← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ابن طالب، لكن من أدى عنه كمال وهب له. يقضي به دينه، فلا يكون حكمه بحكم العديم. وقد جاء في كتاب سحنون إلى محمد بن زياد، قاضي قرطبة، يأمره بالشد والمعاقبة لمن تفالس، وتكرار الأدب والضرب عليه، حتى يؤدي أو يموت. قال أبي: وبذلك أخذت في ابن أبي الجواد، ضربته أربعًا وعشرين، ومائة درة. وأوقفته يوم الجمعة للناس في صحن الجامع. وسوف أضربه أبدًا، حتى يؤدي تحت الدرة أو يموت. وقال ابن أبي الحارث قيل لسحنون: هذا منصور دخل من تونس بالحرائر. فركب وانتزع منه ما بيده، فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه، وذكر إليه ما نزل به، فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون، أن تصرفهم على منصور مرة وثانية وثالثة. فقال: لا أفعل. وأقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون، وضربت له قبة، نزل فيها، وقد استشاط غيظًا لمصارمته إليه، على منصور، ودعا فتى قال له: اذهب إلى سحنون فقل له: فاردد السبي على منصور، وإلا فأتني برأسه. فجاء الفتى إلى سحنون يبكي ويتضرع ويقول له: أمرت فيك بعظيم. فأخذ سحنون ورقًا فكتب فيه بعد الاسم: ويا قوم ما لي أدعوكم إلى لنجاة وتدعونني إلى النار. . . . . الآية. ودفع الكتاب للفتى، ثم قال: ادفعه لابن الأغلب. فلما قرأه أمره برفع مضربه، واحتجب ثلاثًا. ثم قال لمنصور: سلني عما شئت من حوائجك، واعرض عن خبر سحنون. وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون أن سحنون لم يركب لنا دابة ولا عقل كمه بصرة. فهو لا يخافنا. وذكر بعضهم، أن بعض قواد بني الأغلب، انصرف من بعض الحروب بعدد حرائر. فأرسل سحنون إلى جميع البوادي، في الصوفية، فاجتمع إليه نحو

стр. 597

من ألف رجل. فقالوا: مرنا بما شئت. فقال: تخيروا منكم مائة رجل، فكونوا عنده إلى المغرب. ولا يعلمون غرضه. فلما صلى بهم، قال لهم: تمضوا إلى دار فلان، فتضربوها عليه، فإذا فتح أبلغوه سلامي، وإن يخرج الحرائر اللواتي أتى بهن من الجزيرة الساعة. ولا تجعلوا له إلى غلق الباب سبيلًا لئلا يخرج هو، ومن معه، فيدافعكم ويفضي الأمر إلى إراقة الدماء. وإن هو لاطفكم ومانعكم، فاشغلوه حتى يلج سبع مشائخ منكم، حتى تنتهوا الباب ألأوسط، وتنادوا. . . . بهن، اين الحرائر المسبيات بالجزيرة يخرجن إلى القاضي. فإذا خرج جميعهن أتيتم بهن، وتركتموه. ففعلوا ما أمرهم به، فلما ابى عليهم قبضوا عليه، حتى أخرجهن الشيوخ كما حده سحنون لهم، وحملوهن إلى سحنون. فركب القائد إلى القصر، فوجد الأبواب مغلقة. فبات هناك حتى أصبح ودخل على ابن ألأغلب، وقد شق ثيابه ونتف لحيته، وأخذ في البكاء. فسأله، فأخبره، فأنكر ذلك، ووجه فتى إلى سحنون يأمره بردهن له. فقال له سحنون: قل له والله الذي لا إله إلا هو إن أخرجتهن من داري، حتى تعزلني عن القضاء، ويعلم الله أنه لا نظر لي على رجلين من المسلمين. ثم وجه ابنه محمد بسجله مع الفتى إلى الأمير، وقال: قل له هذا سجلك، وجعل الله فلانًا شفيعك يوم القيامة. فوصلا إليه، وأبلغاه ما قال. فقال محمد: هذا سجلك بعث به لتولي أمور المسلمين من تراه. فقال أبو العباس: اقرأ على أبيك السلام، وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن المسلمين خيرًا. فقد أحسنت أولًا وآخرًا. ونحن نرضي قائدنا من أموالنا. وامض على أحسن نظرك. فبلغ ذلك سحنون

стр. 598

واجتمع إليه وجوه الناس وأهل الخير، وشكروا فعله. فقال لهم: إن الله قد أحب الشكر من عباده، فتقدموا إلى باب الأمير واشكروه على تأييد الحق، ففي ذلك صلاح الخاصة والعامة. ففعلوا ذلك. قال سليمان بن عمران: ودخل سحنون على محمد بن الأغلب يشكو إليه، رفع الخصوم عن بابه إلى باب الطبني شريكه في القضاء. وذلك، أن ابن الأغلب لما لم يمكنه عزل سحنون، لمكانه من قلوب الناس، وقصده من تحامل رجاله، وضيق عليهم، ولي الحكم معه الطبني، رجلًا جافيًا جاهلًا. مضادة لسحنون. فكان يرفع الخصوم عن بابه، إلى الطبني، فلما ذكر ذلك لمحمد بن الأغلب قال له محمد: ما عندي من هذا علم. ثم التفت إلى بعض جلسائه، فقال أعندك من هذا علم؟ قال: لا. فضرب سحنون بيده على لحيته. وقال بتلعب بي وأنا إمام في العلم منذ ستين سنة. وهذا يشهد لي. يريد بن عمران. فقلت: وما حاجتك إلى ذلك؟ أدركت الناس بمصر يتمنون أن لو كنت فيه. وأسمعه يعقوب بن المضار! كلامًا غليظًا فيما ينفذه من لحق عليهم، بحضرة ابن الأغلب، فقال له سحنون: أين أنت من هذا القول، إذ جيء بك، وفي عنق يعقوب حبل كالكلب، ثم خرج سحنون، فقال يعقوب، للأمير: شيخ من مشائخك وعم من أعمامك يفعل بي سحنون بين يديك مثل هذا؟ ولا يرى لمجلسك حرمة! فقال ألأمير لأصحاب الأعمدة: لو قتلتموه ما كنت أصنع بكم؟ فعافاه الله. ولما رأى سحنون حال الطبني، وفهم المراد، لزم داره مدة. وترك الجامع. وكان الطبني يحكم في الجامع، وحبيب أيضًا صاحب مظالم سحنون ينظر. إلى أن

стр. 599

بلغه أن الطبني مد يده إلى بعض أصحابه. فخرج سحنون إلى الجامع، وسمع بذلك الناس، فأتوا إليه من كل جهة. فخرج الطبني من الجامع إلى داره. فكان ينظر في داره، وسحنون في الجامع على عادته، نحوا من أربعين يومًا، إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وكتب زيادة الله ابن الأغلب إلى علماء أفريقية، يسأله عن مسألة، فأخبروه، إلا سحنون. فعوتب في ذلك. فقال: أكره أن أجيبه، فيكتب إلي ثانية، اشتغال لمعرفة ألأمراء. فقال له إبراهيم بن عبدوس، في مثلها: اخرج من بلد القوم، أمس لا تصلي خلف قاضيهم. واليوم لا تجيب في مسألتهم. فقال سحنون: أجيب رجلًا يتفكه بالدين، ولو علمت أنه يقصد الحق، أجبته. وذلك قبل قضائه. ذكر محنته قال غير واحد من العلماء بالأثر: كان سحنون قد حضر جنازة. فتقدم ابن أبي الجواد، الذي كان قاضيًا قبله. وكان يذهب إلى رأي الكوفيين، ويقول بالمخلوق. فصلى عليها. فرجع سحنون ولم يصل خلفه، فبلغ ذلك الأمير زيادة الله. فأمر بأن يوجه إلى عامل القيروان، يضرب سحنون خمسمائة سوط. ويحلق رأسه ولحيته. فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد. فأمر الوزير أن يتوقف، ولطف حتى دخل على الأمير وقت القائلة، وقد نام. فقال له ما شيء يلغني في كذا. قال: لا تفعل. فإ، العكي إنما هلك في ضربه للبهلول بن راشد. فقال: وهذا مثل البهلول. قال: نعم. وقد حبست البريد شفقة على الأمير. فشكره، ولم ينفذ أمره. وبينما

