Полный текст (1 447 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وكذا كان يجلس للقضاء بين الناس، وأن العيون لتغضي عنه مهابة، فإن رام واحد نيل شيء من دينه، وجده أبعد منالًا من الثريا. ولقد أتى رجل طاريّ مجلسه لحاجة عنّت له، فسأل عنه بعض من جلس إلى قربه، فأرشده إليه، فلما رآه في زيه ذلك، وآثار الزينة في أطرافه من الخضاب والكحل والسواك، بمحياه، رابه أمره، واتهم من أرشده، وقال يا هؤلاء: رجل غريب سألكم عن قاضيكم فسخرتم بي، أسألكم عن قاض فتدلوني عن زامر. فأسكتوه. فقالوا: ما كذبناك. وزجر من كب ناحية. فقال له ابن بشير: تقدم واذكر حاجتك. ففعل الرجل. فوجد عنده فوق ظنه. قال زونان: عاينت محمد بن بشير في إرساله اللمة ولبسه الخز والمعصفر، فقال إني على بينة من ربي، حدّثني مالك، أن محمد بن المنكدر كان سيد القراء، وكانت له لمة. وأن هشام بن عروة كان فقيه هذا البلد، يعني المدينة. وكان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان يلبس الخز. فماذا تعيب من هؤلاء. ألا إنهم إسوة. وكان محمد بن عيسى الأعشى يعرض بالقاضي محمد لزيه هذا، ويسميه في جميع ذكره بعشر الدلاّل - اسم مخنث كان بالمدينة - حتى بلغ ذلك ابن بشير. فجمعه والأعشى مجلس أمكنه فيه القول، فانعطف ابن بشير وقال: يا أبا عبد الله. إن الشر لا يعجز عنه أحد، وإن الخير لا يناله إلا أهل الصبر الجميل، ومن يقدم على نفسه بالرياضة المحمودة، فاقصر عما بلغني عنك، فإنه أجمل بك، واستحياه، واقتصر فيما بعد. ومن المبسوطة قال يحيى بن يحيى: لا تجد من يعقل، يلزم ما يعاب عليه، ولقد رأيت
стр. 492
محمد بن بشير لبس ما لا يعرف ببلده، يعني الخزّ فما لبسه إلا أربعين يومًا، ثم ترك ذلك لاستبشاعه، لا لغير ذلك.
ذكر شيء من أعيان اقضيته التي دلت على ثبات قدمه في الحق وبقية خبره
قال أحمد بن خالد: كان أول ما أنفذه ابن بشير من نافذ أحكامه، التسجيل على الأمير الحكم، في أرحي القنطرة بباب قرطبة، إذ أثبت عنده حق مدعيها، ولم يكن عند الأمير مدفع. فسجل فيها، وأشهد على نفسه. فما مضت مديدة حتى ابتاعها ابتياعًا صحيحًا، فسر بذلك الحاكم، بعد مسألة وجعل يقول: رحم الله ابن بشير فقد أحين فيما فعل بنا على كره منا، إذ كان في أيدينا شيء مشتبه فصحح ملكه لنا. قال ابن وضاح: حكم ابن بشير على ابن فطيس الوزير في حق ثبت عنده، دون أن يعرّفه بالشهود عليه. فشكا ابن فطيس ذلك إلى الأمير، وتظلم منه. وأومأ إلى ابن بشير بذلك، وذكر شكوى ابن فطيس من امضائه الحكم عليه، دون أعذار، وهو حق له بإجماع أهل العلم. فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممن يعرَّف بمن شهد عليه، لأن إن لم يجد سبيلًا إلى تجريحهم لم يتحرج عن أذاهم، فيدعون بالشهادة هم ومن ائتسى بهم ويضيع أمر الناس. وقال ابن وضاح: وكان سعيد الخير، عم الأمير الحكم، وكلّ وكيلًا يخاصم له عند محمد بن
стр. 493
بشير في مطلب، فهم به عنده عليه، وكانت في يد سعيد وثيقة فيها شهادات جماعة من العدول، أتى الموت عليهم ما عدا شاهد واحد، من أهل القبول، مع شهادة الأمير الحكم ابن أخيه، فاضطر عمّه إليها في خصومته لما قبل القاضي شهادة الأخير، وضرب الآجال لوكيله في شاهد ثان. فدخل سعيد على الأمير وعرفه حاجته، إلى شهادته، وكان الحكم معظمًا لعمه، فقال له: يا عم، اعفني من هذه الكلفة. فقد تعلم أنا لسنا من أهل الشهادة عند حكامنا. إذ التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا نرضى به عن
أنفسنا، ولا نلومهم على مثل ذلك فينا. ونخشى أن توقفنا مع هذا القاضي موقف خزي نفديه بملكنا. فصر في خصامك حيث ظهر لي الحقن وعلينا خلف ما ينقصك وأضعافه، فهمّ سعيد في ذلك وعزم عليه، إلى أن وجه شهادته مع فقيهين يؤدياهما إلى القاضي، فأدّياها إليه. فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين، وجاءت دولة وكيل سعيد الخير، فتقدم مدلًا واثقًا، فقال أيها القاضي: قد نقلت إليك شهادة الأمير، فما تقول؟ فأخذ كتاب الشهادة وعاد النظر فيها. ثم قال: هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بغيرها. فمضى الوكيل إلى سعيد فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم، فقال ذهب سلطاننا وأهينت عزتنا بتجري قاضيك الحروري على ردّ شهادتك! هذا ما لا يجب أن نتحمله عليه. وأكثر من هذا وأغرى بابن بشير، والأمير مطرق. فلما فرغ من كلامه، قال له: يا عم هذا ما قد ظننته، وقد آن لك أن تقصر عنه بالحق، فالحق أولى بك. والقاضي قد أخلص
стр. 494
يقينه لله، وفعل ما يجب عليه ويلزمه. ولو لم يفعل ما فعله، لأجال الله بصيرتنا فيه، فأحسن الله جزاءه عنا، وعن نفسه، ولست اعترض للقاضي بعد فيما احتاط لنفسه. فذكر أن بعض أقران ابن بشير اعتبه فيما أتاه في ذك. فقال له: يا عاجز ألا تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجتريء على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها. ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه. وحكي أنه كانت لمحمد بن بشير، أيام نزوله بقرطبة خادم سوداء، اسمها بلاغ، تخدمه. ويستمتع بها عند حاجته. فكان إذا غشيها وقضى وطره منها، دفع صدرها بيده وقال: بلاغ أن فيك بلاغًا إلى حين. قال ابن حارث: إن حظية للأمير الحكم بات عندها في بعض الليالي فافتقدته في بعض الليل، ولم تصبه، فهاجت غيرتها وقامت تقفو أثره، فأصابته قائمًا تحت شجرة في الحائط يصلي ويدعو ويجتهد فلما انصرف إلى مرقده ألّحت عليه في السبب الموجب لذلك، وظنت أن أمرًا طرقه، فقال: ما ذاك إلا أن محمد
بن بشير القاضي، لما به فأشفقت من نقده، وأعجزني الاعتياض منه، فقد كنت جعلته فيما بيني وبين الله في أحكام الناس، فأسندت منه إلى ثقة إذ كانت نفسي مستريحة إلى عدله، فناجيت الله تعالى ودعوته دعوة مضطر إلى إجابته، في أن يحسن عزائي عنه، ويجعل عوضي منه. وكانت وفاة ابن بشير سنة ثمان وتسعين
стр. 495
ومائة. فاستقضى الحكم بعده ابنه سعيد بن محمد. وقيل، الفرج ابن كنانة، وسيأتي ذكرهما في طبقتهما إن شاء الله تعالى.
