Полный текст (1 447 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ذكر أخباره في رحلته
قال أسد: لما خرجت من المشرق وأتيت المدينة فقدمت مالكًا وكان إذا أصبح خرج آذنه، فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس فكنت أدخل معهم. فرأى مالك رغبتي في العلم، فقال لآذنه: ادخل القروي مع المصريين. فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له: إن لي صاحبين وقد استوحشت أن أدخل قبلهما فأمر بإدخالهما معي. وكان ابن القاسم وغيره يحملني أن اسأل مالكًا، فإذا أجابني قالوا لي قل له فإن كان كذا وكذا، فضاق علي يومًا وقال هذه سلسلة بنت سلسلة. إن كان كذا كان كذا. إن أردت فعليك بالعراق. فلما ودعته حين خروجي إلى العراق، دخلت عليه وصاحبان لي، وهما حارث التميمي وغالب صهر أسد. فقلنا له: أوصنا. فقال لي أوصيك بتقوى الله العظيم والقرآن ومناصحة هذه الأمة خيرًا. فراسة من مالك فيه. فولي أسد بعدها القضاء. وقال لصاحبي أوصيكما بتقوى الله والقرآن ونشر هذا العلم. قال سليمان بن خالد: لما سمع أسد الموطأ عن مالك قال له: زدني سماعًا. قال حسبك ما للناس. وكان مالك إذا تكلم بمسألة كتبها أصحابه فرأى أسد أمرًا يطول فرحل إلى العراق، وقال: فلما أتيت الكوفة، أتيت أبا يوسف، فوجدته جالسًا ومعه شاب وهو يملي عليه مسألة. فلما
стр. 457
فرغ منها قال ليت شعري ما يقول فيها مالك؟ قلت كذا وكذا. فنظر إليّ، فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك، وفي الثالث مثله، فلما افترق الناس دعاني، وقال، من أين أنت ومن أين أقبلت؟ قال فأخبرته. قال وما تطلب؟ قلت ما ينفعني الله به، فعطف عليّ
الشاب الجالس، فقال ضمه إليك، لعل الله ينفعك في الدنيا والآخرة فخرجت معه إلى داره، فإذا هو محمد بن الحسن. فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه. قال أسد: قلت لمحمد من الحسن أنا غريب والسماع منك قليل. قال اسمع العراقيين بالنهار وجئني بالليل وحدك تبيت معي، فأسمعك. فكان إذا رآني نعست نضج وجهي بالماء. ورآني يومًا أشرب ماء السبيل فقال لي، تشربه؟ فقلت له أنا ابن سبيل. فلما كان الليل بعث إليّ بثمانين دينارًا. وقال ما عرفت أنك ابن سبيل، إلا الآن. فلما أراد الانصراف إلى إفريقية لم يكن عنده ما يتحمل به، فذكر ذلك لمحمد بن الحسن، فقال له، أذكر شأنك لولي العهد. فلقيه ابن الحسن وذاكره أمره ثم قال لأسد، قف بالحاجب يوم كذا يدخلك عليه، واعلم أنك حيث تنزل نفسك أنزلوك. فمضى أسد وأستأذن، فأذن له فدخل حتى أنتهى إلى موضع أمر بالجلوس فيه، ومضى الخادم الذي أدخله، فجاء بمائدة مغطاة فجعلها بين يديه قال أسد ففكرت وقلت ما أرى هذا إلا منقصة. وقلت للخادم، هذا الذي جئتني به منك أو من مولاك. قال مولاي أمرني به. قلت: مولاك لا يرضى بهذا يأكل ضيفه دونه. يا غلام هذا برّ منك وجبت مكافأتك عليه. وكانت في جيبي أربعون درهمًا لم يبق معي سواها فدفعتها إلى الخادم، وقلت له أرفع مائدتك. ففعل وعرّف مولاه. فبلغني أنه قال حر والذي لا إله إلا هو. ثم قال الخادم ادخل. فدخلت عليه. وهو على سرير ومعلمه على آخر، وسرير ثالث. قال فأمرني بالجلوس عليه،
стр. 458
فجلست. وجعل يسائلني وأجيبه، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إليّ وقال قف بهذا إلى صاحب الديوان وتعود إليّ. فأخذت الرقعة وحضرتها. ولقيت محمدًا من الغد فسألني، فأعلمته. فقال لي أوصل الساعة الرقعة. ففعلت. فدفع إليّ صاحب الديوان عشرة آلاف درهم، فأعلمت محمد بن الحسن فقال لي إن عدت إلى القوم صرت لهم خادمًا، وفيم أخذت عون لك. قال أسد، ورغب إليّ محمد أن
أزامله إلى مكة. فكأني كرهت هذا. فقال لي أصحابه وددنا لو اشترينا هذا منه بعشرة آلاف درهم، فزاملته. فكنت أسأله عما أريد، وربما سألته وهو في الصلاة، فيمهد بالقراءة يعلمني أنه يصلي، فأقول: تشغل عني الصلاة وقد قطعت البلاد إليك. فيقطع ويجيبني. قال محمد بن الحارث وأبو اسحاق الشيرازي ويحيى بن اسحاق وبعضهم يزيد على بعض، رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة. ثم نعي مالك فارتجت العراق لموته. قال أسد فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها. كلهم يوقل مالك، واجتماعهم على ذلك ذكرته لمحمد بن الحسن، وهو المنظور فيهم. وقلت له لأختبره ما كثرة ذكركم لمالك، على أنه يخالفكم كثيرًا. فالتفت إليّ وقال لي اسكت. كان والله أمير المؤمنين في الآثار. فندم أسد على ما فاته وجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه. فقدم مصر ولم يذكر أبو اسحاق
стр. 459
أسدًا فيمن أخذ عن مالك ولا أن له عنه سماعًا، وإنما ذكره في اتباع أصحابه. وأرى أنه لم يبلغه ذلك وإلا فأخذه عنه صحيح مشهور. قال ابن الحارث: فقال أسد عن ذلك: إن كان فاتني لزوم مالك فلا يفوتني لزوم أصحابه. والله تعالى أعلم.
ذكر الكتب الأسدية والمدونة
قال أبو اسحاق الشيرازي: لما قدم أسد مصر أتى إلى ابن وهب وقال هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك. فتورع ابن وهب وأبى. فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب. فأجابه فيما حفظ عن مالك بقوله. وفيما شك قال: أخال وأحسب وأظن به، ومنها ما قال فيه، سمعته يقول في مسالة كذا وكذا. ومسألتك مثله، ومنه ما قال فيه باجتهاده على اصل قول مالك، وتسمى تلك الكتب الأسدية. قال أبو زرعة الرازي: كان أبو أسد قد سأل عنها محمد بن الحسن. قال أسد: فكنت أكتب الأسئلة بالليل في قنداق من أسئلة العراقيين على قياس قول
مالك. وأغدو عليه بها، فأسأله عنها. فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها. فارجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي. قال: وقال لي ابن القاسم: كنت اختم في اليوم والليلة ختمين فقد نزلت لك عن واحدة رغبة في إحياء العلم. قال: ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إليّ ابن القاسم سماعه من مالك. وقال لي ربما أجبتك وأنا على شغل. ولكن أنظر
стр. 460
في هذا الكتاب فما خالفه مما أجبتك فيه، فأسقطه. ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني. قال وهي الكتب المدونة وأنا دونتها. وأخذ الناس عن ابن القاسم تلك الكتب. وقال سليمان بن سالم: إن أسدًا لما دخل مصر اجتمع مع عبد الله بن وهب، فسأله عن مسألة فأجابه بالرواية. فأراد أن يدخل عليه، فقال له ابن وهب: حسبك إذ أدّينا إليك الرواية. ثم أتى إلى أشهب فأجابه. فقال له من يقول هذا: قال أشهب. هذا قولي. فدار بيننا كلام فقال عبد الله بن عبد الحكم الأسد: كذا مالك. ولهذا أجابك بجوابه. فإن شئت فأقبل وإن شئت فأترك. فرجع إلى ابن القاسم فسأله، فأجابه. فأدخل عليه، فأجابه حتى انقطع أسد في السؤال. فقال له ابن القاسم كذا. ازياد مغربي. وقال له من أين أقبلت؟ حتى أتبين لك. فقام أسد في المسجد على قدميه، وقال: معاشر الناس، إن كان مات مالك، فهذا مالك. فكان يسأله كل يوم، حتى دون عنه ستين كتابًا، وهي الأسدية. قال وطلبها منه أهل مصر، فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه! رجل سأل رجلًا فأجابه وهو بين أظهركم فاسألوه كما سأله. فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم في نسخها، فسأله، فأجابه، فنسخوها، حتى فرغوا منها وأتى بها أسد إلى القيروان، فكتبها الناس. قال ابن سحنون: وحملت لأسد بتلك الكتب في القيروان - رياسة. قال غيره: وأنكر عليه الناسإ إذ
стр. 461
جاء بهذه الكتب، وقالوا أجئتنا بأخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف. فقال: أما علمتم أن قول السلف هو رأي لهم وأثر لمن بعدهم،
ولقد كنت أسال ابن القاسم عن مسألة فيجيبني فيها، فأقول له: هو قول مالك؟ فيقول: كذا أخال وأرى وكان وربما. ورعًا يكره أن يهجم على الجواب. قال: والناس يتكلمون في هذه المسائل، ومنعها اسد من سحنون، فتلطف سحنون حتى وصلت إليه. ثم ارتحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم فيها شيء لا بد من تفسيره، وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك فيها أشياء كثيرة، لأنه كان أملاها على أسد من حفظه. قال ابن الحارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم وقد تفقه في علم مالك. فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم، فهذبها مع سحنون، وحكي أن سحنون لما ورد على ابن القاسم سأله عن أسد فأخبره بما انتشر من علمه في الآفاق، فسرّ بذلك. ثم سأله وأحله ابن القاسم من نفسه بمحل، وقال له سحنون: أريد أن أسمع منك كتب أسد فاستخار الله وسمعها عليه. وأسقط منها ما كان يشك فيه من قول مالك، وأجابه فيه على رأيه. وكتب إلى أسد أن أعارض كتبك على كتب سحنون فإني رجعت عن أشياء مما رويتها عني. فغضب أسد وقال: قل لابن القاسم أنا صيرتك ابن القاسم، ارجع عما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه. فترك أسد سماعها، وذكر أن بعض أصحاب أسد دخل عليه وهو يبكي، فسأله. فأخبره بالقصة.
