Полный текст (1 447 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
موضعها. قال بعض أصحابه: خرج عيسى يومًا الى المنستير، فمر بجهة المهدية اليوم. فبكى. وقال: تُبنى هاهنا مدينة يكون على بانيها إثم الإنس والجن، ثم سل سيفه، ولوّح به. وقال: اللهم أشهد أني إن أدركته أجاهده. ويحكي عنه، أنه كان يجتمع مع الخضر ﵇. وحكى عنه عبد الله العارف: أنه كان، بل قال: اجتمعت مع الخضر ﵇ مرتين. ودخل عليّ في بيتي. فقال لي أبشر بفرجك مما أنت فيه.
ذكر رحلته وابتداء طلبه ﵀
قال عيسى: كان أبي يختلف الى كل من قدر عليه، ممن يعرف بصلاح، يستجلب لي دعاءهم. وكان ابتداء طلبي سنة أربع وعشرين ومائتين. وسمع من شيوخ إفريقية، سحنون فمن بعده. رحل الى المشرق، رحلتين لقي فيهما من ذكرناه. وكان في رحلته الأولى، لم يسمع من ابن سنجر، فرجع في الثانية بسببه. قال فلما دخلت مصر سمعت مناديًا ينادي: من يحسن القراءة فليأت دار أبي عبد الله بن سنجر. يقرأ لابن الأمير مسندًا. فأعلمت المنادي بمكاني من القراءة. ورأيت ذلك فرصة. وكنت أكتب الليل كله. وأقرأ بالنهار، حتى كمل نسخه، وسماعه. فما مرّت تلك الأيام، حتى مات ابن سنجر. رحمه الله تعالى.
ذكر ورعه وعبادته وزهده وتواضعه رحمه الله تعالى
قال الشيرازي رحمه الله تعالى: رأيت على عيسى جبة صوف قديمة، مرقعة بخرقة، من كتابن. وهو قاضي يركب الحمار بالشند. ويعلّق الكوز من الشند، ومرض كاتبه أبو علي بن البناء الفقيه، وكان يسكن معه
стр. 842
في دار واحدة. فطال مرضه أربعة أشهر. فلم يزره عيسى، ولا وقف على بابه، ولا سأله عن حاله، فبلغ ذلك من ابن البناء. فعتب عليه فيه، وفوض عيسى بن مسكين في ذلك، وتوجه إليه فيه، أبو سعيد بن محمد بن سحنون وغيره، وقالوا له: ابن البناء قد لحق بالمشائخ، وجعل فقهه لك لسانًا، وكاتبًا. وهو معك في دار واحدة، ومرض أربعة أشهر، فما وقفت عليه يومًا واحدًا، ولا سألته عن حاله. فقال: اللهم المستعان. فلما ألحوا عليه، قال: إني في بلد غصب. فما كان الله ليراني أمشي فيه، واحدًا في موضع لم أجبر عليه. فما رئي قط يمشي في غير طريق داره. ولا أتى المسجد إلا يوم موت أم الأمير ابراهيم، وأرسل إليه، أن يصلي عليها. فلم يجد بدًا من ذلك. قال أبو العرب: حضرت بالساحل، وقد كلّف إنسانًا شراء زيت، فاشترى له من نصراني زيتًا طيب الأصل، وأخبره أنه زاده فيما اشتراه عشرة أقفزة. حين علم أنه له. وذلك بعد صرفه عن القضاء. فأطرق مليًا ثم رفع رأسه إليه، فقال: شكر الله سعيه. لعلك تتم أجمالك بصرف زيته إليه، وتأتيني بديناري بعينه. وإلا فأترك الزيت له. وخذ منه دينارًا. وتصدق به.
ففعل ذلك. ثم اعتذر له عيسى. لئلا يقع في نفسه شيء. وقال خفت حكم الآية قوله تعالى: لا تجدُ قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر الآية. واشتهى يومًا لحمًا فاشتُري له، فأعجبه. فقيل له: إنه معلوف. فأبى أن يطعمه فسئل عن ذلك. فقال: المعلوف عندنا يعيش على زيتون الناس، وزرعهم. قال السدى: أتى عيسى عشية،
الى المسجد، فقمت وأخذت
стр. 843
الحصير، لأفرشه إليه. فلم يجلس عليه، وجلس على الأرض. وكان إذا أصابه مفروشًا جلس عليه. قال بعض أصحابه: أراد عيسى أن يخرج الى بعض المواضع. فدخلت أخرج متاعه، فلم أجد غير آنيتين. أحدهما، بخلّ. والأخرى بزيت. فقال أصبب الخلّ على الزيت، فقال: هذا أخف. حمل آنية واحدة، من حمل اثنتين. ثم نظرت الى كوة في بيته، وفيها آنية صغيرة على فمها جلد مطبوع عليه. فقال: دعها حيث وجدتها. فسألته عنها، فحاد عن الجواب، وألححت عليه. فقال: كنت عند هذا. يعني: ابراهيم الأمير. فرآني أتوجع فسألني فأخبرته أني أجد رواحًا باطنة. فقال: أعطيك دواء يقطعها. فأمرني بهذا. فاستعفيت. فقال: أعرف مذهبك. خذها وأتني بدرهم ثمنها. فانصرفت. وبعثت إليه بالدرهم، وأغناني الله سبحانه عنها. وحكى ابن دبوس حاجبه، قال: جئته يوم خميس أو جمعة. وقلت: اليوم يتفرغ فأؤنسه. فقرعت عليه الباب، ففتح منه فردًا، ووقفت. فإذا هو مؤتزر بكسائه، يغسل جبته. فقال لي: يا أخي، ما جاء بك. قلت: أردت أن أؤنسك، وأراك مشغولًا. فاتركني أستقي لك الماء، وتغسل أنت. أو تستقي وأغسل أنا. فقال: يا أخي، قعدت بلا شغل. ورد الباب. وكان ذلك كله في قضائه رحمه الله تعالى.
باب في حكم من نظمه ونثره
كان يقول: أشرف الغنى ترك المنى. من قاسى الأمور علم المستور. من حصّن شهوته صان قدره. من أطلق طرفه كثر أسفه. في تقلّب الأحوال، علم جواهر الرجال. بحسن التأني تسهل المطالب. الحسن النية
стр. 844
يصحبه التوفيق. المعاش مذلّ لأهل العلم. كفاك أدبًا لنفسك ما كرهته لغيرك. قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم. خلّوا لهم دنياهم، يخلّون بينكم دينكم وبين آخرتكم. ومن شعره قوله:
لما كبرت أتتني كل داهية … وكل ما كان مني زايدًا نقصا
أصافحُ الأرض إن رُمتُ القيام وإن … مشيت تصحبني ذات اليمين عصا
ومن الشعر قوله، يرثي شبابه:
أصاب الدهر مني عظم ساق … به قد كنت مشاءً جليدا
الى الفقهاء أنقلُها، وأطوي … بها للحاجة، البلد البعيدا
إذا رِجلُ الفتى يومًا أصيبت … وطال سقامه ألف القعودا
وصار لبيته حلسًا وأمسى … من الإخوان منفردًا وحيدا
وأنشد له ابن أبي سعيد أيضًا:
لعمري يا شبابي لو وجدتك … بما ملكت يميني لارتجعتك
ولو جعلت لي الدنيا ثوابا … وما فيها عليك لما وهبتك
فقدتُك فافتقدت لذيذ نومي … وطيب معيشتي لما فقدتك
ونحتك وانتحبت عليك دهرًا … فلم تغن النياحة حين نحتك
بقية أخباره واستعفائه من القضاء وحالته
قال: ولما قدم الى القيروان، أتى على حمار عليه أكاف. فقام الناس إليه على أقدامهم. فقال: مكانكم رحمكم الله. إنما يقوم الناس لرب العالمين. ولما رأته امرأة على حمار وبردعة وستر، وحوله مشائخ القيروان، قالت:
стр. 845
أنظروا أي قاض، وأي شكل. فسمعها. فقال لهم: والله لقد قلت لهم هذا. ومن الكتاب المعروف. ونقله أيضًا من خط القاضي أبي الوليد الباجي، قال سهل بن ابراهيم: كنا عند عيسى بن مسكين، نسمع منه. وكان يأتي في كل يوم شيخ نحوي، كان صاحبًا له من عهد الصّبا، وكان عيسى لا يخرج، حتى يأكل. فجاء يومًا الى عيسى قبل خروجه. فعلم به، فدعاه. فقال الشيخ للرسول: قل له إني صائم. فقال: يقول لك تطوع أو واجب؟ فقال: بل تطوع. قال: فانهض معي. فلما رجع الشيخ، سألناه. فقال لي إن ثوابك في إدخال المسرة على أخيك المسلم بإفطارك عنده، أفضل من صيام
يومك. فأفطرت معه. قلنا. فذكر لك قضاء هذا اليوم؟ قال: لا، ما ذكر لي. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه. أما القضاء، فواجب. لابد منه. وإنما لم يذكره - والله تعالى أعلم - لعلمه أن ذلك ليس من خفي العلم الذي لا يظهر إلا ببيانه. وكان من سيرته في غير مدة قضائه: إنه كان إذا أصبح قرأ حزبه من القرآن، ثم جلس للطلبة، الى العصر. فإذا كان العصر، دعا بنته وبنات أخيه، يعلمهن القرآن والعلم. قال بعضهم: جئت الى عيسى بن مسكين فوجدته جالسًا، على دكان في المعصرة. وخادم له يرد الزيتون، والدابة تطحن، وهو يقرأ أحاديث رسول الله ﷺ من صدره. فقيل له في ذلك. فقال: أعرض حديثي لئلا أنساه. قال ابن حماد السوسي: كلفني ابن مسكين، يومًا في خصومة شيئًا. فقلت: الله بيني وبينه. فأتاني في منامي، آت، فقال لي: لا تدعو على الرجل الصالح. فاستعفى من القضاء، فعوفي. فرجع الى منزله بالساحل. الى أن مات. فأصابه داء في ساقه. فلم يزل
стр. 846
ملازمًا به. ومات ﵀ سنة خمس وسبعين ومائتين مولده سنة أربع عشرة ومائة. وكان إذا تحدث عن أيام قضائه يقول: كنت في بليتي. وكنت أيام تلك المحنة. ولما تاب الأمير ابراهيم، وتخلى عن الملك، وتوجه الى الجهاد، قصده عيسى بن مسكين، فقال له: إن الله عافاك مما ابتلاك به. فاعفني، مما أدخلتني فيه. فقد كبر سني، وضعف بدني، فعافاه. فخرج الى ضيعته. فقال ابراهيم: ما أعجب حاله؟ هو في آخر أمره، مثله في أوله. فكانت ولايته ثمان سنين وأحد عشر شهرًا. ولما بلغت وفاته القيروان قال رجل منهم: سودوا وجوهكم. توفي. ووجدوا عليه. وقال آخر وا على إفريقية. تجدون العلم بعد عيسى. ولا تجدون مثل ورعه، وزهده، وأدبه. قال آخر: ذلك رجل حزنت لموته إفريقية. رحمه الله تعالى.
