← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

عجبت للأرض أن غيبتك وقد … ملأتها حكمًا في البيض والسود وخلف ابنين. محمد، وعبد الله، من ولده، وكان له حظ من العلم، إلا أن الزهد غلب عليه والعبادة. فانقطع إليها ولم يرغب في الدنيا، وعاد الى بلده البيرة، فلزمها الى أن توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. وقيل في نيف عليها. حدث عنه محمد بن فطيس الألبيري وكان يثني عليه ويحيى بن مطر وغيرهما. وقد روى أنها عن محمد. ووصف بالفضل والعلم. هارون بن سالم قرطبي يكنى أبا عمر. عده ابن أبي دليم في هذه الطبقة. قال ابن عبد البر: سمع من عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، ورحل الى المشرق، فلقي أشهب وروى عنه، وعن أصبغ وعلي بن معبد، وسحنون، وروى عنه عامر بن معاوية القاضي. وأدخل العتبي من روايته المستخرجة، في كتاب الايمان بالطلاق. وكان منقطع القرين في الفضل والزهد، والعلم. وكان أحمد بن خالد يقول: إنه مجاب الدعوة. وإن دعوته استجيبت في أشياء. وكان بينه وبين ابن خالد قرابة، من قبل الأم، وكان يحفظ المسائل حفظًا حسنًا. إلا أن العبادة غلبت عليه. قال ابن أبي دليم: وكان إذا دخل رمضان قال لزوجه أطوي الفراش. فلا ينام على فراش، حتى ينسلخ رمضان. وتوفي حدثًا في الأربعين من سنه متقدمًا لقرنائه. سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وكانت كتبه موقوفة عند أحمد بن خالد، وسنّه أربعون سنة. وقال ابن

стр. 667

وضاح: ما رأيت هنا مثله. كنت إذا رأيته يصلي رحمته. قال غيره: كان إذا صلى يرتعد. وهو خال بني هلال. موسى بن الفرج قرطبي يلقب بالثلجيلي. روى عن أشهب بن عبد العزيز. قال خالد: كان فقيهًا في المسائل على مذهب مالك. قال ابن حارث: كان من أهل الفتيا. وكان أبو صالح يصفه بالفقه. قال ابن وضاح: أخبرني سحنون وزياد بن المبشر أن ابن القاسم دعا عليه. وقال: لأعرضنّه على الله بالبكور والأسحار. وكان دعاؤه عليه سبب ما مشى بينه وبين أشهب، حتى أفسد ما بينهما. هشام بن حبيش طليطلي بضم الحاء المهملة وبعدها باء. كان صاحب رأي ومسائل. ورحل فسمع من ابن القاسم، وأشهب. وكان من أهل الفتيا والأسماع بصير بالاعراب. ذكره ابن حارث. الفضل بن عميرة وابنه عبد الرحمن قال أبو سعيد: فضل بن عميرة بن راشد بن عبد الله بن سعيد بن شريك بن عبد الله بن مسلم بن نوفل بن ربيعة بن مالك بن مسلم الكناني العتقي من أهل تدمير يكنى أبا العافية. قال ابن أبي دليم، وغيره: رحل مع ابنه عبد الرحمن فحجّا، وسمعا من ابن القاسم، وابن وهب، ومطرف وابن الماجشون. وكانا سمعا بالأندلس من يحيى بن مضر وغيره. وولي

стр. 668

الفضل قضاء تدمير في إمرة الحكم بن هشام الى أن توفي، سنة سبع وتسعين ومائة. ثم ولي مكانه القضاء بها ابنه عبد الرحمن، ويكنى أبا المطرف. وكان سمع من أبيه، ومن شيوخ أبيه، كما ذكرنا. قال ابن حارث: وكان له طلب وعناية. وتوفي سنة سبع وعشرين ومائتين. ولهما عقب جميل في العلم، وبيته جليل في النباهة الى وقتنا. الفرج بن كنانة قال ابن حارث: هو الفرج بن كنانة بن نزار بن عتبان بن مالك الضمري. من ولد عمر بن أمية الضمري الكناني. نسبه في كنانة. ومسكنه في جند فلسطين. وكان مسكنه شذونة. قال ابن عبد البر: كنيته أبو القاسم. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم والعبادة. وكانت له رحلة الى المشرق، سمع فيها من عبد الرحمن بن القاسم وغيره، من أهل العلم. قال غيره وسمع من ابن وهب. ولاه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن قضاء قرطبة سنة ثمان وسبعين. فكان قاضيًا أيام فتنة الربض، فاستنقذ الله بشفاعته كثيرًا. وسكن من الأمر عند الأمير، فقال له إن قريشًا حاربت رسول الله ﷺ وطردته، وبالغت في أذاه، وهو يدعوهم الى الهدى، ثم كان من صفحه عنهم لما أظهره الله عليهم ما علمت. وأنت أحق الناس بالاقتداء به لمكانك من قرابته وخلافة الله في عباده. فسكن عنهم وبذل لسيئاتهم الأمان على الجلاء عن قرطبة، وتردد القضاء في عقبه ببلده، مدة طويلة. ولم يزل القضاء مترددًا في ولده بشذونة، قال: وكان الفرج مع فهمه فارسًا شجاعًا، يتصرف للسلطان في قود الخيل وسد الثغور، وقيادتها. وقد ولاه الأمير الحكم، سرقسطة عند انتقاض طاعة بعض أهلها، من الغرب.

стр. 669

لمكانه منهم. فألف كلمتهم وصلحت به أحوالهم. قال ابن عبد البر: كان فارسًا شجاعًا شريفًا حكيمًا جزلًا خيرًا فاضلًا. ولي أثر ابن بشير فسلك سبيله. وكان صلب القناة في حكومته يعطي طوابعه في كل أحد من قرابة السلطان ووزرائه. فلا يرد له طابع. ولي سنة ثمان وتسعين واستعفى سنة مائتين فأعفي. قال ابن أيمن: كان للفرج قدر جليل، في الناس، ومكان عند السلطان. وله عقب فاش بشذونة. ذوو نباهة تردد فيهم قضاء بلدهم. يحيى بن معمر بن عمران بن حنبل بن عبيد بن أنيف الألهاني من العرب الشاميين. من أهل إشبيلية. كان منزله بمعدانة. قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر. قال ابن حارث: وكان في وقته فقيه إشبيلية وفارضها. وله رحلة. لقي فيها أشهب بن عبد العزيز. وأخذ عنه، وعن غيره من أهل العلم، وكان ورعًا زاهدًا، فاضلًا عفيفًا مقبلًا على عمارة ضيعته. باب ولايته القضاء وسيرته وفضله قال ابن حارث: استقدمه الأمير عبد الرحمن بن الحكم ببلده، قضاء قرطبة، فعدّ من خير القضاة في قصد بصيرته، وحسن هديه، وصلابة

стр. 670

قناته. لا يميل بلومة لائم وكان إذا أشكل عليه أمر، من أحكامه، واختلف عليه الفقهاء. تأنّى به، وكتب فيه الى مصر، الى أصبغ بن الفرج وغيره، من نظرائه بكشفهم عنه، فيجابهونه بما يعمل عليه. فكأنه يحقر بذلك فقهاء قرطبة فيدنونه؟ ويتبعون عثراته. وكان أشدهم عليه، زعيم الجماعة يحيى بن يحيى، وكانت آفة هذا القاضي، قلة رضاه عن الفقهاء، وتتبعه سقطاتهم، وقلة مداراته لهم. حتى سجل سبعة عشر رجلًا منهم السخط؟ فتفرقوا عنه بأجمعهم، ورفعوا عليه من كل جانب، وسعوا عليه جهدهم، حتى عزل. وذكر أنه لما عزل وأزمع على الرجوع الى وطنه، إشبيلية، أرسل إليه رجل من الوزراء كانت له به خاصة، ودالّة، بزوامل وأعوان، وقال له: عرّفه بثنائي على حفظ عهده، وسله أن يجعل على هذه الزوامل ثقلته. فلما أتاه بذلك جزاه خيرًا على فعله. وقال له: أدخل حتى ترى ما عندنا من الثقلة، لتقيم العذر فيما رددناه على أبيكم من مكرمته. فإذا بيته خلا إلا من حصير، وخابية بدقيق، وقصعة، وقلة الماء، وقدح وفراش بتبن وسريرة كان يرقد عليها. وقال هذه والله ثقلتي. والله المحمود على اليسير. ثم قال لخادمه: فرّق الدقيق على من بالباب من الفقراء. وادفع الحصير والآنية الى ضعفاء الحومة. ثم ركب منصرفًا الى بلده. قال ابن وضاح: صليت صلاة الكسوف مع ابن معمر في جامع قرطبة، سنة ثمان عشرة ومائتين، فأحسن الصلاة، ولم يقم لها وطوّلها. بدأها ضحى وأتمّها في القايلة وقد تجلت الشمس وذلك في الصيف.

