← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

نافع بن أبي نعيم القارئ، والقاسم بن عبد الله العمري، وحسين بن ضميرة، وعبد الله بن نافع، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، موطأة وجامعه. وسمع من ابن القاسم مسائل، وحمل عنه عشرة كتب. فكتب سماعه، قال أبو عمر: ثم انصرف إلى المدينة، ليسمعه من مالك. فوجده عليلًا. فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك رحمه الله تعالى، وحضر جنازته. وقدم الأندلس بعلم كثير، فعاد فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه، وقوله. وأخذ عليه في روايته في الموطأ، وفي حديث الليث وغيره أوهام نُقلت وكُلَّم فيها، فلم يغير ما في كتابه، واتبعه الرواة عنه. وقد عرفها الناس، وبينوا صوابها. وأما ابن وضاح، فإنه أصلحها ورواها الناس عنه على الإصلاح. وكان يفتي برأي مالك، لا يدع ذلك إلا في مسائل نذكرها بعد. قال الشيرازي: رحل يحيى بن يحيى إلى مالك، وهو صغير، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أصحابه قال أبو عبد الملك بن عبد البر: وبه وبعيسى بن دينار، انتشر مذهب مالك، وانتمى الناس إلى سماع الموطأ، من يحيى. وأعجبوا بتقليده، فقلّدوه، وتبعوه. قال ابن الفرضي: وسمع منه رجال الأندلس في وقته. وكان آخر من حدث عنه ابنه عبيد الله. ذكر شيء من فضائله وأخباره قال أحمد بن خالد: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلت الإسلام من الخطوة، وعظم القدر وجلالة الذكر، ما أعطيه يحيى بن يحيى.

стр. 527

وكان الأمير عبد الرحمان بن الحكم يبجله، بتبجيله الأدب، ولا يرجع عن قوله، ويستشيره في جميع أمره، وفيمن يوليه ويعزله، فلذلك كثر القضاة في مدته. وكان يفضل بالعقل على علمه، وألح عليه الأمير عبد الرحمان في ولايته القضاء، فأبى عليه. فوكل عليه من يقعده في الجامع، وقال للناس: هذا قاضيكم. فأبى على الحكم. فقال له يحيى: إن المكان الذي أنا فيه أنفع وخير لكم مما تريدون. إنّا إذا تظلم الناس من قاض أجلستموني، فنظرت لكم في أحكامه. وإن كنت قاضيًا فتظلم مني كما يتظلم من القضاة من تقعدون ينظر في أحكامي؟ فكفوا عنه. قال ابن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها ابن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى. قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة بالأندلس في العلم. وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله. روي عنه إنه كان عنده يومًا جالسًا في جملة أصحاب مالك، إذ قال قائل: قد حضر الفيل. فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه. فقال له مالك لِمَ لم تخرج فتراه، إذ ليس بأرض الأندلس. فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي، لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، لا إلى أن أنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك وسماه العاقل. قال أبو عمر بن عبد البر: كان يحيى إمام بلده المقتدى به، المنظور إليه، المعول عليه. وكان ثقة عاقلًا، حسن الهدي والسمت يشبَّه سمته بسمت مالك. ولم يكن له تبصر بالحديث. قال إبراهيم بن باز:

стр. 528

والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت أوقر من يحيى بن يحيى قط. ما رأيته يبصق، ولا يسعل في مجلسه، ولا يتحرك عن حاله، وكان أخذ بزي مالك وسمته. قال يحيى: لما ودعت مالكًا سألته أن يوصيني. فقال لي: عليك بالنصيحة لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، ثم قدمت على الليث، فلما حان فراقي إياه، قلت له مثل مقالتي لمالك. فقال لي مثل قوله سواء. قال ابن حارث: كان يحيى لا يرى القنوت في الصبح، ولا غيرها، إقتداء بالليث أيضًا. وخالف أيضًا مالكًا بالأخذ باليمين مع الشاهد، فلم ير القضاء به. وأخذ بقول الليث أيضًا فيه. وقضى برأي أمينين إذا لم يوجد من أهل الزوجين حكمان. ورأى كراء الأرض بما يخرج منها، على مذهب الليث. وذكر أبو عبد الملك بن عبد البر، أن يحيى كان لا يرى الحكمين، وأن ذلك مما أنكر عليه. وكان يأتي الجمعة معتمًا راجلًا. وحكى عبيد الله بن يحيى عن أبيه، قال: كنت مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث في الغزو يوم اربونة، ومعي صاحبي سعيد بن محمد ابن بشير، وكان يكرمنا ويرسل إلينا، ويستشيرنا. وربما استخصني، بالإرسال، حتى قلت له: لا تفعل، فربما احفظ ذلك صاحبي. ووجّه إلي يومًا بصلة، مائة دينار. وإلى سعيد بمثلها. فصرفتها إليه، وقلت له: أما أنا فمستغنٍ عنها، بحمد الله. ولكن أجمعها لصاحبي، لحاجته إليها. فلما فتح الله على المسلمين، وقفلنا، قال لي يومًا: يا أبا محمد، أردت أن أكرمك أنت وصاحبك، فأمكن بكما الأندلس. قلت وبما ذاك؟ قال

стр. 529

بأن أسمعكما سماعًا حسنًا عندي. قلت: أنت والله تريد إساءتنا، لا إكرامنا. فقال لي يا أبا محمد: لا تظن إلا خيرًا. فما كان رأي من قبلك، إذا تبالغ في تكريمهم حتى نفعل ذلك بهم. فقلت لا جزاهم الله خيرًا عن أنفسهم، ولا عنك، فقد والله خانوا الله ورسوله. فخجل واعتذر. وذكر أحمد بن عبد البر، أن قاضيًا من قضاة قرطبة سماه، جميل المذهب، كان أشار بن يحيى بن يحيى، فكان طاعة له في قضائه، لا يعدل عن رأيه، إذا اختلف الفقهاء عليه، فاتفق إن وقعت قصة تفرد فيها يحيى وخالف جميعهم، فأرجأ القاضي القضاء فيها، حياء من جماعتهم، وردفته قصة أخرى، فشاورهم فيها أيضًا، فلما أتى كتاب يحيى وقد أحضره توقفه على إنفاذ الأولى، صرفه على رسوله، وقال: ما أفك له ختامًا، ولا أشير عليه بشيء، إذ قد توقف عن القضاء لفلان بما أشرت عليه به، وعابه. فلما انصرف إليه رسوله، وعرفه بقوله، قلق منه وركب من فوره إلى يحيى معتذرًا وقال له: لم أظن الأمر وقع منك هذا الموقع. وسوف أقضي له غدًا يومي إن شاء الله. فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقًا. قال: نعم. قال له: فالآن هيجت غيظي، فإني ظننت إذ خالفني أصحابك، إنك توقفت مستخيرًا الله، متخيرًا في الأقوال. فأما إذا صرت تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف، فلا خير فيما تجيء به، لا فيّ إن رضيته منك. فاستعف من ذلك، فإنه أستر لك وإلا رفعت في عزلك، فرجع ليستعفي،

стр. 530

فعزل. قال عبيد الله بن يحيى: قال لي أبي: لما قام الناس على قاضي قرطبة يحيى بن معمر؟ وتساعدوا فيما كتب عليه، أتاني سعيد بن حسان فقال لي: ما ترى في الشهادة عليه. فقلت له لا تفعل. وانتظر أن تكون مشاورًا في شهادة غيرك. فتكون فتواك أنفذ من شهادتك. فغلبته الشهوة، وخالفني، فشهد فجاءني كتاب الأمير يقول: تصفحت الشهادة على فلان فلم أرَ لك فيه شهادة. وقد وجهت إليك بكتاب الشهادات عليه، فتصفحها وأكتب إلينا برأيك إن شاء الله. فأجابه يحيى: ما عندي من أخبار الرجل علم، لأنه لم يكن يحضرني مجلسه، ولا يشاورني في أحكامه، فأما الشهادة الواقعة عليه، فقد تصفحها ولو شهد على مالك والليث رحمهما الله تعالى بمثلها ما رفعا بعدها رأسًا. فعزل لحينه. قال يحيى: وأخبرني الليث أنه أخذ بركاب ربيعة. فقال له ربيعة: يا ليث: خدمك العلم. قال يحيى وإنما أراد ربيعة أن يبلغ مبلغ الكرامة، فما خرج يعني الليث من الدنيا حتى رأى ذلك. قال يحيى: وأخذت أنا بركاب الليث. فقال لي: أقول لك ما قال لي ربيعة: خدمك العلم يا يحيى. قال يحيى بن إسحق: ذكر يحيى ابن يحيى حديثًا يرويه عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قال وإن رجلًا ممن بلغه هذا الحديث من طلبة العلم، ذكره وهو على بطن امرأته، قبل أن يفضي إليها. فأخذ دفترًا من العلم ينظر فيه. قال يحيى: ولقد طلبت هذا الأمر يوم طلبته ولا أريد إلا