стр. 600

سحنون يقرأ للناس، إذ أتاه الخبر بما أزاح الله عنه. وقيل: لو ذهبت إلى علي بن حميد فشكرته. قال: لا أفعل. قيل له: لو وجهت ابنك لذلك، فأبى. قيل: فاكتب إليه. فأبى. قال: ولكني أحمد الله الذي حرك علي بن حميد، لهذا. فهو أولى بالشكر، وأقبل على إسماعه. فقال له قوم من أصحابه: لهذا والله كتب اسمك بالحبر على الرقرق. قال ابن وضاح: كنت عند سحنون، فجاءه إنسان، فساره بشيء، فتغير لونه، ثم جاءه آخر فساره، فرجعت إليه نفسه. ثم قال: لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب. إنما يضرب مثل مالك، وابن المسيب. ولما ولي أحمد بن الأغلب الإمارة، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن، وخطب به بالقيروان، توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد، فارًا. فكان عنده. فوجه في طلبه إلى هناك رجل، يقال له، ابن سلطان، وكان مبغضًا في سحنون، فظًا غليظًا. أختاره في ذلك في خيل، وجهها معه. فلما وصل إلى سحنون، قال له ابن سلطان: وجهني الأمير إليك، وقصدني فيك لبغضي فيك، لأبلغ منك، وقد حالت بغيتي عن ذلك. وأنا ابذل دمي دون دمك، فاذهب حيث شئت من البلاد، أو أقم، فأنا معك. فشكره سحنون، وقال له: ما كنت أعرضك لهذا. بل اذهب معك، وخرج، فشيعه أصحابه. فقال عبد الرحيم للرسول: قل للأمير أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم. وكان شهر رمضان، سلبك الله أنت فيه وأوحشك منه، وفي رواية: عرضتني في ضيفي، فو الله لأعرضنك على رب العالمين. فلما وصل

стр. 601

الأمير جمع له قواده، وقاضيه ابن أبي الجواد وغيره. وسأله عن القرآن، فقال سحنون: أما شيء أبديته في نفسي فلا. ولكني سمعت من تعلمت منهم، وأخذت عنهم، كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. فقال ابن أبي الجواد: كفى فاقتله، ودمه في عنقي. وقال غيره: مثله. ممن يرى رأيه. وقال بعضهم: يقطع أرباعًا، ويجعل كل ربع بموضع في المدينة. ويقال ها جزاء من لم يقل بكذا. فقال الأمير لدواد بن حمزة: ما تقول أنت؟ قال: قتله بالسيف راحة. ويقال قائل هذا، علي بن حميد والحضرمي. ورجال أهل السنة من أصحاب السلطان، ولكن قتل الحياة. نأخذ عليه الضمناء، وينادي عليه بسماط القيروان: لا يفتي. ولا يسمع أحدًا، ويلزم داره. ففعل ذلك. وأخذ عليه عشرة حملاء. ويقال أن ابن أبي الجواد: هو الذي أمر بأخذ الحملاء عليه، حتى يتبين عليه، فرجع، ففعل ذلك وأمر الحرس أن يأخذوا ثياب من دخل عليه. قال سهل فدخلت عليه، ومعي دراهم أشتري بها ثيابي من الحرس، إن يأخذوا. فعافاني الله. فقلت: البدعة فاشية، وأهلها أعزاء. فقال: أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهراها. قال جبلة: ولما قرب سحنون في قصته هذه من القصر، لقيه في الموالي رجل سكران، على برذون، بيده قناة فأدخلها بين رجلي برذون سحنون، ليثب بسحنون ليقتله، فتحامل برذون السكران به، وقفز. فدخل زج القناة في صدر المولى. فمات وسلم سحنون. وقيل: بل الأمير أوصى إنسانًا بركوب بغل شموس، وقال له اصدم به سحنون بعد أن تحميه، فلعل الله يريحنا منه. فلما قرب سحنون من القصر، فعل الرجل ما أمر

стр. 602

به، فطرحه البغل الشموس فمات. وكان في طريقه نزل تحت شجرة، والرسول الذي جاء به تحت أخرى، فأتى رجل إلى سحنون بقصعة ثريد، عليها دجاجة، فأكل سحنون ولم يدع الرسول. فعاتبه في ذلك، وقال له: أحسنت صحبتك، وتفعل هذا معي. فقال له سحنون: ليس في السنة أن أدعوك إلى طعام غيري، ولو كان لي لفعلت. قال القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: ما قال سحنون صواب. ولكن لا أدري لم يستأذن. ربّ الطعام في أكله معه، كما فعل عليه الصلاة والسلام. ولعله فعل ذلك، ولم يأذن له. والله أعلم وفي هذا الخبر قال: كان سحنون يقول في طريقه: الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم. . . الآية. وحكى، أنه لما دخل سحنون على ابن الأغلب، قال له سحنون: قد كنت خائفًا، حتى دخلت عليك. فأمنت بالله. وكان ابنه محمد، قد توارى معه. فلما أتى باب القصر، نفر الشرط إلى انتهابه، فأخذ لجام دابته، فلما دخل على الأمير قال له: تكلم. فقال: إنما يتكلم من معه عقله، وأما أنا فقد ذهب. فسأله، فأعلمه بما جرى عليه. فأمنه. وأمر بصرف لجامه. قال ابن وضاح: دخلت مصر، فلقيت الحارث بن مسكين، فسألني عن سحنون، فقلت له: إنه مغموم من قبل الأمير. فقال الحارث: قال الأوزاعي: قال رسول الله ﷺ : إذا أحب الله عبدًا سلط عليه من يؤذيه.

стр. 603

ذكر بقايا فضائل سحنون وتقاه وخوفه وزهده وتحريه في الفتيا وعبادته وفقر من كلامه ووصاياه وأخباره قال محمد بن أحمد بن تميم: كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر من يحضره من طلبة العلم، كانوا يأتونه من أقطار الأرض. قال بعض أصحابه: عرست فدعوت ليلة عرسي جماعة من أصحاب أصحابنا وفيهم رجل من أهل المشرق، من أصحاب حنبل، قدم علينا. وكنا نسمع منه. فكان أصحابنا في أول الليلة في قراءة وبكاء، وتعبد وخشوع ثم أخذوا بعد ذلك في مسائل العلم، ثم ابتدروا بعد ذلك إلى زوايا بالدار، يصلون أحزابهم. فقال الشيخ: أصحاب من هؤلاء، ومن معلمهم؟ فوالله ما رأيت قط أقبل منهم، وما صحبوا رجلًا إلا نبلوه. فقال: أصحاب سحنون. فقال: والله لقد رأيت العلماء عندنا بالمشرق، فوالله ما رأيت مثل هؤلاء. قال ابن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، ما بروك لسحنون في أصحابه، إنهم في كل بلد ائمة قال ابن حارث سمعتهم يقولون كان سحنون من أيمن العلماء؟ دخل المغرب، كأن أصحابه مصابيح، في كل بلدة، عدّ له نحو سبعمائة رجل، ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسه، وسمعتهم يقولون: كان سحنون أعقل الناس صاحبًا وأفضل الناس في باب الدين صاحبًا، وأفقه الناس صاحبًا. وقام سحنون بقصر زياد مرابطًا، خمسة عشر يومًا من رمضان. وحكى ابن اللباد، إن سحنون قال لأبنه محمد: يا بني، سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة. وسلم

стр. 604

على عدوك وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس. وحكى المالكي أنه نقب بيت سحنون وهو قائم في تهجده، وأخذ ما كان في البيت، وهو لا يشعر، ثم أخذت القلنسوة من رأسه، فلم يلتفت لشغله بما كان فيه، وجيء إليه للصلاة على مقتول، فقال لم تحضرني نية. فأتى آخرون فقالوا له: فلان أصلحك الله، قتل وطرح في بئر، وقد أخرجناه، فصّل عليه. فقال: ومن قتله؟ قالوا: هذا المقتول الذي سئلت قبل الصلاة عليه. فصلى سحنون على هذا. وكانت منه فراسة. قال سليمان بن سالم: أتى رجل من صطفورة فسأل سحنون عن مسألة، وتردد عليه. فقال له: أصلحك الله مسألتي في ثلاثة أيام. فقال له: وما أصنع لك؟ ما حيلتي في مسألتك؟ نازلة معضلة، وفيها أقاويل، وأنا أتخير في ذلك. فقال الرجل الصطفوري: وأنت أصحك الله لكل معضلة. فقال: هيهات، ليس يا ابن أخي. فقولك أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت إن تنقلب بمسألتك، وإن أردت غيري فامضِ، تجاب عن ساعة. فقال: إنما جئت إليك ولا أبتغي غيرك. قال: فاصبر عافاك الله. ثم أجابه بعد ذلك. وأرسل أسد بن الفرات وهو قاض إلى سحنون، وعون وابن رشيد وموسى الصمادحي، فسألهم عن مسألة في الأحكام، فأجاب فيها ابن رشيد وعون، وأبى فيها سحنون عن الجواب. فلما أخرجوا عذلاه في تركه. فقال لهما: منعني إنكما بدرتما بالجواب فأخطأتما، وكرهت إن أخالفكما فندخل عليه إخوانًا ونخرج أعداء، وبيَّن لهما وجه خطأهما. فجزياه خيرًا، واعترفا. ورجع إلى أسد، فأخبراه برجوعهما. قال القاضي: لعل