стр. 671

بقية أخباره قال يحيى بن يحيى: لما قام الناس على ابن معمر أتاني سعيد بن حسان فقال لي: ما ترى في شهادتي عليه؟ قلت: لا تفعل، وانتظر أن تُشاور فيه، فيكون رأيك أنفذ من شهادتك. فغلبته شهوته وشهد فيه. فلم أنشب أن أتاني كتاب الأمير يقول لي: تصفحت الشهادات فلم أرَ فيها شهادتك وقد وجهتها إليك لتتصفحها، وتكتب برأيك فيها. فكتبتها الى الأمير: ما عندي من أخبار القاضي شيء. لأنه لم يكن يحضرني مجلسه. ولا يشاورني. وأما الشهادات عليه فلو وقع مثلها على مالك والليث ما رفعا بعدها رأسًا. فأمسى معزولًا. قال ابن حارث: ثم ولي بعد الأسوار بن عقبة البصري، وكان من أهل الخير والتواضع والتحري، كان يحمل خبزه الى الفرن بنفسه، ولما عزل وأريد منه ثانية أبي، وقال فيّ عيوب كثيرة ضعف بدني، وكثر ولدي، فقيل له أو كثر ولدك من العيوب؟ قال: من أشدها. فولي يحيى بن معمر ثانية. وذلك أن الأمير ورد إشبيلية، فوجد بعض حواشيه، يحيى ابن معمر في جنة له، يستقي الماء بخطارة، ويسقي بقل جنانه. فذكر ذلك للأمير، فقال، الأمير: والله ما أشك في فضل الرجل وورعه، وإني لأظن أن

стр. 672

الواقعين تألبوا بالباطل، وأمر من ساعته بتوجيهه الى قرطبة. فلما قدم حلف ألا يستبقي يحيى بن يحيى، ولا زونان، ولا سعيد بن حسان. فبقيت الأحكام معلقة الى مقدم الأمير، فبلغه. فأنكر ذلك. فقال له: قد أقسمت على ذلك. وفي البيرة رجل من أهل العلم والتقدم، ستغنى به عنهم. يعني عبد الملك بن حبيب. فأقدمه، وانفرد بفتياه. قال ابن أيمن، عن محمد: كنت يومًا عند ابن معمر. إذ دخل عليه ابن حبيب. فلما أخذ مجلسه قال له: قضيته، الآن أحب أن تنفذ فيها، بما أشرت به عليك هو الحق إن شاء الله. وكان ابن معمر، يريد أن يحكم فيها بقول ابن القاسم، وأفتاه ابن حبيب بقول أشهب. فقال ابن معمر: والله لا أفعل، ولا أخالف ما وجدت عليه أهل البلد من العمل على قول ابن القاسم. فما زال التراجع بينهما، حتى قام ابن حبيب مغضبًا. فقلت له: هذا ابقه على أعدائك، كأني به قد صار في عددهم، ثم يعزلونه ثانية. فقال بالعزل تخوفني. ليت بغلتي عجزت في سهلة الحدود منصرفًا الى إشبيلية. وقد اختلفت الأخبار هل مات معزولًا أو قاضيًا. قال ابن عبد البر: كان أول ما ظهر من حذق ابن معمر، أن تقديمه الى القضاء وافق ليلة فطر، وأضحى فمشى صبيحتها الى المصلى يقيم الصلاة، وكانت الصلاة للقاضي. وكان ابراهيم يومئذ أمر، أن يقام للإمام عترة. يصلي إليها، إذ لم يكن يومئذ للمصلى محراب. فإذا بأهل النباهة والفطنة من ذوي الهيئات، قد احتشدوا العترة، ليتعرفوا خطبته. فلما جاء وراءهم فهم الأمر. فكادهم بأن قال لقومه: إنذي أرى الناس قد ازدحموا، الى

стр. 673

العترة، فقدّموها الى الفضاء، ليستوسعوا، فقدموها، وشط أنشاط الناس واخفاؤهم، فاصطفوا قربها، وتشاغل أولو الهيئات عن ذلك، ومكثوا مكانهم. فحصل قرب الشيخ من لم تكن عليه مؤونة. وقطع بأولئك. وذكر عن عثمان بن سعيد الزاهد، قال: لما احتضر يحيى بن معمر بإشبيلية، قال لمولى له من أهل الصلاح: أقسم بالله عليك، أجل الأقسام، إذا أنا متّ ألا ما ذهبت ليحيى بن يحيى فقل له يقول لك ابن معمر: وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلَبٍ ينقلبون. ففعل ذلك. فبكى يحيى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ما أظنه إلا خدعنا في الشيخ وسيء بيننا وبينه. ثم استغفر الله مليًا. ودعا له. وذكر ابن حارث: أنه ولي القضاء بقرطبة مرتين. إحداها سنة تسع ومائتين والأخرى بعد ذلك. قال ابن الفرضي: وهو الصحيح. قال ابن أبي دليم: وتوفي سنة ست وعشرين ومائتين. طبقة ثانية بعد هؤلاء منهم من أهل المدينة أبو الحكم المعروف بالبربري قال القاضي اسماعيل بن إسحاق: أبو إسحاق بن الحكم المدني. المعروف بالبربري. كان من أصحاب عبد الملك بن الماجشون. وكان مشهورًا بكنيته. روى عنه القاضي اسماعيل في المبسوط، مسائل من الاحباس. ثم سأل عنها القاضي يحيى بن أكثم، عبد الملك بن الماجشون فأجابه فيها.

стр. 674

من أهل العراق يعقوب بن شيبة ابن الصلت بن عصفور بن شداد بن هيمان السدوسي مولاهم. أبو يوسف وقال الخطيب عن حفيده محمد بن أحمد في نسبه: عصفور بن ميدان مولى شداد ابن هيمان السدوسي. قال في الكتاب، الحكمي، وابن حارث: إنه كان بارعًا في مذهب مالك. وألّف في تآليف جليلة. أخذ ذلك ابن المعذل وأصبغ بن الفرج، والحارث بن مسكين، وسعيد بن أبي زيد، ولقي جماعة من أصحاب مالك. قال ابن كامل الفرضي: كان من فقهاء البغداديين على قول مالك، ومن كبار أصحاب أحمد بن المعذل والحارث، وكان من ذوي السند وكثرة الرواية ويعقوب هذا أحد أئمة المسلمين، وأعلام أهل الحديث المسندين. يروي عن فريد بن هارون، ويونس بن محمد، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبي بكير، وجماعة ممن روى البخاري عن رجل منهم، فمن دونهم. قال أبو بكر الخطيب في تاريخ البغداديين: سمع يعقوب بالبصرة على ابن عاصم. ويزيد ابن هارون، وروح بن عبادة وعفان بن مسلم، ويحيى بن عبد الله الأنصاري، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبي بكير، وأبا الوليد الطيالسي، وجماعة ذكرهم. روى عنه ابن ابنه محمد بن أحمد ويوسف بن يعقوب بن البهلول. قال: وكان ثقة سكن