стр. 531

نفسي. حتى هيّأ الله ما هيأ. فعلمت أن الناس يحتاجون إلي، ولقد تقت إلى النساء في أيامي، مع ابن القاسم بمصر، فاشتريت جارية بها. فوالله ما رأيت لها وجهًا نهارًا، طول ما قامت عندي، حتى بعتها اشتغالًاً بابن القاسم وعلمه. وكان ابن القاسم موضع دلك وأهله، في روعة وأمانته. وقيل لي يا أبا محمد فتمني هذا الأمر، مما يفسد النيّة. فقال: لا والله. وما عقل من لم يتمن ذلك؟ قال الله تعالى وجعلنا للمتقين إمامًا. قال يحيى: كنت آتي عبد الرحمان بن القاسم، فيقول لي من أين يا أبا محمد؟ فأقول له: من عند عبد الله بن وهب. فيقول لي: اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. ثم آتي عبد الله بن وهب، فيقول لي من أين؟ فأقول له: من عند ابن القاسم، فيقول لي اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي، ثم يرجع يحيى فيقول: رحمهما الله فكلاهما قد أصاب في مقالته. نهاني ابن القاسم عن إتباع ما ليس عليه العمل من الحديث، وأصاب. ونهاني ابن وهب عن كلفة الرأي، وكثرته، وأمرني بالإتباع وأصاب. ثم يقول يحيى: إتباع ابن القاسم في رأيه رشد. واتباع ابن وهب في أثره هدى. وكان يحيى جمع مسائل، سأل عنها أشب وابن نافع وغيرهما من أصحاب مالك، وكتبها عنهم. فعرضها على ابن القاسم، ليرى فيها مذهبه، فجعل ابن القاسم ينتقص عليهم، فلما رأى يحيى ذلك طوى كتابه، وادخله في كمه. فقال له ابن القاسم ما بالك. فقال إن هؤلاء لهم علي حق كحقك، وقد كتبت عنهم ولم أرد أن أعرّض بهم، إلى الوقوع فيهم. فإذا كان هذا، فلا حاجة لي بذلك، ومثله له معه في سماع وزياد. وقد

стр. 532

ذكرناه، في خبره. ووقع الأمير عبد الرحمان على جارية له في يوم من رمضان ثم ندم، وبعث في يحيى وأصحابه، فسألهم. فبادر يحيى وقال: يصوم الأمير، أكرمه الله شهرين متتابعين. فلما قال ذلك يحيى: سكت القوم. فلما خرجوا سألوه لم خصه بذلك دون غيره مما هو فيه، تخير من الطعام والعتق؟ فقال لو فتحنا له هذا الباب وطئ كل يوم وأعتق. فحمل على الأصعب عليه لئلا يعود. ذكر فصول من كلامه، وحكمه وأخبار، من تنزهه وعقله وزيه وكتب إلى يحيى رجل من قريش، يسأله عن حنث شك فيه، وإنه لم يرض مسألة غيره. فكتب إليه: أرى لك أن تتورع عنها، ولا يهوننّ الناس عليك، فتكون عليهم أهون، والسلام. وقال لآخر سأله عن مسألة حنث وقعت في مجلسه: لا ينبغي لك أن تسأل العلماء عن كل ما يحضر مجلسك، مما لا ينبغي أن يخرج دينك، فإنه أزين لك والسلام. وجمع بعض أصحاب يحيى وفوده عن ابن القاسم، فأراد أن يقرأها عليه، فتعظم ذلك وأبى منه، فقيل له: أو ليست حسنة؟ وقال: إنا لا نحبّ كل حسن أكون فيه مخالفًا لمالك وابن القاسم. ثم لم يكن من عرضها عليه. وكان يحيى يقول: تعاونوا على قطع المعانقة. وأول من أحدثها عنّا النساء والصبيان والخصيان. وقيل ليحيى: قال الحسن: لولا الحمقى ما عمرت الدنيا. فقال، يحيى: لكني أقول: لولا الحلماء ما عمرت الدنيا. وقيل له، قال

стр. 533

سفيان الثوري: ما أخاف على دمي إلا القراء والفقهاء. أما أنا قلت قاله إبراهيم النخعي. فجعل يحيى يتعوذ ويقول اللهم لا تخف بنا أحدًا من خلقك، مرارًا. ثم قال: إن رجلًا يخيفه الله خيار خلقه، رجلُ سوءٍ، وكان يحيى يقول: ادخل الحشمة بينك وبين الناس. فإنه أوقر لحرمتك. وسأله رجل في غير مجلسه عن مسألة فأنكر ذلك، وقال: إذا جلست مجلس السائل من المجيب، أجبناك. وقيل له: لم لا تنبسط في الملا، كانبساطك في الخلا. فقال: لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدي بي كما اقتديت بغيري. وأراد أن يجاوب في مسألة، فاستمد فلم يجد المداد، ثم تكرر فلم يمكنه. فقال له رجل إلى جنبه: عنده الدواة. يا أبا محمد. فقال: لو كان، لكان. فضم الفتى الدفتر إلى وجهه، وتبسم، ولحظه يحيى لحظة، فقال: لو جلست في بيتك كان أستر لك. وقال: من أراد أن يعمل بما يقول، اقتصد. ومن لم يرد ذلك لم يسأل ما يقول. وكان يحيى يعجب بكلمة حكمة قالها له الحاجب عبد الكريم بن مغيث. وقال له يحيى مرة إني أريد أن أكلمك بشيء يرق وجهي عندك رقة، شديدة. فقال له يا أبا محمد: كل شيء تبلغ الحشمة منك فيه هذا، فضعه عن نفسك. وكان يحيى يعجبه ويقول: ما أزين الحلم بالرجال. وسمع يحيى بن يحيى يقول في قول الله ﵎: يا بني آدم قد أنزلنا

стр. 534

عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التَّقوى. قال: لباس التقوى، السكينة والوقار وحسن السمّت. ثم رجع يحيى يقول: مع العمل بما يشبه ذلك. وسئل عن الزهد في الدنيا، فقال: من لم يرض منها إلا بالحلال فهو فيها زاهد، وإن كان عليها مكبًا حريصًا. وقال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم، لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة. وذكر يحيى أصحاب الأعراف فترجع واسترجع، وقال: قوم أرادوا وجهًا من الخير، فلم يصيبوه. فقيل له أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ فقال: ليس في خلاف السنة رجاء الثواب. وقال قوم ليحيى يا أبا محمد. لو توكلنا على الله حق توكله، لأتانا بالرزق إلى بيوتًا، كما يأتي الطير. قال: والله ما كان يأتي عيسى بن مريم البقل البري حيث هو جالس، حتى يخرج إليه إلى الصحراء يلتمسه. وقيل ليحيى أن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك، وقال: لا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه نبيه ﷺ . وكان يحيى يلبس الوشي الرفيع، يريد القطني، ثمنه المال العظيم في الأعياد والدخول على الأمراء. وقال الأمير محمد: ركبت يومًا في حياة أبي، فلقيت يحيى بن يحيى، فراكبني ثم ضرب على يدي، وقال لي: إن هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله في عباد الله. فكانت في نفسي حتى صرت إليه، ووليت الأمر بعده.