стр. 462
وقال أعرض كتبي على كتبه وأنا ربيته؟ فقال له هذا: وأنت الذي نوهت لابن القاسم، فقال له لا تفعل. لو رأيته لم تقل هذا. وذكر أن أسدًا همّ بإصلاحها، فرده عن ذلك بعض أصحابه، وقال لا تضع قدرك تصلح كتبك من كتبه وأنت سمعتها قبله؟ فترك ذلك. وذكر أن ذلك بلغ ابن القاسم، فقال: اللهم لا تبارك في الأسدية. قال الشيرازي فهي مرفوضة إلى اليوم. قال الشيرازي: واقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون، ونظر سحنون فيها نظرًا آخر فهذبها، وبوّبها ودونّها، والحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما أختار ذكره، وذيّل أبوابها بالحديث والآثار،
إلا كتبًا منها مفرقة، بقيت على اصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدونة والمختلطة. وهي أصل المذهب المرجح روايتها على غيرها، عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروهم وشرح شارحوههم، وبها مناظرتهم ومذاكرتهم، ونسيت الأسدية فلا ذكر لها الآن وكان لمحمد بن عبد الحكم فيها اختصار، ولأبي زيد بن أبي الغمر فيها اختصار، وللبرقي فيها اختصار، وهو الذي كان صححها على ابن القاسم، وكان عليها مدار أهل مصر. قال أحمد بن خالد: كان واضع كلام ابن القاسم - يريد الأسدية - رجل من أهل مصر، يقال له الأحدب. فأخذها سحنون ودوّنها، وأدخل فيها الآثار. قال سحنون: عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح، وروايته: وكان يقول إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن. تجزي في الصلاة عن غيرها، ولا تجزي غيرها عنها. أفرغ الرجال فيها عقولهم، وشرحوها وبينوها فما اعتكف أحد على المدونة ودارسها إلا عرف ذلك
стр. 463
في روعه، وزهده، وما عداها إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه، ولو عاش عبد الرحمان أبدًا ما رأيتموني أبدًا. قال محمد بن عبد الحكم: جاء ابن وهب إلى أبي، بعد موت ابن القاسم، فقال له: تبرأ - ابن القاسم في قبره. لا ترو عنه شيئًا من كتبه. يعني الأسدية. فما رأى أبي فيها شيئًا إلا مثل المسألة والمسألتين على سبيل المذاكرة. ومال أسد بعد هذا إلى كتب أبي حنيفة، فرواها وسمعها منه أكثر الكوفيين يومئذ، ومال إليهم. ولما أحرق عباس الفارسي كتب المدونة وغيرها من كتب المدنيين ضربه أسد دررًا. فعنته رجل في ذلك، فقال: إنما أنجيته بضربي هذا من القتل بين يدي - الأمير لحرقه كتبًا فيها العلم، وفيها ذكر الله تعالى. فقلت: أيها الأمير دعني أضربه وأشهره، فهو أبلغ له، فاستنقذته بذلك من القتل. وكان عباس هذا محدثًا يبغض أهل الفقه، والرأي، ويقع في أسد وابن القاسم. فيقال أن ابن القاسم دعا الله عليه أن يمنحه في بلده وأنه تشكى منه الأسد.
ذكر مكان أسد من العلم والفضل والسنة
قال أبو العرب: كان أسد ثقة، لم يرم ببدعة. قال بكر بن حماد: قلت لسحنون: يقولون أن أسدًا قال بخلق القرآن. فقال: والله ما قاله.
стр. 464
قال داود بن يحيى: رأيت أسدًا يعرض التفسير فتلا هذه الآية: فاستمع لما يوحى إنّني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. فقال أسد: ويح أهل البدع، هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله خلق كلامًا يقول ذلك الكلام المخلوق. إنني أنا الله. . الآية. قال يحيى بن سلام: حدث أسد يومًا بحديث الدومة، وسليمان البراء المعتزلي في آخر المجلس، فأنكر. فسمع أسد فقام إليه وجمع بين طوقيه ولحيته واستقبله بنعله، فضربه حتى أدماه وطرده من مجلسه، وقيل بل كان يقرأ عليه في تفسير المسيب بن شريك: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. وسليمان حاضر، فقال: من الانتظار، يا أبا عبد الله. فأخذ أسد بتلابيبه ونعلًا غليظة بيده الأخرى، وقال: يا زنديق لتقولنها أو لا: تبصر بها عينيك. فقال سليمان: نعم، تنظر. قال سلمان بن عمران: سمع أسد بن هشيم اثني عشر ألف حديث. وقال: سمعت من أبي زائدة عشرين ألف حديث. وقال ربما رأيت أسدًا يدق صدره ويقول: واحسرتا إن مت ليدخلن القبر مني علم عظيم. قال: وبسبب أسد ظهر العلم بإفريقية. قال غيره. كان أسد أعلم العراقيين بالقيروان كافة. ومذهبه السنة لا يعرف غيرها. قال: ولما قدم أسد القيروان سمع منه علماؤها ووجوهها سحنون ابن سعيد وأمثاله من المدنيين، وأصحابه المعروفون به، كعمرو بن وهب وسليمان بن عمران وبني قادم، وابن المنهال، وسائر الكوفيين سمعوا منه كتب أبي حنيفة. وكان أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشائخ
стр. 465
المدنيين: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله. فيسرد أقوال المدنيين. قال أسد: بعث إليّ ابن غانم يشاورني، فأجبته. فقال بعدما خرجت: ما أحب أن أشاور في هذا البلد غير هذا الفتى. وكان أسد إذا جاء باب
ابن غانم فقرعه، فقيل: من؟ قال: أسد الفقيه. فيقول ابن غانم: صدق. يشاورني فأجبته. فقال بعدما خرجت: ما أحب أن أشاوره. قال عمران بن أبي محرز: جاءنا موت أسد فاستعظمه أبي، وقال: اليوم مات العلم. قال أسد: كان مالك يقول من بنى أو غرس في أرض بينه وبين قوم مشاعة، فللشركاء عوض من ذلك في الأرض، إن كان بقي منها عوض. ثم رجع مالك فقال: يقول أهل العراق أن الأرض تقسم، فإن صار الغرس في نصيب غارسه كان له، وإن صار في نصيب غيره قيل للغارس أرفع غرسك. واستفتى زيادة الله أمير إفريقية، أسدًا وأبا محرز الكوفي وزكريا ابن الحكم في زنديق. فقال أبو محرز وأسد: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقال أبو زكريا: قد روى أهل العلم أنه إن كان مظهرًا للإسلام ثم أطلع بعد ذلك لم تقبل له توبة، قال أبو محرز: فأعطه السيف يقتله. قال زكريا: إنما رويت هذا، ولا تأخذ به. فقال أبو محرز: يا أحمق، فتجري هذا على قتله، وأنت لا تأخذ به. قال أسد: لو قتل بعد التوبة كان عندي شهيدًا. وكان أسد لا يرى في التعريض الحد، ويقول بتحريم النبيذ. وسأله رجل عن الحديث عن النبي ﷺ : لا يكون الرجل مؤمنًا حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله وماله والناس أجمعين. وقال
стр. 466
له: أخاف أن لا أكون كذلك. فقال له: ارأيت لو كان النبي ﷺ بين أظهرنا، فقرب ليقتل أكنت تفديه بنفسك؟ قال: نعم. وبأهلك وولدك؟ قال: نعم. فقال لا بأس. فقال له الرجل: فرّجتها عني فرج الله عنك.
