Полный текст (1 447 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أصبغ، وأدخله في المستخرجة. وكان من أهل الحفظ للمسائل. ذكره ابن الفرضي، وعده ابن أبي دليم في هذه الطبقة.
محمد بن الحارث بن أبي سعيد
قرطبي. يكنى أبا عبد الله. تقدم ذكر أبيه. روى عنه كثيرًا، وعن يحيى بن يحيى، وابن حبيب. وحج فسمع بمصر وبمكة من غير واحد. ولي لعبد الرحمن بن
الحكم، أحكام الشرطة الصغرى، التي كانت بيد أبيه، وأقره الأمير محمد عليها، مع حكم السوق، الى أن مات. وكان مشاورًا في أيامه بقرطبة، مع أصبغ بن خليل، وابن مزين، وعظمهم. وكان أحد الثلاثة الذين طلبوا بقي بن مخلد. إلا أنه كان أجلهم في قصته. قال ابن عبد البر: وكان قليل الفقه. توفي سنة ستين ومائتين.
عبد الرحمن بن سعيد التميمي
المعروف بالجزيري. من أهل قرطبة. يكنى أبا زيد. أخذ عن يحيى بن يحيى، وسمع من أصبغ بن الفرج. وزيد ابن أبي الغمر، وحرملة بن المنذر، وغيرهم. وروى التفسير المنسوب الى ابن عباس من رواية الكلبي، عن أبي صالح. وسمعه منه جماعة. قال: وكان يقوم بالرأي قيامًا حسنًا. قال ابن أبي دليم: عني بالرأي، وحفظ المسائل، وشور بقرطبة. وكان محمد بن فطيس يصفه بالكرم، ويثني عليه. قال أحمد بن حزم: كان ذا مال عظيم، ودنيا. يقف على رأسه الوصفاء يشبه بالملوك
стр. 772
ملابس لهم. يأتيهم ويأتونه. وكان فقيهًا عالمًا بالمسائل. قال ابن عتاب: وكان من أهل الجود واليسار. وغمِصَ بشيء، الله أعلم به. وذلك أن محمد بن محمد بن وضّاح جاء إليه، فوجد عنده أشياء منكرة. فأخذ ثيابه، وضرب به الأرض، وقام من عنده. فقال أبو زيد: إنما يريد ولد ابن وضاح، يضعفني. وقد سمع مني فلان وفلان، أراه ذكر ابن الفرا. فمضى الى بعض الحكام، وأخذ الشرط، وجعل يطلبها ابن وضاح. ففضح نفسه. توفي في شوال سنة خمس وستين ومائتين وطرح الأعناقي، وبعضهم حديثه. وترك الرواية عنه.
إسحاق بن جابر
قرطبي. لقيته من أصحاب يحيى، وعيسى. ومن خيار الناس وفضلائهم. توفي
سنة ثلاث وستين.
عبد الجبار بن فتح بن منتصر البلوي
من أهل فحص البلوط. فقيه زاهد، طلب العلم ابن خمس عشرة سنة، فسمع من الأعشى، وابن حبيب، وأبي زيد، وعبد الأعلى، والعتبي، ورحل. وكان ابن لبابة قد صحبه عند بعضهم. فكان يقول: ما رأيت بقرطبة زاهدًا غيره. وعاجلته المنية فتوفي ابن أربعين سنة. وذلك سنة ست وخمسين ومائتين. وقيل ثمان وخمسين.
стр. 773
عبد المجيد بن عفان البلوي
من أصحاب يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وابن حبيب، ورحل فسمع من سحنون لأن سحنون لقب وليست اسمًا بن سعيد، وأبي الطاهر بن السرح في سنة ثمان وستين ومائتين.
عمر بن موسى الكناني
من كنانة قيس. من أهل البيرة. أبو حفص. كان فقيه البيرة، بعد خروج ابن حبيب عنها. وكن سمع منه، ومن يحيى بن يحيى، وابن حسان، وزونان. ورحل فسمع من الحارث بمصر، وابن أبي إسحاق البرقي، ومن محمد بن عبد الرحيم البرقي. وبالقيروان: من سحنون بن سعيد، وغيرهم. وهو أحد السبعة الذين كانوا في وقت واحد بالبيرة من رواة سحنون. وهم: هؤلاء الذين يأتي ذكرهم على نسق. وكان يحيى بن عمر يثني عليه، ويصفه بالعلم والجلاة. حدث عنه حفص بن عمرو بن نجيح وغيره. توفي سنة سبع وخمسين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي. وقال أبو سعيد بن يونس سنة أربع وخمسين.
سليمان بن نصر بن منصور بن حامل المرّي
جده من غطفان من أهل البيرة. كنيته أبو أيوب. روى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب ونظرائهم. ورحل فسمع من أبي مصعب، ومحمد بن عبد الملك، وسحنون. وحج حجات. حدّث عنه حفص بن عمرو بن نجيح، وغيره. توفي سنة ستين ومائتين.
стр. 774
ابراهيم بن شعيب الباهلي
البيري أيضًا كنيته أبو إسحاق روى عن يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وعبد الملك بن حبيب. قال ابن حارث: كان فقيهًا حافظًا وحدث توفي سنة خمس وستين.
ابراهيم بن خالد الفهري
أبو إسحاق. سمع من يحيى، وسعيد، وابن حبيب. ورحل فسمع من سحنون وأبي الطاهر وأبي المصعب وزونان. توفي سنة ثمان وستين.
سعيد بن النمر
ويقال: نمر بن سليمان بن الحسن، الغافقي. من أهل بَيرَه. يكنى أبا عثمان. سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، وزونان. ورحل فسمع من سحنون، وبمصر من ابن عبد الحكم، وأبي الطاهر، والحارث بن مسكين. حدث عنه أحمد بن يحيى بن الشامة وابن مخلوف وحفص بن عمر وغيرهم. قال ابن أبي دليم: كان ذا فقه، وورع، وهو أجلّ هذه الطبقة وأشهرها. وله مسائل جمعت عنه، قد أدخل فيها شيخنا القاضي أبو الوليد، في كتاب البيان طرفًا. قال علي بن الحسن:
стр. 775
كان ابن النمر من علية أصحاب سحنون في الفضل، والعلم، وقال غيره: هو من أجل رواة عبد الملك. توفي سنة تسع وستين، وقيل
سنة ثلاث وسبعين.
محمد بن عبد الله بن قنون اللبدي
رحل فسمع من أبي المصعب، وسحنون. توفي سنة إحدى، وقيل سنة خمس وستين. وهذا الثامن من رواة سحنون. من أهل البيرة، ممن لم يذكره من تقدم.
أحمد بن سليمان بن أبي الربيع
البيري، أحد السبعة، من الرواة عن سحنون، بالبيرة، في وقت واحد. روى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، والحارث بن مسكين، وسحنون. قال ابن الفرضي: وكان فقيهًا. قال ابن الحارث: كان فقيهًا حافظًا. وتوفي بحاضرة البيرة سنة سبع وثمانين، وتأخرت وفاته عن أصحابه.
فضل بن فضل بن عمرة بن راشد
العتقي. تدميري. تقدم ذكر أبيه. وكنيته ككنية أبيه أيضًا. أبو العافية. وكان أبوه مات، وترك أمه حبلى به. فسمي باسمه. وكني بكنيته. وولي القضاء ببلده. سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان وعبد الملك بن حبيب. وتوفي سنة خمس وستين ومائتين.
стр. 776
محمد بن زياد شذوني
رحل فسمع من أصبغ وغيره. وكان عابدًا، خاشعًا، وصفه عبد الله أبو الوليد بالعلم، والفضل. وقال: كان من الخاشعين.
سليمان بن حجاج شذوني
قال خالد: كان من أهل التقدم في العلم والورع، نظير محمد بن زياد.