стр. 675

بغداد، وحدث بها، وبسرّ من رأى. ورماه أحمد بن حنبل بهواء وبدعة، حين أمر المتوكل بسؤال أحمد عمن يتقلد القضاء. فذكر له. قال الخطيب: إنما رماه بذلك لوقوفه في القرآن. قال ابن كامل: كان يقف بالقرآن. وقرأت بخط الحكم، والله أعلم، أن يعقوب كان ممن يقف في القرآن. قال القاضي: أصل وقوفه فيه. تقيه. أو سكوتًا عن الكلام فيما لم يتكلم فيه السلف، مع اعتقاده الحق والله أعلم. قال ابن كامل وكان لا يغير شيبة. قال ابن عبد البر: يعقوب أحد أئمة أهل الحديث. وصنف مسندًا معللًا. إلا أنه لم يتمه. قال الأزهري: سمعت الشيوخ يقولون، إنه لم يتم مسند معلل قط. قال عبد الغني بن سعيد: لم يتكلم أحد عن علل الحديث بمثل كلام يعقوب، وعلي بن المديني والدارقطني. قال شيخنا أبو علي القاضي، وكان أبو عبد الله بن أبي نصر الحميدي يقول: لو وجد كلام يعقوب على أبواب الحمامات للزم أن يُقرأ، ويُكتب. فكيف، ويوجد بسند لا مثل له. إعجابًا بكلامه. وقد ذكر الخطيب عن الدارقطني، وأبي عمر بن حيوة أنهما قالا: لو كان كتاب يعقوب على حمام. سطورًا لوجب أن يكتبها. وذكر عن الأزهري، أنه بلغه أنه كان في منزل يعقوب أربعون لحافًا، معدة لمن يبيت عنده من الوراقين، لتبييض كتابه، ونقله. ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار. قال وقيل

стр. 676

لي: إن مسند أبي هريرة منه. ومر بمصر في مائتي جزء. قال الخطيب: والذي ظهر منه مسند العتبة، وابن مسعود، وعمار، وعتبة بن غزوان، والعباس، وبعض الموالي. هذا الذي رأينا في مسنده حسب ما قال الباجي. وكان وقع لشيخة القاضي أبي علي منه قطعة صالحة. قال يوسف بن إسحاق بن البهلول، قال يعقوب بن شيبة: أظل عيد من الأعياد رجلًا. وعنده مائة دينار. لا يملك سواها فكتب إليه أخ يخبره أن العيد أظلّه، ولا شيء عنده ينفقه على الصبيان ويستدعي منه نفقة. فوجه إليه المائة في صرة، قد ختمها. فلم يكتب حتى كتب أخ آخر الى ذلك الرجل، يشكو له مثل شكواه هو للأول، ويستدعي مثل ما استدعاه. فوجه الصرة إليه، بختمها. وبقي الأول بلا شيء. فكتب الى صديق له: يستدعي منه نفقة. ويذكر إضاقته، فإذا به الثالث الذي عنده الصرة. فوجه بها إليه بختمها. فعرفها واستراب شأنها. فركب إليه ومعه الصرة. وسأله عن شأنها. فأخبره أنها وصلت إليه من صديقه فلان، بعدما استدعيت منه ما أنفقه. فلما وردت رقعتك عليّ آثرتك بها. فقال له: قم بنا إليه. فركبا جميعًا الى الثاني ومعهما الصرة. فتواصلوا الحديث. ثم فتحوها. فاقتسموها، أثلاثًا. قال يوسف والثلاثة: يعقوب بن شيبة، وأبو حسان الزيادي، وفلان، سماه. وقد تقدم شبه هذه القصة للواقدي، في أخباره. قال يعقوب: سألت أبا عمرو يعني الحارث بن مسكين عن المراكب في

стр. 677

البحر. ينفق عليها السلطان ويجعل فيها ما يكفي، لمن يركب فيها، مما يأكلون الى أن يرجعوا، أترى للمطوعة أن يركبوها. فكأنه كره. ولم يعجبه. وسألته عن مبايعة الجند والسلطان. فكره ذلك للطعام والشراب وغير ذلك. وأن يجلب الى عسكرهم شيء. فقال ألا يخرجوا في غزو فأرجو أن لا يكون بمبايعتهم في جهتهم. قال: وسألته عما أخرج السلطان مباحًا للناس، كالجسور والقناطير، وما يوضع في الطريق للشرب وشبهه. فقال أما ما لا يجد الرجل منه بدًا، كالمساجد الجامعة، والجسور وشبهها فلا بأس به. وقد يبسطون به للمسافر. ويسرجون القناديل، وأما ما وجد منه بدًا، فلا. وتوفي في ربيع الأول سنة اثنتين وستين ومائتين. مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة. مع ابن عبد الحكم. في سنة واحدة. وقال ابن عبد البر: سنة أربع وثمانين. أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن ضمره النيسابوري المعروف بالعطار وكان فن فقهاء المالكية الخراسانيين فيهم. درس المذهب بنيسابور. وهو آخر من درس مذهب مالك رحمه الله تعالى ذكر ذلك أبو نصر بن ماكولا الحافظ، قال: وتفقه بعبد الله بن عبد الحكم. وسمع أبا عبد الله ابن أخي ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن منيع، ومحمد بن رافع، وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين.

стр. 678

من أهل مصر أبو إسحاق البرقي واسمه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عمرو، ابن أبي الفياض، مولى زهير. قال عبد الله بن محمد بن أبي دليم القاضي: كان صاحب حلقة أصبغ معدودًا في فقهاء مصر، يروي عن أشهب وابن وهب، وقد أخذ عن البرقي الناس بمصر. وروى عنه يحيى بن عمر. قال أبو عياش القروي: كنا عند البرقي بمصر، فامتنع علينا من إسماع بعض ما سألناه. فقلت لأصحابه: دعونا من هذا. فقد تركنا خلفنا من يكفينا عن الناس كلهم. قال، من هو؟ قلت: سحنون. فلم ينكر ذلك. وله مجالس وسماع، وكتب عن أشهب. حملنا عنه. قال ابن أبي دليم: وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين. ذكر بني عبد الله بن عبد الحكم وهم أربعة قد قدمنا في ذكر أبيهم وجدهم، نسبهم. وهم عبد الحكم، وعبد الرحمن، وسعيد، ومحمد. قال ابن حارث: وكانوا بمصر أربعة إخوة فقهاء علماء. بنو عبد الله بن عبد الحكم. فأما عبد الحكم بن عبد الله، أبو عثمان، فكان أكبر بني عبد الله. قال ابن أبي دليم، وابن حارث، ولم يكن فيهم أفقه منه ولا أجود حظًا، وكان خيرًا، فاضلًا. له سماع كثير من أبيه، وابن وهب، وغيرهما من رواة مالك. وكان من أكابر أصحاب ابن وهب. قال الكندي: كان فقيهًا. قال أبو الطاهر: لم يكن

стр. 679

في أصحاب ابن وهب أتقى منه، ولا أجود حظًا. حدث عنه الزيادي. وتوفي بمصر، في سجن يزيد التركي وعذابه سنة سبع وثلاثين ومائتين. قال زكريا بن يحيى بن الحكم. شهدت يحيى بن عبد الله بن عبد الحكم، ابن عبد الحكم. فقال لي أبوه: يحضر طعام ابن أخيك. فأتى بثريدة فأكلنا. ثم أتى بجفنة بطيخ، وكان ابن عبد الحكم هو الذي يخدمنا، ويوصينا. وكذلك كان طعامه للناس. ووجه الى المسلمين الذين حوله، في صلاة المغرب لكل مسجد ثريدة وجفنة بطيخ. خبر محنته كان القاضي نصر ابن أبي الليث الأصم، وكان معتزليًا. وقد امتحن بني عبد الحكم مع سائر الفقهاء، وأهل الفضل في القرآن، كما قدمنا. ثم وردت على الأصم كتب من العراق، في استخراج مال الجروي. من عند بني عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم. فشهد جماعة بذلك، وشهد بنو عبد الحكم وآخرون: أن الجروي ابراهيم فتحامل عليهم ابن أبي الليث، وحكم على بني عبد الحكم بألف ألف دينار، وأربعمائة ألف، وأربعة آلاف دينار وحكم على زكريا بن يحيى كاتب العمري، بثمانية آلاف. وألزمهم المال، ودفع القصة الى يزيد التركي، الموجه في الحال من قبل المتوكل. فألزم المال بني عبد الحكم، وشدد عليهم، وسجنهم. فعذب عبد الحكم بن