ولاية أسد القضاء والإمارة
ولي زيادة الله أسدًا القضاء شريكًا لأبي محرز الكناني، سنة ثلاث أو أربع ومائتين. فاشتركا في القضاء. وكان ما بينهما غير جميل، فكان أسد أغزرهما علمًا وفقهًا، وأبو محرز أسدهما رأيًا، وأكثرهما صوابًا. قام قاضيًا إلى أن خرج
إلى صقلية، سنة اثنتي عشرة واليًا على جيشها. وكان على علمه وفقهه أحد الشجعان. فخرج أسد في عشرة آلاف رجل منهم تسعمائة فارس، وكان سبب غزوة صقلية أنهم كانوا معه في هدنة، وكان في شرطهم أن من دخل إليهم من السلمين وأراد أن يرد بعضهم رده، فرجع إلى زيادة الله أن عندهم أسرى، فجاء رسل طاغيتها، فجمع زيادة الله العلماء وسألهم عن الأمر، فقال أبو محرز: يستأنى حتى يتبين. وقال أسد: يسأل رسلهم عن ذلك، فقال أبو محرز: كيف يقبل قولهم عليهم. فقال أسد: بالرسل هادناهم وبهم نجعلهم ناقضين. قال الله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلّم وأنت الأعلون. فنحن الأعلون. فسأل الرسل، فاعترفوا أنهم في دينهم لا يحلُّ لهم ردهم. فنحن الأعلون. فسأل الرسل، فاعترفوا أنهم في دينهم لا يحلُّ لهم ردهم. فأمر زيادة الله بالغزو إليها. فقال أسد
стр. 467
إذ ذاك لزيادة الله: من بعد القضاء، والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟ فقال: لا، ولكني وليتك الإمرة، وهي أشرف، وأبقيت لك اسم القضاء. فأنت أمير، قاض، فخرج إلى صقلية وظفر بكثير منها وتوفي وهو محاصر سرقوسة منها. وكان أيضًا قد غزا سردانية، فأشرف على فتحها، وحسده بعض من كان معه، فانهزم. وبلغ ذلك الأمير. فقال له: بلغني كذا. فهمّ لي من فعل ذلك معه، فلم يفعل. ولك خرج أسد إلى سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم والناس يشيعونه، وأمر زيادة أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه. فلما نظر الناس حوله من كل جهة، وقد صهلت الخيل وضربت الطبول وخفقت البنود، قال: لا غله إلا الله وحده لا شريك له، والله يا معشر المسلمين ما ولي لي أب، ولا جدّ ولا رأي أحد الناس من سلفي، مثل هذا. ولا بلغت ما ترون إلا بالإقلام فاجتهدوا أنفسكم فيها، وثابروا على تدوين العلم، تنالوا به الدنيا والآخرة. وحكى سليمان بن سالم أن أسدًا لقي ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفًا. قال الرواي فرأيت أسدًا لقي
ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفًا. قال الرواي فرأيت أسدًا وفي يده اللواء وهو يزمزم وأقبل على قراءة يس، ثم حرض الناس، وحمل وحملوا معه، فهزم الله جموع النصارى، ورأيت أسدًا وقد سالت الدماء على قناة اللواء.
حتى صار تحت إبطه، ولقد رد يده في بعض تلك الأيام فلم يستطع مما اجتمع من الدم تحت إبطه والله تعالى أعلم.
стр. 468
بقية أخباره ووفاته
قال عبد الرحيم الزاهد: قلت لأسد لما قدم علينا بكتب أهل المدينة وأهل العراق: أي القولين تأمرني اتبع واسمعه منك؟ فقال لي: إن أردت الله والدار الآخرة فعليك بقول مالك، وإن أردت الدنيا، فعليك بقول أهل العراق. وقال ابن حاري فكان هذا الرجل بعد يطعن على أسد بهذه القصة. وكان يقول الحق عنده في مذهب مالك. وكان يفتي بغيره. ولما غلب عمران بن مجاهد على القيروان، بعث إلى أسد أن اخرج معنا، فتمارض ولزم بيته، فبعث إليه: إن لم تخرج معي وإلا بعثت إليك من يجر برجلك. فقال للرسول: لئن أخرجتني لأنادين القاتل والمقتول في النار. فلما سمع ذلك تركه. قال بعضهم: بعث الأمير إلى أبي محرز وأسد، وهما قاضياه فأقبل أسد، فإذا أبو محرز ينتظره مع بعض الرسل، فقال كيف أصبحت أبا محرز؟ فلم يرد عليه شيئًا، وصار إلى الأمير، فأجلس أبا محرز عن يمينه وأسدًا عن شماله، ثم دفع صكًا إلى أسد ليقرأه، فلم يقرأ، باسم الله الرحمان الرحيم. فقال له أبو محرز: أخطأت. فقال أسد أيها الأمير لقيته فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، ولم أقرأ إلا كلمتين فقال لي أخطأت. فنظر زيادة الله إليه، فقال أبو محرز: ما سلّم علي ولو سلّم علي لرددت عليه، وإنما قال: كيف أصبحت؟ وأصبحت مغمومًا فلو أخبرته لسررته. ثم دخل عليهم رجل فذكر للأمير أنه رأى كأن جبرائيل هبط من السماء، ومعه نور حتى وقف بين يديك وصافحك. وفي
رواية وقبل يدك، فابتسم
стр. 469
زيادة الله، وقال: هذا عدل يجريه الله على يدي. فقال أسد كذب الشيخ أيها الأمير، فغضب ونظر إلى أبي محرز كالمحرك له، ليعلم ما بينهما. فقال أبو محرز: صدق أسد وكذب الشيخ. لأن جبريل لا ينزل بوحي إلا على نبي، وقد انقطع الوحي. وهذا وأمثاله يأتونكم بمثل هذا طلبًا للدنيا، فاتق الله. فسكت الأمير وخرجا. فجزى أسد أبا محرز خيرًا فقال له: لله فعلت ذلك لا لك. وكانا على تباعدهما لا يستحل أحدهما من صاحبه ما لا يحل. ولم يكن عند أسد عربية، وكان صاحبه معربًا قليل الكلام. وقيل له: ما هذا الذي يقول الناس في أمر أبي بكر وعلي. فقال: والله ما يخفى علينا من يستحق الولاية بعد والينا وقاضينا. فكيف يخفى على أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم ﵊. ولما قدم منصور على ابن الأغلب ودنا من القيروان، خرج إليه أسد وأبو محرز وهما قاضيان، وكان من قوله لهما اخرجا معنا، أما تعلمان أن هذا أظلم المسلمين. فقال أبو محرز: وقد خاف منه. نعم، واليهود والنصارى. وأما أسد: لما انصرفت من العراق إلى مصر، قصدت أشهب واعتمدت عليه، وكان في خلقه ضيق، وكان علمه خيرًا من دينه، فذكر يومًا أبا حنيفة، فأزرى عليه، ثم فعل بمالك مثل ذلك، فنهضت إليه وقلت له: يا أشهب. فأخذ الطلبة بثوبي وأقعدوني وقالوا: ما أردت أن تقول له؟ قال: أقول إنما مثلك ومثلهما مثل من بال بين بحرين، فرغى بوله فقال: هذا بحر ثالث.
