Полный текст (1 447 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك
قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له. فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدًا من رجليه. فكان يحمل إلى الجامع في محفة، ويركب حمارًا مبرقعًا، وطولب بلباس السواد فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان واتهمه لتولي قيصر أمية. فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين.
فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر. وكان على يدي ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ. قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب، عن مالك في رجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه أو جلد ظهره وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ فقال أما هدم داره أو جلد ظهره أو سجنه فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل خيرًا له. وأما أن يباح دمه فلا أدري ما حدث ذلك، ولعله في سعة من ذلك، أن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر وولي. والله لقد سألني حارث: تراني أهلًا للفيتا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولي جعفر المتوكل الحارث، قضاء مصر، بعد أن سجنه على إبائه، ذلك زمانًا.
стр. 562
قال محمد بن عبد الوارث: كنًّا عند الحارث فأتاه علي بن القاسم الكوفي، المدني. فقال له: رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام، فقلت ما اجتماعكم؟ فقالوا عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه وسمر مقعده في الحائط، وانصرف. فتبعته، فلما أحسّ بي، قال: ما تريد؟ قلت أنظر إليك. قال: اذهب إلى الحارث، فاقرأه مني السلام، وقل له يقضي بين الناس بإمارة إنك كنت في الحبس بالعراق. فقمت في الليل فعثرت بنكبة إصبعك، ودعوت بذلك الدعاء، فجئت من الغد، فقال لي الحارث: صدقت. وهذا شيء ما أطّلع عليه أحد إلا الله. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي. عند كل شيء، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسي في كل وحشة، صل على محمد وعلى آله، واجعل لي من أمري فرجًا. قال: ودعي إلى لباس السواد، فأبى من ذلك. فخاطب الوالي المتوكل، فرد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلعه، وركبه، ووجه الوالي وراءه رسلًا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوي عن محمد ابن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله. فعلمت إنه قصد وجهًا من الحق، فخالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه وقلت له: سر يا شيخ لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه
أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقني وقال: أحييتني والله يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدًا. فلما أتي به إلى الوالي، أمر بكتاب المتوكل فقرأ عليه، فامتنع من لباس السواد وقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجية
стр. 563
التي تعمل باليمن، فقال الحارث: بلى. إني ربما لبستها. فقال له الوالي: فألبسها. فقال أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك. وكتب به إلى المتوكل، وخلي عن الشيخ. قال الكندي: وأمر الحارث بإطراح أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصورهم بين العُمد. ومنع عامة المؤذنين من الآذان. ومنع قريشًا والأنصار من طعمة رمضان. وعمر المساجد، فبنى سقاية. وحفر خليج الإسكندرية. ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها ونهى عن النداء على الجنائز، وضرب القراء الذين يقرأون بالألحان. وهو أول من ولي على مصاحف الجامع أمينًا. وترك تلفي الولاة والسلام عليهم. ولاعن. وقتل ساحرين نصرانيين وقتل نصرانيًا سبًّ النبيّ ﷺ ، بعد أن جلده الحد. ونفى وحد من سبَّ عائشة. ولم يكن في ولايته خلل. وهدّم مسجدًا، كان بناه خراساني، بين القبور، بناحية القطب؟ في الصحراء. وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير، وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائبًا عن القرية. حيث لا يصلي فيه أهل القرية. وإنما يصلي فيه من ينتابه، وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان، وبمثله أفتى أبو عمران في المسجد الذي بني بجيل فاس، وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم القاضي قبله. وكانوا قد لعنوه لما عزل ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه. فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطًا،
стр. 564
ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أيامًا. فقال بعضهم للحارث: إنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك. فخلى عنه. وألقيت إليه سحابة فيها مكتوب ميزان حراني، وصنجة
ناقصة. فلما قرأها، استبدل بكتّابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث، أبو إسحاق القسطال. وعلى مسائله عمر ويزيد، أبناء يوسف بن عمر. وقال أبو عمر الكندي: وحكم الحارث في حُبسٍ بمذهبه، بمذهب مالك بإخراج أولاد البنات منه. فشكى أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم وخطأوا الحارث، ونقصت القضية فاستعفى الحارث، إذ ذاك. فأعفي. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين، أن كتابًا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر. فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك وإعفائك فيما تقلدت منه، إسعافًا لك فيما سألت، وتفضلًا لما أدّى لموافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين. فكان أمد قضائه سبع سنوات واحد عشر شهرًا. وولي بعده بكار ابن قتيبة. فلم يكشف أحدًا من أصحاب الحارث. وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده مني، إلى أن يتبين لي جرحه. وذكر أبو عمر الصدفي: إن رجلًا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها صغير أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث. فقال له الحارث: فما أصنع به. فرد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع به، حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال له الحارث: إذا كان صالحًا وأحمق، فما أصنع. قال بعضهم: حضرت
стр. 565
جنازة. فأخذ يونس بن عبد الأعلى في الكلام والرشاد حتى بكى بعض من حضر، فقال الحارث: يونس، تحسن هذا كله، وأنت تصنع ما تصنع. فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ : من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلًا تقدم إلى حارث في خصومة، فناداه رجل باسمه. وكان اسمه إسرافيل. فقال له الحارث ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم؟ وقد قال ﵊: لا تسمعوا بأسماء الملائكة. فقال له: فلمَ سمي مالك بن أنس
مالكًا؟ وقد قال الله تعالى: ونادوا يا مالك. ثم قال: والله لقد تسمي الناس بأسماء الشياطين. فما عيب ذلك. يعني الحارث اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله.
ذكر محنته وبقية خبره
قال الكندي: لما قدم المأمون مصر، تلقاه الناس يرفعون على عمال مصر، وجاء متظلم من ابن تميم وابن أسباط، فجلس الفضل بن الربيع في الجامع، وحضر مجلسه القاضي ابن أكثم، والقاضي ابن أبي داؤد وإسحاق ابن إسماعيل بن حماد، وكان على مظالم مصر، وجماعة من فقهاء مصر ومحدثيها. وأحضر الحارث ليولى قضاء مصر، فدعاه الفضل، فسأله عن ابن تميم وابن أسباط فقال ظالمين غاشمين. فقال ليس لهذا أحضرناك، واضطرب المسجد فقام الفضل وسار إلى المأمون وقال له: لقد خشيت على نفسي، من قيام الناس مع الحارث. فأرسل فسأله عنهما، فقال: ظالمين غاشمين. فقال له: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال فعاملتهما؟ قال لا. قال: فكيف
стр. 566
شهدت عليهما؟ قال كما شهدت إنك أمير المؤمنين، ولم أرك إلا الساعة. وكما شهدت إنك غزوت ولم أحضر غزوتك؟ قال أخرج من هذه البلاد فليست لك ببلاد، وأجمع قليلك وكثيرك فإنك لا تعانيها أبدًا. وحبسه في رأس الجبل في خيمة. ثم انحدر لبعض بلاد عاربة مصر، وأحدره معه. فلما فتحها سأل حارثًا عن مسألته الأولى، فرد عليه جوابه بعينه. قال فما تقول في خروجنا هذا؟ فقال اخبرني عبد الرحمان بن قاسم بن مالك، إن الرشيد كتب إليه يسأله عن قتال أهل دهلك. فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان، فلا يحل قتالهم، وإن كانوا إنما شقوا العصا، فقتالهم حلال، فجاوبه المأمون بجواب قبيح، سبّه فيه، وسبّ مالكًا، وقال له: ارحل عن مصر. فقال: يا أمير المؤمنين، إلى الثغور. قال، إلحق بمدينة السلام. فقال أبو صالح الحراني: يا أمير المؤمنين تغفر زلته. فقال يا شيخ شفعت فارتفع. قال: كان لما حضر قال له المأمون: يا ساعي،
يرددها عليه. فقال له: لست بساعي، وإن أذن أمير المؤمنين في الكلام تكلمت. قال: تكلم. قال: والله يا أمير المؤمنين ما أنا بساعي، ولكني أحضرت، فسمعت وأطعت حين دعيت. ثم سئلت عن أمر فاستعفيت. فلم أعف ثلاثًا. فلما رأيت أنه لابد لي من الكلام، كان الحق آثر عندي من غيره. قال المأمون هذا رجل أراد أن يرفع له علم في بلده، خذه إليك. ثم حمله إلى العراق. وخرجت إليه امرأته، وحمل ابنه إبراهيم إلى الثغور. فأقام الحارث بالعراق ستة عشر سنة، حتى مات المأمون، والمعتصم. وذكره الواثق لابن أبي داؤد. فقال له: هو حاضر. فقال: ما ظننت أنه حي. فأرسل إلى الحارث وهو ببغداد، يقول له: سل حاجتك.