طالوت بن عبد الجبار المعافري
من أهل قرطبة. قال أبو بكر بن القوطية: كان أحد ممن أخذ عن مالك بن أنس ونظرائه، من أهل العلم. وشهر بالصلاح والفضل. وإليه ينسب المجد والحفرة، بداخل مدينة قرطبة. وهناك كان مسكنه. وكان هذا المتخفي من أعلام فقهاء قرطبة، في ثورة أهل قرطبة على أميرهم الحكم بن هشام. وظفر بهم، وهو صاحب القصة المشهورة المضروب بها المثل في الوفاء بالذمة. وكان طالوت قد استخفى خوفًا على نفسه، عند رجل من اليهود من جيرانه، وثق به. فتقبله أحسن قبول. ومكث عنده بأفضل حال، حولًا. حتى طفيت الثائرة وظن الفتية أنه أهل اليهودي. وكانت بينه وبين أبي البسّام الوزير، وصلة جذبها إليه رجاء الأخذ له الأمان. فساء اليهودي تحوّله عنه، ونصحه. فلج وقصد الوزير خفية بين العشائين فأظهر القبول، وسأله أين كان قبل. فأخبره فصوّب رأيه في انتقاله إليه، ووعده الشفاعة له، وبادر بالركوب في وقته، وقد وكل به من يحرسه، فقال الأمير ما رأيك في عجل سمين عاكف على مذودة
стр. 496
منذ سنة يلذ مطعمه، هذا طالوت رأس المنافقين عندي. قد أظفرك الله له. قال: قم فعجّل به، ووثب فجلس على كرسي بباب مجلسه، يتوقد غيظًا عليه. فلم يلبث أن أدخل طالوت عليه، فجعل يتقرعه بذنوبه، ويقول: طالوت الحمد الله الذي أظفرني بك، ويحك أخبرني لو أن أباك أو
أبنك قعد مقعدي بهذا القصر، أكانا يزيدانك من البر وألإكرام على ما فعلته أنا بك؟ هل رددت قط حاجة لك أن لغيرك؟ ألم أشاركك في حلوك ومرِّك؟ ألم أعدك مرات في محلاتك؟ ألم أشاركك في حزنك على زوجتك؟ ومشيت في جنازتها راجلًا إلى مقبرة الربض؟ وانصرفت مقك كذلك إلى منزلك؟ وغير شيء من التوقير فعلته بك؟ ما حملك على ما قابلت به إجمالي؟ ولم ترض مني إلا بخلع سلطاني، وسعي لسفك دمي، واستباحة حرمتي؟ فقال له طالوت: ما أجد لي في هذا الوقت مقالًا أنجى من صدقك به. أبغضتك لله وحده. فلم ينفعك عندي كل ما صنعته، عوض دنياك. فسري عن الأمير وسكن غيظه، وملئ عليه رقة. فقال: والله لقد أحضرتك، وما في الدنيا عذاب إلا وقد عرضته اختار بعضه لك، وقد حيل بيني وبينك، فأنا أعلمك أن الذي أبغضني له، صرفني عنك، فانصرف في أمان الله تعالى، وانصرف حيث شئت، وارفع إليّ حاجتك، فلم تعدم فيّ برًا. فيا ليت الذي كان لم يكن. فقال له طالوت صدقت فلو لم يكن كان خيرًا لك، ولا مرد لأمر
стр. 497
الله. فلم يزل طالوت لديه بعد مبرورًا، إلى أن توفي عن قريب، فأنبئ له الحكم وحضر جنازته وأثنى عليه به بصدقه. وسأل الحكم طالوتًا بعد أن أمنه في ذلك المجلس، كيف ظفر بك صاحبك الوزير؟ قال أنا أظفرته بنفسي عن ثقة، لوصلة بيني وبينه، ليشفع لي عندك، فكان منه ما رأيت. فقال له: فأين كان مثواك قبل؟ فأخبره بخبر اليهودي، فقال الحكم للوزير: سوءة لك رجل في أعداء الملة حفظ لهذا الشيخ محله في الدين والعلم، فأخطر بنفسه فيه، وناقضت أنت ذلك وهو من خيار أهل ملّتك، وأردت أن تزيدنا فيما نحن قائمون عليه، في سوء الانتقام. أخرج عني قبّحك الله. ولا ترني وجهًا ووفر أرزاقه، وطويت في بيت الوزارة فراشه. فسقط آخر الدهرن وذهب عقبه وما زالوا في ارتكاس وخمول، وقد قيل إن إعلامه إياه بهذا القضية، وتباين ما بين الرجلين، كان سبب عفو
الأمير عن طالوت، وانقلاب حقده على الوزير الواشي به. فالله أعلم.
عبد الرحمان بن موسى، الهوَّاري أبو موسى
من أهل استجه
ذكر ابن حارث، إنه استقضي على بلده، أيام الأمير عبد الرحمان في الحكم قال القاضي أبو الوليد: رحل أول خلافة الإمام عبد الرحمان بن
стр. 498
معاوية، فلقي مالك بن أنس، وابن عيينة، ونظرائهما من الأئمة. ولقى الأصمعي وأبا زيد، وغيرهما من رواة الغريب. وداخل الغريب. وداخل العرب وتردد في محالها، وصدر إلى الأندلس، من سفره، فعطب ببحر تدمير فذهبت كتبه، فلما قدم استجه أتاه أهلها يهنئونه بقدومه، ويعزونه بذهاب كتبه فقال لهم: ذهب الخرج وبقيت الدرج. يعني ما في صدره. وكان فصيحًا ضربًا من الإعراب، حافظًا للفقه والتفسير والقراءة. وله كتاب في تفسير القرآن قد رأيت بعضه. رواه عنه محمد بن أحمد العتبي، ومسيب بن سليمان الأستجي، وروى عنه أيضًا اصبغ بن خليل، وهو كان القائم بالقضاء أيام الحكم بن هشام بعد صعصة بن سلام ووفاته. قال القعنبي وكان أبو موسى إذا قدم قرطبة لم يفت عيسى، ولا سعيد بن حسان، حتى يرتحل عنها، توقيرًا له. وكان يسكن بعض قرى مورور، ثم انتقل إلى استجة.
عبد الرحمان بن عبيد الله
من أهل الأشبونة. قال ابن الفرضي: قال خالد: كان مترددًا إلى قرطبة. وكان قد سمع من مالك ابن أنس، وكان له مكرمًا. ذكر هذا غير واحد. ويقال إنه من روى الموطأ عنه. روى عنه عبد الملك زونان، وغيره. قال عبد الرحمان: كنت يومًا جالسًا إلى جنب مالك ابن أنس، فنظر إلى ابن وهب وقال: سبحان الله أيما فتى، لولا الإكثار.
стр. 499
حسان وحفص ابنا عبد السلام السلمي
من أهل سرقسطة، ذكر غير واحد. رحلتهما إلى مالك، وسماعهما منه. قال ابن أبي دليم: ورويا عنه الموطأ. قال ابن الفرضي: وكان جميعًا فاضلين، ورحلا معًا
إلى مالك. وكان حسان أسنّ من حفص. وكان من أهل العلم والتديّن. وكان حفص متفننًا في العلوم بليغًا حاذفًا. كنيته أبو عمر. ويحكى أنه لزم مالك مدة سبعة أعوام. وكان مالك يُدني منزلته. وسرد الصيام أربعين سنة. وكان الأمير الحكم يستقدمه كل عام يؤم به في رمضان.
شبطون بن عبد الله الأنصاري
الطليطلي. ولي القضاء ببلده، وذكره أبو سعيد وابن مفرج وابن أبي دليم، وغيرهم. في الرواة عن مالك. وذكر ابن أبي دليم أنه سمع منه الموطأ، وقيل إنه سمع منه كثيرًا. وكان يسمع منه حتى مات. وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.
محمد بن يحيى السبائي
من أهل قرطبة
يكنى أبا عبد الله. كان يعرف بفطيس بن أم غازية. روى عن مالك بن أنس الموطأ، فيما ذكره ابن دليم. وسمع منه مسائل معروفة. روى عنه قاسم بن هلال. قال ابن الفرضي: وفي كتاب أحمد بن محمد بن
стр. 500
سعيد السبائي، وفي رواية ابن لبابة: محمد بن يحيى. فلا أدري أهما رجلان أم واحد. اختلف في اسم أبيه. وفي كتاب أبي سعيد المصري، في موضع محمد ابن يحيى السبائي قرطبي. سمع من مالك ابن أنس. وقال في موضع آخر: محمد بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن سالم بن خشخاش بن أبي وعلة السبائي. أندلسي قديم. كان المفتي في أيامه، فجعلهما رجلين. وقال أحمد: هو جد السبائيين بقرطبة. قال: ولا أعلم له رحلة. وتوفي في صدر أيام الأمير عبد الرحمان بن الحكم، بعد ست ومائتين. وقال ابن حارث: كان ابن بشير القاضي يشاور في قضائه، محمد بن سعيد السبائي. قال الأمير: لعلّ هذا هو المعروف بابن الملون؟ ووهم فابن الملون متأخر عن هذه الطبقة. وقال ابن حارث: محمد بن سعيد بن عبد الله السبائي. ذكره عبد
الملك في كتابه. سمع يحيى بن يحيى وعيسى بن دينار وأمثالهم، وكان من أهل الورع والسمت الحسن. يروي عن يحيى بن يحيى. توفي نحو الثمانين ومائتين.
داود بن جعفر بن الصغير.
