Полный текст (1 447 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ولم أدر بعد من أين، وقفت عليه. وله كتاب مناقب مالك، وكتاب السنن، كتاب كبير. وقال أبو طاهر الذهلي: سمعته يقول: كل من رويت عنه لم يسمع إلا من لفظه، إلا اثنين: أبا مصعب الزهري، فإنه كان ثقل لسانه، وآخر سماه غير الذهلي، وهو المعلى بن مهدي. قال: ولما ورد أبو بكر بغداد، استقبل بالطيارات، والدبادب، ووعد له الناس يسمعون منه. فممن حضر مجلسه للسماع، نحو ثلاثين ألفًا. وكان المستملون، ثلاثمائة وستة عشر. قال أبو الفضل الزهري: كان في مجلس الفريابي، ممن يكتب من أصحاب الحديث، نحو عشرة آلاف إنسان، سوى من لا يكتب. قال ابن كامل: كان جعفر الفريابي، مأمونًا موثوقًا به، مكثرًا. ومولده سنة سبع ومائتين، وتوفي في المحرم سنة إحدى وثلاثمائة.
من أهل مصر
المقدام بن داود
ابن عيسى بن تليد الرعيني، ثم القبّاني، بقاف. مولاهم. أبو عمرو. وقد تقدم ذكر نسبه، وضبطه قبل، عند ذكر عمه. هو ابن أخي سعيد بن عيسى بن تليد. أخذ عن عمه سعيد، وعبد الله بن عبد الحكم. وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعلي بن سعيد، وأسد بن موسى، وذؤيب بن عمامه. وأبي زرعة، عبد الأحد بن الليث. روى عنه: عبد الله بن الورد، وابن مسرور الغسّال، وأبو العباس الرازي، وأحمد بن ابراهيم بن جامع، وابن أبي طبنه، وأحمد بن مسلمة الهلالي. قال المسعودي في تاريخه: كان مقدام
стр. 807
من جلّة الفقهاء. من أصحاب مالك. قال ابن أبي دليم: وكان عالي الدرجة. كثير الرواية. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا، ولم يكن بالمحمود في روايته. عن خالد بن نزار. لأنهم سألوه عن مولده، فأخبرهم. ثم مضوا الى الاسطوانة التي على رأس خالد بن نزار، فنظروا فيها تاريخ وفاته، فإذا المقدام حينئذ ابن أربعة أعوام أو خمسة. قال ابن مفرّج: وسماعه من أسد صحيح. وقد نفى هذا القول النسائي جدًا؟ ونسبه الى الكذب. قال ابن حاتم في تاريخه: وتوفي في آخر رمضان، سنة ثلاث وثمانين.
محمد بن أصبغ بن الفرج
كان بمصر فقيهًا مفتيًا. وكان على محنة المسالمة. وهو آخر من ولي ذلك. أخذ عن أبيه، روى عنه محمد بن فطيس، وأبو بكر بن الخلال. توفي بمصر، سنة خمس وسبعين ومائتين.
أبو الخير فهر بن موسى
ابن أبي رباح. قاضي الاسكندرية. أخذ عن أبي بكير وغيره. ولي قضاء
الاسكندرية. توفي في شعبان، سنة سبعين ومائتين.
يحيى بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم
أبو الحسن. ذكره ابن أبي دليم، وابن حارث في هذه الطبقة. توفي بمصر سنة سبع وثمانين ومائتين.
стр. 808
أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مقلاص
مولى خزاعة. تقدم ذكر أبيه. قال الكندي: كان متقشفًا جلدًا. توفي سنة خمس وثمانين.
مطروح بن محمد بن شاكر
مولى غافق. أبو نصر. من أصحاب أصبغ بن الفرج. يروي عن عبد الله بن هارون. روى عنه أبو القاسم العلاف. وروى عنه أحمد بن منير. توفي بالاسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال ابن ميسر: كان ثقة.
حفص بن مدرك
ابن عاصم بن عمرو بن عمير بن أبي مدرك. مولى بني سعد بن خولان، أبو عمر. قال ابن أبي دليم: حلّ أخذه عن أصبغ. قال الكندي: كان شديدًا. وقد روي عنه. توفي سنة ثلاث وسبعين.
داود بن عمر
ابن سعيد بن أسلم الصدفي، مولاهم. جل روايته عن ابن مريم. توفي سنة ثمان وستين.
أبو الشريف ابراهيم بن سلمان بن عبد الله بن المهلب
القضاعي الحرسي، بحاء مهملة، وراء مفتوحة، وسين مهملة. كذا
стр. 809
ضبطه الأمير. قال عبد الغني بن سعيد: هو أبو مخلد. توفي بمصر، آخر سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وبيته بها بيت علم. سنذكر من يأتي منهم.
أبو الزنباع روح بن الفرج
ابن عبد الرحمن سطان. مولى الزبير بن العوام. صاحب أبي زيد بن أبي الغمر. سمع عمرو بن خالد، وسعيد بن عفير، وهارون بن موسى المدني، وعبد الغني العامل، وزيد بن بشر، وأبا مصعب. قال ابن حارث: كان عالمًا فقيهًا. وعنه أخذ أبو الذكر الفقيه. قال الكندي: أوثق الناس في زمانه. قال ابن فريد: ذاك رجل، وفّقه الله بالعلم. له رواية في القراءات، عن يحيى بن سليمان الجعفي. روى عنه محمد بن أحمد بن الهيثم ومحمد بن سعد، ومحمد بن شاهين، وأبو العباس أحمد بن الحسن الرازي، وأحمد بن مسلمة الهلالي، وابراهيم بن محمد الحلواني، وقاسم بن أصبغ، وأبو بكر بن أبي الأصبغ. قال ابن يونس: مولده سنة أربع ومائتين. توفي سنة اثنين وثمانين ومائتين.
أبو الطاهر خير بن عروة
ابن عبد الله بن كامل الأنصاري، مولاهم. ضبط اسمه بخاء معجمة، مفتوحة، بعد ياء باثنتين من أسفل، وراء. يروي عن مروان العوفي. حدّث عنه أبو طالب الحافظ، وأبو عبد الله الإيلي، وأبو الحسن البصري. ذكره ابن أبي حاتم. قال الكندي: وكان فاضلًا، توفي صدر سنة ثلاث وثمانين.
стр. 810
أبو الطاهر محمد بن عبد الغني
ابن عبد العزيز بن سلام، الغسال. مولى قريش. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا. قال
الطحاوي: كان فقيهًا، لا يدافع. تقدم ذكر أبيه. توفي سنة ثلاث وثمانين.
محمد بن يزيد بن أبي زيد بن أبي الغمر
أبو بكر. مولى بني سهم. يروي عن أبيه. روى عنه محمد بن مكي الخولاني. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
أبو مسلم خير بن موفق
مولى عبد الله بن سعيد التجيبي. قال الأمير: مولى بني الأجم، من تُجَيب، ثم لعبدوس بن سعيد. يروي عن عبيد بن هشام الحلبي، وابن بكير، ومنصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن خالد الاسكندراني، وغيرهم. توفي سنة ست وثمانين ومائتين.
ابن جبر الحضرمي
قاضي برقه، والاسكندرية. أبو عبد الرحمان. ويقال أبو محمد. وضبط اسمه واسم جده بجيم مفتوحة، وباء بواحدة ساكنة، وراء. روى عن
стр. 811
محمد بن خلاد بن هلال. حدّث عنه أبو طالب، وأبو عبد الله الإيلي، وأبو الحسن البصري. توفي سنة ثمان وثمانين ومائتين.
أبو شير محمد بن عبد الله بن الغازي
قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا في المذهب، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
محمد بن الأصبغ
المسمى فليح، بن سلام بن يحيى، الهروي، مولاهم. قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا، وكان أبوه فليح مقبولًا بمصر. توفي سنة أربع وتسعين ومائتين.
محمد بن خلف بن عبيد
أبو عبد الله. من أهل صوران. متولى حضرموت. قال الكندي: كان فقيهًا، وهو صاحب المسألة في القرآن مع أبي جريش. يروى عن الحارث بن مسكين. توفي صدر سنة تسع وتسعين، واجتمع لجنازته خلق، لم يرَ مثلهم.
القاسم بن حبيش
ابن سليمان بن برد بن نجيح التُجيبي، مولاهم، أبو عبد الرحمان. مضى نسبه عند ذكر أبيه وجده. يروى عن هارون بن سعيد الإيلي. روى
стр. 812
عنه ابن يونس. ذكر ابن أبي حاتم. وقال الكندي: كان فقيهًا، مفتيًا. وسيأتي ذكر ابنه. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
ركين بن يحيى الأسيوطي
كان يتفقه على مذهب مالك. يروى عن يحيى بن بكير، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهما. توفي بأسيوط سنة سبعين ومائتين.
أبو عبد الله عمر وابن أبي الطاهر
أبو السرح. تقدم ذكر أبيه. قال الكندي: كان زاهدًا فاضلًا. توفي سنة ثمان وثمانين ومائتين. ومولود سنة ثمانين ومائتين.
من أهل إفريقية
ابن طالب القاضي
كنيته أبو العباس. واسمه عبد الله بن طالب، بن سفيان بن سالم، بن عقال بن خفاجة التميمي، من بني عم بني الأغلب، أمراء القيروان. ويقال طالب بن سعيد بن سفيان، وقد غلط بعضهم فيه. فنسبه: كنيته، فظن أن اسمه أحمد. فسماه به. تفقه بسحنون، وكان من كبار أصحابه. ولقي المصريين محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، وحج فانصرف. وولي الصلاة، ثم قضاء القيروان مرتين. أحدهما سنة سبع وخمسين ومائتين. ثم عزل سنة تسع وخمسين، والثانية سنة سبع وستين، وعزل سنة خمس وسبعين. سمع منه أبو العرب وابن اللّباد. وكان جميل الصورة، بهي الخلق، فاخر اللباس، أحور العينين.