محمد بن مسكين أخوه أبو عبد الله رحمه الله تعالى
سمع من محمد بن سنجر. والحارث بن مسكين. ومحمد بن عبد الحكم. والربيع الجزري. وسحنون، وابنه، وغيرهم. وشارك أخاه في أكثر رجاله. وهو أصغر من أخيه بثلاث سنين. قال ابن حارث: كان صالحًا، ثقة. عاقلًا. من أهل العلم. بل مثله مثل ابن أبي دليم. قال أبو علي البصري: كان هو أيضًا فقيهًا يصنع الشعر، ويجيده. وقال لقمان بن يوسف: لما رحلت الى عيسى بن مسكين الى الساحل وأقمت كنت
стр. 847
أستفتي، فلا أفتى. ولم أكن أمتنع من ذلك، من أجل عيسى، وإنما كنت أمتنع من أجل محمد أخيه. يعني: أن عيسى لا يتغاير على هذا. سمع منه أبو العرب، وتوفي سنة سبع وتسعين ومائتين بمنزلهم بالساحل. وولد سنة سبع عشرة. ويقال سنة عشرة. ومن ذكره أحمد بن محمد بن المثني من تلامذته. وتلامذة أخيه، عيسى، في مرثيته لأخيه. وأولها:
والآن مات بأرض المغرب الأدبُ … وأصبح العلم مقرونًا به العطب
وانهدّ للدين ركن من دعائمه … وقام ناعي الهدى يبكي وينتحب
واسودّ ما ابيضّ من وجه الزمان على … فقد الإمام فدمع العين ينسكب
وفي أخيه محبّ المصطفى خلف … فذاك جوهره أودى وذا ذهب
فجران للعلم مطبوعان من كرم … من نبعة ما لها وصف ولا أرب
عبد الرحمن بن محمد بن عمر، الملقب بالورقه
أبو محمد. من أصحاب سحنون رحمه الله تعالى. مولى سلمي. وأصله من العجم. قال ابن أبي دليم: كان حسن الحفظ، جيد القريحة، يتكلم على الأصول، ولم يكن صاحب دواوين، ولا إكثار. قال ابن حارث: وإنما كان مقتصرًا على أمهات ابن القاسم، لا غير. قال أبو العرب: كان فقيهًا، ثقة، صالح الكتاب، حسن الحفظ، جيد القريحة، سمع سحنونًا وغيره. وعلى سحنون تفقه. وعليه اعتمد. وكان من
الورعين المخبتين الخاشعين. وقال سحنون: عبد الرحمن رجل من أهل الآخرة. وكان حمديس يذكره بالفضل والورع والعلم، ويقول: رحمة الله عليه. كان والله
стр. 848
ورعًا في فتياه، عالمًا عاقلًا، ومن أعظم نعمة الله عليه، أن أخرجه الله من الدنيا، ولم يدخل على سلطان قط. وعظمه تعظيمًا كثيرًا. وخرج إليه حمديس من عند سحنون منكشفًا. فلما رآه أحرم بالصلاة. قال سحنون لحمديس: إنما كان يمضي به لأهل الدنيا، وإنما ذلك من الآخرة. ولد سنة ثمان وثمانين ومائتين. وتوفي أول شوال سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
أحمد بن المعتب
ابن أبي الأزهر. أبو جعفر. تقدم ذكر أبيه. سمع من سحنون. وهو من فقهاء أصحابه. وسمع من أبي الحسن الكوفي، في جميع ما عنده. وسمع بالمشرق من العثماني، بالمدينة. وحسين بن حسن المروزي، صاحب ابن المبارك. ولقي اسماعيل القاضي.
ذكر علمه وفضله والثناء عليه
قال أبو العرب: كان ثقة ثبتًا، نبيلًا، عالمًا بالحديث والرجال، حسن التقييد. سمع منه الناس. قال ابن حارث: كان نبيلًا فصيحًا، صحيح اليقين بالله. قال القاضي يونس عن أبي العرب: إن أحمد بن معتب، كان له صلاة طويلة بالليل، وبكاء. حتى كان يسمع جيرانه بكاءه، وصراخه. وكان له نسكٌ وخشوعٌ وحسن خلق. وكان فيه زهد. وكان سبب وفاته أنه حضر يومًا مسجد السبت بالقيروان، فقرأ القارئ: ألْهاكُم التّكاثُر
стр. 849
حتى زُرتُم ويقال: بل قرأ: ويُطاف عليهم بصحافٍ من ذهبٍ الآية. وقيل: بل سمع بيت شعر، فيه ذكر النار، فخر صعقًا وحمل الى داره بشارع ابن المعتب، لا ينطق بكلمة. وتوفي. وذلك لسبع خلت من ذي القعدة سنة
سبع وسبعين ويقال ست وسبعين ومائتين. قال ابن اللباد: حضرت مشهد الذكر يوم السبت، لسبع خلون من ذي القعدة، سنة سبع وسبعين ومائتين. وأحمد بن المعتب رحمه الله تعالى حاضر، وكان له بكاء ونوح. وكان القراء إذا علموا به، تحركوا، وعبّروا، وأخذوا في التعبير:
دع الدنيا لمن جهل الصوابا … فقد حضر المحب لها وخابا
يصلي فتارة يبكي يبيت … ويطوي الليل بالأحزان دأبا
فلما وصلوا، تحرك وبكى. ثم قرأ قارئ: يا عبادي لا خوفٌ عليكمُ اليومَ الآية. بل الآيات الثلاث. فصاح صيحة شديدة. ثم سقط على وجهه. فأقام ساعة، وأسنده إنسان بصدره، وكُلم فلم يتكلم. ثم أغلق عينيه، ثم قاء شيئًا أخضر. فلما انقضى المجلس بالدعاء، أردنا أن نحمله على دابة. فلم يستطع، إذ كان لا يثبت، فجئنا بمحمل على جمل، فحمل، وأخرج من المسجد يبكي، كأنه نائم. وحمل في شق الجمل. وزامله ابن عم له. ثم أتي به داره. فقاء شيئًا أخضر، ولم يتكلم. وتركناه لنسائه. فلما كان بعد العشاء الأخير، توفي. رحم الله تعالى. ولم يتكلم. ولم يفتح عينيه. وأغلقت الحوانيت كأنه يوم عيد. وحضرت غسله، وقد كسي نورًا وبياضه لبدنه. وصلي عليه العصر. صلى عليه حمديس القطان. وفات كثيرًا من الناس الصلاة عليه، لكثرتهم. ونودي على جنازته: أيها الناس لا تفوتكم جنازة أحمد بن معتب شهيد القرآن. قال بعضهم: إن ابن معتب، مر ذلك اليوم، في طريقه الى مسجد السبت،
стр. 850
بدار. فسمع فيها غناء. فقرع الباب فخرج إليه صاحب الدار، فاستأذنه في الدخول، فاستحيا صاحب الدار، واعتذر. فقال لابد فدخل صاحب الدار قبله. وغيّب ما كان بين أيديهم من شراب. ثم أذن له، فدخل وسلم. فقال: من المتكلم؟ فقالوا هذا. فقال سألتك بالله، ألا أعدت ما سمعت منك. فقال مغنيهم:
العفو أولى لمن كانت له القدر … لاسيما عن مصرٍّ ليس ينتصر
أقرّ بالذنب إجلالًا لسيده … وقام بين يديه وهو مقتدر