стр. 605

سحنون عدل على ما عرف من فضلهما، من أنهما إذا بين لهما وجه خطأهما رجعا، فأعلم أسدًا برجوعهما كما فعلا. وإن الحكم، كان بعد لم يحن وقت نفوذه. وإلا فهو في فضله وورعه كان لا يسكت على مثل هذا، إلا رجاء أن يستبين الحق بلا تعلة، ولا مخالفة. قال سحنون: أجرًا للناس على الفتيا، أقلّهم علمًا. يكون عند الرجل باب واحد من العلم، فيظن أن الحق كله فيه. قال سحنون: إني لأسأل عن المسألة، فأعرف في أي كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتيا. قال سحنون: وأنا أحفظ مسائل ما فيه ثمانية أقاويل من ثمان أئمة. فكيف يسعني أن أعجل بالجواب، حتى أتخيّر، وهو الأمر في حبس الجواب، أو كما قال، عبد الجبار بن خالد، قال رجل من الطلبة لسحنون: جئت اليوم ولم أسمع منك شيئًا. فقال له: إن كنت في وقت خروجك ممن شيعته الملائكة، فقد سمعت، وإن لم تسمع. وإن كنت ممن لم تشيعه، فلم تسمع، وإن كنت سمعت. قال عيسى: قلت لسحنون تأتيك المسائل مشهورة مفهومة، فتأبى الجواب فيها. فقال سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال. قال يحيى بن عمر: لما قدمت إلى سحنون فسألت عنه، فقيل لي خرج إلى البادية، فجئته، فرأيت رجلًا أشعر عليه جبة صوف ومنديل، وهو متول حرثه وشأنه، فاستصغرته وندمت على تركي من تركت بالمشرق، ومجيئي إليه. وقلت ما أراه يحفظ شيئًا من العلم. فرحب بي. فلما جالسته في العلم رأيت بحرًا لا تكدره الدلاء، والله العظيم، ما رأيت مثله قط. كأنما جمع العلم عينيه في صدره.

стр. 606

قال سحنون: ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه. فيسأل عنه، فيقال: هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شرٌّ من علماء بني إسرائيل. وبلغني إنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون، مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه العمل، وفيه النجاة، لهم، كراهة أن يشتغلوهم. ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا، ووجب أجرهم على الله، فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء، وبهم. ووالله ما أكلت لهم القمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوبًا، ولا ركبت لهم دابة، وما أخذت لهم صلة. وإني لأدخل عليه، فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه النجاة. ثم أخرج عنهم، فأحاسب نفسي، فأجد عليّ الدرك مع ما ألقاهم به في الشدة والغلظة، وكثرة مخالفتي هواهم، ووعظي لهم. فوددت أن أنجو مما دخلت فيه كفافًا. وقيل له: إن يعقوب بن المضار لا يحبك فقال: الحمد لله، الذي لم يجمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب واحد قال سليمان بن سالم: رأيت سحنون إذا قرئ عليه الكتاب الجهاد لابن وهب. وكتاب الزهري، يبكي حتى تسيل دموعه على لحيته. وقال مرة لرجل: اقرأ علي: ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة. . . فقرأها. فلما بلغ: فستذكرون ما أقول لكم. . . قال: حسبك. وهو يبكي. قال بعضهم: خرج سحنون وابن رشيد وابن الصمادحي إلى المنستير، ومعهم ابن نعيم، قال: نظرت إلى سحنون تسيل دموعه على لحيته. ثم سكت الفتى فقال سحنون: يرتجي أن يرتفع صوته، لو كان من يقول له، وأبى أن

стр. 607

يقول له. قال بعضهم: دخلت على سحنون وفي عنقه تسبيح يسبح به. قال حبيب: قال سحنون يتمثل بهذه الأبيات: كل شيء قد أراه نكرًا … غير وكزا الرمح في ظل الفرس وقيام في حناديس الدجا … حارسًا للقوم في أقصى الحرس وحكي الإيباني، عن سحنون، إنه قال في الحديث: فيمن أخاف أهل المدينة، قال: ليس هم سكانها، بل كان من قال بقولهم، حيث كان. قال المؤلف ﵀ تعالى. أراه والله أعلم فيمن كان على سنتهم وهديهم. وهم جماعة المسلمين. قال ابن وضاح: وكان إنسان يشرب قريبًا من سحنون ويغني، ولم يغير عليه، فلما قدمت الأندلس، ابتليت بمثله، فأردت رفع أمره، ثم تذكرت أمر سحنون، فاقتديت به، وصبرت. ثم لقيت سحنون بعد ذلك، فلم أسمع جاره ذلك بعد، فسألته عنه، فقال لي: ماذا حملت منه، ولقد كفانيه الفقر، وها هو مؤذن في المسجد. وكنت أقدر أن أغير عليه، وأكلم السلطان فيه، فخشيت أن يحملني في ديني ما هو أضر مني، فرأيت أن أصبر حتى لا يكون السلطان علي منة. قال إبراهيم بن محمد بن باز: كنت أقرأ كتاب الهبات، من النذور على سحنون. فمرت مسألة في الكتاب كان في جانب كتابي فيها كلام لأصبغ، فقرأته على سحنون. فقال: إيه. فظننت إنه استفادني. فقلت له: قال: أصبغ. فقال: إيه. فأعدت، فنظر إليّ، وقال: من جرأك علي؟ قلت أصلحك الله، كذا هو في حاشية كتابي. وحدثني بها سعيد بن حسان عن أصبغ. فقال لي: تكذب. سعيد بن حسان أعلم الله. يا أهل الأندلس، ما تبالوا

стр. 608

عمن تأخذون دينكم. قم والله لا قرأت لكم حرفًا منها. فلما كان بعد أيام، لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتي، عليه فروة وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت عليه¬ السلام وقلت له: أكتب كتابًا من المدونة. فقال لي يا أهل الأندلس: أنا أحبكم لأنكم قوم سنة، وخير. ثم مضى، فجئناه يومًا ثانيًا، وكنت أنا القارئ عليه، وأخذتني زكمةٌ فربطت رأسي، وجلست ناحية، فلما اجتمعنا قال: أين ذا؟ قال: اقرأ. فقلت: عرض لي شيء، قال اقرأ كما أقول لك. قال واستأذنه رجل أن يبني قنطرة، يجوز عليها الناس إلى دار سحنون، فأبى سحنون، لأن كسبه كان من بلدان السودان. وكان لا يشرب من المواجل التي يبينها السلاطين تورعًا. ويفتي بجواز ذلك. ويقول: إنما هي حجارة جمعوها، ساق الله إليها الماء. وقال بعض أصحابه: خرج سحنون يومًا على أصحابه للسماع، مغضبًا، على وجهه كآبة. إذ جاءه رجل بدوي، وفي رواية غلام له، فساره بشيء، فضحك سحنون. وأمر بالقرآن. ثم قال لأصحابه: إنا أصبنا في عامنا هذا ثمرة كثيرة، وزرعًا، ولم أصب بمصيبة. فخفت أن أكون سقطت من عين الله تعالى. وإن هذا جاء فأخبرني أن أجود جمالي مات؟ فسررت بذلك وعرفت أن الله ذكرني. ويخلف ما ذهب. وأهلك الريح مائة وخمسين شجرة. قال أحمد بن أبي سليمان: كان العلماء يأكلون طعام علي بن حميد الوزير، خلا سحنون وولده. فلم يكن يأتيهم، ولا يأكل طعامهم. ورغبوا إليه في تحرك ولده، فقال أخشي أن أعودِّهم عادةً.

стр. 609

قال أحمد بن سليمان: كنا يومًا جلوسًا عنده، إذ جاء غلام بدرهم ونصف فضة، باع له له زيتونًا. فقال: أحمد الله زيتوننا، وغلامنا ودابتنا. ثم رمى بها، وقال لنفسه: يا شقيّة، تدري ممن باعها لك. قال ابن معتب: كان سحنون يتصدق على الرجل الواحد، بالمال الذي تجب فيه الزكاة. الثلاثين دينارًا، أو أكثر. قال عبد الله بن سعيد الصائغ: دفع سحنون يومًا لرجل صرّة دنانير، وهو في بيته. ثم قال له: اذهب، فأول من تلقاه ادفعها إليه. فجعل الرجل يتخلل الأزقة إذ برجل عليه ثوب أبيض وتحته شيء يحمله، فدفع إليه الصرّة، فلما أخذها ألقى الذي بيده. وقال: هي ميتة، كانت لنا حلًا فحرمت الآن علينا. فكانت فراسة من سحنون. قال حمديس: دخلت عليه يومًا، وهو يأكل خبزًا، يبله في الماء ويغطسه في الملح، فقال: أما أني لم أكله زهادة في الدنيا، ولكن لئلا أحتاج إلى هؤلاء، فأهون عليهم. ثم صاح بجارية، فأتت بصرة فيها عشرون دينارًا. فقال: ادفعه لثلاثة رجال صالحين، ممن يسكن عندكم، فإن لم تجد ثلاثة، فإلى اثنين فإن لم تجدهما، فإلى واحد. قال العنبري: كانت غلة سحنون في زيتونه، خمسمائة دينار في السنة. فما تنقضي السنة إلا والديون عليه لكثرة صدقته ومعروفه. فصول في حكمه وكلامه كان سحنون، يقول: ليس للأمور بصاحب، من لم ينظر لها في العواقب، وكان يقول: ترك الحلال لله أفضل من أخذه. وترك الحلال