стр. 470
قال فتركته. ومات ابن الاسم فخير لي، وكان أورع منه. وكان أسد يقول: أنا أسد، وهو خير الوحوش، وأبي فرات وهو خير المياه، وجدي سنان وهو خير السلاح. وكانت وفاة أسد في حصار سرقوسة، من غزوة صقلية، وهو أمير الجيش وقاضيه. سنة ثلاث عشر ومائتين. وقيل أربع عشرة، وقيل سبع عشرة. وقبره ومسجده بصقلية. مولده سنة خمس وأربعين ومائة، بحران ويقال سنة ثلاث ويقال سنة
اثنتين وأربعين وكان قدومه من المشرق، سنة إحدى وثمانين ومائة.
عبد الله بن أبي حسان اليحصبي
من أنفسهم واسم أبي حسان فيما قاله أبو العرب وغير واحد: يزيد بن عبد الرحمان. وقال ابن سحنون: اسمه عبد الرحمان. ويقال عبد الرحمان ابن يزيد. قال أبو علي بن أبي سعيد في كتابه: هو من أشراف أفريقية، بشرف أبيه وبيته وفقهه وأدبه. وكان يسكن بالقيروان بحارة يحصب المنسوبة إليهم. وأبوه من عربها البلديين من أنفسهم. وله في حرب البرابرة بلاء حسن، وولي الأريس، قال أبو العرب: ورحل إلى مالك فكان عنده مكرمًا، وسمع من ابن أبي ذئب وابن عيينة وابن أنعم، وكان ثقة. ولم يطعن بشيء إلا بهفوة كانت منه عند زيادة الله فيما حكي، والله أعلم بها. وروى عنه سحنون بن سعيد، وفرات وسليمان ومحمد بن وضاح. قال ابن أبي حسان: لما أتيت مالكًا وجدته قد ارتفع، وباب داره مغلق،
стр. 471
فقرعت الباب فخرجت إلي جارية صفراء، فقالت: من أهل المسائل أنت أم من أهل الحوائج؟ قلت غريب أتيته قاصدًا. فقالت: ليس هذا وقتك. أدخل السقيفة. فدخلت فلما كان وقت خروجه، فتحت الباب ووصف صورة المجلس، ثم خرج مالك بين تلك الجارية وفتى، يخط رجلاه الأرض كبرًا. كأني أنظر إلى جماله وبهائه وشعر رأسه قد تعقف جعوده، فلما استوى جالسًا عم بسلامه، فردّوا عليه. فقمت فسلمت عليه، ودفعت إليه كتاب ابن غانم، فقال لي: صاحبك على القضاء. قلت نعم. قال: ما ذاك بخير له. ثم قرء عليه، فقال للقوم: هذا كتاب أتاني من هذا الرجل، يخبرني عن حاله في بلده وقدره، وقد قال ﵇: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. فقمت بين يديه، فأوسع لي رجل منهم، فجلست. فذكروا العلم. فقال: لا يؤخذ العلم إلا عن الموثوق بهم في دينهم. قم جلس يسال، وأنا قاعد. فربما قال: العلم أوسع من ذلك. فسئل وأنا قاعد عن خمس وعشرين مسألة. فما
أجاب إلا اثنتين. وقال لا حول ولا قوة إلا بالله. واختلف إليه فلم يزل لي مكرمًا رحمه الله تعالى وكان قد جعل لرجل ثلاثة دراهم كل يوم، يأخذ له مجلسًا يجلس فيه عند مالك. فإذا جاء ابن أبي حسان قام له الرجل، فجلس فيه. وكان أبن أبي حسان إذا جاء مجلس ابن عيينة قال أصحابه: جاءكم السؤوم لميل سفيان إليه، وحديثه معه، قال ابن أبي حسان: سمعت مالكًا يقول: أهل الذكاء والذهن والعقول من أهل الأمصار ثلاثة، المدينة ثم الكوفة ثم القيروان. قال ابن وهب: ما رأيت مالكًا أميل إلى أحد منه لابن أبي حسان.
стр. 472
ذكر علمه وفضله وبقية أخباره
قال سحنون: كنت أول طلبي إذا تعلقت على مسألة من الفقه، آتي ابن ابي حسان. فكأنما في يده مفتاح لما انغلق. وجاء رجل إلى ابن وهب فأخبره بموت ابن غانم فاسترجع ابن وهب، فقال له من ولي بعده: قال أبو محرز: قال ما أعرفه. فأين ابن أبي حسان، فوالله ما رأيت مالكًا أميل إلى أحد منه إليه. قال أبو علي البصري: كان عبد الله بن أبي حسان غاية في الفقه بمذهب مالك. حسن البيان عالمًا بأيام العرب وأنسابها، راوية للشعر، قائلًا له. وعنه أخذ الناس أخبار إفريقية وحروبها. روى ذلك عن أبيه وكان جوادًا. قال المالكي وكان مفوهًا قويًا على المناظرة ذابًّا عن السنة متبعًا لمذهب مالك، شديدًا على أهل البدع، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم. دخل مرة على الأغلب فإذا الجعفري والعنبري يتناظران في القرآن، فقال الجعفري: هذا شيخنا أبو محمد يعنيني عليكم. فقال ابن أبي حسان للعنبري ما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بكذا بكذا. فقال: إن كان معه أبو محمد فهذا الأمير معي. فقال ابن أبي حسان ما للملوك والكلام في الدين. فأحفظ ذلك على الأغلب. ثم قال: من أتى السلطان فهو مثله. فقال ابن أبي حسان إنما أتاكم الآتي، لأنكم خير ممن هو شر منكم، ولم أتى من هو شر
منكم أتاه الناس، ولم يأتوكم. وجاء رجل إلى ابن أبي حسان فأعلمه: أن داره تهدمت، وشاوره في بنيانها، ومن يبني عنده، فدفع ابن أبي حسان إليه ثلاثين دينارًا، وقال
стр. 473
استعن بها على بنائك. فقال له بعض ولده: أتاك يشاورك فأعطيته. قال لست ببناء وإنما تعرض لمعروفي. ولما ثار الجند على زيادة الله أغاروا على منازل ابن أبي حسان، وانتهبوها وطلبوه فاستخفى، وكان سيء الرأي فيهم، فقال شعرًا منه:
أباح طغام الجند جهلا حريمنا … وشقوا عصا الإسلام من كل جانب
وعاشوا وثاروا في البلاد سفاهة … وظنوا بأن الله غير معاقب
وما عجب بعض الأعاجم ضلّة … نزارا وقحطان الكرام المناسب
ولكن من قوم إلينا اعتزاؤهم … فبغضاؤهم فيها لإحدى العجائب
ولما اشتد طلبهم له لجأ ابن أبي حسان إلى من بالسّوس من قومه يحصب، من جملة الجند الجائرين. ومتّ إليهم بالنسب واستجار بهم، فأجاروه، وأمنوه. فما ظفر زيادة الله بعد بالقيروان، جمع العلماء فسألهم في حال الجند القائمين علي، فعرّفوه ما في العفو، ورغبوه فيه. فقال ابن أبي حسان: العفو مفسدة، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين. ويقال بل أنشد:
من لم يؤدبه الجميل … ففي عقوبته صلاحه
فقال أبو محرز القاضي، وقال غيره: العفو أقرب للتقوى. وقال لابن أبي حسان: من أجل شويهاتك أو رمنكاتك، تستحل دماء المسلمين. ووجد هؤلاء الكوفيون أعداؤه السبيل إلى التشنيع عليه، عند الجند والعامة بهذه الكلمة. فحفظت عليه وسقط بها. وقيل وعمد كل من سمع منه علمًا
стр. 474
فكتبه عنه، فقطعها على باب داره، وأصبح على باب داره منه شيء كثير، واعتذر عنه من أنصف، إنما أراد فتّاك الجند الذين أفسدوا البلد. قال ابن أبي حسان: رأيت هارون الخليفة وهو يسعى بين
الصفا والمروة، فمشى في بطن الوادي ونسي السعي، فلما جاوزه ذكر فرأيته رجع القهقري، حتى رجع إلى ما دون بطن الوادي، ثم سعى في بطنه واستدرك ما فاته، فأعجب ذلك من حضره من العلماء. ولما أصلح زيادة الله جامع القيروان، قال ابن أبي حسان: عاد المسجد مضريًا. لأن مختطه عقبة القريشي، وزيادة الله تميمي وهما مضريان. وكان حسان بن النعمان الغساني، ويزيد ابن حاتم الأزدي، قد جدداه قبل زيادة الله، فقال له: ابن أبي حسان: إبل عثرت أحلاسها. وقال له مرة: محونا أثاركم من الجامع. وقال: الأصل لنا، والفرع لكم. قال ابن أبي حسان وجه إليَّ زيادة الله، وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحله وأسد يحرمه. فقال ما تقول في النبيذ الشديد، فقلت قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك وهما فقيها البلد يتناظران فيه. فقال لا بد لك أن تقول أنت. وقال لهما: اسكتا فقلت أعوذ بالله عقل يساوي ألف درهم، يزيله من النبيذ ما يساوي درهما. وقال لي: ثم يعود. قلت بعد انكشاف السوءة للأم، والعورة للأب، وفي رواية: بعد أن قاء في لحيته، وكشف عورته لأهله وقتل هذا. وضيف هذا. قال: صدقت. كذا ذكر أبو علي
стр. 475
البصري، ومحمد بن حارث هذه الحكاية، وإن كان بعضها على نحو ما ابن حارث. ولا أدري كيف هي، إذ لا خلاف بينهم أن المسكر منه حرام. وتوفي ابن أبي حسان سنة سبع وقيل ست وعشرين ومائتين. وقال ابن سحنون: مات وهو ابن سبع وثمانين سنة. مولده سنة أربعين ومائة والله تعالى أعلم.