ويقال ابن الصَّغير، مولى بني تميم، قرطبي. سمع عن مالك والدراوردي ومعاوية بن صالح، وابن عيينة، وزكريا بن منظور. وقال ابن الفرضي: وقد روى عن ابن وهب، وابن القاسم، ومن الأندلسيين حسين بن عاصم، والأعشى ومطرف بن عبد الرحمان بن قيس، محمد بن وضاح. قال ابن وضاح: وروى هو عني. وكان ولي قضاء قلنبريه. قال ابن أبي دُليم، وذكره في المالكية: كان يميل إلى الحديث، ولم يذكر له سماعًا من مالك. وذكر سماعه ابن الفرضي عن أبي لبانة. وذكره أيضًا غيره. وسماعه في
стр. 501
المدينة كثير، مشهور. وقال داود: رأيت ابن عيينة يطوف بالبيت متكئًا على رجل يسأله عن حديث. فنحى يده عنه وقال له: نكرًا. فانضممت إليه. واتكأ علي، حتى فرغ من طوافه ثم تحول إليَّ فقال: بارك الله عليك، قال علي بن أبي طالب: المؤمن حسن المعونة قليل المؤونة. قال مطرف بن قيس: كان داود بن جعفر لبيبًا فاضلًا. كتب عنه نحوًا من ثلاثة آلاف حديث، وأكثر. قال ابن وضاح: هو جدّ بني الصغير، عندنا بالأندلس.
الطبقة الصغرى من أصحاب مالك
من أهل المدينة
أبو مصعب أحمد بن أبي بكر
واسم أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمان ابن عون الزبيري. روى عن مالك الموطأ وغيره من قوله، وتفقه بأصحابه: المغيرة وابن دينار وغيرهما. وله كتاب مختصر في قول مالك مشهور. قال الزبير بن بكار: كان على شريط عبيد الله بن الحسن بالمدينة. ثم ولاه قضاءها. قال مصعب بن عبد الله: ويعرف بكنيته: أبو مصعب وهو فقيه أهل المدينة. قال الزبيري: ومات وهو فقيه أهل المدينة.
стр. 502
غير مدافع. قال أبو إسحق الشيرازي: كان من أعلم أهل المدينة. روي أنه قال لأهل المدينة: لا تزالون ظاهرين على أهل العراق: ما دمت لكم حيًا. روى عن مالك والمغيرة، وابن دينار وإبراهيم بن سعد، وابن أبي حاتم، وصالح بن قدامة والداروردي والعطاف بن خالد، وغيرهم.
روى عنه البخاري ومسلم والذهلي وإسماعيل القاضي، وأخوه حمّاد والرازيان وابن نمير، ومحمد بن رزين وغيرهم. وأخرج البخاري ومسلم عنه في صحيحيهما قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي وأبو زرعة وقالا: هو صدوق. وقال القاضي وكيع في كتاب طبقات القضاة: هو من أهل الثقة في الحديث.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: خرجت من سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكة، فقلت لأبي محمد أكتب؟ فقال: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت. قال القاضي المؤلف: وإنما قال ذلك، لأن أبا مصعب كان يميل إلى الرأي، وأبو خيثمة من أهل الحديث، وممن ينافي ذلك، فلذلك نهى عنه. وإلا فهو ثقة لا نعلم أحدًا ذكره إلا بخير. قال ابن أبي خيثمة: وأبو مصعب ممن حمل العلم، وولاَّه
عبيد الله بن الحسن قضاء الكوفة. ثم ذكر أنه ولي قضاء الكوفة. ثم ذكر أنه ولي قضاء المدينة. قال ابن نمير: سمعت أبا مصعب يقول: سمعت أبا مصعب يقول: سمعت مالكًا يقول: كلام الله غير مخلوق. وقال أبو مصعب: فمن شك أو وقف فهو كافر. وقال حبيب: قال أبو مصعب: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فمن قال غير هذا فهو كافر. قال أبو مصعب: وحدثني عبد العزيز ابن أبي حازم قال. قلت لمالك ابن أنس من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر وعمر قال ابن أبي حازم، وهو رأيي. قال أبو مصعب: وهو رأيي. ولو كان المحاباة لحابيت جدي عبد الرحمان بن عون. قال البخاري:
стр. 503
ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين بالمدينة. وقال ابن عبد البرّ وغيره: سنة إحدى وأربعين. قال ابن الجزّار: في آخرها. قال الشيرازي وعاش تسعين سنة.
أبو محمد الحكم - مدني -
ذكره ابن شعبان في جملة رواة مالك. وهو مشهور بمحبة محمد بن مسلمة، وعبد الملك بن الماجشون. يروي عنه إسماعيل القاضي، وأخوه حماد، ومحمد ابن عبد الحكم.
يعقوب بن حميد بن كاسب
أبو يوسف، مدني، سكن مكة. روى عنه مالك وإبراهيم بن سعيد والداروردي وابن أبي حازم، والمغيرة وأنس بن عياض وعبد المالك بن الماجشون. روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والزبير بن بكار، وعبد الله ابن شهاب وصعصعة بن معين، لعله قال: وهو في سماعه ثقة. وإنما ضعّفه لأن الطالبيين حدّوه. قال أبو داود: فناظرت ابن معين في خبره وتحامل أولئك عليه، فأمسك عنه. قال ابن وضاح: ما رأيت بالحجاز أعلم بقول أهل المدينة منه. قال سحنون: كان حافظًا،
وكان يعرف بابن القسام، وضعفّه أبو حاتم وأبو زرعة. قال البخاري: مات أول سنة إحدى وأربعين أو آخر أربعين ومائة.
стр. 504
أبو عبد الله محمد بن صدقة الفدكي
كان يسكن ناحية المدينة. قال البخاري: سمع مالكًا ومحمد بن يحيى ابن سهل. سمع منه إبراهيم بن المنذر، وله عن مالك مسائل كثيرة وحديث. قال محمد بن صدقة: سئل مالك، عن الرجل يبتاع العبد، فيشبح عنده موضحة، فيأخذ لها عقلًا، ثم يردّه بعيبه، فيطلب سيده أرش الموضحة أنه لا شيء له منها، لأن الموضحة لا تشينه وإن كان جرحًا يشينه لم يرده إلا بما أخذ. وقال ابن القاسم: وكذلك الجائفة، والمأمومة. وقال عيسى ابن دينار: إذا شأنه كان بالخيار إن يُرد، وما نقص الشين ليس العقل الذي يأخذه، وإن شاء حبس وأخذ قيمة العيب، وإن لم يُشن. وكل ما أخذ أو أمسك فلا شيء له.
الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب
ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام. مدني يروي عن مالك وأبي ضمرة، وأبيه محمد. يكنى بأبي عبد الله. قال ابن أبي خيثمة: هو من أهل العلم. سمعت عمه مصعب بن عبد الله غير مرة يقول: لي بالمدينة ابن أخ إن بلغ أحدٌ منا فسيبلغ، يعنيه، كان الزبير علامة قريش في وقته. الحديث والفقه والأدب، والشعر والخبر والنسب، وهذا الباب هو الغالب عليه، وله فيه كتاب: جمهرة أنساب قريش، وغير ذلك. ولي قضاء مكة وبها توفي في ذي الحجة سنة ست وخمسين ومائتين.
стр. 505
ومن المكيين ممن عداده في البغداديين
هارون بن عبد الله الزهري أبو يحيى
قال المصعب الزبيري: هو هارون بن عبد الله بن محمد بن معن بن عبد الرحمان ابن عوف. وأمه سهلة ابنة معن بن خنجر بن عمر بن معن بن عبد الرحمان. مكي نزل بغداد، وذكره أبو إسحاق الشيرازي في الطبقة الأولى من الإتباع، وقد ذكر أبو إسحاق ابن القرطبي وأبو مفرج القرطبي: إنه ممن روى عن مالك وأسندوا له عنه أحاديث، وحكاية تشهد بسماعه. قال الشيرازي: تفقه بأبي مصعب الزبيري. قال القاضي: وسمع من ابن وهب وابن أبي حازم والقاضي هارون أيضًا، رواية عن المغيرة وعبد الملك والواقدي. روى عنه يحيى بن عمر ويونس بن عبد الأعلى والوليد بن مسافر والعداس، وأبو جعفر ابن هارون الإيلي، وجعفر بن يزيد، والقاضي أبو المغيرة محمد بن إسحاق المخزومي ومطرّف بن قيس. قال الشيرازي: هو أعلم من صنّف الكتب في مختلف قول مالك. قال الزبير في جمهرته: كان من الفقهاء وكان يقوم بنصرة أهل المدينة فيحسن. قال مطرف بن قيس: سمعت منه بمكة وكان ألزمها، وكان عظيم القدر وله رواية عن مالك. وقال لي محمد بن عبد الحكم: إن لقيته فاحمل عنه. وقال القاضي وكيع: كان هارون الزهري من الفقهاء لمذهب أهل المدينة من أصحاب مالك. ومن أهل الأدب الواسع.