стр. 610

لله، أفضل من أخذه وإنفاقه، في طاعة الله. وقال: ترك دانق مما حرم الله، أفضل من سبعين ألف حجة، تتبعها سبعون ألف عمرة، مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس، في سبيل الله، بزادها وسلاحها. ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت الله العتيق، وأفضل من عتق ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل. فبلغ كلامه هذا لعبد الجبار بن خالد، فقال: نعم. وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبًا أو فضة، كسبت وأنفقت في سبيل الله. لا يرد بها إلا وجه الله. وكان سحنون يقول: مثل العلم القليل، في الرجل الصالح، مثل العين العذبة في الأرض العذبة، يزرع عليها صاحبها ما ينتفع به. وكان يقول: انظر أبدًا الأمرين، يكون فيها الثواب، فأثقلهما عليك، هو أفضل. وكان يقول: كلّ دابة، تعمل على الشبع إلا ابن آدم، إذا شبع رقد. وقد قال مالك: ألا أدلكم على درّ، بلا ثمن؟ قيل: وما هو؟ قال: هو صر الجوع في كمك. وكان سحنون إذا ضاق عليه أمر، يقول: ضيقي تنفرجي يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين. وكان سحنون يقول: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه العلم. وروى عنه عيسى ابن أيوب، أنه قال: إذ تردد على القاضي ثلاث مرارٍ بلا حاجة، فلا تجوز شهادته. وكان سحنون يقول: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه العلم، بل يضره. وإنما العلم نور يضعه الله تعالى في القلوب. فإذا عمل به نوّر الله قلبه. وإن لم يعمل به، وأحب الدنيا، أعمى حبٌّ الدنيا عليه. ولم ينوّره العلم، وكان سحنون إذا رأى إعراض الجهال عن العلماء يقول: لمنزلة الفقيه من السفيه … كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في رأي هذا … وهذا فيه أزهد منه فيه

стр. 611

باب ذكر كرمه وجوده قال محمد بن عبد الله الرعيني: لما سرت إلى الغزو إلى صفاقس مع سحنون فتح لنا مطمورة شعير، لعلف دوابنا، فما كنا نأخذ منها بكيل، سماحة منه في ذات الله. قال غيره: وفدى سحنون يومئذ أسارى المسلمين، وظن أن الأمير يعطيه ما فداهم به. وأخذ سحنون الأموال التي فداهم بها سلفًا. فلما قدم على الأمير أبى أن يعطيه الفدى، فألزم سحنون الأسارى. فأمروا به. وقال لهم: قد كنتم عبيدًا للعدو، ولا تملكون من أموالكم ولا تأمنون الفتنة على دينكم، فمن أعطى تركته، ومن أبى حبسته. قال أبو داود القطان: باع سحنون زيتونًا له، بنحو ثلاثمائة دينار، ودفع ذلك إليّ، فكان يبعث إليّ البطائق يتصدق من ذلك المال، إلى أن نفد، فأتيته بتلك البطائق ليحاسبني عليها، فقال لي: بقي من المال شيء؟ فقلت: لا. فرمى البطائق، ولم يحاسبني عليها، فقال لي: بقي من المال شيء؟ فقلت: لا. فرمى البطائق، ولم يحاسبني. وقال: إذا فرغ المال فلم أحاسبك؟ قال حمديس: ماتت لأبي خادم ثمنها ثمانية وعشرون دينارًا، فعرض علي سحنون ثمنها لأشتري لأبي منه خادمًا، فقلت: أنا عن هذا غني. وحكى المالكي عن الجزري، قال: بينما أنا عند سحنون، إذ أتاه رجل، فسأله عن مسألتين أو ثلاثة، ثم قال: ما اليوم وما غد وما بعد غد. فقال له سحنون مجيبًا: اليوم عمل وغدًا حساب وما بعد غد جزاء. فلما ولَّى تبعته، حتى دخل المقبرة. فلما خفت فواته، قلت له: بالله قف لي.

стр. 612

فقال: ما تريد، أنا رجل من الجانّ، كنت أغشى مجلس أبي سعيد أسأله عن مسائل، فقد حرمتني المسائل، ثم غاب عني، فخطر لي الخروج إلى الحج، فبينا أنا في الطواف إذ جبن بثوبي من ورائي، فالتفت فإذا بالجنيّ، فسلم عليّ وأخبرني بخير من خلقته. ثم قال لي: رأيت الطلبة، يختلفون إلى شيخ، فمضيت إلى الرجل معه، فلما أشرفنا على الجماعة، جبنني الجني بثوبي، وقد تغير لونه وقال لي: هذا إبليس، والله لو رآني لقتلني. قلت له: فما العمل؟ قال: ارجع فالطمه للرأس، وقل له: يا لعين، يا ملعون. إيش أتى بك ها هنا؟ ففعلت. فاضمحل حتى صار مثل الدخان وأخبرت الطلبة بالقصة، فعجبوا وخرقوا ما كتبوا عنه. وحكى ابن اللباد هذه الحكاية وزاد في أولها: كان فتى يغشى مجلس سحنون، ذا سكينة وصمت، لا يتكلم. فإذا كان آخر المجلس، سأله عن ثلاث مسائل أو أربعة أو نحوها. ويستغرب لا يعرفه أحد من الطلبة، فشغل أحد الطلبة نفسه به، وأتبعه حتى خرج، وذكر الحكاية، وفيها زيادة ألفاظ، وفيها: وها هنا قوم من صالحي الجن فهم يرسلونني أسأل عنهم، عن دينهم وما يحتاجون إليه. فقد قطعت حظهم من ذلك. وفيها إنه أخبره حين لقيه في الطواف بحال أهله، وولده. وقال له: عهدي بهم بالأمس. فقال له: ها هنا شيطان قد تمثل في صورة شيخ، وحوله جمع يكتبون عنه، فإذا جئته فلا تهبه، وارفع العصا عليه. وذكر تمام الخبر بمعناه. قال القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: إن الشيطان يتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من

стр. 613

الكذب، فينصرفون عنه، فيقول الرجل منهم، سمعت رجلًا أعرف وجهه، ولا أدري من هو، وفيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إن في البحر شياطين مسجونة، أوثقها سليمان ﵇. يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنًا. وحكى أبو الحسن القابسي قال: أتى رجل إلى سحنون فجلس، حتى انصرف الناس، فأخذ في البكاء. فسأله سحنون عن سبب ذلك، فذكر له: إنه رأى أمرًا استعظمه، فلم يزل به حتى ذكر له، إنه رأى كأن القيامة قد قامت، وحشر الناس، وأتى سحنون فرأى إنه ألقي في النار، بعد أن لقي من الأغلال والنكال أمرًا عظيمًا، فصبّره سحنون، فأرسل في رؤساء كنيسة النصارى، فجاء إليه منهم اثنان، فسألهم هل مات لكم ميت ممن تعظمونه؟ قالوا: نعم. قال: أفرأيتم له شيئًا؟ قالوا: نعم رؤى كثيرة، ووصفوا فيها من الخير والترفيع، ثم صرفها وقال للرجل: هل تشك أن هؤلاء وميتهم من أهل النار؟ قال: لا. فقال له: إن الشيطان يأتي للمؤمن، بما يثبّطه عن الخير، ويمقت له أهله، ويأتي إلى الكفار بما يغبط إليه حاله ويثبته على كفره، وقد رآك تختلف إلينا فأراد أن يضرك. ورأى سحنون الناس يقبّلون يدا ابن الأغلب، فقال له: لا تعطيهم يدك. لو كان هذا يقرّبك من الجنة ما سبقونا إليه. وستأتي مثل هذه الحكاية في إخبار ابن وضاح إن شاء الله تعالى.

стр. 614

ذكر وفاة سحنون رحمه الله تعالى ومرائي رؤيت له لم يختلف أن سحنون توفي في رجب، سنة أربعين ومائتين. قال أبو علي: يوم الأحد قبيل نصف النهار، لثلاث خلون منه. وقال غيره: لسبع خلون منه، ودفن في يومه وصلى عليه الأمير محمد بن الأغلب، ووجه إليه بكفن وحنوط، فاحتال ابنه محمد حتى كفّن في غيره. وتصدق بذلك، واستعفى رجال ابن الأغلب من الصلاة عليه. وقالوا: قد علمت ما بيننا وبينه، وأنه يكفرنا ونكفره، لأن أكثرهم كانوا معتزلة، وإنما خرجنا طاعة لك، فإن صلينا عليه رأى الناس أنا رضينا حاله، فأعفاهم. فتقدم فصلى في عبيد، وعامة أهل السنة، وجماعة من المسلمين، وكان سنة يوم مات ثمانون سنة. مولده سنة ستين ومائة. ويقال إحدى وستين. وقال له رجل: يا أبا سعيد، الناس يقولون إنك دعوت الله أن لا يبلغك سنة أربعين ومائتين. فقال: ما فعلت، ولكن الناس يقولونه. وما أرى أجلي إلا فيها. قال أبو بكر المالكي: لما مات سحنون، رجتّ القيروان لموته، وحزن له الناس. قال سليمان بن سالم: لقد رأيت يوم مات سحنون، مشائخ من أهل الأندلس يبكون ويضربون خدودهم، كالنساء. يقولون يا أبا سعيد، ليتنا تزوّدنا منك نظرة، نرجع بها إلى بلدنا. قال بعضهم لأبي بكر الحضرمي: رأيت في