стр. 680

عبد الله حتى مات في عذابه، لأربع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين. واستصفيت أموال بني الحكم وأصحابهم، ونهبت منازلهم، وملئت السجون من الناس، الى أن ورد كتاب المتوكل بإخراجهم من السجن، ورد أموالهم إليهم، وسجن الأصم القاضي، وقد كان ورد قبل هذا كتابه بسجنه، وسجن أصحابه، واستصفاء أموالهم، ولعنه على المنبر، فلعن. ولعنته الأمة على إثر ذلك. ثم أخرج من السجن، لينظر في أمر بني عبد الحكم، فوضع يده على بيت المال، فبذره. وذلك نحو مائة ألف وعشرين ألفًا. ودفعوا الى كل واحد منهم من الذين سجنوا معه العشرة الآلاف ونحوها، فأمر المتوكل بسجنه، وأمر بحلق رأسه ولحيته، وضربه بالسوط. وحمله على حمار بأكافٍ، وتطويفه بالفسطاط، ففعل ذلك كله به. وحكى ذلك أبو عمر الكندي، في كتاب الموالي، وفي كتاب القضاة. وذكر غيره، أن موت عبد الحكم إنما كان بسبب المحنة في القرآن، وأنه دخّن عليه بالكبريت حتى مات. وقال المالكي: سجنه الأصم وابن أبي الجواد فلم يرجع. فضرب في مسجد مصر أقل من ثلاثين سوطًا في خلافته. أخوه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله، سمع من أبيه وابن وهب، وأشهب وابن القاسم، وشعيب ابن الليث وغيرهم، من أصحاب مالك والليث. وصحب الشافعي، وكتب كتبه، وأخذ عنه. كان أبوه ضمه إليه، وأمره أن يعول عليه، وعلى

стр. 681

أشهب. وكان محمد أفضل الناس فهمًا. ويروي عن أبي فديك، وأنس بن عياض، وشعيب بن الليث، وبشر بن بكير، وحرملة بن عبد العزيز، وإسحاق بن الفرات. وخالد بن عبد الرحمن الخراساني. وأيوب بن سويد. روى عنه أبو بكر النيسابوري، وابراهيم بن محمد الحلواني، وأبو حاتم الرازي. وابنه عبد الرحمن، وأبو بكر الأصم، وأبو إسحاق بن خزيمة. وعيسى بن مسكين. وسعيد بن إسحاق، وعمر بن يوسف الإشبيلي، وعمر بن حفص بن غالب، ومحمد بن فطيس، وعبد الله بن خالد الفارسي، وأبو جعفر الطبري. ومحمد بن الربيع الجيزي، وسعد بن معاذ. ذكر مكانه من العلم والفضل قال ابن حارث: كان من العلماء الفقهاء، مبرزًا من أهل النظر، والمناظرة، والحجة فيما يتكلم فيه ويتقلده من مذهبه، وإليه كانت الرحلة من المغرب في العلم والفقه من الأندلس. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيهًا نبيلًا جليلًا، وجيهًا في زمانه. وحكي لابن القاسم قوله فيه: أن قيل بحر العلم. وهذا يبعد لما نذكره. قال الشيرازي: إليه انتهت الرياسة بمصر. قال ابن أبي دليم: كان فقيه مصر في عصره، على مذهب مالك، وصحب الشافعي، فرسخ في مذهبه. وربما تخير قوله عند ظهور الحجة له. وكانت له مناظرة في الفقه. قال الكندي: كان أفقه أهل زمانه، وإليه انتهت الفتيا بمصر، وناظره ابن ملول صاحب سحنون، فقال لي معه،

стр. 682

صاحبكم أعلم من سحنون. قال سعيد بن عثمان: محمد بن عبد الحكم ثقة، فاضل عالم. رأيته بمصر يركب حمارًا قصيرًا حقيرًا، منتوف الذنب، ويقول: فقيه الطريق. ويروح الى الجمعة بقميص مرقوع بين كتفيه. ولو شاء لبس أرفع الثياب، وركب أفره الدواب، لسعة ماله. وذكر كثيرًا من فضله وتواضعه. وقال ابن أبي حاتم: هو صدوق ثقة، ونبيل، الثناء عنه، هو أطرف وأنصف من أن يكذب. قال محمد بن فطيس الأيسري: لقيت في رحلتي، نحو مائتي شيخ، ما رأيت فيهم مثل محمد بن عبد الحكم. قال أبو عمر الصدفي: ورأيت أنا أهل مصر، لا يعدلون به أحدًا. ويصفونه بالفضل والعلم والتواضع. ووجدت حلقته قائمة بجامع مصر، قد جلس فيها ابن رمضان، وذكر الخطيب في تاريخ البغداديين، عن أخيه سعد بن عبد الله: كان الشافعي يأتي راكبًا الى الباب، يعني باب بني عبد الحكم. فيقول ثمّ محمد؟ فيدعوه فيذهب معه الى منزله، فيقيل عنده. قال أبو بكر بن خزيمة: وهم أربعة إخوة، فسماهم. قال ولم ندرك نحن منهم إلا اثنين. يعني محمدًا وسعدًا. قال: ومحمد أعظم من رأيت في مذهب مالك، وأحفظهم له. وسمعته يقول: كنت أتعجب ممن يقول في المسائل، لا أدري. فأما الآثار، فلم يكن يحفظها. وكان أعبدهم، وأكثرهم اجتهادًا، وصلابة سعد. وكان محمدًا من أصحاب الشافعي، وممن يتعلم منه. وله تواليف كثيرة، في فنون العلم، والرد على المخالفين. كلها حسان. ككتاب أحكام القرآن، وكتاب الوثائق والشروط،

стр. 683

وكتاب مجالسه أربعة أجزاء وكتاب الرد على الشافعي، فيما خالف فيه الكتاب والسنة، وكتاب الرد على أهل العراق، وكتابه الذي زاد فيه على مختصر أبيه، وكتاب أدب القضاة، وكتاب الدعوات والبينات، وكتاب اختصار كتاب أشهب، وكتاب السبق والدين، وكتاب الرد على بشر المريسي، وكتاب الصوم وكتاب الكفالة، وكتاب الرجوع عن الشهادات، وكتاب المؤيدات. قال ابن حارث: وأرى أنها مولفة عليه. لأنها مسائل منثورة لم تضم لباب كالأسمعة. ذكر أخباره ذكر أبو إسحاق الشيرازي محمدًا في الشافعية، ولم يذكره في المالكية. ولا أدري لم فعل هذا. والتزامه لمذهب مالك، وإقامته فيه مشهورة. وتواليفه على مذهبه والرد على الشافعي وغيره معروفة، مع أن غيره من أصحاب الشافعي، يذكرون أنه كان أولًا من أصحاب الشافعي، وأنه رجع عنه آخرًا. ويذكرون لذلك سببًا، فذكر أبو حامد الطوسي الغزالي في كتاب آداب الصحبة، له: أن سبب ذلك أن أصحاب الشافعي سألوا الشافعي في مرضه لمن يجتمعون إليه بعده، فتطاول بها ابن عبد الحكم، وكان من أحب الناس الى الشافعي وأخصهم به. فحضهم الشافعي على

стр. 684

البويطي، فأنكرها ابن عبد الحكم وانحرف عند ذلك عن رأي الشافعي، ورجع الى مذهب أبيه. وهذا كله ظن منهم. وإلا فقد عرف درس ابن عبد الحكم لمذهب أبيه عليه، وعلى أصحابه أكثر من درسه لمذهب الشافعي. بل إنه صحب الشافعي واستفاد منه، واختص به وذكر أنه زار الشافعي في مرضه. فأنشد الشافعي ﵁: مرض الحبيب فعدته … فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني … فبرئت من نظري إليه ذكر أبو عمر الصدفي عن محمد أن أباه قال له: الزم هذا الرجل. يعني الشافعي. فإنه كثير الحجج. فليس بينك وبين أن تقول: قال ابن القاسم فيضحك منك. إلا أن تخرج من هذا البلد الى غيره. فكان كما قال. ما هو إلا أن خرجت للعراق، فتكلمنا في مسألة. فقلت لابن أبي داؤود من يقول بقولك أنت؟ قال: أبو يوسف. وقلت إنما قال ابن القاسم. فقال لي من ابن القاسم؟ قلت: رجل يقال بقوله من مصر الى مغرب الشمس، فكأنه اهتم حيث لم يعرفه. فقال له: كاتب لابن أكتم، هو من عبادهم وفقهائهم. قال البلخي أبو عبد الله: كنت يومًا عند محمد بن عبد الحكم، إذ خرج له صبي صغير عليه حلية ذهب. فقلت ما هذا؟ فقال إنه صبي. فقلت إن لم يكن متعبدًا في نفسه، فأنت متعبد فيه، بأن