стр. 567
قال حاجتي ألا تحملني إلى سرَّ من رأى. فقال ابن أبي دؤاد للواثق: هو شيخ ضعيف، خفت أن أحمله فيموت. قال فاكتب له يتوجه حيث شاء فانصرف إلى مصر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. فلما ولي المتوكل، ولاه قضاءها. قال محمد بن عبد الحكم: قال لي ابن أبي داؤد: لقد قام حارثكم مقام الأنبياء. وكان ابن أبي داؤد يحسن ذكره، ويعظمه جدًا، ويكتب إلى الأصم بالوصاية له به. وتوفي الحارث سنة خمسين ومائتين. وقيل: سنة ثمان وأربعين. والأول الصواب. وسنّه خمس وتسعون. وصلى عليه أمير مصر. مولده سنة أربع وخمسين وقيل سنة ست وخمسين ومائة.
محمد بن أبي ركين
واسمه: يحيى بن أبي إسماعيل، أبو عبد الله. مولى آل خالد بن يزيد ابن السيد الصدفي، مولى لهم. هو: أبو مزاحم المحتسب، قاله الكندي في أعيانه، موالي مصر. وقيل، بل اسمه ركيز بضم الراء مصغرًا. قاله الأمير والدارقطني. كان فقيهًا، من أكابر أصحاب ابن وهب، ويروي عن الشافعي. حدّث عنه أبو إبراهيم الزهري، وأبو زكريا البرذعي، والمصريون. قال أبو عمر الصدفي: سألت عنه
أبا جعفر العقيلي، وأبا بكر الحضرمي، فقالا: ثقة. وابنه مزاحم، ولي الحسبة. وكان مقبولًا بمصر. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
стр. 568
الوقار
قال أبو حارث: هو أبو يحيى، زكريا بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الله، من موالي قريش، مصري. قال غيره: هو مولى بني عبد الدار. روى عنه ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب وغيرهم. وكان مختصًا بابن وهب. قال أبو العرب في كتابه، في علماء إفريقية: قدم علينا إفريقية، سنة خمس ومائتين، وكان إذا حدث عن ابن وهب يقول حدثني سيدي ابن وهب، قال: وفي حديثه، لين وانقطاع، وعن رجال شاميين، وغير أعلام. وسمع عليه بإفريقية. ثم انصرف إلى مصر، وكان يلقب بالبرطنج. قرأ القرآن على نافع المدني، وعنه أخذ عبد الرحمان المقري، حرف نافع. قال: وأوطن طرابلس. قال أبو عمر الداني: أبو يحيى، يلقب بالبرطنج، مقريء، روى القراءة عندنا على نافع ابن أبي تميم، روى عنه القراءة محمد بن رغوث المقريء. قال: وأبو يحيى هذا مجهول. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه. وأبو يحيى هذا المجهول عند أبي عمر، هو أبو يحيى الوقار. ولم يذكر أبو عمر الوقار، جملة. وأراه لم يبلغه خبره. أو لم يعلم أن البرطنج هو الوقار وقد بين أبو العرب وابن حارث ذلك بحمد الله. قال أبو عمر والكندي: كان فقيهًا صاحب عجائب، ولم يكن بالمحمود
стр. 569
في روايته. قال: وكان ممن خرج من مصر أيام أبي بكر الأصم، وأخذه الناس بمحنة القرآن. قال ابن هلال: كان الوقار بمصر، يقضي فيجتمع إليه الناس. وكان لا يقعد المزني إلا النفر اليسير، فقلت في ذلك للوقار أو قيل له، فقال: إنّ كلّ ما ترى حولي، لو خطرت به دبّة أو قردة، افترقوا عني. ولو سقط المسجد على أصحاب المزني، لوجد حوله. وسمع عبد العزيز بن يحيى المدني، الخروج عنا استعّنا عليه، أن
يصبر علينا حتى يستوعب الناس سماعهم منه، فصبر. فقال لنا الوقار: إني أريد الخروج، فإن استعنتم علي، كما استعنتم على عبد العزيز، جلست. أو كما قال أبو إسحاق الشيرازي. كان الوقار يغلو في مالك، ويتعصب له على أبي حنيفة. ويقول: ما مثل أبي حنيفة إلا كما قال جرير:
يعد الناسبون إلى معد … بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد … وعمرًا ثم حنظلة الخيارا
ويذهب بيننا المريّ لغوًا … كما ألغيت في الدية الحوارا
وعدّه أبو إسحاق الشيرازي، في صغار الآخذين عن مالك، ولم يذكر ذلك أحد. ولا أراه يصح. وتوفي سنة أربع وخمسين ومائتين بمصر. هذا المعروف، والذي قاله الكندي، وابن أبي دليم وغيرهم. وقيل سنة ثلاث وستين. وقال الأمير، أبو نصر، قتله اللهجة، بالحرس، سنة سبع ومائتين. وسيأتي ذكر ابنه أبي بكر بعد هذا.
стр. 570
أبو جعفر أحمد بن صالح
يعرف بابن الطهري، كان أبوه من أصحاب ابن الأشعث، من عجم الجند، من أهل طبرستان، سمع ابن وهب وعنبسة بن خالد. قال أبو محمد المقري: كان حافظًا للحديث وأخذ القراءة عن ورش، وقالون، وابني أبي أويس، وحرمي بن عمارة. كتب عنه أحمد بن حنبل والبخاري والذهلي، وخرّج عنه البخاري، من الصحيح. وأحمد بن رشدين، والحسن بن أبي مهران، وأبو داود السجستاني وغيرهم. وكان أحمد بن حنبل والبخاري وابن نمير وابن المديني ويحيى وأبو حاتم وغيرهم، يوثقونه. قال يحيى: هو ثقة. وقال أحمد: ثبت ثقة، صاحب سنّة. وقال سلمة بن القاسم: الناس مجمعون على ثقته وخيره، وفضله. وقال الكوفي: هو ثقة صاحب سنّة. قال الكندي: كان فقيهًا نظارًا. قال البخاري فيه: ثقة مأمون ما رأيت أحدًا
تكلم فيه بحجة. وقال يحيى: سلوه فإنه ثبت. وقال محمد بن الحسن فيه: أبو جعفر أحد الأئمة. وذكر الرشديني عنه، إنه كان يقول في المخيرة، إنها واحدة. وإن اختارت ثلاثًا. وبذلك كان يأخذ. وهو قول عبد الله بن عمر وابن العاصي. قال أبو نعيم: ما قدم علينا فتى أعلم بحديث الحجاز منه. قال أحمد: هو يفهم حديث المدينة. قال ابن خلاد: هو ممن جمع الأقطار في رحلته، اليمن والعراق ومصر. وتكلم فيه النسائي، فضعّفه. قال: وكان سبب ذلك أن ابن صالح، كان لا
стр. 571
يحدث أحدًا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين، إنه من أهل الخير والعدالة. فحينئذ كان يحدثه ويبذل له علمه على مذهب زائدة وغيره. فدخل عليه النسائي دون إذن ولا معرفة ولا تزكية. فأنكره وأمر بإخراجه. قال العقيلي: كان النسائي يصحب قومًا من أهل المدينة، ليسوا هناك. أو كما قال: فأبى أحمد أن يأذن له، فلم يره. فجمع النسائي أحاديث قد غلط فيها أحمد. فشنّع بها. ولم يضر ذلك أحمد شيئًا هو إمام ثقة. قال القاضي أبو الوليد الباجي: أحمد بن صالح من أئمة المسلمين الحفاظ المتقنين. لا يؤثر فيه تجريح. قال ابن نمير: حدثنا أحمد بن صالح: وإذا جاوزت الفرات فليس أحد مثله. وقال فيه أبو حاتم: ثقة. قال ابن زنجويه: ذاكر أحمد بن صالح ببغداد أحمد بن حنبل في حديث الزهري: فما رأيت مذاكرة أحسن منها، وما يطرب أحدهما على الآخر. وذكر خبرًا طويلًا. قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: من قال القرآن كلام الله، ولم يقل مخلوق، ولا غير مخلوق. قال هذا شاك، والشاك كافر. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا صاحب مناظرة. وألف في الصحابة. وكان يرى في الجنب إذا لم يقدر على طهره بالماء من برد وخوف على نفسه، إنه يتوضأ ويصلي، ويجزيه على ما جاء في بعض الروايات في حديث عمرو بن العاص، فتوضأ وصلى بهم. ولم يقل بهذا الرأي أحد من فقهاء الأمصار، سوى طائفة ممن ينتحل الحديث لهذا الحديث. ولأن
الوضوء عندهم فوق التيمم. قال
стр. 572
ابن أبي دليم: وكان فقيهًا صاحب مناظرة، وتوفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين. مولده سنة اثنتين وسبعين ومائة. قاله الكندي وغيره. وقال أبو عمر والمقريء مولده بمصر سنة سبعين ومائة.