أبو عثمان وأخوه حاتم وأخوه أبو طالب أبناء عثمان المعافري
ويعرف بالابزاري. فيما ذكره بعضهم. وذكر أبو العرب وابن الحارث: أبا طالب
أخا أبي عثمان. ولم يسمياه، ولا قالا في الابزاري. وذكر أبا طالب عبد الله ابن عثمان الابزاري ممن روى عن مالك، على أنه آخر، والله أعلم. قال أبو العرب: لهما سماع من ابن أنعم، ومن مالك، وأحسب أن رحلتهما كانت مع ابن غانم. روى عنهما داود بن يحيى الصدفي، وغيره. وكان أبو عثمان رسول ابن غانم إلى مالك في مسائله. وكانا تقيين. قال أبو عثمان: سمعت مالكًا يقول: ينبغي للقاضي وللمعدل أن يحترس من الناس، بسوء الظن. قال حاتم: أكلت معه فرايته يأكل بثلاثة أصابع. قال: وسمعت مالكًا يقول: حياة الثوب طيّه، وعيبه قصر أكمامه. قال: وكنت إذا أتيت بكتاب ابن غانم إلى مالك
стр. 476
قال لي: ادفع إلى ابن كنانة. فكتب ابن كنانة الجواب. ثم أتى به مالكًا فأعرضه، فإن أنكر شيئًا أصلحه. قال ابن شعبان: ويقال لأبي عثمان أبا طالوت. ولم يذكره غيره. قال واسم أبي طالوت عبد الله. وقال غيره: اسمه كنيشة ويكنى بأبي محمد والله تعالى أعلم.
أبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي من أنفسهم
قال ابن شعبان: ويقال أبو خالد أيضًا. سمع من مالك وسفيان الثوري والليث واليسع بن حميد وعبد الله بن وهب، ورشدين بن سعد، والمغيرة ابن عبد الرحمان المخزومي، وسفيان بن عيينة وله سماع مدون من مالك، كسماع ابن القاسم وأشهب. قال المالكي: كان شيخًا صالحًا عالمًا باختلاف العلماء، مستجابًا. وأكثر اعتماده على مالك. متفننًا في العلوم من الحديث والفقه، والعبادة والعربية وغير ذلك. سمع منه نظراؤه بأفريقية، البهلول بن راشد وغيره، وسمع من بعضهم كعدن ين يوسف وعبد الله بن يونس، وسعيد بن حسان القزويني والجعفري وأبي داود والعطار وابنه، قال: وكان سحنون يجله، ويعرف حقه. وإذا سئل بحضرته أحال عليه، وكان أسنّ من سحنون. وكان سكناه بحصن، بجهة صفاقس. قال أبو العرب: وسماعه من سفيان صحيح. وهو ثقة. وحكى بعضهم قال: دخلت معه
إلى سفيان، فأصبناه قد مات، وسأله بعضهم، قال أنا سمعت من سفيان. قال أبو العرب: أراه لقي سفيان في رحلة قبل والله أعلم.
стр. 477
وهو ثقة مأمون لا يشك في سماعه من سفيان. وسئل أحمد بن برد عن أبي خارجة، فقال بمثله يقال ثقة. وهو رجل صالح. لقي أبا يوسف ولم يأخذ عنه. روى عن مالك عن الذي يعتم بالعمامة ولا يجعلها تحت ذقنه، فأنكره، إلا أن تكون قصيرة لا تبلغ. قال ابن حارث: سمعت كثيرًا عن الناس يحكون عن أبي خارجة عجائب من الأخبار والوصف، لما لم يكن فيكون ذلك، مثل ما يحكى بالأندلس عن بقية بن مخلد، إلا أن الحكاية عن أبي خارجة أكثر استفاضة، وأكثر عجائب. قال ابن الجزار المتطبب في تعريفه: وذكره مثل ما ذكره ابن حارث، فبعضهم يقول: بل من خدمة الجان، ومنهم من يزعم أنه كان صالحًا يجري الله الحق على لسانه، فينطق به. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض: وأنا بريء من عهدة هذه التأويلات إلا الأخيرة فالحديث الصريح يحتج لها.
ذكر عجائب أخباره وبراهينه ووفاته
ذكر بعضهم، أنه نزل في طريق سوسة فاستلقى، ثم قال لأصحابه يأتيكم الساعة رجلان يسألان عن شيء، فتسمعان ما تكرهان، ومعهما طعام تأكلانه أنتم، ولا نأكله أنا. وإذا برجلين على بغلة، فسألا عن الشيخ وقالا له: رجل له عجل رأى في المنام أنه يخالفه إلى خمير عنده يأكله، قال، فقال له أبو خارجة له عبد خلاسي يخالفه إلى أهله. فقال أحد
стр. 478
الرجلين للآخر قد نبهناه عن دخوله إليه، فلم يفقه. ثم قالا معنا شيء من زادنا فأخرجا خبز شعير ودجاجًا وزيتونًا، فأكل من حضر، ولم يأكل هو منه. إذ كانت بعض أرواح يضر بها هذا الطعام. وسأله رجل. أنه كان يرى أنه يحرث في حفر، ففسر أبو خارجة وقال: هذا رجل يطلب الصبيان. وكان أبو خارجة يقول اللهم أمتني قبل أن يخرج من ها هنا قوم ينبحون
نباح الكلاب، يشير نحو أرض المغرب. وكان بنى مسجد عظيمًا فيه نحو عشرين سارية عظامًا. فقالوا له من يرفع هذه السواري؟ قال الذي خلقها. فأصبحت السواري مرفوعة، ورؤوسها عليها. قال ابن مسكين: كان عندنا رجل له تابع فقال له يومًا: لأخوفن أبا خارجة. فنهاه صاحبه. فقال لأفعلن. فلما كان في الليل ركب أبو خارجة إلى منزله، فلقيه خيال، ثم عرض له شخص، فقصده أبو خارجة إلى منزله، فلقيه خيال، ثم عرض له شخص، فقصده أبو خارجة وجعل يضربه، ويفر منه، وهو يصيح، حتى غاب في الزيتون فذهب أبو خارجة. فأتى التابع صاحبه، وهو مما به أخبره، فقال: قد نهيتك. قال وكان أبو خارجة يصلي من الليل في مسجدٍ استضافه أهله، فبينما هو يصلي، نظر في ركن المسجد، وأراه بعد غلقه إلى شيخ قائم يصلي، فلما سلم أبو خارجة استل سيفه فهزه وقصده ويقول: أعلي تجسر، فاستمع منه وذهب! وكان يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى تمحى كتب أبي حنيفة. فكان كذلك أيام سحنون ومن حكمه قوله: ثلاثة من أعلام الإحسان كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر
стр. 479
العيب. وثلاثة من أعلام المعرفة: الإقبال على الله، والانقطاع إلى الله، والافتخار بالله. وثلاثة من أعلام الفكرة: سرعة الأفكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار. وكان يقول عند إفطاره: الحمد لله الذي هداني فصمت، والحمد لله الذي رزقني فأفطرت، أن تعذبني فأنا أهل لذلك، وأن تغفر لي فأنت أهل لذلك. وكان يقول: ثلاث من أعطيهن فقد اغتبط: علم نافع، ورزق طيب، وعمل متقبل. وذكروا أنه أصاب الناس بصفاقس سبع سنين قحط، فأتوا أبا خارجة يستسقي لهم، فقال لهم تأتون غدًا بنسائكم وصبيانكم، وبهائمكم، وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان غدًا قفوا بين يده، وتضرّعوا إليه، فإنه يرق لحالكم. ففعلوا ذلك. فخرج أبو خارجة، فصلى بهم وخطب ودعا، ثم جلس إلى صلاة الظهر، ثم بسط يديه وقال: أنت مولانا ما لنا غيرك ولا سواك. بك
نالوا الدرجة الرفيعة، والمواهب العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا، وقبيح أعمالنا، وما لنا غيرك ولا سواك، وقد قامت آمالنا بك وقد جثونا بين يدك. بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة، وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية نافعة تجدد الإيمان في قلوبنا، ولا نبرح بين يدي كريم حتى يسقينا، وسيلتنا إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا. ﷺ . وقال: فإذا بريح بيضاء بدت بهم، ثم اندفعت بالغيث. فمضى أبو خارجة يرفع ثيابه ويقول: بهذا يعرف الكريم، هذا فعلك فيمن قصدك. وبهذا تعرف وتوصف. وتوفي أبو خارجة في ربيع الأخير سنة عشر ومائتين، سنُّه ست وثمانون سنة. والله أعلم.
