← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بن صيفي وغيرهم من الزهاد. وألف كتابًا في عباد المصريين. فرويت عنه وليس هو دونه. قاله يحيى بن عمر، وهو رواه عنه. وأخذ القراءات عن ورش، وكان متصدرًا فيها. وكان فقيهًا زاهدًا، ذكره ابن أبي دليم، وأبو عمر الداني، روى عنه يحيى بن عمر، ومحمد بن النفاخ، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود السجستاني، ومحمد بن عبد الرحيم الأصبهاني، وأبو عبد الرحمن النسائي. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة. وتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. قال أبو الربيع: شهدت جنازة ابن القاسم، وقال أبو الربيع: كنت أمشي مع ادريس بن يحيى، فالتفت إلي، وقال: يا ابن أخي، ما رأيت بلدًا قط أفسد لعالم، ولا لقارئ منهم. يعني الفسطاط. إنما يكفيك أن يقال فلان، فاستمسك قال أبو الربيع: حضرت رشدين بن سعد، ليلة توفي، فأخبرت أنه دعا بماء توضأ للصبح، فغسل وجهه فزهت شفتاه، من قرحة أصابته. فرفع يديه وقال: اللهم اقبضني إليك. فما صلى الصبح حتى مات. محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البرقي. مولى بني زهرة. كان من أصحاب الحديث، والفهم، والرواية أغلب عليه. وبيته بمصر بيت علم. وله تأليف في مختصر ابن عبد الحكم الصغير، زاد فيه اختلاف فقهاء الأمصار. وكتاب في التاريخ، وفي الطبقات، وفي رجال الموطأ، وفي غريبه. يروي عن عبد الله بن عبد الحكم

стр. 702

ولم يلق ابن وهب فيما قاله الكندي، ويروي أيضًا عن أشهب وابن بكير وعثمان بن صالح، وعبيد الله بن صالح، وعمر بن يوسف، وحبيب كاتب مالك، وسعيد بن أبي مريم، ونعيم بن حماد، وأصبغ بن الفرج، وابن هشام وأسد بن موسى، ويحيى بن حسان التنيسي، وعمرو بن أبي سلمة، وخالد بن نزار، ويحيى بن معين، وادريس بن يحيى الخولاني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وسعيد بن منصور، وروى عنه أبو حاتم الرازي، وابن وضاح، وابراهيم بن يوسف، والخشيني ومطرف وعبد الرحمان بن قيس، وعبيد الله بن يحيى بن يحيى، وقاسم بن محمد، ومحمد بن عمر، وأبو علي الجدوى، وقاسم بن أصبغ. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين. وأخوه عبد الرحيم يروي عن أبي هشام. روى عنه ابن الورد، ومحمد بن بسطام. أخوهما أحمد ألف في الصحابة، والتاريخ، والرجال. يروي عن عمرو بن أبي سلمة، والحميدي. وقد روى عنه أيضًا. توفي سنة سبعين ومائتين. سمع منه أبو حفص بن غالب، وابن غالب الصفار، من الأندلسيين، والقاضي أسلم. قال أبو جعفر العقيلي: محمد بن عبد الله البرقي، وإخوته كلهم ثقات. ما

стр. 703

بهم من بأس. من بيت علم وخير. وقال غيره: ومحمد أكبرهم وأجلهم قال ابن وضاح: كتبت عنه بمصر حديثًا واحدًا، وكان لا يرضاه. والحديث الذي روي عنه، أنه قال: كنت جالسًا عند وراق بمصر، فلما أردت القيام خدرت رجلي، فجلست، فقال لي محمد بن البرقي، نادِ بأحبّ الناس إليك، قلت له: تذكر في هذا شيئًا؟ فحدث: وأن رجلًا خدرت رجله عند ابن عمر، فقال له ذلك. فقال: يا محمد، ذهب خدرها. فلما قام، قال لي الوراق: ما رأيت أكذب من هذا. ما حدث به أحد مما رواه الساعة عندي في هذا الكتاب. قال: نص الحديث يروى عن ابن عمر، وأنه هو خدرت رجله، وجرت له القصة. وأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الله البرقي يروي عن أبيه. وله كتاب مختصر على مذهب مالك، وبعض الناس يضيف إليه زيادة اختلاف فقهاء الأمصار. في مختصر ابن عبد الحكم. يحيى بن سليمان الجعفي أصله من الكوفة، وسكن مصر، هو ويحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بن عبيد الله بن مسلم. ابن ابنة أبي مسلم قديد الأعمش. يكنى أبا سعيد. سمع من ابن وهب، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن أبي عياش. قال ابن أبي دليم: وكان ثقة. روى عنه ابن وضاح، وقاسم بن محمد، وأحمد بن رشدين، وروح بن الفرج، وغيرهما. توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين.

стр. 704

عبيد الله بن معاوية بن حكم الجفناوي من أصحاب أصبغ بن الفرج، أبو محمد. مولى قريش. ومن جملة هذه الطبقة. يروي عنه يحيى بن عمر فقهه، ويعتمد عليه. وحكى عنه مسائل. توفي سنة خمسين ومائتين. أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن ابراهيم الجيزي الأزدي مولى قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة. سكن الجيزة. قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا دينًا. روى عن ابن وهب ونظرائه. قال الكندي: روى عن ابن وهب ولم يتقن السماع منه. وكان فقيهًا ديّنًا. ويروي عن أسد بن موسى، وعبد الله بن عبد الحكم، وهاني بن المتوكل، وابن أبي أويس، وخالد بن نزار، وغيرهم، ثقة. مات سنة ست وخمسين ومائتين. روى عنه ابنه محمد وابراهيم الحلواني وعبد الله بن وهب الدينوري. أبو محمد عبد الغني بن عبد العزيز بن سلام المعروف بالغسال. مولى قريش. روى عن ابن عيينة، وابن وهب، والشافعي. وكان حافظًا. وروى عنه روح بن الفرج. وقال: سمعت ابن وهب يقول: قراءة أهل المدينة سنة. قيل له: قراءة نافع؟ قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا. وذكره ابن أبي دليم، وتوفي في المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين وسيأتي ذكر ابنه، وكان أخوه محمد مقبولًا بمصر.

стр. 705

أبو محمد صالح بن سالم الخولاني مولى لهم. كان أسود. روى عن ابن وهب والشافعي، وأشهب. وكان حافظًا للفقه، وتفقه بالشافعي، ثم مال الى المالكيمة. وتوفي سنة سبع وستين ومائتين. إسحاق بن المتوكل بن إسحاق مولى بني مخزوم أبو يعقوب. يروي عن ابن وهب ونظرائه. قال ابن أبي دليم: وكان فقيهًا على مذهب مالك. قال الكندي: كان مقبولًا عند قضاة مصر، وولي المظالم. وكان وجهه صغيرًا جدًا. فكان يلقب لقمة. وتوفي سنة عشرين ومائتين. وقال ابن أبي دليم: توفي سنة خمسين ومائتين. عبد الله بن أبي رومان عبد الملك بن يحيى بن هلال المعافري. أبو محمد، مولاهم من أهل الاسكندرية. وأصله من مراقبة. من أصحاب ابن وهب. ذكره في هذه الطبقة: ابن أبي دليم، وابن حارث. قال الكندي: ولم يكن بالمجود في روايته. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. أحمد بن أبي زيد بن أبي الغمر أبو جعفر. مولاهم. ذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة، وسماه أحمد،

стр. 706

ورأيت فيمن روى عنه، ابناه محمد وزيد. والله أعلم. وتوفي أحمد في ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائتين. أبو محمد اسماعيل بن محمد بن زيد الغافقي مولى لهم. كان يروي عن أشهب، وكان من أصحابه، وعن ابن وهب. قال ابن أبي دليم. وكان حافظًا لأقاويل الناس. قال الكندي: كان فقيهًا. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين. مدلج بن عبد العزيز بن رجاء المدلجي أندلسي. أبو خِندِف. سكن مصر. وكان ذا علم وأدب. ودخل العراق، فسمع بها علمًا كثيرًا. أخذ عنه بمصر، وتوفي يوم الخميس آخر صفر سنة تسع وخمسين ومائتين. ذكره أبو سعيد المصري وابن أبي دليم في المالكية. أبو إسحاق ابراهيم بن أبي يعقوب بن عيسى بن عبد الله القسطال. وقيل ابن عيسى بن عيسى بن أيوب، مولى سلمة بن عبد الملك الطحاوي، مولى الأزد. ويقال مولى قريش. من أصحاب ابن وهب عنه جلّ روايته، وعن الشافعي. وكتب لعيسى بن المنكدر، وهارون الزهري، والحارث بن مسكين، قضاة مصر. وكان من قبطها. قال الكندي وكان فقيهًا. وتوفي في صدر ستين ومائتين.