فبكى وخرّ وأنّ. فردده مرارًا. فانتحب وقام. وقال: تاب الله عليكم. وخرج. فتاب صاحب الدار. وسار أحمد الى مسجد السبت. فكان منه ما ذكرنا. قال ابن اللباد: شهد ابن معتب، شهادة عند ابن طالب. وشهد سهل القبرياني بضدها. قال ابن اللباد: فوقف في أمرها. ثم قال: إذا ذكر المتعبدون والبكاؤون، ذكر ابن معتب. وإذا ذكر أهل الأموال والتجارات، ذكر سهل معهم. فأرى أن آخذ بشهادة ابن معتب. قال أبو علي البصري: لم يكن ابن معتب من النقاد في الفقه، وغمص الناس عليه. إن القاضي ابن طالب كان له مكرّمًا. وكان حاضر الكلمة، التي قالها ابن طالب في شأن الأمير ابن الأغلب، التي قتل ابن طالب من أجلها. ومن ذكرناها. ودعا الأمير ابن معتب للشهادة عليه، وشهد بها. وعذر ابن معتب في هذا، في كتم شهادة، قد سمع ذلك الجائر، أنه حضرها. وقد قيل إنه ما صرح بالشهادة بها. بل أداره عليها، ليلة كاملة، يسامره ويسائله، وابن الأغلب ينفث غيظًا. وهو يقول له: ما علمت لك، ولأهل بيتك إلا على الإخلاص والاعتقاد المشكور. وإنه لما حقق عليه. قال له: احفظ عليه شيئًا قاله، وكذب الناس كثير. وقيل بل قال له: كان ما بلغك.
стр. 851
محنته رحمه الله تعالى
امتحن ابن معتب بعد هذا، على يد القاضي ابن عبدون، عدوه. وذلك أن ابن معتب كان لطيف المنزلة، سامي المكانة، يكتب إليه ابراهيم الى أخي في الإسلام، وشقيقي في المحبة. فتلاحى مع ابن عبدون، ووثق بمكانته من الأمير. فخذله ومكر به ابن عبدون. فأدخل رجليه في فلقه وضربهما حتى أدماهما. فكان أحمد بعد ذلك يقول: أرجو أن تكون هذه النازلة خيرًا لي، إذ سلبت محبة ابراهيم بن الأغلب من قلبي. وكان ابن عبدون هذا، من كبار الكوفيين المتعصبين على
المؤمنين. فامتحن على يديه جماعة من فقهاء المالكية، وأهل السنة. ضربهم ونكل ببعضهم، وأطلقهم، وأغرى الأمير ببعضهم. فقتل منهم: ابراهيم بن الدمني، وأبو القاسم مولى مهرية، وأحمد بن عبدو العطار، وغيرهم. ولما مات ابن معتب وشهد الناس جنازته، وباتوا على قبره، نظر ابن الأغلب ليلة الى من على قبره من الناس، وكثرة الشيوخ، وقال لابن عبدون: هذا الذي كنت تهون أمره عندي. أنظر ما عاقبه أمره.
محمد بن سليمان بن سالم بن القطان
أبو الربيع القاضي. يعرف بابن الكحالة. مولى لغسان. من أصحاب سحنون. سمع من سحنون، وابنه، وعون، والجفري، وابن رزين، وداود بن يحيى، وزيد بن بشر. ودخل المدينة، فحدث عن محمد بن مالك بن أنس، بحكايته عن أبيه. وأدرك موسى بن معاوية، ولم يسمع منه.
стр. 852
سمع منه أبو العرب، وغير واحد. قال أبو العرب: كان ثقة، كثير الكتب والشيوخ. وكان حسن الأخلاق، بارًا بطلبة العلم، أديبًا كريمًا. سمع منه في حياة ابن سحنون. ثم كان يقوم مع أصحابه، إذا جلس ابن سحنون، يسمع منه. قال ابن الحارث: لم أسمع منه، بمكروه. قال ابن أبي دليم: وكان الأغلب عليه الرواية والتفسير. وله تأليف في الفقه، تعرف كتبه بالكتب السليمانية. مضافة إليه. ولاه ابن طالب قضاء باجة. وولاه ابن سليمان مصالح القيروان. وأذن له في مائة دينار، ثم ولاه قضاء صقلية، فخرج إليها، ونشر بها علمًا كثيرًا. وكان خروجه إليها: سنة إحدى وثمانين. قال الشيرازي: وعنه انتشر مذهب مالك بها. فلم يزل عليها، قاضيًا، الى أن مات سنة تسع وثمانين ومائتين. ولم يوجد له مال بعد موته.
يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني رحمه الله تعالى
قال القاضي ابن الفرضي: قال ابن عابد البلوي، قيل هو مولى بني أمية أندلسي، من أهل جيان. وعداده في الإفريقيين. سكن القيروان، واستوطن سوسة آخرًا. وبها قبره. كنيته أبو زكريا. نشأ بقرطبة وبها مولده. ينسب بابن عامر. فطلب العلم عند ابن حبيب وغيره. ورحل، فسمع بإفريقية من سحنون، وعون، وأبي زكريا الجفري. وسمع بمصر من ابن بُكير، وابن رمح، وحرملة، وأبي الطاهر، وهارون بن سعيد الإيلي والحارث بن مسكين، وعبيد بن معاوية، وأبي زيد بن أبي الغمر، وأبي إسحاق البرقي، والدمياطي، وغيرهم من أصحاب ابن وهب، وابن القاسم،
стр. 853
وأشهب. وسمع أيضًا بالحجاز وغيرها من أبي مصعب الزهري، ونصر بن مرزوق، وابن كاسب، وأحمد بن عمران الأخفش، وابراهيم بن مرزوق ومحمد بن عبيد، وسليمان بن داود، ويحيى بن سليمان، وزهير بن عبّاد وغيرهم. سمع منه الناس، وتفقه عنه خلق كثير. منهم: أخوه محمد، وأبو بكر بن اللباد، وأبو العرب، وعمر بن يوسف، وأبو العباس الأبياني، وأحمد بن خالد الأندلسي، وغيرهم. وإليه كانت الرحلة في وقته.
ذكر فضله وعلمه والثناء عليه رحمه الله تعالى
قال القاضي أبو الوليد: كان فقيهًا حافظًا الرأي. ثقة ضابطًا لكتبه. قال ابن حارث: كان يحيى متقدمًا في الحفظ. وسكن القيروان. فشرفت بها منزلته، عند العامة والخاصة. ورحل الناس إليه. لا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. وكان يجلس في جامع القيروان. ويجلس القارئ على كرسي، يسمع من بعد من الناس، لكثرة من يحضره. وكان من أهل الوقار والسكينة على ما يجب لمثله، تأدب في ذلك بأدب مالك. وكان لا يفتح على نفسه باب المناظرة. وإذا ألحّ عليه سائل، أو
أتاه بالمسائل، العويصة، طرده. قال أبو العرب: كان إمامًا في الفقه. ثبتًا ثقة. فقيه البدن كثير الكتب في الفقه، والآثار، ضابطًا لما روى، عالمًا بكتبه، متقنًا شديد التصحيح لها. من أئمة أهل العلم، وعداده في كبراء أصحاب سحنون. وبه تفقه. قال ابن أبي دليم: كانت له منزلة شريفة عند الخاصة والعامة. والسلطان. وكان حافظًا، وله أوضاع كثيرة، منها: كتاب الرد على الشافعي. وكتاب اختصار المستخرجة. المسمى بالمنتخبة. وكتبه في أصول السنن. ككتاب الميزان. وكتاب الرؤية. وكتاب الوسوسة.