стр. 813
ذكر علمه والثناء عليه
قال محمد بن حارث في تاريخ الأفارقة، وغيره من كتبه. كان أبو طالب لقنًا فطنًا. جيّد النظر. يتكلم في الفقه، فيحسن. حريصًا على المناظرة، فيجمع في مجلسه المختلفين في الفقه. ويغري بينهم لتظهر الفائدة، ويفهم عند نفسه، وربما يأمرهم. فإذا تكلم أجاد وأبان، حتى يود السامع ألا يسكت. إلا أنه كان إذا أخذ القلم، لم يبلغ حيث يبلغ لسانه. قال غيره: لم يكن شيء أحب لابن طالب من المذاكرة في العلم. قال ابن اللباد: ما رأيت بعيني أفقه من ابن طالب. إلا يحيى بن عمر. قال أبو العرب: وكان عدلًا في قضائه. صارمًا في جميع أمره. فقيهًا، ثقة، عالمًا بما اختُلف فيه. وفي الذّبّ عن مذهب مالك. ورعا في حكمه. قليل الهيبة في الحق، للسلطان. وما سمعت العلم قط أطيب ولا أحلى منه، من ابن طالب. وما أخذت عليه خطأ، إلا مسألة، اختلف فيها ابن القاسم وأشهب. فأتى بقوليهما. ولكن قلب قول كل واحد الى الآخر. وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
رقيق القلب، كثير الدموع. ولابن طالب من التأليف كتاب في الرد على من خالف مالكًا. وثلاثة أجزاء من أماليه. وكان ابتداء طلبه فيما ذكره ابن اللباد عنه. قال: كنت يتيمًا لا أب لي. وكنت آتي مع معلمي، الخميس والجمعة، وأنا إذ ذاك صغيرٌ، ذو جُمّة فقرئ يومًا عليه، في الموطأ اسم عمر بن حسين، في كتاب الزكاة. فقال سحنون: هذا كان يشاور في القضاء، أيام مالك. ثم قرأ القارئ، فبعد قليل، قال سحنون: كيف سحبت لكم الرجل، الذي كان يشاور في القضاء، أيام مالك. فقد نسيت اسمه. فسكت الناس. فقلت له أنا من موضع: هو عمر بن حسين أصلحك
стр. 814
الله. فقال: بارك الله عليك. أحسنت يا غلام. من هذا الغلام؟ فعرف بي. قال: أحب أن أرى عليك زين العلم. ما ينبغي أن يمنع هذا العلم من أحد، فما أتيت الموعد الآخر، إلا وقد حلق رأسي، وكسيت ثياب العلماء. فلم أزل أتردد الى سحنون، وهو يقرئني حتى نفعني الله. وله تأليف في الردّ على المخالفين من الكوفيين، وعلى الشافعي.
ذكر ولايته القضاء وشيء من سيرته
ولي ابن طالب، القضاء بالقيروان، مرتين، لما عزل سليمان، أول مرة ولي هو، ولاه ابراهيم بن الأغلب. وعظم قدره. وجعل إليه النظر في تركة جدته. فطلب ابن طالب، سليمان. فاستخفى عنه. فلما رأى ابراهيم ميل نفوس الناس الى ابن طالب، ومحبتهم له، لعدله وسماحته وعقله، وحسن سيرته، وعلمه، واستبشارهم بأيامه، لرخص السعر، وارتفاع الوباء، أيامه به، غار ابراهيم به، وخشيه على ملكه. لكونه ابن عمه. فرأى إماتة اسمه، وعزله. ورد سليمان بن عمران. فلما شاخ سليمان بن عمران، عزله، وولي مكانه ثانية. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن الأغلب، أكره الناس في ابن طالب. وكان قد أساء إليه، أيام قضائه، الأول. وإمارة أخيه ابراهيم المعروف بأبي الغرانيق. فلما ولي ابراهيم بعده، هم به. وكان
الحضرمي، وبلاغ مولى ابراهيم خاصين به، ولهما بابن طالب عناية. فكانا يكفّانه عنه. فلما شاخ سليمان بن عمران، واضطر ابراهيم، الى قاضٍ غيره، جمع وجوه القيروان، وشاورهم فيمن يوليه. فطرحوا الاختيار إليه، وغلبته الشهوة في محمد بن عبدون، وأمر له بمركب فأمر بأن يخرج ابن عبدون عليه، الى أن دخل أحمد بن أبي سليمان، فسأله
стр. 815
الأمير، فقال: أرى أن نولي العدل الرضيّ المستحق للقضاء. فقال: من هو؟ قال: ابن طالب. فاستوى جالسًا، وقد كان ابن غافق أشار بمثله، قبله. وقال: ما أرى لها إلا ابن طالب. فقال له: ابن أبي سليمان: إن الصلاة عمود الدين. فلما استحق عند الأمير أن يقدم عليها، كان بما هو أقل منها أولى. فقال ابراهيم: يُرَد الفرس. وأذن لابن أبي سليمان في الانصراف، ووجه لابن طالب، فولاه القضاء. قال لي ابن طالب: كنت نائمًا قائلة، حتى انتبهت من نومي، فأنكرت ذلك، وعلمت أنه لأمر حدث. فقيل لي: رسول الحاجب بالباب. فخرجت إليه في ثوب البيت. فقال لي الحاجب: الأمير يدعوك الساعة. فقلت: أدخل، وأخذ ثيابي على نفسي. فقال لا. فساءني، ودعوت بثيابي فلبستها. وسرت حتى وصلت الى ابراهيم بن أحمد الأمير. فوجدته وبين يديه السيف مسلولًا. فسلمت، فردّ علي فسكن روعي، لرده. ثم قال لي: احتجت في يومي الى ابن طاهر، ما أوفاه من أمرك شيئًا. وقد عزمت على توليتك القضاء، فأبيت. فمد يده الى السيف، وقال: إن شئت القضاء. وإن شئت هذا. فقلت تأذن لي في صلاة ركعتين أدعو وأستخير. قال: أفعل. فصليتهما، واجتهدت في الدعاء والخيرة. فلما سلمت، قال لي: ما ظهر لك. قلت أبقى الله الأمير، إن ولاني علي ما لا ينفذ عليه القضاء، ليست بولاية. فقال: عل مفرق رأسي. فقلت له: أبقى الله الأمير، تقدمت الإيمان، فآذن في الانصراف، حتى أنظر فيها، ثم أعود الساعة. قال: أفعل. وكان ابن طالب، قد حلف بجميع الإيمان قبل هذا، ألا يلي قضاء أبدًا. فخرج ابن طالب،
فخالع زوجته، وباع عبيده، وتصدّق بأمواله،
стр. 816
وأخرجها من ملكه. ثم رجع فقبل. وكتب له عهده، وأمر له بكسوة، ووصله وحمله. قال ابن طالب: وكنت لما دخلت إليه في المرتين، ما رفع إلي أحد رأسًا. فلما وليت، وخرجت، فوجدت أهل الأرض وقوفًا ينتظروني على الباب. فعلمت هوى الناس للدنيا. قال ابن حارث: وكان ابن طالب، إذا وقف للحكم بين الخصمين، كتب للمطلوب القصة، التي شهد عليه بها. ثم قال له: اذهب، وطف بها على كل من عنده علم، وجئني بالأجوبة، فيها. قال ابن أبي خالد: كان ابن طالب عدلًا في قضائه، ورعًا في أحكامه، كثير المشاورة، لأهل العلم من أهل مذهبه وغيرهم. وذكر أبو عمرو الداني في كتابه: أن ابن طالب، أيام قضائه، أمر ابن برغوث المقرئ، بجامع القيروان ألا يقرأ الناس إلا بحرف نافع. وقال صاحب المغرب في أخبار المغرب: إن في أيام ابن طالب، قتل ابراهيم الفزاري، وكان ابراهيم، شاعرًا. متفننًا في كثير من العلوم، مع استهزاء وطيش. وكان يحضر مجلس ابن طالب لمناظرة الفقه. فقيل إنه كان يزري به، ويتضحك بأمره، ونمت عنه أمور منكرة. فانتهى ذلك الى ابن طالب. فطلبه ابن طالب وحبسه. وشهد عليه أكثر من مائتين بالاستهزاء بالله. وبكتاب الله. وبأنبيائه. وبنبيّنا ﷺ . قيل منهم ثلاثون عدلًا. فجلس له ابن طالب، وأحضر له العلماء، يحيى بن عمرو وغيره. وأمر بقتله فطعن بسكين في حنجرته. وصلب منكسًا. ثم أنزل بعد ذلك، وأحرق بالنار. فحكى بعضهم: أنه لما رفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي، استدارت، وتحولت عن القبة. فكانت آية للجميع. فكبّر الناس. وجاء كلب فولغ في دمه. فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ . وأسند حديثًا عنه ﷺ : أنه قال: لا يلغ الكلب في دم المسلم. قال بعضهم: سمعت ابن طالب عند محنته، وسجنه يقول، وهو مسجون، في سجوده، ومناجاته:
стр. 817
اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا
آثرتُ عليك أحدًا من خلقك، في حكم من أحكامي، ولا خفت فيك لومة لائم.