стр. 535

محنة يحيى بن يحيى رحمه الله تعالى كان يحيى ممن اتهم بالإجلاب بالهيج بقرطبة، على الأمير الحكم بن هشام. فلما أظفره الله بالقائمين عليه، وأستباحهم، ثم أجلى بقيتهم، كان ممن فر عنه: عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى. فذكر أن يحيى بن يحيى خرج مع أخيه، فتم وكان رأسًا في أهل الخلاف، متنكرين على باب اليهود بقرطبة، يريدان الفرار، وقد أنذر الأمير أهل الأبواب أن يقتلوا كل من اجتاز بهم، ممن ينكرونه، فعدل أخو يحيى إلى كبير أولئك البوابين، لصداقة كانت بينه وبينه. وثق بها منه ليودعه، ويوصيه بمن يخليه. وقد نهاه أخوه يحيى عن ذلك، فلما دنا منه، كشف له عن وجهه وطلب خلوته. فساعة وقعت عينه عليه قبض عليه، وأمر بضرب عنقه، ويحيى ينظر بناحيته فتزايد ذعره، وبالغ في تنكر نفسه، ولزم بقوم من مصمودة قومه في طريقه. فراموا الفتك به، لأخذ ما كان على بطنه من المال. فأنذرته ابنة أحدهم بذلك. فلما اجتمعوا معه للعشاء قام كأنه يريد حاجة، وركب رمكة وجدها في الدار سائبة، عريًا، فنجي عليها. فلما أبطأ عليهم خرجوا فوجدوه وقد فات وسار إلى أن نجا. فلحق بطليلة وردّ رمكتهم، فتقبله أهلها، وأجاروه. وكان يحيى المعروف بأبزي وطالبهم الأمير الحكم، بإسلامه إليه. فلم يفعلوا ومنعوه بعزة أنفسهم.

стр. 536

فأتاه كتاب الأمير أخيرا في الرجوع الى وطنه، وبذل له الأمان، ؤيرد عليه متاعه وماله، وكان يحيى قد كتب اليه في ذلك فاستجاب له، وعاد الى قرطبة أخريات أيام الحكم، فلم يزل تحت كرامته بقية أيامه، وأيام ولده، وعرض جاهه وشهر فضله وعلمه. ولما انصرف الى قرطبة، باع جميع عبيده، واستبدل بهم. فقيل له في ذلك، فقال: نكره ان يصحبنا من عرف ما دار علينا، من الهرب والذل. وامتدت أيامه، الى أن توفي، لثمان بقين في رجب، سنة أربع وثلاثين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي. وقال الرازي عشية يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة. وقيل إنما توفي سنة ثلاث وثلاثين. حكاه أبو عمر الحافظ، وكان سنّه يوم توفي: سنتين وثمانين سنة. وترك ابنين يأتي ذكرهما. ولما مات يحيى، أسند وصيته إلى القاضي محمد بن زياد بن ربيع، أجل خاصته. وهو الذي صلى عليه بعد موته، فذكر أن ابنه الأصغر عبيد الله كان قدّمه، وأن ابنه الأكبر، اسحاق، تقدم بتقدمه للصلاة عليه، يكبر بتكبيرابن زياد، ويسلّم بتسليمه. فلما وري يحيى، أنكر ابن الزياد على إسحاق ما فعله، ووبخه، وقال له: ما أقدمك عليّ بهذا؟ فقال له إسحاق: ومن أقدمك أنت على أبي؟ فقال ابن زياد؟ أمر الصلاة إلي، ومع هذا، فإن أخاك عبيد الله قدمني، وهو أرشد منك على شبابه. وكان سن عبيد الله إذ ذاك سبع عشرة سنة. والله لولا حفظي لصاحب الحفرة، لأدبتك. فكان ثناء ابن زياد يومئذ على عبيد الله، أول أسباب سؤدده. قال يحيى بن إسحاق، في كتابه المبسوطة: قال لي أبي: دخلت أنا وعبد الملك بن زونان على أبي يحيى، وهو مريض، فسأله عن علته، فقال له يا أبا الحسن إنه ليخفف عني ما أنا

стр. 537

فيه، تفكري في عضيم ما له خُلقت. فكان زونان يردد هذا، في كلامه ويعجب به. وقال له مرة أخرى: يا أبا الحسن ليتني أن أزحزح عن النار، على أن لا أسمع بذكر الجنة. وليحيى وصية لطلبة العلم مشهورة. بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما قال القاضي الإمام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض رضي الله تعالى عنه. قد انتهى بنا القول في الطبقات الثلاث من أصحاب مالك، الذين أخذوا عنه، وسمعوا منه منتهاه، وبلغ بنا الذكر بعون الله تعالى تعيين ما نصحنا عليه مداه، واستوفينا من أخبارهم ومختلف أحوالهم، ما شرطناه. فلنعج على من بعدهم من أتباعهم، ورواتهم الملتزمين مذهبهم، الناهجين في التفقه على مذهب مالك، نهجهم. وأن كان منهم من قارن الطبقة الوسطى والصغرى من أصحاب مالك، ومن تقدم بعضهم من الزمان، ولكن قدمنا أولئك لمرتبتهم لصحبة إمامهم، وجئنا بهؤلاء. ثم بمن جاء بعدهم، إلى زماننا. مرتبًا لهم على طبقاتهم، في تقدم الزمان، وتأخره ذاكرًا لكل واحد ما بلغني علمه، من مفيد شمائله، وخبره. والله المعين لا رب غيره.

стр. 538

الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك والتزموا مذهبه ممن لم يره ولم يسمع منه من أهل المدينة أبو ثابت محمد بن عبد الله بن محمد بن زيد مولى عثمان بن عفان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه. روى عن ابن وهب وابن القاسم وابن نافع. قال الشيرازي: وبهم تفقه. روى أشهب، وعن إبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن علي الرافقي وابن أبي حازم وحاتم بن إسماعيل وحماد بن زيد وغيرهم. روى عنه إسماعيل القاضي وأخوه حماد والبخاري ومحمد بن إبراهيم وخرج البخاري عنه في الصحيح. قال أبو حاتم: صدوق. وقال القاضي إسماعيل: كان الإجماع ونحن بالمدينة، إنه ليس بها أفضل من أبي ثابت وكان شريك والقعنبي، فكان أبو ثابت بالبصرة. فسمع من حماد بن زيد، وكان القعنبي بالمدينة، ولم يسمع منه أبو ثابت. قال أبو ثابت: رآني ابن وهب عن أشهب بعد موت ابن الاسم، فقال لي: أنت كما قال القائل: كما تبدّلت بعد الخيزران، جريدة. . . البيت. أبو بكر بن ثابت المدني من أصحاب محمد بن مسلمة، وعبد الملك بن الماجشون. يحكي عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق في مبسوطه. نسبه ولم يسمِّه. وكناه القاضي

стр. 539

أبو عبد الله التستري. وقرأت بخط الفقيه أبي عبد الله بن عتاب، إن الكتب الثمانية التي أدخل أبو زيد القرطبي من سماعه، عن عبد الملك ومطرف واصبغ، أن أبن ثابت أيضًا رواها عنهم، إلا ما منها لاصبغ، وقد روى ابن ثابت عن ابن بابين أبو شاكر محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل، بن الوليد بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. يروي عن أبيه. روى عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق وأخوه حماد. يعقوب بن عيسى بن عبد الملك بن حميد ابن عبد الرمان بن عوف الزهري المدني أبو يوسف ذكر الخطيب أبو بكر، عن محمد بن سعد أن أبا يوسف هذا، كان كثير العلم والسماع للحديث حافظًا له. قال: ولم يجالس مالكًا. لكنه جالس من كان بعده من فقهاء المدينة، ورجالهم، وأهل العلم منهم. وكذا نسبه الخطيب في أصل النسخة التي وقعت إلي. ورأيت أنا في كتاب محمد ابن سعد فيه، يعقوب بن محمد بن عيسى. قال الخطيب: وقدم بغداد فحدث بها عن عبد العزيز الدّراوردي وابن أبي حازم، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن فليح، وصالح بن قدامه، وسفيان بن حمزة، وحاكم بن إسماعيل، وابن أبي فديك. روى عنه الحارث ابن أبي أسامة. وعباس بن إسماعيل، وأبن أبي فديك. روى عنه الحارث ابن أبي أسامة. وعباس الدوري، وحجاج بن الشاعر، وحاتم ابن الليث الجوهري، وأحمد بن زياد السحار،