стр. 615

نومي رجلًا صعد إلى سماء الدنيا، ثم من سماء إلى سماء، حتى صار تحت العرش. فقال ينبغي أن يكون هذا سحنون. فقال الرائي: هو ذاك. وقيل: إنّ الرائي رأى الحضرمي في النوم، فسأله عنها. ففسرها له بمثل ما ذكرنا. وفي أولها: رأيت بابًا فُتح في السماء، ونودي بسحنون فأتي به، فصعد. وقال، آخر: رأيت النبي ﷺ مقبورًا، والناس يجعلون على قبره التراب، وسحنون ينبشه. فقال: قل لسحنون هم يدفنون سنة رسول الله ﷺ ، وأنت تحييها. قال عيسى بن مسكين: رأينا في المنام كان سحنون يبني الكعبة، فغدوت عليه فوجدته يقرأ للناس كتاب مختصر المناسك، له. قال عبد الله بن الخشّاب الأندلسي، وكان ثقة: رأيت في المنام النبي ﷺ ، يمشي في طريق، وأبو بكر خلفه، وعمر خلف أبي بكر، ومالك خلف عمر، وسحنون خلف مالك، قال ابن وضاح: فذكرتها لسحنون فسر بذلك. وقال غيره: رأيت سحنون في النوم بيده لواء قد بلغ السماء وقد امتلأ الفضاء فراشًا، فكنت أسأل بعض الحضور، فيقال لي: هذا لواء محمد، وهذا الفراش ملائكة. وذكر ابن الحارث: إن رجلًا من أهل طرابلس، كان على بدعة، وفي رواية كان يقرأ كتب أهل العراق، فرأى في النوم كأنه في ماء قد غرق فيه إلى الذقن، ويكاد مع ذلك أن يموت عطشًا، ولا يقدر على الشرب. وفي رواية فإذا شرب صار فيه دمًا. فأتاه في تلك الحال، رجل، فسقاه حتى روى. قال فانتبهت وبقيت صورة ذلك الرجل في نفسي، فجعلت أمشي في البلدان وأتأمل في وجوه الناس، لعلي

стр. 616

أرى تلك الصفة، حتى رأيت سحنون فعرفته بتلك الصفة، فصحبته وتركت مذهبي، وصرت إلى مذهبه. قال ابن حارث: أقام سؤود العلم في دار سحنون، نحو مائة عام وثلاثين عامًا، من ابتداء طلب سحنون وأخيه، إلى موت ابن أبنه محمد بن محمد بن سحنون. قال أبو الأحوص المتعبد: رأيته في المنام وقد تهيأ للخروج إلى المصلى مع ابنه محمد، فأتيته بثوب أبيض، فقال لي: أما علمت أنا لا نقبل الهدية. فقلت: ليس بهدية، ولكن هذا رسول الله ﷺ أمرني أن أدفعه إليك. قال لي وأين رسول الله؟ فقلت له: ها هنا، حابس. فما قام سحنون إلا يسيرًا، حتى مات. ورأى بعض المتعبدين قائلًا يقول: من أراد أن يشرب من ماء الحيوان فليسمع من سحنون. قال ابن أبي سليمان: رأيت في شأن سحنون، قبل موته، رؤيا فقصصتها على معبر يقال له ابن عياض، فقال: هذا رجل يموت على السنّة، ورثاه عبد الملك الهذلي بقوله كذا ورثاه أيضًا عبد الملك بن فطرن بقصيدة أولها: من يبصر البرق فوق الأفق قد لمعا … لمّا تسربل ثوب الليل وادّرعا ولّى لعمري بأرض الغرب قاطبة … ميت له البدو والحضار قد خشعا لله أنت إذا ما هاب فاصلة … من القضاء بكيل الحد فارتدعا هناك برِّزت يا سحنون منفردًا … كسابق الخيل لما بان فانقطعا فاذهب فقيدًا حباك الله جنته … واحصد من الخير ما قد كنت مزدرعا

стр. 617

عون بن يوسف الخزاعي أبو محمد من أهل القيروان. قال أبو العرب: كان أسن من سحنون بعشر سنين. قال: وقدمت المدينة سنة ثمان ومائة بعد موت مالك بسنة. فأدركت بها أربعين رجلًا من معلمي ابن وهب منهم عبد الرحمان بن زيد بن أسلم وسمع من المفضل بن فضالة وابن وهب وابن غانم والبهلول وغيرهم. سمع منه ابنه، وبكر بن حماد، وابن طالب، وسليمان بن سالم، وجماعة من أصحاب سحنون وغيرهم. وقال الشيرازي: وبابن وهب تفقه. قال أبو بكر ابن حماد: لما فرغت بقراءة كتب ابن وهب، على عون، قلت يا أبا محمد: ثم قال لي: والله ما أحب أن يعذب الله أحدًا من أمة محمد ﷺ بالنار. أبطل الله سعيه وصومه وصلاته، وسائر عمله، إن كنت أخذتها من ابن وهب شيئًا إلا قراءة قرأتها عليه. وقرأ هو عليّ، ولو كانت إجازة، نقلت إجازة. ولقد حضرت ابن وهب، فأتاه رجل يلتمس، فقال: يا أبا محمد، هذه كتبك. فقال له ابن وهب: صحت وقوبلت؟ فقال له: اذهب فحدث بها. فقد أجزتها لك. فإني حضرت مالكًا فعل ذلك. قلت يا أبا محمد، وكتاب الأهوال سمعته منه؟ قال: لا. حدثني به رجل عنه؟ وكان عون يفرق بين السماع والإجازة. فيقول في السماع حدثنا وفي الإجازة أخبرنا.

стр. 618

ذكر فضله وثناء العلماء عليه كان إبراهيم بن محمد بن بان، يفضل عون بن يوسف ويذكر دينه، وكان ابن وضاح يفضله. وكان سحنون يقع فيه، ويعيف الأخذ عنه، ويقول: لم يسمع من ابن وهب، وإنما أخذ عنه إجازة. قال ابن وضاح: كان عون الله خيرًا منه، وأتقى لله. قال أبو العرب: كان عون، رجلًا صالحًا، ثقة مأمونًا. وكان أحمد بن خالد يعجب به. وكان يبيع الكتان في حانوت ومعه حبة شعير، إذا أعطى الدراهم، جعلها مع المثقال، وإذا أخذها جعلها مع الدراهم. حتى يعطي زائدًا بجة ويأخذ ناقصًا بحبة. وكانت عنده قفة تين، إذا جاءه السائل أعطاه تينتين، لا يزيد عليهما ولا يرد سائلًا. وحكى أبو مروان بن مالك الفقيه عنه، إنه قال: كنت أجهر بالقراءة في الليل، فسمعت قراءة جار لي من الجن يقرأ معي في سورة الرعد، وكان ما بينه وبين سحنون فاسدًا، وكان الوالي يكره سحنون ويدس من يرفع عليه، فقيل له ما بينه وبين عون، وقد أضرّ به سحنون، فطمع أن يجد السبيل بشهادة عون عليه، فأرسل في عون، فسأله عن سحنون وما يتردد عليه من الشكاية به. فقال عون: سبحان الله، مثلي يكشف أو يسأل عن سحنون. والله إن سحنون لأفضل أو أخير من أن يسأل مثلي عنه. فزاده ذلك شرفًا. فاندفعوا عنه. قال ابن وضاح: لو لم يكن له غير هذه، وكان يقول: والله إني لأحب أن ألقى الله وأنا طالب، ويقول الخلائق كلهم أعداء بني آدم، والخلائق وبنو آدم كلهم أعداء المسلمين، وجميعهم أعداء أهل السنة. وكان يعود الأصدقاء، ويتعاهدهم،

стр. 619

ويعود المرضى. قال ابن حارث: نزلت نزلة أحضر لها ابن الأغلب فقهاء القيروان، فتقدم عون فقال له ابن الأغلب: تقدم يا أبا محمد، فلك السبق والجلالة. ألم يقل مالك كذا؟ ألم يقل؟ وهو يقول: نعم. وحكى عون عن أبي محمد الضرير، قال لي جار من الجن جزاه الله عني خيرًا: إني لا أقوم من الليل أقرأ فيسايرني بالقراءة. قال سحنون: وأنا أجد ذلك آخر الليل. قال بعضهم: كان عون شديدًا على أهل البدع، قائمًا بالسنّة. قال سليمان بن سالم: كنت جالسًا عنده إذ جاءه ثلاثة رجال فأخبره أن رجلًا مات عندهم، يقول بخلق القرآن. فقال: إن وجدتم من يكفيكم مؤونته، فلا تقربوه. فسكتوا. ثم سألوه ثلاثًا. قال ذلك، يجيبهم بمثله، فقالوا: لا نجد. قال اذهبوا فواروه من اجل التوحيد وفاته ومات يوم الأحد ثاني جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين ومائتين، قبل وفاة سحنون بنحو عام، على ما قاله العرب. وذكر ابن الجزار وابن يونس، أن وفاته كانت سنة أربعين، قال أبو العرب: ومولده سنة سبع وأربعين ومائة. وقال الآخر سنة خمسين. وأوصى عون ابنه يحيى أن يصلي عليه، فإن سحنون يزعم أني كذاب لم أسمع من ابن وهب. فلما قدم للصلاة، تقدم سحنون ليصلي عليه، فتقدم ابنه يحيى، وقال له أوصى أن لا يصلي عليه غيري، فضرب سحنون رأسه بالسوط وصلى عليه ظهرًا. قال سليمان بن سالم: ابتدأنا القراءة على سحنون يوم مات عون بيسير. فقال