ذكر جوده وكرم أخلاقه
لم يكن في زمانه سلطان ولا غيره أسمح منه. يتداين بالمال الكثير، ويتصدق به، ويصل بالعشرات من الدنانير من يعرف ولا يعرف. وربما أعوز فيتصدق بلجام دابته، ومصحفه، ونعله، وشوار عياله. وربما تصدق بثياب ظهره. حدث بعض أصحابه، أنه ركب معه إثر سماء وهو على حمار مصري، فعرض له في طريقه ماء مستنقع، فأتى صبي يرعى غنمًا، فأخذ بلجام حماره، فجوزه الماء. فقال للغلام: من مولاك؟ قال: فلان. فنزل ابن طالب في مسجد، ثم قال للغلام: اذهب فجئني بمولاك. فجاءه.
فقال له: بكم اشتريت هذا الغلام؟ فقال: بعشرة دنانير. قال: فخذها واعتقه، وولاؤه لك. وعدها له، وكتب عتق الغلام، ثم قال لمولاه: قد وجب أن تجري له على رعايته لغنمك أجرة. فأجرى له دينارين في كل سنة. فقال ابن طالب: إلزم مولاك، ولا تقطعنا. فإنا نواسيك. وذكر أن غلامًا راعيًا ناوله سوطه، وقد سقط، فوجه في مولاه، فاشتراه مع الغنم، وأعتقه ووهب الغنم له. وكان إذا رأى بعض الرجال في الشتاء، ليس عليه دثار، نزع فروه، وبعض كسوته عن جسده، وكساه. وشكا إليه رجل يتعذر بجهاز ابنة له، زوّجها. وكانت لابن طالب ابنة تخرج إليه، من عيد الى عيد. فقال لأمها: أحب أن تزيني ابنتي وتلبسيها ثيابها وحليها. ففعلت. وأخرجت إليه فرحب بها، واستبشر، ثم قال لها ولأمها: إن فلانًا شكا إلي كذا، وأنا أحب أن أدفع له جميع ما على ابنتي من
стр. 818
حلي وثياب، يجهز به ابنته، وعليّ أنا عوض ابنتي منه بما هو أكثر. فدفعتاه إليه.
حكى المالكي عن محمد بن عمر أنه ولي القضاء ومعه ثمانون ألف دينار. فلم يقبل حتى تصدق بجميعها أيام قضائه. قال: وكان رجل من العراق ينال من ابن
طالب، فتوفيت أم ولده، وكان مقلًا. فقال له بعض إخوانه لو قصدت ابن طالب أن يصلي على جنازتك، نلت منه خيرًا. قال الرجل: كيف أقصد لمن سبق مني فيه غير جميل. فقيل له: الرجل كريم. وكان ذلك الوقت ابن طالب معزولًا عن القضاء، عزلته الأولى. فمضى الى ابن طالب، وعرّفه وسأله الصلاة. فوعده بالمجيء وقت الصلاة، ففعل. فلما كان اليوم الرابع، وجه ابن طالب إليه، فأتاه. فقال له: أكرمك الله. صرت لنا كالأخ، وأحببت أن أكلفك ببعض حوائجي، وذلك أن تشتري لي جارية نظيفة أديبة. على ما يحسن عندك. فمضى الرجل وأجهد نفسه، رجاء التقرب إليه، واشترى له جارية بنحو ثمانين دينارًا. وأتاه بها. فأعجبت ابن طالب فقال له: هي هبة مني إليك. فاتخذها، موضع أم ولدك، بارك الله لك، وأعطاه دينارين لكسوتها. قال: ولقي رجل ابن طالب في طريق، فشكا إليه الضعف، وأن له أربع بنات، عاريات. فكتب له رقعة الى رجل. فقرأها، وقال: اجلس. وطلب له أربعة أقمصة، وأربع غلائل، وأربع دهاقن، ومضى به الى البركة، فاشترى له خادمًا، وغلامًا.
فلما طال على الرجل، قال: يا هذا، أجب حاجتي. فقال له: فيها أعمل. وأتى به الى سوق النخاسين، فاشترى له زوج بقر، وقطعة غنم، وقال له: جميعه لك. ومرّ يومًا، بإزاء الجمال بحمولة قمح،
стр. 819
وإذا رجل يسايره، فقال له: إن مَن هذا عنده في أمن فقره المجاعة، وفارقه. فسار ابن طالب الى داره، فإذا الحمولة له، وجهها له وكيله. فأمر ابن طالب بحملها الى دار الرجل، وقال قولوا له: قد أمنت مما كنت تجده. قال أبو الفضل: كان رجل من العراقيين يقع في ابن طالب، إرضاء لأصحابه، فولدت له امرأته، فقالت له: أنت ترى حالنا، فامض الى أصحابك الذين كنت ترضيهم، بسب ابن طالب، لعلهم يعينونا على ما نحن عليه. فسار إليهم. فلم يأت منهم بشيء. وخرج، بمصحف يرهنه عند زحدهم، فما قبله
منه أحد منهم.
فشتمته امرأته، وقالت له: اقصد إليه، يعني ابن طالب. فإني أرجو أنك لا تنصرف من عنده، خاليًا. فمضى إليه واعتذر، وأعلمه بمقال زوجته. وقال: أتيتنا في وقت لا شيء فيه غير واسعة علينا، ولكن نعطيك ما حضر. فدفع إليه صرة كبيرة، وأخرى صغيرة. وقال له: انفق أنت هذه. وكان فيها أربعون دينارًا. وادفع الأخرى الى أهل البيت. وكانت فيها عشرة دنانير. قال ابن أبي عقبة: كان رجل كفيف من الفقراء، يمشي مع زوجته، فإذا بصقلبي أتى الى طباخ، فقال له: يقول لك القاضي خذ لنا خروفًا، من صفته كذا، واعمله في التنور، وخذ له من الزيتون والخبز، ونقل المائدة، ما يصلح، وهيئه الى أن يرجع من صلاة الجمعة. فانصرف الغلام. فقالت زوجة الكفيف: والله ما اشتهيت إلا الأكل منه. وكانت حاملًا. فقال الكفيف: أنت طالب إن تغدينا إلا منه.
فلما فرغ الناس من الجمعة، سبقا القاضي الى باب الدار، حتى جاء ودخل بيتًا في سقيفة داره، يحكم فيه. وجلس معه إخوانه الذين كانوا يحضرون مائدته. قال الكفيف لزوجته: تسمعي
стр. 820
الى وقت الطست. فقالت له: يا مدبر، ما الذي يصلك إليه؟ فقال لها: اسكتي. فلما سمعت الطست، أخبرته. فقال الكفيف: يا قاضي. قال الله تعالى: ويؤثِرون على أنفُسهم الآية. وقال: إنما نُطعِمُكم لوجه الله الآيات. فصاح القاضي وقال يا غلام: خذ هذا الخوان وامض معه به، حتى توصله الى در هذا المتكلم. ففعل. وحكي أن رجلًا من الرهادنة، بينما هو جالس في دكانه، طلعت إليه امرأة، فقالت له: بع هذا المتاع. وهو جبة وشي وطيلسان، ونعل طائفي، وقلنسوة. فأخذها وقال: هذا لا يصلح إلا بابن طالب.
فمضى بهما إليه، وأخبره. وقال له استقص وادفع لها الثمن. وإذا بذلك كسوته للجمعة. جاءته المرأة، فلم يكن عنده ما يدفع لها غير ذلك. وكان يتصدق بحلى
سرجه، وسيفه. قال ابن حارث: وأتاه رجل من أهل البادية، فشكا إليه الإقلال، فكتب له الى أبي ابراهيم في ضيعته، أن يدفع له خمسين قفيزًا من زيت. فلما وصل الى أبي ابراهيم بالكتاب، ضجر على الرجل وقال له إنا لم نعصر بعد، وهو يبدأ بتفريقه. ما عندي ما نعطيك. فرجع الرجل إليه، فأعلمه. فكتب إليه أن يدفع له مائة قفيز. فزاده ضجره. وقال له: اذهب بسلام. فرجع الرجل إليه، فأعلمه. فكتب إلى أبيه: ادفع إليه مائة قفيز. فوَالله لئن رجع إلي لأدفعنّ إليه غلة العام أجمع. وأكرمه رجل في طريقه، ولم يعرفه. فقال له: سل في القيروان عن دار ابن طالب. فلما وصل الرجل دفع إليه خمسة آلاف درهم، وعشر خلع.
وأهدى إليه رجل من البادية خبز سلت، فدفع إليه خمسة مثاقيل، فقيل له: إنما تَسوى درهم. فقال: كلا. ولكن رجا هذا أفضالنا، فحققناه. قال أبو محمد بن سعيد بن الحداد، عن بعضهم: وصل إليّ من مال ابن طالب بآية من القرآن، نحو من سبعين دينارًا. كنت إذا رأيته داخلًا الى مجلس قضائه، قمت نحوه،
стр. 821
فقرأت: إنما نُطعمكم لوجه الله الآية. فيدفع إلي الدينار، والدينارين، وما أمكنه. قال أبو القاسم المعروف بالمساجدي: شكوت يومًا الى ابن طالب الوحدة، وقلة الجدة، فاشترى لي جارية بأربعين دينارًا وحجرة قرب الجامع بعشرين دينارًا. فشكوت إليه أنه ليس فيها ماء. فحفر في زقاقها بئرًا، للمسلمين. فكان يعطي قوتي، وقوت الجارية وكسوتها كل شهر. قال أحمد بن معتب: جئته يومًا أسأله لرجل معروفًا. قال: فناولني طرف كم قميصه، ثم أدخل يده لينتزعه. فقلت: سبحان الله، معاذ الله، أن أكلفك هذا. فقال لي: لا يسبق إليك أني فعلته عن ضجر، غير أني والله لا أملك في هذا الوقت دينارًا ولا درهمًا، ولابد له من أخذها. ومدّ رليّ بثوبه. وقال بعضهم: أتيت ابن طالب فشكوت إليه الإقلال، فاعتذر اعتذار من عزم على ردّي. ثم دخل، وخرج، وجعل في يدي شيئًا لم أشك أنها دراهم، فلما خرجت إذا في
يدي عشرة دنانير. وكان سليمان بن عمران، أراد غمطه بقضية، أيام قضائه، زادته رفعة. وذلك أنه دخل يوم فطر على الأمير، فذكر له من يخطب. فقال له الأمير: الى هذا الوقت؟ فمن؟ فقال له: ومن إلا ابن عمك وقاضيك ابن طالب؟ وأراد أن يأخذه الأمير على غير أهبة، فيفتضح رؤوس الناس، ويسقط. فأمر الأمير بإحضاره وأمره بالخطبة، فقام بخطبة مشهورة. وذكر أنه لم يروها. حسنة جدًا.