قال هو والجيزي: كان في قضائه محمودًا عفيفًا عدلًا ذا قدر.
стр. 506
ولايته القضاء وسيرته ومحنته
قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة ثم صرخد، ثم قضاه الرقة، ثم صرفه. ثم قضاء عسكر المهدي ببغداد. ثم صرفه. ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم. قال الحميدي في قضاة مصر. قال: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاضٍ، إلى أن ولًّى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهري. قال هارون: دعاني المأمون فقال: يا
هارون قد وليتك بلدًا يقولون بقولك، مصر. قال أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر: قدم هارون الزهري مصر، في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع ولم يُبقٍ شيئًا في أمور القضاء إلا شاهده، بنفسه. وحضره مع أهل مصر.
وتقصّى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه، وحاسب عليه، وضرب رجلًا على حال رآه منه في مال يتيم، كان ينظر له، وأطافه. وأورد أموال الغيَّب ومن لا وارث له بيت المال، وسجل بجميع ذلك وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة فاستعفى من ذلك. فكتب ابن أبي دؤاد إلى أبي بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك. فكان رأسًا في ذلك يحمل الناس فيها، فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري. فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة. وإن ابن عبد الحكم الكبير ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا.
стр. 507
وامتحن الأصم أيضًا أبا الطاهر وأبا جعفر الإيلي، ويحيى بن بكير وأبا إسحاق الفريقي، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط. وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به. وضرب ابن كاسب، وعبد الله ابن زيد بن ظبيان، وقابوس ابن أبي ظبيان وغيرهم. وأجابه بعضهم تقية. وكل من أجابه تركه، ومن أبى عليه، بعثه إلى العراق، إلى ابن أبي دؤاد، وفرّ جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز. واختفى آخرون. منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره. وذكر الكندي: أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر، يأخذ به القاضي هارون، فزعم أنه أجابه وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقرَّ به. وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالًا لما أمر به، ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما تذكره بعد قال أبو عمر والجيزي وثقل
مكانه على ابن أبي دؤاد، فصرفه عن قضاء مصر، سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلًا إلى عزله. لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه. حتى قرّر عند المعتصم، أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشابه المعتصم كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة فعزله، وولى أبا بكر ابن أبي الليث الأصم، فأقام رجلًا فرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال. وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة. فأتى عليه منه. فأمر الأصم، بإحضار كتاب المعتصم برفع ذلك عنه. فأخذ الله عما قريب من الأصم، ما فعل بهارون وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولي قضاء مصر. أقام
стр. 508
الأصم أيامًا يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولي بعد ذلك بحلق لحية الأصم وضربه، وطوافه في مصر على حمار، وسجنه وحمله على حمار وأصحابه. واستصفى ماله ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله. وكان الأصم مبتدعًا متعزليًا خبيثًا. وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.
ذكر ملح وحكم من شعره
أنشد له القاضي وكيع في طبقات القضاة، ما قاله عند انصرافه عن ابن أبي دؤاد:
أيام معروفك ما لم تكن … بالصبر أحوال وأحوال
فاصبر لها واصبر لمكروهها … فللذي يدبر إقبال
ورب أمر مرتج بابه … عليه أن يفتح أقفال
ضاق بذي الحيلة في فتحه … حيلته والمرء محتال
حتى تلقته مفاتحه … من حيث لم يخطر به البال
والرزق فاطلبه على أنه … آت له وقت وآجال
وليس يبطئ عنك في وقته … ولا له عن ذاك إعجال
فلا تقم عبدًا على مطمع … فربما أخلفك الحال
فالفقر خير فاعلمن من غنى … يكون كل فيه إذلال
والمال للمكثر شين إذا … لم يك منه فيه إفضال
والحرّ حرّ حيث أمسى ولا … يمنعه من ذاك إقلال
وأنشد الزبير بن بكار له:
هل الشوق إلا أن يحن غريب … وأن يستطيل العهد وهو قريب
стр. 509
أرى الشوق يدعوني إلى من أوده … وللشوق داع مسمع ومجيب
سقى الله أكناف المدينة أنه … يحل به شخص إليَّ حبيب
وإني وإن شطت بي الدار عنهم … إليهم لمشتاق الفؤاد طروب
وقائلة ما بال جسمك شاحبًا … وأهون ما بي أن يكون شحوب
فقلت لها في الصدر مني حرارة … تقطع أنفاسي لها وتنوب
إذا ما تذكرت الحجاز وأهله … فللعين من فيض الدموع غروب
وأنشد له أبو عمر الكندي:
ولما رأيت البين منها فجاءة … وأهون للمكروه أن يتوقعا
ولم يبق إلا أن يشيِّع ظاعنا … مقيم وتذري عبرة أن تودعا
نظرت إليها نظرة فرأيتها … وقد أبرزت من جانب الخدر إصبعا
وذكر عن هارون أنه قال: أنشدتها لعبد الملك ابن الماجشون ونسبتها إلى رجل من بني قيس، فقال: احسن والله. فقلت أنا والله قلتها في طريقي إليك. فقال قد عرفت فيها اللين حين أنشدتها. وأنشد له القاضي وكيع قصيدة كثيرة الحكم والوصايا، أولها:
أمسى مشيبك في المفارق شائعا … ورددت من عهد الشباب ودائعا
وتركت وصل الغاتيات وطالما … عاصيت فيهن العواذل طائعا
ولقد لبست من الشباب غضارة … ونضارة لو كان ذلك رايعا
أزمان تصغي للصباوحديثه … سمعًا يميل إلى الغواية سامعا
فدع الغواني والشباب وذكره … كم موضع في الغي أصبح نازعا
стр. 510
والله فاحش وخف ذنوبك عنده … يوم الحساب وكن لنفسك وازعا
لا تعط نفسك ما تريد ولا تكن … فيما يضرّك أن دعيت مسارعًا
لا تمس عبدًا للمطامع ولتكن … للفضل متبوعًا ولا تك تابعًا
كن للعشيرة في الأمور إذا عدت … كهفًا وعنها في الأمور مدافعًا
لا تحسدن نبيها واخضع له … خير من أن تبقى لآخر خاضعًا
سهل له فيما يريد طريقه … حتى يكون برفعة لك رافعًا
فمتى ينل خطأ يكن لك حظه … وتكون فيه مفارقًا ومجامعًا
فإذا نشأ لك ناشيء فانهض له … وامنعه من ضيم يكن لك مانعًا
حافظ عليه واتخذه عدة … سيفًا إذا لقي الكريهة قاطعًا
أكثر صديقك ما استطعت فما به … ضرّ إذا ما لم يكن لك نافعًا
داو العداوة من عدوّ بالتّقى … واحذر عدوّك دانيًا أو شاسعًا
وإذا دعاك إلى الرجوع مجاملًا … فارجع له وليلف سربك واسعًا
إلا الحسود فإن تلك عداوة … تبدي الرضا وتكون سمًّا ناقعًا
فاصبر عليه فليس فيه حيلة … وليطلعنّ طوالعًا وطالعا
وينشد أيضًا:
ماذا على الحي يوم البين لو رفعوا … أو وصلوا من حبال البين ما قطعوا
بل لم يبالوا أسيرًا في الديار ولو … بالوه لم يصنعوا في ذاك ما صنعوا
لما رأيت حمول الحي باكرة … يحثها جذل بالبين مندفع
ناديت ليلًا ولا ليلًا يودعني … منها السلام فكاد القلب ينصدع
стр. 511
يا ليل أهلك أحموني زيارتكم … والدار واحدة والشمل مجتمع
فالآن مرّ عليّ العيش بعدكم … فلست بالعيش بعد اليوم انتفع
هل الزمان الذي قد مر مرتجع … أم هل يرد على ذي الصورة الجزع
قالت سليمي علاك الشيب من كبر … والشيب أهون ما لم يأتك الطمع
يا سلم إني وإن شيب يفزّعني … رحب اليدين بما حملت مضطلع