стр. 480
الحارث بن أسد
من أهل نقطة. كان ثقة خيارًا مستجابًا يختم القرآن في كل ليلة من رمضان. أخذ عن مالك. روى عنه البهلول بن راشد، وعبد الله بن القاري، ومحمد بن تميم وغيرهم. قال الحارث لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصنا. فقتل اتق الله وانظر عن تنقل. وقال لابن القاسم اتق الله وانشر ما سمعت. وقال لي اتق الله وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث لم يرني أهلًا للعلم. وقال محمد بن حارث رأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتى فلا يفتي. ويقول لم يرني مالك أهلًا للعلم.
محمد بن معاوية الحضرمي طرابلسي
من أصحاب مالك، وله عنه سماع، ثلاثة أجزاء. وله غيرها عن الليث رواها عنه محمد بن وضاح. قال أبو العرب التميمي: سمع من أبي معمر ومالك بن أنس موطأه، ومن الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، مشهور ثقة. وكان له سن
وإدراك. سمع من أبي معمر صاحب أنس بن مالك. سمع منه بكر بن حماد، وفرات بن محمد. وحكى بكر أن سحنونًا قال فيه شيئًا. قال أبو علي بن البصري: هو أعلم من محمد بن ربيعة الحضرمي الطرابلسي. وكان أيضًا ابن ربيعة ممن روى عن مالك، وابن لهيعة، وأبي معمر وابن أبي حازم، وإبراهيم بن أبي يحيى. قال أبو العرب: قال
стр. 481
محمد بن معاوية: كان بقي عليه شيء من الموطأ، من كتاب الصلاة، فأتيت إلى مالك وقد دخل الناس، فقال لي من يقرأ لك؟ قلت: حبيب. وكنت قاطعته بخمسة دراهم، ويضم الكتاب خمسًا وعشرين ورقة. فقرأها لي حبيب في مجلس واحد. قال لي حبيب: لم تفتني دراهمك يا مغربي. وفي روايته في الموطأ، جامع الجامع. وليس ذلك عند غيره، من أصحاب مالك. ذكر ذلك أبو بكر بن محمد المالكي في كتاب الرياض ذلك.
زكريا بن محمد بن الحكم اللخمي أبو يحيى
قال أبو العرب: كان ثقة مأمونًا صالحًا. وكان من أهل العلم. سمع من مالك وحيوة بن شريح. وكان يستفتي بالقيروان مع أسد وأبي محرز وطبقتهم. وكان في عداد المدنيين منهم. ذكر أنه كان مع جماعة من العلماء عند زيادة الله بن الأغلب، فأتى بجراب فيه حلي من حلي النساء، ودنانير. فأعطى منه لمن حضر وأخذوا غير زكريا فأبى، ثم أنصرف فلما ولي جعل زيادة الله يقول وهو ينظر إليه: لله درك يا ابن الحكم. وذكر أبو العرب أيضًا في رواة مالك من أهل أفريقية: محمد بن عبد الحكم اللخمي، وأنه مأمون ثقة، وأنه توفي سنة ست ومائتين، ويحيى بن زكريا بن محمد ابن الحكم ابن التجيبي. قال أبو العرب: هو ثقة صالح. قال ابن فهري
стр. 482
روى عن مالك. قال ابن وضاح: لقيت يحيى بن زكريا بن الحكم بالقيروان وهو شيخ.
من أهل الأندلس
قرعوس بن العباس بن قرعوس بن حميد
ويقال عبيد بن منصور بن محمد بن يوسف الثقفي. قال القاضي أبو الوليد ابن الفضي: من أهل قرطبة. يكنى أبا الفضل. ويقال أبا محمد. رحل فسمع من مالك والثوري، وابن جريج والليث وابن أبي حازم وغيرهم. وكان رجلًا متدينًا فاضلًا ورعًا، كان علمه المسائل على مذهب مالك وأصحابه ولا علم له بالحديث. وقيل: أنه سمع من مالك الموطأ. وغير شيء من ولا علم له بالحديث. وقيل: أنه سمع من مالك الموطأ. وغير شيء من مسائله. وقال يحيى بن يحيى وذكره: وهو رجل من أهل العلم كثير الفقه. لقي مالكًا وحمل عنه. وقال غيره: لم أر بالأندلس مرءة مثل قرعوس. قال القاضي أبو الوليد: وكان ممن اتهم في أمر البهج. فوفاه الله. يعني الذي هلك فيه أصحابه. وذكرنا عنه طرفًا في خبر يحيى بن مضر في الطبقة الأولى. روى عنه أصبغ بن خليل، وابن حبيب، وعثمان بن أيوب. وسأل قرعوس مالكًا عن الضرب الذي كان يضرب أبوه الناس، وكان أبو ولي السوق، وكان رجلًا صالحًا شديدًا على أهل الريب، يضرب ضربًا شديدًا. فقال له مالك: إن كان فعل ذلك غضبًا لله وذبًا عن محارمه فأرجو أن يكون خفيفًا. وكان ممن اتهم بالهيج والقيام بالربض على
стр. 483
السلطان، فسيق فيمن سيق ملببًّا. ووقف به تحت النطع، وكلمه فتى على لسان الأمير، وقال له: مثلك من أهل الديانة والأمانة في العلم، يتابع السفلة. فلو نفذ لهم أمركم كان يهتك من الستور ويستحل من الفروج، إلى أن يقوم إمام يريح الناس. فقال معاذ الله أن أفعل وأن أقع في مثل هذا. بيدٍ أو لسان، فقد سمعت مالكًا والثوري يقولان: سلطان جائر سبعين سنة خير من أمة سائبة ساعة من نهار. فقال له الحكم أنت سمعت منهما؟ قال لقد سمعته منهما. فخلّى سبيله. وتوفي قرعوس سنة عشرين ومائتين. وقد اعترض على ما ذكر من
روايته عن سفيان وابن جريج. فقال علي بن حزم: من المحال أن يروي قرعوس عن ابن جريج، إذ مات ابن جريج سنة خمسين ومائة، وقرعوس مات سنة عشرين ومائتين. ولم يطل عمر قرعوس طولًا يحتمل هذا. وكذلك وفاة سفيان سنة إحدى وستين.
محمد بن بشير القاضي
قال الفقيه أبو عبد الله بن حارث: هو أبو عبد الله، محمد بن سعيد بن بشير ابن شراحيل. ويقال، إسرافيل المعافري، أصله من جند باجة، وعداده في عرب مصر. كتب في حداثته للقاضي المصعب بن عمران. ثم رحل إلى المشرق، فلقي مالكًا وجالسه، وسمع منه، واقتبس أيضًا بمصر، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم ضيعته بباحة إلى أن استدعي للقضاء بقرطبة. قال غيره: روى عن مالك الموطأ قال أحمد بن خالد: طلب ابن بشير العلم بقرطبة عند مشيختها، فأخذ منه بخط وافر، ثم كتب لوالي باجة
стр. 484
ليعتصم به من ظلمة نالته، ثم انقبض وخرج حاجًا، فقضى الفريضة وأشبع في المعرفة. قال ابن القوطية: كتب أولًا لوالي بلده، ثم رغب عن ذلك ومال إلى العلم، وقال: أن المصعب القاضي إنما استكتبه بعد صدوره من المشرق. وحكى عن مالك أنه كان يقول: انظروا في هذه الكتب ولا تخلطوها بغيرها. يعني الموطأ. وكان يحيى بن يحيى كثيرًا ما يحكى عنه، عن مالك من ذلك أنه سأل مالكًا عن لبن الأتن فلم ير به بأسًا.