стр. 685

لا تسقيه خمرًا ولا تطعمه الخنزير. فقال: إنه من عمل النساء. يعني فعلته بغير أمره. قال محمد بن عبد الحكم: قلت للشافعي: لأي شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه، وترك بعضه، أنه يجزيه. قال: من سبب الباء الزائدة. قال الله تعالى: فامسحوا برؤوسكم. ولم يقل رؤوسكم. قلت له: فأي شيء ترى في التيمم، إذا مسح الإنسان بعض وجهه وترك بعضًا. قال: لا يجزيه. فقلت له: لم وقد قال الله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. فسكت. وكان محمد يقول: التوقر في الزهد، مثل التبذل في الحفلة. قال بعضهم: أنشد محمد بن عبد الحكم: لما عفوت ولم أحقد على أحد … أرحت نفسي من غم العداوات إني أجيء عدوي عند زاويته … لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر الشر للإنسان أبغضه … كما أملي قلبي من محبات ولست أسلم ممن لست أعرفه … فكيف أسلم من أهل المودات وقد ذكر أبو بكر بن خزيمة، قال: جرت بين محمد وبين البويطي وحشة في مرض الشافعي الذي مات منه. فتنازعا مجلس الشافعي. كل واحد منهما يقول: أنا أحق بمجلسه منك. فجاء الحميدي، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف. يعني البويطي. فكذبه ابن عبد الحكم، فرد عليه الحميدي، فغضب ابن عبد الحكم، وترك مجلس الشافعي. وتقدم فجلس في الطاق الثالث. قال معد بن معاذ: حضرت محمد بن عبد الحكم يفتي في المشي الى مكة، بكفارة يمين. وحكى ذلك عن ابن القاسم أنه أفتى به ابنه، وذكر عنه أن قومًا استشاروه في الحج، أو الجلوس الى السماع. فأشار على بعضهم بالحج وبعضهم بالجلوس. فسأله عن ذلك، الذي أمره بالحج،

стр. 686

فقال له: رأيت عند أصحابك فهمًا، ورأيتك بخلافهم. وهذا الأمر، برهان. قال: إني ذاكرت الشافعي يومًا بحديث، وأنا غلام. فقال: من حدثك؟ قلت: أنت. فقال: في أي كتاب؟ قلت: في كتاب كذا. فقال: ما حدثتك به من شيء فهو كما حدثتك. وإياك والرواية عن الأحياء. وسئل محمد: هل للجد جزاء في الآخرة، على قدر أعمالهم؟ فقال: نعم. قال الله: ولكلٍ درجاتٌ مما عمِلوا. وسئل محمد بن عبد الحكم، كيف يُعزّى الرجل المسلم في أمه النصرانية؟ فقال: يقال له: الحمد لله على ما قضى. قد كنا نحب أن تموت على الإسلام، ويسرك الله بذلك. وسئل أيضًا عن مثل هذا في القريب النصراني، يموت للمسلم. كيف يعزى عنه. فقال: يقول إن الله كتب الموت، والموت حتم على الخلق كلهم. محنته قال القاضي عياض أبو الفضل ﵁: قد تقدم ما جرى عليهم في محنته، في خبر قال الجروي: وأما محنته في القرآن، فذكر أبو إسحق الشيرازي، أنه حمل في المحنة بالقرآن الى بغداد، الى ابن أبي دؤاد. ولم يجب الى ما طلب منه. فرد الى مصر. وقال غيره: ذكر أنه ضرب في ذلك، وأدخل الكبريت تحت ثيابه، وأوقد في جوانب ثيابه، فاحترق ثيابه، فتنحوا عنه، فهرب واستتر في دار امرأة. وقيل إنه علق ودخِّن من تحته. قال أبو عمر الكندي: لما أمر الواثق الناس بالمحنة، في

стр. 687

القرآن. ورد كتابه الى أبي بكر الأصم، قاضي مصر. فأخذ الناس بذلك. فلم يبق فقيه ولا مؤذن ولا معلم إلا أخذ بها. فهوى كثير من الناس، ومليت السجون ممن أنكرها، وأمر القاضي أن يكتب المخلوق على أبواب المساجد. فذكر بعضهم، أنه رأى مطرًا غلام الأصم، يسوق هارون الأيلي بعمامته. وهي في عنقه وطيلسانه تحت عضده. وهارون ينادي على نفيه بالمخلوق حتى أخرجه من السجن. وطاف به الطرق كلها، كذلك أتى مطر الى محمد بن عبد الحكم، فأخذ برجله، فوثب محمد، فلما همّ مطر أن يتناول قلنسوته، بادر محمد فجعلها في كمه. فأطافه مطر ينادي بالمخلوق، فمضى به على حلقة المعتزلة، فقالوا له: الحمد لله الذي هداك يا عبد الله. ففي هذا يقول الجمل المصري من قصيدة يمدح الأصم: ومحمد الحكمي أنت أطفته … وأخاه ينعق بالصياح الأجهر كل ينادي بالقران وخلقه … فشهرتهم بمقالة لم تشهر أعطتك السنة أتتك ضيرها … وأتتك ألسنة بما لم تضمر ومات في ذي القعدة منتصف سنة اثنتين وثمانين ومائتين فيأتي على هذا أن سماعه من ابن القاسم، كان وهو ابن نحو تسعة أعوام. لأن وفاة ابن القاسم في صفر سنة إحدى وتسعين ومائة. ومن ابن وهب وهو ابن بضعة عشر عامًا. ﵀ وهذا يضعف ما تقدم فيما حكى ابن القاسم قال:

стр. 688

إن قيل محمد لعلم. إذ يبعد أن يقال ذلك لمن هو في هذا السن حمله، ولعل ابن القاسم إنما قاله لأبيه عبد الله. فقد روى عنه كثيرًا ابن أخيهم عبد الحكم. والله أعلم. أخوهما عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم أبو القاسم روى عن أبيه وعن ابن الماجشون وابن بكير والقعنبي، وعن جماعة من أصحاب مالك، وعن شعيب بن الليث، وزيد بن الحسن. وعبد الله بن صالح، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن يزيد المقري، وعن يونس بن يحيى ابن يحيى بن نباته. وادريس بن يحيى الخولاني. ووهب الله بن راشد، وأسد بن موسى، وطلق بن السمح، وهاني بن المتوكل. كتب عنه أبو جعفر الطبري، وأبو عبيد الله الحميدي، وأبو حاتم بمصر. وفتح ابن محرّق. روى عنه أحمد بن بشير الدمشقي، وعيسى بن مسكين، وابراهيم بن أبي روح. له كتاب فتوح مصر، رواه علي بن قرين، وله كتاب آخر، رواه عنه عيسى بن مسكين. قال عبد الرحمن بن الحكم: لما رميت جمرة العقبة، قبل أن أفيض، دعوت ببان فمسيت منه. فقال لي أبي: ما تصنع. قلت ادهن به، فسكت. واتبع عبد الرحمن في ذلك حديث عائشة. كنت أطيّب رسول الله ﷺ وهي محرمة. قبل أن يحرم،

стр. 689

وبحله قبل أن يطوف بالبيت. فقيل لمحمد أخيه أتقول بهذا الحديث. فقال: والله إني لا أعظم أن لا أقول؟ قال ابن أبي دليم: توفي في محرم سنة سبع وخمسين ومائتين. قال أبو زرعة الرازي: هو رجل صالح من أفاضل المسلمين. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم. يقال إنه من الأبدال وهو صدوق. أخوهم أبو عمر سعد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو القاسم عبد الرحمن. روى عن أبيه وعن ابن الماجشون يروي عن وهب بن راشد، ويحيى بن حسان التنيسي وابن نافع، وعبد الملك بن الماجشون، وعلي بن جعفر بن محمد، وآدم بن أبي إياس العسقلاني وجل روايته عن أبيه. وهو أصغر إخوته. وكان من علماء هذه الطبقة. قال الكندي: كان فاضلًا، قال أبو حاتم: هو صدوق - قال أبو بكر بن خزيمة: كان أعبدهم وأكثرهم اجتهادًا وصلاة، وسمع منه. وتوفي في رجب سنة ثمان وستين ومائتين وفي السنة التي توفي فيها أخوه. وكذا قال ابن أبي دليم. وقال ابن شعبان: توفي قبل أخيه محمد بستة أشهر. وحكى أبو عمر الصدفي، عن النسائي قال: سعد أقدم موتًا من أخيه محمد. وكان موسى بن هارون الحمال ينتحب عليه. وروى عنه محمد بن القاسم المصري،