فزادته عند الناس رفعة، ومكانة. وكان ابراهيم الأمير يقول: على بابي رجلان أحدهما يخاف الله، ولا يخافني. والثاني يخافني، ولا يخاف الله. فأما الذي يخاف الله ولا يخافني، فهو ابن طالب. والثاني فلان. فذلك عظيم الحرمة عندي. وهذا الذي يخافني، صغير عندي. قال بعضهم: ذكرت ذلك لابن طالب، فقال: صدق. قال القصري: كان ابن طالب، يذكر تنازع أصحابنا في المسائل، فربما ذكر في المسألة خمسة
стр. 822
أقوال، أو ستة. ثم تسيل دموعه، ويضع خده على الأرض، ويقول: يا فتى: أردت أن يقال فقيه. فهل معك عمل صالح، تنجو به من عذاب الله، وإلا فما يغني هذا عنك. وما رأيت أكثر دموعًا عند ذكر رسول الله ﷺ منه. وكان مع ذلك يقول أعجبتني نفسي، فأقول: يا ابن طالب هبك أعظم الناس قدرًا، وأكثرهم علمًا، أليس يشفع وراء ذلك كله الموت؟ ومن كرم أخلاقه، ما حدث به محمد بن محمبوب. قال: كنا عنده يومًا، فخاطبه بعض أهل مجلسه بخطاب خشن، لم يخاطب مثله بمثله. فنظر بعضهم الى بعض، وتمادى ابن طالب في مكالمته كأنه ما سمع مكروهًا. فلما قام الرجل، قال لنا ابن طالب: رأيت نظر بعضكم الى بعض، وقلت في نفسي: رجل قصدني، يؤدي الذي يجب من حقي، هنا عليّ، أصول عليه بسلطاني؟ هذا من اللؤم. وكانت لصاحبه عبد الرحمن بن عمران المعروف بابن الورنة، ابنة. خاصمها زوجها الى ابن طالب، في أمر
يجب فيه بينهما اللعان. فماطلهما ما أمكنه. ثم ألح الزوج عليه، حتى حكم باللعان، وتلاعنا، وتفرقا. وكان عبد الرحمن كثير الزيارة له من أجل العلم، والمناظرة.
فقال ابن طالب لأصحابه، المتكلمين عنده في العلم: إذا حضر عبد الرحمن فلا يذكر أحد مسألة في باب اللعان. ومات سليمان بن عمران، في أيامه، فتندم، فصلى عليه. فيقال إن ابن طالب ما زاد في صلاته عليه أن قال: ربّنا وسِعْتَ كل شيء رحمةً وعِلمًا الآية. وقال ابن اللباد: جاء رسول الأمير ابراهيم، الى ابن اللباد، فلقيه خارجًا من المسجد. فقال له: يأمرك الأمير أن تصلي على سليمان بن عمران. فوقف متفكرًا ثم قال: نفعل. قال ابن اللباد: ثم عطف ابن طالب عليّ، وقال
стр. 823
ظلمني والله ابن عمران، وحبسني، أفترى أن صلاتي عليه، إجلالًا له؟ والله لا أفعل. ماذا أقول عليه من الدعاء. وقد ظلمني. وكان معه قرآن، وإسلام. أقول عليه: اللهم انفعه بالإسلام. أقول هذا مرة. وأقول هذا مرة. قال ابن أبي الوليد: وأتيت ابن طالب تلك العشية. فقال لي: مات ابن عمران. لقد بلغني أنه كان يقول: إني لا أحب أن أموت في عزي، ونحو هذا الكلام، على النكير منه عليه. إنما العز لمن كان معه القرآن والعلم. هذا العزيز. وأما من كان معه عز السلطان، فليس بعزيز في داره. فكان يجهر بالقراءة بترتيل. وكذلك التسبيح حتى يسمعه من يليه في الصف الآخر. وصلى على جنازة بعض أصحابه، فأطال عليهم القيام، جدًا مجتهدًا في الدعاء، حتى ملّ الناس من طول قيامه. فكُلِّم في ذلك. فقال: كان لي صديقًا، فأردت أن أخلص له في الدعاء، وأجتهد له. لأنه رُوي عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أنه فعل مثله فاقتديت به. وكان ابن الأغلب، قد فوض إليه النظر في الولاة والجباة، والعدل والولاية، وقطع المناكير. ومن سيرة ابن طالب فيما حكاه عنه أبو بكر المالكي: أنه جعل على أكتاف اليهود والنصارى، رقاعًا بيضًا. فيها: صور قرد وخنزير. وعلى أبواب دورهم ألواح
مسمرة، فيها صورة قرد. وضيق على أهل القيروان في الملاهي.
قال بعضهم: كنت أنظر الى أبي العباس بن طالب، إذا تفرغ من القضاء بين الناس، قدم فوقف وحول وجهه الى القبلة، ثم بسط كفيه، فنظرت الى دموعه وهي تجري على خديه، ولحيته، وهو يقول: اللهم إن كان مني زلة أو هفوة أو أصغيت بأذني، الى خصم دون خصم، أو مالت نفسي الى خصم دون خصم، فأسألك أن تغفر لي ذلك، ولا
стр. 824
تؤاخذني، ولا تنتقم مني. إنك على كل شيء قدير. ثم يصلي على محمد ﷺ ، وينصرف. هكذا يعمل في كل مجلس. وكان يكتب على أحكامه: حكمت بقول ابن القاسم. حكمت بقول أشهب. ويقول: في البلد علماء وفقهاء، أذهب إليهم، فما أنكروا عليك، فارجع إلي. وكان يكتب القضية ويقول لصاحبها: أرها لكل من له علم بالقيروان. ثم ارجع إلي بما يقولون لك لأن يسألني الله عمن وقفت، أيسر علي من أن يسألني لم جسرت. قال ابن الحداد: كنت عند ابن طالب، فشهد عنده أبو العدل في شهادة، في عقد بدين، على رجل. فقال المشهود عليه: سله هل قبض منه شيئًا. فقال: نعم، قبض منه كذا. قال: فكيف شهدت علي بجميعه. فقال لي: ما تقول فيها؟ قلت لا يضره. لأنه لم يقصد الزور. فقال كأن يشهد بجميعه، ثم يقول: قبض. فقال ابن طالب لا أريد شهادة أبي العدل، وكان مبرزًا. قال يحيى بن عمر: حضرت ابن طالب وقد أمر بضرب رجل بالدرة. فقال: اضرب في الرأس، فإن أبا بكر ﵁ قال: إنما يسكن إبليس في الرأس. وقد روى البرزي، عن أشهب نحوه. قال: ولا يفضح أحد في الأدب، وكتب ابن طالب الى خلف بن يزيد قاضي طرابلس وغيره، من قضاة عمله، في شأن إسقاط الشروط بين الزوجين، وإبطالها. وأن لا يزوّج المرأة إلا على دينه، وأمانته. وعلى قول الله تعالى: فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان. ونهى أصحاب الوثائق، والشهود، وعامة الناس، أن لا يحضروا نكاحًا،
فيه شيء من الشروط. ولا يكتبوها، ولا يشهدوا فيها، وأمرهم بمعاقبة
стр. 825
من خالف ذلك، وسجنه. وحكى ابن طالب في بعض كتبه، عن مالك ﵀: أنه سئل عن بعض هذه الشروط الغليظة. فقال أرى أن يفرق السلطان بينهما. فإنها شروط لا يوفق عليها. وأن سحنون كان يهتم لها. ويتلهف على العاقدين والشاهدين. ويوقع بهم العقوبة الناهكة. وذكر ذلك عن غيره. وقال من عيبها. ترك من مضى عليه السلف وتزويجهم المرء على دينه. وأن الرجل ليس يدخل مع أهله، مع غليظ هذه الشروط، إلا وقد جازها لقلة التحفظ لحقائقها.