عيسى بن المنكدر
ابن محمد بن المنكدر القرشي. قاضي مصر أيام ابن طاهر. أشار به عبد الله بن عبد الحكم، وأعلمه أنه فقير، فأجرى له سبعة دنانير كل يوم. وأجازه بألف دينار، وكان رجلًا صالحًا، وكان قد أشار أبو ضمرة الزهري بأصبغ بن الفرج فرد عليه سعيد بن عفير، فأشار عبد الله بن عبد الحكم بعيسى واستكتب أبا الأسود النضر بن عبد الجبار، وداود بن أبي طيبة، واستكتي أيضًا فيما حكاه ابن أبي دليم: أبا إسحاق القسطال. وكان القائم بأمره، سليمان بن برد، إلى أن مات. فولى بعده مسائله عبد الله بن عبد الحكم. قال محمد بن عبد الحكم: أشار والدي على ابن المنكدر بوجوب اليمين للمدعي على المدعى عليه، بالمال. وإن لم يقم بينة بخطله. وبه أخذ الناس، وقد فسدوا. وذكر نحوه عن أصبغ في الغرباء الذين يضربون في الأرض، وهل يشترون ويبيعون إلا ممن لم يعرفوه، ويخالطوه. قال ابن أخي ابن وهب: سمعت القاضي ابن المنكدر يصيح بالشافعي: يا كذا يا كذا، دخلت هذه البلدة وأمرنا ورأينا واحد، ففرّقت بيننا، ودعا
стр. 573
عليه. وكانت له طائفة من أصحابه يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فلما ولي كانت تلاقيه، فتعرّفه بما حدث، فيترك الحكم ويصير معهم لتغييره، فكان إذا عذله أحد في هذا، يقول: لابد من القيام بأمر الله. وكان يتنكر بالليل، فيستخبر أحوال الشهود، ويسأل عنهم. فولي نحو السنتين. وعزله المعتصم عند قدومه مصر، وأقامه للناس، وسجنه، وأخرجه معه إلى بغداد، فمات بها مسجونًا. وكان سبب حقده عليه، ما ذكرنا في خبر عبد
الله بن عبد الحكم، قبل هذا. ذكر هذا كله أبو عمرو الكندي. وقال الجيزي: قال ابن عبد الحكم: قال لي ابن طاهر حين طلبت منه لابن المنكدر: كم ترى إنه يعطيه:؟ فخشيت أن أقول ما يريد أكثر منه. فقلت يقول الأمير. فقال: أمرنا له بألف دينار. فكرهت أن أعظمها عنده، أو أصغرها، وليست بصغيرة. فقلت: في ألف ما أغناه. فأمر له بها، وأجرى عليه أربعة آلاف درهم في الشهر. وكان أول قاض بها عليه. قال سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما ولي ابن المنكدر، وكانت حاشيته الصوفية، فكان إذا بلغ أبي، إنه كان منه ما ينكره الناس، بعث له أخي عبد الحكم ينهاه عن ذلك، ويأمره بما يراه. فبعث إليه مرة، فالتفت إلى أخي وقال: ما يظن أبوك إلا أنه أعتق المنكدر. فأمسك عبد الله أن ينهاه عن شيء. وغلبت عليه الصوفية. فقالوا له: اكتب إلى أمير المؤمنين تشتكي عمال الخراج. فكتب ودفع المأمون كتابه إلى
стр. 574
المعتصم، وكانوا عماله. فأغاظه. ولما قدم مصر عزله وأوقفه للناس، فجعلوا يثنون عليه، ويصيحون. فبعث إلى أخوانه، وذلك بعد موت ابن عبد الحكم في السجن بسبب التهمة معه، فاستشارهم فيما نزل به. فقالوا: كم تحتج، أنت، تحفظ كلما قضيت. إذا ناظرك غدًا ابن أبي دؤاد فقلت له: لم أقض لأحد ولا عليه، إلا وقد كتبت قضيته في الديوان، فانظروها. فإن كان ما اختلفت فيه العلماء، فللقاضي أن يختار. وإن كان إنما خرج عن أقاويل المسلمين، لزمني غرمه. فلما أصبح ووقف على ذلك. قال ابن أبي داؤد لأصحابه: علم هذا الرجل خلاف ما كنا فيه. فأعلموا المعتصم، فقال يفتش الديوان. حنقًا عليه. فأرسل عيسى إلى إخوانه في ذلك، فقالوا له: إذا سألوك أن تحضر الديوان: فقل هو ديوان أمير المؤمنين، فإن كان أمركم بذلك، فهو بين أيديكم، وأما أنا فلا أدخل فيه. فكره المعتصم هذا، وخاف المأمون وأمر بإشخاصه، وذلك سنة أربع عشرة ومائتين.
أبو الأزهر عبد الصمد وأبو هارون موسى
أنباء عبد الرحمان بن القاسم، كانا فاضلين عابدين ورعين سمعا من أبيهما. وغلب على عبد الصمد علم القرآن. وله في ذلك كتاب. وغلب على موسى العبادة. وروى عنهما ابن وضّاح. وروى عبد الصمد عن ورش، وهو من جلة أصحابه المتصدرين. ومن وقته اعتمد أهل الأندلس على رواية ورش. وروى أيضًا عن داود ابن أبي طيبة وسمع سفيان بن عيينة، وروى عنه الفضل ابن يعقوب، والمحاربي، ومحمد ابن سعيد الأنماطي، وإسماعيل بن عبد الله النحاس. وبكر بن سعيد الدمياطي، وحبيب بن إسحاق القرشي وابن باز، وابن وضاح، وغيرهم. وقد روى الحارث ابن مسكين على أحد ابني عبد الرحمان
стр. 575
ابن القاسم. قال ابن اللباد: كان لابن القاسم ثلاثة من الولد، موسى وعبد الصمد وابنة. فأما عبد الصمد، فكان يقرأ مقرأ نافع، وأما موسى، فكان يروي موطأ مالك، وكان لموسى مع أخيه سدة مقابل سدته في بيت واحد. حتى ماتا شيخين. ولم يتزوج واحد منهما. قال الكندي: كانا يشهدان ثم امتنعا من الشهادة، بعد. وكانا من أفضل الناس. ذكر محمد ابن عبد الحكم عن عبد الصمد بن عبد الرحمان بن القاسم: حلف أخي بالمشي إلى مكة في شيء. فسألت أبي عن ذلك وأخبرته بيمينه، فاشتد عليه، وأمره أن يكفر يمنيه، ولا يعود. قال ابن يونس الصدفي: توفي عبد الصمد ابن عبد الرحمان في رجب سنة إحدى وثلاثين. وقال الكندي: سنة خمس. قالا: ومات موسى أخوه في جمادى الآخرة سنة تسع، وأربعين. وقرأت أنا بخط بعض الشيوخ عن ابن القرطبي: أن موت موسى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
من أهل إفريقية وأقصى المغرب
أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي
صليبة من المغرب. أصله شامي من حمص، وقدم أبوه سعيد في جند حمص. قال محمد ابنه: قلت: يا أبت أنحن صليبة من تنوخ؟ فقال لي: وما تحتاج إلى ذلك. فلم أزل به، حتى قال لي: نعم. وما يغني عنك
стр. 576
ذلك من الله شيئًا، إن لم تتقه. قال المهدي: قدم رجل من أهل الشام على سحنون، فقال له: لو رأيت أهل بلدك بالشام، فرأيت علماء يؤخذ بأنوفهم. فانتهزه سحنون، وقال له: اسكت أتحاضر العلماء بهذا في مجلسكم. وسحنون، لقب له. واسمه عبد السلام. سمعت بعض مشائخ أهل الحديث يحكي عن بعض شيوخ إفريقية، أنه قال: سمي سحنون باسم طائر حديد لحدّته في المسائل. قال أبو العرب التميمي: وله أخ، يقال له حبيب أسن منه. سمع من ابن الأصم وابن فروخ، وكان ثقة صالحًا، روى عنه أخوه. وقد جمع الناس أخبار سحنون مفردة، ومضافة وممن ألف فيها تأليفًا معروفًا: وقال أبو العرب التميمي، ومحمد بن حارث القروي.
ذكر طلبه ورحلته
أخذ سحنون العلم بالقيروان عن مشائخها: أبي خارجة وبهلول، وعلي بن زياد وابن أبي حسان، وابن غانم، وابن أشرس، وابن أبي كريمة وأخيه، حبيب. ومعاوية الصمادحي وأبي زياد الرعيني. ورحل في طلب العلم أول سنة ثمان وثمانين ومائة، فيما قاله أبو العرب، وابن حارث. قال ابنه: خرج إلى مصر أول سنة ثمان وسبعين في حياة مالك، ومات مالك وهو ابن ثمانية عشر أو تسعة عشر. وكانت رحلته إلى زياد بتونس، وقت رحلة ابن بكير إلى مالك. قال سحنون: كنت عند ابن القاسم، وجوابات مالك
стр. 577
ترد عليه. فقيل له: فما منعك من السماع منه. قال قلة الدراهم. وقال مرة أخرى لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت
مالكًا. فإن صحّ هذا، فله رحلتان. وإلا فما قال ابنه أصح. فإنه سمع ممن مات قبل ثمان وثمانين من المدنيين بها، كابن نافع. توفي سنة ست وثمانين. فسمع سحنون في رحلته إلى مصر والحجاز، من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وطليب ابن كامل، وعبيد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، ويوسف بن محمد، وسفيان بن عيينة، ووكيع وعبد الرحمان ابن مهدي، وحفص بن غياث، وأبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، والوليد بن مسلم، وابن نافع الصائغ، ومعن بن عيسى، وأبي ضمرة وابن الماجشون، ومطرف وغيرهم.