стр. 540

وإسحاق الجزلي، وأبو العباس الكرسي، قال يعقوب: مررت ببغداد فعرض لي رجلان قاما من مجلس، فأخذا بعنان دابتي، ثم قالا: اختلفنا في شيء فأردنا أن نعرف فيه قول أهل بلدك، فقلت: ما هو. فقال أحدهما: قلت القرآن مخلوق، وقال الآخر قلت ليس بمخلوق. فقلت لهما: قول أهل بلدي، لو أخذوكما لأوجعوكما ضربًا. وضعفه ابن حنبل، وقال: ليس بشيء. وسئل عنه ابن معبن، فقال: إذا حدث عن الثقات. وقال أيضًا: هو صدوق، ولكن لا يبالي عمّن حدّثك. وقال أيضًا: أحاديثه تشبه أحاديث الواقدي. وقال مثله صالح بن محمد، وأبو زرعة الرّازي. قال ابن نافع: توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين. وكان أبوه محمد من سراة المدنيين، وأهل المروءة منهم. من أهل العراق أحمد بن المعذَّل هو: أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم، بن المختار بن ذهل، بن عجل ابن عمر، بن وديعة بن بكير بن أفصى بن عبد القيس، الفهدي. يكنى أبا الفضل، بصري، وأصله من الكوفة، وأبوه المعذل بن غيلان، بذال معجمة مفتوحة، مشدّدة. كذا ضبطه الداراقطني وغيره. على أن أبا الحسن الداراقطني، ذكر اسمين في هذا الباب. المعذل بن غيلان وأحمد ابن المعذل. ولم يقل أنه ابنه، وهو ابنه كما قدمنا. وكان المعذل سريانيًا

стр. 541

شاعرًا. قال الدارقطني: روى المعذل بن غيلان البصري، عن فضيل بن مرزوق روى عنه محمد بن شعبة. قال وأحمد بن المعذل بن غيلان البصري الفقيه المتكلم. وكان مفوهًا ورعًا، متبعًا للسنة. وله مصنفات وكتاب في الحجة، وكتاب الرسالة. قال الإمام أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: وسمع أيضًا من إسماعيل ابن أبي أويس، وبشير بن عمر والسندي، ابن هارون وغيره، وعليه تفقه جماعة من كبار المالكية، كإسماعيل ابن إسحق القاضي، وأخيه حماد ويعقوب ابن شيبة وسمع منه ابنه محمد بن أحمد وعيد العزيز بن عمر البصري. ذكر الثناء عليه وفضائله قال أبو عمر الصدفي: هو ثقة. كان أبو حاتم يثني عليه. قال أبو سليمان الخطابي: أحمد بن المعذل، مالكي المذهب، يعد في زهاد البصرة وعلمائها. وكان أبو خليفة الفضل بن الحباب الجعفي القاضي يثني على ابن المعذل. قال أبو بكرالنقاش: قال لنا أبو خليفة: أحمدنا يعني ابن المعذل: أفضل من أحمدكم، يعني ابن حنبل. والله أعلم. قال أبو القاسم الشافعي المعروف بعبيد: كان ابن المعذل من العلماء الأدباء الفصحاء النظار. قال ابن حارث: كان فقيهًا بمذهب مالك. ذا أفضل وورع ودين وعبادة. ذكر الدينوري

стр. 542

في كتاب المجالسة. وجّه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء، بجمعهم في داره. ثم خرج عليهم فقام الناس كافة على أحمد. فقال المتوكل لعبيد الله: هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوء. يريد: العذر عنه. فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي ﷺ : من أراد أن يمتثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار. فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وقال الحسن بن عبد الرحمان بن عبيد البصري في كتابه: وممن كان يقرض الشعر من الفقهاء النساك: أحمد بن المعذل. وكان من أفصح الناس وأبلغهم وأنسكهم وأصمتهم، حتى نسب بذلك إلى الكبر. وله مواعظ وأخبار حسان. وكان أهل البصرة يسمونه لفقهه ونسكه الراهب. وكان فقيهًا بقول مالك، لم يكن لمالك بالعراق أرفع منه، ولا أعلى درجة ولا أبصر بمذهب أهل الحجاز، منه وعنه أخذ اسماعيل بن اسحاق، وهو فقهه. وذكر الحسن بن عبد الرحمان عنه، وذكر ابن الجراح أيضا، وأحدهما يزيد على الاخر: انه كان سكن مع أخيه عبد الصمد في دار واحدة. وكان عبد الصمد منهمكا في الشراب، فكان أحمد يبكر الى صلاة الصبح، وكان امام المسجد، فيمر سحرا بأخيه وهو سكران، ويحركه ويقول: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون. . . الآيات. وفي الرواية الأخرى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون.

стр. 543

فيرفع عبد الصمد رأسه، ويقولك وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم. . الآية. قال أحمد: دخلت المدينة، فتحملت على عبد الملك بن الماجشون، برجل يخصني، ويعني بي، فلما فاتحني، قال ما تحتاج أنت إلى شفيع. معك من الحذاء والسقاء ما تأكل به لب الشجر، وتشرب به صفو الماء. وكان أحمد يذهب إلى البادية، ويكتب عن الأعراب. قال المبرد: رأيت أحمد بعرفان مضحيا للشمس لا يستظل، فقلت ما هذا يا أبا الفضل؟ فقال: ضحيت لكي استظل بظله … إذ الظل أضحى في القيامة قالصًا فيا أسفًا إن كان أجرك حافظًا … ويا حزنًا إن كان أجرك ناقصًا وحكى الدينوري، قال: كان أحمد بن المعدل إذا حج لا يستظل، فلقيه بعض أصحابه بين مكة والمدنية، في يوم صائف شديد الحر، ليس له مظلة وقد أحرقته الشمس، فقال له: سترت نفسك من الحر؟ فأنشأ يقول: ضحيت له كي استظل ظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصًا وعادت نفوس الناس عند حلوقهم … يريقون زيفًا غابر الماء شاخصًا وما كنت ترجو أن ينالك حرها … وقد كنت في حر الظهيرة حائضا لعمري لقد ضاعت أمور لأهلها … ليغتبطن بالصدق من كان خالصًا

стр. 544

قال: وكان أحمد بن المعدل، إذا أحزنه أمر، قام في الليل يصلي، ويأمر أهله بذلك. ويتلو: وأمر أهلك بالصّلاة الآية وينشد: أشكو إليك حوادث أقلقنني … فتركنني متواصل الأحزان لولا رجاؤك والذي عودتني … من حسن صنعك لاستطار جناني من لي سواك يكون عند شدائدي … إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني وأنشد أبو عبيد الله له: التمس الأرزاق من عند الذي … ما دونه أن سئل من حاجب ومن يغمر التارك تسأله … جودًا ومن يرضى عن الطالب ومن إذا قال جرى قوله … من غير توقيع ولا كاتب وله قصيدة مشهورة في صفة النخلة، ولأخيه أرجوزة مشهورة فيها. وأنشد له الحصر وابن الجراح: أخو دنف رمته فأقعدته … سهام من لحظك لا تطيش قواتل لا قداح سوى أحورار … بهن ولا سوى اللحظات ريش أصبن سواد مهجته فأضحى … سقيمًا لا يموت ولا يعيش كئيب أن تحمل عنه جيش … من البلوى ألم به جيوش وكان القاضي أحمد بن إبراهيم بن حماد، قال: خرج أحمد بن المعدل من البصرة إلى طرسوس فأطال بها المكث فكتب إليه ابنه: يا أبت وحشت بقاع، وفقدك إخوانك. فكتب إليه أحمد: أتأمن بالنفس النفيسة ما بها … وليس لها في الناس كلهم ثمن