ولن أرى أطير يومًا لمفرحه … ولا أرى لمصروف الدهر يختشع
قد جربتني صروف الدهر فاعترفت … صلب القناة صبورًا كيفما يقع
نزه الخلائق لا يقتادني طمع … إن اللئيم الذي يقتاده الطمع
هذا وخائن قوم ظل يشتمني … كالكلب ينبح حينًا ثم ينقمع
تركته معرضًا لي واستهنت به … إذا لم يكن لي فيه ريّ ولا شبع
لا واضعًا غضبي في غير موضعه … ولا انتظاري إذا ما نالني الفزع
ولا ألين لقوم خاضعًا لهم … ولا أكافيهم بالشر إن جمعوا
حلمًا بحلم وجهلًا إن هم جهلوا … إني كذلك ما آتي وما أدع
من أهل المشرق
قتيبة بن سعيد
ابن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، البلخي البغلاني. وبغلان قرية بخراسان. مولى ثقيف. كنيته أبو رجاء. عداده في أهل بلخ. وكان
стр. 512
طريف أبو جده الحجاج، وخباز. قال أبو احمد بن عدي وغيره: قتيبة لقب، واسمه يحيى. قال ابن شعبان له عن مالك الكثير من جيد الحديث والمسائل. سمع من مالك والليث، وابن لهيعة. وهو آخر من روى عنه، وبكر بن مضر، ويعقوب الاسكندراني، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وعبد الواحد بن زياد، وإسماعيل بن جعفر. روى عنه عبد الله ابن الزبير الحميد، وابن حنبلي وابن معين، وأبو خيثمة، وأبو بكر ابن أبي شيب، وابن نمير والحسن بن عرفة، وسيف بن موسى القطان، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود، والترمذي والنسائي والبخاري ومسلم. وأخرجا عنه في الصحيح، فاكثروا. وأثنى عليه أحمد بن حنبلي، وقال يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة. قال عبد الرحمان: سمعت أبي يقول: حضرت قتيبة بن سعد ببغداد، وجاء ابن حنبلي فسأله عن أحاديث فحدثه بها. ثم جاء ابن أبي شيب، وابن نمير بالكوفة. فلم يزالا ينتجان، عليه، وأنتج معهما إلى الصبح. وذكر أبو القاسم البلخي في مقالاته: أن حمزة بن محمد الحافظ، قال: اجتمع قوم من الطلبة بباب قتيبة بن سعيد، فسأله أحدهم أن يسمعه الحديث وبعضهم يسأله أن يسمعه الفقه. وأتى عليه الرحالون، وكان روى كثيرًا، ولقي رجالًا فتبسم ثم قال:
تسألني أم صبيي جملًا … يمشي رويدًا ويكون أولًا
مهلًا خليلي فكلانا مبتلى
стр. 513
قال القاضي وكيع: ولي قتيبة القضاء ببغداد، واستتاب بشرًا المريسي فأقامه على صندوق من صناديق المصاحف، فقال بشر: معاذ الله، لست بتائب. فكثر الناس
عليه حتى كادوا يقتلونه. قال أبو داود: سمعت قتيبة ابن سعيد، وقيل له الواقفة يعني في القرآن. فقال له: الواقفة شر منهم يعني ممن قال بالمخلوق. وذكر أن إسحاق بن راهويه كتب إلى قتيبة مرة وثانية، فلم يجبه. فكتب إليه الثالثة:
إذا الأخوان فاتهم التلاقي … فلا شيء أسرّ من الكتاب
وأن كتب الصديق إلى أخيه … فحق كتابه ردّ الجواب
وذكر أبو القاسم البلخي في مقالاته، قال أبو عبد الله البخاري: وتوفي قتيبة غرة شعبان، سنة أربعين ومائتين، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة، ومولده ببلخ في رجب، سنة ثمان وأربعين ومائة.
من أهل مصر
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث
مولى عميرة. امرأة من موالي عثمان بن عفان. قال ابن شعبان: يكنى أبا محمد، سمع مالكًا والليث وبكر بن مضر وعبد الرزاق، والقعنبي وابن لهيعة، وابن علية وإسماعيل بن أبي عياش، ويعقوب بن عبد الرحمان الزهري. والعطاف بن خالد، وبن عيينة. روى عنه ابن نمير، وهارون بن إسحاق وبنوه، والمقدام بن داود، وأبو يزيد القراطيسي والربيع بن سليمان، وابن
стр. 514
المواز، والعداس وأحمد بن ركبان وابن حبيب، وأحمد بن صالح ومحمد ابن مسلم، وغير واحد. قال أبو عمر بن عبد البر: كان ابن عبد الحكم رجلًا صالحًا، ثقة محققا بمذهب مالك.
قال الكندي: كان فقيهًا. قال أبو زرعة الرازي: هو صدوق ثقة قال محمد بن مسلم، كتبت عنه وهو شيخ مصر. وقال مثله أحمد بن صالح. قال أبو حاتم الرازي: هو صدوق قال أحمد بن عبد الله الكوفي: عاقل، حليم، ثقة، كتبت عنه. قال الشيرازي: وإليه أفضت الرئاسة بمصر بعد أشهب. وكان أعلم أصحاب مالك
بمختلف قوله. ولابن عبد الحكم سماع من مالك الموطأ، ونحو ثلاثة أجزاء. وروى عن ابن وهب وابن القاسم، وأشهب كثيرًا. وصنف كتابًا اختصر فيه أسمعته، ثم اختصر منه كتابًا صغيرًا وعلى هذين الكتابين مع غيرهما نقول المالكيين من البغداديين، في المدارسة وإيّاهما شرح أبو بكر الأبهري وغيرهما، بل وغير واحد من العراقيين وأهل المشرق، قال بشر بن بكر: رأيت مالكًا في النوم بعد الممات بأيام، فقال: لي ببلدكم رجل، يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه فإنه ثقة.
جملة من أخباره وفضائله وتواليفه
قال أبو عمر الكندي: وليّ ابن عبد الحكم بعد ابن برد، مسائل عيسى ابن المنكدر، قاضي مصر. فأدخل في العدول من استحق ذلك عنده، وأن
стр. 515
لم يكن له قدم. وقبل شهادته، فاضغن ذلك عليه بعض مشيخة المصريين.
فقال له يومًا أبو خليفة الرعيني: كان هذا الأمر مستورًا فكشفته. وأدخلت في الشهادة من هو يسمى بأهل لها. فقال له ابن عبد الحكم: هذا الأمر دين، وقد فعلت ما يجب علي. فقال: وبلغ بنو عبد الحكم بمصر من الجاه والتقدم، ما لم يلقه أحد. قال ابن عبد البر: وكان عبد الله صديقًا للشافعي، وعليه نزل أن جاء من بغداد، فأكرم مثواه وبالغ الغاية في بره، وعنده مات. قال الشيرازي: يقال أنه دفع للشافعي ألف دينار، وأخذ له من أصحابه ألفًا، ومن رجلين آخرين ألفًا. قال ابن عبد البر: وقد روى عبد الله عن الشافعي وكتب كتبه بنفسه، وابنيه. وضم ابنه محمد إليه وكانت بين عبد الله بن عبد الحكم وبين اصبغ منازعة، ومباعدة. حتى كاد يرمي كل واحد منهما صاحبه بالبهتان فقيل لابن عبد الحكم: أن هذا الرجل قد وجب لك عليه حد، فحدّه فأبى. وقال أن جلد صرنًا حديثًا. يقال جلد فلان، بسبب فلان. ومن تواليف عبد الله بن عبد الحكم: المختصر الكبير. يقال أنه نحا به
اختصار كتب أشهب، والمختصر الأوسط والمختصر الأصغر، قصره على علم الموطأ. والمختصر الأوسط، صنفان. فالذي في رواية القراطيسي فيه، زيادة الآثار، خلاف الذي في رواية محمد ابنه، وسعيد بن حسان. وله أيضًا كتاب الأهوال. وكتاب القضاء في البينان. وكتاب فضائل عمر بن عبد العزيز. وكتاب المناسك. وقد اعتنى
стр. 516
الناس بمختصراته، ما لم يعتن بكتاب من كتب المذهب بعد الموطأ والمدوّنة فشرح المختصر الكبير الشيخ أبو بكر الأبهري، وللخفاف فيه شرح أيضًا. ولأبي جعفر بن الجصاص عليه تعليق. نحو مائتي جزء فيما ذكر وقد رأيت بعضه. وشرح أيضًا الشيخ أبو بكر الأبهري المختصر الصغير، ولأبي بكر ابن الجهم فيه، شرح أيضًا كبير، غير أنه اختصره محمد ابن أبي زيد، وآخر من شرحه من طبقة شيوخنا ابن باخي البصري؟ ولمحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم في الصغير زيادة خلاف الشافعي، وأبي حنيفة. وفيه عمل على هذا لأبي عبد الله بن عبد الرحيم البرقي. زاد على هذا قول سفيان، وابن راهويه والأوزاعي والنخعي، وبعضهم جعله لابنه، أبي القاسم عبيد الله بن محمد البرقي، ولأبي الحسن علي بن يعقوب الزيات المعروف بابن رمضان، على هذا زيادة أقوال بعض الفقهاء، ممن لم يذكره البرقي، ثم لعبيد الله بن عمر البغدادي الشافعي، من أهل قرطبة المعروف بعبيد، على ما ذكر ابن رمضان، زيادة مذهب داود ابن علية، والليث والطبري، ذكر بعضهم أن مسائل المختصر الكبير ثمانية عشر ألف مسألة. وفي الأوسط أربعة آلاف مسألة. وفي الصغير ألف ومائتا مسألة، وذكر بعضهم أن مسائل المدوّنة ستة وثلاثون ألف مسألة، وألف أيضًا كتاب الأهوال.