стр. 690

وابراهيم بن محمد الحلواني، وابن أبي حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، ومحمد بن الربيع، وعمر بن حفص بن غالب. مولده سنة إحدى وتسعين ومائة. محمد بن ابراهيم بن رباح الاسكندراني المعروف بابن المواز قال أبو إسحق الشيرازي: تفقه بابن الماجشون، وابن عبد الحكم، واعتمد على اصبغ وروى محمد أيضًا عن ابن بكير وأبي زيد بن أبي أنعم. والحارث بن مسكين، ونعيم بن حماد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقرأت في كتاب القاضي ابن أبي دليم، أنه روى عن ابن القاسم، وابن وهب، وأن مولده في رجب سنة ثمانين ومائة. فإن صح فإنما روى عن ابن القاسم صغيرًا، كما ذكرنا في كتاب محمد بن عبد الحكم والله أعلم. قال الشيرازي: والمعول بمصر على قوله. قال ابن حارث: كان راسخًا في الفقه، والفتيا. علمًا في ذلك. قال الشيرازي: وطلب في المحنة بالقرآن فخرج هاربًا الى الشام. فلزم حصنًا بها الى أن مات. قال أبو نصر السوسي: كنت ربما أقول قال محمد بن عبد الحكم: قال سحنون، في هذه المسألة كذا. وأنكر كذا. فيتلقى ذلك بالقبول ويعظم عندي ويترحم عليه. قال: وكان ابن المواز، لا يتلقى ذلك بالقبول. ويقول لي

стр. 691

من هذا خرج العلم، ومن عندنا أتاكم. ومثل هذا من القول. وذكر أبو عمر الكندي أن سبب خروجه، أن المعتمد لما خرج للاجتماع بطولون، أمير مصر فخرج أبو أحمد الموفق أخوه، يريد صرف المعتمد عن طريقه ورده الى سر من رأى، ووكل به. فبلغ ذلك ابن طولون بعد خروجه فانصرف الى دمشق، وكتب الى جميع عماله بإحضار الفقهاء والقضاة والأشراف، وكتب إليهم بما جرى من قضية المعتمد، وأنه في حالة المأسور، وأنه يبكي. وقال الخطيب بمصر يذكر ذلك يوم الجمعة، وما قيل في الخليفة. وقال اللهم اكفه من حصره وظلمه، وخرج من مصر بكار بن قتيبة القاضي، ومنهال بن حبيب، وإسحق بن محمد بن معمر وابراهيم المهلبي وفهد بن موسى، ومحمد المواز، وعلي بن محمد بن عبد الكريم وآخرون. فلما اجتمع الناس بدمشق، أمر ابن طولون بالكتاب فيه خلع أبي أحمد الموفق من ولاية العهد، لمخالفته الخليفة وحصره. وأنه قد وجب جهاده على الأمة، وشهد في ذلك جميع من حضر إلا بكار بن قتيبة ومحمد بن المواز وفهد بن موسى فقال البكار: لم يصح عندي ما فعله موسى أبو أحمد. وذلك سنة تسع ومائتين. وله كتابه المشهور الكبير، وهو أجل كتاب ألّفه قدماء المالكيين وأصحها مسائل، وأبسطها كلامًا، وأوعبها. وذكره

стр. 692

أبو الحسن القابسي، ورجحه على سائر الأمهات، وقال: لأن صاحبه قصد الى بناء فروع أصحاب المذهب، على أصولهم، في تصنيفه، وغيره. إنما قصد بجمع الروايات ونقل مقصور السماعات ومنهم من نقل عنه الاختيارات في مشروحات أفردها، وجوابات لمسائل سئل عنها، ومنهم من كان قصده الذب عن المذهب، فيما فيه الخلاف، إلا ابن حبيب فإنه قصد الى بناء المذهب عن معان، تأدت إليه، وربما قنع بنص الروايات على ما فيها. وفي هذا الكتاب جدة تكلم وعلى أهل العراق بمسائل من أحسن كلام وأنبله، وهو من رواية ابن ميسر وابن أبي مضر، عنه. وفي بعض النسخ زيادة، كتب على غيرها، ونقص من أصل الديوان، كتب منها الصلاة والطهارة إلا أن له في الصلاة كتاب فيه، من أبواب السهو وقضاء الصلاة، إذا نسيت. وصلاة السفر، وله كتاب الوقوف وإن الكتاب رواه بكماله قوم من أهل مكة وتوفي فيما قاله ابن حارث وابن أبي دليم بدمشق، لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة تسع وستين ومائتين. وقال غيرهما: سنة إحدى ومائتين، ومولده سنة ثمانين ومائة. قال ابن أبي مضر: ومولده في رجب من سنة ثمان ومائة. محمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة ابن الحارث مولى مراد. قال الكندي: كان فقيهًا، روى عن ابن

стр. 693

وهب، وابن القاسم، وكان يكتب للحارث بن مسكين في قضائه، وقال ابن أبي دليم: وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. عبد الملك بن شعيب بن الليث ابن سعد، بن عبد الرحمن. مولى خالد بن ثابت الفهمي ثم الكتاني وجده الليث إمام مصر في وقته. وابنه شعيب، من فقهائها. ذكر عبد الملك هذا ابن أبي دليم، وابن حارث، في هذه الطبقة من المالكية. وقال الكندي كان فقيهًا، وكان عسيرًا في الحديث. وجل روايته عن أبيه عن جده، وكان من أصحاب ابن وهب، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين. حبيش بن سليمان بن برد التجيبي مولاهم، تقدم ذكر أبيه، وضبط اسمه بحاء مضمومة وباء موحدة مفتوحة وياء التصغير، وشين معجمة. كنيته أبو القاسم، يروى عن أبي ضمرة. حدث عنه يحيى بن عثمان بن صالح. توفي سنة خمس وأربعين ولسليمان ولد آخر، اسمه؟ لم نجد من ذكرهما في الفقهاء. ولكن ذكر الناس أولادهما وسيأتي ذكر ولده في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 694

يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة حرمله بن يحيى التجيبي أبو حفص، هو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن مراد، مولى بني زميله بزاي معجمة، ذكره ابن أبي دليم، في فقهاء المالكية قال الكندي: كان فقيهًا روي عن ابن عيينة وابن وهب، والشافعي، وبهما تفقه، ويروى عن العلاء بن عاصم، ولم يكن بمصر أكتب عن ابن وهب منه، وكان سبب ذلك أن ابن وهب، حين طلب للقضاء، استخفى في منزله مدة طويلة، وكان أبوه يحيى قد ولي القصص والسوق، وكان مقبولًا عند القضاة، وولي على الجزيرة وجده حرملة بن عمران من فقهاء مصر توفي سنة ست عشرة ومائتين، وكان يحجب الأمراء، ويعرف بالحاجب، حدث عنه عبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن المبارك، وقال فيه: كان من ذوي الأنساب، قال عبد الله بن يزيد: جئناه في قوم بسبب السماع، فخرج علينا راكبًا، وقال: هذا يوم لا أشتغل فيه بغير المنابر، قلنا له: وما تصنع في المنابر؟ قال: أبكي على أصل الشرف، فإنما الدين مع الشرف، إذا ذهب الدين ذهب الشرف، قال ابن حنبل وابن معين: هو ثقة، توفي سنة ستين ومائتين، روى عن حرملة بن يحيى الناس، ومسلم بن الحجاج، وخرج عنه في صحيحه، وذكره البخاري في تاريخه، وروى عنه الرازيان: أبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو علي الغساني، والرمادي، ويحيى بن عمر، وابن وضاح، وعده أبو إسحاق الشيرازي في أصحاب الشافعي، وكان راوية كتبه الأخيرة، قال: وكان حافظًا للحديث وصنف المبسوط والمختصر، قال