عبد الوهاب بن عباس بن ناصح الثقفي
مولاهم. ويقال أصله بربري. من نفزه. ويقال ناصح بن تلتيت المصمودي. جزيري. من الجزيرة الخضراء. وبيته بيت ذلك البلد في العلم والرياسة. ورحل مع ابن مزين وابن مطروح. في رجالهما. وكان شاعرًا. ولي القضاء ببلده، وقضاء شؤونه، وأبوه عباس بن ناصح الشاعر، المشهور، وكنيته أبو العلاء. رحل بعباس أبوه صغيرًا. فنشأ بمصر. وتردد بالحجاز طالبًا للسان العرب. ثم دخل العراق. فلقي الأصمعي وغيره. ورحل ثانية. فلقي الحسن بن هانئ. فاستنشده. فيقال إن الحسن قضى له على نفسه، بالفضل. حكى ذلك ابن الفرضي. ورجع الى الأندلس. ومدح ملوكها. وكان شاعرًا مصقعًا. وشعره مؤلف معروف. مشهور، مشروح. قال ابن الفرضي: وكان ابن عباس من أهل العلم باللغة، والعربية. له حظ من الفقه والرواية. لم يشتهر علمه
стр. 777
لغلبة الشعر عليه. وكان يسلك في أشعاره مسالك العرب القديمة. واستقضاه الحكم بن هشام، على شذونة، والجزيرة. وولي القضاء بعده ابنه عبد الوهاب هذا. ثم بعد محمد بن عبد الوهاب. وكان فقيهًا شاعرًا، - فهم ثلاثة قضاة على نسق - أديبًا وشاعرًا، وعالمًا. ورابعهم: عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عباس. فقيه حافظ للرأي والمسائل. متصرف في اللغة والإعراب. توفي سنة ثلاثمائة وثلاثة وعشرين. والنباهة والعلم، باق في بيتهم الى وقتنا هذا، بالجزيرة. وأدركنا منهم أبا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. كان من فقهائها المشاورين بها. وتوفي بها سنة
سعد بن موسى الطائي
من أهل الجزيرة الخضراء. من أهل العناية بالعلم، والجمع للكتب. ورحل فلقي أصبغ بن الفرج، وحرملة بن يحيى وغيرهما. وكان فقيهًا. موضعه مقصود للسماع فيه.
محبوب بن قطن بن عبد الله
ابن القطني البكري. جياني. روى بالأندلس. ورحل فسمع من عبد الله بن صالح، كاتب الليث بن سعد وغيره. وكان بجيان ذا رئاسة عظيمة في الفقه. نحوًا من أربعين سنة. حدث عنه سعد بن معاذ، وكان يلبس الوشي ويخضب قدميه بالحناء.
عبد القادر ابن أبي شيبة
واسمه: يونس الكلاعي. مولى لهم. وقال الخولاني: يكن أبا علي،
стр. 778
من أهل إشبيلية. سمع من يحيى بن يحيى، وابن حسان وغيرهما. وكان صدرًا في الفقهاء ببلده. توفي نحو السبعين.
أسد بن حارث
إشبيلي. مولى لخولان. ولقي أصبغ وابن بكير وكان ذا زهد وفضل. قال ابن حارث: كان له حظ في الفتيا.
داود بن عبد الله القيسي
إشبيلي. لقي ابن بكير. وسمع منه الموطأ، وكثيرًا من علم مالك، والليث. وكان من أهل العلم، مرشحًا لقضاء الجماعة، بقرطبة. وتوفي نحو السبعين.
إسحاق بن عبد ربه
باجي. سمع يحيى بن يحيى. وسحنون بن سعيد، وامتحن بالبرص، فاحتجب. وكان مشهورًا بالعلم والفضل. ولي صلاة موضعه.
يحيى بن حجاج
من أهل طليطلة. سمع يحيى وعيسى وسعيد بن حسان ورحل فسمع من سحنون
وعَون، وغيرهما من القرويين. قال ابن أبي دليم: كان من
стр. 779
أهل العلم. استشهد في المعترك، سنة ثلاث وستين ومائتين. وكان فاضلًا. ذكر أنه كان عنده طعام في بعض سني الشدائد. وكان ذا عيال. فلما رأى نفسه من عدم الرحمة، بخلاف غيره، تصدق بجميعه. فعوتب في ذلك. فقال: لئن حمدت نفسي، فيما ذكرتَ نظرتْ لي، ولمن معي. وآمنت أن تعم العباد رحمة ربي، ولا أن يخصنا سخطه، بما كنا فيه. وكان من المجتهدين، وكان لا يدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة.
يحيى بن القصير طليطلي
صاحب ابن حجاج هذا. ومشاركه في أسمعته. قال ابن حارث: وكان نظيره في فضله وعلمه، واجتهاده. وكان مواظبًا على الجهاد. ولما استشهد صاحبه، وسلم هو، كان يغمص نفسه ووبخها، الى أن خرج الناس للغزاة. سنة أربع وستين. فلما اجتمع الجمعان، أحكم أمره، وسلم متاعه، الى رفقائه، وودعهم. وتقدم للحرب طالبًا للشهادة. فرزقها، بعد أن أبلى في العدو بلاء ظاهرًا.
سعيد بن عياض
أبو عثمان. طليطلي. كنيته: أبو يحيى. رحل، فسمع من سحنون، ومن يحيى بن مزين، وعليه عول. وكان من أهل المسائل والفتيا والفقه. قال ابن الفرضي: وكان من أهل الرواية. قال ابن أبي دليم: كان من أهل الفقه والفتيا، ولي قضاء طليطلة، وصلاتها. ومات داخلها. قال ابن حارث: قتله أهل طليطلة.
стр. 780
حزم بن غالب الرعيني
طليطلي. سمع من عيسى، ويحيى. ورحل الى المشرق فلقي سحنون بن سعيد، وغيره. وكان مفتي بلده وصاحب صلاته وخطبته وأحكام قضائه.
أحمد بن الوليد بن عبد الخالق
ابن عبد الجبار، بن قيس، بن عبد الله، بن عبد الرحمن بن قتيبة، بن مسلم الباهلي. من أصحاب يحيى وعيسى بن دينار، ونظرائهما. طليطلي، رحل فلقي سحنونًا. وولي قضاء طليطلة، وجيان. وبيته بيت جلالة. هو قاضي ابن قاضي ابن قاضي. وولي جميعهم قضاء طليطلة. الأربعة على نسق. ذكره ابن حارث.
عبد الجبار بن محمد بن عمران
من أهل طليطلة سمع من سحنون ونظرائه. قال ابن حارث. وكان من أهل الرواية الكثيرة، والفتيا والعلم والورع والعبادة.
محمد بن عبد الواحد
من أهل طليطلة. يكنى أبا محمد. رحل فسمع من سحنون. وذكره
стр. 781
ابن أبي دليم في هذه الطبقة، وقال: كان صاحب فقه. توفي سنة أربع وستين ومائتين.
سعيد بن عفان
أبو محمد، طليطلي. رحل فلقي سحنون بن سعيد، وغيره. قال ابن حارث: كان من أهل العلم والمسائل والفتيا، وكان يتورك في أمره، على يحيى بن مزين.
عمر بن زيد بن عبد الرحمن
طليطلي. أبو حفص. سمع من أصبغ، وسحنون وغيرهما. وكان مفتيًا بموضعه. قال ابن أبي دليم كان صاحب رواية وفقه.
حزم بن غالب الرعيني
طليطلي. سمع من عيسى بن دينار. ويحيى بن يحيى، ولقي سحنون وغيره، وكان مفتيًا ببلده. وولي أحكام قضائه وصلاته. قال ابن حارث: كان صاحب رواية
وفتيا.
منذر بن الصباح بن عصمة
من أهل قَبرة. له رحلة وعناية بالفقه، والحديث. واستقضى بموضعه. وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين.
стр. 782
كرز بن يحيى بن كرز الصّدفي
من أهل استجة. روى عن عبد الملك بن حبيب. وكان عبد الملك بن حبيب، يصفه بالذكاء، والفهم، ويفضله على من قدم عليه من أهل البلدان. وكان رجلًا شريفًا، خيرًا، فقيه بلده في وقته. توفي، في امرة عبد الرحمن بن الحكم.
كلثوم بن أبيض المرادي
أبو عون من أهل سرقسطة. قال ابن أبي دليم: له رحلة قديمة. وكان فقيهًا فاضلًا. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
يحيى بن عبد الرحمان المعروف بالأبيض
سرقسطي. أبو زكريا. قال ابن الفرضي: سمي بذلك، لأنه كان أبيض الرأس واللحية والحاجبين وأشفار العينين، خلقة، وذكر أن أمه كانت أخت أبيه من الرضاعة. فظهرت فيه هذه الآية. كانت له رحلة قديمة. وكان متصرفًا في ضروب من العلم، متقدمًا في النحو واللغة، وألف فيه كتابًا. ذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة، من فقهاء المالكية. قال: وكان حافظًا. أخذ عنه الناس. وتوفي سنة ثلاث وستين ومائتين.
