقيل لمالك لم تنزل العقيق فإنه يشق عليك إلى المسجد. فقال: بلغني أن النبي ﷺ كان يحبه ويأتيه وأن بعض الأنصار أراد النقلة منه إلى قرب المسجد فقال له النبي ﷺ : أما تحسبون خطاكم. قال إسماعيل بن أبي أويس: كان في كل يوم لحمه درهمان وكان يأمر خبازه سلمة في كل يوم جمعة طعامًا كثيرًا. قال مطرف: لو لم يجد مالك كل يوم درهمان يبتاع بهما لحمًا إلا أن، يبيع في ذلك متاعه لفعل. وكانت وظيفته في لحمه. وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد الله؟ قال: في الصيف السكر وفي الشتاء العسل. وكان مالك يعجبه الموز ويقول: لم يمسه ذباب ولا يد أسود ولا شيء أشبه بثمر الجنة منه لا نطلبه في شتاء ولا صيف إلا ووجدته. قال الله: أكلها دائم وظلها. قال أبو السمح طلق بن أبي السمح: رأيت مالكًا على بغلة

стр. 109

سرية بسرج سري عليها وعليه ثياب سرية وغلام يمشي خلفه حتى إذا أتى باب داره فدخل راكبًا إلى موضع معرسه فنزل وقعد، فأخذ الغلام منديلًا فمسح خفه ونزعه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأخبار المشهورة عنه بخلاف هذا مما سنذكره وأنه كان لا يركب بالمدينة إكرامًا لتربة فيها رسول الله ﷺ مدفون. قال محمد بن مالك كانت عمتي مع مالك في منزله فتهيء له فطره خبزًا وزيتًا، ووعظ مالك مرة أبا جعفر المنصور في افتقاد الرعية فقال له: أليس إذا بكت ابنتك من الجوع تأمر بحجر الرحا فيحرك كيلا يسمع الجيران بكاءها، فقال مالك: والله أعلم في ابتداء حاله وضيق أمره وأكثر هذه الحكايات المختلفة التي أوردنا منها ونورد في اختلاف أحواله في ديناه إنما كانت لاختلاف الأوقات وتنقل الأحوال إذ حال المرء في بدايته بخلاف حاله في نهايته، فقد عاش ﵀ نحو التسعين سنة على ما تقدم فكان يها إمامًا يروري ويفتي ويسمع قوله نحو سبعين سنة تنتقل أحواله في كل حين زيادة في الجلالة، ويتقدم في كل يوم علوه في الفضل والزعامة حتى مات وقد انفرد منذ سنين وحاز رئاسة الدنيا والدين دون منازع فلا تعارض بين ما يرد عليك من الأخبار في اختلاف أحواله والله والموفق. باب في عقله وسمته وأدبه وحسن معاشرته وذكر شيء من شمائله قالوا كان ربيعة يقول إذا جاء مالك قد جاء العاقل. وقال ابن مهدي لقيت أربعة: مالكًا وسفيان وشعبة وابن المبارك، فكان مالك أشدهم عقلًا.

стр. 110

وقال: ما رأت عيناي أحدًا أهيب من هيبة مالك ولا أتم عقلًا ولا أشد تقوى ولا أوفر دماغًا من مالك. وقال هارون الرشيد عنه ما رأيت أعقل منه. وقال ابن وهب: الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه. قال أحمد بن حنبل: قال مالك ما جالست سفيهًا قط. وهذا أمر لم يسلم منه غيره. قال أحمد ليس في فضائل العلماء أجل من هذا. قال أبو نوح ومصعب الزبيري: ذكر مالك يومًا شيئًا، فقلنا له من حدثك بهذا، قال أبو نوح ومصعب الزبيري: ذكر مالك يومًا شيئًا، فقلنا له من حدثك بهذا، قال إنا لم نجالس السفهاء. وقال زياد بن يونس كان والله مالك أعظم الخلق مروءة وأكثرهم صمتًا. وكان إذا جلس جلسة لا ينحل منها حتى يقوم ورأيته كثير الصمت قليل الكلام متحفظًا للسانه. قال ابن المبارك: كان مالك أشد الناس مدارة للناس وترك ما لا يعنيه. قال ابن أبي أويس، كان مالك يستعمل الأنصاف ويقول ليس في الناس أقل منه فأردت المداومة عليه. قال الزهراني: كان مالك إذا أصبح لبس ثيابه وتعمم ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلا متعممًا لابسًا ثيابه، وما رآه أحد قط أكل أو شرب حيث يراه الناس، ولا يضحك ولا يتكلم فيما لا يعنيه. وحكى أبو فهر المصري قال: كان أبو بكر بن إسحاق إذا ذكر عقل أبي علي الثقفي يقول ذلك عقل مأخوذ من الصحابة والتابعين وذلك أن أبا علي أقام بسمرقند منذ أربع سنين يأخذ تلك الشمائل من محمد بن نصر المروزي وأخذها ابن نصر عن يحيى بن يحيى، فلم يكن بخراسان أعقل منه وأخذها يحيى عن مالك أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه. فقيل له
следующие страницы →