стр. 695

ابن أبي دليم: كان رسخ في مذهبه، وترك الفتيا به، فكان لا يفتي إلا بمذهب مالك، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، قال يحيى بن معين: كان أعلم الناس بابن وهب، وتكلم فيه، قال الحافظ الحاكم: هو شيخ جليل القدر والمحل، في الحديث والفقه معًا، ومثله لا يترك، وقال ابن وضاح: قلت يومًا لحرملة، مثله يا أبا حفصل مثلك، وأنت تذهب مذهب أصحابك المصريين، تقرأ مثل هذه الكتب، يعني كتب الشافعي، فقال لي: يطلبها مني هؤلاء. فقلت له: أوَكلما طلب منك تخرجه، قال: أستحي والله منهم، قال الكندي: ونظر أشهب الى حرملة، فقال: هذا خير أهل المسجد. قال حرملة: عادني ابن وهب من رمد بي، فقال: يا أبا حفصل إنه لا يعاد من الرمد، ولكنك من أهلي، وشرح حرملة الموطأ، فما سأل عنه ابن وهب قال حرملة: سمعت سفيان. وسئل عن قول الناس السنّة والجماعة، ما تفسير ذلك؟ فقال: الجماعة ما أجمع عليه أصحاب محمد، من بيعة أبي بكر، وعمر، والسنّة: الصبر على الولاة، وإن جاروا، وإن ظلموا. وتوفي حرملة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال الأمير مولده سنة ستين ومائة. أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله ابن عمر بن السرح. مولى عتبة بن أبي سفيان. وقيل مولى فيصل مولى عتبة. وكان سرح جده أندلسيًا. طباخًا، سكن أسيوط. قال أبو عمرو وجلّ روايته عن ابن وهب. وغلب عليه الحديث، وسمع من ابن عيينة، وبشر بن بكر، وسالم بن ميمون، وغير واحد. وروى عنه أبو زرعة،

стр. 696

وأبو داود السجستاني، وأبو حاتم السجستاني، وأبو حاتم، ومسلم، وخرج له في صحيحه. قال أبو حاتم: لا بأس به. كان صدوقًا. قال ابن أبي دليم: هو من متقدمي هذه الطبقة. وكان ثقة. قال الكندي: كان أبو الطاهر فقيهًا، وكان موضحًا كله، وشرح موطأ عبد الله بن وهب. وتوفي سنة خمسين ومائتين. وقيل سنة ثلاث وخمسين. مولده سنة تسعين ومائة. أبو بكر عبد الكريم بن الحارث بن مسكين ابن الحارث بن باقية الزهري. مولاهم. وليس بولد الحارث بن مسكين، القاضي. هذا حارث آخر. قال عبد الله بن محمد: هو من أكابر أصحاب ابن وهب. وعنه جلّ روايته. قال الكندي: كان فقيهًا. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين. وبيته بيت جلالة ونباهة بمصر. يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسره ابن حفص بن حيان الصدفي. أبو موسى من آل خالد بن يزيد ابن السيد الصدفي. سمع من ابن عيينة، وابن وهب، وأشهب، ومعن بن عيسى، والوليد بن مسلم، ووكيع، وعبد الله بن نافع الصايغ والشافعي، وسفيان بن عيينة. وروى عن العلا بن عاصم، وبشر بن بكر، وقرأ على ورش، وصقلاب وغيرهما. كان أحد الرواة المشهورين، رحل

стр. 697

إليه الناس، فسمعوا منه، وطال عمره. قال ابن أبي دليم: وكان ثقة حافظًا، سمع منه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابنه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الصدفي، وأحمد بن محمد الواسطي، ومحمد بن الربيع، ويونس بن سهل، وأحمد بن كامل، وفتح بن شجر، وأبو بكر النيسابوري، ومسلم بن الحجاج، وخرج عنه، ومن الأندلسيين: سعيد بن عثمان، والأعشابي، وابن خمير، ومحمد بن وليد بن أسلم بن عبد العزيز القاضي. قال أبو حاتم الرازي: قدمت مصر، فلقيت أبا الطاهر بن السراج فقال لي: كم لك هنا؟ قلت شهرًا. قال لقيت يونس أبا موسى؟ قلت: لا. فأنكر ذلك علي، وجعل يعظم من شأنه. وقال أبو حاتم الرازي: هو ثقة. ورفع من شأنه. قال الباجي: هو من أجلّ أصحاب ابن وهب. قال الطبري: كان فقيهًا وكان شديد التقشف في أول أمره، مقبولًا عند القضاة. قال ابن علاثة: قال لي أبي، ما يدخل من باب المسجد أعقل من يونس. وقال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام. قال أبو عبد الله: هو ثقة. وفوق الثقة. ورفع من قدره. وكتب عن سفيان كثيرًا، كتبه الناس من حفظه. قال النسائي: هو أوثق أصحاب ابن وهب. قال: وكان فقيرًا، وأقطعه محفوظ أرضًا. فكان يزرعها ولا يأخذ منه خراجًا. أقام على ذلك سنين كثيرة. فكان ذلك أول غناه، ولما حكم الحارث بن مسكين، بإخراج بني البنات من حبس بني السائح، وتشكوا الى المتوكل، وأفتى أهل العراق بفسخ حكمه، واستغفر الحارث على ما

стр. 698

ذكرناه، وولي القضاء بكار بن قتيبة، ورد كتاب المتوكل عليه في النظر في حكم الحارث، في هذه القضية، وأحضر يونس لها. فاستعظم بكار فسخ القضية، إذ حكم الحارث فيها بمذهب أصحابه المدنيين. فلم يزل به يونس حتى جهر بالحكم، بفسخها. قال يونس: قال لي الحارث: ما علمت أحدًا اختلف الى الشافعي، شق علي كما شق اختلافك عليه. قال يونس: إنما أخذت عنه من أحكام القرآن كتابًا واحدًا. قال يونس: وجدت غير شيء، فرأيت في المنام قائلًا يقول: اسم الله الأكبر لا إله إلا الله. فقلتها عليه، ومسحت بيدي، فأصبحت معافًا. وقال ابن بكير لرجل شكا إليه الفقر: ألا أتيت يونس، فدعاك، فوالله إني لأجد له بركة وتوفي سنة أربع وستين. وصلى عليه الأمير ابن طولون. وقيل في هذه السنة توفي المزني وابن أخي ابن وهب، وأبي بكر بن الوقار، ويزيد بن سنان وتوفي سنة أربع وستين. مولده سنة إحدى وسبعين ومائة، وقيل سنة سبعين في ذي الحجة. محنته قال الكندي، عن ابن عثمان: كان جعفر بن قادم، أوصى الى يونس وكان ذا مال عريض، فحبسه ابراهيم بن الجراح، حتى استخرجها من يده. وقال غيره: أوصى أحمد بن أبي أمية، الى يونس وثلاثة معه، بمال.

стр. 699

فصرف اثنان منهم الى يونس، وصيتهما. فطولب يونس بها عند ابن أبي الليث. فسجنه في ذلك. فيقال إنه بقي في السجن ثمان سنين من سنة ثمان وعشرين الى سنة خمس وثلاثين. فلما قدم قوصرة، من عند المتوكل، ليكشف أمر أبي الليث، قيل له: إئت يونسًا يشهد عليه وهو في سجنه. فأخرجه وسأله عنه، فقال: ما علمت إلا خيرًا. قيل إنه في سجنك منذ كذا وكذا سنة. قال لم يظلمني هو، إذ ظلمني من شهد علي بخلاف قوصرة. ودخل يونس الى منزله، فلما أخرج ابن أبي الليث من السجن ليحكم في قصة بني عبد الحكم، وحكم عليهم. راعى يونس مقاله، وحكم له أنه بريء من تلك الوصية. وكانت عدتها ثلاثة وثلاثين ألف دينار أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان ابن المهاجر. مولى الأزد بن رفاعة التجيبي. قال ابن أبي دليم: كان من أكابر أصحاب ابن وهب. قال الكندي: كان فقيهًا من أعلم أهل زمانه بالشعر والغريب، وأيام الناس. مولده سنة إحدى وسبعين ومائة. وتقبل فأنكرَ عليه. قال، فسجنه ابن سدير. وتوفي في السجن بمصر سنة خمسين ومائتين. وأخوه سليمان بن يحيى كان صوفيًا جلدًا، مقبولًا عند قضاة مصر. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين. أبو جعفر هارون بن سعيد بن الهيثم ابن محمد بن الهيثم بن فيروز الايلي. مولى عبد الملك بن محمد بن عطية