стр. 854
وكتاب أحمية الحصون. وكتاب فضل الوضوء والصلاة. وكتاب النساء. وكتاب الرد على الشكوكية. وكتاب الرد على المرجئة. وكتاب فضل المنستير، والرباط. وكتاب اختلاف ابن القاسم، وأشهب. قال ابن أبي خالد في تعريفه: له، من المصنّفات نحو أربعين جزءًا. وكان فقيهًا. قال لي غير واحد، وكان لا يتصرف تصرف غيره من الحذّاق، والنظّار، في معرفة المعاني، والإعراب كان البصري يقول: كنت أسأله عن الشيء، من المسائل، فيجيبني. ثم أسأله بعد ذلك بزمان عنها. فلا يختلف قوله، عليّ. وكان غيره يختلف عليّ قوله.
ذكر فضله وأخباره
قال يحيى: رأيت في منامي، كأن سحنون معلّم صبيان، بيده درة. فأعطانيها وقال لي: قم على الصبيان. فأولتها خلافته في تعليم الناس. ودعاه ابن الأغلب الى قضاء إفريقية، واضطره الى ذلك، فدلّه على عيسى بن مسكين، فولاه. وسلم هو. قال حمديس: حضرت الأمير ابراهيم عرض القضاء على يحيى، فقال له: أنا غريب. فقال له: غريب، غريب. ثم عرضها على الفريابي أبي جعفر، فذم نفسه. وجعل يقول مزريًا على نفسه: أعيذك بالله أيها الأمير. مثلي يولى القضاء. فأعجبني ذلك منه. فعرضت على حمديس، فاعتذر. فعرضت على ابن مسكين،
فقال: ليس عندي كتب القضاء. فقال الأمير: من يسمع الناس العلم، يسمعهم القضاء. ثم عرضت عليهم ثانية. فلما انتهت الى عيسى بن مسكين قال: قوموا.
стр. 855
فحبسه، وولاه القضاء. قال يحيى بن عمر: كان ابن رزين، يخرج في حضرتي، من تحت حصير جلوسه دراهم، لنفقته. بعد أن فتشته قبل أن يقعد عليه. ولم أرَ تحته شيئًا. وكان يحيى جليلًا في قلوب الناس، عظيمًا في أعينهم. قال ابن اللباد: كان يحيى بن عمر، من أهل الصيام، والقيام. مجاب الدعوة. له براهين. قال الحسن بن نصر: ما رأيت أهيب منه، قيل له فابن طالب؟ قال: كانت له هيبة القضاء. وكان الكانشي يقول: ما رأيت مثل يحيى بن عمر. وما رأيت أحفظ منه. كأنما كانت الدواوين في صدره. قال: واجتمعت بأربعين عالمًا. فما رأيت أهيب لله من يحيى بن عمر. قال: وأنفق يحيى في طلب العلم. ستة آلاف دينار. قال الأبياني: ما رأيت مثل يحيى في علمه وورعه، وكثرة دعائه، وبكائه، وكان حريصًا على أهل العلم، يحرض طالبه، ويشرف الوصف أن يقصر، والله عن يحيى وفضله. وما يجهل أمره إلا جاهل. وكان يحيى، ألّف كتابًا في النهي عن حضور مسجد يوم السبت. وكان مسجد ربض المتبتّلين بالقيروان.
وأن يجمع إليه جماعة من أهل الصلاح والفقه والرقة. ويقرأ فيه القرآن. وتنشد فيه أشعار الزهد. فصلى المغرب، رجل مع يحيى، فلما أكمل الصلاة قرأ: ومَن أظلَمَ ممّن منع مساجدَ الله أن يُذكَر فيها اسمه الآية. فبكى يحيى بن عمر ثم قال: اللهم إنه لم يقرأها لوجهك. وإنما أراد بذلك نقضي. فلا تُقِل له عثرة. فوالله ما حمل الرجل من مكانه إلا ميتًا. ويقال: إنه مات من ليلته. قال
стр. 856
السّدي: سمع عليه خلق عظيم، من أهل القيروان في الجامع بالقيروان. وكان إذا انصرف من الجامع تبعه الناس، وبينما هو يوم يُسمِع الناس في خلق عظيم، جاءه كتاب من أبي زكريا يحيى بن زكريا الأموي. فلما فكه سكت القارئ، وقال لمن حضر: صاحب هذا
الكتاب مَن جدّه على جدّي بالعتق. ذكر ذلك تواضعًا منه لله تعالى. وحكي أنه مرّ على محلة قوم، يكبرون أيام العشر، فنهاهم، وقال: هي بدعة. فلم ينتهوا. فيقال إنه دعا عليهم، فصار موضعهم بعد خرابًا.
قال الزويلي: كان يحيى بن عمر ينصب له كرسي في الجامع، للسماع. فيجلس عليه، ليسمع الناس. وما علمت أنه عمل ذلك غيره. قال أبو الحسن اللواتي: كان عندنا يحيى بن عمر بسوسة، يسمع الناس في المسجد، ويمتلئ المسجد، وما حوله. فسأله من بعُدَ عن إسماعهم فقال: يجزئهم. وقد ذكر سليمان بن سالم أن بعض أصحاب سحنون، نام حتى قرأ القارئ ما شاء الله. ثم انتبه. قال: فاختلفنا في سماعه. فسألنا سحنون فقال: إذا جاء للسماع وله قصد، فهو يجزئه. وقال يحيى بن عمر لبعضهم. لا ترغب في مصاحبة الإخوان، وكفاك من ابليت بمعرفته، أن تحترس منه. انفردوا بأهل العلم. وكان فرات، يطعن في سماع يحيى، الموطأ من ابن بكير، ويحلف على ذلك، ويقول: إنه كان ملازمًا لابن بكير، حتى مات. وإني لأنصرف من جنازته، إذ نزل يحيى بن عمر، في موكب فسلّم علي، وسألني عن ابن بكير. فقلت هذا منصرفي من جنازته. فاسترجع، وقال: فاتني الشيخ. قال الإبياني: فذكرت قول فرات للقمان بن يوسف، فقال:
стр. 857
كذب فرات. لقيت بمصر أبا الزنباع، روح بن فرج، فسألني عن يحيى بن عمر، قال: كيف حاله عندكم؟ قلت في الهواء، وما نصل إليه. قال: يستحق يحيى، وما خرج من عندنا حتى احتاج أهل بلدنا إليه. ولو كان عندنا، لكان أكثر مما هو عندكم، وأرفع. فقلت: سمع من ابن بكير. قال: نعم. صاحبي عند يحيى. سمعنا منه الموطأ. قال أبو بكر المالكي: وكان شيوخنا يقولون: إنما جرى هذا ليحيى مع فرات في سفرته الثانية. وكان في الأولى لقي ابن بكير، وسمع منه. ولقد جرى له أيضًا، مثل هذا، في الرواية عن سحنون. فإن أكابر أصحاب سحنون قالوا: ما رأيناه عند سحنون قط. قال حمديس
القطان: نعم سمع من سحنون في منزله بالساحل. وكذلك قال يحيى: لم أسمع من سحنون بالقيروان. إنما سمعت بالبادية. قال الحسن بن نصر: كان يحيى بن عمر إذا صلى الصبح وسلم، من صلاته، بقي كذلك على هيئته كجلوسه في صلاته مشتغلًا بذكر الله ، حتى تطلع الشمس. وذكر أنه رجع من القيروان الى قرطبة، بسبب دانق كان عليه، لبقال فخوطب في ذلك، فقال: ردُّ دانق على أهله أفضل من عبادة سبعين سنة. فمضينا الى قرطبة، ورجعنا في سنة. وبقيت معنا تسعة وستون. ولما هدمت القبور لإنشاء السلطان، المراكب الى صقلية. لم يهدم قبر يحيى. فكلم في ذلك بعض السودان، فقال: رأيت على قبره نورًا عظيمًا. وحضر يومًا مجلسه، رجل من أهل العراق، فقال يحيى: من كان هاهنا من العراق فليقم عنا. وكان يحيى ﵀ ينشد:
стр. 858
هممت ولم أفعل ولو كنت صادقًا … عزمت ولكن الفطام شديد
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً … إليك انقطاعي أنني لسعيد
محنته ووفاته رحمه الله تعالى
قال ابن حارث: كان يحيى بن عمر شجىً على العراقيين. أخبرني من كان جالسًا مع ابن عبدون، وكان رأسًا فيهم. حتى خطر ابن عمر، راكبًا، على رأسه قلنسوة. فجعل وجه ابن عبدون يتلوّن شرقًا له. فلما ولي ابن عبدون القضاء طلب يحيى، وأخافه حتى توارى عنه، وخرج الى سوسة، فاختفى بها. ويقال إنه خرج ليلًا متنكرًا فمرّ على دور بعض أهل العراق، وبها مشتعل، فخاف أن يروه. فوقف. فإذا بريح قد أطفأته. فجاز. فبعث ابن عبدون كتابًا الى عبد الله بن هارون الكوفي، يقول فيه صح عندي، أن ابن عمر، متوارٍ بتونس، فاطلبه وأوثقه، وابعث به إليّ. قال محمد بن عمر أخوه. فوجّه الكوفي إليّ وعرض عليّ الكتاب، فقرأته واربدّ وجهي، فقال: لا يسوء ظنك. فلم أبعث فيك لمكروه. ولكن لأعجبك من ابن
عبدون، أن يريد مني أني آتي الى إمام من أئمة المسلمين، فأرسله إليه ليمتهنه. إن كان أخوك بهذا البلد، فهو من أهل هؤلاء العزّل. قال أبو العرب: وذهل آخر عمره. وتوفي رحمه الله تعالى بسوسة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين وسنّه سبعون سنة. مولده بالأندلس. سنة ثلاث عشرة ومائتين ورثاه سعدون الروحي بقصيدة أولها:
عين ألمّ بها وجدٌ ولم تنم … تبكي بدمع كنظم الدر منسجم
يا موت أثكلتنا يحيى وكان لنا … في بلدة الغرب مثل البدر في الظلم
ما كان إلا سراجًا يستضاء به … في العلم يسمع منه العلم في الحكم
وكان يحيى إذ أخفنا لنا حرمًا … يلجى إليه فقد صرنا بلا حرم
стр. 859
وكان يحيى لنا سيفًا نعزّ به … الدين الحنيف ويحمي كل مهتضم
وكان يحيى لنا في الزائغين إذا … ضلّوا لسانًا يبين الحق عن أمم
لتبك يحيى عيون بالدموع فإن … غاضت مدامعها فلتبكه بدم
ما كان أشجعه ما كان أورعه … ما كان أفصحه في محفل الكلم
ما كان أفقهه ما كان أعلمه … ما كان أحماه عند الخوف للحرم
ما كان أرغبه في سنة درست … يشيد بها بناء الحاذق الفهم
ما كان أطهر تلك النفس من ريب … ما كان أكتب تلك الكف بالقلم
محمد بن عمر أخوه
كنيته أبو عبد الله، رحمه الله تعالى. سمع الحارث بن مسكين. ومحمد بن عبد الحكم وحسن بن أصرم، وابراهيم بن مرزوق، وأبا الطاهر بن السّرح، وأبا إسحاق البرقي محمد بن عبد الله البرقي وشرك أخاه يحيى، في أكثر رجاله، إلا في سحنون، وأبي زيد وابن بكير. فلم يسمع منهم. وسمع من أخيه يحيى، وابن عبد الحكم. وسمع بالقيروان، من ابن عبدوس وغيره من أصحاب سحنون. سمع
منه المصريون، وغيرهم. مؤمّل بن يحيى، ومسيرة بن مسلم وأبو سعيد بن يونس. وحمزة الحافظ رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ومن الأندلس خالد بن سعد رحمه الله تعالى.
قال أبو العرب: كان ثقة كثير الكتب في الفقه. قال غيره: كان من أهل العقل والعلم، والدين والثقة. قال ابن حارث وابن الفرضي:
стр. 860
كان كثير الكتب في الفقه، والآثار. ضابطًا. ثقة. كثير التجول في البلاد. وخرج من القيروان الى مصر عام تسعة وثمانين. وقال ابن الفرضي: عام سبعة وتسعين. وتوفي بمصر سنة تسع وتسعين ومائتين بعد أن كفّ بصره. وسمع منه بها الناس. قال غيره: بل توفي بأقريطش وبها ولد. كان أبوه لزمها للجهاد، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين. وقال الجنيدي: توفي بمصر، سنة عشرة وثلاثمائة. وله كتاب في أكرية السفن رحمه الله تعالى.
أحمد بن أبي سليمان
واسم أبيه داود. ويعرف بالصواف مولى ربيعة. روى أبوه عن عبد الله بن نافع. روى عنه ابنه. قال أبو العرب: كان أبوه من أهل العلم، وما علمت عليه إلا خيرًا. ويكنى أحمد بأبي جعفر. من مقدمي رجال سحنون. وسمع من أبيه أبي سليمان. وسمع منه أبو العرب، والناس. قال ابن أبي سعيد: كان حافظًا للفقه، مقدمًا فيه، مع ورع وصيانة لعلمه، أديبًا راوية للشعر، كثير القول له، وأحد كبار المالكية، ووجوههم. قال أبو العرب: كان شيخًا صالحًا ثقة فقيهًا، كريم الأخلاق، بارًا بمن قصده، مسارعًا في حوائجه. وكان يلبس القلنسوة الطويلة. قال عيسى بن مسكين: أحمد بن أبي سليمان، حكيم. قال غيره: كان أكثر كلامه حكمة. قال الباجي: هو فقيه. قال ابن حارث: كان له بالشعر عناية في أول أمره. فلما صار الى درجة العلم، وصحبة العلماء، ترك قوله. قال ولم يكن معدودًا في أهل الحفظ،
ولا في أهل المعرفة، بما دق من
стр. 861
العلم. قال ابن أبي سليمان: أتى بي أبي الى سحنون، سنة سبع عشرة ومائتين لأسمع منه. فاستصغرني، وأجاز لي جميع كتبه. ثم صحبت سحنونًا، بعد ذلك، عشرين سنة. وعمِيَ. وكان سبب طلبه العلم، فيما حكاه، أنه قال: كنت أولًا أطلب الشعر، فرأيت في المنام، كأني على حائط يرجف ونار عظيمة، وأنا أخاف أن أقع فيها.
وإذا حلقة رجال، فيهم أبي. فكنت آنس إليه. فيقول لي: لا تخف. ارمِ بنفسك في حلقة سحنون، تنج. وكان أحمد يفتي في الذي يفتح حوانيت، في الشارع، قبالة دار رجل، أنه يمنع. وكذلك كان يقول في المرأة، تودع وديعة، فتدفعها الى زوجها، فتضيع الوديعة، أنها غير ضامنة، كالرجل، يستودع الوديعة امرأته. وقال غيره: المرأة ضامنة، بخلاف الزوج. وقال في رجل لاعن زوجتَيْه، أن يلاعنهما في واحد، على كل منهما، لعان. وقال أيضًا: يجزيه لعانه، لواحدة عن الأخرى، وإن قامت بعد. قال حبيب بن ربيع: وهذا إذا كانت غايته، بما فيه كلفة. فيلاعن مخافة لحوق الولد. وكان أحمد يصبر على السماع. قال الدباغ: اسمع الناس عشرين سنة. وكان يقول أنا حبس. وكتبي حبس وحضر قوم يوم السفر، فرغبوا له بالصبر عليهم. فجلس لهم أيامًا، وقال:
سألبس للصبر ثوبًا جميلا … وأفتل للصبر حبلًا طويلا
وأصبر بالرغم لا بالرضى … أخلّص نفسي قليلًا قليلا
وفي كبر سنّه يقول، من قصيدة طويلة:
стр. 862
دُعيت معلمًا إذ صرت شيخًا … وأيام الشبيبة كنت بورا
لئن كان المشيب أتى نذيرًا … فإني سوف أدعوه بشيرا
فأهلًا بالمشيب لنا لباسًا … وقارًا نستزيد به وقورا
وجزت بتسعة سبعين عامًا … وقد ضمنت أصحابي القبورا
وصرت كراكع يمشي دبيبًا … وأصبح خاسيًا بصري حسيرا
وألقى الدهر وقرًا فوق أذني … وفي بدني وفي نطقي فتورا
وفي فقه الفقيه أبي سعيد … رأيت الحق متضحًا منيرا
لزمت بناءه عشرين عامًا … أعاديه وأغشاه هجيرا
ومن شعره في هذا المعنى:
أرى البرق من نحو القريب توقدا … تغيب طورًا لمعه وترددا
أفق أيها الباكي المسائل منزلًا … تشتت منه أهله متبردا
كفى عجبًا أنا جهلنا ما خلا … ملاعب ولدان ونومًا ومرقدا
ألفت به غيرا إذا هي ناهد … وإذ كنت مرموق الزيارة أمردا
وكنت قريبًا إذا دعتني ابن عمها … فلما دعتني عمها كنت مبعدا
وكان نساء الحي يهوين طلعتي … ليالي كان الشّعر أرجل أسودا
فلما اكتسيت الشيب صرت الى الضنى … وأصلحت من شأني الذي كان مفسدا
لبست به ثوب الوقار وكلما … بليت وأبليت الشباب تجددا
جزى الله طول العمر خيرًا فإنه … هداني الى التقوى ودل وأرشدا
ولما نحا عمري ثمانين حجة … وأيقنت أني قد قربت من المدى
تركت تكاليف الحياة لأهلها … وجانبتها طوعًا فجانبني الردى
стр. 863
رأيت حليم القوم فيهم مقدّمًا … ومن نال علمًا نال جاهًا وسؤددا
ويحيا من الزلفى غدًا في معاده … بأضعاف ما يحيا الذي قد تعبدا
أراني بحمد الله في المال زاهدًا … وفي شرف الدنيا وفي العز أزهدا
فخليت من دنياي إلا ثلاثة … دفاتر من علم وبيتًا ومسجدا
غنيت بها عن كل شيء حويته … وصرت به أغنى وأفتى وأسعدا
وقد ذم قوم ما فعلت جهالةً … فعدّوا من الجهّال والجهل أحمدا
ولو فهموا أمري ورأيي لأبصروا … وقالوا رأي رأيًا رشيدًا مسددا
وهي أطول من هذا وهو القائل:
يا لذة قصرت وطال بلاءها … عند التذكّر في الزمان الأول
ولما تذكرها فقال ندامة … من بعدها يا ليتني لم أفعل
ومن مأثور كلامه الحسن، قوله: يا طالب العلم، إذا طلبت العلم، فاتخذ له قبل طلبه أدبًا، تستعين به على حمله. ومن أدب العلم والحلم، كظم الغيظ. وأن يغلب علمك وحلمك، هواك إذا دعاك الى ما يشينك. وعليك بالوقار، والتعفّف، والدراية والصيانة، والصمت، والسمت الحسن، والتودد الى الناس، ومجانبة من لا خير فيه. والقول الحسن في أحوالك، والكف عمن ظلمك، ولا تهمز أحدًا، ولا تلمزه، ولا تقبل فيه، ولو كان عدوك. وقال ليس شيء أروح على الإنسان من الزهد في الدنيا. ولا للقلوب، أروح من القناعة. وقال: أنا أحمد الله على ما تقادم من أجلي. ما أهتم بشيء. وتوفي ابن أبي سليمان رحمه الله تعالى، في آخر رمضان. سنة إحدى وتسعين ومائتين. مولده سنة ست ومائتين. كذا وجدته بخط ابن الحارث وفي كتاب ابن الجزّار، ومولده سنة ثمان.