وانصرف إلى إفريقية، سنة إحدى وتسعين ومائة. قال سحنون: سمع مني أهل جدابية سنة إحدى وتسعين. وفيها مات ابن القاسم. قال: وخرجت إلى ابن القاسم، ابن خمس وعشرين. وقدمت إفريقية ابن ثلاثين سنة. وأول من قرأ على عبد الملك زونان. ذكر أن البهلول بن راشد، كتب إلى علي بن زياد، أن يُسمع سحنون، وقال له: إنما كتبت إليك في رجل يطلب لله. وقد روي إنه إنما كتب البهلول في عهد المتعالي الجدري، فسأله علي عن موضعه، ثم أخذ علي الموطأ. فأتاه ليسمعه في موضعه. وقال له: إن بهلول كتب إلي يعلمني إنك ممن تطلب لله.
стр. 578
قال فرات: سمعت سحنون يقول: انقفلت عليّ مسألة حتى أردت الرجوع فيها إلى المدينة، حتى اتضحت لي. حتى اتضحت لي. قال سحنون: لما حججت كنت أزامل ابن وهب، وكان أشهب يزامله يتيمه. وابن القاسم يزامله ابنه موسى. وكنت إذا نزلت سألت ابن القاسم، وكنا نمشي باالنهار، ونلقي المسائل، فإذا كان الليل قام كل أحد إلى حزبه من الصلاة. فهو يقول ابن وهب: ألا ترون هذا المغربي يلقي بالنهار، ولا يدرس بالليل. فيقول ابن القاسم هو نور يجعله الله في القلوب.
ذكر مكانه من العلم والثناء عليه
قال محمد بن أحمد بن تميم في كتابه قال: كان سحنون ثقة حافظًا للعلم فقيه البدن. اجتمعت فيه خلال قلّما اجتمعت في غيره. الفقه البارع والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس، والمطعم، والسماحة. كان لا يقبل من السلاطين شيئًا. وربما وصل أصحابه بالثلاثين دينارًا أو نحوها، ومناقبة كثيرة. قال أبو بكر المالكي: وكان مع هذا رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع متواضعًا، قليل التصنع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر، شديدًا على أهل البدع، لا يخاف في الله لومة لائم. انتشرت إمامته في المشرق والمغرب. وسلم له الإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه. ومناقبه كثيرة قد ألف فيها أبو العرب التميمي كتابًا مفردًا. وسئل أشهب
стр. 579
من قدم إليكم من المغرب؟ قال: سحنون. قيل: فأسد؟ قال: سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة. وقال أشهب: ما قدم إلينا من المغرب مثله ولقد حثه ابن القاسم على أن يقيم عنده يطلب العلم، ويدع الخروج إلى الغزو، لما استفرس فيه. وقال ابن القاسم لابن رشيد: قل لصاحبك يعني سحنون يقعد. فالعلم أولى به من الجهاد، وأكثر ثوابًا. ويعطي هذه الخيل التي قدم بها هو، في مثل حاله، يؤديها عنه. فما قدم إلينا من إفريقية مثل سحنون، ولا ابن غانم. قال حمديس: رأيت أبا مصعب بالمدينة، وغيره. وبمصر أصحاب ابن القاسم. وبمكة علماء من أهل بغداد. والله ما رأيت فيهم مثل ابن سحنون ولا رأيته بعده. وقال محمود بن يزيد: أول ما تعلمت مسائل الصلاة من سحنون. وإن قلت أن سحنون أفقه من أصحاب مالك كلهم، إني لصادق. قال أبو العرب: وكل ما لقيت من أصحاب سحنون الذين سمعوا منه وسمعنا منهم عشرات من مشاهير الفقهاء والشيوخ، منهم: يحيى بن عمر، وحبيب، وابن مسكين، وابن أبي سليمان، وابن سالم، وابن الحداد، وحمديس، وجبلة، وابن معتب، وغيرهم. قال: ومنهم من سمع، وهو أسنّ من
سحنون. ولقي أصحاب مالك وسفيان الثوري، ورأى الناس في الآفاق كلهم يقولون ما رأيت أحدًا مثل سحنون في ورعه وفقهه وزهده. وكان يزيد بن بشير يبجل سحنون ويعظمه. وقال: كنت بتونس، فبلغني مقامه من الإسلام وبركته ويقدم إلي رجل من أصحابه فأعرف فيه الأدب، وربما قدم إلي رجل من عند
стр. 580
حرملة فأعرف فيه قلة الأدب، فأقول له: فهلا كنت مثل من يؤدبه سحنون. قال أبو زيد بن أبي الغمر: لم يقدم علينا أحد أفقه من سحنون، إلا أنه قدم علينا من هو أطول لسانًا منه. يعني ابن حبيب. وقال يونس بن عبد الأعلى: هو سيد أهل المغرب. فقال له حمديس (القطان): أو لم يكن سيد أهل المشرق والمغرب؟ قال: قد كان رجلًا نبيلًا فاضلًا خيّرًا، من شأنه ومن شأنه. فأثنى عليه ورفع به. اخذ من ابن وهب مغازيه، إجازة. يعني سحنون. قال سليمان بن عمران: إذا سألت أسدًا عن مسألة أجابني من بحر عميق، ومعنى جوابه لا تزد. وإذا سألت سحنون أجابني من بحر عميق ومعنى جوابه زد في سؤالك. وكان العلم في صدر سحنون كسورة في القرآن من حفظه. وكان سحنون رجلًا صالحًا. وقال سحنون أني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن. وكان أبو عياش بن عيشون يقول إذا ذكره: قال الإمام أبو سعيد. وكان ابن طالب وغيره لا يسميه، ويكنيه إجلالًا له. وكان ابن عبد الحكم يقول لبعض من يحضر مجلسه: ما يقول أبو سعيد في هذه المسألة؟ قال بكر بن حماد: سمعت سحنون يقول: عندي في البيت سماع سنتين لسفيان بن عيينة وقال غيره: كنا عند ابن القاسم، فقال: أن يكن يسعد أحد بهذه الكتب، فسحنون. ثم التفت إلى ابن عبد الحكم، فقال وان قبل، أبي محمد العلم. والتفت إلى اصبغ فقال: وان قبله لراوية، قال برأت. وقد روى اصبغ أولًا عن سحنون ثم ترك ذلك. قال برأت. قال سحنون: عندي ستة، أو أربعة وأربعون كتابًا، من البيوع، منها كتابان أو ثلاثة
стр. 581
اصلها أربع مسائل في
الموطأ. قال ابن وضاح: كان سحنون يروي تسعة وعشرين سماعًا، وما رأيت في الفقه مثل سحنون في المشرق. قال سعيد بن الحارث: كان أبو سعيد عاقلًا بمرة، ورعًا بمرة، عالمًا بمذاهب المدنيين بمرة. وقال: جالست الناس بهذه البلد، منذ بلغته، ما رأيت أجود غريزة من سحنون. قال محمد بن الحارث: كانت أفريقية قبل رحلة سحنون، قد غمرها مذهب مالك بن انس، لأنه رحل إليها اكثر من ثلاثين رجلًا، كلهم لقي مالك بن انس، وسمع منه. (أن) كان الفقه والفتيا إنما كان في قليل منهم، كما ذلك في علماء البلاد، ثم قدم سحنون بذلك المذهب، واجتمع له مع ذلك فضل الدين، والعقل والورع والعفاف والانقباض. فبارك الله فيه للمسلمين. فمالت إليه الوجوه، وأحبّته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدئًا قد مّحى ما قبله. فكان أصحابه سرج أهل القيروان، (فرأيته) عالمها وأكثرهم تأليفًا وابن عبدوس فقيهها وابن غانم عاقلها وابن عمرو حافظها وجبلة زاهدها وحمديس أصلبهم في السنة وأعذلهم للبدعة وسعيد بن حداد لسانها وفصيحها وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث وأشهدهم للوقار وتصاونًا لكل هذه الصفات مقصورة على وقتهم. قال محمد ابن سحنون: قال لي أبي: إذا أردت تقدم اطرابلس. وكان فيها رجال مدنيون ومصر وبها الرواة. والمدينة عسير مالك ومكة فاجتهد جهدك، فان قدمت علي بلفظة خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك اصلها، فاعلم أن شيخك كان مفرطًا. قال سليمان بن سلام في مجالسه: دخلت مصر
стр. 582
فرأيت فيها العلماء متوافرين بين الحكم والحارث بن مسكين وأبا الطاهر وأبا اسحاق البرقي وغيرهم. ودخلت المدينة، وبها أبو المصعب والقروي. ودخلت مكة وبها ثلاثة عشر محدثًا. ودخلت غيرها من البلدان، ولقيت علمائها ومحدثيها. فما رأيت بعيني مثل سحنون وابنه بعده. وقال عيسى ابن مسكين: سحنون راهب هذه الأمة. ولم يكن بين مالك وسحنون افقه من سحنون. وقال أبو
الحسن القابسي: أني لأجد في نفسي، من خلاف سحنون لمالك، ما لا أجده في خلاف ابن القاسم لمالك. وكان يشق عليه مخالفة مالك، وسحنون، ويقول: لا اقدر على مخالفتهما، وأهاب ذلك هيبة عظيمة. وقال سعيد بن الحداد: جالست المتكلمين، فكل من لقيت من أهل العلم، فما رأيت منهم اصح غريزة من سحنون. وكان وقورًا فيها. وقال بعضهم: دخلت على الملوك وكلّمتهم، فما رأيت أحدًا أهيب في قلبي من سحنون. قال الشيزاري: إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب. وعلى قوله الموصل به. وصنّف المدونة. وعليها يعتمد أهل القيروان. وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك، وعنه انتشر علم مالك في المغرب. قال أبو علي البصري: سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وعالم وقته. قال بعضهم صحبت أسدًا وابن فروخ، فلم أر أنفع من هذا الشافي. يعنيه. قال عبد الرحيم الزاهد: لما خرج أسد إلى العراق، شاورته فيمن اقصد بعده، أسمع منه. فقال: عليك بهذا الشيخ. يعني سحنون، فما أعرف أحدًا يشبهه. قال ابن حارث:
стр. 583
سحنون أمام الناس في علم مالك. وكان فاضلًا عادلًا، مباركًا. أظهر السنة، وأحمد البدعة، وثقف رسوم القضاء بعقله وعلمه.