стр. 545

بها أملك الدنيا فإن أنا بعتها … بشيء من الدنيا فذلكم الغبن إذا ذهبت نفسي بدنيا تنالها … فقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن فبعها بها فمن إليه مصيرها … فإنك فيها للمنية مرتهن ودع لذة الدنيا لنعم خالد … لدى جنة لا خوف فيها ولا حزن فتبذل شيئًا لست تملك نفعه … فيجزيك بالإحسان ذو الفضل والمتن وأنشد له القاضي وكيع: وقالت سل المعروف يحيى بن أكتم … فقلت سلي رب يحيى بن أكتم وقال ابن الجراح في كتاب الورقة: كان ابن المعدل فقيهًا نبيلًا. له أشعار ملاح. قال القاضي إسماعيل بن أسحق: وكان أحمد أستاذه إلا أنه كان ورعًا حرجًا. بقية أخباره وفضائله وآدابه وشعره قال أبو أسحق الحضرمي وغيره: كان أحمد بن المعدل من الفقه والنسك والأدب، والحلاوة في غاية وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه. فكتب إليه أحمد: أما بعد، فإن أعظم المكروه ما جاء من حيث يرتجي المحبوب، ولقد كنت مرجوًا حتى أشمل شرّك وعمً أذاك، فصرت

стр. 546

فنينًا كالابن العاق، إن عاش نغّض وأن مات نقصّ، وأعلم أنك حسنت صدر أخ ناصح. والسلام. وكان يقول له: أنت كالإصبع الزائدة، أن تركت شانت وأن قطعت ألّمت. وذكر أبو علي القالي الكلام الأول بقريب من هذا اللفظ، فأجابه عبد الصمد: أطاع الفريضة والسنة … فتاة على الإنس والجنة كأن لنا النار من دونه … وافرده الله بالجنة وينظر نحوي إذا زرته … بعين حماة إلى كنة قال أبو العباس. كان أحمد بن المعدل، من الأبهة والتمسك بالمنهاج، والتجنّب للعيب والتعرض له في أيدي الناس، وإضمار الزهد فيه على غاية، فلما حمل إلى بغداد في جملة فقهاء البصرة، وقبل الصلة، نقم عليه. فتسبب به أخوه إلى أذاه، ووجد سبيلًا. فذكر له في ذلك أشعارًا تركناها. قال الحضرمي، وابن الجراح: عن القاضي إسماعيل وكانت أم عبد الصمد طباخة فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه له: ما عسيت أن أقول فيمن القح بين قدر وتنور. ونشأ بين زق وطنبور. أبو العباس!؟ وذكر الدلائي في كتاب نزهة الأسرار: أن ابن المعدل قالت له أهله، حين ورد القاضي يحيى بن أكتم البصرة: لو أتيت يحيى فسألته، لضّر أصابهم. فلم يجبها ثم قال هذين البيتين: تكلفني إذلال نفسي لعزها … وكان عليها أن أذلّ فتكرما تقول: سل المعروف يحيى بن أكتم … فقلت سلي رب بن اكتم

стр. 547

وذكر الدّنيوري، عن محمد بن موسى البصري، كنا عند أحمد بن المعدل بالبصرة يوم مات ابنه، فاسترجع ثم أنشأ يقول: تؤمل جنة لا موت فيها … ودنيا لا يكدرها البلاء وأنشد ابن الجراح له: ألا أبلغ أبا سوار عني … رسالة كاتب أهدي سلامًا أفي حق الأخوة أن أقفّي … ذمامكم ولا تقفّوا ذمامًا وقد قال الحكيم مقال صدق … رآه الأولون لهم إمامًا إذا أكرمتكم واهنتموني … ولم أغضب فذلكم فدامًا وأنشد له في وصف الرطب: انشق جيب قميصها … فالدمع عنها واكف يلغى بقاع إنائها … حيث استعرنا خاطف ومن الغرائب أنها … بكر عوان ناصف قال القاضي إسماعيل: عرضت على أحمد بن المعدل هذه الأبيات بكمالها، فقال: هي هكذا، إلا البيت الأخير، فإني لم أقلها، وينبغي أن يكون عبد الصمد قاله. قال القاضي: فانظر توقيه في هذا المقار الشعري، وذكر أبو علي القالي عن المعذل والد أحمد، أنه ركب إلى الأمير عيسى بن جعفر، فوقف ينتظره، فلما أبطأ عليه، أقبل يصلي، فخرج. وكان المعذل لا يقطع الصلاة. فناداه عيسى: يا معدل، يا أبا عمر، وهو مقبل على صلاته، فغضب عيسى ومضى، فلما أنهى الصلاة لحق عيسى، وأنشد شعرًا منه:

стр. 548

قد قلت إذ هتف الأمير … يا أيها القمر المنير حرم الكلام فلم أجب … وأجاب دعوتك الضمير وأنشد له ابنه أحمد، في كتاب الورقة: ولست بنظار إلى جانب الغنى … إذا كانت العلياء في جانب الفقر وإني لذو صبر على ما ينونبي … وحسبك أن الله أثنى على الصبر وأنشد له ابن الجراح أيضًا: إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني … أرى صالح الأعمال لا أستطيعها أرى خلة في أخوة وقرابة … وذي رحم ما كنت ممن أضيعها وذكر ابن الحارث عنه، أنه كان يقف في القرآن. ولعل ذلك تقية. ولعله في وقت المحنة، أو كراهة للكلام في فيما لم يتكلم فيه السلف، كما ذكرنا عن غيره. وأما أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير، فنحله ما لا يقوله، ولا يعرف له بوجه. وجدت في بعض الكتب أنه توفي وقد قارب الأربعين سنة. إسحاق بن إسماعيل بن حماد ابن زيد بن بابك البصري، أبو يعقوب الأزدي الجهني مولاهم، لآل جرير بن حازم، والد إسماعيل القاضي، ولي المظالم بمصر، أيام المأمون والحطابة والأشراف على المعتصم، وولي مظالم البصرة. ولم يكن بالحافظ. لكن ولده وآل تجردوا لمذهب مالك في أيامه،

стр. 549

وتفقهوا فيه. مولده سنة ست وسبعين ومائة. وتوفي بالبصرة سنة ثلاثين ومائتين. نقلت هذا كله من الأوراق المؤلفة، للحكم عبد الرحمان في ذكر المالكية، من أهل العراق. ومن كتاب ابن الحارث. وذكر أبو بكر الخطيب عن حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب المأمون عليه. فقلت: هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال يومًا تريك خسيس الحال ترفعه … إلى السماء ويومًا تُخفض العالي فاطرق ساعة ثم قال: عيب الإناءة إن سرت عواقبها … إن لا خلود وإن ليس الفتى حجرا قال: فقمنا. فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرضا، ودعاه إلى مجالسته. قال: فالتقيت معه، في مجلسه. فقلت: ليهنك الرضا. فقال: ليهنك مثله من متيّم - جارية أهواها - فحسن موقع كلامه عندي. فقلت: ومن لي بأن ترضى وقد صحّ عندها … ولُوعي بأخرى من بنات الأعاجم وجده، حماد بن زيد إمام البصرة، مشهور، كان أولًا بزازًا، فلزم العلم، فانتفع وانُتفع به. وارتفع ولده به. قال الفرغاني: فلا نعلم أحدًا من أهل الدنيا بلغ مبلغ آل حماد.

стр. 550

يعقوب بن إسماعيل بن حماد - أخوه - أبو يوسف قال محمد بن خلف القاضي، في كتاب طبقات القضاة: كان يعقوب هذا من حملة العلم. أخذ عن يحيى بن سعيد، وابن مهدي وغيرهما، وسمع أيضًا من ابن وهب بن جرير، وجرير بن صخرة، وحدث عنه ابنه يوسف، ومحمد بن هارون، وذكر أبو بكر بن ثابت البغدادي: إن ابنة القاضي أبو عمر، روى عنه، حديثًا أيضًا واحدًا. لقنه إياه وهو ابن أربع سنين. قال الخطيب: ولي القضاء بمدينة النبي ﷺ ، وقدم بغداد، فحدث بها عن سفيان ابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، ووهب بن جرير، وروح ابن عبادة، وابن عاصم النبيل، وأبي أحمد الزبيري. وروى عنه إسماعيل القاضي، وعبد الله بن أبي سعد الوراق، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد ابن حنبل، وابن ناجيّة، وقاسم المطرّز وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سألت عنه أبي، فقال: صدوق. وكتبت عنه، وكان يعقوب في صحابة المعتصم وقدّم إلى المعتصم وهو في صحبته للعشاء: هريسة. فقال المعتصم: ليست بطيبة. فقال يعقوب: أنا آكلها، فأتى عليها. فقال له المعتصم: أنت آكل الناس هريسة رديئة. قال ابنه: كان أبي يقول: أهل البيت في الشتاء إذا لم يأكلوا، ويصطلوا، فكأنهم غضاب. قال وكيع: ولاه المتوكل قضاء المدينة، ثم صرفه. قال ابن نافع: وتوفي بفارس وهو يتولى قضاءه سنة ست وأربعين ومائتين.