стр. 864
حبيب بن نصر بن سهل التميمي
صاحب مظالم سحنون. ومعدود في أصحابه، وعنه عامة روايته. كنيته: أبو نصر. كان من أبناء الجند القادمين إفريقية. قال أبو العرب: وكان فقيهًا ثقة. حسن الكتاب، والتقييد. وروى أيضًا عن عبد الله بن علي. قال ابن الحارث: كان نبيلًا في نفسه، وقد أدخل ابن سحنون سؤالاته لسحنون، في كتابه. ولاه سحنون المظالم. سنة ست وثلاثين. وقال غيره: سنة سبع وثلاثين. فوليها مدة ست سنين. بقية حياة سحنون. ثم بعد موته بسنتين. وكان سحنون أذن له في أن يحكم في عشرين دينارًا فأقل. قال بعضهم سألت حبيبًا كيف ولاك سحنون المظالم؟ فقال:
والله ما كنت أهل ذلك، قط، مع غيره. فكيف معه؟ وذلك أني تأخرت يومًا، فسأل عني، فأخبره أصحابي. أني غسلت ثوبي، فلما أتيته من غد، وجلست إليه، قال: قم يا حبيب، فقد وليتك مظالم القيروان. ثم قال لي: اتق الله يا حبيب. الذي إليه معادك، ولا تؤثر على الحق أحد. وقال لإثنين من أصحابه: امضيا معه، حتى يجلس في مسجد البركة. وينظر بين الناس. فما كنت أحكم في شيء فيه، سهُل حتى أشاوره. وكان حبيب، جيد النظر. وامتحن بعد هذا على يد سليمان بن عمران القاضي. فسجنه وضربه.
ويقال: بل لما ولاه سحنون أرسل معه نحو عشرة من أصحابه. ثم قال اكفوه المؤونة اليوم
стр. 865
حتى يأنس وتركوه. توفي سنة سبع وثمانين ومائتين. في رمضان وسنّه ست وثمانون. ولد سنة إحدى ومائتين. صلى عليه حمديس القطان. وله كتب معروفة في مسائل سحنون سماه بالأقضية.
جبلة بن حمود بن عبد الرحمن بن جبلة الصدفي
أبو يوسف. من أبناء القادمين مع حسان بن النعمان. أسلم جدّه على يد عثمان بن عفان ﵁ تعالى. سمع من سحنون، وعون، وأبي إسحاق البرقي، وداود بن يحيى، وغيرهم من المصريين والإفريقيين. وله ثلاثة أجزاء مجالس عن سحنون رويت عنه. وقد روى عن سحنون المدونة. وروايته فيها معلومة باسم. لا يسمع كلام العراقيين. ويجلس الى محمد بن البساط، ثم ترك ذلك. وصحب سحنونًا روى عنه أبو العرب، وعبيد الله بن أبي عقبة، وعبد الله بن سعيد. قال الحارث: كان من أهل الخير، البيّن، والعبادة الظاهرة، والورع والزهد. وكان الغالب عليه الزهد.
ذكر زهده وعبادته وفضله رحمه الله تعالى
قال أبو العرب: كان صالحًا ثقة، زاهدًا. كان بقصر الطوب. ثم لزم القيروان. فسمع منه الناس، وكان صحيح السماع من سحنون. قال أبو النصر: رحم الله أبا يوسف. فلقد كان سيد أهل زمانه. وقال سحنون وقد رآه مقبلًا: إن عاش هذا الشاب، فسيكون له نبأ وهو أزهد أهل
стр. 866
زمانه. قال بعضهم: ما سمعته قط يذكر الدنيا بمدح ولا ذمّ. وقال أبو موسى: ما رأيت أزهد من جبلة من أفضل رجال سحنون. وقد علاهم في الزهد. وكان أول شأنه لما نشأ وتعلّم، كتاب الله وحضر جنازة مع حمديس، وسعيد ابن الحداد. فقال له سعيد: تقدم يا أبا يوسف. فأنت أهد منا وأعلم وأسن منا. قال ابن سعد: كان جبلة من أفضل رجال سحنون. وقد علاهم في الزهد. وكان أول شأنه لما نشأ وتعلّم كتاب الله، حبب إليه دار سحنون. فكان يختلف إليه. وكان أبوه يصحب السلطان. ويرى رأي أهل العراق. فأراد جبلة يومًا، الرواح الى سحنون. فأخذ أبوه طائره، ورفعه، لئلا يجد ما يمضي به الى سحنون؟ فأخذ جبلة مقنعة أمه، وتردى بها، ومضى الى سحنون، فسأله. فأخبره، جبلة. فأعطاه سحنون مدرجًا. فلما خرج لحقه رجل، فعوّضه عنه ثوبًا، وطائرًا.
فمضى بهما الى سحنون. فسأله عن المدرج. فأخبره. فقال غبنك. قال ابن حارث: كان أبوه من أهل الأموال، وصحبة السلطان، فنابذه في حياته، وتبرأ من تركته، بعد موته. وكانت تركته نحو ثمانمائة مثقال. قال: فما علمت منه إلا خيرًا. إلا أنه كان يقضي من ثمن الطعام، أطعامًا. وهذا عنده جائز. على مذهبه. وعندنا غير جائز. وشهد على أبيه في حياته، أنه قتل رجلًا عمدًا، عند بعض القضاة. فعرض له أبوه. فجاء يطعن عليه. فقال له القاضي: والله لئن
стр. 867
شهد عليك معه ثانٍ لأسفكن دمك. قال أبو العرب: خرج علينا يومًا، فقوّم بعض أصحابنا لباسه. وذلك قميص في غلالة، وسراويل، ومنديل، كل ذلك خلق، بدرهم. قال أبو
سعيد محمد بن سحنون: كانت مع جبلة همة يتيه بها على الخلفاء. قال موسى القطان: من أراد أن يدخل دار عمر بن الخطاب، فليدخل دار جبلة. ولو أن جبلة في زمان بني إسرائيل. أتت إلينا أخباره في الكتب. ولو فاخرنا بنو إسرائيل بعبّادهم وزهّادهم، لفاخرناهم به. ووقف موسى القطان على قبره، صبيحة موته، فقال له رجل: لقد وفق الله جوار هذا الرجل الصالح. يعني البهلول بن راشد. نفعنا الله به. فقال القطان: لعل البهلول ينتفع بأبي يوسف.