محمد بن عجلان الأزدي
سرقسطي سمع قديمًا من سحنون وغيره. قال ابن الفرضي: وكان عالمًا فاضلًا.
قال ابن حارث: هو من المشهورين بالفضل والخير. بصير بالفرض
стр. 783
والحساب بَصَرًا جيدًا. ووضع فيه كتابًا، حسنًا كافيًا. وولي قضاء بلده. قال ابن وضاح: قلت لسحنون: ابن عجلان قال: يحلّف اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، لأني رأيتهم يرهبون ذلك. فقال لي: من أين أخذه؟ قلت: من قول مالك ﵀. إنهم يحلفون حيث يعظّمون. فسكت. قال ابن وضاح: كأنه أعجبه. وسيأتي ذكر ابنه بعد هذا.
عبد الله بن أبي النعمان
سرقسطي ولي قضاءها وذكر عنه فضل وخير وكان مشهورًا بالعلم. توفي سنة خمس وستين وقيل سنة خمس وسبعين.
عجنَّس بن اسباط الزبادي
بفتح الزاي، وبعد باء، بواحدة من أسفل. من أهل وشقة. راغب في العلم، فبيته بها، بيت علم. سمع من يحيى بن يحيى. وذكره الصدفي وابن الفرضي وغيرهما. سمع منه ابنه ابراهيم. وسيأتي ذكره وذكر ابنيه في طبقاتهم إن شاء الله تعالى.
طبقة ثانية
ثم انتهى الفقه بعد هذه الطبقة الى طبقة أخرى تتلوها، فمنهم
من أهل المدينة
стр. 784
محمد بن إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن أيوب
ابن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي، المعروف بابن مغلق. وهو لقب يحيى، عده من أصحاب أبي مصعب كان بالمدينة، ثم خرج الى العراق، فولي القضاء بفارس، وهناك توفي.
أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر
ابن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب التيمي، القرشي. من أصحاب أبي مصعب أيضًا.
من أهل العراق والمشرق
ثم من آل حماد بن زيد أئمة هذا المذهب وأعلامه بالعراق:
إسماعيل بن إسحاق القاضي
ولنبدأ قبل ذكره، بشيء من خبر آل حماد بن زيد على الجملة، وجلالة أقدارهم، وقد ذكرنا قومًا منهم، في الطبقة الأولى. كانت هذه البيت، على كثرة رجالها، وشهرة أعلامها، من أجل بيوت العلم، بالعراق، وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا. وهم نشروا هذا المذهب هناك. ومنهم اقتبس. فمنهم من أئمة الفقه والمشيخة في الحديث والسنن عدة، كلهم أجلة، ورجال سنّة. روي عنهم في أقطار الأرض، وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب. وتردد العلم في طبقاتهم، وبيتهم، نحو ثلاثمائة عام، من زمن جدهم الإمام حماد بن زيد، وأخيه سعيد، ومولدهما نحو المائة، الى وفاة
стр. 785
آخر من وصف منهم بعلم، المعروف بابن أبي
يعلى. ووفاته قرب عام أربعمائة. قال أبو محمد الفرغاني في التاريخ: لا نعلم أحدًا من أهل الدنيا، بلغ ما بلغ آل حماد بن زيد. قال أبو محمد الفرغاني: نال بنو حماد من الدنيا، منزلة ومزية رفيعة. وأول نكبة نكبوها، أيام ابن المعتز. ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة، ما بلغوا من اتخاذ المنازل، والضياع، والكسوة، والآلة، ونفاذ الأمر، في جميع الآفاق. فكان لا يبقى أمير في أقطار الأرض، شرقًا وغربًا، إلا كاتبوهم. ونفذت أمورهم على أيديهم وكذلك كل من كان بالحضرة، من أرباب الخراج والأعمال، لا يجد بدًّا من أن يصير الى ما يأمرون به. لا يقدر أحد على أن يدفع أمرهم، أو يقصر في حوائجهم. ولما ولي عبد الله بن سليمان الوزارة للمعتضد، وكان سيئ الرأي فيهم، أراد الإيقاع بهم، وأعمل فيهم الحيلة. فلم يقدر على ذلك. الى أن مات اسماعيل بن إسحاق. ففتح لعبد الله في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، بنو حماد مشاغيل بخدمة السلطان، وأسباب النفقات والمظالم عن الحكم. فلم يقدح ذلك فيهم. ولم يزل به بعد مدة، حتى جعل أبا حازم الحنفي على قضاء الشرقية. وابن أبي الشوارب على قضاء مدينة المنصور. واقتصر بآل حماد، على قضاء عسكر المهدي، ثم بعد ذلك رجع قاضي القضاة لهم، أيام عمر بن الخطيب، مؤدب المعتضد. يعظم أمر آل حماد. وقال: حسبك أن لهم ببادريا، ستمائة بستان. غير ما لهم بالبصرة. وسائر النواحي. وكان فيهم على اتساع الدنيا لهم، رجال
стр. 786
صدق وخير، وأئمة ورع وعلم، وفضل. وسيأتي من فضل قصصهم في الطبقات، ما يدل على مكانهم من الدنيا والدين.
ذكر اسماعيل بن اسحاق بن اسماعيل
ابن حماد بن زيد بن درهم، بن بابك الجهضمي، الأزدي. مولى آل جرير بن حازم. قال أبو الفضل القشيري: وابن أبي إسحاق، أصله من البصرة. وبها نشأ، واستوطن بغداد. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم بن ابراهيم الفراهيدي،
وسليمان بن حرب الواشجي، وحجاج بن منهال الأنماطي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير، ومسدَّد والقعنبي، وعبد الله بن رجال العداني، وأبو الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وابراهيم بن الحجاج، واسماعيل بن أبي أويس، وعلي بن المديني، وإسحاق بن محمد الفروي. وسمع أيضًا من أبيه، ونصر بن علي الجهضمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابراهيم بن حمزة، وأبي مصعب الزهري، وأبي محمد الحكيمي، وأبي ثابت المدني، وأبي شاكر بن محمد بن مسلمة المدني، وغيرهم. وتفقه بابن المعذِّل. قال الشيرازي: إن القاضي اسماعيل يقول: أفخر على الناس برجلين، بالبصرة: بابن المعذّل يعلّمني الفقه، وابن المديني يعلمني الحديث. روى عنه موسى بن هارون الحافظ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغوي ويحيى بن صاعد، وابن عمه يوسف بن يعقوب، وابنه أبو عمر، القاضي. وأخوه وابراهيم بن عرفة نفطويه. وابن الأنباري، والمحاملي، ومحمد بن مخلد الدوري، ومحمد بن أحمد الحكيمي. واسماعيل الصفّار، ومحمد بن عمرو الرّزاز، وعبد الصمد الطستي، وأبو عمرو بن السماك، وأحمد
стр. 787
بن سليمان النجاد، وأبو سهل بن زياد، وحمزة بن محمد الدهقان، ومكرم بن أحمد القاضي، وأبو بكر الشافعي، وممن تفقه عليه، وروى عنه وسمع منه: ابن أخيه، ابراهيم بن حماد، وابنا بكير، والنسائي وابن العنتاب، وأبو بشر الدولابي، وأبو الفرج القاضي، وأبو يعقوب الرازي، وأبو بكر بن الجهم، وأبو الفضل بن راهويه، وأبو إسحاق الهجيمي، ومحمد بن أحمد الدينوري، وأبو عبد الله التركاني، وبكر القشيري، وابن حسام البصري الطيالسي، وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد الزهري، وأبو العباس الجناوي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف بن يعقوب الفريابي. وابن مجاهد المقرئ، ويحيى بن عمر الأندلسي، وقاسم بن أصبغ الأندلسي، وخلق عظيم. وبه تفقه أهل العراق من المالكية.
