← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الركوب. وكان كثير المعروف والفضائل وله كتاب في مسائله لسحنون. وعمّر حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. مولده سنة تسع وستين ومائة، وابنه، أبو شجرة عمر. وابن شجرة ولي قضاء تونس. وكان صالحًا ثقة. روى عنه يحيى بن عمر، وقيل ابن قاده: سنة إحدى وثمانين ومائتين في ثورة أهل الأندلس، على ابراهيم بن أحمد، بعد أن حبس. ذكر ابن كدنه أن شجرة خرج يومًا للسماع، فنظر في الناس ولده، فلم يره. فأمر داحة ابنته، أن تحركه للسماع، فمضت ثم رجعت وهو نائم، وكرهت أن تنبهه من نومه فأنشد شجرة يقول: شرب العشي ويوم بالعدوات … موكلان بأخلاق المروءات لا خير فيمن حوت كفاه مكرمة … فباعها بغنا أو بلذات ثم قال: اقرأوا رحمكم الله: اللهم لا تفتنا، وعافنا من الغفلات. قال ذلك بيدك. دحنون بن راشد كان من أصحاب البهلول بن راشد. وكان ثقة من شيوخ إفريقية. أبو سنان زيد بن سنان الأسدي قال أبو العرب: كان ثقة. وكان سعيد بن الحداد وسعيد بن إسحق وأحمد بن يزيد يذكرونه بخير كثير. وكان سعيد بن إسحق، يذكر فضله وفقهه. وسمع عبد الرحمن بن القاسم. وكان ابن القاسم قد كتب إليه من

стр. 632

مصر أيضًا كتابًا. وسمع سفيان بن عيينة وأبا ضمرة وبهلول بن راشد. ولقي عبد الله بن عبد الحكم، وعنده نزل بمصر، وأدرك أبا معمر صاحب أنس بن مالك، ولم يسمع منه، ولم يسمع من سفيان غير أربعة أحاديث، فيما ذكر. سمع منه أبو عثمان بن الحداد، وسعيد بن إسحق، وسليمان بن سالم وغيرهم. وكان يفتي بالقيروان مع سحنون في أيام قضائه. قال ابن الحداد: ما سمعت الدنيا قط تذكر عنده. وكان خياطًا. وكان يحمل خبزه الى الفرن على يده، ولا يترك طلبته يحملونه تواضعًا. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا نبيهًا مأمونًا، فقيهًا. قال بعضهم: رأيت البهلول بن راشد في النوم. فقال: جزى الله عني أبا سنان خيرًا، فأخبرت بذلك أبا سنان، فقال: رحم الله معلمي، وجزاه خيرًا. قال أبو سنان: رأيت عبد الرحمن ابن القاسم مكفنًا في النوم، فرفعته في حجري، فرجع فيه الروح، فأخبرت بذلك أسد بن الفرات. فقال لي: سترجع الى علمه. قال عيسى بن مسكين: أتى أبو سنان الى مسجد سفيان بن عيينة، فلم يجده حينئذ ووجد أخاه ابراهيم. فقال له: هلم أحدثك يا مغربي. فقال له أبو سنان: إذًا آن من الأمور أمور نحسات. التقدم عليها هلكة والتأخر عنها هلكة. وقد ولي هذا الرجل القضاء، وقد كان يكره فتيانًا قبل أن يصير الى هذا الأمر فأحب أن أسأله إن كان يروي الفتيا على نحو ما كنت أفتي، فعلت. وإن رأى غيره لتركت. فمضى الى سحنون فأخبره. فجعل يقول: كيف قال الخياط؟ من الأمور أمور نحسات، التقدم عنها هلكة، والتأخر عنها هلكة. ثم قال: نعم. مروه يفتي على نحو ما كان. قال سليمان بن سالم: قال لي أبو سنان: إذا كان طالب العلم لا يتعلم أو قبل أن يتعلم مسألة في

стр. 633

الدين، يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح. وكان لا يتكلم أحد في مجلسه بعينه في أحد. فإذا تكلم بذلك نهاه وأسكته. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين. مولده سنة خمس وخمسين ومائة. قاله أبو العرب. ودفن بالقيروان وقال ابن يونس المصري: توفي في سوسة والله أعلم. من أهل الأندلس عبد الرحمن بن دينار ذكر الرازي في كتاب الاستيعاب، في أنساب الأندلس. قال: أخبرنا دينار بن واقد الغافقي، أبو أمية، غلبت عليه كنيته. وكان عالمًا زاهدًا. وذكر عبد الرحمن، فقال: كان فقيهًا عالمًا حافظًا يكنى أبا زيد شدور بقرطبة. قال في كتاب آخر: وكانت له رحلات استوطن في إحداها المدينة، وهو الذي أدخل الكتب المعروفة بالمدينة. سمعها منه أخوه عيسى، ثم خرج بها عيسى فعرضها على ابن القاسم. قال: وكان عبد الرحمن، قد أخذه بالأندلس عن محمد بن يحيى السماني، ومن الصغير. ويروي عن محمد بن إبراهيم بن دينار المدني، وغيره. وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من المحرم سنة إحدى ومائتين، ومولده سنة ستين ومائة وكان هو وأخوه يتواليان الى يزيد العتبي، وذكر أن أصلهم من طليطلة. وبنو دينار معروفون بالعلم. قال غيره: هو عبد الرحمن بن دينار بن واقد ورجا بن عامر بن مالك الغافقي وذكر أنه لما لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه. وعرض عليه المدونة وضمنها أشياء من رأيه، وكان من الحفاظ المتقدمين، والخيار الصالحين. استوطن قرطبة.

стр. 634

عيسى بن دينار وأخوه قال ابن الفرضي: سكن قرطبة، ويكنى أبا محمد، ورحل فسمع ابن القاسم وصحبه وعول عليه، وانصرف الى الأندلس. وكانت الفتيا تدور عليه. لا يتقدمه في وقته أحد بقرطبة. وكانت له بها رئاسة. وذلك بعد انصرافه من المشرق. وقال ابن أبي دليم: كان ابن القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع. وكان لا يعد في الأندلس أفقه منه في نظرائه. وقال الرازي: كان عيسى عالمًا زاهدًا مفتيًا. حج حجات. وولي قضاء طليطلة للحكم والشورى بقرطبة. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: كان عيسى عالمًا مفتيًا. وهو الذي علم أهل مصرنا المسائل. وكان أفقه من يحيى بن يحيى على جلالة قدر يحيى. وقال ابن مزين وابن لبابه: فقيه الأندلس عيسى. قال أبو عمر الصدفي: هو من أهل الفضل والفقه التام. قال ابن حارث: كان عيسى فقيهًا بارعًا غير مدافع، ومن مقدمي العلماء بالأندلس. خيرًا فاضلًا عابدًا ناسكًا ورعًا من أهل العلم والورع الحسبة. قال أصبغ بن خليل: كان مجاب الدعوة. مضت له أعوام صلى فيها الصبح بوضوء العتمة. يقول: وما قاله مخبرًا: والله الذي لا إله إلا هو، ما كتب بيني وبين مخلوق ذنب، في ظلم، أو سئل عليه هوى أو اعتقاد سوء. منذ ألبسني الله العلم عن تعمده. قال أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم: خرجت الى المشرق، ومعي كتاب البيوع من سماع عيسى، فأريته ابن الماجشون، وقرأته عليه فصلًا، فصلًا. فكان لا يمر بفصل إلا قال: أحسن والله عيسى. هذا،

стр. 635

وقوله من سماع عيسى، وهم. فليس في سماع عيسى كتاب بيوع معينة، ولا غيرها. وإنما هو مختلط. وإنما كتاب البيوع من تأليف عيسى من كتاب الهدية. وهو الذي يدل عليه ثناء عبد الملك، إذ إنما بنى على فقهه، وبالغه لأسماعه. وقال الشيرازي عنه: إنه صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة. وسمعه ابن القاسم عند انصرافه عنه، بثلاثة فراسخ فعوتب على ذلك. فقال: يلومونني أن سمعت رجلًا لم يخلف بعده أفقه منه، ولا أورع ووصاه ابن القاسم عند ذلك. وقال له: عليك بأعظم مدائن الأندلس، فأنزلها. ولا تنزل منزلًا يضيع فيه ما حملت من العلم. وقال ابن القاسم: أتانا عيسى، فسألنا سؤال عالم. قال أصبغ بن خليل: وهو أول من أدخل الأندلس رأي ابن القاسم. قال غيره: وكان أكبر الفقهاء بالأندلس، قبل رحلته على أخيه عبد الرحمن. قال ابن الفرضي: وكان عيسى عابدًا فاضلًا ورعًا. كانوا يرون أنه مستجاب الدعوة. وكان يبلغ بلده طليطلة بها توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وقبره هناك مشهور. وقال غيره: توفي منصرفه عن طليطلة، وكان لحقته محنة الهيج ومبتدأ فتنة الربض بقرطبة. ففر واستخفى، الى أن أمنه الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية. وامتحن أيضًا أول وصوله من الشرق الى بلده طليطلة بميل الناس إليه حتى شرف مكانه القاضي والوالي. وكتب الى الأمير عنده رجل يعرف بابن دينار ورفعوا علي. فوجه الأمير الحكم فيه، وسجن بقرطبة نحو عام، الى أن علم الأمير به، أنه عيسى، ومكانه من الناس باختلاف أهل العلم للسجن، فأطلقه وأحضره واعتذر إليه. فقال عيسى: هذا ذنب عجلت عقوبته لي، وأخبره بوصية ابن القاسم له ونهيه إياه عن سكنى طليطلة، لما