محنته ووفاته
كان ﵀، قد امتحن عند العَزلة الأولى، في ولاية سليمان بن عمران. وكانت محنته الثانية، الكبرى: في ولايته الثانية. بعد موت سليمان في ولاية ابن عبدون. وكان السبب في ذلك، أنه نظر ما شرعه ابراهيم بن الأغلب، من الفسوق والجور، والاستطالة على المسلمين. وإباحة السودان على نساء أهل بيته، حين امتنعوا من بيعها منه. وقد أتت امرأة، بفرعة ابنتها في ثوب، فألقته بين يديه، فتوجّع وقال: ما أرى هذا يؤمن بالله. أو هذا فعل الدهرية ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فبلغت الكلمة ابراهيم. فحقدها عليه. ثم عزله وحبسه. وولى محمد بن عبدون. وكان عراقيًا، متعصبًا على المدنيين. وأمره بإحضار العلماء، وإخراج ابن طالب إليهم، وفيهم من كان بينه وبين ابن طالب منافسة، ليشهدوا عليه. وجلس لذلك في المقصورة. وجلس ابن الأغلب يقربهم،
стр. 826
ليسمع كلامهم. وأمر القاضي بتتبع أفعاله، ومناظرته، ليفضحه على رؤوس الناس. فكان من جملة ما سألوا ابن طالب أن قالوا له: دفعت من وصية فلان الى فلان العباسي مائة دينار. ولغيره الدينار، وأقل. وهو عندك ممن لا تحل له الصدقة. فإنه من بني هاشم. فقصّر في الأجوبة. ورد الى السجن. فيحكى أن الشرط دفعوه. فكان يقول: يا فتيان، اذكروا
النار. وقال ابراهيم لابن عبدون: أحضره يومًا آخر، وأحضر جماعة الفقهاء، حتى يتبين خطؤه. فأنكل فيه. وكان ابن الأغلب قد أحضر سعيد بن الحداد، قبل، ليكون منه في ابن طالب ما كان من غيره. فأعان ابن الحداد ابن طالب، ووفى له. ودعا ابن الحداد ابنه. وقال له: تذهب الى ابن
طالب، فقد علمت كيف كان برّه بنا. وقد صار ما صار إليه، وذهب عقله وفهمه لعظيم محنته.
وإنما يعد الأخوان لمثل هذا. فكتب جميع أجوبة المسائل، التي سألوه عنها. وأمره أن يحتج بها، إذا سألوه، وقال له في مسألة العباسي: إنما حرمت الصدقات عليهم، إذ كانوا يأخذون سهم ذي القربى، وأما الآن، فالصدقة عليهم حلال لحاجتهم. وقال لابنه: إحذر أن يشعر بك أحد. وقل له: يقرأها في خلوته. وجِئني بها، حتى يطمئن قلبي. فحملها إليه، وجعل ابن طالب يختلف الى المستراح، حتى وقف عليها وحفظ معانيها. وتذكّر ما أغفل عنه، لعظيم محنته، وردها. فلما كان اليوم الموعود، وأحضر، وسئل: أجاب عن كل ما عجز عنه في الجمعة الأولى. فاغتم لذلك ابراهيم، ورده الى السجون، وعوّل على قتله. فيقال دبّر إليه من سقاه سمًا. وقيل أحال عليه أسودَين ركضا بطنه، حتى مات. وقيل: إنهم لما ركضوا في بطنه، ألقى دمًا عظيمًا من أسفله. ثم أخرجه من السجن، ووجه إليه فرسًا، ودواء. فأقامه في داره، ودموعه تسيل، ونفسه تتصاعد، حتى مات ﵀. حكى
стр. 827
ابن اللباد أنه كان يقول في قضائه: اللهم لا تمتني، وأنا قاض. فمات بعد عزله، بنحو شهر. قال ابن حارث: كان لما أمر ابن الأغلب قاضيه ابن عبدون، بإحضار ابن طالب، وأن يتبع أفعاله ويناظره، حتى يفضحه بحضرة الناس. ففعل، وجلس لذلك في المقصورة.
وجلس ابن الأغلب بمكان يسمع منه. وأمر بإحضار ابن طالب، فأحضر. وأشار
إليه ابن عبدون وتم القضاء. فقال ابن طالب: أنا أعرف بحقه منك. فكيف لا أوقره. فقال له: فمن توقيره أن تجلس بين يديّ، متكئًا؟ فكان من قول ابن عبدون: أخبرني عن فعلك، في الأثلاث؟ من أجاز لك أن تفعل فيها ما فعلت؟ فقال ابن طالب: وما الأثلاث؟ فخجل. فقال له ابن طالب: لعلك تريد الوصايا؟ قال: نعم. قال: فإنها لا تسمى أثلاثًا، لأن الرجل يوصي بالثلث والربع ولا يذكر جزءًا فما أنكرت من فعلي فيها؟ قال: تعطي منها عطاء كصيرًا، للواحد، فتعينه. فقال له ابن طالب: قد فعله النبي ﷺ . قال له: وفعله عمر. فقال له ابن عبدون: وإنما تشبه أفعالك بفعل عمر. فقال له ابن طالب: فإذا بالنبي لا يُهتدى وبعمر لا يُقتدى وبالأمير لا يُؤتمر فبمن إذن يا هذا؟ فقال ابراهيم: رجونا بابن عبدون أن يفضح ابن طالب. ففضحه ابن طالب. قال حمديس القطان: كان الأمير ابراهيم بن الأغلب، قد بعث إليّ والى سهل بن عبد الله القبرياني، وعبد الجبار بن خالد، وجماعة من أصحابنا، وجماعة من أهل العراق، لهذا المجلس، دخلنا المسجد، فكنت قاعدًا الى
стр. 828
حائط المقصورة فخرج إلينا، رسوله يقول: ما تقولون في ابن طالب: فتكلم فيه قوم، بينه وبينهم شيء. وأوقعوا فيه شهادات منكرة. سمعت الأمير من خلف الحائط ينكر عليهم قولهم، يقول: ولا هذا كله، ولا هذا كله. وتحزى قومٌ الكلام، مثل حمديس، ويحيى بن عمر، وأثنى عليه آخرون مثل سعيد بن الحداد، وقاسم ابن أبي المنهال. قال حمديس: ولقد أحضرني ابراهيم، عند عزل ابن طالب من قضائه الأول، وأحضر إسحاق ابن ابراهيم بن عبدوس، وأحمد بن أبي المنهال، وأحضر ابن طالب، والقاضي سليمان بن عمران.
وقد أحضر سليمان يومًا للشهادة على ابن طالب. فمنهم ابن عبدون وغيره. فجعل ابراهيم يسأل ابن طالب، فيحتج ابن طالب. فرد الأمير حجته. ويتكلم سليمان بن
عمران، بما لا تقوم به حجة، على ابن طالب. فجعلها الأمير، له حجة. فلما رأى ذلك ابن طالب، سكت. قال حمديس: فرأيت أن السكوت لا يسعني، وقلت: إنما أحضرنا للكلام، فقلت بإذن الأمير مرة، وأخرى، فلم يجبني. ثم قلت: أقول الثالثة. فإن لم يجب فهي حجة لي عند الله. فحوّل إليّ وجهه، وقال: هات كلامك. وكان الأمير يطلبه بأمر التركة، التي تولاها ابن طالب، وفرق ثلثها بتفويض الأمير، فقال له: ضمنتك جميع التركة. فقلت للأمير: خذ ما تحب. فقال لي: وما نحب. قلت: قال الله تعالى: مما قلّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا. فلو أوصى الميت ألا يدفع ما أوجب الى وريثه، لم يكن له ذلك في سنة المسلمين. فقال ابراهيم: أمرتُه أن لا يدفع الى الورثة شيئًا. فقلت: أمر الله فوق أمر الأمير. فقام إليّ بلاغ الخادم، مغضبًا ليهم بي، فكلمه الأمير بالصقلبية فانكف. وقلت: ليس لك عليه سبيل إلا في الثلث الذي فرضت إليه. فإن كان أنفذه في وجوهه، فلا سبيل لك عليه. وطال المجلس، وأخذ الأمير ضامنًا على ابن
стр. 829
طالب، ويخلى. فخرج ابن عمران القاضي الى الوزراء، فشكاني، وقال: هذا نقض أحكامي. فرد الأمير فيه إليه. فرده الى السجن. ثم عفا عنه. وكان في سجنه في القصة الأخيرة، بلغه أن ابراهيم هم فيه بأمر. فحكى أنه فرغ الى الدعاء. فكان من دعائه ومناجاته: اللهم إن كنت علمت مني أنه إذا جلس الخصمان بين يدي، فكان في أحدهما رضاك، وفي الأخرى رضا ابراهيم، إني أؤثر رضاك. فاعصمني منه. وإن علمت أني أؤثر رضاه، على رضاك. فسلطه علي. فكفاه الله ما هم به ابراهيم من تلك القصة. وقيل إن ابراهيم تبرأ في تلك المطالبة بأمر فأوجع قلبه. فقال: اللهم إنه رماني بذنب، لم أرتكبه. اللهم لا تمته حتى تشهّر به. فأجيبت دعوته، وانكشف ابراهيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى
وقد وقت في كتاب تاريخ قضاة إفريقية، على نسخ السجل الذي عزله به، وثبت
فيه مثالبه ومذاهبه، التي أجلبها عليه. وفيه رميُه بهذه الكبيرة المذكورة. أنصفه الله منه. وكانت وفاة ابن طالب بعد عزله، بنحو شهر. سنة خمس وسبعين ومائتين. وهو ابن ثمان وخمسين سنة. مولدة سنة سبع عشرة، ومائتين. ورثاه أحمد بن أبي سليمان بقصيدة طويلة أولها:
تهولت الدنيا لموت ابن طالب … وأظلمت الآفاق من كل جانب
أمام هدى حلت بنا فيه نكبة … من الدهر عظمًا أصبحت بالعجائب
لقاضي القضاة المرتضى في أموره … غدا اليوم أهل الدين أهل المصائب
فمن بعده يرعى بنا الحق رعيه … ويظهره إظهاره بالمغارب
стр. 830
لقد كان سيف المالكين ومن له … يصال به ضربًا على كل جانب
وقد ذهب المأمور بالدين والتقى … ومن كان يرجى للندا والمواهب
قال أحمد بن محمد القصري: رأيت ابن طالب في النوم بعد قتله. فسألته. فقال: وحق الله، لقد دخلت الجنة. قلت: كيف كانت منيتك؟ فقال: سقاني شربة. سقاه الله من صديد أهل النار.