ذكر بقية شمائله
قال أبو العرب: كان سحنون ربع القامة، بين البياض والسمرة. حسن اللحية كثير الشعر. حسن اللحية كثير الشعر. أعين، بعيد ما بين المنكبين. كثير الصّمت، قليل الكلام، يتكلم بالحكمة، مهيبًا جدًا. يأخذ من شاربه على المشط، حسن اللباس، وكان به فتق في جوفه. فكان يعصبه بلبد. وكان له بر دون يركبه، وقلما رئي متطوعًا في المسجد. قال ابن بسطام: كانت لسحنون قلنسوة طويلة، ربما لبسها وساجًا، وربما حمل في يده، وقد لبسها حزم البصل، وغير ذلك إلى داره، تواضعًا. قال سليمان بن سالم: رأيت لسحنون ساجًا أزرق، ورداء وقلنسوة حبرة،
وقلنسوة زرقاء، وشيًا، وقلنسوة تشبه الأغلب. فإذا قعد للسماع لبس الرداء، وقلنسوة الأغلب، وإذا شهد الجمعة لبس الساج، وقلنسوة الحبر، وإذا حضر الجنازة لبس الأزرق، والقلنسوة الزرقاء. هذا كان أكثر فعله.
وقال أبو العرب: وكان عريض الطوق، نحو الإصبعين. قال سليمان بن سالم: أخذ سحنون بمذهب أهل المدنية. في كل شيء. حتى في العيش.
كان يقول: ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ذات يده. ولا
стр. 584
يتكلف أكثر مما في يده. وأن احتاج امرأة طلبها على قدر ذات يده، في مؤونتها، وقناعتها، حتى يبقى في يده ما استغنى به. فإن كان له مال حلال، اعتمد عليه، وتفرغ للعبادة. وأن لم يكن عنده فعليه بكسب يده. فذلك أولى به من مسألة الناس. وأن كان مستغنيًا عن الزوجة، فتركها أحب إلي، وأكل أموال الناس بالمسكنة والصّدقة، خير من أكله بالعلم والقرآن. قال سليمان: كان سحنون يركب بلجام حديد، ليس فيه فضة. وكان له برنس أسود، يلبسه في المطر والبرد. قال غيره: كان سحنون يجلس للسماع على باب داره، ونحن نجلس على الأرض، إلا من أتى منّا بحصير. فإذا تمنا، قال: قوموا قوم رجل واحد. فنفترق. قال عبد الجبار، بن خالد: كنا نسمع من سحنون جالسًا بمنزلة، بالساحل. فخرج علينا يومًا وعلى كتفه المحراث، وبين يديه الزوج. فقال لنا: إن الغلام حمّ البارحة، فإذا فرغت أسمعتكم. فقلت له: أنا أذهب وأحرث وأنت تسمع أصحابنا، فإذا جئت قرأت عليك ما فاتني، ففعل. فلما جئته. قرّب إليّ غداءه، خبز شعير وزيتًا قديمًا. قال حبيب: خرج سحنون علينا يومًا وعليه برنس، وكان يلبس الشاشية، والطويلة. قال عيسى: كان سحنون صمته لله، وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت، وإذا أعجبه الصمت تكلم.
قال ابن بسطام: دخلنا عليه في مرضه الذي مات فيه، وعند رأسه حقيبة، وما في
بيته إلا الحصير. قال غيره: قيل له: يا أبا سعيد، كيف يسعك أن تترك الطلبة، وحاجتهم إليك، وتخرج إلى البادية فتغيب بها الشهور الكثيرة؟ قال أتريدون أن تروا كتبي بهذا الغدير؟! قال: احتاج إلى دراهم
стр. 585
هؤلاء، يعني السّلاطين، فأخذها، فتطرح كتبي. قال ابن متعب: كان يشتري سحنون كل يوم ربع رطل لحمًا، يفطر عليه. ثم تركه اقتضاء بالصالحين في مطعمهم، ما عمل سحنون قط شيئًا إلا لله. ولا تكلم بشيء إلا لله. فلذلك عظم خطره. قال بعض العلماء: كان سحنون أعقل صاحبًا، وأفضل الناس صاحبًا. وأقفه الناس صاحبًا. قال ابن الحارث: كانت هذه الصفات صفات سحنون. فتخلق بها أصحابه. قال إبراهيم ابن شعيب: كان سحنون يخرج علينا، ونحن تنتظره في مجلسه، فوا الله ما علمته يسلم في مجلسه علينا قط. وفي حلال يمشي بالأسواق، فلا يمر بأحد إلا التفت إليه وسلم عليه، توقيرًا للعلم وهيبة له، عند طالبيه.
ذكر ولايته القضاء
ولي سحنون قضاء إفريقية، سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة. فلم يزل قاضيًا إلى أن مات. قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ولّ هذه الأمة خيرها، وأعدلها. فكان هو الذي ولي بعده. وذكر غريب الكاتب في تاريخه: أن سحنون مرّ يومًا بابن أبي الجواد، فدار منه. فقال: اللهم لا تمتني، حتى أراه بين يدي قاض عدل يحكم فيه بالحق. فعزل وولي سحنون، فامتحنه. فقال الناس: أجيبت دعوته. ولما أراد محمد بن لأغلب أن يولي سحنون، جمع الفقهاء للمشاورة. فأشار سحنون سليمان بن عمران، وأشار سليمان
стр. 586
بسحنون، وأشار غيرهم بسليمان، فادخلوا فرادى، فقالوا: كقولهم الأول وذلك أن أكثر الفقهاء كانوا إذ ذاك على رأي الكوفيين. وكان سليمان يرى رأيهم. وقال سليمان: ما ظننت أنه يشاور في سحنون. حجبت فرأيت أهل مصر
يتمنون كونه بين أظهرهم. وما يستحق أحد القضاء وسحنون حيّ. وبعث ابن الأغلب إلى سحنون يقول له: إني أريد أن استكفي قضاء رعيتي، فاعلمه. فقال: أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه. أدلك على من هو أقوى. سلميان بن عمران.
قال محمد بن سحنون: ولي سحنون القضاء بعد أن أدير عليه حولًا، وأغلظ عليه الغلظة. وحلف عليه محمد بن الأغلب بأشد الإيمان، فولي يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين. فأقام أيامًا ينظر في القضاء، يلتمس أعوانًا. ثم قعد للناس يوم الأحد بعده، في المسجد الجامع، بعد أن ركع ودعاء بدعاء كثير. وقال سحنون: لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير ضمينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: أبدًا بأهل بيتك، وقرابتك، وأعوانك، فإن قبلهم ظلمات الناس، وأموال لهم، منذ زمان طويل. إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي. فقال لي: نعم لا تبدأ إلا بهم، واجر الحق على مفرق رأسي. فقلت له: الله، قال لي: الله، ثلاث مرات. وجاءني من عزمه مع هذا، ما يخاف المرء على نفسه، وفكرت فلم أجد أحد يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسي سعة فر رده.
قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون، تلقّاه الناس، فرأيته راكبًا
стр. 587
على دابة، ما عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، ما يتجرأ أحد يهنّيه. فسار حتى دخل على ابنته خديجة، وكانت من خيار الناس، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين. وعلم الناس قبوله للقضاء، ولما ولي، جاءه عون بن يوسف، فقال له: نهنئك أو نعزيك. ثم سكت. ثم قال: إنه بلغني أنه من أتاها من غير مسألة، أعين عليها. ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها. فقال له سحنون: من ولته الشفاعة عزلته الشفاعة.