ذكر خبره مع ابن معين ومحنته ووفاته
ذكر الباجي، في كتابه خبره مع ابن معين، فاختصرته على المعنى،
стр. 517
وذكر أنه كان
صديقًا له، وأعلمه أنه يحضر مجلسه في الغد، وأمره بالتحفظ، فغدا عليه يحيى من الغد، وهو يحدث بكتاب الأهوال، من تأليفه. فقال حدثنا فلان وفلان وذكر عدة من شيوخه بما في هذا الكتاب، فقال له يحيى: كلهم حدثك بجميع ما فيه، أو بعضهم ببعضه، فجمعت حديثهم. فهاب كلامه ابن عبد الحكم، ودهش، وقال: كلهم حدثني به. فقام يحيى وقال: الشيخ يكذب. وذكر أبو العرب التميمي، في كتاب المحن، عن عبد الله بن عبد الحكم، أنه امتحن في القرآن على يد الأصم، وضرب بالسياط في مسجد مصر، أقل من ثلاثين سوطًا أيام المأمون وابن أبي دؤاد على قضائه. وترجم أبو العرب في الترجمة عبد الله بن عبد الحكم الكبير، وذكر في الحكاية أن فعل به هذا هو ابن عبد الحكم الكبير، وأراه ابنه فإن محنة الأصم كانت بعد موت عبد الله على ما ذكرناه، في أخبار القاضي الزهري، قبل. قال أبو عمرو الكندي: وكان القاضي عيسى بن المنكدر قد كتب إلى المأمون كتابًا في شأن المعتصم أخيه، لما ولاه مصر. فعرضه المأمون على المعتصم. فلما ورد المعتصم مصر عزل ابن المنكدر، وسجنه إلى أن مات في سجنه ببغداد، رحمه الله تعالى. وسجن عبد الله بن عبد الحكم بالتهمة، في هذا الكتاب إذا كان الغالب على ابن المنكدر وصاحب مسائله، وكان أشار على ابن المنكدر ألا يفعل، فعصاه. عبد الله فمات لإحدى وعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة أربع عشرة ومائتين، وهو ابن ستين سنة. قيل مولده بمصر سنة خمس وخمسين. وقيل سنة ست في السنة التي ولد فيها الحارث بن مسكين، وعبد الله أكبر منه بشهرين.
стр. 518
وقيل سنة خمسين ومائة. وإليه أوصى ابن القاسم وابن وهب وأشهب وأبو عبد الحكم يكنى أبا عثمان، كذلك له عن مالك مسائل في المدّبر وغيرها. وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة. وأما بنوه فسيأتي ذكرهم بعد هذا إن شاء الله تعالى.
يحيى بن عبد الله بن بكير بن زكريا المخزومي -مولاهم -
قال الكندي: هو مولى عمرة مولاة أم حجر ابنة أبي ربيع بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وقال ابن وزير: ثلاثة من أهل مصر لا يعرف لهم ولاء صحيح: ابن بكير، وأصبغ، وابن عفير. قال الكندي: كان ابن بكير، فقيه الفقهاء بمصر في زمانه ولاه القاضي العمري مسائله مع أشهب سمع من مالك موطأة، وغير ذلك. ومن الليث بن سعد والعطاف ابن خالد، وابن لهيعة وبكر بن مضر، ومفضل بن فضالة، والمغيرة بن عبد الرحمان، وابن وهب روى عنه البخاري وخرج عنه في صحيحه، وابن إبراهيم والزبيري، وأسحق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأبو داود السجستاني، وعلي بن عمر التميمي، والرمادي وأبو زرعة ويونس بن عبد الأعلى والذهلي. قال أحمد بن عبيد الله الكوفي: كنت آتي ابن عبد الحكم فيمر به ابن بكير، ويسلم عليه، ويقول: شيخنا ابن بكير، ومحدث بلدنا ويتبعه ثناء حسنًا ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: شر العرضات عرضة ابن بكير كان حبيب يصافح له ورقتين في ورقة، وعنده
стр. 519
الحكاية باطلة الأصل والله أعلم، لأن مالكًا رحمه الله تعالى ومن حضره، لم يصح جواز مثل هذا عليهم لحفظ حديث الموطأ. وقد أنكر هذا بعض أصحاب مالك الجلة: وقال: إنما كان عرضتنا على مالك ورقتين، من الموطأ. فكيف يصح هذا. قال الباجي: تكلم بعض أهل الحديث في سماعه للموطأ وأنه إنما سمعه بقراءة حبيب وهو ثبت في الليث، وقد روى عنه من طريق بقي بن مخلد وغيره أنه سمعه من مالك سبع عشرة مرة وأن بعضها بقراءة مالك. قال أبو أحمد بن عديّ: هو أثبت الناس في الليث. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. كان يفهم هذا الشأن. ذكر ليحيى بن معين: يحيى بن بكير فقال: ثقة إلا أن حديثه عن ابن وهب لم يكن بالجيد القراءة له. وضعّفه
النسائي، وذكر ليحيى بن معين أيضًا فقال: لا صلى الله عليه. دخلت عليه بمسجده فلما رآني سجد. وقال ما كنت أرى أنك تأتيني. وأراه لم يحدث عنه بغير هذه القصة. وذكر ابن باز: قرأ لنا يحيى بن بكير بمصر كتابًا كان يرويه عن عبد الله ابن لهيعة من حديثه. فلما فرغ من قراءته قال للناس: اسمعوا هذا الكتاب سمعته من ابن لهيعة بعدما اختلط. روى عنه من أهل الأندلس وأفريقية والغرب جماعة، منهم: يحيى بن عمر، وفرات بن محمد، وإبراهيم بن باز. توفي في مصر سنة إحدى ويقال اثنتين وثلاثين ومائتين. مولده سنة ثلاث وخمسين.
стр. 520
عبد الملك بن مسلمة بن يزيد مولى بني أمية
أصله من نوبية، يكنى أبا مروان. قال أبو عمر الكندي: وكان فقيهًا من أصحاب مالك. مولده سنة أربعين ومائة. وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
يونس بن تميم بن يونس
مولى زوف بن مراد، قال الكندي: كان فقيهًا، وذكر ابن شعبان وابن مفرج روايته، عن مالك. توفي سنة خمس عشرة ومائتين.
هاني بن المتوكل بن إسحاق بن إبراهيم بن حرملة
مولى بني شبابة، من فهم. نزل بالإسكندرية. وذكر له رواية عن مالك. قال الكندي: كان فقيهًا سنيًا. توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. مولده سنة ثمان وثلاثين ومائة.