стр. 620

سحنون للقارئ: ما أفهم عنك ما تقرأ انصرفوا. وظهر عليه الحزن، ورأت امرأة بيسير من موته كأن القيامة قامت، وحشر الناس، وقد جيء بثلاثة أفراس بسرجها ولجمها، مكللة بأنواع الجوهر. ويقال: هذه لسليمان المؤذن المقتول غدا، شهيدًا. ثم يؤتى بخمسة وصفها بأحسن من الأولى، فيقال هذه لعون. فأقول: هذا شهيد له ثلاثة، ولعون خمسة، فيقال فضل عليه بالعلم. وأعلمت بذلك عونًا. فبكى وقال: لو أن لي دنيا، تصدقت بها شكرًا لله تعالى، لهذه الرؤيا. وما أملك إلا هذين الثوبين اللذين علي. انتهى النصف الأول من المدارك بعون الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 621

تَرتيبُ المَدَارِكْ وَتقرِيب المَسَالِكْ لِمعْرفَة أعْلَام مَذْهَبْ مَالِك للقاضي عياض القَاضِي أبو الفضل عيَاض بن مُوسى بن عيَاض اليحصبيّ السَّبْتي المتوفى سَنَة ٥٤٤ هـ - ١١٤٩ م تحقيق الدكتور أحمد بكير محمُود الجزء الثالث منشورات دَار مكتَبَة الحيَاة - بَيروتْ دار مكتبة الفكر - طرابلس - ليبيا

стр. 622

ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك

стр. 623

أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي مولى آل جعفر بن أبي طالب. قال ابن أبي دليم رحمه الله تعالى: يقال معاوية ابن أحمد بن عون بن معاوية بن عبد الله بن أبي طالب. ويقال إن عون ابن عبد الله، أودع جارية له مالًا، فجحدته، فأخرجها الى غلام له اسمه صمادح، فقدم بها الى إفريقية وهي حامل من عون، فيما يقال. فقال الناس أبو جعفر على هذا؟ والله أعلم. فاستوطن القيروان. وقال ابن اللباد عن شيوخه: إن معاوية بن عون بن عبد الله بن جعفر قدم على عبد العزيز بن مروان فوصله، واتخذ عنده جارية فأولدها ولدًا، سماه عونًا، فمات. فغيبت المال وتزوجت غلامًا له، يقال له الصمادحي. فقدم بها إفريقية واشترى له غلامًا وصياغًا كثيرة. فعرف بالصمادحي. قال: ويقال إن موسى بن معاوية ابن الفضل بن عون بن عبد الله بن جعفر، رحل موسى من إفريقية في طلب العلم، في رجب سنة أربع وثمانين ومائة، وانصرف الى القيروان سنة تسع وثمانين.

стр. 624

ثناء العلماء عليه وفضله قال أبو العرب: وكان على فقهه مأمونًا عالمًا بالحديث والفقه، كثير الأخذ عن رجاله المدنيين، والكوفيين والبصريين، وغيرهم. سمع من وكيع ابن الجراح، والفضل بن عياض، وعلي بن مهدي، وطبقتهم، وجرير بن عبد الله، وأبي معونة الضرير، وسمع من ابن القاسم وغيره. سمع منه سحنون وعامة أهل إفريقية، وسمع منه ابن وضاح، وأحمد بن يزيد القرشي، وعمي بعد قدومه من المشرق بيسير. ثم أصابه الفالج. قال أبو الحسن الكوفي: لم يكن في إفريقية محدث، إلا موسى بن معاوية، وعباس الفارسي، قال مغيث: قلت لسحنون إن موسى جلس يفتي في الجامع، فقال: ما جلس في الجامع منذ ثلاثين سنة أحق بالفتوى منه. وكان سحنون يجله ويعظمه ويوفي حقه في العلم ويقدمه بين يديه في المجالس. قال: قرأت عن سحنون كنا برابطة المنستير في جماعة فكان موسى أطولهم صلاة وأدومهم عليها. فإذا كانت ليلة سبعة وعشرين من رمضان، طبقها من أولها الى آخرها. فإذا أصبح، قال: توجهوا بنا الى القيروان، فنقول له: أقم نتعبدها هنا. فيقول: كان النبي ﵇ يجهد في العشر الأواخر، فإذا مضت ليلة سبعة وعشرين دبت فيه الفترة. قال سحنون: فلا نجد بدًا من مساعدته. قال ابن أبي دليم: والأغلب عليه الحديث والرواية. وكان من أهل الورع والدين منابيًا لأهل البدع. وذكره بعض، فقال: فيه بعض فقه مع كره الرواية. فقال هذا الصمادحي، عرضت له مسألة في حمار فما عرف ما يجب له حتى استفتى. قال فرات

стр. 625

حضرة الأمير، زيادة الله. سئل الصمادحي، عن عمود في مسجد خرب، أراد تحويله الى الجامع. فقال: لا تحركه من موضعه يحتج له قال أبو الفضل ابن حميد: كنا نسمع من الصمادحي وقد كف فاستسقى فجئنا الى الماجل فإذا فيه ماء قليل، وفأر كبير، فأعلمناه. فقال: اروني منه نشمه، فلم يجد له رائحة. فقال: كيف ترون الماء؟ فقلت: صافيًا. فشرب منه وشربنا، وتوضأ وتوضأنا. وتوفي ليوم الإثنين يقين من ذي القعدة سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائتين، وسنّه خمس وستون سنة. قال ابن سحنون في تاريخه: ويقال أربع وستون. بعد أن أصابه ريح أبطله. فكان كالخشبة الملقاة. مولده فيما ذكر أبو العرب، مولد سحنون: بينهما ليلة. وقيل سنة. وكان موسى إذا رأى تقديم سحنون له، يقول: ما ترك علينا تلك الليلة. يريد أن بسببها. كان يجله سحنون، وأما أبوه معاوية، فله سماع من الثوري وابن أنعم، وحنظلة بن أبي سفيان. وكان معدودًا في شيوخ إفريقية. روى عنه ابنه وسحنون وأبو داود العطار، وكان ثقة ورمي برأي الصفرية، ولعله لا يصح عنه. توفي معاوية والد موسى سنة تسع وتسعين ومائة. بقية أخباره ﵀ ولقي موسى محمد بن الحسن، فلم يأخذ عنه. فسئل عن ذلك، فقال: لو ملأ لي مسجدي هذا ذهبًا ما سمعت منه حرفًا. وذكر أنه بلغه عنه شيء من مخالفة السنة، وامتحنه ابن أبي الجواد قاضي القيروان، وكان معتزليًا،

стр. 626

فسأله عن القرآن. فقال موسى: سمعت فلانًا وفلانًا وذكر جماعة من أهل العلم، يقولون لمن قال القرآن مخلوق فهو كافر. فقال له ابن أبي الجواد: لقد أعمى الله قلبك، كما أعمى بصرك. وكان موسى إذ ذاك قد كفّ بصره. وكان موسى إذا نزل عنده اسماعيل بن رباح الزاهد يستجد له الطعام، فلا يأكل منه إسماعيل شيئًا. فيذهب موسى الى السؤال وأهل الطرق، فإذا رآهم إسماعيل كذلك وقرب إليهم موسى الطعام دنا إسماعيل، فأكل معهم، وألف موسى بن معاوية كتاب الزهد، وكتاب مواعظ الحسن محمد بن رشيد مولى عبد السلام بن مفرج الربعي القائد. وقال المالكي: مولى عمر. كانت رحلته ورحلة سحنون الى الحجاز، والى ابن القاسم واحدة. وكان سماعهما واحدًا. وإنما نابه سحنون برجال الشام. لأنه رحل الى الشام دونه. قال سحنون: كان فقيهًا فهمًا طويل اللسان، حسن البيان، قال غيره: كان من أهل العلم والفقه، ثقة في نقله. قال أبو سعيد يونس: روى عن سفيان بن عيينة وابن القاسم، وابن وهب. قال ابن حارث: كان ذكيًا مصاحبًا لسحنون، عند ابن القاسم، وكان ابن القاسم إذا تكلم في العلم أسرع ابن رشيد الى فهمه، وكان إذا فهم شيئًا رسخ في قلبه. قال أبو العرب وكان أهل الأندلس في أول أمره يسمعون منه. فيأتونه أكثر مما كانوا يأتون سحنون. ثم يرخص في المعاملة بالعينة. فأحبه كثير من من الناس. قال أبو العرب: وأما في نقله العلم، فكان ثقة، وكان أبوه رشيدًا صقليًا، رجلًا صالحًا. فرأى في منامه كأنه أتى مسجد الجامع، فبال في محرابه، فقص رؤياه على البهلول بن راشد. فقال له: يخرج من