عيسى بن مسكين بن منصور
ابن جريج، بن محمد الإفريقي. رحمه الله تعالى. من العجم أصله. وينسب الى قريش، من أهل الساحل. قال أبو العرب: سمع من سحنون، وابنه جميع كتبه. وسمع بالمغرب من غيره. وسمع بالشام من أبي جعفر الإيلي. وسمع بمصر من الحارث بن مسكين، وأبي الطاهر، والربيع. ومحمد بن المواز، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والبرقي، ومحمد بن سحنون، ويونس الصدفي. وسمع من علي بن عبد العزيز، وغيرهم. سمع منه الناس: أحمد بن محمد بن تميم. وأبو الحسن الكانشي، وأبو مروان الحجام، ومحمد بن يونس السدري، وعلي بن حماد، وليث بن محمد وغيرهم. رضي الله تعالى عنهم.
ذكر فضائله رحمه الله تعالى
قال أبو دحيم: كان من أهل الفقه، والورع وكان مهيبًا، وقورًا. قال أبو العرب: كان ثقة مأمونًا، صالحًا. ذا سمت وخشوع. كثير
стр. 831
الكتب في الفقه، والآثار. صحيحها. وكان يشبه سحنون في هيبته. وكان مهيبًا. قال غيره: كان رجلًا صالحًا. فاضلًا، طويل الصمت، دائم الحمد. رقيق القلب. غزير الدمعة. كثير الإشفاق. متفنّنًا، في كل العلوم: الحديث والفقه وأسماء الرجال. وكُناهم. وقويّهم وضعيفهم. فصيحًا، يجيد الشعر، قال أبو بكر المالكي: كان اعتماد ابن مسكين على سحنون، وبه كان يقتدى في كل أموره، من شمائله وزهده، ومحاسنه، ومباينته لأهل البدع، حسن المودة بيّن المروءة. قال أبو علي البصري: لو أفردنا كتابًا، في ذكر مناقبه ومحاسنه، وزهده وورعه، وعدله، ما انتهينا الى وصفه. وكان مع ذلك عالمًا باللغة. قائلًا للشعر. قال ابن حارث: كان ابن مسكين من أهل الفضل البارع، والورع الصحيح، والصمت الطويل. يقال إنه كان مستجاب الدعوة. وقال ابن الجزار: كان محله من الزهد والورع والسكينة، والوقار والخوف من ربه، والعدل في حكمه، والتوبة في لفظه، ولحظه، على حالة يقصر عنها وصف البليغ.
وكان مع ذلك فقيهًا عالمًا، فصيحًا. قال أبو الحسن الكانشي: أدخلني عيسى بن مسكين الى بيت مملوءة بالكتب، ثم قال: كلها رواية. وما فيها كلمة غريبة إلا وأنا أحفظ لها شاهدًا، من قول العرب. وقال بعضهم لقد جلست الى كثير من أهل العلم، فما رأيت أحدًا مثله. وما أشبّهه إلا بمن كان قبله من التابعين. وكان إذا حضر مجلس محمد بن
стр. 832
سحنون أمره محمد بأن يؤذن، ويقيم ويصلي. فإذا استفتي محمد. قال افته يا أبا موسى. ونظر إليه محمد بن سحنون يومًا، فقال: يا أهل الساحل. هذا أفضلكم، وخيركم، وإمامكم. وكان إذا تفاخر أهل المدينة، وأهل
العراق برجالهم. فقيل لأهل العراق: وعندكم مثل عيسى بن مسكين؟ يعجمون ويقولون: ذلك أفضلكم وأفضلنا.
ذكر ولايته القضاء وسيرته
قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني وهو قاضي - إذا برجل يحرك عليّ الباب. ففتحت له، فسلم عليّ. ثم جلس. فقال لي: كيف حالك. فقلت ما سؤال على من صار حاله الى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. وقلت: هذا - يعني الأمير - قال: هذا يخرج. وهذا يمر. فقلت: أين. قال يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام.
فمضت تسعة أشهر. فأقمت تسع سنين. فقال: إنه الخضر ﵇. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن أحمد بن الأغلب. قد أحضر يحيى بن عمر، الى ولاية القضاء. فقال له: إن دللتك على من هو أفضل مني، في الوجه الذي تحب. تعافيني؟ قال له: نعم. فدلّه على ابن مسكين. فأرسل فيه ابراهيم بن حماد، الى كورة الساحل. وأوصله الى نفسه. وعرض عليه القضاء فنفر منه. قال تميم بن خير
стр. 833
إنه لما شاور العلماء ابراهيم، فيمن يلي القضاء، اختلفوا عليه. فذكر له عيسى، فقال أحمد بن ناجي: والله، أيها الأمير، صاحبنا عند سحنون. جمع الله فيه خلال الخير، بأسرها. فوجه فيه الى الساحل. فأتي به. وفي المجلس حمديس وغيره. فقال له ابراهيم: أدتري لمَ بعثت إليك؟ فقال: لا. قال: لأشاورك في رجل قد جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء. وألمّ به شعث هذه الأمة فأمتنع؟ قال: ألزمه أن يلبي. قال: تمنّع. قال يُجبر على ذلك. قال: أمتنع؟ قال: يُجلد. قال: قم.
فأنت هو. قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره. فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: فقمت من مكاني، كيلا يصيبني من دمه. فلم يزل به، حتى ولي. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء ابراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه. فخوّفه ابراهيم، وحلف له بغليظ الإيمان لئن لم تلِ لأقتلنّك.
فولي، وأسكنه رقادة. فكان لا يتصرف، ولا يخرج الى المسجد. وقيل إن ابراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده، وعلمه وورعه. فوجه فيه. قال غيره: وقيل: إن الأمير ابراهيم، قال له: إن لم تلِ لأولينّ ابن عبدون، يظهر البدعة، ويهين، السنة. وقيل إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه. فلما أتى به ابن الأغلب، قال له: إنه لا يصلح للقضاء. لثقل روحه، وزيه. قال له: أرنيه، قبل وصوله إليّ. فأدخله من حيث يراه، وعليه جبة صوف، وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: قد اتفق الناس عليك. فقال: اتق الله ولا تول مثلي على هذا
стр. 834
البلد. فقال اذهب ولا ترجع الى منزلك إلا بإذني، وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا به.
فقال لهم: أشرتم علي بشيخ في زي جَمال. فقالوا إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله، فوله. فلم يرَ مثله. فأحضره وخوفه وذكر نحوًا مما تقدم. فلما رأى منه ما رأى، أي ما لا قدرة له عليه. أراد أن يشدد عليه في الشرط. قال اشترط ما أحببت. قال أستعفيك في كل شهر، قال نعم. قال: أكتبه. ففعل. وأحملك وبني عمك، وجندك وفقهاء المسلمين وأغنيائهم في درجة واحدة. قال: أكتب. ففعل. قال ولا توجه ورائي، ولا أعزّي، ولا أهنّي، ولا أشيّع، ولا ألتقي. فمتى لم توفِ لي بشرط، عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة، والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: وقال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل
الكلام، غير نشيط في أموري، ولا أعرف أهل البلد، فقال له الأمير: عندي مولى نشيط، قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك يكون كاتبًا. يصدر عنك الأمور في القول في جميع الأمور، فما رضيت من قوله، أمضيت. وما سخطت رددت، فضم إليه عبد الله بن مفرج المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت آتي مجلسه، وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضي. قال: فلقد دخلت يومًا على الأمير، فقال لي: بلغني أنك تخاطب الخصوم، وتفصل، وعيسى ساكت. ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل. إلا أني أكفيه.
قال: أمضِ، ولا تعلم أحدًا
стр. 835
بما جرى بيني وبينك. فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما، بغير مذهبه. فقلت ما قلت لهما. فأمرني عيسى بصرفهما. فقال لي: أفصل بينهما ولا يعاد إليّ مثل ما فعلت قبل. فأمرهما قرارًا بين يديه. وفصل بينهما، بمذهبه. فأخبرت بذلك الأمير. فحمد الله تعالى. وسجد شكرًا لله تعالى. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب. يتولى الديوان. فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج الى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، الى أن ارتفع النهار. وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، فنظر في الديوان، فأخرج القضية، ثم اعتذر عن تأخره، بحضوره نكاحًا، عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس. وذكر ما لابن عبدوس عليه من الحق. وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال له عيسى: ما ظننا بك إلا عذرًا من مرض، أوهم في ذلك، وإذا أنت في هذا. فأخذوا بيده الى السجن. فلما استقر في السجن وجه وراءه، وقال له: أنت في إجازة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه، وتشتغل بحضور الملاكات. لا تعد وارجع الى مكانك. وذكر أنه كان يقوم في الليل، يتذكر قصص المتخاصمين عنده، واحدًا واحدًا، ويسأل الله تعالى أن يحمله فيها على السداد. ومرّ يومًا على السجن فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، وقال
من يصبر على هذا. قال عيسى: من أين كلمني؟ قال من السجن. فقال لهم فليس عليّ أكثر من هذا. أخذنا كسوته ونمنعه من البكاء. ونحو هذا. وخرج عنده بعض العرافين شُهد عليه أنه
стр. 836
يشرب النبيذ. قال له عيسى: كشفت عنه فأصبته يدين بتحليله. ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل، من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة. وكان عيسى يجلّه. فأقبل عيسى يسأله عما قبله. فإذا بصائح يقول: يا قاضي. خصمي داخل عندك. وأنا خارج. ثم صاح ثانية، وثالثة. فلم يرَ عيسى غيري. فأمر بإدخاله. وسأله من خصمك؟ فقال: هذا؟ يعني الأمين. فقال: هل دارت بينك وبينه مخاصمة، قبل هذا. قال: لا. وأمر بالرجل الى الحبس، وقال: لما دخل علينا أمينُنا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرته. فقال عندي منافع مال من السجن تأتي بها. فلما استقر في السجن، أمر بإخراجه، وإحضار منافعه. قال: وبينما عيسى يومًا بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم. بالله. ثم به. فقال لمن حوله: أنظروا من هؤلاء؟ قالوا: نهب تونس، فأمر بإمساكهم. فشكاه الذي نهبهم الى الأمير، ابراهيم. فأرسل إليه في إطلاقهم. فقال لكاتبه: أكتب إليه: ويا قومِ ما لي أدعوكُم الى النجاة وتدعونني الى النار الى قوله: بصيرٌ بالعباد. فلما قرأها، قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم.
أتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء. فغلط الرسول. فدعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير ابراهيم، من سفرة، لم يشيعه فيها، عيسى، ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول الى عيسى. أقبل فوجد ابراهيم في بستان. فلما رآه ابراهيم قال له ابتداءً، والله ما وجهت إليك. ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك. ولم يصل الى الأمير ولا سلم عليه. فقال ابراهيم: يا قوم: أرأيتم مثل هذا القاضي.
стр. 837
غبت فما شيع، ورجعت فما تلقى، ولا هنأ. بعثت وراء غيره. فغلط
به الرسول. فاعتذرت له. فانصرف بعد أن رآني بغير تسليم، ردوه. فخرج بعد ذلك عليه ابراهيم. فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا. ويعقد على نفسه عقدًا. ثم ينقضه، فيما تقدم منه. من رفع المؤونة عني، فصارت مخالفة ما رسمه من طرح التكليف مما لا ينبغي أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعي بعد رؤيتي له، من غير تسليم، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس. فلو تركني. لسلمت.
فلما بادرني بالكلام، قبل السلام. ظننت كراهيته، لدخول هذا الموضع. فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقول للأمير ابرهيم عندما يُطنب في الثناء عليه، ويفتخر به: إنه مطيع. فقال: إن كان ما ظهر منه يشهد لباطنه فما كان في عُبّاد بني إسرائيل مثله. وإن كان رياء أو تصنعًا، فما رأينا ولا بلغنا عن أحد ملك شهوته ونفسه منه. لاسيما مع الإمكان والرياسة. وهو في الحالتين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين في مدته على القضاء أجرًا. وكان لا يستعين بأحد في شيء، من أموره. وربما استُقي له الماء، فيريقه، ويستقي لنفسه. وإنما كان بل لنفسه. ودخل عليه رجل يومًا، فوجد له عجينًا في مقلى، كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة. فقلبه له الرجل. فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل يستسقي، فحلف له أن لا يستقي إلا هو. فتركه حتى استقى. ثم أخذه فأراقه في الماجل. ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق، كان يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، وبقل وشيء يأتيه من البادية. فإن لم يأته شيء، انتظره. فربما بقي اليومين والثلاثة بلا طعام. وكان شديد
стр. 838
التقشف في قضائه. ولم يكن على هذه السبيل من الانقباض، قبل قضائه. ولما عزل، عاد الى ما كان عليه، من حسن المعاشرة. وكرم المجالسة. والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد. خفت أن يبعث إليّ من طعامه أو يدعوني إليه. فلا آمنه إن امتنعت.
فحملت نفسي على ذلك. لينقطع طمعه فيّ. وفرغ ما عنده من القوت برقادة. فبقي ثلاثة أيام، لا يطعم شيئًا. حتى لزم الفراش ضعفًا. حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل تينًا - إلا مرة - اشتري له بخروبة. ولا بطيخًا - إلا مرة واحدة - صغيرة. وكان عيسى لا ينزل الى القيروان. فولى مظالمها، سليمان بن سالم، وأطل له النظر في مائة دينار. ثم عزله. وولاه قضاء صقلية. وولي مكانه ابراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد. فكان يجري على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة، أبا القاسم الطرزي، قال أبو بكر اللباد: شاهدت ابن مسكين في جنازة بعض نساء الأمير ابراهيم، جالسًا في المقبرة. إذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس، وسلموا عليه، وعيسى جالس. ما حل حبوته. فلما نظر إليه. قال: يا قاضي: السلام عليكم ورحمة الله. فقال له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار إذ جاء أبوه ابراهيم، فوقف إليه الناس، وعيسى على حاله، ما حل حبوته. فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه، قال السلام عليك يا قاضي. فردّ عليه. ثم نزل فقدّم عيسى للصلاة عليها، وبعث الأمير به الى تونس، فرغب بعض أهلها في نزوله عنده. فأنزله في دار حسنة، فقصد الى بيت مُسوّدٍ من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيه
стр. 839
فسئل عن ذلك. فقال: يأتيني رجال السلطان فيطيلون الجلوس، إذا أصابوا مكانًا حسنًا. وهاهنا من أتى منهم، سلّم وانصرف. وعوفيت منهم. قال القاضي رحمه الله تعالى: ونقلته من خط ابن الحارث: سمعت بعض الشيوخ يحكي، أن رجلًا كان واقفًا على جزار فرماه رجل بشيء، فحاد عن الرمية، فسقط، فاعتل، فمات، وخاصم ورثته، الرامي الى عيسى بن مسكين. فأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل، بعد القسامة. فلما ذهبوا ليحلفوا. قال لهم ابن مسكين: يحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد ومن حبوته سقط ومن سقطته
مات. وكان ابراهيم يبتهج بكونه قاضيًا له. قال له يومًا بعض خدمته لقد نصحتك نصحًا ما نصحك القضاة بمثله. فقال له ابراهيم: ولا عيسى بن مسكين.
ذكر استجابته وبراهينه
ذكر أنه دعا على ابن عبدوس القاضي، لما أشرف. فقال: اللهم ابله بداء القرحة. وهي قرحة تخرج في الوجه، فابتلي بها. ومات منها. وأن نصرانيًا لقيه، فسلّم عليه، فصافحه، وعيسى لا يعلم. فعرف بعد ذلك. فقال اللهم إقطع يمينه، وانتقم منه. فلما كان من الليل، نزل عليه لصوص، فقاتلهم. فقطعوا يده. وحكى الكانشي عن بعض من رافق عيسى، في طريق الحج، فقال: خرجت ليلة من الرفقة، لقضاء حاجة الإنسان، ثم عدت الى الرفقة. فإذا عليها سور منعني من الوصول
стр. 840
إليها. حتى أصبح الصباح. وضرب الطبل، فذكرت ذلك لعيسى. فقال ما أبيت ليلة حتى أدور على الرفقة، وأقول اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام. واكنفنا بكنفك الذي لا يرام. اللهم إني أستودعك ديني، ونفسي، وأهلي، وولدي، ومالي، إنك لا تخيب داعيك، يا أرحم الراحمين. قال: وبينما عيسى يقرأ عليه أصحابه، إذ أخبرهم أن أبا العباس بن الأغلب، كتب السجلات بخلق القرآن. وأمر بتفريقها على الناس وأن يحمل الناس عليها بعد ذلك، وأصحابه باتوا من أجله في غمّ. فلما أصبح، قال لهم عيسى: إن مدة هذا الرجل قد انقطعت. فأتى الخبر أنه مات في تلك الليلة. وكان عيسى بن مسكين، ربما نطق بشيء من الإنذارات، قبل وفاته. فيقال: إنه صحب أبا خارجة، صاحب مالك بن أنس رحمهما الله تعالى. فتعلّم ذلك منه. ويقال بل كان يكاتبه بذلك رجل من أهل المشرق. ويقال بل كان يجري الله تعالى ذلك على لسانه. قال بعض أصحابنا: بينما نحن نسمع عليه، إذ أتته بنته، وضمها الى صدره، وبكى. وقال: كأني بالجلاوزة يمرونها في طلب التقسيط. وفي المجلس يومئذ سهلوف؟ ومحمد بن عباس الكاتب. قال بعضهم،
ممن حضر: فأتى يومًا صارخ بعد هذا، من ديوان سهلوف، وعنده ابن عباس، وهما يخدمان عبيد الله، لعنه الله تعالى. إذا بامرأة طويلة على بابه، تعرى من كسائها، وإذا هي تلك. فرجعت الى سهلوف، وابن عباس. فأخبرتهما الخبر. فذكراه.
فقلت لهما: ها هي ببابك تعرى. فخرج سهلوف حافيًا، وتبعها فدخل على عبيد الله. فكتب لها سجلًا، وأن تصرف الى
стр. 841
موضعها. قال بعض أصحابه: خرج عيسى يومًا الى المنستير، فمر بجهة المهدية اليوم. فبكى. وقال: تُبنى هاهنا مدينة يكون على بانيها إثم الإنس والجن، ثم سل سيفه، ولوّح به. وقال: اللهم أشهد أني إن أدركته أجاهده. ويحكي عنه، أنه كان يجتمع مع الخضر ﵇. وحكى عنه عبد الله العارف: أنه كان، بل قال: اجتمعت مع الخضر ﵇ مرتين. ودخل عليّ في بيتي. فقال لي أبشر بفرجك مما أنت فيه.