стр. 551

من أهل مصر أصبغ بن الفرج ابن سعيد بن نافع. مولى عبد العزيز بن مروان. قال أبو عمر الكندي في موالي مصر: كذا زعم أصبغ، وكثير من أهل مصر لا يصححون له، ولاء. يكنى أبا عبد الله. يسكن الفسطاط. روى عن الدراوردي، وابن سمعان، ويحيى بن سلام وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم. كان قد رحل إلى المدينة ليسمع من مالك، فدخلها يوم مات وصحب ابن القاسم وأشهب وابن وهب، وسمع منهم وتفقه معهم. قال أبو أحمد الجرجاني: كان كاتب ابن وهب. قال الإلكاني: وكان ورّاقه وأخص الناس به. روى عنه الذهلي والبخاري ويعقوب بن سفيان ومحمد بن أسد الخشني، وابن رنجويه، وابن وضاح، وسعيد بن حسان، وأخرج عنه البخاري. ذكر مكانه من العلم والثناء عليه قال ابن أبي دليم: كان فقيه البدن كذا طويل اللسان، حسن القياس من أفقه هذه الطبقة. قال أبو حاتم الرازي: هو أعلى أصحاب ابن وهب، صدوق. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن وضاح مثله. قال ابن حبيب: كان أصبغ من أفقه أهل مصر، وعليه تفقه ابن المواز وابن حبيب وأبو زيد القرطبي، والصيرفي وابن مزين وعبد الأعلى القرطبي وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبو حاتم الرازي. قال ابن حارث: كان ماهرًا في فقهه، وفقيه البدن طويل اللسان، حسن القياس، من أفقه هذه الطبقة،

стр. 552

والتبيان والبيان. وتكلم في أصول الفقه. قال ابن حبيب: كان أفقههم بعد أن ذكر ابن القاسم وطبقته، ثم ذكر أصبغ وعبد الله بن عبد الحكم. قال أحمد بن صالح الكوفي: هو ثقة. صاحب سنة. حكى القاضي أن أشهب مرض، فدخل عليه عوّاده وفيهم أصبغ، فلما خرجوا قالوا له من لنا بعدك؟ قال: هذا الخارج عنا. قال وكان ابن وهب يقول: لولا إن تكون بدعة لسّورناك يا أصبغ، كما تسوّر الملوك فرسانها. قال أبو عمر الكندي: كان أصبغ فقيهًا، نظارًا. وسأل مطرف بعض المصريين عن عبد الله بن الحكم، فقال: مات. قال: فما فعل أصبغ؟ قال: باق. قال مطرف: الحي عندنا أفقه من الميت. قال ابن اللباد: ما انفتح لي طريق الفقه إلا من أصول أصبغ. وقد روي أن ابن القاسم قال: إن قيل أصبغ، سرُّوا به. قال عبيد بن سعيد: قدمت على أصبغ بن الفرج، فلما كان توجهي إلى المدينة، كتب معي إلى عبد الملك بن الماجشون يسأله أن يخير له كتبه. قال: فقدمت على عبد الملك بكتابه، وهو يومئذ قد كف بصره، فقال لي: قل له: اشخص للعلم إن كنت تريده فإن العلم لمن شخص له. قال: فذاكرته، حال أصبغ. قال ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قلت له: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم، كلفًا منه به. وقال ابن مزين فلما قدمت على أصبغ سلمت عليه، وهو محتب

стр. 553

فأخرج يده من تحت حبوته، وكنت أعرف مروءة أصحابنا بالأندلس، فقلت في نفسي: ما يضرك لو أخرجتها عن طوقك. وكان أصبغ بمصر يستفتي مع أشهب وغيره، من شيوخه. قال ابن غالب: خرجت من الأندلس، وأصبغ عندي أكبر أهل زمانه: لما كنا شاهدناه من تعظيم شيوخنا له. وحكى الكندي عن المزني والربيع قال: كنا نأتي أصبغ قبل قدوم الشافعي، فقلنا له: علمنا مما علمك الله. قال ابن معين: كان أصبغ من أعلم خلق الله كلهم، برأي مالك. يعرفها مسألة مسألة. متى قالها مالك ومن خالفة فيها. ولأصبغ تآليف حسان، ككتاب الأصول، له عشرة أجزاء. وتفسير غريب الموطأ. وكتاب أدب الصائم. وكتابه سماعه من ابن القاسم، اثنان وعشرون كتابًا. وكتاب المزارعة، وكتاب أدب القضاة، وكتاب الرد على أهل الأهواء. قال أبو بكر بن أصبغ: قال أبي: أخذ ابن القاسم بيدي يومًا، فقال لي: يا أصبغ، أنا وأنت اليوم في هذا الأمر سواء، فلا تسألني عن هذه المسائل الصعبة بحضرة الناس ولكن بيني وبينك، حتى انظر وتنظر. قال: وقدم طومار عليه من الأندلس، أو من المغرب فيه مسائل، فقال لي أجب فيها، وائتني بجوابك. وقال لعيسى بن دينار مثله فجئنا بذلك. وقرأنا عليه، فأخذ جوابي وطبع عليه، وأعطاه لصاحب المسألة، وقال أخبرهم أن هذا جوابي وما غيّر منه شيئًا. جمل من أخباره قال أصبغ: خرجت إلى مكة، سنة تسع وسبعين للسماع من مالك.

стр. 554

فدخلت المدينة فلم ألق إلا باكيًا، أو مسرجًا أو ضاربًا يدًا على أخرى، أو محددة. فقلت لبعضهم ما شأن الناس لم يكلمني أحد، وجعلت كل ما لقيت فوجًا أسأله حتى قال لي رجل جالس متقنع يبكي، وقد رأى حالي غريبًا: أراك غريباُ؟ قلت: نعم. الساعة دخلت. قال لي مات اليوم عالم المشرق والمغرب. قلت يرحمك الله، ومن هو: فال لي أراك جاهلًا أقول لك عالم المشرق والمغرب، فتقول: ومن هو؟ فاسكتني. فلما نظر لي وقد وجمت قال: مات مالك بن أنس. قال: فصحت مات مالك؟ ومضيت مع الناس إلى منزله. فإذا به قد مات ذلك اليوم. فحضرت جنازته، وذكر أبو عمر الكندي في كتاب الموالي: قال كانت بين عبد الله ابن عبد الحكم وأصبغ منازعة، ومباعدة. وقال في طبقات القضاة بمصر إن أبا ضمرة الزّهري، كان أشار بين يدي ابن طاهر بأصبغ القضاة. وقال أصبغ، الفقيه، العالم لها لم يوافقه عليها ابن عفير، وقال: ما بال أبناء الصبّاغين يذكرون هنا؟ فأشار ابن عبد الحكم، بعيسى ابن المنكدر، فولي، ولم يكن له رأي في أصبغ فبلغ قول ابن عفير أصبغ فقال: من أخبره إن في آبائنا صباغًا. محنته قال أبو العرب: قال يحيى بن عمر، اختفى أصبغ بن الفرج أيام الأصم، وأخذه الناس بالمحنة في القرآن، فطلبه الأصمُّ فاختفى في داره، وكان إخوانه