ومن ولته الشفاعة، حكم بالشفاعة. فقال له رجل من الأندلس: إن لله وإن إليه
راجعون، وددنا أنا رأيناك اليوم على أعواد نشعك، ولم نرك في هذا المجلس قاعدًا. وكتب عبد الرحيم الزاهد إلى سحنون، لما ولي القضاء: أما بعد فإني عهدتك، وشأن نفسك عليك مهم، تعلم الخير وتؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، تؤدبهم على دنياهم، يذلّ الشريف بين يديك والوضيع. قد اشترك فيك العدو والصديق ولكلّ حظه من العدل. فأي حالتيك أفضل: الحالة الأولى أم الثانية؟ والسلام. فكتب إليه سحنون: أما بعد فإنه جاءني كتابك فهمت ما ذكرت فيه، وأني أجيب أنه لا حول ولا قوة في شيء إلا بالله تعالى، عليه توكلت وإليه أنيب. فأما ما كتبت أنك عهدتني وشأن نفسي عليّ مهم، أعلم الخير وأؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أؤدبهم على دنياهم، ولعمري أنه من لم تصلح له دنياه، فسدت له أخراه. وفي صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب، صلاح الآخرة. فكلا الأمرين متصل بالآخرة. أؤدبهم في معاملتهم، ودفع ظالمهم عن مظلومهم، وأخذهم الأمور
стр. 588
من وجوهها، أدب لأخرتهم. لأن بصلاح دنياهم لهم آجرتهم. وبفساد الدنيا تفسد الآخرة. وقد حدثني ابن وهب، ورفع سحنون سنده إلى النبي ﷺ ، قال: نعم المطية الدنيا، فارتحلوا، فإنها تبلغكم الآخرة. ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله. وأما قولك وليت أمر هذه الأمة، فإني لم أزل متبلي ينفذ قولي، منذ أربعين سنة، في أشعار المسلمين وأبشارهم. حدثني ابن وهب: أن عبيد الله بن أبي جعفر قال: لن تزالوا بخير ما تعلمتم. فإذا احتيج إليكم فانظروا كيف تكونوا. قال ابن أبي جعفر فرأيت في المنام، إنما المفتي قاض يجوز قوله، في أبشار المسلمين وأموالهم. فعليك بالدعاء. فألزم ذلك نفسك والسلام. قال سليمان بن عمران: لما ولي سحنون قال لي: إذا القاضي السعي كيف يكتب كذا. فكتب له ذلك. وكان سليمان يكتب لسحنون في قضائه، إلى أن ولاه بجاية وباجة الأربُس. فلما مات سحنون ولي
سليمان مكانه. قال سليمان: قال لي سحنون: ابتليتني. فوا الله أيبتلينك فولاني القضاء وقال لي: عليك يا أبا الربيع بالحجازية الحجازية.
فقلت: القاضي مفتي، بما كنت أفتي به، فبه أقضي. فسكت عني وكان سليمان عراقي المذاهب. قال: فلما ولي سليمان القضاء دخل عليه من الغد، فقال له سحنون: عزمت يا أبا الربيع. فقال له: أن قلت لا كذبتك، أنا أريد. فقال سحنون لمن عنده: انظروا أن كان دخله رياء أو أظهر
стр. 589
تمنعًا. مثلك يا أبا الربيع يكون ناظرًا للمسلمين. قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقًا، ولا صلة من السلطان في قضائه كله. ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضائه من جزية أهل الكتاب. قال ابن سحنون: وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني ما في بيت مالك، وقال له لو ملأت مجلسك هذا لي دراهم ودنانير، ما سألني الله أن أقبل منك ذلك. ولا آخذ منك شيئًا ويقول لو أخذته لجاز لي. ولكنه تورع. وسمعته يقول للأمير: حبست أرزاق أعواني وهم أجراؤك. وقد وفوك عملك ولا يحل لك ذلك. وقال الرسول ﷺ : أعط ألأجير حقه قبل أن يجف عرقه.
قال ابن مسكين: كان سحنون قبل أن يلي أشرف منه بعد ما ولي. ولقد امتنع من النظر وجلس في بيته مدة. حتى حضر جنازة فرأى منكرًا فأمر بتغييره، وانصرف، فنظر بين الناس. قال ابن سحنون: يضرب الخصوم إذا آذى بعضهم بعضًا بكلام. أو تعرضوا للشهود. ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون. ويؤدب الخصوم إن طعن على الشاهد بعيب، أو تجريح، أو يقول سل لي عن البينة. فإنهم كذا، حتى يسأله هو عن تجريحه. ويقول للخصم: أنا أعني بذلك منك، وهو علي دونك. وكان إذا دخل عليه الشاهد، ورعب منه، أعرض عنه، حتى يستأنس، ويذهب روعه. فإن طال ذلك به هون عليه. وقال له: ليس معي سوط ولا عصا، فلا عليك بأس. أد ما علمت ودع ما لم تعلم. قال جبلة: كان
سحنون يؤدب الناس على الإيمان التي لا تجوز في الطلاق، والعتق. حتى لا يحلفوا بغير الله. ويؤدبهم على سوء الحال، في لباسهم، وما نهي
стр. 590
عنه، ويأمرهم بحسن السيرة، والقسط. قال ابنه محمد: وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه، ممن نظر في العلم، فأقامهما، وأبى أن يسمع منهما. وقال استرا عني ما ستر الله عليكما. قال غير واحد: أول ما نظر سحنون في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة. فنظر فيما يصلح من المعاش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفي من الأسواق من يستحق ذلك، وهو أل من نظر في الحسبة من القضاة، وأمر الناس بتغيير المنكر، وأول القضاة فرق حلق أهل البدع، وشرد أهل الأهواء منه. وكانوا فيه حلقًا. من الصفرية والإباضية المغيرية، وكانوا فيه حلقًا. يتناظرون فيه. ويظهرون زيفهم. وعزلهم أن يكونوا أئمة للناس، أو معلمين لصبيانهم. أو مؤذنين. وأمرهم أن لا يجتمعوا. وأدب جماعة منهم بعد هذا، خالفوا أمره، وأطافوا، وتوب جماعة منهم، فكان يقيم من أظهر التوبة، منهم علي البوا كذا وغيره، فيعلن بتوبته عن بدعته. وهو أول القضاة جعل في الجامع إمامًا يصلي بالناس. وكان ذلك للأمراء. وأولهم جعل الودائع عند الأمناء. وكانت قبل في بيوت القضاة. وأول من قدم الأمناء في البوادي، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة من الصالحين، منهم. فأخذت القضاة هذه السيرة بعده، وكان يجلس في بيت الجامع، بناه لنفسه. إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم. فكان لا يحضر عنده غير الخصمين. ومن يشهد بينهما في دعواهما. وسائر الناس عنه بمعزل لا يراهم ولا يسمع لغطهم، ولا يشغل باله أمرهم فصار الجلوس في ذلك البيت سنة لقضاة المالكية. فإذا ولي
стр. 591
عراقي، هدمه. وإذا ولي مدني، بناه، وحكم فيه. وكان سحنون يكتب للناس أسماءهم في رقاع، تجعل بين يديه، ويدعو بهم واحدًا واحدًا إلى أن يأتي مضطر أو ملهوف. وكان
يضرب بالدرة، وما خف من ألأدب في الجامع، فإذا أقام الحدود، أخرجهم عن الجامع. وكان كثيرًا ما يؤدب بلطم القفا. وقيد امرأة كانت تتهم بسوء، حتى شهد عنده أنها باتت. وضربت أخرى كانت تتهم بالجمع بين الرجال والنساء بالسوط، في قفة! وبني باب دارها، ونقلها بين قوم صالحين. وجاءت إليه امرأة من القصر، غاب عنها زوجها، فأرادت أن تقطع بشرطها فأبى. ثم قال لها: إياك أن تشهدي أحدًا من أهل القصر، لا أكتب شهادتهم. وكتب مرارًا يأمر بقتل الكلاب، وسيب الأعوان وراءها بالحراب. ويعطي الطابع لأهل العدوى، فإذا جاءه المستعدي بصاحبه، أخذ منه الطابع لئلا يعبث به الناس، ويضرب على اللدد، قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله. قال سعيد بن إسحاق: كل من ولي قضاء أفريقية اكتسب، إلا سحنون. وكان سحنون أيام قضاء ابن أبي الجواد، يقول: إن لأمره لآخرًا. . . . ولكني أخشى أن الوالي بعده لا يحسن، أن يقتص منه. فكان هو الوالي بعده. وخاصم ابن أبي الجواد رجل بين يدي سحنون، فحكم له على ابن أبي الجواد، وحبسه. وقال له: إ، لم تؤد ضربتك بالسوط. وقال: ما عندي مال، فيقول إنه أخرجه. وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط. وقيل أكثر من ذلك.