стр. 636

وصفها له، وأنه أمره أن يسكن دار السلطان، فلم يأخذ بوصيته. فعوقب بسكنى قرطبة، وأغرب أهل تاريخ الأندلس وهو عبد الملك بن عبد البر في شأن عيسى، بأن جعله رحل الى مالك وعده مع زياد ويحيى بن مضر وقرعوس بن العباس، قال: فأما زياد فسمع منه الموطأ، وأما يحيى وعيسى وقرعوس فلم يبلغنا أنهم سمعوا منه الموطأ. ولا ندري ما الذي منعهم منه، إلا أن نظن أن لقاهم كان قبل تكلمه وتخرجه فانصرفوا كلهم إلا عيسى، فإنه بقي بعدهم بالمشرق، ولزم عبد الرحمن بن القاسم، فأخذ عنه سماعه في الرأي عن مالك. فجمع علمًا عظيمًا. ثم قال: فانتشر به وبيحيى علم مالك بالأندلس، ورجعت الفتيا بالأندلس الى رأيه. قال القاضي أبو الفضل ﵀. لم يذكر أحد من أصحاب علم الرجال والأثر سماعًا لعيسى بن مالك. ولا أثبتوه. ولا روى أحد الفقهاء وعلماء الرأي والمسائل له مقالًا، عن مالك. ولا رفعوا له عنه فتيا. وعيسى في شهرته لا يخفى مثل هذا من فضائله. ويعد أول مناقبه، كما عد لغيره ممن شهد له، كشهرته. وقد ذكرنا في خبر يحيى بن مضر وقرعوس غير ما ذكر من دوامهما للموطأ عن مالك، ولا شك أن رحلته مع أولئك الأكابر، ولم يدر ما الذي منعه من سماع الموطأ. ويتم كله، فقد ذكر أبو محمد بن حزم، أن رحلة عيسى كانت في حدود سبعين ومائة. هذا بعد موت مالك بنحو عشر سنين. ويصح هذا، لأنه لم يرو عن أحد من أكابر أصحاب مالك. الذين ماتوا في هذه المدة، كالمغيرة وابن أبي حازم وابن نافع، وابن الصائغ وغيرهم. إنما روى أقوالهم عن أخيه عبد الرحمن. وكانت رحلة أخيه أيضًا بعد موت مالك. قال ابن حارث: رحل عيسى وأصحاب مالك متوافرون، ابن القاسم وابن

стр. 637

وهب وأشهب. سمع من ابن القاسم، واقتصر عليه، واعتلت في اللفظ طبقته. وكان من أهل الزهد البائس، والدين الكامل، قالوا: في العلم البارع والفضل الكامل، مشهور، مع قوته في الفقه لمالك، وأصحابه. فلقد كان ابن وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه. قال ابن وضاح: حضر عيسى ويحيى جنازة. فلما صلى عليها أقبل الناس على عيسى وحفوا به. قال له يحيى: ما أشك أن الذي ألقى الله لك في قلوب الناس لخيبة صالحة. قال أصبغ بن خليل، كان يقرأ على عيسى فإذا مرّ بذكر الجنة والنار لم ننتفع به يومنا. وكان ذا هبة حسنة وعقل رزين، ومذهب جميل، ولما أصلح سحنون على ابن القاسم، كتاب أسد، وكان عيسى قد أتى بها وحضر سؤال أسد لابن القاسم، فكتب عيسى الى ابن القاسم في رجوعه عن ما رجع عنه من ذلك فيما بلغه. وسأله أعلامه فكتب إليه ابن القاسم: اعرضه على عقلك فما رأيت حسنًا، فأمضه. وما أنكرت فدعه. وهذا يدل على ثقة ابن القاسم بفقهه. وذكر ابن لبابة، عن ابن بن عيسى، أن أباه أجمع في آخر عمره على ترك الفتيا بالرأي، والاعتماد على مقتضى الأثر، فأعجلته المنية، ولعيسى سماع من ابن القاسم عشرون كتابًا. وله تأليف في الفقه يسمى كتاب الهدية، الى بعض الأمراء. عشرة أجزاء. قال ابن عتاب: وله كتاب الجدار. وله تأليف آخر حسن أيضًا، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين وخلف أولادً فقهاء يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى. ومن غريب خبره وكرامته أنه ذكر أنه سئل في مرضه وحضور موته، من يصلي عليه. فقال: ابني. فلما مات وحملت جنازته وكان ابنه مسافرًا، فلما وضعت التمسوا من يصلي عليه، فإذا رجل راكب على حمار مقبلًا نحو الجنازة،

стр. 638

فنزل وصلى عليها فإذا هو ابنه. وقد ذكرت هذه الحكاية أيضًا لابراهيم بن باز والله أعلم. عبد الله بن زونان هو عبد الملك بن الحسن، بن محمد بن يونس، بن عبيد الله بن أبي رافع. مولى رسول الله ﷺ . من أهل قرطبة. يكنى أبا مروان. وقيل أبا الحسن. ويعرف بزونان. بضم الزاي بعد الواو نون. قال ابن الخيري: ويقال في اسم جده زريق. بتقديم الراق وتأخيرها سمع من صعصعة بن سلام، ورحل فسمع من أشهب وابن القاسم. وابن وهب وغيرهم من المدنيين. وهو أقدم هؤلاء كلهم طبقة. وأولهم في الظهور في العلم والفتيا. أفتى في أيام هشام بن عبد الرحمن مع يحيى بن يحيى، قال ابن الفرضي: كان يذهب أولًا مذهب الأوزاعي، ثم رجع الى مذهب مالك. وكان الأغلب عليه الفقه. ولم يكن من أهل الحديث. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا فاضلًا، ورعًا. أدخل العتبي سماعه في المستخرجة. وزعم الرازي أنه لقي مالكًا. ولم يذكر هذا غيره، من أهل علم الحديث الرحال الجامعين لرواية مالك من أهل الأندلس وغيرهم. ولا أراه يصح. ولم يرو الفقهاء عنه مسألة واحدة. قال أبو عمر الهدني: له فضل وخير، ومذهب جميل جدًا. من طبقة يحيى بن سعيد بن حسان، وعليهم كان مدار الفتيا. قال الخيري: كان فقيهًا زاهدًا. قال ابن حارث: كان فاضلًا. وكان الزهد غلب عليه. وكتب لقاضي قرطبة إبراهيم بن العباس بن أبي يحيى بن يحيى. وولي قضاء طليطلة. وكان يحيى بن يحيى معجبًا من كلام زونان، أنه قال يا أبا محمد:

стр. 639

ما أشقى من لم تسعه ﵀، التي وسعت كل شيء. وضاقت عليه الجنة التي عرضها السموات والأرض. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي. وقال غيره سنة أربع وثلاثين. والله أعلم. سعيد بن حسان الصائغ مولى الأمير الحكم بن هشام من أهل قرطبة. يكنى أبا عثمان. رحل الى المشرق سنة سبع وسبعين ومائة. فروى عن عبد الله بن نافع الزهري وعبد الله بن عبد الحكم، وأشهب بن عبد العزيز، ومنه استكثر. سمع منه سماعه من مالك، وكتب رأيه. وعن ذلك. وانصرف الى الأندلس، سنة أربع ومائتين. قال ابن أبي دليم، وابن حارث: لم يكن في زمانه أروع منه. قال ابن حارث: حتى يقال إنه مجاب الدعوة. لفضله واجتهاده، قال ابن وضاح: رويت عنه مسائل، وهو ثقة. قال ابن الفرضي: وكان فقيهًا في المسائل زاهدًا فاضلًا حافظًا. مشاورًا مع يحيى بن يحيى، وطبقته. وكان منقطعًا الى مواخاة يحيى آخذًا بهديه معظمًا له. لم يخالفه في شيء يراه. وكان الأغلب عليه حفظ رأي أشهب وفقهه. وروايته عن مالك. حدث عنه ابن باز وغيره. ذكر ابن حارث: إن سعيد بن حسان، لقي قاضي قرطبة سعيد بن سليمان الغافقي، وكان ابن حسان منقبضًا عنه، فقال له القاضي، أبا عثمان: ما لك تنقبض عني، ولا تأتيني؟ فوالله ما أريد إلا الحق، ولا أقصد غيره. فقال سعيد بن حسان: والله لو علمت هذا ما قعدت عنك، ولحملت هذه الخريطة بين يديك. قال ابن زونان: كنت أعرض على سحنون مرة في حاشية في جانب كتابي. أخبرني سعيد بن حسان عن أصبغ. فقال: يكذب سعيد بن حسان إنا لا نعرف بالأندلس إلا يحيى