قال بعضهم: قلت لسعيد بن الحدّاد: ذكر لي أن جبلة كان ينام على زنبيل. قطع له قطعًا، وطوبة عند رأسه، فوقها وسادة. فقال سعيد: هو فوق ما تصف. قال عبد الله بن سعيد: وكان جبلة لا يحب ما ظهر من الأعمال بل كانت أعماله كلها خفية. حتى الزهد. فإنه كان لا يظهر عليه. قال أبو بكر الزويلي: كان قوت جبلة في الشهر، ثمنين شعيرًا. يطحنهما ويجعلهما في قلة. فإذا رأى الشمس غربت، خرج الى الفحص فأخذ ما وقع على يديه، من بقل البرية. فجعله في قديرة على النار، ويجعل عليه قبيضة من الدقيق ويفطر على ذلك. هكذا كانت عيشته. قال ابن سعدون: رأيته حين صلى المغرب، أخذ عجينة وذهب بها الى المستوقد. وقد طبخ فيه الناس، وبقي الرماد، فحفر فيه بعود، وجعل القرصة فيه، وغطاها بالرماد، وجلس في ذكر ودعاء، الى أن أخذت قشيرة، فأخرجها
стр. 868
ونفضها، فقلت لأهل القصر: شيخ مثل هذا الساكن بين أظهركم، يخدم نفسه. فقالوا لي يا أبا بكر، له معنا أربعون سنة. ما طبخ فيها قدرًا. ولا أوقد سراجًا. وراح يومًا في قميص زوجته، وصلى الجمعة. وكان غسل قميصه ولم يجد سواه. فقيل له في ذلك. فقال: ما علمت منها إلا خيرًا. لطاهرة عفيفة. وكان كثير الصدقة والمعروف، مع قلة ذات يده. ﵁ تعالى.
ذكر ما كان من كرامته ودعواته ﵁
قال محمد بن بشر المؤدب: مضى بي أبي وأنا صغير الى المرابط بقصر الطوب، فدخلنا على جبلة. فقال لقد أضمرت اليوم أن أفطر. وسألت الله أن يأتيني بمن أفطر معه. فأخذ شقفة وجعلها على النار، وطبخ فيها عصيدًا. فأكلنا فيه. فكانت قدرنا وصحفتنا. ثم قال: يا بني اشتهِ ما شئت. فخطر ببالي تين أخضر، وليس بزمانه. فذكرت ذلك. فمد يده جبلة في قلة فأخرج لي خمس تينات خضر. قال أبو ميسرة: كنت آتي الى جبلة. فأستأذن عليه، فأسمع معه كلامًا غير كلامه. فأدخل، فلا أرى معه أحدًا، فأسأله عن كتاب لأختبر من في البيت. فيقول لي: خذه من البيت. فلا أجد في البيت أحدًا فكان يذكر أنه يجتمع بالخضر. وأمر يومًا فتى بشيء، فلم يفعل. فقال له: سمّاك أبوك حربًا ويلقى الناس منك شرًا. أو نحو هذا. فبعد قريب، تولى الحرس بالقيروان. وقال لآخر من أصحابه: ليس تكون إلا أشرّ من أبيك. وكان أبوه على الحرس. فبعد ذلك شرُف الفتى. ودخل على جماعة من أصحابه، وهم
стр. 869
يضحكون، وقد رفعوا أصواتهم، فقال لهم: لا نفعكم الله بالعلم. قال ابن أبي عقبة. فما علمت أحدًا منهم ذُكر. ولما خرج أهل القيروان للقاء الشيعي، مداراة له. غمّه ذلك. وقال اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليهم فجردوا في الطريق، فقيل له إنهم خرجوا مداراة. فقال: اسكت. أرأيت لو نزل الروم بنا فقالوا إنما تنزلون على حكمنا أو نجاهدكم. هل كان يجوز أن ننزل على حكمهم. وإن عشت سترى من أحكام هؤلاء، ما هو شرّ من أحكام الشرك.
وكان رجل من المتصوفة، يحضر مجلسه، فإذا سمع شيئًا من الدقائق، عصر عينيه، فيقول له: لست من أهل هذا. فلما دخل الشيعي، صار يخدم كتابه. وكان جبلة إذا رأى ابن غازي، في أول أمره. وعبادته، وتصوفه، وطلبه للعلم، يقول: ليس يموت على الإسلام. فلما دخل عبيد الله تشرف ابن غازي، بعد الاجتهاد في العبادة. وسكن الثغور، وطلب العلم، ودخل دعوتهم. وقال بالإباحة. وكان ممن
قال لعبيد الله: أنت. أنت.
ذكر شدته على أهل البدع ومجانبته إياهم وقوته في ذات الله تعالى
كان رحمه الله تعالى، شديدًا في ذلك. لا يداري فيه أحدًا. ولم يكن أحد أكثر مجاهدة منه للروافض، وشيعهم. فنجّاه الله تعالى منهم. ولما دخل عبيد الله إفريقية، ونزل رقادة. ترك جبلة سكنى الرباط. ونزل القيروان. فكلم في ذلك. فقال: كنا نحرس عدوًا بيننا وبينه البحر. والآن حلّ هذا العدو بساحتنا. وهو أشد علينا من ذلك. فكان إذا أصبح، وصلى الصبح، خرج الى طرف القيروان من ناحية رقادة، ومعه سيفه، وترسه، وقوسه، وسهامه، وجلس محاذيًا لرقادة، نهاره.
стр. 870
الى غروب الشمس. ثم يرجع الى داره. ويقول احرس عورات المسلمين منهم. فإذا رأيت منهم شيئًا، حركت المسلمين عليهم. وكان ينكر على من خرج من القيروان الى سوسة، أو نحوها من الثغور. ويقول جهاد هؤلاء أفضل من جهاد أهل الشرك. قال الفقيه ابن سعدون القروي: لما دخل عبيد الله الشيعي، القيروان، وخطب أول جمعة، وجبلة حاضر، فلما سمع كفرهم. قام قائمًا. وكشف على رأسه، حتى رآه الناس، وخرج يمشي الى آخر الجامع، ويقول: قطعوها قطعهم الله. فما حضرها أحد من أهل العلم بعد هذا. ولما ولي الصديني القضاء، أيام أحمد بن الأغلب، كان جبلة يصلي الظهر أربعًا، بأذان وإقامة. فقال له المؤذن: ترى أن نؤذن ونقيم داخل المسجد؟ فلما آن الوقت، حاد من الصلاة. فقال له جبلة: قد قال مالك في المسجونين، يجمعون في السجن، لأنهم منعوا من الجمعة. فنحن أقمنا أنفسنا مقامهم. وكتب الصّديني الى ابن الأغلب يخبره بما فعل، جبلة. فأرسل إليه: مدّ يدك الى من شئت، واترك جبلة. وجاء صاحب الحرس، فقال له:
يقول لك الأمير، كرر الإقامة. وسلم من اثنتين، ولا تقنت. فقال له جبلة: الأمير لا يعلّمنا أمر ديننا. وجاءه آخر من قبل القاضي بمثل ذلك. وبقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وبزيادة حيّ على خير العمل في الأذان. فقال له جبلة: قم قبّحك الله، وقبّح من أرسلك. فرجع الرسول الى المروردي، فأخبره، فسبّه المروردي، وقال له: أنا أرسلتك الى جبلة، تأتي الى أولياء الله تعالى. تتعرض في دعائهم. وتجسس عليه يومًا صاحب الحرس، فأخذه جبلة وأدخله المسجد، وضربه بالجريد، حتى تاب ألا يعود إليه. فقال القابسي: إنما
стр. 871
سلك السبأي في هذا الباب، مع بني عبيد، طريق جبلة. ولما ولي ابن عبدون، وكان عراقي المذهب في القضاء. جاء الى القصر الذي فيه جبلة. فخرج إليه، أهله. فتلقوه. ولم يخرج جبلة. فقيل له: ابن عبدون يأتيك ليسلم عليك. فأتى ابن عبدون على بابه. فسلم عليه. فلم يرد عليه. وقال له وهو جالس: ما اسمك. قال: محمد. قال له يا محمد: إياك إياك أن تقول: القرآن مخلوق. وحضر جنازة مع ابن عبدون، فقدم جبلة، وصلى ابن عبدون وراءه. ثم حضرت أخرى، فقدم عليها ابن عبدون، فلم يصلّ جبلة، وانصرف من جهة القبلة، فشقّ ذلك على ابن عبدون وأرسل إليه في ذلك. وقال له: أتظن أني أقول بخلق القرآن؟ ما أقول فيه. فقال له جبلة: أمرك عندي، أشرّ: ألست الذي ضربت: ابن معتب والربيع، وفلانًا وفلانًا. وأطفتهم وتنادي عليهم: حزب الشيطان. وهم رجال سحنون. وأخذوا عن رجال مالك عن التابعين عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. عن النبي ﷺ .