الثناء عليه
قال: كان يحيى بن يحيى، أشدَّ الناس تعظيمًا لمحمد بن بشير، وأحسنهم ثناء عليه. في حياته، وبعد وفاته. ولقد سئل عن لباس العمائم فقال: هي لباس الناس بالمشرق، وعليه كان أمرهم في القديم. فقيل له لو لبستها، لتبعك الناس. فقال قد
لبس محمد بن بشير الخزّ، فلم يتبع فيه، وكان ابن بشير أهلًا أن يقتدى به. وذكره ابن القوطية فقال فيه، خير القضاة بالأندلس، وأفضلهم وأعدلهم. وقال عبد الملك بن حبيب: كان ابن بشير، من خيار المسلمين. ووصف عدله وفضله، قال: وكان يصلي بنا الجمعة، وعليه قلنسوة خز. قال ابن حارث: من مستفيض الأخبار التي لا يتواطأ على مثلها، لسعة الاجتماع عليها، أنّه كان من عيون القضاة الهداة، ومن أولي السداد والمذاهب الجميلة، وأصالة الرأي والسيرة العادلة، والذكر
стр. 485
الجميل الخالد، وكان شديد الشكيمة ماضي العزيمة، صلبًا في الحق، مؤيدًا لا هوادة عنده لأحد. ولا مداهنة لديه لأحد. من أصحاب السلطان، لا يؤثر غير الحق في أحكامه. جيّد الفطنة حسن الإنبساط صادق الحسّ قوي الإدراك.
ولايته القضاء وسيرته
قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إلى أن توفي فولي ابنه سعيد مكانه، قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب، أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه، وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء. فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى، فانصح لي وأشر علي. قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها. كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الغاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي، فقال هذه واحدة. فكيف حبك للوجوه
الحسان وشبه هذا من الشهوات. فقال ابن بشير هذه حالة والله ما استشرقت نفسي إليها قط، ولا خطرت
стр. 486
ببالي. قال: هذه ثانية. كيف حبك للمدح والثناء وكراهتك للعزل، وحب الولاية. قال والله ما أبالي في الحق من مدحني أو ذمني وما أسرّ بالولاية ولا أستوحش للعزل. فقال له: أقبل القضاء، ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض أخوانه يعتبه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة، فما قضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير صلابته، فكانت سببًا لعزله. فانصرف لبلده كما تمنى. فما لبث إلا يسيرًا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، فرفعه إلى قرطبة، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، فاجتمع معه، وقال له قد أرسل فيّ الأمير، وأظنه أنه يردني على القضاء ثانية. فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب، والبعيد ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك. قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على ما أمررته، إذا ظهر لي. فقال له: لست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد إلى قرطبة وولي القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله، أن يده قصرت عن بعض الخاصّة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثًا وعتق مماليكه وبصدقة ما يملك على المساكين أن حكم بين اثنين، فعزل. فلما أراد رده، اعتذر إليه، بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، واعتق وطلق وتصدق وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه ومالًا عوضًا من ماله، ومماليكًا عوضًا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير، قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء،
стр. 487
ثلاثة شروط مضمونة إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة، نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين
حارس السوق، وإن ظهر لي من نفسي عجز، أستعفيتك، فأعفني. وأن يكون رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبته، مرتبة، فيقف الخصمان على أقدامهما، بين يديه. ويدليان بحجتهما من غير صخب، فيفصل بينهما. وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال. ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر، إلى العصر، فلا ينظر غير أسماعه من البيّنات، ويقيد الشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره، ولا داره. ولا يقرأ كتابًا لأحد في سبب خصومه، ولا يرخص إليه. قال ابن وضاح: تولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه. ثم لم تزل في خريطته بعينها، إلى أن مات. فإذا سأله رجل طابعًا لرفع خصم كشفه له، عما يريده له. فإن كان قريبًا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه يزمُّ اسمه ومسكنه، واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،
стр. 488
إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد، وإسماعيل ابن البشير التجيبي، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه، كتب
إلى مصر إلى عبد الرحمان بن القاسم، وعبد الله بن وهب، قال القاضي أسلم عبد العزيز بن بقي بن مخلد؛ قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف لم تكن لقاض قبله في الأندلس. ولا يقارن إلا بمن تقدم في صدر هذه الأمة. ورأيت له غير سجل فوجدتها مختصرة جدًا، محتوية على فص المعنى، من غير إكثار. إنما هي أسطار قليلة. خلاف ما يختلف الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة صاحب الخيل، شكا إلى الأمير، أن ابن بشير يحيف عليه. فقال: أنا أمتحن قولك الساعة بواحدة. أخرج من فورك فاقصده، واستأذن عليه. فإن إذن لك صدقت قولك وعزلته. وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه. فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الإذن له أن كانت لك حاجة فاقتصد لذكرها مجلس القضاء. إذا جلس القاضي فيه، فلا سبيل إلى
стр. 489
لقائه. وأعلم الأمير بذلك، فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية في معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا وابن مرتيل وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت لأعدل هذا الرجل. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبها كان يستفتح حكومته. قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحوّل وجهه نحونا. وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو إنه عندكم رضى. فقلنا له: بيمين أصلحك الله. قال والله لا أكتب له اسمًا إلا أن تحلفوا بها، أنه كذلك. فتورعنا وانصرفنا. وشهد عنده رجل، رافقه من الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته. فقال الخصم: عرفني بمن لم تقبل، لأنظر في تعديله. فقال له محمد: فلان صاحبي. ولن ينفعك تعديله عندي. فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنا وإياك المنشأ والحضر، وطلب العلم وطريق الحج، وعلمت من باطني ما علمت من باطنك فعرفني بالسبب أمام الناس، لأعرفه وأعرف بخطئي فيه أمام الجماعة. فقال ابن بشير:
صدقت. وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا من الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا، والمقام بها، وشكوت لي الغربة ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادمًا تساوي على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة. فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها. وإنما تشتريها للمتعة. فدعها فلا معنى للزيادة فيها. فعصيتني واشتريتها. فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف ذلك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها، قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك وقال: على محبتي فيك
стр. 490
وخاصتي بك. فقال له الورع: يا أبا اليسع الورع يا أبا اليسع. فلم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يُظنُّ بهما خيرًا لمملوكٍ لمتوفى، أن مولاه أعتقه وزّوجه ابنته، وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأوصى إلى القاضي أنه يريده. فدخل عليه، فلما أبصر به الشاهد، وهو في كربة، جثا على ركبتيه، وجعل ينجز إليه، فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال إني في النار إن لم تنقذني منها. الشهادة التي شهدت بها عندك بفلان لم يكن منها شيء فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول قضي الحكم، وأنت في النار. وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار دون استثناء. لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء. وإلا فحتمية الله في العفو عنه. من وراء هذا بفضلة، بقبول توبة مثله، ومحو سيئته بها، موعود به.