стр. 640

بن يحيى، وسعيد بن حسان وغيره حطب النار. وأتاه نصر الفتى يومًا، فوجده يصلي متنفلًا يطول صلاته. فانصرف نصر مغضبًا يتوعده. فلما أكمل صلاته، كلِّم في ذلك. فقال: كنا بين يدي الله نناجيه. وسيكفينا أمره من كنا بين يديه. ما كنا لننصرف لنصر، وندع ما كان أولى منا. ودخل سعيد بن حسان على يحيى بن يحيى، فتعجل له الإذن، وكانت زوجة يحيى حاضرة. فدخلت جنبة البيت، وتركت نعلها في البيت، وكان مفصصة بالدر والياقوت. كانت من المياسير فلما رآهما سعيد أنكر ذلك جدًا. ووبخه، وقال له: هذا من السرف الذي يسأل عنه. وكان متورعًا في فتياه. توفي سنة ست وثلاثين بعد يحيى بعامين وسيأتي ذكر ابنه إن شاء الله. حارث بن أبي سعيد مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية قال القاضي ابن الفرضي يكنى أبا عمرو. واسم أبي سعد، سابق. رحل فسمع من ابن القاسم، وابن كنانة وغيرهما من المدنيين، والمصريين. كان يفتي في آخر أيام الحكم بن هشام، وهو جد بني حارث بقرطبة. وولي الشرطة الصغرى. وهو أول من وليها بالأندلس، فلم يزل عليها الى أن توفي. فقال ابن أبي دليم: وعليه دارت الفتيا في عصره. قال أحمد بن سعيد: هو من أهل العلم والفتيا. قال ابن حارث واستفتاه ابن بشر. وتوفي حارث سنة اثنتين وعشرين ومائتين فيما قاله أحمد بن عبد البر. وأما ابن حارث فقال: سنة إحدى وعشرين. وسيأتي ذكر ابنه، إن شاء الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 641

حاتم بن سليمان بن أبي يوسف بن أبي مسلم الزهري قرطبي. رحل مع الأعشى وحارث بن أبي سعد. فسمع من ابن كنانة وغيره من المدنيين والمصريين. قال ابن أبي دليم: وجل روايته عن ابن كنانة. وكان ابن كنانة يصفه بالفقه ويثني عليه وكان ذا زهد وفضل وورع. قال ابن الفرضي وكان فقيهًا في المسائل والرأي. موصوفًا بالفضل والزهد. وإليه ينسب المسجد الذي على مقبرة بلاط مغيث بقرطبة. قال أبو سعيد الصدفي: توفي آخر أيام عبد الرحمن بن الحكم. وذلك قبل الأربعين ومائتين. محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح المعافري المعروف بالأعشى، قرطبي يكنى أبا عبد الله. قال ابن الفرضي: رحل في العام الذي مات فيه مالك. وذلك سنة سبع وسبعين ومائة. فسمع من سفيان بن عيينة، ووكيع ويحيى بن سعيد القطان، وعيسى بن كنانة والمخزومي وغيرهم من العراقيين والمدنيين. وكان الغالب عليه الحديث والأثر. وكان عاقلًا سريًا جوادًا قال ابن أبي دليم: كان في بصره شيء. وكانت له وجاهة في العلم مع فضل وورع. قال الأعشى: دخلت مصر فرويت بها أربعين ألف مسألة. قال ابن حارث: يعني عن ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب. سوى ما روى عن أصحاب مالك المدنيين. قال ابن الفرضي: وكان يذهب في الأشربة مذهب أهل العراق. وكانت فيه دعابة له فيها أخبار فاشية

стр. 642

محفوظة. من غريبها التي كفت من عرفه أنه كان يمازح كثيرًا أبا عقبة الأسوار بن عقبة. ويكنيه أبا عقبة بفتح العين والقاف. فلما تولى الأسوار القضاء بقرطبة، أتاه محمد بن عيسى، فشهد عنده مع آخر من أهل القبول. فاعلم على اسم ذلك دونه. وقال له: زدني في بينة. وذلك بمحضر الأعشى. فقال له الأعشى: أظنك أكرمك الله لم تقبل مثلها في شهادتي. فقال له: أنت أكرمك الله جاد في شهادتك هذه أو هازل. فإني أعرفك كثير الهزل، فعرفني إن كنت صدعت بها عن حق. فمثلك لا ترد شهادته. وإن كانت من اهتزالك فقد وقفتها. فقال عنه الأعشى منقطع الحجة. فكان يقول بعد ذلك قاتل الله الأسوار. فلقد قطعني عن كثير مما كنت أستريح إليه من الدعابة، بعد مجلسي معه. فربما هممت بالشيء فأذكر كلامه لي فيسمعني. قال أحمد بن سعيد: وعوتب في كثرة دعابته، وأن يتركها. فقال: علي لم يتركها للخلافة. فأتركها أنا للشهادة والعدالة. قال أحمد بن عبد البر: كان خيّرًا عاقلًا، حليمًا جوادًا. روى عنه بقي ابن مخلد، وأصبغ بن خليل، ونظراؤهما وأصاب الناس مسغبة. وغلا السعر جدًا. فأمر مناديًا ينادي في الناس، من أحب أن يبتاع طعامًا بسعر يومه بتأخر عام، فليأت وكيل محمد بن عيسى وأمر وكيله بذلك فبادر الناس، فأخذوا منه حتى أوقف الله لي الذي أباحه لهذا. ثم أمر مناديًا ينادي: من كان لمحمد بن عيسى عنده شيء فقد وضعه عنه. فقيل له: لو تصدقت به كان أفضل. فقال: لو كان ذلك لم يأخذه إلا من

стр. 643

يأخذ الصدقات من الطوافين وشبههم. والآن أخذه الشريف والمحتاج والمتعفف المستور، ومن لا ينكشف لأخذ الصدقة. ومن أحواله أن صديقًا له رد القاضي شهادته، فجاء إليه مستغيثًا به راغبًا إليه، في أن يسير معه الى القاضي. فيعدّله. فركب معه وكان ركوبه حمارًا بسرج. فلما كان في بعض الطريق قال له: يا هذا، كم من ركعة في صلاة الاستسقاء. قال: لا أدري. قال له: ففي صلاة الخسوف. قال: لا أدري. فمضى معه هنيهة ثم قال له: كم في السوق من ثقبة. فقال: لا أدري. فقال له: يا هذا، لا خير تدري ولا شر تدري، وتلوم القاضي أن يرد شهادتك. فرجع وتركه. واختلف في وفاته، فقيل توفي في سة ثمان عشرة. وقيل إحدى وعشرين وقيل اثنتين وعشرين ومائتين. إسماعيل بن البشر ويقال ابن البشير. ويقال بشير بن محمد التجيبي. أبو محمد القرطبي هو جد ابن أبي الأغبس. قال ابن الفرضي: كان مفتيًا أيام الأمير الحكم بن هشام، وابنه عبد الرحمن، وولي الصلاة أيام عبد الرحمن والحكم. وفيها مات. وقال ابن حارث: كان القاضي ابن بشير، يستفتي في قضائه زونان ومحمد بن

стр. 644

سعيد السبائي والغازي بن قيس، والحارث بن أبي سعد، واسماعيل بن بشر، وقد ذكره ابن حبيب في كتابه مع يحيى، وعباس وطبقاتهم. محمد بن خالد بن مرتنيل، مولى عبد الرحمن بن معاوية يعرف بالأشج. قرطبي، بيته. رحل فسمع من ابن وهب وأشهب وابن نافع ونظرائهم من المدنيين، والمصريين. وكان الغالب عليه الفقه. ولم يكن له علم بالحديث. وقد ذكره العتبي في المستخرجة. وولي الشرطة والصلاة والسوق بقرطبة. قال الصدفي: قيل إنه كان يخطب عند باب المقصورة من خارج. وبيده عصا، وكان صليبًا في أحكامه، ورعًا فاضلًا، لا تأخذه في الله لومة لائم. فحمدت سيرته. ولم يزل على وتيرة الى أن توفي. وكان ينفذ أحكامه على أصحاب السلطان، وضرب منهم رجلًا وحبسه، وشنع ذلك عليه عند الأمير، فوجه إليه وأوصى إليه. لم فعلت هذا به؟ فقال له: لم أفعله. إنما الأمير أعزه الله فعله. لأنه ولاني وأمرني بنصفة الحقوق، وتغيير المناكر. على جميع الناس. ولم يستثن هذا ولا غيره. ولو استثناه كنت أفعل ما يأمرني به، فأعرض عنه. وروى أنه عزله مرة. فعزله غدوة ورده عشية، لما رأى في ذلك من الصلاح. وقال لأصحابه: تحفظوا منه. قال يحيى: حملني ابن بشير بمسائل أسأل عنها ابن القاسم، فأجابني فيها. ثم قدم محمد بن خالد من المدينة، فسأله أيضًا عنها. فخالفت روايتي روايته. فقدمت على ابن القاسم فقلت له: يا أبا عبد الله،

стр. 645

وفدنا إليك بمسائل، أنا وصحابي، وأهل بلدي ينظرون إلينا وقد اختلفت روايتنا عنك. فمتى سرنا الى بلدنا عن رجل واحد، بروايتين مختلفتين في شيء واحد أدخلنا عليهم فتنة، فتدارك النظر فيها. فقال: صدقت ونصحت. ثم أرسل الى صاحبي فقال له: أوهمت عليك فرد ما معك الى ما مع صاحبك. ففعلنا. وتوفي سنة عشرين ومائتين. وقيل سنة أربع وعشرين. وله اثنتان وسبعون سنة. وبيته بقرطبة بيت فقيه في العلم والسؤدد، وصحبة السلطان. وسيأتي ذكر ولده إن شاء الله تعالى. قاسم بن هلال بن يزيد بن عمران بن مالك القيسي أبو محمد القرطبي. سمع بالاندلس من زياد بن عبد الرحمن، ورحل فسمع من ابن القاسم وابن وهب وغيره. وأخذ من المصريين والمدنيين من أصحاب مالك، وكان عالمًا بالمسائل، ولم يكن عنده علم بالحديث، وكان رجلًا معضلًا وقورًا. ذا فضل وورع. وكان سحنون يؤثر ابنه لاجتماعه معه عند ابن القاسم. روى عنه بنوه، واختلف في وقت وفاته. فقيل سنة إحدى، وقيل سنة سبع وثلاثين ومائتين، وبيته بيت فقه في العلم بقرطبة. ساد هو وبنوه، وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى. سعيد بن محمد بن بشير قد قدمنا في ذكر أبيه نسبه، وأوليته. ولي القضاء بقرطبة بعد والده، فيما قيل. وكان رجلًا صالحًا عاقلًا. سمع من يحيى وغيره، وكان