стр. 707

عيسى بن ابراهيم بن عيسى بن شروح الغافقي. مولاهم. أبو موسى. يروى عن ابن القاسم، وابن وهب، ورشدين بن سعد، وابن عيينة، وحجاج بن سليمان، وغيرهم. روى عنه النسائي وقال فيه: مصري لا بأس به. توفي سنة إحدى وستين ومائتين. قاله ابن يونس. ذكره في هذه الطبقة، ابن أبي دليم. قال الكندي: كان مقبولًا عند أبي الليث. وكان فقيرًا. فقيل له ما حملك على أن شهدت عند ابن أبي الليث؟ فقال كان بي بَرًّا وَصُولًا، ما ذقت الفقر، حتى انقطعت أيامه. أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمان بن أخي عبد الله بن وهب جل روايته عن محمد، وروى عن شعيب بن الليث، وبشر بن بكر. قال عنه محمد بن عبد الحكم: ما رأيت إلا خيرًا. وقال مثله عبد الملك ابن شعيب بن الليث. وقال أبو حاتم: صدوق. كتبنا عنه. وأمره مستقيم. ثم خلط. ثم جاءنا الخبر أنه رجع عن التخليط. قال أبو زرعة: رجوعه مما يحسّن في حاله، ولا يبلغ به منزلته قبل. وقال العقيلي، والحصري: ليس بمشئ. وقال محمد بن قاسم: ليس بثقة عندي. وأهل مصر يرمونه بالكذب. وكان من مشائخ الأندلس سعد بن معاذ،

стр. 708

ومحمد بن فطيس، وسعيد بن عثمان الاعناقي، يحسنون الثناء عليه. وعنف سعيد النسائي في تحامله عليه. قال الأمير، وأخوه عبد العزيز بن عبد الرحمن أبو السري روى عن أسد، وغيره. توفي سنة ثمان وستين وقيل أربع وستين ومائتين. محمد بن يوسف بن محمد بن عديد الفارسي أبو محمد. تقدم ذكر أبيه. مولده بمصر. أخذ عن جماعة من أصحاب مالك. يروي عن عبد الله بن المغيرة. توفي سنة ستين ومائتين. وأخوه يزيد بن يوسف. قال ابن يونس: كان هو وأخوه على مسائل الحارث بن مسكين، وأمره كله. وكان يرفع بهما. شبيب بن حفص بن اسماعيل الفهري مولاهم. فيما يقال. وأنكر هو ذلك. يكنى بأبي الأصبغ. قال الكندي: كان فقيهًا. توفي بمصر، منصرفه من الحج سنة ست وثلاثين ومائتين وذكره ابن أبي دليم فيهم. بكر بن ادريس بن الحجاج بن هارون مولى أبي الكنود الأزدي. أبو القاسم، يعرف بالحمراوي. قال ابن

стр. 709

أبي دليم: جلّ روايته عن عبد الله بن عبد الحكم. وروى عن غيره. قال الطحاوي: وكان فقيهًا مفتيًا. توفي سنة سبع وستين ومائتين. أبو بكر محمد بن أبي يحيى زكريا الوقار كان حافظًا للمذهب، وألف كتاب السنة، ورسالته في السنة، ومختصرين في الفقه، الكبير منهما في سبعة عشر جزءًا. قال سلمة بن سعيد الأشج: رأيت أهل القيروان، يفضلون مختصر أبي بكر الوقار، على مختصر ابن عبد الحكم. قال الشيرازي: تفقه بأبيه، وابن عبد الحكم، وأصبغ. روى عنه إسحاق بن نصر ومحمد بن مسلم بن بكار الفيومي، وأبو الطاهر محمد بن سليمان القوصي، وأبو الطاهر محمد بن جعفر البرسمي، وتوفي في رجب سنة تسع وستين ومائتين. وقيل ثلاث. وقيل أربع سنين. القراطيسي اسمه بريد بن كامل بن حكيم. مولى عبد العزيز بن مروان. كنيته أبو زيد. وأصله من الروم. ذكره ابن أبي دليم. يروي عن عبد الله بن عبد الحكم، وأسد بن موسى، ويعقوب بن أبي عياد الملزمي. روى عنه

стр. 710

ابن أبي الأصبغ، وأبو الورد، وأبو بكر محمد بن يحيى بن حكيم، وأبو العباس الرازي، وأحمد بن مسلمة الهلالي، ومحمد بن كامل الحضرمي، وجماعة. روى عنه الناس. قال أحمد بن خالد: لم ألق من الناس بالمشرق، إلا من مُسّ أو تُكلِّم فيه، إلا القراطيسي، ويحيى بن أيوب العلام، فإنهما ثقتان، لا متكلم فيهما لأحد. والقراطيسي، من أوفى الناس. لم أر مثله. ورفع من شأنه. وعُمِّر. وتوفي سنة سبع وثمانين ومائتين. ومولده سنة سبع وثمانين ومائة. مسعود بن أبي مسعود واسم أبي مسعود مسعدة. قال ابن أبي دليم: كان ذا علم ورئاسة، مقدمًا في المالكية بمصر. توفي سنة سبع وستين. وهو ابن أربع وستين. من أهل إفريقية محمد بن رزين قال أبو العرب: كان ثقة صالحًا. سكن بسوسة. سمع من أسد، وعبد الله بن عبد الحكم، وابن بكير، وأسد بن موسى، ونعيم بن حماد، وزهير بن عباد، وسمع أيضًا من عبد الله بن نافع الزبيري، وأصبغ بن

стр. 711

الفرج وعلي بن معبد وكان عنده حديث كثير سمع منه سليمان بن سالم وبكر بن حماد وسعيد بن إسحاق وأبو الغمر روى سحنون عنه حديثًا يرويه عن نافع فوجه إليه وقال له أنت سمعته من ابن نافع الصايغ؟ فقال له: أصلحك الله إنما سمعت من ابن نافع الزبيري. فقال له: لم دلست؟ ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدي من العقاريب. وذلك أن ابن رزين لم يدرك عبد الله بن نافع الصائغ. وإنما أدرك عبد الله بن نافع الزبيري مات الصائغ قديمًا. وتأخر موت الزبيري. وقد ذكرناهما، وكان ابن رزين يقول: ما نزلت في حسرة ما نزلت في محمد بن يوسف الفريابي. وكنت رحلت إليه، فوجدته يقبر. قال: وابن رزين، أول من باع من أهل العلم دارًا بسوسة. إذ كانوا لا يرون بيع دورها. قال بعضهم: رأيت محمد بن رزين خرج في عيد، بثياب مهنته. فسألته عن ذلك. قال: رأيت نعيم بن حماد، في عيد كذا. فعلمت أنه تبذل له فيه. فاتبعته. قال ابن حارث في تاريخ الافريقيين: وتوفي ابن رزين بسوسة، سنة خمس وخمسين ومائتين. محمد بن شبيب أبو يوسف. من أهل تونس، ذكره ابن أبي دليم في المالكية. قال

стр. 712

وله سن عالية، وسمع من أنس بن زياد. وولي القضاء بتونس، وذكره أبو العرب في طبقاته بمثله وشك في سماعه من علي قال: وحدثني عبد الله بن خليل، قال: كنت أجيء الى أبي يوسف، فأجده ملقى من الكبر فأجتذبه حتى أقعده على نفسه. فلم يسمع منه. ولم يذكره إلا بخير. قال ابن حارث: وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين. وابن أخيه: محمد بن سعيد ابن شبيب، ولي قضاء صقلية. وذكر عنه خيرًا وعفة وعدلًا. محمد بن تميم القسطلي، القمري، من أهل قفصه، قسطليه. قال أبو العرب: كان ثقة. سمع من أنس بن عياض كثيرًا، ومن عبد الله بن وهب وابن بكير. وكان يقدم سوسة فيأتيه أهل القيروان، يسمعون منه. روى عنه ابنه هبة الله، وسليمان بن سالم، وأبو جعفر بن زياد، وعمر. توفي سنة ستين ومائتين. ومات ابنه هبة الله قريب من هذا. قال أبو العرب: ولم أسمع أحدًا ذكر ابنه بسوء. عبد الله بن سهل القبرياني أبو محمد، وضبط اسمه بقاف مكسورة، وباء واحدة ساكنة، وراء مكسورة بعدها ياء، باثنتين تحتها، وبعد الألف نون، من أهل القيروان، وأصله من العجم. قال محمد بن أحمد التميمي: كان شيخنا ثقة فاضلًا،