стр. 592
حتى أسأل دمه على كعبه، فمر في طريقة على صباغ فصب عليه قصرية مصاره. وقال: اقتلوا الزنديق. ورد إلى السجن فمات فيه. وقيل كان سبب ضربه أنه شهد عليه، بقبض وديعة فأنكرها. فضربه ثمانية عشر سوطًا مجردًا من الأسماط يضربه، سبعة بعد سبعة. وهو متماد. وقيل، أنها وجدت بخطه، فأنكره، وشهد على خطه، فحبسه أيامًا وضربه عشرة أسواط. وكان يخرجه في كل جمعة فيضربه عشرة. كل جمعة إلى أن مرض. وقيل بل فعل ذلك به لما كان عليه من البدعة. وكانت أسماء بنت أسد ابن الفرات زوج ابن أبي الجواد، قالت: لسحنون: أنا أهبه هذا
المال، يقضيه عن نفسه. فلم يقبل ذلك سحنون. وقال لها: حتى يقول: أؤدي ما لزمني. وقيل فعل ذلك به، لأن مالكًا لا يلزم قبول الهبة، ولو قالت أنا أقضي عنه، ما طلب منه. لما رد ذلك سحنون. والله أعلم. وقيل بل قالت له أفدي به زوجي. فقال لها: إن أقر ذلك، هو المال، أو بدل منه، أطلقته. فامتنع وأبى سحنون من قبول المال، إلا بإقراره.
ذكر أخباره مع الملوك وثبوته في الحق
قال أبو العرب: وكان لا يهاب سلطانًا، في الحق يقيمه عليه. ولما أكثر من رد الظلامات في رجال ابن الأغلب وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم: وجه إليه الأمير وقد شكوه إليه، بأنه يغلظ عليهم. فأرسل إليه ابن الأغلب وقال إنهم فيهم غلظة وقد شكوك، ورأيت مما فاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم. فقال سحنون للرسول: ليس
стр. 593
هذا الذي بيني وبينه. قل له: خذلتني خذلك الله. فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الأمير، قال له: ما نعمل به. إنما أراد الله. فقال ابن أبي سليمان وغيره: إن المحتسبين لم يكونوا يعرفون بإفريقية، حتى كان سحنون جالسًا على باب داره، إذ مر به حاتم الجراوي ومعه سبي من سبي تونس. فقال سحنون لأصحابه: قوموا فأتوا بهم، حتى خلوصهم من حاتم. أتوا بهم وهرب حاتم على برذونه وخرق ثيابه ودخل على الأمير فشكا أمره. فأرسل الأمير إلى سحنون: إنهم أحرار ولا سبي عليهم وقد أطلقتهم. فرد الأمير إلى سحنون لا بد من ردهم. فأبى سحنون، وقال للرسول: قل للأمير جعل الله حاتمًا شفيعك يوم القيامة. أقسم عليه ليبلغن ذلك إلى الأمير. ثم قال سحنون: هذا الأسود، يعني حاتمًا، يمضي هكذا. فأمر بسجنه، فطرحت عمامته في عنقه، وحمل إلى الحبس، فلحقه معتب، وقال له: يا حاتم لا تلق الشر بين الأمير والقاضي. وأعطاه معتب من عنده سبعة دنانير. فخلى حاتم عن السبي، وأخبر
معتب سحنون بذلك، فأمر بإطلاق حاتم من السجن. وحكى ابن اللباد: أن رجلين اختصما إلى سحنون، حلف أحدهما بالطلاق على صاحبه ليستوفي حقه في حائط بينهما. فأمر سحنون بصفع قفاه ثم قال له: لا تحلف بالطلاق. فأرسل إلى رجل يقال له عبد الله البناء، فسأله هل من يمينه مخرج في الاستقصاء؟ فقال: نعم، بالخاتم والشعرة قال ابن الحداد: كنت يومًا عند سحنون، إذ جاءه رسول الأمير محمد بن
стр. 594
الأغلب، يأمره برد النسوة على حاتم. فإنهن له. قال سحنون إن كن إماء فمثل حاتم لا يؤتمن على الفروج. فانصرف ثم رجع. فقال: يقول لك: لا تعبث. ارددهن، كما أمرتك. فقام سحنون على قدميه، وقال: إنما يعبث هو، والله الذي لا إله إلا هو، يعبث، ثلاثًا. والله لا أفعل، حتى يفرق بين رأسي وجسدي. وجاء محمد ابنه، يقول دون ذا. لا تفعل يا أبت. اكتب إليه ولاطفه: فكتب إليه وابنه وقال له حتى فرغ من طبع كتابه. وبعث إليه. فأخذه ابن الأغلب وضرب به الأرض، ثم قال: ما أدري هو علينا أن نحن عليه. واسود وجهه ولم يدخل عليه أحد، إلى بعد العصر. فأذن لأصحابه بالدخول، وقال لهم: ما أظن هذا الرجل يريد بنا إلا خيرًا، ونحن لا نعلم. أرسلوا إليه، يرسل إلينا المحتسبة، لنكتب لهم السجلات، حتى يذهبوا بها إلى أقصى عملي، ليأخذوا من يجدوه من الحرائر. فكان ذلك. ولم يرض سحنون حتى فض الكتب التي كتبها لهم، وقرأها، ورضيها. وكتب سحنون إلى أبي زكي البربري: أن يفتش الرفاق فاعترضها، وكشف البراقع. فمن زعم أنه من سبي تونس، رفعه إلى سحنون فأطلق منهم عدة. ولما ثار القويع على محمد ابن الأغلب، قال بعض القواد: اليوم نستمكن من سحنون، إما يخسر دينه، أن دنياه. فقالوا للأمير: سحنون داعية مطاع، فأمره بنصرك على هذا الخارجي. فبعث فيه الأمير، وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وإن يعلم الناس بعرض ذلك عليهم. فقال له سحنون: غشك من دلك على هذا.
стр. 595
متى كانت
القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها. ونهض من عنده. وقال ابن اللباد، عن أبيه: رأيت ابن أبي الجواد بين يدي سحنون، وعليه كساء قرمسي وعمامة. فقال: أصلحك الله بأي قول أخذتني. قاض ينظر منذ ثمانية عشر عامًا. فقال له: من اين، وأين. وقد أخبرني أسد بن الفرات عن مالك، في القاضي يعزل ثم يلي آخر: هل ينظر فيما ينظر فيه. فقال: لأن له في نفسه ما يشغله. وفي رواية فإن الناس اختلفوا. فلو كان للمتولي أن ينظر، لما استقر قضاء ولا صح لأحد. فرد عليه سحنون كلامًا، رده عليه ابن أبي الجواد. فقال سحنون: الدرة. فنزعت عمامته. فقال ابن أبي الجواد: سألتك بالله أن تفعل. فتركه. قال ابن طالب: اشغلني معنى قول سحنون لابن أبي الجواد أضربك حتى تقول أؤدي. قال وسألت معنى قول سحنون لابن أبي الجواد أضربك حتى تقول أؤدي. قال وسألت عنها ابنه وابن عبدوس، فكلهم وقف، حتى بان لي أن معناه: أنه كان أظهر العدم. وكان عند سحنون ذلك. فضربه ليرجع إلى الحق، ولم يقبل منه ما جاد إليه، من أداء زوجته عنه. اذلوا كان كما زعم عديمًا ما لزمه أداء شيء ولا أدى غيره هذا معنى قول ابن طالب. وعندي أنا: أن امتناعه لقول زوجته: أفديه. وقوله: حتى يقرأ أنه المال أو بدل منه، وإباء ابن أبي الجواد من هذا، فقه حسن دقيق، وحجة بينه لسحنون. إذ مضمون فعله وفصل زوجته، فداء له، من مظلمة نزلت به. وإنه بحكم المضغوط الذي لا يلزمه ما بذله. فلم ير إطلاقه، بهذا الوجه. وذكر أنه لما مات من ضربه في السجن، توسوس سحنون، وحفظ عنه، أنه كان يردد: ما أنا قتلته. الحق قتلة. ولو كان على ما ذهب إليه،
стр. 596
ابن طالب، لكن من أدى عنه كمال وهب له. يقضي به دينه، فلا يكون حكمه بحكم العديم. وقد جاء في كتاب سحنون إلى محمد بن زياد، قاضي قرطبة، يأمره بالشد والمعاقبة لمن تفالس، وتكرار الأدب والضرب عليه، حتى يؤدي أو يموت. قال أبي: وبذلك أخذت في