стр. 646

يشاور في بعض المجالس، وكان له على بر وصحبة. قال ابن حارث: وكان نبيلًا فاضلًا. معينًا لأبيه على العدل. بصيرته من بصيرة أبيه في جميل المذهب، واستقامة الطريقة. وكان سبب ولايته القضاء. أن ربيع القوسي أودعه وديعة. فلما سخط عليه وهتف الأمير لمن كان لربيع عنده وديعة. ولم يظهرها بعد ذلك بثلاث، سفك دمه، ونهب ماله بجبر، فأتى ليحيى بن يحيى فاستشاره فاستفظع يحيى الأمر، ثم فكر طويلًا، ثم قال له: أرى والله ألا تخفي أمانتك، للحديث الذي جاء إذ الأمانة الى البر والفاجر، وفشا الخبر حتى انتهى الى الأمير، فدعا بسعيد وقيل له: ما حملك على ما فعلت؟ وقد سمعت النداء والعزيمة. فقال سعيد: للحديث الذي جاء، وذكره. قال: ولا أفجر من ربيع. فقال الأمير للوزراء: هذا رجل مأمون. فولاه القضاء. توفي فيما قاله الرازي سنة عشر ومائتين. وقال ابن حارث: سنة إحدى عشرة. حسين بن عاصم بن كعب بن محمد بن علقمة ابن حباب بن مسلمة بن محمد بن مرة بن عوف الثقفي ويقال: عاصم بن مسلم بن كعب بن حباب بن علقمة بن هلال، ابن كعب بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، بن عروة بن مسعود الثقفي. ويقال إنه مولى عبد الرحمن بن يعقوب أبي الحكم الثقفي.

стр. 647

وهو المشهور. أبو الوليد قرطبي. حبيب. أبوه عاصم، يعرف بالعريان. لأنه أول من شق نهر قرطبة وهو عريان بين يدي الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل. عند قصره بقرطبة. رحل حسين فسمع من ابن القاسم وأشهب وابن وهب ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن نافع ونظرائهم. وأدخل العتبي سماعه في المستخرجة أيضًا. وأسقطه منها قوم. قال الشيرازي عنه: كان في سن عيسى بن دينار. ويعتمد عليه ابن حبيب في الأسمعة وعده فيمن ذكر منه في هذه الطبقة. وتوفي فيما ذكر أصحاب التاريخ: سنة ثمان ومائتين. وأما ابن عبد البر فزعم أنه ولي السوق أيام الأمير محمد. وكان شديدًا على أهلها، في القيم. فضرب الباعة على ذلك ضربًا مبرحًا. أنكر عليه، فسقط بذلك. وزعم أنه توفي سنة ثلاث وستين أيام الأمير محمد، وهذا بعيد من الخلاف، وقال غيره: توفي سنة ثمان ومائتين. وزعم أن سنه يوم توفي سبعون سنة. وهذا أبعد، إذ لو صح هذا، لما صح له سماع من ابن القاسم وابن وهب، لأنه إن كان مات سنة إحدى وتسعين وابن وهب سنة بضع وتسعين، على خلاف في تعيين سنة موته في ذلك، أو يكون موت ابن وهب وهو في السن في حيز من الإسماع له. كيف ولم يكن ببلده وإنما هو رحل إليه في سن من يصح رحلته، بالأشبه، والله أعلم أن وفاته متقدمة وإثبات العتبي سماعه في المستخرجة يبعد تراخي موته، الى هذا الوقت. لأن العتبي توفي سنة

стр. 648

خمس وخمسين ومائتين، قبله على هذا بمدة. وتوفي ابنه ابراهيم بن حسين بن عاصم سنة ست وخمسين. وكان أيضًا قد تصرف في الولاية سنين للأمير محمد وبلغ في الشدة مبلغًا حاد فيه عن سنن القضاء. وسيأتي ذكره. فلعل من اشتباه هذا دخل هذا الوهم، والخلاف والله أعلم. ومات ابن القاسم وقد بقيت على حسين مقابلة كتبه بأصوله، بعد تمام سماعه منه. فكاد أصبغ بن الفرج وقال له: أنت خلف أبي عبد الله. فلو خليت نفسك، قرأت عليك ما بقي علي. فقال له أصبغ وأشهب وابن وهب شيخان حيان. فقال له: أنت عندي أجلّ، فأسعفه. فلما تم له مراده قال له: إنما ذهبت الى المقابلة لصحة كتبك. وأما السماع فلا نحب ذلك. فإني أقدم منك سماعًا، وعناية. تعود الى الحاضرة. قال ابن وضاح: قلت لسحنون: إن ابن عاصم يحلف الناس بقرطبة بالطلاق. قال: ومن أين أخذ هذا؟ قلت له: من قول مالك يحدث للناس، فتحدث لهم أقضية. فقال سحنون: ابن عاصم تأول هذا التأويل. قال الصدفي: وابن عاصم المذكور، هو هذا. عبد الملك بن حبيب قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي، في كتابه في رجال الأندلس. هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن عباس بن مرداس السلمي. يكنى أبا مروان. ونقلت عن خط الحكم المستنصر بالله، أنه عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان. وقال علي بن معاذ عن علي بن الحسن، إنه

стр. 649

عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان السلمي. وكان يعرف أبوه الحبيب العصار. كان يعصر الأدهان ويستخرجها. قال ابن الفرضي قيل إنه من مواليهم. وقال ابن حارث من أنفسهم. كان بالبيرة. وقال بعضهم: كان يعصر الأدهان ويسخرجها غيرهم كان أصلهم من طليطلة وانتقل جده سليمان الى قرطبة. وانتقل أبوه حبيب وإخوته في فتنة الربض الى البيرة. وروى بالأندلس عن صعصعة بن سلام والغازي بن قيس وزياد بن عبد الرحمن، ورحل سنة ثمان ومائتين. وقيل سنة سبع. فسمع ابن الماجشون ومطرف وابراهيم بن المنذر، وعبد الله بن نافع الزيدي، وابن أبي أويس وعبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن المبارك والحزامي، وأصبغ بن الفرج، وأسد بن موسى وجماعة سواهم. وانصرف الى الأندلس سنة عشرة. وقد جمع علمًا عظيمًا. قال ابن حارث: فنزل بلدة البيرة، وقد انتشر علمه وروايته. فنقله الأمير عبد الرحمن بن الحكم الى قرطبة ورتبه في طبقة المفتيين بها. فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة. وكان الذي بينهما يسيء جدًا. قال غيره: وتقدمه يحيى بالممات. فانفرد عبد الملك وحده بالرئاسة مديدة. سمع منه ابناه محمد وعبد الله وسعيد بن نمير، وأحمد بن راشد، وابراهيم بن خالد، وابراهيم بن شعيب، ومحمد بن فطيس. وروى عنه من عظماء القطربيين، مطرف بن قيس، وبقي بن مخلد، وابن وضاح والمغامي في جماعة. وكان المغامي آخرهم موتًا.

стр. 650

ذكر مكانه من العلم وثناء الفضلاء عليه قال ابن الفرضي: كان عبد الملك حافظًا للفقه على مالك، نبيهًا فيه. غير أنه لم يكن له علم بالحديث ولا معرفة بصحيحه من سقيمه. وقال ابن لبابة: ويروى مثله عن ابن مزين عبد الملك، عالم الأندلس. وسئل ابن الماجشون من أعلم الرجلين. القروي التنوخي، أم الأندلسي السلمي فقال: السلمي مقدمه علينا، أعلم أن التنوخي منصرفه عنا. ثم قال للسائل: أفهمت؟ قال أحمد بن عبد البر: كان جمّاعًا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيه البدن، نحويًا عروضيًا شاعرًا، نسابة إخباريًا. وكان أكثر من يختلف إليه الملوك وأبناؤهم من أهل الأدب. وقال نحوه ابن غلبون قال وكان يأبى إلا معالي الأمور. وقال ابراهيم بن قاسم بن هلال ﵀: عبد الملك بن حبيب: فلقد كان ذابًا عن قول مالك. وذكر أنه لما رحل قال عيسى: إنه لأفقه ممن يريد أن يأخذ عنه العلم. وقال سعيد بن نمير: حدثنا المأمون عبد الملك بن حبيب. لا أراه الله في إخوته قبحًا. قال غيره: رأيته يخرج من الجامع وخلفه نحو من ثلاثمائة من طالب حديث وفرائض وفقه، واعراب. وقد رتب الدول عليه كل يوم ثلاثين دولة؟ لا لا يقرأ عليه فيها شيء إلا تأليف وموطأ مالك. وذكر أنه يلبس الخز والسعيدي. قال ابن عبيد: وإنما كان يفعله إجلالًا للعلم، وتوقيره.