стр. 713

فقيه البدن، صحيح الكتب، لقي ابن الماجشون، وسمع ابن سلام، ويحيى، وأسد بن فرات، وسحنون بن سعيد، وعليه كان اعتماده. وكان معدودًا في قدماء أصحابه، قريبًا في السن منه. ولاه سحنون قضاء طليطلة وقفصة ونفزاوه، وعملها. وكان عدلًا في قضائه. وولي بعد سحنون قضاء صقلية. شهد له حماس بالفقه البارع. سمع منه سهل ابنه، وغير واحد، وقال ابن حارث: كان عالمًا بالمذهب، حسن الحفظ، جيد القريحة، من ذوي المال والجاه العريض. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين فيما قاله أبو العرب. وذكر ابن أبي دليم: سنة تسع وأربعين. مولده سنة اثنين وسبعين ومائة. عبد الرحيم بن عبد ربه الربعي المعروف بالزاهد. أبو محمد. قال أبو العرب: كان ثقة. وكان في السن قريبًا من سحنون، في أصحابه. سمع منه، ومن أسد بن فرات. وحكى المالكي أنه: كان أكبر من سحنون بليلتين. وكان سحنون يعرف له فضله، ويعظمه، ويسأله الدعاء له. وكان يقول: رأيت ابن القاسم وفلانًا. وذكر شيوخه. فما رأيت مثل عبد الرحيم. يعني هذا. وذلك أني علمت ظواهر أولئك وعلمت ظواهر هذا، وباطنه. وكان أولًا بزازًا. ثم لزم الرباط، حتى مات. أخذ عنه عيسى، وغيره من أصحاب سحنون. وقال سحنون لرجل فاته بعض السماع منه: أين أنت من الشيخ؟ يعني عبد الرحيم أسمعها منه، فكأنك سمعت مني. قال ابن حارث: كان ثقة

стр. 714

فاضلًا. ويقال إنه مستجاب الدعوة. كان عبد الرحيم كثير التهجد، طول ليله بين راكع وساجد، فكان السهر قد غيره، كأنه مبهوت. ومن كراماته ما حكاه المالكي: أن سحنون بلغه أن عبد الرحيم أقام ستة أشهر، لم يشرب ماءً، فأنكر ذلك سحنون. وركب مع جماعته من الشيوخ إليه فبات عنده وسأله عما بلغه، واستشفع عليه. فقال: ومن يأكل ولا يشرب؟ فلما انصرف عنه سحنون، رجعه، وقال له: سألتني عن شيء، فكتمته. ثم حاسبت نفسي. والذي قيل لك صحيح. ولي ستة أشهر، لم أشرب ماءً. وذلك أني كنت أصلي، فأصابني عطش شديد، فقلت افرغ من حزبك واشرب. فلما فرغت مددت يدي الى القسط، فانقلب، وذهب ما فيه من ماء. وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد، والماجل أسفل القصر، فكبر علي النزول. وقلت: يا رب إن هذا أشغلني عن حزبي. فاحمل عني المؤونة. فأجابني من زاوية البيت، ولا أحد فيه، يقول: أنا من مؤمن الجن. أصلي بصلاتك، مدة. فمر هذه الليلة شيطان مارد، وهم علينا أضرّ مما هم عليكم، فحسدك ورمى لك في القسط شيئًا. فلو شربته لعرض في جسمك ما لا طاقة لك به. فلما مددت يدك الى القسط، سبقتك إليه، وأهرقته. قال عبد الرحيم: فأخلصت لله الدعاء، فحمل عني المؤونة. وإن احتجت الماء بعدُ شربتُه. فنزل سحنون الى الناس وقال: عبد الرحيم سأل مولاه حاجته، فقضاها له. وقد ذكرنا رسالته الى سحنون وقد ولي القضاء. قال المالكي: كان من أهل الزهد والاجتهاد. شهر

стр. 715

بالإجابة. وكان سحنون يقصده كثيرًا. وقصد ابنه بعده. وسنذكر خبره معه. قال عبد الرحيم: لما أراد الخروج الى صقلية، قلت له: على من ترى أعتمد؟ فقال لي: إن أردت الله والدار الآخرة، فعليك بعلم مالك. قال ابن حارث: ومناقبه كثيرة. وذكر أنه كان بقرب قصره، رجل له فرس يطلقه في زرع المرابطيين. فنهوه فلم ينته. فأتوا الى عبد الرحيم، فرفع عينيه الى السماء وقال: اللهم اجعله آية للمسلمين، واكف المسلمين شره. فطارت عين الفرس. وكان سأل الله أن لا يبيت أحدًا في قصر زياد بالجوع. فكان بيسر الله لكل من احتاج فيه، ما يأكله. وحدث اللبيدي، عن بعضهم، أنه فني زاده فيه. وأخذه الجوع، فقال: أين ما يذكر عن عبد الرحيم؟ فبينما هو كذلك، إذ دخل عليه صاحب له بطعام واسع، فقلت هذه دعوة عبد الرحيم. وذكر سليمان بن سالم عن محمد بن صباح، قال: سرت أسبح على البحر حتى صرت الى قصر عبد الرحيم، فدخلت إليه، قرب الماء. فلما رآني سلم عليّ، وأجلسني وهو يقول: الحمد لله الذي كنت أنت. فكرر ذلك. فقلت له: ما هذا؟ فقال: أرسل إلي أخي بحمام البرية. فأمرت بطبخه، فرأيته سمينًا. فقلت اللهم سق إلي وليًا من أوليائك، من يأكل معي. فلما رأيتك، حمدت الله إذ كنت أنت هو. وذكر أنه خرج مرة الى المنستير، فنزل القصر الكبير، فلما كان العشي سمع صر المهارس، فقال: ما هذا؟ قال: المرابطون يدقون التابل لمزورهم. فاسترجع، وقال: ما هكذا أعرف المنستير، حالة أنا أعرفها، عند أهلها شيء من دقيق شعير وزيت. فإذا جاء وقت الإفطار، لثوا الدقيق وأكلوا لبّه، عليّ أن لا أبيت في شيء منه.

стр. 716

فخرج منه، فغابت له الشمس بقصر لمطه. ولم يعد إليه بعد ذلك. قال المالكي: وكان يقال له اجتمع مع الخضر، ﷺ . وذكر اللبيدي أن فقيرًا نزل بعبد الرحيم، فلم يجد عنده شيئًا إلا قرصًا، أعدها لإفطاره. فقدمها إليه، وبقي بلا شيء. فقال له: أصلحك الله ما يكون منك وأنت لا تقبل من أحد شيئًا. فقال: اللهم إن الله لا يتركني بلا شيء. فلما كان بعد ساعة سمع كلامًا فدخل عليه. فلم يوجد عنده أحد، وبين يدين قرص سخن، وثمر. فقال عبد الرحيم للرجل: كل، فسأله بالله من أين. فقال أتاني به الخضر، وقال لي هذا الثمر أتيتك به من اجراينة. قال: وكان عبد الرحيم يأخذ الفتات في يده ويبسطها. فينزل الغراب فيأكله. وأتى رجل الى سحنون يسأله عن مسألة ومعه عبد الرحيم. فسبقه عبد الرحيم بالجواب. فسكت سحنون. فلما ذهب السائل، وقام عبد الرحيم، قال: تجد الرجل يصبر الى الصيام والصلاة، ويتورع فإذا جاءت الفتيا، لم يصبر. قال المؤلف ﵁: وسكوت سحنون عن جوابه، دليل على صوابه وأنه كان ممن يفتي مع سحنون، وبحضرته. وقال له رجل: أوصني بكلمات، ينفعني الله بها، ويأجرك عليها. فقال أوصيك يا بني أن تتقي الله. وتجتنب محارم الله. وتؤدي فرائض الله. وتحسن الى عباد الله. وإن زدت زادك الله. ويذكر أنه ما تزوج قط. ولا تسرى. وكانت له جاريتان، تقومان به، وتخدمانه. فقيل له ألا تتسرى بإحداهما؟ فإنهما يصلحان لذلك. فحلف أنه لا يعرف صفة وجوههما، لشغله بعبادة ربه . وكان يقول: زيادة الاخوان، نقص من العمل. قال بعضهم:

стр. 717

يريد أنه يقطع عما يكون فيه الإنسان من عمل، وهو الذي بنى قصر زياد وأنفق فيه اثني عشر ألف دينار، ستة آلاف من عنده، وستة آلاف من عند إخوانه. وكان قد استشار سحنونًا في الخروج الى غزو صقلية ذكر أنه كان له سبعة عشر ألف أصل من الزيتون. وكان لسحنون اثني عشر ألف أصل. وكان لعبد الرحيم ضيعة. قد استشار سحنون في بيع ضيعتيه، والتصدق بهما. فنهاه. وتوفي سنة ست ويقال سبع وأربعين ومائتين. ورثاه بعضهم بقصيدة أولها: قل للتقى والدين بعد محمد … جودا على عبد الرحيم فقد غبر ما كان أتقاه وأحسن أمره … في الله يسعى قدمًا وما عثر أما النهار فصائم متهجد … والليل يهتف بالقُران الى السحر وقال الصدفي في أرجوزته: وبني بقصر الصائم القوام … عبد الرحيم الصائم القوام ما كان إلا علم الإسلام