ابن أبي الجواد، ضربته أربعًا وعشرين، ومائة درة. وأوقفته يوم الجمعة للناس في صحن الجامع. وسوف أضربه أبدًا، حتى يؤدي تحت الدرة أو يموت. وقال ابن أبي الحارث قيل لسحنون: هذا منصور دخل من تونس بالحرائر. فركب وانتزع منه ما بيده، فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه، وذكر إليه ما نزل به، فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون، أن تصرفهم على منصور مرة وثانية وثالثة. فقال: لا أفعل. وأقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون، وضربت له قبة، نزل فيها، وقد استشاط غيظًا لمصارمته إليه، على منصور، ودعا فتى قال له: اذهب إلى سحنون فقل له: فاردد السبي على منصور، وإلا فأتني برأسه. فجاء الفتى إلى سحنون يبكي ويتضرع ويقول له: أمرت فيك بعظيم. فأخذ سحنون ورقًا فكتب فيه بعد الاسم: ويا قوم ما لي أدعوكم إلى لنجاة وتدعونني إلى النار. . . . . الآية. ودفع الكتاب للفتى، ثم قال: ادفعه لابن الأغلب. فلما قرأه أمره برفع مضربه، واحتجب ثلاثًا. ثم قال لمنصور: سلني عما شئت من حوائجك، واعرض عن خبر سحنون. وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون أن سحنون لم يركب لنا دابة ولا عقل كمه بصرة. فهو لا يخافنا. وذكر بعضهم، أن بعض قواد بني الأغلب، انصرف من بعض الحروب بعدد حرائر. فأرسل سحنون إلى جميع البوادي، في الصوفية، فاجتمع إليه نحو
стр. 597
من ألف رجل. فقالوا: مرنا بما شئت. فقال: تخيروا منكم مائة رجل، فكونوا عنده إلى المغرب. ولا يعلمون غرضه. فلما صلى بهم، قال لهم: تمضوا إلى دار فلان، فتضربوها عليه، فإذا فتح أبلغوه سلامي، وإن يخرج الحرائر اللواتي أتى بهن من الجزيرة الساعة. ولا تجعلوا له إلى غلق الباب سبيلًا لئلا يخرج هو، ومن معه، فيدافعكم ويفضي الأمر إلى إراقة الدماء. وإن هو لاطفكم ومانعكم، فاشغلوه حتى يلج سبع مشائخ منكم، حتى تنتهوا الباب ألأوسط، وتنادوا. . . . بهن، اين الحرائر
المسبيات بالجزيرة يخرجن إلى القاضي. فإذا خرج جميعهن أتيتم بهن، وتركتموه. ففعلوا ما أمرهم به، فلما ابى عليهم قبضوا عليه، حتى أخرجهن الشيوخ كما حده سحنون لهم، وحملوهن إلى سحنون. فركب القائد إلى القصر، فوجد الأبواب مغلقة. فبات هناك حتى أصبح ودخل على ابن ألأغلب، وقد شق ثيابه ونتف لحيته، وأخذ في البكاء. فسأله، فأخبره، فأنكر ذلك، ووجه فتى إلى سحنون يأمره بردهن له. فقال له سحنون: قل له والله الذي لا إله إلا هو إن أخرجتهن من داري، حتى تعزلني عن القضاء، ويعلم الله أنه لا نظر لي على رجلين من المسلمين. ثم وجه ابنه محمد بسجله مع الفتى إلى الأمير، وقال: قل له هذا سجلك، وجعل الله فلانًا شفيعك يوم القيامة. فوصلا إليه، وأبلغاه ما قال. فقال محمد: هذا سجلك بعث به لتولي أمور المسلمين من تراه. فقال أبو العباس: اقرأ على أبيك السلام، وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن المسلمين خيرًا. فقد أحسنت أولًا وآخرًا. ونحن نرضي قائدنا من أموالنا. وامض على أحسن نظرك. فبلغ ذلك سحنون
стр. 598
واجتمع إليه وجوه الناس وأهل الخير، وشكروا فعله. فقال لهم: إن الله قد أحب الشكر من عباده، فتقدموا إلى باب الأمير واشكروه على تأييد الحق، ففي ذلك صلاح الخاصة والعامة. ففعلوا ذلك. قال سليمان بن عمران: ودخل سحنون على محمد بن الأغلب يشكو إليه، رفع الخصوم عن بابه إلى باب الطبني شريكه في القضاء. وذلك، أن ابن الأغلب لما لم يمكنه عزل سحنون، لمكانه من قلوب الناس، وقصده من تحامل رجاله، وضيق عليهم، ولي الحكم معه الطبني، رجلًا جافيًا جاهلًا. مضادة لسحنون. فكان يرفع الخصوم عن بابه، إلى الطبني، فلما ذكر ذلك لمحمد بن الأغلب قال له محمد: ما عندي من هذا علم. ثم التفت إلى بعض جلسائه، فقال أعندك من هذا علم؟ قال: لا. فضرب سحنون بيده على لحيته. وقال بتلعب بي وأنا إمام في العلم منذ ستين سنة. وهذا يشهد لي.
يريد بن عمران. فقلت: وما حاجتك إلى ذلك؟ أدركت الناس بمصر يتمنون أن لو كنت فيه. وأسمعه يعقوب بن المضار! كلامًا غليظًا فيما ينفذه من لحق عليهم، بحضرة ابن الأغلب، فقال له سحنون: أين أنت من هذا القول، إذ جيء بك، وفي عنق يعقوب حبل كالكلب، ثم خرج سحنون، فقال يعقوب، للأمير: شيخ من مشائخك وعم من أعمامك يفعل بي سحنون بين يديك مثل هذا؟ ولا يرى لمجلسك حرمة! فقال ألأمير لأصحاب الأعمدة: لو قتلتموه ما كنت أصنع بكم؟ فعافاه الله. ولما رأى سحنون حال الطبني، وفهم المراد، لزم داره مدة. وترك الجامع. وكان الطبني يحكم في الجامع، وحبيب أيضًا صاحب مظالم سحنون ينظر. إلى أن
стр. 599
بلغه أن الطبني مد يده إلى بعض أصحابه. فخرج سحنون إلى الجامع، وسمع بذلك الناس، فأتوا إليه من كل جهة. فخرج الطبني من الجامع إلى داره. فكان ينظر في داره، وسحنون في الجامع على عادته، نحوا من أربعين يومًا، إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وكتب زيادة الله ابن الأغلب إلى علماء أفريقية، يسأله عن مسألة، فأخبروه، إلا سحنون. فعوتب في ذلك. فقال: أكره أن أجيبه، فيكتب إلي ثانية، اشتغال لمعرفة ألأمراء. فقال له إبراهيم بن عبدوس، في مثلها: اخرج من بلد القوم، أمس لا تصلي خلف قاضيهم. واليوم لا تجيب في مسألتهم. فقال سحنون: أجيب رجلًا يتفكه بالدين، ولو علمت أنه يقصد الحق، أجبته. وذلك قبل قضائه.
ذكر محنته
قال غير واحد من العلماء بالأثر: كان سحنون قد حضر جنازة. فتقدم ابن أبي الجواد، الذي كان قاضيًا قبله. وكان يذهب إلى رأي الكوفيين، ويقول بالمخلوق. فصلى عليها. فرجع سحنون ولم يصل خلفه، فبلغ ذلك الأمير زيادة الله. فأمر بأن يوجه إلى عامل القيروان، يضرب سحنون خمسمائة سوط. ويحلق رأسه ولحيته. فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد. فأمر الوزير أن يتوقف، ولطف حتى دخل على
الأمير وقت القائلة، وقد نام. فقال له ما شيء يلغني في كذا. قال: لا تفعل. فإ، العكي إنما هلك في ضربه للبهلول بن راشد. فقال: وهذا مثل البهلول. قال: نعم. وقد حبست البريد شفقة على الأمير. فشكره، ولم ينفذ أمره. وبينما
стр. 600
سحنون يقرأ للناس، إذ أتاه الخبر بما أزاح الله عنه. وقيل: لو ذهبت إلى علي بن حميد فشكرته. قال: لا أفعل. قيل له: لو وجهت ابنك لذلك، فأبى. قيل: فاكتب إليه. فأبى. قال: ولكني أحمد الله الذي حرك علي بن حميد، لهذا. فهو أولى بالشكر، وأقبل على إسماعه. فقال له قوم من أصحابه: لهذا والله كتب اسمك بالحبر على الرقرق. قال ابن وضاح: كنت عند سحنون، فجاءه إنسان، فساره بشيء، فتغير لونه، ثم جاءه آخر فساره، فرجعت إليه نفسه. ثم قال: لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب. إنما يضرب مثل مالك، وابن المسيب. ولما ولي أحمد بن الأغلب الإمارة، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن، وخطب به بالقيروان، توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد، فارًا. فكان عنده. فوجه في طلبه إلى هناك رجل، يقال له، ابن سلطان، وكان مبغضًا في سحنون، فظًا غليظًا. أختاره في ذلك في خيل، وجهها معه. فلما وصل إلى سحنون، قال له ابن سلطان: وجهني الأمير إليك، وقصدني فيك لبغضي فيك، لأبلغ منك، وقد حالت بغيتي عن ذلك. وأنا ابذل دمي دون دمك، فاذهب حيث شئت من البلاد، أو أقم، فأنا معك. فشكره سحنون، وقال له: ما كنت أعرضك لهذا. بل اذهب معك، وخرج، فشيعه أصحابه. فقال عبد الرحيم للرسول: قل للأمير أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم. وكان شهر رمضان، سلبك الله أنت فيه وأوحشك منه، وفي رواية: عرضتني في ضيفي، فو الله لأعرضنك على رب العالمين. فلما وصل
следующие страницы →