стр. 651

وإنه كان يلبس الى جسمه مسح شعر، تواضعًا. وكان صوامًا قوامًا. قال: وعذلته على مأخذه على قلة ماله. فقال لي: قيل لأبي حازم، ما مالك؟ قال: مالان: القناعة بما في يدي، واليأس مما في أيدي الناس. وأنا أقول: لي مالان غنائي في ظاهر أمري، وقصدي خاصة نفسي. قال غيره: أكثر فقهاء الأندلس وشعرائهم، فعن عبد الله أخذوا، وعن مجلسه نهض. قال المغامي: لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لازدريت غيره. ذكر الزبيدي أنه نعي الى سحنون، فاسترجع وقال: مات عالم الأندلس، بل والله عالم الدنيا. وهذا يرد ما روي عنه من خلاف هذا. وذكره الشيرازي فقال فيه: فقيه الأندلس. وذكره أيضًا ابن الفرضي في كتابه المؤلف في طبقات الأدباء فجعله صدرًا فيهم. وقال: كان قد جمع الى إمامته في الفقه والتنجيح في الأدب، والتفنن فيه في ضروب العلوم. وكان فقيهًا مفتيًا نحويًا لغويًا، نسّابة إخباريًا عروضيًا فائقًا. شاعرًا محسنًا مرسلًا حاذقًا. مؤلفًا متفننًا. ذكر بعض المشيخة، أنه لما دنا من مصر، في رحلته أصاب جماعة من العلماء بارزين لتلقي الرفقة على عادتهم، فكلما أطل عليهم رجل له هيبة ومنظر، رجحوا الظن به، وقضوا بفراستهم عليه، حتى رأوه، وكان ذا منظر جميل، فقال قوم: هذا فقيه. وقال آخرون: شاعر. وقال آخرون: طبيب. وقال آخرون: خطيب. فلما كثر اختلافهم تقدموا نحوه، وأخبروه باختلافهم فيه، وسألوه عن ما هو؟ فقال لهم: كلهم قد أصاب. وجميع ما قررتم أحسنه، والخبرة تكشف الحيرة والامتحان يجلي عن الإنسان، فلما حطّ رحله ولقي الناس شاع خبره. فقصد إليه كل ذي علم يسأله عن فنّه، وهو يجيبه جواب متحقق. فعجبوا من ثبوت علمه، وقصدته طائفة من المتفقهة، وقد أعدوا له مسائل من الحجج، لا زالوا يقتنصون بها متفقهة الأندلس، ففطن لمرادهم، وكان عهده بعيدًا بمطالعة

стр. 652

كتب الحجج. فلما فاتحوه بها أخر مجلسهم واعتذر بقيامه فيما لابد للغريب منه، ووعدهم لغد يومه، وأتى رحله وسهر ليلته، على مطالعة مسائل الحجج حتى أحكم النظر فيها. فلما كان من الغد تهافتوا عليه، وألقوا عليه صعابها، فأجابهم عنها جواب عالم. وذكر أنهم أخذوا عنه، وعطلوا حلق علمائهم. قال ابن وضاح: كنت عند الخزامي، فقيل له ابن حبيب، سمع التاريخ. فقال حفظه الله، أبا مروان فإنه يثني عليه ذكر ابن حارث أن ابن المواز أثنى عليه بالعلم والفقه وقال ابراهيم بن قاسم: يقول رحم الله عبد الملك لقد كان ذابًا عن قول مالك، وإن خالفه في البعض بما يسوغ إلا الحق. ولا أخذ إلا بالصواب. وقال العتبي: وذكر الواضحة: رحم الله عبد الملك ما أعلم أحدًا ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه، ولا لطالب أنفع من كتبه ولا أحسن من اختياره. وقال محمد بن أبي زيد في صدور النوادر. وذكر اختيار سحنون وأصبغ وعيسى وابن عبدوس، وابن سحنون، وابن المواز، وقال: وليس يبلغ ابن حبيب في اختياره وقدره رواياتهم مبلغ من ذكرنا. وقيل للمغامي: لو أوضحت هذا السماع في واضحة ابن حبيب؟ يريد ما لم يوضحه ابن حبيب من كتابه: فقال: حاولت نفسي من ذلك، فوجدت نفسي معه كمرقع الخز باللبود. فقال بعضهم: ركبت البحر الى الأندلس، مع ابن حبيب، فهال علينا وخشينا العطب، فرأيت ابن حبيب متعلقًا بحبل السفينة وهو يقول: اللهم إن كنت تعلم أني إنما أردت بما أفتيته لوجهك وما عندك فخلصني برحمتك وانفع بما آتيتنا به عبادك. فما كان يسيرًا حتى سكنت الحال، ووصلنا سالمين بحمد الله.

стр. 653

ذكر تواليفه وألف ابن حبيب كتبًا كثيرة حسانًا في الفقه والتواريخ والأدب. ومنها الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه. لم يؤلف مثلها. والجوامع. وكتاب فضائل الصحابة. وكتاب غريب الحديث. وكتاب سيرة الإمام في الملحدين. وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين. وكتاب مصابيح الهدى. قال بعضهم، قسّم ابن الفرضي هذه الكتب، وهذه الأسماء وهي كلها يجمعها كتاب واحد لابن حبيب. إنما ألف كتابه على عشرة أجزاء. الأول، تفسير الموطأ حاشى الجامع، والثاني شرح الجامع، والثالث والرابع والخامس في حديث النبي ﷺ والصحابة التابعين. وكتاب مصابيح الهدى جزء منها. ذكر فيه من الصحابة والتابعين، والعاشر طبقات الفقهاء، وليس فيها أكثر من الأول، وتحامل في هذا الشرح على أبي عبيد، والأصمعي وغيره، وانتحل كثيرًا من كلام أبي عبيد، وكثيرًا ما يقول فيه أخطأ شارح العراقيين. وأخذ عليه فيه تصحيف قبيح، وهو أضعف كتبه. ومن تواليف ابن حبيب أيضًا، كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض وكتاب الفرائض، وكتاب السخاء واصطناع المعرف. وكتاب كراهية الغنا قال بعضهم: فقلت لعبد الملك:

стр. 654

كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتابًا. وقال عبد الأعلى بن معلى: هل رأيت كتبًا تحبّب عبادة الله الى خلقه، وتعرفهم به، ككتب عبد الملك بن حبيب. يريد كتبه في الرغائب والرهائب. ومنها كتب المواعظ سبعة. وكتب الفضائل سبعة، فضائل النبي ﷺ ، والصحابة. وفضائل عمر بن عبد العزيز. وفضائل مالك بن أنس. وكتاب في أخبار قريش، وأخبارها وأنسابها، خمسة عشر كتابًا. وكتاب السلطان، وسيرة الإمام ثمانية كتب. وكتاب الباه والنساء ثمانية كتب. وغير ذلك من كتب سماعاته في الحديث والفقه وتواليف في الطب، وتفسير في القرآن ستون كتابًا. وكتاب المغازي والناسخ والمنسوخ ورغائب القرآن، وكتاب الرهون والمغازي والحدثان خمسة وتسعون كتابًا، وكتاب مغازي مقام رسول الله ﷺ ، اثنان وعشرون كتابًا. وكتاب في النسب، وفي النجوم، وكتاب الجامع، تأليفه. وهي كتب فيها مناسبك النبي ﷺ ، وكتاب الرغائب، وكتاب الورع في العلم، وكتاب الورع في المال، وكتاب الرياء، وكتاب الحكم والعمل بالجوارح وغير ذلك. ذكر ما تحومل به عليه قال بعضهم: كان الفقهاء يحسدون عبد الملك بن حبيب لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها، ولا يشرعون فيه. قال أحمد بن خالد: لم يخرج ابن وضاح لابن حبيب شيئًا. وكان لا يرضى عنه. قال أبو محمد القلعي: سألت وهب بن مسرة، عن قول ابن وضاح في ابن حبيب. فقال: ما قال فيه خيرًا، ولا شرًا. إلا أنه قال: لم يسمع من أسد. وحكى الباجي وابن حزم أن أبا عمر بن عبد البر، كان يكذبه. وقد

стр. 655

ذكرنا في أخبار ابن وهب، بعد هذا قصته التي تحومل عليها به منها. وليس فيها ما تقوم به دلالة على تكذيبه، وترجيح نقل غيره عن نقله. وكان أحمد بن خالد يسيء الرأي فيه. قال ابن الفرضي: لم يكن لابن حبيب علم بالحديث. وكان لا يعرف صحيحه من سقيمه. وذكر عنه أنه كان يتساهل في سماعه، ويحل على طريق الإجازة أكثر روايته. قال ابن وضاح: قال لي الخزامي: أتاني صاحبكم ابن حبيب بغرارة مملوءة كتبًا. فقال لي: هذا علمك تجيزه لي. فقلت له: نعم، ما قرأ علي منه حرفًا ولا قرأته عليه. وفي رواية أخرى: فوالله ما ترون فإنه، وإنه. يثني عليه. قال ابن أبي مريم: كان ابن حبيب عندنا نازلًا بمصر. وما كنت رأيت أدوم منه على الكتاب، دخلت إليه في القائلة في شدة الحر، وهو جالس على سدة وعليه طويلة. فقلت: قلنسوة في مثل هذا الوقت. فقال: هي تيجاننا. فقلت: فما هذه الكتب؟ متى تقرأ هذه؟ فقال: ما أشتغل بقراءتها. قد أجازها لي صاحبها. فخرجت من عنده، فأتيت أسدًا، فقلت: أيها الشيخ تمنعنا أن نقرأ عليك، وتجيز لغيرنا. فقال: أنا لا أرى القراءة فكيف أجيز، وإنما أخذ مني كتبي، يكتب منها ليسردها علي، قال خالد: إقرار أسد له بروايتها ودفع كتبه لنسخها، هي الإجازة بعينها. وذكر عن يونس، قال: أعطاني يونس كتبه عن ابن وهب فقابلناه بها فقلت: أصلحك الله كيف تقول في هذا؟ فقال: إن شئتم فقولوا:

стр. 656

حدّثنا. وإن شئتم فقولوا أخبرنا. قال القاضي: أبو الفضل ﵁. وقد قال مالك ﵀: لمن سأله عن الأحاديث التي كتبها من حديث ابن شهاب، ليحيى بن سعيد الأنصاري، وقال له: أقرأها عليك. فقال: كان أفقه من ذلك. أي أن مثل هذا يغني عن القراءة. وقد بينا هذا الأصل في كتاب الإلماع الى أصول الرواية، وضروب السماع. وحكى ابن الفرضي أنه ذكر أن ابن حبيب كان يأخذ بالرخصة في السماع، وأنه كان له جوار يسمعنه وقد عرض به الغزال الشاعر في ذلك، فيما أذاه به من شعره، وأذى به غيره من الفقهاء. قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: الأشبه بطلان هذه الحكاية. فإن لابن حبيب كتابًا في كراهة الغناء. قال القاضي منذر بن سعيد: لو لم يكن من فضل عبد الملك، إلا أنك لم تجد لمن يحكي عنه معارضته والرد لقوله ساواه في شيء. وأكثر ما نجد أحدهم يقول: كذب عبد الملك، أو أخطأ ولا يأتي بدليل على ما ذكره. ذكر باقي أخباره وفضائله ونوادر أشعاره ذكروا أنه رفع للأمير عبد الرحمن بن الحكم، أن قاضيه ابراهيم بن العباس المرواني، ويحيى بن يحيى في جماعة يعملون على خلعه، وتقديم القاضي ابراهيم مكانه. وإن القاضي لا يقبل من أهل قرطبة إلا من أشار يحيى بقبوله. وكان يحيى هو الذي أشار على الأمير بتوليته القضاء. وأن يكون زونان كاتبه. فوجد

стр. 657

الأمير على ابن حبيب وقال له: تعلم يدي عنك، وأريد أن أسألك عن شيء فأصدقني فيه. فقال: نعم. لا تسألني عن شيء إلا صدقتك فيه. فقال: إنه رفع إلينا عن يحيى والقاضي، أنهما يعملان علينا في هذا الأمر. فقال ابن حبيب: قد علم الأمير ما بيني وبين يحيى، ولكني لا أقول عليه إلا الحق، ليس يحيى بن يحيى إلا ممن يحيي الحق، وكل ما رفع عليه فباطل. وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشاركه في عدله، من يشركه في نسبه، فعزل القاضي. وقد رأينا أن يحيى قارضه أيضًا بمثل هذا. ولست أعلم أي قصة صاحبها. وقد ذكر أن بعض جيران ابن حبيب اشتكى إليه، بأن بعض المنصرفين لبعض الوزراء، أنه يؤذيه، ويستطيل عليه. فأمر عبد الملك برصده، فجيء به إليه، فضرب بين يديه ضربًا مبرحًا، فشكا الى صاحبه فكتب الى يحيى بن يحيى، فذكر له ما صنع ابن حبيب، بصاحبه وحاشيته. وسأله تأييده عليه عند الأمير. فكتب إليه يحيى: ما كنا نعينك على العلم وأهله، وأيم الله لأقلامنا أنفذ من سهامكم. فانصرف عن رأيك والسلام. وذكر أنه لما أراد أن يرحل، سأل عيسى بن دينار، أن يوصيه في مذهبه في رحلته، فقال له عيسى: إذا أصبت عالمًا، فلا تظهر له مع علمه علمًا، فيحرمك ما عنده. ومن فتاويه القصة المشهورة، وذلك أنه فيما ذكر أن المعروف بابن أخي عجَب، كان قد تكلم بعبث من القول في يوم غيم، شهد به عليه، فأمر الأمير عبد الرحمن بحبسه فأبرمته عمته عجب في إطلاقه. وكانت مكينة عند الأمير في حظاياه. فقال لها: نكشف أهل

стр. 658

العلم، عما يجب عليه. وأمر والي المدينة بإحضاء الفقهاء، وفيهم القاضي موسى بن زياد وابن حبيب وأصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب، وأبو زيد بن ابراهيم وابان بن عيسى. فشاورهم في أمره فتوقفوا كلهم عن سفك دمه، إلا ابن حبيب وأصبغ وخرج عليهم فتى يقول لصاحب المدينة: قد فهم الأمير ما أفتى به القوم في أمر هذا الفاسق. وهو يقول للقاضي: اذهب فقد عزلتك. وأما أنت يا عبد الأعلى، فقد كان الشيخ يحيى يشهد عليك بالزندقة ومن كانت هذه عنده صفته فكيف تسمع فتياه. وأما أنت يا ابان بن عيسى، فأردنا أن نوليك قضاء جيان فزعمت أنك لا تحسن القضاء. فإن كنت صادقًا، فما آن لك أن تتعلم، وإن كنت كاذبًا فالكاذب لا يكون أمينًا. وقال للآخر لم يروه الراوي. ثم قال لصاحب المدينة: وقد أمرك أن تخرج الساعة مع هذين الشيخين عبد الملك وأصبغ مع أربعين غلامًا، لينفذوا في هذا الفاسق ما رأياه. فخرج عبد الملك وهو يقول: سب ربًا عبدناه. إن لم ننتصر له إنا لعبيد سوء. ثم أخرج ووقف على خشبة وهو يقول لعبد الملك: اتق الله في دمي أبا مروان، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وعبد الملك يقول: الآن وقد عصيت قبل. فلم يزالا حتى صلب وقتل، وانصرفا. فلما كان بعد هذا قيم على هارون بن حبيب أخي عبد الملك بن حبيب بمثل هذا. وكان ضيق الصدر كثير التبرم. ساكنًا بالبيرة متحاملًا على أهلها. سيئ القول فيهم. وكان طالع بعض كلام المتكلمين فشهد عليه قوم عند قاضي البيرة، عبد الملك بن سلام المعافري، في شهادات. منها أن رجلًا جاء يطلب منه سلمًا لصلاح مسجد، فقال له: لو أردته

стр. 659

لكنيسة أعطيتكه. فقال له الآخر: المسجد أولى. قال: لا والله. إني رأيت من تعلق بالله مخذولًا. ومن تعلق بالشنيرة والقرابين عزيزًا الى حسن الحال. ودخل عليه رجلان، في حال استبلاله من علة. فسألاه عن حاله. فقال لهما: أما الآن فلا بأس بي، إلا أني لقيت في مرضي هذا، ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله. فبعث قاضي البيرة بكتاب الشهادات الى الأمير عبد الرحمن بن الحكم، بعد أن سجن هارون في الحديد، فاختلف الفقهاء فيما يجب عليه. فبعث الأمير بالكتاب الى أخيه عبد الملك وغيره من الفقهاء. فأجاب في ذلك عبد الملك بجوابه العريض الطويل، المتضمن أوراقًا كثيرة. يتضمن حسن المخرج بكلام أخيه، وإسقاط الحد عنه، والعقوبة، فأسقط شهادة صاحب السلم بأن قال: هو شاهد واحد. ولم يجعل الله ولا رسوله ﷺ في شهادة الواحد. وإن كان مرضيًا قطعها مقطعًا بحق. ولا يجب بها على أحد عقوبة بحبس ولا ضربة بسوط، فما فوقه بلاء. لو شهد عليه أحد أنه كفر وزنى وسرق وسكر لما ضرب بشهادته سوطًا. قال فكيف لو اجتمع عليه شاهدان، لما وجب عليه فيه شيء لتصرفه في المعنى، الى ما لا يجب به فيه شيء. واحتج بقول عمر لا يحل لامرئ مسلم يسمع الكلمة من أخيه المسلم أو عن أخيه المسلم أن يظن بها ظن سوء وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرًا. ثم قال: ومن تصريف اللفظ أن يقول: عنيت بقولي إني رأيت من تعلق بالله مخذولًا عندكم. ولا تعينونه، ولا تصرفون حقه. ومن تعلق بالقرابين كان عزيزًا عندكم، حسن الحال فيكم. إذا كان البلد بلد عجم، واحتج على ما ورد من هذا المعنى بقول النبي ﷺ : سيأتي على الناس زمان يكون الغني التاجر فيهم كالعالم الزاهد، فيكم، الحديث. فيصرفه الى معنى فساد الزمان. قال: ولو كان لا ينصرف الى هذا لوجب عليه القتل دون السوط لأنه كفر وأجاب عن شهادة السائلين له عن حاله،