стр. 627

صلبك ولد يكون إمامًا. فولد له محمد. وذكر أن الفرج والد اصبغ رأى مثلها قال ابن حبيب: لما مات ابن رشيد، كره سحنون أن ينظر في تركته، وأمرني وأيوب فيها. فمات محمد وسحنون قاض، فيما قاله أبو العرب. وذكر ابن الجزار أنه توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين. وغلط ابن حارث هذا القول ولم يسم قائله. قال: والصواب ما رواه أبو العرب. وقال ابن يونس توفي سنة اثنتين ومائتين، وصوب المالكي هذا. وخطأ ما قاله أبو العرب، وابن حارث. والله أعلم وهو الموفق للصواب لا ربّ غيره ولا معبود سواه. حماد بن يحيى أبو يحيى السجلماسي عداده في أهل القيروان. سمع عبد الله بن بكر السهمي وابن الماجشون. وهو أول من قدم بفقه ابن الماجشون القيروان. قال محمد بن أحمد بن تميم: وقد سمع من سحنون، وكان شيخًا صالحًا تاجرًا. وكان في كتبه تصحيف كثير، لم يكن يقوم بها. سمع منه عامة أصحاب سحنون، وكان له ابن ابنه حسن، روى عن أبيه، مات قديمًا. سمع منه ابن بسطام. زيد بن بشر بن زيد بن عبد الرحمن الأزدي صليد أم ابنه، مولده لبني سريح الحضرمي، يجري على أبيه العتق من قبلها. فكان زيد يقر بولائهم، مع صحة نسبه في الأزد. قال الكندي: هذا، ويكنى أبا البشر. أصله من أهل مصر، وعداده في أهل تونس، وبها نزل. قال أبو العرب: وقدم أولًا القيروان، في قضاء سحنون. فأتاه فسلم عليه، ثم لحق بتونس. وكان فقيهًا ثقة مأمونًا أديبًا مصونًا.

стр. 628

سمع زيد بن بشر، من ابن القاسم ومن وهب وأشهب وضمام بن إسماعيل، ويحيى بن سليمان الطائفي، وبشر بن بكر وغيرهم. قال أبو بكر المالكي: كان رجلًا كريم النفس، كثير التواضع، حسن الأدب، وعدّه ابن سفيان فيمن لقي مالكًا. ولا أراه يصح ذلك. قال الكندي: كان في حجر ابن لهيعة، ولم يسمع منه شيئًا. قال: وكان فقيهًا من أكابر أصحاب ابن وهب، وعدّه الشيرازي في فقهاء هذه الطبقة. قال ابن وضاح: وكان ثقة الثقات. ذكر جمل من أخباره وفضائله والذي أخرجه الناس حتى سمعوا منه وعرفوا مكانه، محمد بن وضاح. وقال: قال لي سحنون، في زيد بن بشر: تؤجر فيه. وكان من أكرم الناس. انصرف ليلة من الجامع بتونس فانقطع شسع نعله، فوثب إليه حائك من دكان حانوته، فأعطاه شسعًا. فأصلح نعله ونظر في وجه الحائك، الى قنديل معه ليعرفه فيكافيه، فكان بعد ذلك كلما مرّ الى الجامع في جماعة أو منفردًا، مال الى الحائك وسأله عن حاله وسلم وشكر الفعلة. وقيل بل دخل الحمام سحرًا وفيه زحمة. فقام له رجل فأجلسه في موضعه. فنظر وجهه الى القنديل، فسأله الرجل عن ذلك. فقال أريد مكافأتك. قال ابن أخي هشام: كان طريق زيد بتونس الى الجامع على الحواريين، فأقبل يومًا على الطلبة إذا شاب من الحواريين، قام على دكانه وقال لجاره: ما رأيت أوحش من هذا الشيخ، ولا أوحش لباسًا منه. وكان زيد يلبس المفرح فنكس زيد رأسه، فلما انصرف من الجامع عاوده الفتى، بقبح. فلم يلتفت إليه زيد، وهمّ طلبته بضرب الفتى، فبلغ ذلك زيدًا فسألهم عن ذلك. فقالوا: هو كما بلغك أصلحك الله لاستخفافه بحقك، واستهانته علمك. فقال لهم:

стр. 629

أعطي لله عهدًا، لئن تقدم إليه أحد، لا نعينه، ولا وطئ لي بساطًا. أنا أصلح شأنه. وصرّ في صرة عشرة دراهم، وجعلها في جيبه، واستعمل لفرد نعل قبالًا واهيًا، ثم توجه الى الجامع، فلما مر بالشاب قام لعادته وتكلم بقبيح كلام. فلما حاذاه الشيخ اتكأ على نعله فقطع القبال. ثم مال الى الشاب فسلّم عليه، وقال: أي بني لعل عندك قبالًا، فأعطاه قبالًا. فأدخل زيد يده فأخرج الصرة من جيبه ودفعها له. فقال الشاب ما هذا؟ فقال زيد: صنعت لنا قبالًا، فكافيناه، ولك عندنا أمثالها. وسار الى الجامع. فلما كان انصرافه منه، مرّ بالشاب. فقام على قدميه، وقال: الحمد لله الذي خصّ بلدنا بهذا الشيخ الفاضل. اللهم ابقه لنا واحرزه على المسلمين. فلقد انتفع به شبابنا وحظي به شيوخنا. فقال له جار له: ما هذا؟ فقال له الشاب: اسكت، إنه أعطاني عشرة دراهم على إصلاح قباله. فليت له بهذه أخر. وكان سبب خروجه من مصر، الفرار من المحنة في العراق، بعد أن منع من السماع. فخرج سنة اثنتين وثلاثين ومائتين حين ولاية أبي بكر الأصم، ولي قضاء مصر وأخذ الناس بالمحنة. فاختفى زيد في بيته ثم خرج فارًّا. قال ابن سالم: لقيت بالمدينة محمد بن مالك بن أنس، فقلت له: حدثني عن أبيك. فقال: ما أحفظ شيئًا. فقلت له: تذكر. فقال: سمعته يقول: أدركت بمسجد النبي ﷺ تقوم فيه طائفة من الناس الى ثلث الليل، ثم تذهب وتأتي أخرى، فتقوم الى الصبح، ثم أخرى قبل هذه تقوم ثلث الليل الآخر. قال زيد: استفتاني رجل في مسألة فأفتيته بقول مالك، ثم أدركني ندم، فقلت: تركت مذهب من هو خير من مالك، زيد بن ثابت وأصابني شيء فغلبني النوم، فرأيت كأني في ظلمة إذ سقيت.

стр. 630

فبينما أنا أهوي، إذ لقيتني جارية والتقتني بكفها. فقلت: من أنت؟ قالت: بنت مالك بن أنس. فانتبهت من رطوبة كفها. قال سليمان ابن سالم: كنت عند زيد بن بشر، فسأله سائل عن رجل صلى الظهر، فتذكر في الرابعة سجدة لا يدري من أين هي، فقال له: تأتي بركعة بسجدتيها، وتسجد لسهوة. قال: قال سليمان: فرآني تحركت. فقال: ما بك أصلحك الله؟ أثمّ جواب عن هذا، ثم قال: لعلك تريد جواب ابن القاسم يسجد الآن سجدة بتحرى أن يكون من هذه، ثم تأتي بركعة. قلت: نعم. فقال لي: إني رأيت السائل لا يفطن لمثل هذا. فأتيته بقول أشهب. وتوفي بتونس سنة اثنتين وأربعين ومائتين فيما قاله أبو العرب. وقال الكندي سنة أربعين. شجرة بن عيسى المعافري أبو شجرة ويقال أبو زيد، أصله من المغرب سمع ابن زياد وابن أشرس ومن أبي كريمة، وأبيه عيسى. وعداده في أهل تونس. وأبوه عيسى ممن روى عن مالك والليث، وابن لهيعة. وأصله أندلسي. نزل بتونس. قاله الأصيلي عن الابياني. وولي شجرة قضاء تونس أيام سحنون وقبله. قال سحنون: ما رأيت من قضاة البلدان إلا شجرة وشرحبيل قاضي طرابلس. وأخذ عن شجرة جماعة من أصحاب سحنون وغيرهم. وزعم بعضهم أنه ممن سمع من مالك. وسماه شجرة بن عيسى القيرواني. فلعله آخر، والله أعلم. قال أبو العرب: وكان شجرة من خير الفضلاء، وأعلمهم، ثقة عدلًا مأمونًا وكان يلبس الثياب الخشنة ويخضب لحيته ويركب الفرس العاري، ويجيد