стр. 700

السعدي، من بني سعد بن بشر بن قيس من أهل أيلة. وأصلهم من بلنس، سمع ابن وهب، وخالد بن نزار، والقاسم بن فيروز، وأسد بن موسى، وأشهب بن عبد العزيز، وأبا زيد بن أبي الغمر. روى عنه مسلم وخرج عنه في صحيحه، والنسائي، وأبو داود، وقال النسائي: هو ثقة. قال الكندي: كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وولد سنة تسعين ومائة. قال الكندي: بعد السبعين، وهو أصح. قال الحارث: مات وقد جاوز التسعين. أبو الربيع سليمان بن داود بن حماد أبو سعيد المهدي. مولى لهم. ابن أخي رشدين بن سعد، ويعرف بالرشديني، روى عن أشهب، وابن وهب، وسعيد بن الجهم، ويوسف بن عمر، وعن جماعة من أصحاب مالك وغيرهم، وعن أبيه، وبشر بن بكر وأبي الطاهر، وأصبغ بن عبد العزيز، ويوسف بن أبي ظبية، وأبي بشر بن قعنب، والحارث بن مسكين، والتميمي، وعلي بن المبارك، وسعيد الادم، وأبي زيد بن أبي الغمر الدمياطي، وأدرك خاله رشدين بن سعد صغيرًا. حدث عنه. قال: وصحب ادريس بن يحيى الخولاني، وفضالة

стр. 701

بن صيفي وغيرهم من الزهاد. وألف كتابًا في عباد المصريين. فرويت عنه وليس هو دونه. قاله يحيى بن عمر، وهو رواه عنه. وأخذ القراءات عن ورش، وكان متصدرًا فيها. وكان فقيهًا زاهدًا، ذكره ابن أبي دليم، وأبو عمر الداني، روى عنه يحيى بن عمر، ومحمد بن النفاخ، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود السجستاني، ومحمد بن عبد الرحيم الأصبهاني، وأبو عبد الرحمن النسائي. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة. وتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. قال أبو الربيع: شهدت جنازة ابن القاسم، وقال أبو الربيع: كنت أمشي مع ادريس بن يحيى، فالتفت إلي، وقال: يا ابن أخي، ما رأيت بلدًا قط أفسد لعالم، ولا لقارئ منهم. يعني الفسطاط. إنما يكفيك أن يقال فلان، فاستمسك قال أبو الربيع: حضرت رشدين بن سعد، ليلة توفي، فأخبرت أنه دعا بماء توضأ للصبح، فغسل وجهه فزهت شفتاه، من قرحة أصابته. فرفع يديه وقال: اللهم اقبضني إليك. فما صلى الصبح حتى مات. محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البرقي. مولى بني زهرة. كان من أصحاب الحديث، والفهم، والرواية أغلب عليه. وبيته بمصر بيت علم. وله تأليف في مختصر ابن عبد الحكم الصغير، زاد فيه اختلاف فقهاء الأمصار. وكتاب في التاريخ، وفي الطبقات، وفي رجال الموطأ، وفي غريبه. يروي عن عبد الله بن عبد الحكم

стр. 702

ولم يلق ابن وهب فيما قاله الكندي، ويروي أيضًا عن أشهب وابن بكير وعثمان بن صالح، وعبيد الله بن صالح، وعمر بن يوسف، وحبيب كاتب مالك، وسعيد بن أبي مريم، ونعيم بن حماد، وأصبغ بن الفرج، وابن هشام وأسد بن موسى، ويحيى بن حسان التنيسي، وعمرو بن أبي سلمة، وخالد بن نزار، ويحيى بن معين، وادريس بن يحيى الخولاني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وسعيد بن منصور، وروى عنه أبو حاتم الرازي، وابن وضاح، وابراهيم بن يوسف، والخشيني ومطرف وعبد الرحمان بن قيس، وعبيد الله بن يحيى بن يحيى، وقاسم بن محمد، ومحمد بن عمر، وأبو علي الجدوى، وقاسم بن أصبغ. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين. وأخوه عبد الرحيم يروي عن أبي هشام. روى عنه ابن الورد، ومحمد بن بسطام. أخوهما أحمد ألف في الصحابة، والتاريخ، والرجال. يروي عن عمرو بن أبي سلمة، والحميدي. وقد روى عنه أيضًا. توفي سنة سبعين ومائتين. سمع منه أبو حفص بن غالب، وابن غالب الصفار، من الأندلسيين، والقاضي أسلم. قال أبو جعفر العقيلي: محمد بن عبد الله البرقي، وإخوته كلهم ثقات. ما

стр. 703

بهم من بأس. من بيت علم وخير. وقال غيره: ومحمد أكبرهم وأجلهم قال ابن وضاح: كتبت عنه بمصر حديثًا واحدًا، وكان لا يرضاه. والحديث الذي روي عنه، أنه قال: كنت جالسًا عند وراق بمصر، فلما أردت القيام خدرت رجلي، فجلست، فقال لي محمد بن البرقي، نادِ بأحبّ الناس إليك، قلت له: تذكر في هذا شيئًا؟ فحدث: وأن رجلًا خدرت رجله عند ابن عمر، فقال له ذلك. فقال: يا محمد، ذهب خدرها. فلما قام، قال لي الوراق: ما رأيت أكذب من هذا. ما حدث به أحد مما رواه الساعة عندي في هذا الكتاب. قال: نص الحديث يروى عن ابن عمر، وأنه هو خدرت رجله، وجرت له القصة. وأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الله البرقي يروي عن أبيه. وله كتاب مختصر على مذهب مالك، وبعض الناس يضيف إليه زيادة اختلاف فقهاء الأمصار. في مختصر ابن عبد الحكم. يحيى بن سليمان الجعفي أصله من الكوفة، وسكن مصر، هو ويحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بن عبيد الله بن مسلم. ابن ابنة أبي مسلم قديد الأعمش. يكنى أبا سعيد. سمع من ابن وهب، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن أبي عياش. قال ابن أبي دليم: وكان ثقة. روى عنه ابن وضاح، وقاسم بن محمد، وأحمد بن رشدين، وروح بن الفرج، وغيرهما. توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين.

стр. 704

عبيد الله بن معاوية بن حكم الجفناوي من أصحاب أصبغ بن الفرج، أبو محمد. مولى قريش. ومن جملة هذه الطبقة. يروي عنه يحيى بن عمر فقهه، ويعتمد عليه. وحكى عنه مسائل. توفي سنة خمسين ومائتين. أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن ابراهيم الجيزي الأزدي مولى قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة. سكن الجيزة. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا دينًا. روى عن ابن وهب ونظرائه. قال الكندي: روى عن ابن وهب ولم يتقن السماع منه. وكان فقيهًا ديّنًا. ويروي عن أسد بن موسى، وعبد الله بن عبد الحكم، وهاني بن المتوكل، وابن أبي أويس، وخالد بن نزار، وغيرهم، ثقة. مات سنة ست وخمسين ومائتين. روى عنه ابنه محمد وابراهيم الحلواني وعبد الله بن وهب الدينوري. أبو محمد عبد الغني بن عبد العزيز بن سلام المعروف بالغسال. مولى قريش. روى عن ابن عيينة، وابن وهب، والشافعي. وكان حافظًا. وروى عنه روح بن الفرج. وقال: سمعت ابن وهب يقول: قراءة أهل المدينة سنة. قيل له: قراءة نافع؟ قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا. وذكره ابن أبي دليم، وتوفي في المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين وسيأتي ذكر ابنه، وكان أخوه محمد مقبولًا بمصر.

стр. 705

أبو محمد صالح بن سالم الخولاني مولى لهم. كان أسود. روى عن ابن وهب والشافعي، وأشهب. وكان حافظًا للفقه، وتفقه بالشافعي، ثم مال الى المالكيمة. وتوفي سنة سبع وستين ومائتين. إسحاق بن المتوكل بن إسحاق مولى بني مخزوم أبو يعقوب. يروي عن ابن وهب ونظرائه. قال ابن أبي دليم: وكان فقيهًا على مذهب مالك. قال الكندي: كان مقبولًا عند قضاة مصر، وولي المظالم. وكان وجهه صغيرًا جدًا. فكان يلقب لقمة. وتوفي سنة عشرين ومائتين. وقال ابن أبي دليم: توفي سنة خمسين ومائتين. عبد الله بن أبي رومان عبد الملك بن يحيى بن هلال المعافري. أبو محمد، مولاهم من أهل الاسكندرية. وأصله من مراقبة. من أصحاب ابن وهب. ذكره في هذه الطبقة: ابن أبي دليم، وابن حارث. قال الكندي: ولم يكن بالمجود في روايته. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. أحمد بن أبي زيد بن أبي الغمر أبو جعفر. مولاهم. ذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة، وسماه أحمد،
следующие страницы →