стр. 718

أبو السري واصل العابد الحمّي من قصر حمّة قال سعدون الخولاني، وكان يخدمه: كان واصل من رجال مالك. يعني من أصحابه. وذكر غيره سبب طلبه العلم، وكان أولًا مشتغلًا بالعبادة. قال أبو العرب: كان مجتهدًا بالعبادة، له مناقب كثيرة، لم أعلم أن العلم روي عنه. قال أبو ميسرة: قال واصل: جئت الى جامع سوسة، يوم جمعة، فصليت وسحنون قريبًا مني، فأذّن المؤذن، وقد بقي عليّ شيء من السورة فأتممتها. وقد أخذ الإمام في الخطبة. فلما سلم الإمام سأل سحنون عني. فأخبروه. فنودي بي. فقال من أنت؟ قلت: واصل. قال واصل الذي يقال. قلت اسأل الله بركة ما يقال. فقال لي رأيتك تصلي والإمام يخطب. اطلب شيئًا من العلم. قلت: لا. قال: اطلب العلم أو فلا تسكن في شيء من هذه الحصون. فاختلفت الى عون بن يوسف، سبع سنين. قال المالكي: فتفقه به. وحفظ من العلم ما قمع به الشيطان. ثم شمّر للعبادة، وقيام الليل، وصيام النهار، حتى مات. وكان أبو عبد الله بن سحنون يعظمه. وكان واصل يسكن بقصر الطوب من سوسة. ذكر عبادته وصومه وزهده ذكر سعيد بن الحداد، أن واصلًا أقام أربعين سنة لم يدخر شيئًا من الدنيا. وأنه ليقيم الأيام لا يطعم شيئًا. فإذا أجهد خرج فأكل من مثاقل الأرض ثم عاد لمصلاه. وحكى المالكي، أنه خرج ليلة من المسجد، فلما صارت إحدى رجليه خارج المسجد، والأخرى داخله، عرضت له فكرة، فرفع رأسه، وقال لنفسه: أطاعت السماوات والأرض، وما فيها، وعصيته

стр. 719

أنت على صغرك. وبقي باهتًا حينًا طويلًا. ثم استرخى وسقط مغشيًا عليه. فصادف رأسه الحائط، فجرحه. فحمل وهو على حاله. وذكر أنه قدم الى القيروان، يوم جمعة. فعرض له وهو في صلاته شيء من فهم القرآن، استغرقه حتى خطب الإمام، وصلى. ولم يشعر. فسأله سحنون عن ذلك، فأخبره بما استغرقه. فقال له سحنون: وصلت، والله يا واصل. قال: وقصده رجل من أهل المشرق، سمع به. فقال له: أنت واصل. قال: نعم. قال له فرصتك من أين؟ قال بين الكاف والنون. قال: فأخبرني أنت ساكن في المسجد، وليس لك ماء، ولا غيره. فإذا طبخ المرابطون قدورهم، ودخلوا بها بيوتهم، وسمعت حسًا على الداموس، تستشرف نفسك الى من يأتيك بما تأكل؟ فقال واصل: ما لنا عند أحد شيئًا، ننتظره يجيئنا به. فقال: أنت واصل حقًا. وذكر أن واصلًا كان قبل أن يتعبد، يتجر في حانوت بما يوزن، ويكال. فجاءته امرأته فساومته في شيء فخالفها فيه. فقالت له كفاك ما أنت فيه، من مكيال وميزان. فقال لها صدقتني. وترك جميع ما كان فيه. ولزم قصر الرباط، قال أحمد بن أبي سليمان: قلت لواصل، بلغني أنك لم تشرب الماء دهرًا. فقال لم أشربه ثمانية أشهر. ثم غلبتُ. وذلك أني كنت في البسبس والموز، والمرق. قلت له: فالخبز. كم لك لم تأكله. قال أكثر من عشرين سنة. فلما استغنيت عنه، تركته تأديبًا لنفسي. قلت له: بلغني أن إبليس كلمك. قال: لا. قلت له: فرأيته؟ قال: دخلت عليّ جارية من المسجد في حلي وصياغ، فقمت إليها بالعصا، فهربت. فاتبعتها الى باب القصر فوجدت القصر مسدودًا. فعلمت أنها إبليس.

стр. 720

بعض ما يحكى من كراماته ذكر أنه لما نزل قصر الرباط، لقي شيئًا أقام فيه أيامًا، مقبلًا على الصلاة والصوم. فتبين فيه أهل الحصن، الضعف، من كثرة مداومته، وقلة غذائه. فأتوه ليالي بطعام يفطر عليه، من الشعير والبقل. فلما طال عليهم، تركوه. فأقام ليلة وثانية، لم يطعم فيها شيئًا. فلما كان في الثالثة إذا بضارب يضرب عليهم باب القصر، فسألوه، فقال: غلام فلام، رجل من مشاهير القيروان مذكور بخير، وجّهني الى الشيخ واصل بطعام، وقال لي: إما وصلت إليه هذه الليلة، أنت حر. وكانت الحصون لا تفتح بالليل. فشاوروا واصلًا، فقال: ما عليكم أن تفتحوا له، وتعتقوه. ففتحوا له. فإذا ببغل عليه حمل به دجاج وفراخ، وسنوسج وعجج، وحلو وجرادق، فمد يده الشيخ الى شيء منه. فأكله، ثم قال: اقسموا، جميعه. فقسموه فيما بينهم. وقالوا: إن تطعموه الشعير، ببقل البرية، فقد أطعمكم هذا الطعام الطيب. وقيل في مثل هذه الحكاية عنه: إن امرأة رأت في المنام قائلًا يقول لها: أخوك واصل جائع، فابعثي إليه بطعام. فقالت لعبدها: إن وصلت إليه، فأنت حر. وأتت مراكب للروم عند قصره، فأرادوا أخذ الماء، فمنعهم المسلمون. فلما آيسوا بسطوا الأنطاع واستسقوا فسقوا. فبلغ ذلك واصلًا. فاشتد عليه. وقال اللهم اهزمهم، واجعلهم نقلًا للمسلمين. فأرسل الله عليهم للوقت ريحًا شديدة، فكسرت مراكبهم، ورمت بهم الى البر. فغنمهم المسلمون. قال سعدون: قال لي واصل: مكثت أحد عشر سنة، أتعرف فيها حالي عند الله، كل ساعة. فما علمت أن الشيطان ظهر لي ولا ساعة واحدة، إلا في ثلاث خطوات، خطوتها في طريق. ثم عاد علي العلم ببركته. فرجعت وذلك

стр. 721

أني كنت أمشي في طريق الساحل، فلما كان آخر النهار عارضني طريقان، أحدهما الى قرية رجل صالح، غني. والأخرى الى قرية رجل صالح، فقير. وهما صديقان لي. فوقفت أنظر من أقصد. فقالت لي نفسي: إن قصدت الفقير، عساك لا تجد عنده شيئًا يتعشى عياله وأطفاله. وإن كان عنده، ضيعت عليهم، وغممتهم. وإن قصدت الغني، وجدت عنده خبزًا طيبًا، من القمح من أرضه الموروثة، وزيتًا من زيتونه، وتينًا فاخرًا. عسى يذبح لك خروفًا من غنمه، وهي ترعى في أرضه، وتسره وتجد بغيتك. وتأكل شهوتك. فخطوت في طريقه ثلاث خطوات، ثم استيقظت، فقصدت طريق الفقير، فرحب بي وطيب وأخذ بيدي الى بيته. فلما جلسنا لنتعشى، دقّ الباب علينا. فأتاني بصحبته ثريد من القمح، عليه لحم خروف سمين. فقال لي: كل. فأكلنا حتى شبعنا. وحمل البقية الى عياله. ثم ضرب الباب، فخرج. فإذا بطبق فيه صفحة زيت، وتين فاخر، فأكلنا حتى شبعنا. ثم سألته عن ذلك. فقال لي: أتاني به جار لي. فقلت له: صح به. فسألته عن السبب، فقال: نعم. كان عندنا خروف سمّنّاه، وكنا ننتظر به يومًا نفرح الصبيان بذبحه. فحل ذلك اليوم بقلوبنا. فلما ذبحناه وثردنا ورأيتك نزلت بجارنا قلت لامرأتي لا ينزل بصالح إلا صالح مثله. وليس له طاقة. ونحن نجد العوض في غير يومنا. فهل تري أن نطعمهم إياه، ونسأله دعوة لنا ولأولادنا. فقالت: افعل. فجئناكما بها، من على المائدة. قالت لي الزوجة: لابد من حلاوة. فأعطتني هذا التين والزيت. قال أبو الحسن القابسي: ذكر أن ابن سحنون، كان يوم ضحوة يلقي على أصحابه المسائل، وهو يشرح. إذ وجم ساعة. ثم نهض للقيام. ثم قال من حضرته نية لزيارة الشيخ واصل، فليقم. وخرج من فوره. فوصل عصر غده. فأتى المسجد. فدخل واصل، فصلى بهم. ثم خرج