ثناء الناس عليه ومكانه من الإمامة في العلم، وذكر
فضله
قال أبو بكر بن ثابت الحافظ، في تاريخ البغداديين: كان اسماعيل فاضلًا عالمًا. متفننًا فقيهًا، على مذهب مالك. شرح مذهب، ولخصه، واحتج له، وصنف المسند، وكتبًا عديدة من علوم القرآن، وجمع حديث مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني. قال أبو إسحاق الشيرازي: كان اسماعيل جمع القرآن، وعلوم القرآن، والحديث وآثار العلماء. والفقه والكلام، والمعرفة بعلم اللسان. وكان من نظراء أبي العباس المبرد في علم كتاب سيبويه. وكان المبرد يقول: لولا شغله برئاسة العلم والقضاء، لذهب برئاسة النحو والأدب، ورد على المخالفين من أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، وحُمل من البصرة الى بغداد، وعنه انتشر مذهب
стр. 788
مالك بالعراق. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: كان ثقة صدوقًا، وكتب إلينا ببعض حديثه، قال غيره: كان ثقة. هو أول من بسّط قول مالك، واحتج به، وأظهره بالعراق. وكان أبو حازم القاضي الحنفي يقول: لبث اسماعيل أربعين سنة يميت ذكر أبي حنيفة من العراق. قال الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد: القاضي اسماعيل شيخ المالكيين في وقته. وإمام تام الإمامة، يقتدى به. قال طلحة بن محمد بن جعفر في تاريخه: اسماعيل بن إسحاق. منشأه بالبصرة. وأذن للفتيا عن أحمد بن المعذّل، وتقدم في العلم حتى صار علمًا ونشر من مذهب مالك، وفضله، ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنّف في الاحتجاج له، والشرح، ما صار لأهل هذا المذهب معالم يحتذونه، وطريقًا يسلكونه، ويضاف الى ذلك علمه بالقرآن. وهو كتاب لم يسبقه أحد من أصحابه الى مثله. وكتابه في القراءات، وهو كتاب جليل المقدار، عظيم الخطر، وكتابه في معاني
القرآن. وهذان الكتابان شهد بتفضيله فيهما: أبو العباس المبرد. وسمعت أبا بكر بن مجاهد، يصف هذين الكتابين. وذكر أن المبرد كان يقول: القاضي أعلم مني بالتصريف. وبلغ من العمر ما صار واحد عصره، في علوم الإسناد. فحمل الناس عنه من الحديث الحسن، ما لم يحمل عن كثير. وكان كثير من الناس يصيرون إليه، فيقتبس منه كل فريق علمًا، لا يشاركه فيه الآخرون. فمن قوم يحملون الحديث. ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه، الى غير ذلك. قال اسماعيل: دخلت يومًا على يحيى بن أكثم، وعنده قوم يتناظرون في الفقه. وهم يقولون: قال أهل المدينة. فلما رآني مقبلًا قال: قد جاءت المدينة. قال نصر بن علي الجهضمي: ليس في آل حماد بن زيد، أفضل من اسماعيل بن إسحاق. قال المبرد: ما رأت عيني في أصحاب السلطان مثل اسماعيل بن إسحاق،
стр. 789
وفلان. وذكره ابن كيسان يومًا، في مسألة من النحو فقال له، اسماعيل: نعم ما قلت. لو قاله غيره. فقال له ابن كيسان: إن ما قاله القاضي أعزّه الله، قال به جميع الناس. وقد ذكر أبو علي الفارسي في تذكرته، وغيره، عنه أشياء من العربية. قال القاضي أبو الوليد الباجي: - وذكر من بلغ درجة الاجتهاد، وجمع إليه من العلوم - فقال: ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك، إلا لإسماعيل القاضي. وقال المقرئ أبو عمرو الدّاني، في طبقات القراء. وذكره فقال: أخذ القراءة عن قالون. وله فيه حرف. وعن أبي عبد الرحمن أحمد بن سهل، عن أبي عبيد. وعن نصر بن علي الجهضمي، عن أبيه، عن أبي عمرو، وعن أبيه، عن شبل، عن ابن كثير، وغير واحد. وله فيها كتاب جامع، حسن. وانفرد بالإمامة في وقته. ولم ينازعه أحد في عصره. روى القراءة عن ابن مجاهد، وابن الأنباري، وخلق لا يحصون. وقال ابن السرّاج: اجتمع المبرّد، وأبو العباس ثعلب، عند اسماعيل القاضي، فتكالما في مسألة. فطال بينهما الكلام. فقال المبرد لثعلب: قد رضينا. فسألاه الحكم بينهما،
فقال لهما القاضي: لا ينبغي الحكم بينكما، لأنكما خرجتما الى ما لا أعلم. فتكالما. فقال يوسف بن يعقوب: قرأت في توقيع المعتقد الى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير: استوصِ بالشيخين الخيّرَين القاضيين: اسماعيل بن إسحاق الأزدي. وموسى بن إسحاق الخطمي خيرًا. فإنهما ممن إذا أراد الله بأهل الأرض سوءًا دفع عنهم بدعائهما.
стр. 790
جمل من أخباره
ذكر أبو عمر والمقرئ عن ابن المتناب القاضي، قال: كنت عند اسماعيل يومًا فسئل: لمَ جاز التبديل على أهل التوراة. ولم يجز على أهل القرآن. فقال: قال الله تعالى، في أهل التوراة: بما استُحفِظوا من كتاب الله. فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: إنّا نحنُ نزّلْنا الذِّكر وإنّا له لحافظون. فلم يجز التبديل عليهم. فذكر ذلك للمحاملي. فقال: ما سمعت كلامًا أحسن من هذا. قال القاضي ﵀: وقع لي أيضًا هذا الكلام، مرويًا من طريق الأندلسيين، أن نصرانيًا، سأل محمد بن وضّاح عن هذه المسألة. فأجابه، بمثل هذا الجواب، وذكر أبو محمد الفرغاني في صلته: أنه اجتمع غلام خليل القاضي، مع اسماعيل القاضي، في وليمة. أرى لبعض الرؤساء. وكان غلام خليل، يشتم القضاة، ويشهد عليهم، أنهم من أهل النار. فلما خرجا، قال له اسماعيل: أنت تعيب القضاة وتشهد عليهم، أنهم من أهل النار، وأصحاب السلطان، فما تصنع هاهنا، قد حضرتك، وحضرتك. ويشمّون يدك، ويشمون يدي، أو نحو هذا. ومن كتاب الخطيب، قال أبو العباس المبرد: توفيت والدة القاضي اسماعيل، فركبت إليه أعزّيه، وأتوجّع له. فألفيت عنده الجلّة من بني هاشم والفقهاء، والعدول، ومستوري بغداد. ورأيت من ولهه ما أبداه، ولم يقدر على ستره، وكلًا يعزيه، وقد كاد لا يسلو. فلما رأيت ذلك منه ابتدأت، بعد التسليم، فأنشدته:
стр. 791
لعمري لئن غال ريب الزما … ن فينا لقد غال نفسًا حبيبه
ولكنّ علمي بما في الثوا … ب عن المصيبة ينسي المصيبه
فتفهم كلامي، واستحسنه، ودعى بدواة وكتبه. ورأيت بعد قد انبسط وجهه، وزال عنه ما كان فيه من تلك الكآبة، وشدة الجزع. قال نفطويه: كنت عند المبرد، فمر به اسماعيل بن إسحاق، فوثب المبرد إليه وقبّل يده، وأنشد:
فلما بصرنا به مقبلًا … حللنا الحبسى وابتدرنا القياما
فلا تنكرنّ قيامي له … فإن الكريم يجل الكراما
قال ابن الأنباري أنشدنا اسماعيل القاضي:
لا تعتبن على النوائب … فالدهر يرغب كل عاتب
واصبر على حدثانه … إن الأمور لها عواقب
ولكل صافية كدر … ولكل خالصة شوائب
كم فرجة مطوية … لك بين أثناء النوائب
وقال القاضي اسماعيل: ما عرض لي هم فادح فذكرت هذه الأبيات. إلا رجوت من روح الله ما يحل عقالي وينعم بالي. ثم تؤول عاقبة ما أحذره الى فاتحة ما أوثره. وأنشد بعضهم للقاضي اسماعيل:
من كفاه من مساعيه … رغيف يعتريه
وله بيت يواريه … وثوب يكتسيه
فلماذا يبذل العرض … لنذلٍ وسفيه
стр. 792
ولماذا يتمادى … عند ذي كبر وتيه
كل ما منعت البرّ … أبدى خاذليه
وهو الوارث والوزر … على مكتسبيه