стр. 631

الركوب. وكان كثير المعروف والفضائل وله كتاب في مسائله لسحنون. وعمّر حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. مولده سنة تسع وستين ومائة، وابنه، أبو شجرة عمر. وابن شجرة ولي قضاء تونس. وكان صالحًا ثقة. روى عنه يحيى بن عمر، وقيل ابن قاده: سنة إحدى وثمانين ومائتين في ثورة أهل الأندلس، على ابراهيم بن أحمد، بعد أن حبس. ذكر ابن كدنه أن شجرة خرج يومًا للسماع، فنظر في الناس ولده، فلم يره. فأمر داحة ابنته، أن تحركه للسماع، فمضت ثم رجعت وهو نائم، وكرهت أن تنبهه من نومه فأنشد شجرة يقول: شرب العشي ويوم بالعدوات … موكلان بأخلاق المروءات لا خير فيمن حوت كفاه مكرمة … فباعها بغنا أو بلذات ثم قال: اقرأوا رحمكم الله: اللهم لا تفتنا، وعافنا من الغفلات. قال ذلك بيدك. دحنون بن راشد كان من أصحاب البهلول بن راشد. وكان ثقة من شيوخ إفريقية. أبو سنان زيد بن سنان الأسدي قال أبو العرب: كان ثقة. وكان سعيد بن الحداد وسعيد بن إسحق وأحمد بن يزيد يذكرونه بخير كثير. وكان سعيد بن إسحق، يذكر فضله وفقهه. وسمع عبد الرحمن بن القاسم. وكان ابن القاسم قد كتب إليه من

стр. 632

مصر أيضًا كتابًا. وسمع سفيان بن عيينة وأبا ضمرة وبهلول بن راشد. ولقي عبد الله بن عبد الحكم، وعنده نزل بمصر، وأدرك أبا معمر صاحب أنس بن مالك، ولم يسمع منه، ولم يسمع من سفيان غير أربعة أحاديث، فيما ذكر. سمع منه أبو عثمان بن الحداد، وسعيد بن إسحق، وسليمان بن سالم وغيرهم. وكان يفتي بالقيروان مع سحنون في أيام قضائه. قال ابن الحداد: ما سمعت الدنيا قط تذكر عنده. وكان خياطًا. وكان يحمل خبزه الى الفرن على يده، ولا يترك طلبته يحملونه تواضعًا. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا نبيهًا مأمونًا، فقيهًا. قال بعضهم: رأيت البهلول بن راشد في النوم. فقال: جزى الله عني أبا سنان خيرًا، فأخبرت بذلك أبا سنان، فقال: رحم الله معلمي، وجزاه خيرًا. قال أبو سنان: رأيت عبد الرحمن ابن القاسم مكفنًا في النوم، فرفعته في حجري، فرجع فيه الروح، فأخبرت بذلك أسد بن الفرات. فقال لي: سترجع الى علمه. قال عيسى بن مسكين: أتى أبو سنان الى مسجد سفيان بن عيينة، فلم يجده حينئذ ووجد أخاه ابراهيم. فقال له: هلم أحدثك يا مغربي. فقال له أبو سنان: إذًا آن من الأمور أمور نحسات. التقدم عليها هلكة والتأخر عنها هلكة. وقد ولي هذا الرجل القضاء، وقد كان يكره فتيانًا قبل أن يصير الى هذا الأمر فأحب أن أسأله إن كان يروي الفتيا على نحو ما كنت أفتي، فعلت. وإن رأى غيره لتركت. فمضى الى سحنون فأخبره. فجعل يقول: كيف قال الخياط؟ من الأمور أمور نحسات، التقدم عنها هلكة، والتأخر عنها هلكة. ثم قال: نعم. مروه يفتي على نحو ما كان. قال سليمان بن سالم: قال لي أبو سنان: إذا كان طالب العلم لا يتعلم أو قبل أن يتعلم مسألة في

стр. 633

الدين، يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح. وكان لا يتكلم أحد في مجلسه بعينه في أحد. فإذا تكلم بذلك نهاه وأسكته. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين. مولده سنة خمس وخمسين ومائة. قاله أبو العرب. ودفن بالقيروان وقال ابن يونس المصري: توفي في سوسة والله أعلم. من أهل الأندلس عبد الرحمن بن دينار ذكر الرازي في كتاب الاستيعاب، في أنساب الأندلس. قال: أخبرنا دينار بن واقد الغافقي، أبو أمية، غلبت عليه كنيته. وكان عالمًا زاهدًا. وذكر عبد الرحمن، فقال: كان فقيهًا عالمًا حافظًا يكنى أبا زيد شدور بقرطبة. قال في كتاب آخر: وكانت له رحلات استوطن في إحداها المدينة، وهو الذي أدخل الكتب المعروفة بالمدينة. سمعها منه أخوه عيسى، ثم خرج بها عيسى فعرضها على ابن القاسم. قال: وكان عبد الرحمن، قد أخذه بالأندلس عن محمد بن يحيى السماني، ومن الصغير. ويروي عن محمد بن إبراهيم بن دينار المدني، وغيره. وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من المحرم سنة إحدى ومائتين، ومولده سنة ستين ومائة وكان هو وأخوه يتواليان الى يزيد العتبي، وذكر أن أصلهم من طليطلة. وبنو دينار معروفون بالعلم. قال غيره: هو عبد الرحمن بن دينار بن واقد ورجا بن عامر بن مالك الغافقي وذكر أنه لما لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه. وعرض عليه المدونة وضمنها أشياء من رأيه، وكان من الحفاظ المتقدمين، والخيار الصالحين. استوطن قرطبة.

стр. 634

عيسى بن دينار وأخوه قال ابن الفرضي: سكن قرطبة، ويكنى أبا محمد، ورحل فسمع ابن القاسم وصحبه وعول عليه، وانصرف الى الأندلس. وكانت الفتيا تدور عليه. لا يتقدمه في وقته أحد بقرطبة. وكانت له بها رئاسة. وذلك بعد انصرافه من المشرق. وقال ابن أبي دليم: كان ابن القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع. وكان لا يعد في الأندلس أفقه منه في نظرائه. وقال الرازي: كان عيسى عالمًا زاهدًا مفتيًا. حج حجات. وولي قضاء طليطلة للحكم والشورى بقرطبة. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: كان عيسى عالمًا مفتيًا. وهو الذي علم أهل مصرنا المسائل. وكان أفقه من يحيى بن يحيى على جلالة قدر يحيى. وقال ابن مزين وابن لبابه: فقيه الأندلس عيسى. قال أبو عمر الصدفي: هو من أهل الفضل والفقه التام. قال ابن حارث: كان عيسى فقيهًا بارعًا غير مدافع، ومن مقدمي العلماء بالأندلس. خيرًا فاضلًا عابدًا ناسكًا ورعًا من أهل العلم والورع الحسبة. قال أصبغ بن خليل: كان مجاب الدعوة. مضت له أعوام صلى فيها الصبح بوضوء العتمة. يقول: وما قاله مخبرًا: والله الذي لا إله إلا هو، ما كتب بيني وبين مخلوق ذنب، في ظلم، أو سئل عليه هوى أو اعتقاد سوء. منذ ألبسني الله العلم عن تعمده. قال أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم: خرجت الى المشرق، ومعي كتاب البيوع من سماع عيسى، فأريته ابن الماجشون، وقرأته عليه فصلًا، فصلًا. فكان لا يمر بفصل إلا قال: أحسن والله عيسى. هذا،

стр. 635

وقوله من سماع عيسى، وهم. فليس في سماع عيسى كتاب بيوع معينة، ولا غيرها. وإنما هو مختلط. وإنما كتاب البيوع من تأليف عيسى من كتاب الهدية. وهو الذي يدل عليه ثناء عبد الملك، إذ إنما بنى على فقهه، وبالغه لأسماعه. وقال الشيرازي عنه: إنه صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة. وسمعه ابن القاسم عند انصرافه عنه، بثلاثة فراسخ فعوتب على ذلك. فقال: يلومونني أن سمعت رجلًا لم يخلف بعده أفقه منه، ولا أورع ووصاه ابن القاسم عند ذلك. وقال له: عليك بأعظم مدائن الأندلس، فأنزلها. ولا تنزل منزلًا يضيع فيه ما حملت من العلم. وقال ابن القاسم: أتانا عيسى، فسألنا سؤال عالم. قال أصبغ بن خليل: وهو أول من أدخل الأندلس رأي ابن القاسم. قال غيره: وكان أكبر الفقهاء بالأندلس، قبل رحلته على أخيه عبد الرحمن. قال ابن الفرضي: وكان عيسى عابدًا فاضلًا ورعًا. كانوا يرون أنه مستجاب الدعوة. وكان يبلغ بلده طليطلة بها توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وقبره هناك مشهور. وقال غيره: توفي منصرفه عن طليطلة، وكان لحقته محنة الهيج ومبتدأ فتنة الربض بقرطبة. ففر واستخفى، الى أن أمنه الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية. وامتحن أيضًا أول وصوله من الشرق الى بلده طليطلة بميل الناس إليه حتى شرف مكانه القاضي والوالي. وكتب الى الأمير عنده رجل يعرف بابن دينار ورفعوا علي. فوجه الأمير الحكم فيه، وسجن بقرطبة نحو عام، الى أن علم الأمير به، أنه عيسى، ومكانه من الناس باختلاف أهل العلم للسجن، فأطلقه وأحضره واعتذر إليه. فقال عيسى: هذا ذنب عجلت عقوبته لي، وأخبره بوصية ابن القاسم له ونهيه إياه عن سكنى طليطلة، لما
следующие страницы →