стр. 722

يتنفل الى جانب ابن سحنون. فلما سلم، وسلم ابن سحنون من ركوعه. قال الشيخ لابن سحنون: أعد الركعتين، فإني رأيتك أمررت يدك على لحيتك، وهو عمل في الصلاة. فقال له محمد: وأنت فأعد. لأنك أشغلت سرك بي. فقال له واصل: أظنك محمد بن سحنون. قال: نعم. فمد يده إليه، وصافحه. وقال سألت الله أمس ضحوة من النهار، أن يجمع بيني وبينك. وأخبار واصل كثيرة. وكانت وفاته سنة اثنين وخمسين ومائتين. محمد بن سحنون مرّ نسبه في أبيه. تفقه بأبيه. وسمع من ابن أبي حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وغيرهم. ورحل الى المشرق، فلقي بالمدينة أبا مصعب الزهري، وابن كاسب. وسمع من سلمة بن شبيب. قال أبو العرب: وكان إمامًا في الفقه، ثقة. وكان عالمًا بالذب عن مذهب أهل المدينة. عالمًا بالآثار، صحيح الكتاب، لم يكن في عصره أحذق بفنون العلم منه، فيما علمت. قال ابن أبي دليم: وكان الغالب عليه الفقه، والمناظرة. وكان يحسن الحجة والذب عن السنة، والمذهب. قال ابن حارث: كان عالمًا فقيهًا مبرزًا، منصرفًا في الفقه والنظر ومعرفة اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، والذب عن مذهب مالك. وكان قد فتح له باب التأليف، وجلس مجلس أبيه بعد موته، قال يحيى بن عمر: كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة، وأتقنهم بها، وكان يناظر أباه. وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته، يأخذها الناس عنه قبل خروج أبيه. فإذا خرج أبوه، قعد مع الناس يسمع معهم من أبيه. وقال سحنون: ما أشبهه إلا بأشهب. وقال: ما غبنت في ابني محمد، إلا أني أخاف أن

стр. 723

يكون عمره قصيرًا. وكان يقول لمؤدبه: لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب، والمدح. فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب، واتركه على بختي، فإني أرجو أن يكون إمام وقته، وفريد أهل زمانه. قيل لعيسى بن مسكين: من رأيت في العلم؟ فقال: محمد بن سحنون. وقال أيضًا: ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه. وكان رأى جماعة بالمشرق وغيره. قال حمديس القطان: رأيت العلماء بمكة والمدينة ومصر، فما رأيت فيهم مثل سحنون ولا مثل ابنه بعده. وذكر ابن مغيث: أن القاضي اسماعيل بن إسحاق، ذكر له فقال فيه، الإمام ابن الإمام. وذكر مرة، ما ألّفه العراقيون م الكتب، فقال اسماعيل: عندنا من ألّف في مسائل الجهاد عشرين جزءًا، وهو محمد بن سحنون، يفخر بذلك على أهل العراق. قال ابن حارث: كان من الحفاظ المتقدمين المناظرين، المتصرفين. وكان كثير الكتب غزير التأليف. له نحو مائتي كتاب في فنون العلم. ولما تصفح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم كتابه، وكتاب ابن عبدوس، قال في كتاب ابن عبدوس: هذا كتاب رجل أتى بعلم مالك على وجهه. وفي كتاب ابن سحنون: هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحًا. قال ابن الجزار: كان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب. جامعًا لخلال قل ما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز. سمحًا بماله، كريمًا في معاشرته، نفاعًا للناس، مطاعًا، جوادًا بماله وجاهه. وجيهًا عند الملوك والعامة. جيد النظر في الملمات. قال حمديس: جئت يومًا الى محمد بن سحنون فأخرج إلي كتاب الرجوع عن الشهادات. فقال لي: خط مَن هذا؟ فقلت خط

стр. 724

سحنون. وكان ابن عبدوس أنكر أن يكون لسحنون. فقال لرجل: امض بالكتاب إليهما، ولا يمساه وأرهما إياه، ورقة، ورقة. وقل لهما خط مَن هو؟ ففعل الرجل ذلك. فقالا: خط سحنون، وما ظننا ذلك. فقال قل لهما يا مساكين مقامي مقامك. وأنا معه في الدار، والله أبدًا. ذكر تآليفه وألف ابن سحنون كتابه المسند في الحديث. وهو كبير. وكتابه الكبير، المشهور، الجامع. جمع فيه فنون العلم والفقه. فيه عدة كتب، نحو ستين. وكتابًا آخر في فنون العلم. ومنها كتب السير عشرون كتابًا. وكتابه في المعلمين. ورسالته في السنة ورسالته في أدب المناظرة جزآن. وكتاب تفسير الموطأ، أربعة أجزاء. وكتاب الحجة على القدرية. وكتاب الحجة على النصارى. وكتاب الإباحة. وكتاب الرد على البكرية. وكتاب الوردع. وكتاب الإيمان والرد على أهل الشرك. وكتاب الرد على أهل البدع، ثلاثة كتب. وكتاب في الرد على الشافعي، وعلى أهل العراق، وهو كتاب الجوابات، خمسة كتب. وكتاب طبقات العلماء، سبعة أجزاء. وكتاب الأشربة، وغريب الحديث، ثلاثة كتب. وكتاب التاريخ، ستة أجزاء. قال بعضهم: ألف ابن سحنون كتابه الكبير، مائة جزء وعشرون في السير، وخمسة وعشرون في الأمثال، وعشرة في آداب

стр. 725

القضاة، وخمسة في الفرائض، وأربعة في الاقرار، وأربعة في التاريخ، والطبقات، والباقي في فنون العلم. قال غيره: وألّف في أحكام القرآن. ذكر بقية أخباره وفضائله قال ابن سحنون: دخل علي أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم المسكر. فقال: يا بني إنك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان، وألسنة حداد، فإياك أن يسبقك قلمك، لما تعتذر منه. وذكر أبو القاسم البيدي: إن ابن سحنون أتى بعد موت سحنون، هو وأصحابه زائرًا، الى عبد الرحمان بن عبد ربه الزاهد، فسلم عليه، فرد عليه¬ السلام، وتركه حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف. فلما كانت الجمعة الأخرى، استنهض محمد أصحابه لزيارته ثانية. فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك. فقال: ليس هذه بغيتي. هو رجل صالح نرجو بركة دعائه. وقد كان سحنون يأتيه، ويتبرك بدعائه، ويلجأ إليه عند المهمات. فعاد إليه ابن سحنون وأصحابه، فلما رآه قام على رجليه، ورحب به وأجلسه في موضعه. ولم يزل مقبلًا عليه، حتى انصرف. فقيل له في ذلك، مع فعله الأول. فقال: والله ما أردت بذلك إلا الله. رأيت اجتماع الناس عليه، فخفت فتنة فعملت ما عملت لأجربه، فرأيت في ليلتي، قائلًا يقول لي، في ذلك: لم تقبل على ابن سحنون، وهو ممن يخشى الله. وفي رواية: وهو ممن يحب الله ورسوله. فبلغت ابن سحنون. فبكى بكاءً شديدًا، وقال: لعله يذبّي عن سنة رسول الله ﷺ . ولما خرج الى الحج، نزل على أبي رجاء بن أشهب

стр. 726

بن عبد العزيز، فقصده علماء مصر، ووجوههم، يسلمون عليه، وابن المزني، فأطال الجلوس معه، ليخلو به. فلما خرج أبو رجاء، سألته عنه فقال: لم أرَ والله أعلم منه، ولا أحدّ ذهنًا، على حداثته. ووجه به الى الخليفة. قال عيسى بن مسكين: وما ألف في هذا الفن مثله. قال سليمان بن سالم: واختلف إذ ذاك وهارون بن سعيد الايلي، في مسألة، فتحاكما الى محمد بن سحنون. قال سليمان بن سالم: قدم رجلان من بني كنانة، ليسمعا العلم. ويقصدا ابن أبي المنهال وابن قادم، فيأتيا على ذلك. فرأى أحدهما في المنام أن سائلًا سأله، فأخبره عن قصدهما، ولمن قصدا. فقال لمن قصدكما، من تطلبان؟ قال الرائي فأخذني على طريق منحرفة، حتى أوقفني على مسجد فيه شيخ، والناس حوله. فقال لي: هنا اطلب من العلم من هذا، ولا تعدل. فلما أصبح الرائي قال لصاحبه: سر بنا الى حيث سير بي البارحة. وأخبره بالرؤيا. فمضى معي. وسرت الى الموضع الذي رأيته في المنام. حتى مسجد ابن سحنون، فعرفه بالرؤيا التي رأى، وعرفه، وسلم عليه، ولزمه. حكى بعض سكان القصر: أنه خرج ليلة في القصر بعد العشاء الآخرة. فإذا بقارئ يقرأ في بعض البيوت، وقاسمَهما إني لكما لمنَ النّاصحين. فدلاهُما بغُرور. ويردد الآية. فرجع الرجل الى صلاة الصبح، وهو على حالته. قال وأسمع وقع الدموع على الحصير، الى أن خرج لصلاة الفجر، مستور الوجه. فلم أزل أرتقبه، إذا