ذكر أبو عبد الله بن عتاب أن القاضي اسماعيل سئل عن الحد، هل يدخل في
المحدود أو لا؟ وذلك إذا باع منه أرضًا. وقال حدُّ هذا من جهة كذا، الشجرة. فتوقّف عن الجواب، ثم قال بعد للسائل: طالعت هذا الباب من كتاب سيبوية. فدلّني على دخولها. وذكر بعضهم قال: اجتمع أبو العباس بن شريح القاضي، وأبو بكر بن داود الأصبهاني، وأبو العباس المبرد على باب القاضي اسماعيل. فأذن لهم: فتقدم ابن شريح وقال: قدّمني العلم والسن، وتأخر المبرد، وقال: أخّرني الأدب. وقال ابن داود: إذا صحّت المودة، سقطت المعاذير. وحدث الدارقطني، أن اسماعيل القاضي، دخل عنده عبدون بن صاعد الوزير، وكان نصرانيًا. فقام له ورحب به. فرأى إنكار الشهود ذلك. فلما خرج، قال: قد علمت إنكاركم. وقد قال الله تعالى: لا ينهاكُمُ اللهُ عن الذين لم يُقاتِلواكُم في الدين الآية. وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير، بيننا وبين المعتضد. وهذا من البر. فسكتت الجماعة، عند ذلك. وذكر بعضهم، أن درة جليلة خرجت من دار السلطان ببغداد، لبعض الأمراء. فوصلت لمجلس القاضي اسماعيل، فاستحسنها كل من حضر، وجعل يقلبها، وفي المجلس رجل من المغاربة من أصحاب سحنون، فلم يمد يده إليها، وامتنع من
стр. 793
تقليبها، فقال له القاضي اسماعيل: خبرني لمَ لم تفعل. وكأنه فم مراده. وقال له: هي لغير مالكها، وحكمها حكم اللقطة. فلزم ضمانها، ملتقطها، حتى يؤديها الى مالكها. فلو أخذتها. لضمنتها أو نحو هذا من الكلام. فاستحسنه القاضي، ودلّ على فضل قائله. قال ابراهيم بن حماد: كان عمي اسماعيل ينشد:
هِمَمُ الموت عاليًا فمن ث … مّ تخطى الى لُباب اللُّباب
ولهذا قيل الفراق أخو المو … ت لإقدامه على الأحباب
وذكر الدلائي في كتابه عن ابن أبي ذر، أن المعتضد كانت له حظية يحبها. ولها ابن أخت حجر عليه اسماعيل القاضي بعد موت والد. فشكت أمه ذلك الى أختها. ورغبت سؤال المعتضد، ليأمر القاضي بفكه من الحجر. فلما جاء المعتضد الى
حظيته، سألته في ذلك. فكتب رقعة بخطه الى اسماعيل يأمره بفك الحجر عن الغلام، وختمها ووجهها مع وزيره إليه. فعظم ذلك على الوزير، وكتمانه عنه. فلما وصل به اسماعيل، فكه، وكتب على ظهره، وختمه ورده مع الوزير. فكان ما فعله اسماعيل أشد على الوزير. فلما وصل به الخليفة، وفتحه ونظر فيه. بكى. وكان بعيد الدمعة. ثم رمى به الي الوزير، وقال أنظر بما كتب إلينا اسماعيل. فإذا هو قد كتب إليه، بسم الله الرحمين الرحيم: يا داوُدُ إنّا جعلْناكَ خليفةً في الأرضِ، فاحْكُم بين الناسِ بالحق الآية. وقال: قل لإسماعيل يعمل ما يرى. فلا أعترض عليه، قال أبو بكر ابن أبي الأزهر: دعاني يومًا علي بن ابراهيم بن موسى - كاتب مسرور - فتشاغلت عنه. فلما كان الغد بكّرت إليه معتذرًا. فتلقاني، وقال: انتظرني قليلًا. فإني أريد دخول الحمام. فدخلت الى موضع جلوسه، وتقدّم الى
стр. 794
غلمانه، أن يغيّبوا سرج حماري، ولجامه. أراه قال: فلما طال انتظاري، قمت بوجدت الحمار عريًا، فسألتهم. فقالوا: ما ندري. فأقمت أعذل الغلام مرة، وأهم بضربه أخرى. فلما انتصف النهار علمت أنه في دعوة الحسن بن اسماعيل فكتبت إليه:
يا بن قاضي القضاة والحكّام … وكريم الأصول والأعمام
يا بن من بُيِّنَت به سنن الدين … وتمّت شرائع الإسلام
أقضِ بيني وبين خلّك والمص … فّي لك الود من جميع الأنام
أنه كادني بأخذ حماري … وتعدى في سرجه واللجام
ومنعت الخروج ظلمًا والج … ئت الى الرفق صاغرًا بالغلام
مرة أنثني عليه بضرب … غير مجد ومرة بالكلام
وأشد الأمور أني قد جعت … كأني محالف للصيام
فتراه أجاز أخذ حماري … أتراه يجيز منع الطعام
قال: وطلبت من يحملها إليه. فرأيت امرأة من دار القاضي، اسماعيل، فدفعت الرقعة إليها، وأمرتها برفعها للحسن، فدفعتها للقاضي نفسه. فلما قرأها، وقع في ظهرها بخطه: يا بني هذا رجل متظلم منكم، فانصفوه. وبعث بها الى ابنه فلما قرأها قال: وجهه إليّ لأحضر معهم، فوافاني الرسول قد انصرفت.
ولما كانت محنة غلام الخليل، ومطالبة الصوفية ببغداد. ونسبتهم الى الزندقة. وأمر الخليفة بالقبض عليهم. وكان ممن قبض عليه شيخهم إذ ذاك أبو الحسن النوري. فلما أدخلوا على الخليفة وأمر بضرب
стр. 795
أعناقهم، فتقدم النوري مبتدرًا الى السّياف، ليضرب عنقه. فقال له ما دعاك الى هذا، دون أصحابك؟ فقال آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة. فرفع الأمر الى الخليفة، فردّ أمره الى قاضي القضاة اسماعيل. فقدم إليه النوري، وسأله عن مسائل من العبادات. فأجابه. ثم قال له وبعد هذا. لله عباد يسمعون بالله، وينقطعون بالله، ويصدقون بالله، ويردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، فلما سمع اسماعيل مقالاته. بكى بكاءً طويلًا. ثم دخل على الخليفة: إن كان هؤلاء زناديق فليس في الأرض موحّدون. فأمر بإطلاقهم.
ولايته القضاء وسيرته فيه
قال أبو بكر الخطيب: قال أبو العباس الأصم: كان اسماعيل بن إسحاق، نيف وخمسين سنة قاضيًا، اعُزل عنها إلا سنتين. قال أبو بكر: وهذا فيه تسامح لم تبلغ ولايته من أولها الى وفاته هذا العدد، وأول ما ولي قضاء الجانب الشرقي، عند وفاة سوار بن عبد الله، أيام المتوكل سنة ست وأربعين وجمع له قضاء الجانبين بعد ذلك، سنة اثنتين وستين، وذكر أن المهتدي بن الواثق، صرف اسماعيل عن القضاء سنة خمس وخمسين، وسخط على أخيه حماد. فاستتر اسماعيل، قال: وفي سنة ست وخمسين بعد قتل المهتدي، أعاد المعتمد، اسماعيل
بن إسحاق - وغلب على الموفق - على الجانب الشرقي. فولاه الجانب الغربي. ونقل عنه القاضي البرتي، الى الجانب الشرقي، وذلك سنة ثمان وخمسين. وقال ابن أبي طاهر في تاريخه:
стр. 796
إن ذلك كان سنة سبع وخمسين، فلم يزل اسماعيل على الجانب الغربي بأسره، الى سنة اثنين وستين. فجمعت له بغداد كلها. والقاضي بسر من رأى، علي بن محمد بن أبي الشوارب. وكان يدعى بقاضي القضاة. واسماعيل المقدم على سائر القضاة. الى أن توفي. قال ابن أبي طاهر، ولم يجمع قضاء بغداد لأحد قبله، وأضاف إليه قضاء المدائن النهروانات. وذكر ابن حارث وغيره: أنه ولي قضاء القضاة آخرًا. ولم يذكره المؤرخون. وهم أقعد بهذا. وكان يكتب له في قضائه، أبو العباس أحمد بن سريج الشافعي. المعروف بالبازي الأشهب. وهو الذي ألف التوسّط بين محمد بن الحسن واسماعيل القاضي. وهو كتاب كبير. وكان حاجبه ابن عمه أبا عمر، محمد بن يوسف بن يعقوب. قال أبو عمرو الدّاني: ولي اسماعيل القضاء اثنتين وثلاثين سنة. قال الفرغاني: ضرب أبو أحمد الموفق اسماعيل بن إسحاق لتحامله على المعتضد. فجاء اسماعيل يومًا برسالة من الموفق الى المعتضد فقال له المعتضد: يا شيخ ولاك الموفق الحكم؟ أي أنه لم يوله هو. وأن الموفق غلبه على الأمر. فسكت اسماعيل، ولم يجبه. فصار الى الموفق، وسأله إعفاءه، فأعفاه. وصيّر مكانه يوسف بن يعقوب.