стр. 555

يأتونه فيها الواحد بعد الواحد، حتى مات. وقال أبو عمر الكندي: إن المعتصم كتب في أصبغ ليحمل في المحنة. فهرب إلى حلوان، فاستتر بها. وفي ذلك يقول الجمل المصري، في مدحه الأصم. وطويت أصبغ خفيةً في بيته … فسترته جُدرُ البيوت الستر أبدلته برجاله وجموعه … خوفًاُ مقاعدة النساء الخدر وتوفي أصبغ بمصر، سنة خمس وعشرين ومائتين. قال ابن سخنون وذلك في يوم الأحد لخمس ليال بقين من شوال منها. وقال نحوه الكندي: وقال أبو نصر الكلاباذي: توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. قال الكندي مولده بعد الخمسين ومائة. أبو زيد ابن أبي الغمر واسمه عبد الرحمان ابن عمر بن أبي الغمر. كذا قال الكندي والدارقطني وغيرهما. مولى بني فهم. يروي عن يعقوب بن عبد الرحمان الإسكندراني، والمفضل وابن القاسم وأكثرهم عنه، وحبيب كاتب مالك، وابن وهب ومعاوية ابن يحيى الطرابلسي. قال ابن أبي دليم: ورأى مالكًا فلم يأخذ عنه شيئًا. وحكي ذلك الكندي عنه. روى عنه ابناه محمد وزيد والبخاري. وأخرج عنه في الصحيح، وأبو زرعة وأبو الزنباع روح ابن الفرج. وأحمد بن رشدين، ومحمد ابن المواز وأبو إسحاق البرقي. ومحمد بن عامر الألوسي. وأبو الطاهر

стр. 556

المصري، والحارث ويونس بن عمر، ومحمد بن عيسى الأعشى. وهو رواية الأسدية. والذي صححها علي بن القاسم بعد ابن الفرات. وله كتب مؤلفة حسنة، موعبة لطيفة، في مختصر الأسدية. وله سماع من ابن القاسم مؤلف، قال ابن وضاح: لقيته بمصر، وهو شيخ ثقة. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا، وذكر لسحنون فقال: أن أبا زيد لم يكن من أهل هذا الشأن، يعني الفقه. قال ابن باز والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت أفضل من أبي زيد ابن أبي الغمر. لا أحاشي أحدًا. وقال ابن أبي دليم: كان رجلًا صالحًا. قال غيره: كان لا يرى مخالفة ابن القاسم. وكتب أبو زيد إلى أبي سنان القيرواني: عليك يا أخي بنفسك. فلها فاعمل، وعلى حظها فاحرص، وعلى دوام بقائها في النّعيم المقيم فقم لها بذلك. فكأن قد حجبت عن القيام بذلك. بما ذكرت لك، فاغتنم ذلك ما كان لك مبذولًا، وأعلم أنك لن تقوى على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره. فعند ذلك تقوى على ما تريد، ويهون عليك طلب ذلك. وتقدر عليه إن شاء الله، وأبعد ما تكون منه حين تعطي لنفسك مناها وتدرأ عنها ما تكره، وأعلم أن ذلك بالله ومنه، فعليك بالإستكانة إليه في ذلك. فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيّتك. قال ابن باز: سألت. أبا زيد ابن أبي الغمر، عمّن تزّوج وبشرط أنه إن لم يأت بمهر إلى كذا، فأمرها بيدها. فقال النكاح حائز فقلت له يُروى عن مالك، لا يجوز. فقال لي ومن أعلم بقول مالك؟ أنا أو أنت؟ قلت: أنت. ولكن أخبرني سحنون عن ابن القاسم عن مالك: إنه لا يجوز: قال إبراهيم ثم وجدتها رواية كما قال محمد بن عيسى.

стр. 557

قال إبراهيم: صليت وراء أبي زيد ابن أبي الغمر، على جنازة. فرفع يده في التكبير كله، ثم صليت وراءه على أخرى فلم يرفع لا في الأولى ولا في غيرها. وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين سنة ستين ومائة. أبو علي بن مقلاص واسمه عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص، الخزاعي. وهو ابن ابنة سعيد بن أبي أيوب بن مقلاص، مولاهم، من أكابر أصحاب ابن وهب أخذ عنه وعن الشافعي، وعن لهيعة بن يحيى. روى عنه أبو إبراهيم الزهري، ويعقوب بن سفيان، وابن وضاح، وجماعة من الأندلسيين، وابن حارث، وكان فقيهًا زاهدًا صوفيًا حسنًا. ذكره ابن أبي دليم، والكندي. وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين. وله ابن اسمه محمد روى عنه ابن جرير قال ابن وضاح: لقيته بمصر، وكان كثير الرواية ضابطًا للحديث حافظًا له، نعم الشيخ ثقة. وكان جده لأمه سعيد بن أبي أيوب يكنى بأبي يحيى من رواة الحديث. يروي عن عقيل. روى عنه ابن المبارك والمقري، وأبو مطيع معاوية بن يحيى. قال ابن معين: هو مولى أبي هريرة، وثّقه هو والنسائي. توفي فيما قاله البخاري، سنة تسع وأربعين. وقال ابن بكير: سنة إحدى وستين ومائة.

стр. 558

سعيد بن عيسى ابن تليد، بفتح التاء، أبو عثمان القتباني، ثم الرعيني مولاهم، وقتبان قبيلة من رعين، بقاف مكسورة بعدها تاء باثنتين، من فوق ساكنة، وباء موحدة مفتوحة، وبعدها نون. فقيه مشهور بمصر. قال الكندي: في كتاب الموالي، وهو عم مقدام بن داود بن عيسى، وكان كاتبًا لغير قاض، بمصر. يروي عن المفضل بن فضالة، وبكر بن مضر، وابن عيينة وابن وهب، وابن القاسم، والليث بن عاصم، وغيرهم. روى عنه ابن أخيه المقدام، وأبو حاتم الرازي، وعلي بن محمد النفيلي، والبخاري. وخرج عنه في صحيحه. قال أبو حاتم: هو ثقة. قال أبو عمر الكندي، في قضاة مصر، ولاه لهيعة بن عيسى، على مسائله. وكان أول شأنه خياطًا وقال الجيزي: إن الفضل بن حاتم قاضي مصر، استكتبه، بعد أن أبى عليه، فحلف له إن لم يفعل ليعاقبنه. قال الدارقطني: وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين، وقال الكندي: سنة أربع عشرة. أبو الزنباع روح بن عبد الجبار بن نصير مولى مراد. وهو أخو أبي الأسود. يروي عن ابن القاسم، وكان مقبولًا عند قضاة مصر. ذكره ابن أبي دليم في المالكية. قال: وتوفي

стр. 559

في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وأخوه أبو الأسود: النضر ابن عبد الجبار. كان يكتب للهيعة، قاضي مصر. ذكره الكندي في علماء موالي مصر، مولده سنة خمس وأربعين ومائة، وتوفي سنة سبع عشرة ومائتين، وابن أخيهما محمد بن عبد الله بن عبد الجبار، يكنى أبي العوام. قال الكندي: كان فقيهًا مقبول الشهادة توفي سنة ثمان وستين. أبو عمرو الحارث بن مسكين ابن محمد بن يوسف. مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان. سمع من ابن القاسم، وأشهب وابن وهب، ودوّن اسمعتهم وبوّبها. وبهم تفقه وعد في أكابر أصحابهم. وله كتاب فيما اتفق فيه رأيهم الثلاثة، ورأي الليث ومالك والمفضل بن فضالة. وروى أيضًا عن سفيان بن عيينة، وسعيد ابن الجهم، ويوسف بن عمر. وحدث ببغداد وبمصر. وممن روى عنه ابن زبان الحضرمي، وأبو داود وابنه يعقوب بن أبي شيبة، وأبو حاتم الرازي ويحيى ومحمد بن عمر ومحمد بن رمضان والنسائي وابن وضاح وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والقاسم بن المغيرة الجوهري، وحمدان بن علي. سئل أحمد بن حنبل عن الحارث بن مسكين، قبل أن يستقضي فأثنى عليه خيرًا وقال: إنه رآه. وقال: ما بلغني عنه، إلا خير. قال: وكانوا يتساهلون في الأخذ عن ابن وهب والمصريين، تساهلًا شديدًا. وقال يحيى ابن معين: لا بأس به. قال ابن وضاح: هو ثقة الثقات. قال الكندي: كان مفتيًا فقيهًا. قال يحيى بن نصر: عرفت الحارث أيام ابن وهب، وبعد