سعيد بن الحكم بن محمد ابن أبي مريم الجمحي
قال الكندي: مولى أبي فطيمة، مولى بني جمح. كنيته أبو محمد. كذا نسبه الكندي، وكذا قال البخاري، وأبو حاتم. وحكى الألكاني عن غيرهما: سعيد بن محمد بن
عبد الحكم، يروي عن مالك وعبد الله العمري وابن عيينة، والليث وابن وهب وسليمان بن بلال وغيرهم. روى عنه ابن معين
стр. 521
والذهلي وأبو عبيد، ومحمد بن إسحق الصاغاني، والبخاري وأبو هاشم. ويعقوب بن سفيان. وأخرج عنه البخاري ومسلم. ويقال إنه سمع الموطأ من مالك، وله عنه حديث كثير وغير ذلك. قال الكندي: كان فقيهًا من أهل الفضل والدّين. قال ابن معين فيه: ثقة. وقال أبو حاتم: مثله. وقال يحيى أيضًا: هو ثقة الثقات. وسئل أحمد بن حنبل عمن يكتب بمصر، فقال: عن ابن أبي مريم. وقال أحمد بن عبد الله الكوفي: هو ثقة، وأثنى عليه ابن أيمن، والأعناقي، وذكره ابن وضاح، فذكر من فضله وثقته، فأطنب فيه. وقال: هو ثقة الثقات، كتبت عنه بمصر مسألتين لا غير. قال ابن وضاح: وسمعت ابن أبي مريم يقول: كان لديه طوماران يكتب في أحدهما شهادته، وفي الآخر إيمانه. قال بعضهم كنا عند سعيد بمصر، فأتاه رجل فسأله كتابًا ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه فامتنع عليه، وسأله رجل آخر فأجابه. فكلمه الأول في ذلك، وقال: ليس هذا من الحق أو نحوه. فقال ابن أبي مريم: إن كنت تعرف من الشبائي وأبا حمزة من أبي جمرة، وكلاهما عن ابن عباس، حدثناك وخصصناك كما خصصنا هذا. قال الكوفي: كان له دهليز طويل، يقف الآخر إنه يردّ عليه، فيقول ما هذا: فيقول قدري خبيث. ثم يأتي آخر، فيفعل به مثله. فيسأله، فيقول: جهمي خبيث، أو رافضي خبيث. وكان عاقلًا لم أرَ بمصر أعقل
стр. 522
منه، ومن ابن عبد الحكم. قال البخاري: توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. مولده سنة أربع وأربعين ومائة.
عبد الرحمان ابن أبي جعفر الدمياطي
قال أبو إسحق ابن شعبان: روى عن مالك، وأسند عنه. قال ابن أبي دليم، وابن حارث: سمع من أعالي أصحاب مالك، كابن وهب وابن القاسم، وأشهب. وله
عنهم سماع مختصر، مؤلف حسن. رواه عنه يحيى ابن محمد، وغيره. وهذه الكتب معروفة باسمه، تسمى بالدمياطية. قال الشيرازي: تفقه بأشهب وابن وهب وابن القاسم، ومطرف وعبد الملك وابن نافع، وقد روى عن الفضيل بن عياض. قال الدمياطي: أتينا الفضيل نسمع منه، فلم يخرج إلينا. فقلنا للرجل كان معنا، حسن الصوت بالقرآن. اقرأ: فخرج إلينا، وإن الدموع على لحيته يبكي. فقال مالي ولكم؟ آذيتموني. العلم تريدون؟ تتركونه والله، كتاب الله. وروى عنه يحيى بن عمر والوليد ابن معاوية. وعبيد بن عبد الرحمان وغيرهم. توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
عبد الله بن محمد بن إسحق البيطاري
نسب إلى ذلك، لأنه كان ينزل عنده بلال البيطار، مولى لقيس. كنيته أبو محمد. قال أبو عمر الكندي: كان فقيهًا، ولقي مالكًا. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
стр. 523
بلال بن يحيى بن هارون الأسواني
من بني أمية. قال الكندي: من أصحاب مالك، وذكره فيهم. وكان مقبولًا عند قضاة مصر. وغمصه ابن عفير بما يقال في أهل اسوان.
محمد بن رمح بن المهاجر ابن المحرز بن سلام
التجيبي، مولاهم، أبو عبد الله. ويقال أبو بكر، صحب مالكًا وسمع الليث والفضيل وابن لهيعة. حدث عنه مسلم، وعلي بن الحسن بن المنذر، وحازم بن يحيى الحلواني، وابن وضاح، والحسن بن سفيان وابن ريان، وغلبت عليه الرواية. وهو ثقة مأمون. قال الكندي: خرج له مسلم في صحيحه كثيرًا. قال ابن الجيري: وكان رجلًا صالحًا، أوثق من ابن أبي زرعة. قال ابن ريان: هو ثقة. قال ابن وضاح: هو نعم الشيخ. قال الكندي: كان فقيهًا، قال، ابن رمح. واختلف عندنا في
مالك والليث، فذكر من اختلافهم شيئًا غاظه. حتى كانوا أحزابًا. فرأيت النبي صلى الله عليه، في النوم. فقلت يا رسول الله: اختلف عندنا في مالك والليث. فما ترى؟ فقال: مالك ورث جدي. قال الحسن ابن علي الأشناني: قال قائلون: جدي يعني إبراهيم الخليل ﷺ . وقال آخرون: الولي وقال آخرون: السنة. وقال أبو عمر الكندي في كتاب القضاة: كان أبو بكر الأصم قاضي مصر، قد أخذ أهلها، تبرك لباس القلاسي الطوال، وكانت ترى على شيوخهم، وفقهائهم وعدولهم. وقال لهم: لا تشبهوا بلباس القاضي فلم ينتهوا. فاجتمعوا
стр. 524
مرة عنده، في الجامع. فأمر الأعوان بضرب رؤوسهم، حتى ألقوها. فكان الصبيان يلعبون بها، ولم يلبسوها في مدته، إلا ابن رمح فإنه ثبت على لباسها فلم يعارض. توفي في شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وقال الكندي: ثمان وأربعين. مولده سنة اثنتين وخمسين
من أهل الأندلس
يحيى بن يحيى الليثي
قال القاضي أبو الوليد، ابن الفرضي: يحيى بن يحيى بن بكير بن وسلاس بن شملل بن صيغا. يكنى أبا محمد. قال الأصيلي: ويحيى أبوه هو المكنى بأبي عيسى، وهو من مصمودة طنجة وينتمي إلى بني ليث. ولا يعلم على الصحة سبب ذلك. قال الرازي في كتاب الاستيعاب: هو من مصمودة من مضارة قبيلة منها. دخل يحيى بن وسلاس، مع ابن أخيه نصر بن عيسى في جيش طارق، وأسلم وسلاس جدهم، على يدي يزيد ابن عامر الليثي، ليث كنانة. فهذا - والله أعلم - سبب انتمائهم إلى ليث. قال الرازي: ثم دخل بعدهما كثير بن وسلاس، وهو جد يحيى. وولي ابنه يحيى الجزيرة، وشذونه. وطلب يحيى ابنه العلم. وقال أبو عمر بن عبد البر، وكثير: هو المكنى بأبي عيسى. وهو الداخل إلى الأندلس، وكانوا يعرفون بأبي عيسى، والعلم عند الله.
стр. 525
ذكر ابتداء طلبه العلم ورحلته
قال الرازي: كان سبب طلب يحيى بن يحيى العلم، إنه كان يمر بزياد وهو يقول على أصحابه. فيميل إليه ويقعد عنده، فأعجبه ذلك زيادًا، وأدناه يومًا، وقال له: يا بني إن كنت عازمًا على التعلم فخذ من شعرك واصلح زيك. وكان يرى الخدمة، ففعل ذلك بحين، فسر به زياد واجتهد بتعليمه حتى برع تلاميذه. ثم قال له زياد بعد مدة: إن الرجال الذين حملنا العلم عنهم، يدفنون. وعجز بك أن تروي عمن دونهم. فخرج يحيى، بعد أن استسلف زياد له مالًا. إذ رغب من مال أبيه، فحج وسمع مالكًا، والليث. وكان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين. السنة التي مات فيها مالك. وانصرف إلى الأندلس، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى هلك أبوه بمحله بالجزيرة. فأخذ ما طاب من مال أبيه، ثم عاد، فحج ولقي جملة أصحاب مالك،
ثم انصرف. وذكر مثل هذا ابن حارث: إنه كانت ليحيى رحلتان من الأندلس. سمع في أولهما من مالك والليث وابن وهب، واقتصر في الأخرى على ابن القاسم وبه تفقه. وقال ابن الفرضي وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما، وبعضهم يزيد على بعض: سمع يحيى لأول نشأته من زياد، موطأ مالك بن أنس، وسمع من يحيى بن مضر. ثم رحل وهو ابن ثمان وعشرين سنة. فسمع من مالك الموطأ، غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شك فيها، فبقي يحدث بها عن زياد. وسمع من
стр. 526
نافع بن أبي نعيم القارئ، والقاسم بن عبد الله العمري، وحسين بن ضميرة، وعبد الله بن نافع، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، موطأة وجامعه. وسمع من ابن القاسم مسائل، وحمل عنه عشرة كتب. فكتب سماعه، قال أبو عمر: ثم انصرف إلى المدينة، ليسمعه من مالك. فوجده عليلًا. فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك رحمه الله تعالى، وحضر جنازته. وقدم الأندلس بعلم كثير، فعاد فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه، وقوله. وأخذ عليه في روايته في الموطأ، وفي حديث الليث وغيره أوهام نُقلت وكُلَّم فيها، فلم يغير ما في كتابه، واتبعه الرواة عنه. وقد عرفها الناس، وبينوا صوابها. وأما ابن وضاح، فإنه أصلحها ورواها الناس عنه على الإصلاح. وكان يفتي برأي مالك، لا يدع ذلك إلا في مسائل نذكرها بعد. قال الشيرازي: رحل يحيى بن يحيى إلى مالك، وهو صغير، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أصحابه قال أبو عبد الملك بن عبد البر: وبه وبعيسى بن دينار، انتشر مذهب مالك، وانتمى الناس إلى سماع الموطأ، من يحيى. وأعجبوا بتقليده، فقلّدوه، وتبعوه. قال ابن الفرضي: وسمع منه رجال الأندلس في وقته. وكان آخر من حدث عنه ابنه عبيد الله.