стр. 660

في المرض، وجوابهما. فقال: لو قتلت أبا بكر وعمر ما استجوبت هذا كله. بأن قال: هذا أحق من الأول. ولكنه ليس من كلام العقلاء. ولكنه من كلام السفهاء وأهل الجهالة، ومثله من كلام كثير من الناس عند شدة تصيبه، وينبغي أن يعنف قائله ويؤدب لسوء لفظه، وينهى عنه، بلا عقوبة تجب في ذلك، من ضرب ولا سجن ولا يحمل على تجوير الله وأطال الكلام في نفي العقوبة والحجة في ذلك. ثم قال: وقد كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول: ادرأوا الحدود بالشبهات عن أمتي. فكيف ما لا حدّ فيه، ولا عقوبة، وما يتسع فيه المذهب والمعاني. ولو كانت تجب عليه عقوبة لقد كان في طول حبسه في الكبول، منذ ستة أشهر. ما يستقر كل عقوبة. ثم ذكر أن المدفع له فيمن شهد عليه، وبسط له في ذلك. وأجاب في القصة ابراهيم بن حسين بن خالد بضد ما أفتى به عبد الملك من التحريض على قتله، وترك التأويل لكلامه. وأودع ذلك جوابًا طويلًا في أوراق، قريبًا من جواب عبد الملك في العدد واحتج فيه بفعل عمر بصبيغ، وفعل علي لمن اتهمه بالزندقة. وقتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة بقوله: أرى صاحبكم. وأطال بمثل هذا. وصرح بأن كلام هارون تصريح لمن أبصر وتعريض عند من رق بصره. والتعريض كالتصريح يقتل بهما وإن قوله في قصة أبي بكر وعمر تجوير لله وتظلم منه. ثم احتج في هذا الفصل بأن التعريض كالتصريح ثم قال: لو أن سلطانًا مثّله بقصة السلّم بشاهد واحد، ما عنفته وما خطأته لتكذيبه الله. إذ يقول: ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا،

стр. 661

فإن حزب الله هم الغالبون. مع ما هو به معروف من الاستخفاف بالله والجرأة عليه. ثم قال: فليعزم الأمير في أمره. وفي رواية أخرى عند خذل الجاهلين، الذين لم يعرفوا حرمة الله، والدين. وأطال في الطعن على هؤلاء، وتحريض الأمير على الإضراب عنهم. ثم قال: ولا تشبهوا عليه الحديث. ادرأوا الحدود بالشبهات. ونحوه، فإنهم لا يعرفون تأويله. فقد كان ربيعة يقول: إنما ورد في الزنى لما أراد الله من ستره. واستشهد بحديث عمر: إنما جعل الله في الأربعة سترًا. ستركم به من فواحشكم. وقال بعضهم تفسيره ما لم يبلغ السلطان في زلة ذي الهيئة لأن النبي ﷺ ، إلا حدًا من الحدود. وهذا حد به هارون ليس من ذوي الهيئات. وكثير من هذا. ثم قال: وإن لم يتبين للأمير قولي، فليتحر ضربه. ويخلد سجنه، ويكتب الى المشرف بمسألته، ونحو هذا من الطعن على ابن حبيب وبيته. وكتب في ذلك ابراهيم بن حسين بن عاصم بقريب من جواب عبد الملك، من إسقاط الواجب عليه في قصة السلم، لكونه بشاهد واحد. ولتأويل قصة أبي بكر وعمر ﵄، واحتج بما احتج به عبد الملك من حديث عمر وتأويل كلامه في التشكي من ذلك. وإنه لم يقدح في أبي بكر وعمر بقبيح. إنما ذكر فضلهما ولا ألحد في دين الله. والعفو عن الحدود أولى، واحتج بقوله: ادرأوا الحدود بالشبهات. قال: ولا حد أعظم من القتل وقد التبس الأمر في هارون، والله يوفق للأمير السداد. وكتب القاضي بقرطبة إذ ذاك سعيد بن سليمان البلوطي بنحو جواب ابن عاصم. قال فيه: جاءت الآثار المحكمة والسنة الماضية بالحدود الجارية في أمة محمد ﷺ من قتل قُتل ومن

стр. 662

سبّ الله وأنبياءه، قتل. ومن غيّر دينه، قُتل. ومن حارب، قتل، أو حكم فيه بما جاءت فيه الآية. ولم يجد فيما لفظ به هارون شتمًا، يوجب القتل. وكان لقوله مذهب لا يوجب عليه القتل، رأيت عليه الحبس والتثقيل فيه. والشدة في الأدب لما فاه به، وجدف فيه. وجاء من ابن حبيب جواب آخر طويل نحو الأول، يناقض فيه ابراهيم بن حسين بن خالد فيما ناقضه به. ويطلف عليه وعلى جميع المذكورين من الفقهاء والقاضي، وينقض عليهم ويعرض بما يوجب إسقاط فتواهم، ويصفهم واحدًا واحدًا، ويذكر الأمير ما يوجب عداوته هو، معهم. من تأليبهم عليه وتخريجه قبل هذا هولهم. وأنه أفتى بتجويز الظلم منهم، وأن القاضي عزل فتواه مرتين، وأن قاضي البيرة عدو لأخيه. وأساء القول جدًا في ابراهيم وابن حارث، وعبد الأعلى وغيرهم ممن رأى قتله. وممن لم ير قتله، أو رأى ضربه، ثم قال: أيشك الأمير في عداوتهم لي؟ ولأهل المقام الذي قمت فيهم؟ فكيف يشاورون في أحد من الناس ويقبل لهم قولًا، ولئن كنت عنده فيما قلت كاذبًا، ما يحل للأمير أن يستشيرني، ويقبل لي قولًا أبدًا. فأوصى الأمير الى عبد الملك أنا أخذنا بقولك في أخيك. وأمرنا بالكتاب الى عاملنا بإطلاقه، فسأله عبد الملك أن يقدم به الى قرطبة فيكون بها مسجونًا أدبًا لحده وعصيانه له. قال المغامي: طرقت عبد الملك

стр. 663

بن حبيب يومًا بغلس حرصًا على الاقتباس منه، واستأذنت عليه، فأذن لي، ودخلت. فإذا به جالس في مجلسه، عاكفًا على الكتب، قد أحاطت به. فنظر فيها والشمعة بين يديه تقد، وطويلة عليه، فسلمت فرد علي، وقال لي: يا يوسف أوَقد انسلخ الصبح. قلت: نعم، وقد صلينا. فقام الى صلاة الصبح، فصلاها، ثم رجع الى مقعده. وقال: يا يوسف ما صليت هذه الصلاة إلا بوضوء العشاء الآخرة. قال المغامي: كانت لابن حبيب قارورة، قد أذاب فيها اللبان في العسل، يشرب منها كل غداة على الريق، للحفظ. وكتب ابن حبيب، الى الرشاش الأديب يستهديه مدادًا، ووجه إليه بقارورة كبيرة. احتجت من حبر الى سقيه … فأمدد لنا منه مرساك وابعث وإن قل به طيبًا … ولا تكن دونًا فنلحاك ولا تهولنك قارورتي … فإنها أقنع من ذاك وأنشد له الزبيدي: صلاح أمري والذي أبتغي … هين على الرحمن في قدرته ألف من الصفر وأقلل بها … لعالم أوفى على بغيته زرياب قد يأخذها قفلة … وصنعتي أشرف من صنعته ويروى فأخذها زرياب في نومه وأنشد له ابن الفرضي قصيدة كتب بها الى أهله من المشرق، سنة عشرين ومائتين: أحب بلاد الغرب والغرب موطني … ألا كل غربي إليّ حبيب

стр. 664

فيا جسدًا أضناه شوق كأنه … إذا نضيت عنه الثياب قضيب ويا كبدًا عادت رفاتًا كأنها … يلدغها بالكاويات طبيب بليت وأبلاني اغترابي ونأيه … وطول مقامي بالحجاز أجوب وأهلي بأقصى مغرب الشمس دارهم … ومن دونهم بحر أجشّ مهيب وهول كريه ليله كنهاره … وسير حثيث للركاب تنوب فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحسبك داء أن يقال غريب فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بأكناف نهر الثلج حين يصوب وحولي صِحابي وبنتي وأمها … ومعشر أهلي والرؤوف مجيب ولما بلغه من تحامل الفقهاء عليه، ما شق عليه كتب الى الأمير عبد الرحمن: أسبغ الله على الأمير كرامته، وأعلا في الجنة درجته، أن العذري، أكرم الله الأمير، قال أبياتًا أعجب بها العلماء، ما فيها مثل يضرب على الأمير في خاصة نفسي واليسير من التعرض يكفي غيره من التصريح، كما قال الشاعر: لذي اللهب قبل اللوم ما تقرع العصا … وما علم الإنسان إلا ليعلما وهي: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلنَ لوجهها … حسدًا وبغيًا إنه لدميم يلقى اللبيب مشتمًا لم يحترم … شيم الرجال وعرضه مشتوم

стр. 665

وما هذا إلا كما قال زهير: وأخذ التحمي ليس يبرح حاملًا … ذنبًا عليك عرفت أم لم تعرف وكتب الى الأمير عبد الرحمن بن محمد في ليلة عاشوراء: لا تنس لا ينسينك الرحمن عاشورا … واذكر لا زلت في الأحياء مذكورا قال الرسول صلاة الله تشمله … قولًا وجدنا عليه الحق والنورا من يأت في ليل عاشوراء ذا سعة … يكن بعيشه في الحول مبرورا وتوفي ابن حبيب في ذي الحجة، سنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين. وقد بلغ سنة ستًا وخمسين سنة. وقال الشيرازي ثلاثًا وخمسين سنة. وقبره بقرطبة أم سلمة في قبلة مسجد الضيافة. وصلى عليه ابنه يحيى. وقال محمد بن حارث: توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين إلا ستة شهور في ولاية الأمير محمد. قال ابن لبابة: حفر الى ابن وضاح الى جانب قبر ابن حبيب فانفتح ما بين القبرين فأدخل الحافر يده الى جنبه، وافر؟ لم تأكله الأرض. والتصق بيده من الكفن ورثاه أبو عبادة الرشاش وغيره: لئن أخذت منا المنايا مهذبًا … وقد قل فينا من يقال المهذب لقد طال فيه الموت والموت غبطة … لمن هو مهموم الفؤاد معذب ولأحمد بن باجي فيه من قصيدته: ماذا تضمن قبر أنت ساكنه … من التقى والندى يا خير موعود