стр. 727

به محمد بن سحنون. قال عيسى بن مسكين: قلت لابن سحنون: كيف الرشّ؟ يعني النضح. قال: تبسط الثوب ثم ترش عليه، ثم تقلبه، ثم ترش عليه، ثم تجففه. قيل لعيسى: الطاق الواحد من الناحيتين؟ قال: نعم. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: يحتمل والله أعلم أن يكون هذا فيما يشك في نجاسته من الناحيتين أو من إحداهما. ولم يتعين أو شك أن النجاسة داخلته. قال: وقد رأيت لأبي الحسن القابسي، في صفة النضح قال: يرش الموضع المتهوم بيده، رشة واحدة. وإن لم يعمه، لأنه ليس عليه غسل، فيحتاج أن يعمه. قال وإن رشه بفيه أجزاه. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: بعد غسل فيه من البصاق، وتنظيفه. وإلا فإنه يضيف الماء. ويغلب عليه. قال عيسى: كنت قد أخذت منه كتابين، أمهات. فحضرت الصلاة. فقدمني فأخرجتهما من كمي، ووضعتهما، فأخذهما محمد وأدخلهما في كمه، وصلى فأخجلني بفعله. قال أبو اللباد: حج محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين. فغلطوا في يوم عرفة، فأراهم محمد، أن ذاك يجزئ من حجّهم. واختلف فيها قول أبيه. قال المؤلف ﵀: حكى ذلك الطائي عن ابن أسلم المالكي. أجمع مالك وأبو حنيفة والشافعي، على أجزاء هذه المسألة. قال بعضهم: كنت عند محمد بن سحنون فجاءه يعقوب الجري فأنشده: محمد يا من بالعدل قد نفذت قضاياه … ويا ابن مناصح لله يرجوه ويخشاه

стр. 728

أبوك أب أهاب بجنة الفردوس وهي دنياه … فمن والى أبوك بوده فالله مولاه مولاي وقد ينال المرءُ عفوًا ما تمناه … كتاب منك تنجح حاجتي إن كنت أُعطاه فطل وامنن علي به … وحطني حاطك الله فقال له محمد بن سحنون: نعم، وكرامة. وكتب له في حاجته. قال أبو العرب: كان ابن سحنون من أطوع الناس في الناس. سمحًا، كريمًا، نفاعًا للناس، إذا قُصِد. قال ابن حارث: كان كريمًا في نفسه، جوادًا بماله، وجاهه. يصل من قصده بالعشرات من الدنانير. ويكتب لمن يعنى به الى الكور. فيعطى الأموال الجسيمة، مقدمًا عند الملوك، وجيهًا عند العامة، نهاضًا بالأثقال، واسع الحيلة، جيد النظر عند الملمات. وهو كان السبب المقيم لسليمان بن عمران، وعبد الله بن طالب، وذلك أنه عني بسليمان حتى استكتبه أبوه. ثم ولاه قضاء باجة. فلما مات سحنون، وولى سليمان بن عمران قضاء القيروان مكانه، فأساء صحبة محمد بن سحنون، وفسدت الحال بينهما، الى أن وجّه به سليمان، فأتاه محمد في خلق ممن تبعه، فأغلظ له سليمان في القول، فحفظ من كلامه: ما أحوجك الى من يُمضِغْك قطن قلنسوتك هذه. ولم يجسر عليه بمكروه. وكان سليمان يلقبه ويؤذيه بالقول. وجاء رجل الى ابن سحنون وقال له: يا أبا عبد الله، الرسول يبلّغ ولا يلام: ابن العيّاد، يقرأ عليك السلام، ويقول لك:

стр. 729

أنبَتّ أقوامًا لو أن السماء أمطرت عليهم أربعين خريفًا ما أنبتوا. يعرض بسليمان بن عمران. فقال ابن سحنون: هذا جزاء من فعل شيئًا لغير الله. ولم تزل الحال تتزايد في فساد ما بينهما، الى أن توارى ابن سحنون خوفًا على نفسه. فكتب في تواريه الى الأمير محمد بن الأغلب، بما كتب به عثمان الى علي ﵄: فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكلي … وإلا تداركني ولمّا أمزّق فقال ابن الأغلب: ومن يمزقه، مزق الله جلده. ثم رفع يد سليمان عنه، وأمنه منه. وقيل إن ابن سحنون لما طال ترقيه، لما ينفعه من الأمير، ركب متنكرًا إليه. ولقيه مؤدب أولاد الأمير إذا أذنت لابن سحنون في الخروج، مع من أبقى؟ أخبره: إني قد رفعت يد سليمان بن عمران عنه. فظهر ابن سحنون وشق السماط الأعظم، حتى أتى الجامع، فصلى فيه. فبلغ ذلك سليمان فعلم أنه أمن، ورفعت يده عنه. وظهر محمد بن سحنون، وقامت رئاسته. وشجي به سليمان وجماعة العراقيين، ورد سليمان غضبه على أصحاب ابن سحنون. فأخذ فرات بن محمد فضربه بالسياط. وبينما محمد بن سحنون يمشي يومًا، لقيه صاحب الصلاة بالقيروان، المعروف بابن أبي الحواجب، وكان من أعدائه. فأومأ الى أذنه فأمكنه ابن سحنون منها. فقال له سرًا: يا كذا ابن كذا نسبًا قبيحًا - فأجابه ابن سحنون جهرًا: تُقْضى حاجتك. يغالط من حضره. وسار ابن أبي الحواجب فأخبر سليمان بن عمران بذلك. فقال إن صدقت فتحفظ. وركب ابن سحنون الى أحمد بن محمد الحضرمي، فسأله أن يزين للأمير

стр. 730

تولية ابن طالب على الصلاة. فأجابه الأمير إليه. فخرج الحضرمي بذلك الى ابن سحنون فسأله ابن سحنون كتم ذلك الى وقت الخطبة. ووجه ابن سحنون في طلب ابن طالب، فأعلمه بذلك. وقال له: تهيأ. فإذا رأيت ابن أبي الحواجب قد خرج الى المقصورة، فقم بين يديه، وارق المنبر، واخطب. فلما كان يوم الجمعة، هجِر ابن أبي الحواجب الى الجامع، فنزل في المقصورة، وأتى ابن طالب فركع الى جانب ابن سحنون، وسليمان بن عمران عند المنبر. فلما خرج ابن أبي الحواجب الى المقصورة، وهي حجرة قبلي الجامع، ورفع رجله الى درجة المنبر، صعد ابن طالب على المنبر، وقد تقلد السيف، ومد القيّم يده الى ثوب ابن أبي الحواجب، فجبذه، وكان سليمان بن عمران جالسًا، وقد نعس حينئذ، فما راعه إلا صوت ابن طالب، وكان فصيحًا، يقول: الحمد لله الذي يشكر على ما به أنعم، والحمد لله الذي عذب على ما لو شاء منه عصم، والحمد لله الذي على عرشه استوى، وعلى ملكه احتوى، وهو في الآخرة يرى. فعلت سليمان بن عمران كآبة، وتهلل وجه ابن سحنون. واستمر ابن طالب في خطبته، وتمت الصلاة. فلما انصرف سليمان الى منزله، جمع شيوخ القيروان، وأمرهم أن يسيروا الى الأمير، ليزكوا عنده ابن أبي الحواجب، ويسألوه رده على الصلاة. فبلغ الخبر ابن سحنون فوجه الى الحضرمي، فأعلمه بالأمر. فلما أطل القوم على القصر، أرسل إليهم الحضرمي، أما تستحيُون أن تسألوا الأمير، أن يحط ابن عمه، ومن أراد التنويه به، وأن يشرف صاحبكم - وكان ابن طالب من بني عم الأمير - انصرفوا. فإنا لا نسألكم عن تزكية، ولا جرحة. فانصرف القوم، فكانت تلك أول نكبة سليمان. ثم لم تزل أمور ابن طالب تنتمي، الى أن عزل سليمان وولي ابن طالب قضاء إفريقية مكانه. ووجه ابن الأغلب في ابن سحنون،

стр. 731

فسأله ما تقول في يزيد؟ فقال أصلح الله الأمير. ما أقول ما قالت الإباضية، ولا ما قالت المرجئة. قال: وما قالت؟ قال: قالت الإباضية: إن من أذنب ذنبًا فهو من أهل النار. وقالت المرجئة: لا تضر الذنوب مع التوحيد. أما يزيد عظيمًا جسيمًا، ويفعل الله في خلقه ما أحب. ثم انصرف. وذكر أن رجلًا من أصحاب محمد، دخل بمصر، حمامًا، عليه رجل يهودي فتناظر معه الرجل فغلبه اليهودي، لقلة معرفة الرجل. فلما حج محمد بن سحنون صحبه الرجل، فلما دخل مصر، قال له: امض بنا، أصلحك الله، الى الحمام الذي عليه اليهودي. فلما دنا خروج محمد، سبقه الرجل. وأنشب المناظرة مع اليهودي، حتى حانت الصلاة. فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه الى المناظرة، حتى كانت العصر، فصلاها. ثم كذلك العشاء، ثم الى العشاء الآخرة، ثم الى الفجر، وقد اجتمع الناس وشاع الخبر بمصر، الفقيه المغربي يناظر اليهودي، فلما كانت صلاة الفجر انقطع اليهودي، وتبين له الحق وأسلم. فكبّر الناس وعلت أصواتهم. فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيرًا. كاد أن يجري على يديك فتنة عظيمة. تناظر يهوديًا، وأنت بضعف، فإن ظهر عليك اليهودي، لضعفك، افتتن من قدر الله فتنته، أو كما قال. وذكر أن رجلًا عراقيًا كان يؤذي محمد بن سحنون، وينال منه. فاشتد عليه مرة الفقر، فقام بباله قصده. فنهته امرأته لما عرفت منه، فلم يقبل منها. ووصل إليه. فقال: جئت أستعينك وأستعفيك. فقال: اذكر حاجتك. فقال: ما جئت الى هذا. قال: لابد أن تذكر حاجتك. فشكا إليه حاله. فاسترجع محمد، وقال: يا أخي بلغ منك هذا