وذكر القاضي وكيع في كتابه في القضاة، القاضي اسماعيل، فقال: كان عفيفًا صليبًا، فهمًا. وذكر أن أبا حازم القاضي، كان يقول: ما خرج من البصرة قاضي أسدّ من اسماعيل بن إسحاق في القضاء وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه، مما كان يلتبس على غيره. ففي شهرته ما يغني عن ذكره. وكان في أكثر أوقاته، وبعد فراغه من الخصوم، متشاغلًا بالعلم. لأنه اعتمد على حاجبه أبي عمر. فكان
يحمل عنه، أكثر أمره، من لقاء السلطان، وغيره. وأقبل هو على الحديث والعلم. وكان اسماعيل شديدًا
стр. 797
على أهل البدع يرى استتابتهم حتى ذكر أنهم تحاموا بغداد في أيامه. وأخرج داود بن علي من بغداد الى البصرة، لإحداثه معه القياس. كما ذكر وحبس أبا سعيد العدوي، لأنه أنكر عليه بعض ما حدث به. وكان القاضي اسماعيل يقول: من لم يكن فيه فراسة، لم يكن له أن يلي القضاء. وقيل له ألا تؤلّف كتابًا في أدب القضاة؟ فقال إعذل ومدّ رجليك في مجلس القضاء. وهل للقاضي أدب غير الإسلام. فقال أبو طالب المكي: كان اسماعيل من علماء الدنيا، وسادة القضاة وعلمائهم. وكان مواخيًا لأبي الحسن ابن أبي الورد. وكان هذا من علماء الباطن. فلما ولي اسماعيل القضاة هجره ابن أبي الورد. ثم أفضى أن دخل عليه في شهادة. فضرب يده على كتف اسماعيل وقال: إن علمًا أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرًا منه. فوضع اسماعيل رداءه على وجهه، وبكى حتى بلّه.
ذكر تواليفه ووفاته
تواليف القاضي اسماعيل كثيرة مفيدة أصول في فنونها. منها موطؤه. وكتاب أحكام القرآن. وكتاب القراءات. وكتاب معاني القرآن، وإعرابه، خمسة وعشرون جزءًا. وكتاب الرد على محمد بن الحسن، مائتا جزء. ولم يتم. وكتبه في الرد على أبي حنيفة، وكتبه في الرد على الشافعي في مسألة الخمس وغيره. وكتاب المبسوط في الفقه، ومختصره. وكتاب الأموال والمغازي، وكتاب الشفاعة. وكتاب الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 798
والفرائض، مجلد. وزيادات الجامع من الموطأ أربعة أجزاء. وله كتاب كبير غريب عظيم، يسمى شواهد الموطأ. في عشر مجلدات. وذكر بعضهم أنه في خمسمائة جزء. وكتاب مسند يحيى بن سعيد الأنصاري. ومسند حديث ثابت البناني. ومسند حديث مالك بن أنس. ومسند حديث
أيوب السختياني. ومسند حديث أبي هريرة. وجزء حديث أم زرع. وكتاب الأصول. وكتاب الاحتجاج بالقرآن، مجلّدان. وكتاب السنن. وكتاب الشفعة، وما ورد فيها من الآثار. ومسألة المني يصيب الثوب. وكتاب المعاني المذكور. كان ابتدأه أبو عبيد القاسم بن سلام. بلغ فيه الى الحج والأنبياء. ثم تركه. فلم يكمله. وذلك أن ابن حنبل كتب إليه: بلغني أنك تؤلف كتابًا في القرآن، أقمت فيه الفراء وأبا عبيد أئمة يحتج بهما في معاني القرآن؟ فلا تفعل. فأخذه اسماعيل وزاد فيه زيادات. وانتهى الى حيث انتهى أبو عبيد. حكى ابن عتاب، وعلي بن عبد العزيز، وذكر ابن كامل، وابن حارث، أنه توفي فجأة وقد صلى العشاء الآخرة ليلة الأربعاء، لثمان بقين من ذي الحجة. سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وهو قاض على جانبي بغداد. وقال ابن أزهر الكاتب، ارتفع المطر فخرج اسماعيل الى المصلى، فصلى ركعتين، بسبّح، وهل أتاك. ثم صعد المنبر، وخطب خطبتين، وحول رداءه. وحدّث بحديث طويل. خشع الناس له، وبكى الناس، وانصرف خاشعًا. فلما كان الى أيام صلى في مسجده، العصر، وهو صحيح. وحكم. ثم انصرف الى داره، ووجد للمغرب ضعفًا فعهد الى ابنه الحسن، والى ابن عمه يوسف بن يعقوب. وتوفي
стр. 799
في تلك الليلة. وفي رواية أخرى: أنه توفي من ليلة يوم استسقائه وصلى عليه ابن عمه يوسف. وورث خطبته من الإمامة في الدين والدنيا، بنو عمّه. سيأتي ذكرهم.
مولده
سنة مائتين. توفي وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وخلّف ابنًا اسمه الحسن. ويكنى بأبي علي. كان يصحب السلطان معدودًا في جلساء الخليفة، وخاصته، لطيف المكان هناك. قال الخطيب: روى عن أبيه، حدّث عنه علي بن ابراهيم بن حماد الأهوازي. وكان ألفيًا لأهل الأدب، معاشرًا لأهل الفضل، فهمًا. حسن المحاضرة.
مليح النادرة. سمح النفس، جميع الأخلاق، لم يسند في الأحاديث إلا يسيرًا. توفي سنة تسع وثلاثمائة. وله أربع وتسعون. ويقال سبعون سنة. وصلى عليه القاضي أبو عمر.
حماد بن إسحاق
أخو اسماعيل القاضي، شقيقه. أمهما شاخة بنت معاذ العدوسية. وقيل هي أم ولد، اسمها شحيمه. تُكنّى بأم اسماعيل. وسمع من شيوخ أخيه: أبي مصعب الزهري. وأبي محمد الحكمي. والقعنبي. وذكر أنه سمع اسماعيل ابن أبي أويس. وأبا شاكر بن محمد بن مسلمة المخزومي. وإسحاق الفروي. وابن أبا ثابت المديني. وتفقه بابن المعذل وبرع، وتقدم في
стр. 800
العلم. روى عنه ابنه ابراهيم، وغيره. وألّف كتبًا كثيرة، فيما ذكر منها: كتاب المهادنة. وكتاب الرد على الشافعي. وكانت له مكانة جليلة عند بني العباس. صحب أبا أحمد بن المتوكل، الملقب بالموفق. وجرى مجرى صحابته. قال ابنه، قال: إني لأستعين بكلمة مالك، ﵀ عند فتياه، وهي: ما شاء الله. لا حول ولا قوة إلا بالله. إذا صعبت عليّ المسألة. فإذا قلتها انكشفت لي. وامتحن على يد المهتدي بالله أمير المؤمنين، محمد بن الواثق في سنة خمس وخمسين. قبض على حماد هذا، وضربه بالسياط، وأطاف به على بغل بسر من رأى لشيء بلغه عنه حينئذ. وصرف اسماعيل عن القضاء، الى أن قتل المهتدي. وتوفي في جمادى سنة سبع وستين ومائتين.
محمد بن حماد بن إسحاق ابنه
قال القاضي وكيع: كان كتب علمًا كثيرًا، وفهم. وكان شابًا عفيفًا سريًا ولي قضاء البصرة. قال: وولاه الموفق، عند خروجه الى محاربة الزنج بالبصرة، قضاء ما رجع من الناس. وقضاء عسكره. وقضاء واسط. وكور دجلة. وكان
يصحب الموفق حيث كان مستخلف على البصرة، محمد بن أسيد، رجلًا من أهلها. وتوفي محمد بن حماد سنة ست وسبعين ومائتين. وأما ابنه الآخر، هارون يأتي ذكره، في الطبقة الأخرى إن شاء الله تعالى.