ذكر شيء من فضائله وأخباره
قال أحمد بن خالد: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلت الإسلام من الخطوة، وعظم القدر وجلالة الذكر، ما أعطيه يحيى بن يحيى.
стр. 527
وكان الأمير عبد الرحمان بن الحكم يبجله، بتبجيله الأدب، ولا يرجع عن قوله، ويستشيره في جميع أمره، وفيمن يوليه ويعزله، فلذلك كثر القضاة في مدته. وكان يفضل بالعقل على علمه، وألح عليه الأمير عبد الرحمان في ولايته القضاء، فأبى عليه. فوكل عليه من يقعده في الجامع، وقال للناس: هذا قاضيكم. فأبى على الحكم. فقال له يحيى: إن المكان الذي أنا فيه أنفع وخير لكم مما تريدون. إنّا إذا تظلم الناس من قاض أجلستموني، فنظرت لكم في أحكامه. وإن كنت قاضيًا فتظلم مني كما يتظلم من القضاة من تقعدون ينظر في أحكامي؟ فكفوا عنه. قال ابن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها ابن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى. قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة بالأندلس في العلم. وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله. روي عنه إنه كان عنده يومًا جالسًا في جملة أصحاب مالك، إذ قال قائل: قد حضر الفيل. فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه. فقال له مالك لِمَ لم تخرج فتراه، إذ ليس بأرض الأندلس. فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي، لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، لا إلى أن أنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك وسماه العاقل. قال أبو عمر بن عبد البر: كان يحيى إمام بلده المقتدى به، المنظور إليه، المعول عليه. وكان ثقة عاقلًا، حسن الهدي والسمت يشبَّه سمته بسمت مالك. ولم يكن له تبصر بالحديث. قال إبراهيم بن باز:
стр. 528
والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت أوقر من يحيى بن يحيى قط. ما رأيته يبصق، ولا يسعل في مجلسه، ولا يتحرك عن حاله، وكان أخذ بزي مالك وسمته. قال يحيى: لما ودعت مالكًا سألته أن يوصيني. فقال لي: عليك بالنصيحة لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، ثم قدمت على الليث، فلما حان فراقي إياه، قلت له مثل
مقالتي لمالك. فقال لي مثل قوله سواء. قال ابن حارث: كان يحيى لا يرى القنوت في الصبح، ولا غيرها، إقتداء بالليث أيضًا. وخالف أيضًا مالكًا بالأخذ باليمين مع الشاهد، فلم ير القضاء به. وأخذ بقول الليث أيضًا فيه. وقضى برأي أمينين إذا لم يوجد من أهل الزوجين حكمان. ورأى كراء الأرض بما يخرج منها، على مذهب الليث. وذكر أبو عبد الملك بن عبد البر، أن يحيى كان لا يرى الحكمين، وأن ذلك مما أنكر عليه. وكان يأتي الجمعة معتمًا راجلًا. وحكى عبيد الله بن يحيى عن أبيه، قال: كنت مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث في الغزو يوم اربونة، ومعي صاحبي سعيد بن محمد ابن بشير، وكان يكرمنا ويرسل إلينا، ويستشيرنا. وربما استخصني، بالإرسال، حتى قلت له: لا تفعل، فربما احفظ ذلك صاحبي. ووجّه إلي يومًا بصلة، مائة دينار. وإلى سعيد بمثلها. فصرفتها إليه، وقلت له: أما أنا فمستغنٍ عنها، بحمد الله. ولكن أجمعها لصاحبي، لحاجته إليها. فلما فتح الله على المسلمين، وقفلنا، قال لي يومًا: يا أبا محمد، أردت أن أكرمك أنت وصاحبك، فأمكن بكما الأندلس. قلت وبما ذاك؟ قال
стр. 529
بأن أسمعكما سماعًا حسنًا عندي. قلت: أنت والله تريد إساءتنا، لا إكرامنا. فقال لي يا أبا محمد: لا تظن إلا خيرًا. فما كان رأي من قبلك، إذا تبالغ في تكريمهم حتى نفعل ذلك بهم. فقلت لا جزاهم الله خيرًا عن أنفسهم، ولا عنك، فقد والله خانوا الله ورسوله. فخجل واعتذر. وذكر أحمد بن عبد البر، أن قاضيًا من قضاة قرطبة سماه، جميل المذهب، كان أشار بن يحيى بن يحيى، فكان طاعة له في قضائه، لا يعدل عن رأيه، إذا اختلف الفقهاء عليه، فاتفق إن وقعت قصة تفرد فيها يحيى وخالف جميعهم، فأرجأ القاضي القضاء فيها، حياء من جماعتهم، وردفته قصة أخرى، فشاورهم فيها أيضًا، فلما أتى كتاب يحيى وقد أحضره توقفه على إنفاذ الأولى، صرفه على رسوله، وقال: ما أفك له ختامًا، ولا أشير عليه بشيء، إذ قد توقف
عن القضاء لفلان بما أشرت عليه به، وعابه. فلما انصرف إليه رسوله، وعرفه بقوله، قلق منه وركب من فوره إلى يحيى معتذرًا وقال له: لم أظن الأمر وقع منك هذا الموقع. وسوف أقضي له غدًا يومي إن شاء الله. فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقًا. قال: نعم. قال له: فالآن هيجت غيظي، فإني ظننت إذ خالفني أصحابك، إنك توقفت مستخيرًا الله، متخيرًا في الأقوال. فأما إذا صرت تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف، فلا خير فيما تجيء به، لا فيّ إن رضيته منك. فاستعف من ذلك، فإنه أستر لك وإلا رفعت في عزلك، فرجع ليستعفي،
стр. 530
فعزل. قال عبيد الله بن يحيى: قال لي أبي: لما قام الناس على قاضي قرطبة يحيى بن معمر؟ وتساعدوا فيما كتب عليه، أتاني سعيد بن حسان فقال لي: ما ترى في الشهادة عليه. فقلت له لا تفعل. وانتظر أن تكون مشاورًا في شهادة غيرك. فتكون فتواك أنفذ من شهادتك. فغلبته الشهوة، وخالفني، فشهد فجاءني كتاب الأمير يقول: تصفحت الشهادة على فلان فلم أرَ لك فيه شهادة. وقد وجهت إليك بكتاب الشهادات عليه، فتصفحها وأكتب إلينا برأيك إن شاء الله. فأجابه يحيى: ما عندي من أخبار الرجل علم، لأنه لم يكن يحضرني مجلسه، ولا يشاورني في أحكامه، فأما الشهادة الواقعة عليه، فقد تصفحها ولو شهد على مالك والليث رحمهما الله تعالى بمثلها ما رفعا بعدها رأسًا. فعزل لحينه. قال يحيى: وأخبرني الليث أنه أخذ بركاب ربيعة. فقال له ربيعة: يا ليث: خدمك العلم. قال يحيى وإنما أراد ربيعة أن يبلغ مبلغ الكرامة، فما خرج يعني الليث من الدنيا حتى رأى ذلك. قال يحيى: وأخذت أنا بركاب الليث. فقال لي: أقول لك ما قال لي ربيعة: خدمك العلم يا يحيى. قال يحيى بن إسحق: ذكر يحيى ابن يحيى حديثًا يرويه عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قال وإن رجلًا ممن بلغه هذا الحديث من طلبة العلم، ذكره وهو على بطن امرأته، قبل أن يفضي
إليها. فأخذ دفترًا من العلم ينظر فيه. قال يحيى: ولقد طلبت هذا الأمر يوم طلبته ولا أريد إلا
следующие страницы →