ذكر زيّه
وكان ابن بشير، قبل استقضائه يفرّق شعره إلى شحمة أذنيه، ويلتحف رداءًا معصفرًا على الرسم الأقدم، وكان حسن الزي جميل الخلق، فتمادى على زيه في
قضائه. قال ابن وضاح: أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلًا على باب المسجد الجامع يوم الجمعة، وعليه رداء معصفر، في رجليه حذاء صرَّار. وعليه جمة مفروقة. ثم يقوم يخطب ويصلي في زيه
стр. 491
وكذا كان يجلس للقضاء بين الناس، وأن العيون لتغضي عنه مهابة، فإن رام واحد نيل شيء من دينه، وجده أبعد منالًا من الثريا. ولقد أتى رجل طاريّ مجلسه لحاجة عنّت له، فسأل عنه بعض من جلس إلى قربه، فأرشده إليه، فلما رآه في زيه ذلك، وآثار الزينة في أطرافه من الخضاب والكحل والسواك، بمحياه، رابه أمره، واتهم من أرشده، وقال يا هؤلاء: رجل غريب سألكم عن قاضيكم فسخرتم بي، أسألكم عن قاض فتدلوني عن زامر. فأسكتوه. فقالوا: ما كذبناك. وزجر من كب ناحية. فقال له ابن بشير: تقدم واذكر حاجتك. ففعل الرجل. فوجد عنده فوق ظنه. قال زونان: عاينت محمد بن بشير في إرساله اللمة ولبسه الخز والمعصفر، فقال إني على بينة من ربي، حدّثني مالك، أن محمد بن المنكدر كان سيد القراء، وكانت له لمة. وأن هشام بن عروة كان فقيه هذا البلد، يعني المدينة. وكان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان يلبس الخز. فماذا تعيب من هؤلاء. ألا إنهم إسوة. وكان محمد بن عيسى الأعشى يعرض بالقاضي محمد لزيه هذا، ويسميه في جميع ذكره بعشر الدلاّل - اسم مخنث كان بالمدينة - حتى بلغ ذلك ابن بشير. فجمعه والأعشى مجلس أمكنه فيه القول، فانعطف ابن بشير وقال: يا أبا عبد الله. إن الشر لا يعجز عنه أحد، وإن الخير لا يناله إلا أهل الصبر الجميل، ومن يقدم على نفسه بالرياضة المحمودة، فاقصر عما بلغني عنك، فإنه أجمل بك، واستحياه، واقتصر فيما بعد. ومن المبسوطة قال يحيى بن يحيى: لا تجد من يعقل، يلزم ما يعاب عليه، ولقد رأيت
стр. 492
محمد بن بشير لبس ما لا يعرف ببلده، يعني الخزّ فما لبسه إلا أربعين يومًا، ثم ترك ذلك لاستبشاعه، لا لغير ذلك.
ذكر شيء من أعيان اقضيته التي دلت على ثبات قدمه في الحق وبقية خبره
قال أحمد بن خالد: كان أول ما أنفذه ابن بشير من نافذ أحكامه، التسجيل على الأمير الحكم، في أرحي القنطرة بباب قرطبة، إذ أثبت عنده حق مدعيها، ولم يكن عند الأمير مدفع. فسجل فيها، وأشهد على نفسه. فما مضت مديدة حتى ابتاعها ابتياعًا صحيحًا، فسر بذلك الحاكم، بعد مسألة وجعل يقول: رحم الله ابن بشير فقد أحين فيما فعل بنا على كره منا، إذ كان في أيدينا شيء مشتبه فصحح ملكه لنا. قال ابن وضاح: حكم ابن بشير على ابن فطيس الوزير في حق ثبت عنده، دون أن يعرّفه بالشهود عليه. فشكا ابن فطيس ذلك إلى الأمير، وتظلم منه. وأومأ إلى ابن بشير بذلك، وذكر شكوى ابن فطيس من امضائه الحكم عليه، دون أعذار، وهو حق له بإجماع أهل العلم. فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممن يعرَّف بمن شهد عليه، لأن إن لم يجد سبيلًا إلى تجريحهم لم يتحرج عن أذاهم، فيدعون بالشهادة هم ومن ائتسى بهم ويضيع أمر الناس. وقال ابن وضاح: وكان سعيد الخير، عم الأمير الحكم، وكلّ وكيلًا يخاصم له عند محمد بن
стр. 493
بشير في مطلب، فهم به عنده عليه، وكانت في يد سعيد وثيقة فيها شهادات جماعة من العدول، أتى الموت عليهم ما عدا شاهد واحد، من أهل القبول، مع شهادة الأمير الحكم ابن أخيه، فاضطر عمّه إليها في خصومته لما قبل القاضي شهادة الأخير، وضرب الآجال لوكيله في شاهد ثان. فدخل سعيد على الأمير وعرفه حاجته، إلى شهادته، وكان الحكم معظمًا لعمه، فقال له: يا عم، اعفني من هذه الكلفة. فقد تعلم أنا لسنا من أهل الشهادة عند حكامنا. إذ التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا نرضى به عن
أنفسنا، ولا نلومهم على مثل ذلك فينا. ونخشى أن توقفنا مع هذا القاضي موقف خزي نفديه بملكنا. فصر في خصامك حيث ظهر لي الحقن وعلينا خلف ما ينقصك وأضعافه، فهمّ سعيد في ذلك وعزم عليه، إلى أن وجه شهادته مع فقيهين يؤدياهما إلى القاضي، فأدّياها إليه. فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين، وجاءت دولة وكيل سعيد الخير، فتقدم مدلًا واثقًا، فقال أيها القاضي: قد نقلت إليك شهادة الأمير، فما تقول؟ فأخذ كتاب الشهادة وعاد النظر فيها. ثم قال: هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بغيرها. فمضى الوكيل إلى سعيد فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم، فقال ذهب سلطاننا وأهينت عزتنا بتجري قاضيك الحروري على ردّ شهادتك! هذا ما لا يجب أن نتحمله عليه. وأكثر من هذا وأغرى بابن بشير، والأمير مطرق. فلما فرغ من كلامه، قال له: يا عم هذا ما قد ظننته، وقد آن لك أن تقصر عنه بالحق، فالحق أولى بك. والقاضي قد أخلص
стр. 494
يقينه لله، وفعل ما يجب عليه ويلزمه. ولو لم يفعل ما فعله، لأجال الله بصيرتنا فيه، فأحسن الله جزاءه عنا، وعن نفسه، ولست اعترض للقاضي بعد فيما احتاط لنفسه. فذكر أن بعض أقران ابن بشير اعتبه فيما أتاه في ذك. فقال له: يا عاجز ألا تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجتريء على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها. ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه. وحكي أنه كانت لمحمد بن بشير، أيام نزوله بقرطبة خادم سوداء، اسمها بلاغ، تخدمه. ويستمتع بها عند حاجته. فكان إذا غشيها وقضى وطره منها، دفع صدرها بيده وقال: بلاغ أن فيك بلاغًا إلى حين. قال ابن حارث: إن حظية للأمير الحكم بات عندها في بعض الليالي فافتقدته في بعض الليل، ولم تصبه، فهاجت غيرتها وقامت تقفو أثره، فأصابته قائمًا تحت شجرة في الحائط يصلي ويدعو ويجتهد فلما انصرف إلى مرقده ألّحت عليه في السبب الموجب لذلك، وظنت أن أمرًا طرقه، فقال: ما ذاك إلا أن محمد
بن بشير القاضي، لما به فأشفقت من نقده، وأعجزني الاعتياض منه، فقد كنت جعلته فيما بيني وبين الله في أحكام الناس، فأسندت منه إلى ثقة إذ كانت نفسي مستريحة إلى عدله، فناجيت الله تعالى ودعوته دعوة مضطر إلى إجابته، في أن يحسن عزائي عنه، ويجعل عوضي منه. وكانت وفاة ابن بشير سنة ثمان وتسعين
стр. 495
ومائة. فاستقضى الحكم بعده ابنه سعيد بن محمد. وقيل، الفرج ابن كنانة، وسيأتي ذكرهما في طبقتهما إن شاء الله تعالى.
طالوت بن عبد الجبار المعافري
من أهل قرطبة. قال أبو بكر بن القوطية: كان أحد ممن أخذ عن مالك بن أنس ونظرائه، من أهل العلم. وشهر بالصلاح والفضل. وإليه ينسب المجد والحفرة، بداخل مدينة قرطبة. وهناك كان مسكنه. وكان هذا المتخفي من أعلام فقهاء قرطبة، في ثورة أهل قرطبة على أميرهم الحكم بن هشام. وظفر بهم، وهو صاحب القصة المشهورة المضروب بها المثل في الوفاء بالذمة. وكان طالوت قد استخفى خوفًا على نفسه، عند رجل من اليهود من جيرانه، وثق به. فتقبله أحسن قبول. ومكث عنده بأفضل حال، حولًا. حتى طفيت الثائرة وظن الفتية أنه أهل اليهودي. وكانت بينه وبين أبي البسّام الوزير، وصلة جذبها إليه رجاء الأخذ له الأمان. فساء اليهودي تحوّله عنه، ونصحه. فلج وقصد الوزير خفية بين العشائين فأظهر القبول، وسأله أين كان قبل. فأخبره فصوّب رأيه في انتقاله إليه، ووعده الشفاعة له، وبادر بالركوب في وقته، وقد وكل به من يحرسه، فقال الأمير ما رأيك في عجل سمين عاكف على مذودة
следующие страницы →