يوسف بن يعقوب بن اسماعيل بن حماد
ابن عمهما. ووالد القاضي أبي عمر، ويكنى أبا محمد. سمع الحديث، ودرس الفقه. وكان أكثر تفقهه مع ابن عمه اسماعيل. وسمع مسلم بن
стр. 801
ابراهيم، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير، وعمرو بن مرزوق، ومحمد ابن أبي بكر المقدسي، وهدبة بن خالد، وأبا الربيع الزهراني، وشيبان بن فروخ. وكان الغالب عليه: الحديث. وكان مسندًا فاضلًا، سمع منه الناس ببغداد، قراءة وإملاءً. أخذ عنه ابنه القاضي، أبو عمر، وأبو عمرو بن السماك، وابن قانع، ودعلج بن أحمد، وأبو بكر الشافعي، وأبو محمد بن ماسي، وكتب عنه الناس علمًا كثيرًا. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة، سكن بغداد، وحدث بها. قال القاضي وكيع في كتابه: كان يوسف صلبًا، عفيفًا، بلغ سنًا عالية، وحُمل عنه علم كثير، من المسند وغيره. وذكر ابن كامل في كتاب القاضي: أنه كان غير مطعون عليه، في الحديث. ضعيف الفقه. وأنه كان لا يغير شيبه. وألف فضائل أزواج النبي ﷺ . ومسند شعبة. وكتاب الصيام والدعاء والزكاة.
ذكر ولايته القضاء وسيرته
كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى اسماعيل، أيام المعتضد من القضاء، وأجيب صير مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني. ثم ولي البصرة بعده ابن عمه، محمد بن حماد، مع قضاء سائر عمله،
الذي مات عنه، في سنة ست وسبعين من قضاء واسط، وكور دجلة. فأقام يوسف ببغداد، واستخلف على البصرة محمد بن جعفر بن أحمد بن العباس بن عبد الله بن الهيثم بن سام، وكان فقيهًا سريًا عالمًا متفننًا وعف وحسن أثرُه. ثم توفي محمد بن جعفر، فاستخلف
стр. 802
يوسف مكانه، ابراهيم بن المنذر الجارودي. ثم أتى خليفة الفاضل بن الحباب الجمحي، ثم أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي، والد القاضي أبي الطاهر بن علي المالكي. وولي يوسف مع ذلك، المظالم، ببغداد، سنة سبع وسبعين. فلما مات القاضي اسماعيل بن إسحاق منسلخ سنة اثنين ومائتين، قُسِّم عمله، فقلّد يوسف بن يعقوب، قضاء الجانب الشرقي. فلم يزل عليه، الى أن نُكب. وقلد ابنه أبا محمد، بعد مدة، مدينة المنصور. قال ابن عرفة: وذكر ولايته القضاء. قال: فحمدت مذاهبه، وحسُن حكمه. واستقامت طريقته. وكثر الشاكر له. وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء. شديدًا في الحكم. لا يراقب فيه أحدًا. وكانت له هيبة، ورئاسة. وكان ثقة أمينًا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد. أن خادمًا من وجوه خدماء المعتضد، أتى الى القاضي يوسف يومًا، في حكم. فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه. فلم يفعل، إدلالًا له بمحلّه. فصاح القاضي عليه، وقال: قفاه، أتؤمر، بموازاة خصمك، فتمتنع؟ يا غلام عمرو النخاس الساعة، يقدَّم إليه يبيع هذا العبد. ويحمل ثمنه لأمير المؤمنين. وقال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه. فأكره على ذلك. فلما انقضى الحكم حدّث الخادم المعتضد بالحديث، وبكى له. فصاح عليه. وقال: لو باعك لأجزت بيعه. وما رددتك أبدًا. وليس خصومك لي يزيل مرتبة الحكم. فإنه عمود السلطان. وقوام الأديان. قال أبو جعفر الطبري: لما ولي يوسف بن يعقوب المظالم. أمر أن ينادي: من كانت له
стр. 803
مظلمة، قبل الأمير الناصر، وأخذ من الناس،
فليحضر. وتقدم الأذن الى صاحب الشرطة، ألا يطلق أحدًا من السجن إلا من رأى إطلاقه، بعد أن تُعرَض عليه قصصهم.
بقية أخباره
وقال ابن الخطيب مؤدب المعتضد: حضرت يومًا في مجلس يوسف بن يعقوب، مع أصحاب الحديث، فدخل عليه مؤنس صاحب شرطة بغداد. وكان جبّارًا غاشمًا، من كبار خدّام المعتضد، والمكتفي، فقصد الى سرير يوسف. فلم يقم له. فسلّم عليه مؤنس، وهو قائم. فأومأ إليه يوسف، فأجلسه بين يديه. وكان مع مؤنس الى أن قضى حديثه، مع يوسف، ثم انصرف. ولما أشار المعتضد بلعن معاوية وآله، على من أمره. وكتب في ذلك، كتابًا. انتخب له من الكتاب، الذي كان أنشأه المأمون، حين عزم على ذلك. فلم يزل القاضي يوسف يتردد، ويسعى في رد ذلك، حتى ترك الأمر بذلك، وانصرف عنه. فذكر أبو جعفر الطبري: أن يوسف مضى في ذلك الى المعتضد، وقال له: إني أخاف أن تضطرب العامة عند سماعه. فقال: إن تحركت وضعت سيفي. فقال له ما تصنع بالطالبيين، وهم في كل ناحية. يخرجون ويميل إليهم الكثير من الناس. وفي هذا الكتاب إطراؤهم والتفجّع لما نيل منهم، أو كيف؟ قال: فإذا سمعه الناس زادوا فيهم تشيّعًا. وكانوا أثبت حجة. فأمسك المعتضد عما
стр. 804
همّ به. فعد الناس هذه من مناقب ابن حماد، بخاصة ليوسف بن يعقوب. قال: فدخل على القاضي يوسف بعض أهل الحديث، يشكره ويقول: جزاك الله خيرًا. فإنكم أهل بيت سنة. ولما مات المعتضد، تولى غسله القاضي أبو عمر. وصلى عليه أبوه يوسف هذا. وذكروا أن ابن أبي الدنيا، دخل عليه. وكان مولدهما واحد. فسأل القاضي عن قوته، فقال: أجدني كما قال سيبويه:
لا ينفع الهليون والطريفل … انخرق الأعلى وجار الأسفل
ونحن في جد وأنت تهزل
فكيف نجدك أنت يا أبا بكر؟ فأنشد:
أراني في انتقاص كل يوم … ولا يبقى مع النقصان شي
طوى العصران ما نشراه مني … فأخلق جدّتي نشر وطي
نكبته ووفاته
لما قام عبد الله بن المعتز، لطلب الخلافة أيام المقتدر سنة ست وتسعين، وبايع له من بايع، كان في جملتهم: القاضي أبو عمر: محمد بن يوسف بن يعقوب هذا. وهو شريك لأبيه في القضاء. فلما ظفر بابن المعتز، وانحل أمره، انتشر أبو عمر، وكان من محنته ما يأتي ذكره في خبره. فصرفه المقتدر عن القضاء، وصرف بصرفه ابنه أيضًا. واقتصر على الصرف، فلزم يوسف منذ ذلك منزله. ولم يتول للسلطان عملًا من القضاء، الى أن توفي إثر ذلك، يوم الاثنين، لتسع خلون من رمضان، سنة سبع وتسعين
стр. 805
ومائتين، عم عمر، قال ابن كامل، والمسعودي، وهو ابن خمس وتسعين سنة. وقال ابن أبي طاهر: بل تسع وثمانون سنة وثمانية أشهر. قال ابن كامل: مولده سنة ثمان ومائتين. قال ابن طاهر: وصلى عليه ابنه أحمد. وقال ابن كامل: بل ابنه أبو عمر. ودفن في داره. وترك من الولد غير القاضي أبا عمر، محمدًا وأبا يعلي الحسيم. وتوفي أبو يعلي سنة ست وثلاثمائة. وتوفي أحمد سنة تسع وتسعين ومائتين وسيأتي ذكرهم.
جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض
أبو بكر الفريابي. قاضي الدينور. وقال أبو بكر الخطيب فيه: أحد أوعية العلم. ومن أهل المعرفة والفهم. طوف شرقًا وغربًا. ولقي أعلام المحدثين، في كل بلد، وسمع بخراسان وما وراء النهر، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة.
واستوطن بغداد وحدث بها عن هدبة بن خالد، ومحمد بن حساب، وعبد الأعلى بن حماد، والجحدري، وابن المديني، وابن المثنى، وعلي بن معاذ، وبندار، ومنجاب، وأبي كريب، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وقتيبة، وإسحاق، والقواريري، وزنجويه، وابني الدورقي، وهشام بن عمار، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وأبي مصعب الزهري، وسمى جماعة غيرهم. وروى عنه محمد بن مخلد الدوري، وابن المنادي، وأحمد بن سلمان النجاد، وأبو بكر الشافعي، وأبو علي بن الصواف، وابن مالك القطيعي، وخلق كثير. قال: وكان ثقة ثبتًا، حجة. قال القاضي: وقد مر في ذكره في المالكية، ووجدته معلقًا بخطي،
стр. 806
ولم أدر بعد من أين، وقفت عليه. وله كتاب مناقب مالك، وكتاب السنن، كتاب كبير. وقال أبو طاهر الذهلي: سمعته يقول: كل من رويت عنه لم يسمع إلا من لفظه، إلا اثنين: أبا مصعب الزهري، فإنه كان ثقل لسانه، وآخر سماه غير الذهلي، وهو المعلى بن مهدي. قال: ولما ورد أبو بكر بغداد، استقبل بالطيارات، والدبادب، ووعد له الناس يسمعون منه. فممن حضر مجلسه للسماع، نحو ثلاثين ألفًا. وكان المستملون، ثلاثمائة وستة عشر. قال أبو الفضل الزهري: كان في مجلس الفريابي، ممن يكتب من أصحاب الحديث، نحو عشرة آلاف إنسان، سوى من لا يكتب. قال ابن كامل: كان جعفر الفريابي، مأمونًا موثوقًا به، مكثرًا. ومولده سنة سبع ومائتين، وتوفي في المحرم سنة إحدى وثلاثمائة.
من أهل مصر
المقدام بن داود
ابن عيسى بن تليد الرعيني، ثم القبّاني، بقاف. مولاهم. أبو عمرو. وقد تقدم ذكر نسبه، وضبطه قبل، عند ذكر عمه. هو ابن أخي سعيد بن عيسى بن تليد. أخذ عن عمه سعيد، وعبد الله بن عبد الحكم. وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعلي بن سعيد، وأسد بن موسى، وذؤيب بن عمامه. وأبي زرعة، عبد الأحد بن الليث. روى عنه: عبد الله بن الورد، وابن مسرور الغسّال، وأبو العباس الرازي، وأحمد بن ابراهيم بن جامع، وابن أبي طبنه، وأحمد بن مسلمة الهلالي. قال المسعودي في تاريخه: كان مقدام
стр. 807
من جلّة الفقهاء. من أصحاب مالك. قال ابن أبي دليم: وكان عالي الدرجة. كثير الرواية. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا، ولم يكن بالمحمود في روايته. عن خالد بن نزار. لأنهم سألوه عن مولده، فأخبرهم. ثم مضوا الى الاسطوانة التي على رأس خالد بن نزار، فنظروا فيها تاريخ وفاته، فإذا المقدام حينئذ ابن أربعة أعوام أو خمسة. قال ابن مفرّج: وسماعه من أسد صحيح. وقد نفى هذا القول النسائي جدًا؟ ونسبه الى الكذب. قال ابن حاتم في تاريخه: وتوفي في آخر رمضان، سنة ثلاث وثمانين.
محمد بن أصبغ بن الفرج
كان بمصر فقيهًا مفتيًا. وكان على محنة المسالمة. وهو آخر من ولي ذلك. أخذ عن أبيه، روى عنه محمد بن فطيس، وأبو بكر بن الخلال. توفي بمصر، سنة خمس وسبعين ومائتين.
أبو الخير فهر بن موسى
ابن أبي رباح. قاضي الاسكندرية. أخذ عن أبي بكير وغيره. ولي قضاء
الاسكندرية. توفي في شعبان، سنة سبعين ومائتين.
يحيى بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم
أبو الحسن. ذكره ابن أبي دليم، وابن حارث في هذه الطبقة. توفي بمصر سنة سبع وثمانين ومائتين.
стр. 808
أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مقلاص
مولى خزاعة. تقدم ذكر أبيه. قال الكندي: كان متقشفًا جلدًا. توفي سنة خمس وثمانين.
مطروح بن محمد بن شاكر
مولى غافق. أبو نصر. من أصحاب أصبغ بن الفرج. يروي عن عبد الله بن هارون. روى عنه أبو القاسم العلاف. وروى عنه أحمد بن منير. توفي بالاسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال ابن ميسر: كان ثقة.
حفص بن مدرك
ابن عاصم بن عمرو بن عمير بن أبي مدرك. مولى بني سعد بن خولان، أبو عمر. قال ابن أبي دليم: حلّ أخذه عن أصبغ. قال الكندي: كان شديدًا. وقد روي عنه. توفي سنة ثلاث وسبعين.
داود بن عمر
ابن سعيد بن أسلم الصدفي، مولاهم. جل روايته عن ابن مريم. توفي سنة ثمان وستين.
أبو الشريف ابراهيم بن سلمان بن عبد الله بن المهلب
القضاعي الحرسي، بحاء مهملة، وراء مفتوحة، وسين مهملة. كذا
стр. 809
ضبطه الأمير. قال عبد الغني بن سعيد: هو أبو مخلد. توفي بمصر، آخر سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وبيته بها بيت علم. سنذكر من يأتي منهم.
أبو الزنباع روح بن الفرج
ابن عبد الرحمن سطان. مولى الزبير بن العوام. صاحب أبي زيد بن أبي الغمر. سمع عمرو بن خالد، وسعيد بن عفير، وهارون بن موسى المدني، وعبد الغني العامل، وزيد بن بشر، وأبا مصعب. قال ابن حارث: كان عالمًا فقيهًا. وعنه أخذ أبو الذكر الفقيه. قال الكندي: أوثق الناس في زمانه. قال ابن فريد: ذاك رجل، وفّقه الله بالعلم. له رواية في القراءات، عن يحيى بن سليمان الجعفي. روى عنه محمد بن أحمد بن الهيثم ومحمد بن سعد، ومحمد بن شاهين، وأبو العباس أحمد بن الحسن الرازي، وأحمد بن مسلمة الهلالي، وابراهيم بن محمد الحلواني، وقاسم بن أصبغ، وأبو بكر بن أبي الأصبغ. قال ابن يونس: مولده سنة أربع ومائتين. توفي سنة اثنين وثمانين ومائتين.
أبو الطاهر خير بن عروة
ابن عبد الله بن كامل الأنصاري، مولاهم. ضبط اسمه بخاء معجمة، مفتوحة، بعد ياء باثنتين من أسفل، وراء. يروي عن مروان العوفي. حدّث عنه أبو طالب الحافظ، وأبو عبد الله الإيلي، وأبو الحسن البصري. ذكره ابن أبي حاتم. قال الكندي: وكان فاضلًا، توفي صدر سنة ثلاث وثمانين.
стр. 810
أبو الطاهر محمد بن عبد الغني
ابن عبد العزيز بن سلام، الغسال. مولى قريش. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا. قال
الطحاوي: كان فقيهًا، لا يدافع. تقدم ذكر أبيه. توفي سنة ثلاث وثمانين.
محمد بن يزيد بن أبي زيد بن أبي الغمر
أبو بكر. مولى بني سهم. يروي عن أبيه. روى عنه محمد بن مكي الخولاني. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
أبو مسلم خير بن موفق
مولى عبد الله بن سعيد التجيبي. قال الأمير: مولى بني الأجم، من تُجَيب، ثم لعبدوس بن سعيد. يروي عن عبيد بن هشام الحلبي، وابن بكير، ومنصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن خالد الاسكندراني، وغيرهم. توفي سنة ست وثمانين ومائتين.
ابن جبر الحضرمي
قاضي برقه، والاسكندرية. أبو عبد الرحمان. ويقال أبو محمد. وضبط اسمه واسم جده بجيم مفتوحة، وباء بواحدة ساكنة، وراء. روى عن
следующие страницы →