ذكر رحلته وابتداء طلبه ﵀
قال عيسى: كان أبي يختلف الى كل من قدر عليه، ممن يعرف بصلاح، يستجلب لي دعاءهم. وكان ابتداء طلبي سنة أربع وعشرين ومائتين. وسمع من شيوخ إفريقية، سحنون فمن بعده. رحل الى المشرق، رحلتين لقي فيهما من ذكرناه. وكان في رحلته الأولى، لم يسمع من ابن سنجر، فرجع في الثانية بسببه. قال فلما دخلت مصر سمعت مناديًا ينادي: من يحسن القراءة فليأت دار أبي عبد الله بن سنجر. يقرأ لابن الأمير مسندًا. فأعلمت المنادي بمكاني من القراءة. ورأيت ذلك فرصة. وكنت أكتب الليل كله. وأقرأ بالنهار، حتى كمل نسخه، وسماعه. فما مرّت تلك الأيام، حتى مات ابن سنجر. رحمه الله تعالى.
ذكر ورعه وعبادته وزهده وتواضعه رحمه الله تعالى
قال الشيرازي رحمه الله تعالى: رأيت على عيسى جبة صوف قديمة، مرقعة بخرقة، من كتابن. وهو قاضي يركب الحمار بالشند. ويعلّق الكوز من الشند، ومرض كاتبه أبو علي بن البناء الفقيه، وكان يسكن معه
стр. 842
في دار واحدة. فطال مرضه أربعة أشهر. فلم يزره عيسى، ولا وقف على بابه، ولا سأله عن حاله، فبلغ ذلك من ابن البناء. فعتب عليه فيه، وفوض عيسى بن مسكين في ذلك، وتوجه إليه فيه، أبو سعيد بن محمد بن سحنون وغيره، وقالوا له: ابن البناء قد لحق بالمشائخ، وجعل فقهه لك لسانًا، وكاتبًا. وهو معك في دار واحدة، ومرض أربعة أشهر، فما وقفت عليه يومًا واحدًا، ولا سألته عن حاله. فقال: اللهم المستعان. فلما ألحوا عليه، قال: إني في بلد غصب. فما كان الله ليراني أمشي فيه، واحدًا في موضع لم أجبر عليه. فما رئي قط يمشي في غير طريق داره. ولا أتى المسجد إلا يوم موت أم الأمير ابراهيم، وأرسل إليه، أن يصلي عليها. فلم يجد بدًا من ذلك. قال أبو العرب: حضرت بالساحل، وقد كلّف إنسانًا شراء زيت، فاشترى له من نصراني زيتًا طيب الأصل، وأخبره أنه زاده فيما اشتراه عشرة أقفزة. حين علم أنه له. وذلك بعد صرفه عن القضاء. فأطرق مليًا ثم رفع رأسه إليه، فقال: شكر الله سعيه. لعلك تتم أجمالك بصرف زيته إليه، وتأتيني بديناري بعينه. وإلا فأترك الزيت له. وخذ منه دينارًا. وتصدق به.
ففعل ذلك. ثم اعتذر له عيسى. لئلا يقع في نفسه شيء. وقال خفت حكم الآية قوله تعالى: لا تجدُ قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر الآية. واشتهى يومًا لحمًا فاشتُري له، فأعجبه. فقيل له: إنه معلوف. فأبى أن يطعمه فسئل عن ذلك. فقال: المعلوف عندنا يعيش على زيتون الناس، وزرعهم. قال السدى: أتى عيسى عشية،
الى المسجد، فقمت وأخذت
стр. 843
الحصير، لأفرشه إليه. فلم يجلس عليه، وجلس على الأرض. وكان إذا أصابه مفروشًا جلس عليه. قال بعض أصحابه: أراد عيسى أن يخرج الى بعض المواضع. فدخلت أخرج متاعه، فلم أجد غير آنيتين. أحدهما، بخلّ. والأخرى بزيت. فقال أصبب الخلّ على الزيت، فقال: هذا أخف. حمل آنية واحدة، من حمل اثنتين. ثم نظرت الى كوة في بيته، وفيها آنية صغيرة على فمها جلد مطبوع عليه. فقال: دعها حيث وجدتها. فسألته عنها، فحاد عن الجواب، وألححت عليه. فقال: كنت عند هذا. يعني: ابراهيم الأمير. فرآني أتوجع فسألني فأخبرته أني أجد رواحًا باطنة. فقال: أعطيك دواء يقطعها. فأمرني بهذا. فاستعفيت. فقال: أعرف مذهبك. خذها وأتني بدرهم ثمنها. فانصرفت. وبعثت إليه بالدرهم، وأغناني الله سبحانه عنها. وحكى ابن دبوس حاجبه، قال: جئته يوم خميس أو جمعة. وقلت: اليوم يتفرغ فأؤنسه. فقرعت عليه الباب، ففتح منه فردًا، ووقفت. فإذا هو مؤتزر بكسائه، يغسل جبته. فقال لي: يا أخي، ما جاء بك. قلت: أردت أن أؤنسك، وأراك مشغولًا. فاتركني أستقي لك الماء، وتغسل أنت. أو تستقي وأغسل أنا. فقال: يا أخي، قعدت بلا شغل. ورد الباب. وكان ذلك كله في قضائه رحمه الله تعالى.
باب في حكم من نظمه ونثره
كان يقول: أشرف الغنى ترك المنى. من قاسى الأمور علم المستور. من حصّن شهوته صان قدره. من أطلق طرفه كثر أسفه. في تقلّب الأحوال، علم جواهر الرجال. بحسن التأني تسهل المطالب. الحسن النية
стр. 844
يصحبه التوفيق. المعاش مذلّ لأهل العلم. كفاك أدبًا لنفسك ما كرهته لغيرك. قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم. خلّوا لهم دنياهم، يخلّون بينكم دينكم وبين آخرتكم. ومن شعره قوله:
لما كبرت أتتني كل داهية … وكل ما كان مني زايدًا نقصا
أصافحُ الأرض إن رُمتُ القيام وإن … مشيت تصحبني ذات اليمين عصا
ومن الشعر قوله، يرثي شبابه:
أصاب الدهر مني عظم ساق … به قد كنت مشاءً جليدا
الى الفقهاء أنقلُها، وأطوي … بها للحاجة، البلد البعيدا
إذا رِجلُ الفتى يومًا أصيبت … وطال سقامه ألف القعودا
وصار لبيته حلسًا وأمسى … من الإخوان منفردًا وحيدا
وأنشد له ابن أبي سعيد أيضًا:
لعمري يا شبابي لو وجدتك … بما ملكت يميني لارتجعتك
ولو جعلت لي الدنيا ثوابا … وما فيها عليك لما وهبتك
فقدتُك فافتقدت لذيذ نومي … وطيب معيشتي لما فقدتك
ونحتك وانتحبت عليك دهرًا … فلم تغن النياحة حين نحتك
بقية أخباره واستعفائه من القضاء وحالته
قال: ولما قدم الى القيروان، أتى على حمار عليه أكاف. فقام الناس إليه على أقدامهم. فقال: مكانكم رحمكم الله. إنما يقوم الناس لرب العالمين. ولما رأته امرأة على حمار وبردعة وستر، وحوله مشائخ القيروان، قالت:
стр. 845
أنظروا أي قاض، وأي شكل. فسمعها. فقال لهم: والله لقد قلت لهم هذا. ومن الكتاب المعروف. ونقله أيضًا من خط القاضي أبي الوليد الباجي، قال سهل بن ابراهيم: كنا عند عيسى بن مسكين، نسمع منه. وكان يأتي في كل يوم شيخ نحوي، كان صاحبًا له من عهد الصّبا، وكان عيسى لا يخرج، حتى يأكل. فجاء يومًا الى عيسى قبل خروجه. فعلم به، فدعاه. فقال الشيخ للرسول: قل له إني صائم. فقال: يقول لك تطوع أو واجب؟ فقال: بل تطوع. قال: فانهض معي. فلما رجع الشيخ، سألناه. فقال لي إن ثوابك في إدخال المسرة على أخيك المسلم بإفطارك عنده، أفضل من صيام
يومك. فأفطرت معه. قلنا. فذكر لك قضاء هذا اليوم؟ قال: لا، ما ذكر لي. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه. أما القضاء، فواجب. لابد منه. وإنما لم يذكره - والله تعالى أعلم - لعلمه أن ذلك ليس من خفي العلم الذي لا يظهر إلا ببيانه. وكان من سيرته في غير مدة قضائه: إنه كان إذا أصبح قرأ حزبه من القرآن، ثم جلس للطلبة، الى العصر. فإذا كان العصر، دعا بنته وبنات أخيه، يعلمهن القرآن والعلم. قال بعضهم: جئت الى عيسى بن مسكين فوجدته جالسًا، على دكان في المعصرة. وخادم له يرد الزيتون، والدابة تطحن، وهو يقرأ أحاديث رسول الله ﷺ من صدره. فقيل له في ذلك. فقال: أعرض حديثي لئلا أنساه. قال ابن حماد السوسي: كلفني ابن مسكين، يومًا في خصومة شيئًا. فقلت: الله بيني وبينه. فأتاني في منامي، آت، فقال لي: لا تدعو على الرجل الصالح. فاستعفى من القضاء، فعوفي. فرجع الى منزله بالساحل. الى أن مات. فأصابه داء في ساقه. فلم يزل
следующие страницы →