стр. 732

وأنا في الدنيا. وكتب له رقعة الى صيرفي بعشرين دينارًا. وقال اشتر بها لأهلك ما يحتاجون. ففعل الرجل، وأخبر الرجل بذلك ابن سحنون، فسر، ثم قال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم. فكتب له كتبًا، وقال له: تمضي بها الى قسطنطينه. فمضى الرجل بها وأوصلها الى أصحابها. فأكرم وأضيف، وأعطي ثلاثمائة دينار. فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون وأنه وجهه وراءها. فلما وصل الى القيروان دفعها لمحمد بن سحنون مع أجوبة القوم. فقال محمد: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال القاسم: قال الرجل: يا سيدي، إن كان بقي شيء رجعت إليه، أقتضيه لك. فقال: ليست لي، إنما هي لك. وما عهدناهم كذلك. وجعل يستقلها. وفي حكاية أخرى، أن رجلًا من العراقيين كان يغري به، حتى قيل إن صاحبه يشتمه علانية وسرًا، إذا وجده مع الناس، فشتمه يومًا في أذنه، وهو في أصحابه. فقال: نعم وكرامة. إذا تفرّغت تقضي حاجتك. وبلغ ذلك العراقيين. فتهموا صاحبهم وأضاعوه. فشكا حاله الى بعض الصالحين. فدله على محمد بن سحنون. فسار إليه، فأصغى إليه محمد أذنه، وهو يظن أنه يجري على عادته. فقال هو: والله ما جئتك إلا نائبًا منيبًا. فأجلسه. فلما قضى مجلسه أخذ بيده، وحمله الى منزله، ودفع إليه عشرين دينارًا. ثم كتب له ثلاثين كتابًا الى ثلاثين رجلًا من أصحابه بالساحل، يسأل كل رجل أن يشتري له جارية. فوصلت إليه ثلاثون جارية. فأمر ببيع خمسة منهن. وأصلح بها حال خمس وعشرين، ودفعهن الى الرجل. وحكى المالكي قال: كانت لمحمد بن سحنون، تسعة أسرة. يريد لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال لها أم قدام. فكان عندها

стр. 733

يومًا، وقد شغل في تأليف كتاب الى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة. فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتت عليه. وتمادى هو على ما هو فيه الى أن أذن لصلاة الصبح. فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم قدام. هات ما عندك. فقالت قد والله يا سيدي ألقمته لك. فقال لها: ما شعرت بذلك. قال سليمان بن سالم: قال لي محمد بن سحنون: دخلت مسجد مدينة النبي ﷺ ، فإذا بحلقة عظيمة، فيها شيخ متكئ، فجلست كما نزلت، بثياب السفر. فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمهات الأولاد. فأدخلت عليهم فيها حرفًا، فنبههم الشيخ عليه، فاسترد جالسًا. ثم زدت حرفًا آخر. فقال لي أين بلدك؟ فقلت: أصلحك الله، رجل حاج. فقال أين بلدك؟ قلت إفريقية. فقال ينبغي أن تكون ابن سحنون، أو ابن أخي سحنون. فقام إلي الشيخ في جميعهم فسلموا عليّ، وعتبوني إذ لم أعلمهم بنفسي. فوَالله ما خرجت من المسجد إلا والشيخ يكتب المسألة، وأنا أمليها عليه. ذكر مذهبه في الإيمان كان محمد بن سحنون لا يستثني في مسألة الإيمان. وغالبَ ابن عبدوس وغيره. وكان يقول: أنا مؤمن عند الله. وكان ابن عبدوس وأصحابه، وأهل مصر والمشرق ينكرون ذلك عليه وعلى من يقوله. وينسبون قائله الى الأرجاء. وتكلم ذلك مرة رجل بمصر، في حلقة أبي الذكر الفقيه، فأنكروا عليه. فقال أبو الذكر: وعندنا فرقة بالمغرب يقال لها السحنونية تقول ذلك. وكان ابن سحنون يقول: المرء يعلم اعتقاده. فكيف يعلم أنه يعتقد الإيمان، ثم يشك فيه. وبقي بينه هو وأصحابه بعده، وبين أصحاب ابن عبدوس وغيرهم، في المسألة تنازع، ومجادلات، ومطالبات.

стр. 734

وكانوا يسمون من خالفهم، الشكوكية، لاستثنائهم. وسيأتي من أخبار بعضهم، وما جرى بينهم، بعد هذا في موضعه، ما يليق بالكتاب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمسألة قد كثر الخوض فيها، وكلام الأئمة عليها. والحقيقة فيها، أنه خلاف في ألفاظ لا حقيقة. فمن التفت الى مغيب الحال والخاتمة، وما سبق به القدر، قال، بالاستثناء. ومن التفت الى حال نفسه، وصحة معتقده، في وقته لم يقل به. ثم نشأ بينهم بعد اختلاف آخر، بعد ثلاثمائة سنة، في القول في الغير، هل يقال هو مؤمن من عبد الله. وجرى بين أبي التبان وابن أبي زيد، والمسيسي، وأبي ميسرة، والدراوردي، وغيرهم في ذلك مطالبات ومهاجرة، سنذكر منها في أخبارهم عند ذكر طبقتهم، والصحيح في هذا أيضًا ما قاله أبو محمد بن أبي زيد: إن كانت سريرتك مثل علانيتك، فأنت مؤمن عند الله. زاد الدراوردي، وختم لك بذلك. وأما ابن التبان وغيره، فأطلق القول بأنه مؤمن. سأل محمد بن أبي زيد، وكان يقول: ابن سحنون ورعًا لم ينسب هذا القول الى أبيه. ذكر وفاته توفي محمد بن سحنون ﵀ ورضي عنه بالساحل، سنة ست وخمسين ومائتين بعد موت أبيه بست عشرة سنة. وكانت وفاته بالساحل، وجيء به الى القيروان. فدفن بها. وسنه أربع وخمسون سنة. مولده سنة اثنتين

стр. 735

ومائتين. فيما قاله أبو العرب. وقال ابن حارث: مولده على رأس المائتين. وفي رثاء أحمد بن سليمان له: وقد عاش خمسًا بعد خمسين حجة … يحامي عن الإسلام إلا ثمانيا وصلى عليه الأمير حينئذ ابراهيم بن أحمد بن الأغلب. وضرب على قبره قبة. وضربت الأخبية حول قبره. وأقام الناس فيها، شهورًا كثيرة، حتى قامت الأسواق، والبيع والشراء، حول قبره، من كثرة الناس، حتى خاف من ذلك ابن الأغلب، وبعث الى ابن عم ابن سحنون، المعروف بابن لبدة، ففرق الناس. ورئي في النوم، فسئل، فقال: زوجتي وبي سبعين حوراء، لما علم من حبي النساء. ورأى بعضهم حين مات، سحابة تظلل القيروان، والناس يعجبون من حسنها، إذ قال قائل: أتدرون ما هي هذه السحابة؟ قلنا لا. قال: محمد بن سحنون، ويده بيد الله تعالى. ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة. من ذلك قول محمد بن داود وكان من أصحابه: اذر الدموع على أخرّ مُحجل … بسطت له أيدي المنون حبالها ما ضرها لو متّعت بمحمد … هيهات رب العالمين قضى لها يا عين جودي بالدموع على الذي … نشرت عليه المكرمات ظلالها ولقد رأيت الأرض يوم رأيته … فوق المناكب زلزلت زلزالها قل للمنية بعد موت محمد … تكسو الخليقة بعده إجلالها يا صاحب القبر الذي لبس البلى … ورّثت نفسي همها وخبالها لما رأت تعطيل مسجدك الذي … بإزاء قبرك غالها ما غالها ذاك المحل الأرحب العالي إذا … أعطى البرية ربها أعمالها

стр. 736

وقال آخر: فقد مات رأس العلم وانهدّ ركنه … وأصبح من بعد ابن سحنون واهيا فمن لرواة العلم بعد محمد … لقد كان بحرًا واسع العلم ضافيا بنى لك سحنون من المجد معجزًا … وأورثك العلم الذي كان بانيا وأصبحت مخصوصًا بكل فضيلة … وشيدت ما قد كان شيخك جانيا وكنت لأهل العلم حصنًا وملجأ … فأصبح منك اليوم حظك خاليا وقال أحمد بن أبي سليمان: ألا فابك للإسلام إن كنت باكيا … لحلٍ من الإسلام أصبح واهيا تهدم حصن الديار وانهار ركنه … عشية أمسى في المقابر ثاويا إمام حباه الله فضلًا وحكمة … وفقهه في الدين كهلًا وناشيا وزوّده التقوى وبصره الهدى … فكان بلا شك الى النور هاديا وهي طويلة. قال ابن اللباد: حج محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين، وترك محمد بن سحنون ابنه. وسمي محمد أيضًا. ويكنى بأبي سعيد. له سماع من أبيه. وغلبت عليه العبادة. وسيأتي ذكره. أحمد بن لبدة أبو جعفر. ابن أخي سحنون، ولبدة أخو سحنون. سمع من عمه. قال أبو العرب: هو ثقة. أخذ الناس عنه. وكان وجيهًا بإفريقية، ذا فضل ودين. قال ابن حارث: ولم يكن في الفقه هناك، إلا أنه قام له