стр. 560

وفاته على طريقة زهادة وورع، وصدق لهجة، حتى مات. قال أبو بكر الخطيب: كان فقيهًا على مذهب مالك، ثقة في الحديث ثبتًا. وحكى الخطيب عن علي بن الحسين بن حيان، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه. وقال النسائي: الحارث بن مسكين، خير من إصبغ وأفضل من عبد الله ابن صالح. وقال النسائي: الحارث بن مسكين ثقة مأمون، وللحارث بن مسكين كتاب حسن، دون فيه سماع ابن القاسم وابن وهب. قال أبو حاتم: هو صدوق. قال عبد الله بن محمد القاضي: كان الحارث من علماء هذه الطبقة بمصر، مع خيره وفضله وثقته في روايته. وكان عدلًا في قضائه، محمودًا في سيرته. قال الكندي: وكان أصحاب الأصم قد أشاروا عليه بامتحان الحارث في القرآن، عند قدوم الحارث من العراق فقال لهم: السلطان لم يمتحنه هناك، أنا أمتحنه، اسكتوا عن هذا. وذلك إن ابن أبي دؤاد كان أوصاه به، لأن الحارث حضر جنازة له، فشكر ذلك له. قال الأمير أبو نصر: حمل إلى بغداد للفتنة، فحبس بها إلى أن ولي المتوكل فأطلقه. وقال الخطيب مثله. وزعم أن الذي حمله المأمون، وفيه يقول سعد بن زيد: لو تراه وأبا زيد معًا … وهما للدين حصن وعضد يدرسون العلم في مسجدهم … وإذا جنّهم الليل هجد وإذا ما وردت مغلقة … أسند للقوم إليهم ما ورد نوّر االله بهم مسجده … فهم للمسجد نور يتقد

стр. 561

ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له. فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدًا من رجليه. فكان يحمل إلى الجامع في محفة، ويركب حمارًا مبرقعًا، وطولب بلباس السواد فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان واتهمه لتولي قيصر أمية. فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين. فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر. وكان على يدي ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ. قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب، عن مالك في رجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه أو جلد ظهره وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ فقال أما هدم داره أو جلد ظهره أو سجنه فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل خيرًا له. وأما أن يباح دمه فلا أدري ما حدث ذلك، ولعله في سعة من ذلك، أن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر وولي. والله لقد سألني حارث: تراني أهلًا للفيتا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولي جعفر المتوكل الحارث، قضاء مصر، بعد أن سجنه على إبائه، ذلك زمانًا.

стр. 562

قال محمد بن عبد الوارث: كنًّا عند الحارث فأتاه علي بن القاسم الكوفي، المدني. فقال له: رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام، فقلت ما اجتماعكم؟ فقالوا عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه وسمر مقعده في الحائط، وانصرف. فتبعته، فلما أحسّ بي، قال: ما تريد؟ قلت أنظر إليك. قال: اذهب إلى الحارث، فاقرأه مني السلام، وقل له يقضي بين الناس بإمارة إنك كنت في الحبس بالعراق. فقمت في الليل فعثرت بنكبة إصبعك، ودعوت بذلك الدعاء، فجئت من الغد، فقال لي الحارث: صدقت. وهذا شيء ما أطّلع عليه أحد إلا الله. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي. عند كل شيء، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسي في كل وحشة، صل على محمد وعلى آله، واجعل لي من أمري فرجًا. قال: ودعي إلى لباس السواد، فأبى من ذلك. فخاطب الوالي المتوكل، فرد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلعه، وركبه، ووجه الوالي وراءه رسلًا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوي عن محمد ابن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله. فعلمت إنه قصد وجهًا من الحق، فخالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه وقلت له: سر يا شيخ لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقني وقال: أحييتني والله يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدًا. فلما أتي به إلى الوالي، أمر بكتاب المتوكل فقرأ عليه، فامتنع من لباس السواد وقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجية

стр. 563

التي تعمل باليمن، فقال الحارث: بلى. إني ربما لبستها. فقال له الوالي: فألبسها. فقال أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك. وكتب به إلى المتوكل، وخلي عن الشيخ. قال الكندي: وأمر الحارث بإطراح أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصورهم بين العُمد. ومنع عامة المؤذنين من الآذان. ومنع قريشًا والأنصار من طعمة رمضان. وعمر المساجد، فبنى سقاية. وحفر خليج الإسكندرية. ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها ونهى عن النداء على الجنائز، وضرب القراء الذين يقرأون بالألحان. وهو أول من ولي على مصاحف الجامع أمينًا. وترك تلفي الولاة والسلام عليهم. ولاعن. وقتل ساحرين نصرانيين وقتل نصرانيًا سبًّ النبيّ ﷺ ، بعد أن جلده الحد. ونفى وحد من سبَّ عائشة. ولم يكن في ولايته خلل. وهدّم مسجدًا، كان بناه خراساني، بين القبور، بناحية القطب؟ في الصحراء. وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير، وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائبًا عن القرية. حيث لا يصلي فيه أهل القرية. وإنما يصلي فيه من ينتابه، وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان، وبمثله أفتى أبو عمران في المسجد الذي بني بجيل فاس، وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم القاضي قبله. وكانوا قد لعنوه لما عزل ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه. فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطًا،

стр. 564

ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أيامًا. فقال بعضهم للحارث: إنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك. فخلى عنه. وألقيت إليه سحابة فيها مكتوب ميزان حراني، وصنجة ناقصة. فلما قرأها، استبدل بكتّابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث، أبو إسحاق القسطال. وعلى مسائله عمر ويزيد، أبناء يوسف بن عمر. وقال أبو عمر الكندي: وحكم الحارث في حُبسٍ بمذهبه، بمذهب مالك بإخراج أولاد البنات منه. فشكى أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم وخطأوا الحارث، ونقصت القضية فاستعفى الحارث، إذ ذاك. فأعفي. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين، أن كتابًا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر. فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك وإعفائك فيما تقلدت منه، إسعافًا لك فيما سألت، وتفضلًا لما أدّى لموافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين. فكان أمد قضائه سبع سنوات واحد عشر شهرًا. وولي بعده بكار ابن قتيبة. فلم يكشف أحدًا من أصحاب الحارث. وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده مني، إلى أن يتبين لي جرحه. وذكر أبو عمر الصدفي: إن رجلًا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها صغير أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث. فقال له الحارث: فما أصنع به. فرد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع به، حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال له الحارث: إذا كان صالحًا وأحمق، فما أصنع. قال بعضهم: حضرت

стр. 565

جنازة. فأخذ يونس بن عبد الأعلى في الكلام والرشاد حتى بكى بعض من حضر، فقال الحارث: يونس، تحسن هذا كله، وأنت تصنع ما تصنع. فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ : من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلًا تقدم إلى حارث في خصومة، فناداه رجل باسمه. وكان اسمه إسرافيل. فقال له الحارث ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم؟ وقد قال ﵊: لا تسمعوا بأسماء الملائكة. فقال له: فلمَ سمي مالك بن أنس مالكًا؟ وقد قال الله تعالى: ونادوا يا مالك. ثم قال: والله لقد تسمي الناس بأسماء الشياطين. فما عيب ذلك. يعني الحارث اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله. ذكر محنته وبقية خبره قال الكندي: لما قدم المأمون مصر، تلقاه الناس يرفعون على عمال مصر، وجاء متظلم من ابن تميم وابن أسباط، فجلس الفضل بن الربيع في الجامع، وحضر مجلسه القاضي ابن أكثم، والقاضي ابن أبي داؤد وإسحاق ابن إسماعيل بن حماد، وكان على مظالم مصر، وجماعة من فقهاء مصر ومحدثيها. وأحضر الحارث ليولى قضاء مصر، فدعاه الفضل، فسأله عن ابن تميم وابن أسباط فقال ظالمين غاشمين. فقال ليس لهذا أحضرناك، واضطرب المسجد فقام الفضل وسار إلى المأمون وقال له: لقد خشيت على نفسي، من قيام الناس مع الحارث. فأرسل فسأله عنهما، فقال: ظالمين غاشمين. فقال له: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال فعاملتهما؟ قال لا. قال: فكيف
следующие страницы →