стр. 666

عجبت للأرض أن غيبتك وقد … ملأتها حكمًا في البيض والسود وخلف ابنين. محمد، وعبد الله، من ولده، وكان له حظ من العلم، إلا أن الزهد غلب عليه والعبادة. فانقطع إليها ولم يرغب في الدنيا، وعاد الى بلده البيرة، فلزمها الى أن توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. وقيل في نيف عليها. حدث عنه محمد بن فطيس الألبيري وكان يثني عليه ويحيى بن مطر وغيرهما. وقد روى أنها عن محمد. ووصف بالفضل والعلم. هارون بن سالم قرطبي يكنى أبا عمر. عده ابن أبي دليم في هذه الطبقة. قال ابن عبد البر: سمع من عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، ورحل الى المشرق، فلقي أشهب وروى عنه، وعن أصبغ وعلي بن معبد، وسحنون، وروى عنه عامر بن معاوية القاضي. وأدخل العتبي من روايته المستخرجة، في كتاب الايمان بالطلاق. وكان منقطع القرين في الفضل والزهد، والعلم. وكان أحمد بن خالد يقول: إنه مجاب الدعوة. وإن دعوته استجيبت في أشياء. وكان بينه وبين ابن خالد قرابة، من قبل الأم، وكان يحفظ المسائل حفظًا حسنًا. إلا أن العبادة غلبت عليه. قال ابن أبي دليم: وكان إذا دخل رمضان قال لزوجه أطوي الفراش. فلا ينام على فراش، حتى ينسلخ رمضان. وتوفي حدثًا في الأربعين من سنه متقدمًا لقرنائه. سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وكانت كتبه موقوفة عند أحمد بن خالد، وسنّه أربعون سنة. وقال ابن

стр. 667

وضاح: ما رأيت هنا مثله. كنت إذا رأيته يصلي رحمته. قال غيره: كان إذا صلى يرتعد. وهو خال بني هلال. موسى بن الفرج قرطبي يلقب بالثلجيلي. روى عن أشهب بن عبد العزيز. قال خالد: كان فقيهًا في المسائل على مذهب مالك. قال ابن حارث: كان من أهل الفتيا. وكان أبو صالح يصفه بالفقه. قال ابن وضاح: أخبرني سحنون وزياد بن المبشر أن ابن القاسم دعا عليه. وقال: لأعرضنّه على الله بالبكور والأسحار. وكان دعاؤه عليه سبب ما مشى بينه وبين أشهب، حتى أفسد ما بينهما. هشام بن حبيش طليطلي بضم الحاء المهملة وبعدها باء. كان صاحب رأي ومسائل. ورحل فسمع من ابن القاسم، وأشهب. وكان من أهل الفتيا والأسماع بصير بالاعراب. ذكره ابن حارث. الفضل بن عميرة وابنه عبد الرحمن قال أبو سعيد: فضل بن عميرة بن راشد بن عبد الله بن سعيد بن شريك بن عبد الله بن مسلم بن نوفل بن ربيعة بن مالك بن مسلم الكناني العتقي من أهل تدمير يكنى أبا العافية. قال ابن أبي دليم، وغيره: رحل مع ابنه عبد الرحمن فحجّا، وسمعا من ابن القاسم، وابن وهب، ومطرف وابن الماجشون. وكانا سمعا بالأندلس من يحيى بن مضر وغيره. وولي

стр. 668

الفضل قضاء تدمير في إمرة الحكم بن هشام الى أن توفي، سنة سبع وتسعين ومائة. ثم ولي مكانه القضاء بها ابنه عبد الرحمن، ويكنى أبا المطرف. وكان سمع من أبيه، ومن شيوخ أبيه، كما ذكرنا. قال ابن حارث: وكان له طلب وعناية. وتوفي سنة سبع وعشرين ومائتين. ولهما عقب جميل في العلم، وبيته جليل في النباهة الى وقتنا. الفرج بن كنانة قال ابن حارث: هو الفرج بن كنانة بن نزار بن عتبان بن مالك الضمري. من ولد عمر بن أمية الضمري الكناني. نسبه في كنانة. ومسكنه في جند فلسطين. وكان مسكنه شذونة. قال ابن عبد البر: كنيته أبو القاسم. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم والعبادة. وكانت له رحلة الى المشرق، سمع فيها من عبد الرحمن بن القاسم وغيره، من أهل العلم. قال غيره وسمع من ابن وهب. ولاه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن قضاء قرطبة سنة ثمان وسبعين. فكان قاضيًا أيام فتنة الربض، فاستنقذ الله بشفاعته كثيرًا. وسكن من الأمر عند الأمير، فقال له إن قريشًا حاربت رسول الله ﷺ وطردته، وبالغت في أذاه، وهو يدعوهم الى الهدى، ثم كان من صفحه عنهم لما أظهره الله عليهم ما علمت. وأنت أحق الناس بالاقتداء به لمكانك من قرابته وخلافة الله في عباده. فسكن عنهم وبذل لسيئاتهم الأمان على الجلاء عن قرطبة، وتردد القضاء في عقبه ببلده، مدة طويلة. ولم يزل القضاء مترددًا في ولده بشذونة، قال: وكان الفرج مع فهمه فارسًا شجاعًا، يتصرف للسلطان في قود الخيل وسد الثغور، وقيادتها. وقد ولاه الأمير الحكم، سرقسطة عند انتقاض طاعة بعض أهلها، من الغرب.

стр. 669

لمكانه منهم. فألف كلمتهم وصلحت به أحوالهم. قال ابن عبد البر: كان فارسًا شجاعًا شريفًا حكيمًا جزلًا خيرًا فاضلًا. ولي أثر ابن بشير فسلك سبيله. وكان صلب القناة في حكومته يعطي طوابعه في كل أحد من قرابة السلطان ووزرائه. فلا يرد له طابع. ولي سنة ثمان وتسعين واستعفى سنة مائتين فأعفي. قال ابن أيمن: كان للفرج قدر جليل، في الناس، ومكان عند السلطان. وله عقب فاش بشذونة. ذوو نباهة تردد فيهم قضاء بلدهم. يحيى بن معمر بن عمران بن حنبل بن عبيد بن أنيف الألهاني من العرب الشاميين. من أهل إشبيلية. كان منزله بمعدانة. قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر. قال ابن حارث: وكان في وقته فقيه إشبيلية وفارضها. وله رحلة. لقي فيها أشهب بن عبد العزيز. وأخذ عنه، وعن غيره من أهل العلم، وكان ورعًا زاهدًا، فاضلًا عفيفًا مقبلًا على عمارة ضيعته. باب ولايته القضاء وسيرته وفضله قال ابن حارث: استقدمه الأمير عبد الرحمن بن الحكم ببلده، قضاء قرطبة، فعدّ من خير القضاة في قصد بصيرته، وحسن هديه، وصلابة

стр. 670

قناته. لا يميل بلومة لائم وكان إذا أشكل عليه أمر، من أحكامه، واختلف عليه الفقهاء. تأنّى به، وكتب فيه الى مصر، الى أصبغ بن الفرج وغيره، من نظرائه بكشفهم عنه، فيجابهونه بما يعمل عليه. فكأنه يحقر بذلك فقهاء قرطبة فيدنونه؟ ويتبعون عثراته. وكان أشدهم عليه، زعيم الجماعة يحيى بن يحيى، وكانت آفة هذا القاضي، قلة رضاه عن الفقهاء، وتتبعه سقطاتهم، وقلة مداراته لهم. حتى سجل سبعة عشر رجلًا منهم السخط؟ فتفرقوا عنه بأجمعهم، ورفعوا عليه من كل جانب، وسعوا عليه جهدهم، حتى عزل. وذكر أنه لما عزل وأزمع على الرجوع الى وطنه، إشبيلية، أرسل إليه رجل من الوزراء كانت له به خاصة، ودالّة، بزوامل وأعوان، وقال له: عرّفه بثنائي على حفظ عهده، وسله أن يجعل على هذه الزوامل ثقلته. فلما أتاه بذلك جزاه خيرًا على فعله. وقال له: أدخل حتى ترى ما عندنا من الثقلة، لتقيم العذر فيما رددناه على أبيكم من مكرمته. فإذا بيته خلا إلا من حصير، وخابية بدقيق، وقصعة، وقلة الماء، وقدح وفراش بتبن وسريرة كان يرقد عليها. وقال هذه والله ثقلتي. والله المحمود على اليسير. ثم قال لخادمه: فرّق الدقيق على من بالباب من الفقراء. وادفع الحصير والآنية الى ضعفاء الحومة. ثم ركب منصرفًا الى بلده. قال ابن وضاح: صليت صلاة الكسوف مع ابن معمر في جامع قرطبة، سنة ثمان عشرة ومائتين، فأحسن الصلاة، ولم يقم لها وطوّلها. بدأها ضحى وأتمّها في القايلة وقد تجلت الشمس وذلك في الصيف.
следующие страницы →