стр. 737

جاه في البلد بعد موت سحنون بأثرته ومكانه منه. قال ابن نصر: كانت المسائل ترد إليه من كل جانب، فمرة يلقيها إليّ، ومرة الى موسى القطان. فنتولى الجواب عنه. وكان أناس يقولون: ابن لبدة عالم الأمير. قال الإيماني: كانت خديجة ابنة سحنون من أحسن النساء وأعقلهن. فذكر لي أبو داود القطان، أن أحمد بن لبدة أرسله لسحنون يخطبها عليه. فذكرت له. فقال: هممت بذلك. فأتاه محمد، يعني ابنه فشاوره، فقال: لا أصنع - ما يحبه - فسكت عنه، الى أن توفي سحنون. فأرسلني الى محمد. فذكرت ذلك له. فقال: كيف أصنع ما لم يصنع أبي؟ فسكت عنه، حتى توفي محمد. فأرسلني إليها. فقالت لي: ما لم يصنع أبي وأخي، أنا أصنعه؟ لا أفعل. فماتت وهي بكر. وتوفي ابن لبدة هذا سنة إحدى وستين ومائتين. محمد بن ابراهيم بن عبدوس بن بشير أصله من العجم. قال أبو سعيد المصري: وهو من موالي قريش. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هو من كبار أصحاب سحنون، وأئمة وقته. وهو رابع المحمدين الأربعة، الذين اجتمعوا في عصره، من أئمة مذهب مالك، لم يجتمع في زمان مثلهم، اثنان مصريان: محمد بن عبد الحكم، وابن المواز، واثنان قرويان: ابن عبدوس، وابن سحنون. ذكر مكانه من العلم والفضل قال محمد بن أحمد بن تميم: كان محمد بن عبدوس ثقة، إمامًا في الفقه، صالحًا زاهدًا، ظاهر الخشوع ذا ورع، وتواضع، بذُّ الهيئة. من

стр. 738

أشبه الناس بأخلاق سحنون، في فقهه وزهادته في ملبسه ومطعمه. وكان صحيح الكتاب، حسن التقييد، عالمًا بما اختلف فيه أهل المدينة، وما اجتمعوا عليه. قال حماس القاضي: ما رأيت مثل ابن عبدوس، في الزهادة والفقه. وقال مثله محمد بن بسطام. وقال أحمد بن زياد: ما أظن كان في التابعين مثله. يعني في الفضل والزهد. وهذا غلو. قال ابن حارث: كان حافظًا لمذهب مالك، والرواة من أصحابه، إمامًا فقيهًا، غزير الاستنباط، جيد القريحة، ناسكًا عابدًا متواضعًا. يقال إنه مستجاب الدعوة. وإنه دعا على ابن الأغلب المعروف بأبي الغرانيق، فعرفت استجابته. قال ابن حارث: وكان نظير أحمد بن المواز، وألف كتابًا شريفًا، سمّاه المجموعة على مذهب مالك وأصحابه. وأعجلته المنيّة، قبل تمامه. وكان قرنًا لابن سحنون، وجارًا لهم. نشأ معه بين يدي سحنون ﵀. وله أيضًا كتاب التفاسير، وله كتب فسر فيها أصولًا من العلم، كتفسير كتاب المرابحة، وتفسير المواضعة، وتفسير كتاب الشفعة، وكتاب الدور. قال أحمد بن زياد: شاهدته يومًا، قد أخذ في شرح أصل من أصول اللعان. فلما توسط كلامه، فهم عمن كان يكلمه أنه لم يفهمه. فقطع كلامه وقال: هذا الأمر يموت مع أصحابه. يعني الفقه الجيد. وذكر مرة عند حماس القاضي، ففضلوه على محمد بن مسحنون. فقال حماس: كان ابن عبدوس يلقي علينا المسائل. فإذا أشكلت شرحها فلا يزال يفسرها، حتى نفقهها. فيسر بذلك. وإن لم يرنا فهمناها غمّه. قال لقمان: بلغ ابن عبدوس، أن محمد بن سحنون قال يومًا: يتكلمون في الفقه، ولعل أحدهم لو سئل عن اسم أبي هريرة ما عرفه. فكان ابن

стр. 739

عبدوس، ربما قال للرجل، من أصحابه: أفهم هذه المسألة، فإنها أنفع لك من اسم أبي هريرة. وفي رواية عن حماس: هذا أحب إلي من معرفة اسم أبي سعيد الخدري. تعريضًا بابن سحنون، لعلمه بالرجال. وكان ابن طالب شديد الإعظام لابن عبدوس، عارفًا بحقه، وعليه كان يعتمد في أحكامه ويطالبه بالمشاورة، في كل وقت. وكان سليمان بن عمران يقول لابن طالب: إن مات لك ابن عبدوس ما تصنع؟ قال لقمان: كان وجه ابن طالب الى ابن سحنون، وقلبه الى ابن عبدوس. وكان ابن طالب يقول: اللهم ابقني ما أبقيت محمد بن عبدوس، أقتدي به في ديني ودنياي. وكان يثني عليه. قال حبيب: كنت أسأل في المسائل النازلة لسحنون، فإن تعذّر، فابن عبدوس. وبه تفقه جماعة من أصحاب سحنون، فمن بعدهم. واستجازه آخر في المجموعة. وألف كتبه هذه في المذهب المسماة بالمجموعة. وهي نحو الخمسين كتابًا. وله أيضًا أربعة أجزاء في شرح مسائل من المدونة. ذكرناها. وكتاب الورع، وكتاب فضائل أصحاب مالك. وكتاب مجالس مالك، أربعة أجزاء. وقد تضاف بعض هذه الكتب الى المجموعة. ودخل يومًا محمد بن عبدوس على سحنون وعنده ابنه محمد، وأبو داود، وعبد الله بن الطبية، وعبد الله بن سهل القبرياني، وجماعة من كبار أصحابه. وقد ألقى عليهم مسألة، فبقي عليهم في الجواب. فقال إيش يتكلمون؟ فقال سحنون، فأخبِروه. فقال: قال فيها بعض أصحابنا كذا. وبعضهم كذا. وذكر الجواب والاختلاف. فقال سحنون: نعم. انظروا من يدرس وأنتم تركتم الدرس. وحكى الإيمالي أن ابن عبدوس أقام سبع سنين يدرس،

стр. 740

لا يخرج من داره إلا الى الجمعة. ذكر زهده ذكر ابن اللباد، أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة، ثلاثين سنة. خمس عشرة من دراسة. وخمس عشرة من عبادة. وروينا عن غيره أنه رأى في منامه أنه يقال له مضضت؟ فاستوى قائمًا. وسأل بعض أهل العلم بالرؤيا. فقال له مضضت على العمل. فقال: وأي عمل أفضل مما أنا فيه، من تأليف المجموعة. ثم لزم العبادة، والعمل. فمات الى سنته. قال أحمد بن نصر: كنت إذا رحلت الى محمد بن عبدوس، وجدته قد جلس محتبيًا متواضعًا، زائلًا عن صدر فراشه، فلا يعرفه أنه صاحب المجلس، إلا من يدريه. قال غيره: وكان إذا رأيته يصلي، علمت أنه ممن يخشى الله تعالى. وكان يركب على الشند. قال حماس فعاتبناه على ذلك. وقلنا له: الناس ينظرون إليك ويقصدونك، فما زلنا به حتى اشترى سرجًا دَيْنًا كالقتب بعض الشنود خير منه. قال محمد بن بسطام: كان مجلس ابن عبدوس في ركن المسجد، فإذا جاء السائل لم يعرفه؟ حتى يقول من هو؟ وربما كان على رأسه منديل مهلبي، فيركب السلال إذا خرج الى منزله. ولما انصرف من الحج، أعرض عن الكلام في مسائله لئلا ينفتح له باب من الرأي، يظهر له به نقص في حجه. قال محمد بن بسطام: كنت في بيتي ليلة شاتية. إذ دق عليّ الباب، فخرجت. فإذا محمد بن عبدوس، وعليه جبة صوف وقلنسوة صوف. فقال لي: يا محمد ما نمت الليلة غمًا لفقر أمة محمد ﷺ . وهذه مائة دينار ذهبًا، غلة ضيعتي هذا العام، احذر أن يمسي الليل وعندك منها شيء، وانصرف. قال أبو الفضل السبتي: صلى رجل خلف محمد بن عبدوس، فلما سمع قراءته سقط الرجل، فلما فرغ ابن
следующие страницы →