ومن أخباره في دنياه وزهده فيها، رحمه الله تعالى
ما حكاه المالكي: أن كانونه انكسر، كان يصطلي به، فألصقه بالزيت. وأنه رئي يروح على ماء، في إناء، فسئل. فقال: اشتهيت الماء البارد. ووجد بعض
أصحابه من صنع بيسارا. وجعله في صحفة فوق السطح، ليجمده. فقال جبلة: مساكين غفلوا عن بيسارهم، حتى جمد. فصب لهم فيه الماء. فجاءه القوم، فصاحوا: من أفسد علينا بيسارنا. فقال لهم جبلة: أنا. لا تظنوا إلا خيرًا. ظننت أنه فسد. ولم يكن جبلة بخبير في شيء
стр. 872
من دنياه، ولا مشتغلًا بشيء من أخباره، لا من البله عن ذلك. إنما أشغلته العبادة والخير. وكان له قِبَل إنسان، أربعة دنانير. فتعذّر عليه إعطاؤها. فصالحه خادم جبلة، على أن يدفعها نجومًا. ربع دينار في كل شهر. وأخبره بذلك. فقال له جبلة: ربع مثقال، كثير. ولا أراه يقدر عليه. ولكن خذ منه أربعة دراهم، في كل شهر. وصرف المثقال اثني عشر درهمًا. فقلت: ربع المثقال، أقل، من أربعة دراهم. فقال لي: حسن إذًا. قال القابسي: دخل جبلة يومًا على سحنون، وعليه ثوب خلق. فلما فرغ السماع وخرج الناس، دفع سحنون إليه شقة. ورداء. وقال له: اقطع من هذه الشقة، محفصين. وألبس الرداء. فلما خرج، ساومه فيها قوم من أصحابه. فلم يزالوا به، حتى اشتروا ذلك منه بألفي دينار فبلغ ذلك سحنون. فقال: اشتروا منك ما عرفوا. وبعت ما لم تعرف. توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين ومائتين. وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون. في مصلى العيد، لكثرة من اجتمع من الناس، رحمه الله تعالى. ومولده رحمه الله تعالى سنة عشر ومائتين.
حمديس القطّان
واسمه أحمد بن محمد الأشعري. رحمه الله تعالى. يقال إنه من ولد أبي موسى الأشعري. من أصحاب سحنون. رحل فلقي بالمدينة أبا مصعب،
стр. 873
وغيره. وبمصر أصحاب ابن القاسم، وابن وهب وأشهب. قال ابن حارث: كان علمًا في الفضل، ومثلًا في الخير، مع شدته في مذاهب أهل السنة. وغلوّ عظيم، في النهي على من ينحرف عن طريقة أهلها. لا يسلم على أحد منهم. وكان قد لهج الناس بتفضيله،
وأقروا بخيره. وبه، وبعبد الجبار يضرب المثل، في العبادة والدين. وكان صاحبًا له. قال ابن عياش: كان ورعًا، كاملًا ثقة، مأمونًا. قال أبو العرب: كان كثير الكتب. شأنه في العبادة. مجانبًا لأهل الأهواء، والسلطان. هجر عبد الجبار بسبب قراءته كتب ابن مهدي البكري. وكان لا يسلم عليه، ولا يرد عليه إذا سلّم. وهجر حمّاسًا بسبب مخالفته في الاستثناء في الإيمان. ولم يصلّ خلفه، وسئل في القعود للناس، فامتنع. ورأى أن في عصره من يقوم مقامه، ويقال إنه قال: ثم من يقوم بهذا؟ ويلزمني. قال أبو سعيد بن محمد بن سحنون: لما اعتلّ حمديس، أحضرنا له طبيبًا. فتبسّم، وقال: ما أقبح المخالفة بعد الموافقة. من أراد الله به حالًا، وأراد هو غيره، فقد خالف. ثم قال:
بيد الله دوائي … الذي يعلم دائي
إنما أظلم نفسي … باتباعي لهوائي
بك قد داويت دائي … غلب الداء دوائي
وكان لا يسلك على القناطر التي بناها أصحاب السلطان. وحضر مرة
стр. 874
مع ابن عبدون القاضي، فأوتي بجنازة، فصلى وراءه القاضي ابن عبدون. ثم أوتي بأخرى، فصلى عليها القاضي، فلم يصلّ وراءه حمديس. فمضى القاضي ابن عبدون الى ابن الأغلب. فأنفذه. فشاور في ذلك بطانته. فقالوا: ليس لك شيء تصل به إليه، إلا أن تنهاه بأن لا يجتمع إليه أحد. فأوصى بذلك إليه. فقال حمديس: لا أمنعهم. المساجد لله. ولما أمنع أحدًا من دخولها. وأنت أقدر. فاجعل على باب المسجد من يمنع من أراد منعه. قيل لابن عبدون: ولا يمكنكم هذا. فوجه إليه: يدخل إليك من تشاء. فقال حمديس: لا أمنعهم، ولا أتركهم. ثم عزل ابن عبدون. فاجتمع الناس إليه، لطلبه الشهادة عليه.
عند الأمير، ما خلا حمديسًا. فإنه لما سأله الأمير، قال له: بلغني ما بلغ الأمير.
ثم تنحّى عنهم الأمير بمكان، يسمع كلامهم. فقالوا لحمديس: ما منعك من الشهادة. فقال إنما كنتم تطلبون عزله، وقد عزل. ثم عاد الأمير، فسأله، وقد ظن أن أصحابه يردونه. فقال أكذب نفسي على لساني. وقد كان لا يرى الصلاة مع ابن عبدون. ولا أداء الشهادة عنده. ونهى الناس عن ذلك. وحضر مع أحمد الصواف، جنازة الصوّاف. فقدم لها حمديس. فقال: لا أفعل. فقال أحمد: ذلك لي جائز، إذ قدّموني، أن أقدّمك. فإني لأستحي من الله أن أقدَّم بين يديك. وكان ينكر فعل هؤلاء الذين يجتمعون ويضربون صدورهم، ويقول: لو كان لي من الأمر شيء، لنفيتهم من المنستير. وكان لا يصلي خلف أهل البدع، ومن يخالفه. وفعل ذلك هو وابن سحنون، ويحيى بن عمر، حين ولي الصلاة. ابن أبي الحواجب.
стр. 875
وكان يتهم بالرفض. وفعل ذلك سحنون بغيره، وترك الصلاة خلف القاضي، سليمان بن عمران، في جنازة. فجاء إنسان فأخبر بذلك، سليمان. فقال سليمان: خلّ الناس على ما هم عليه، واستحضره ابراهيم، فسأله عن مسألة. فلم يجبه. فقال ما لي أسألك، فلا تجيبني؟ والله لئن ضربت مخالبي فيك لأفعلن كذا، وكذا. فقال حمديس: والله لهو أهون عليّ من أن يمسح على ديني.
إنما سؤالك تنكيت. ليس ليعمل به، وكان كثير التواضع والإشفاق، لا يرى لنفسه ذكر ابن خير: أن رجلًا ذكر له أنه رأى في المنام امرأة كانت مسرفة على نفسها، في منظر حسن. وحال حسن. فسألها عن سبب ذلك، لما يعرف من كثرة إسرافها. فقالت: إن حمديسًا سئل أن يصلي عليّ فصلى علي فشفع بي. فنظره حمديس نظرة منكرة. وقال: ما يحسن أن تقول مثل هذا، إلا كما قال محمد بن كعب القرظي، لعمر بن الخطاب ﵄. لا يغرّنك حسن ثناء المادحين، ولن ينفعك ما قالوا فيك. إذا لم يكن ذلك فيك. وأنت أعلم بنفسك من مقال القائلين. فإن يكن فيك ما قالوا، فلا يضرّك لو سكتوا، وإن لم يكن فيك لم ينفعك
ما قالوا. ثم قال للرائي: نامت عينك انصرف إذا شئت. قال حمديس: أحضرني الأمير ابراهيم بن أحمد، مع يحيى بن عمر، فأقمنا عنده الى الليل، وأصابنا مطر، ثم أمرنا بالإنصراف. فخرجنا في ظلمة، ومطر، ما نهتدي أين نمضي. إذ سمعت صوتًا ينادي حمديس، ويحيى بن عمر، فعدل بنا الى دار، فدق دقًا عنيفًا. ففتح. فإذا هي دار ولد أبي العباس
стр. 876
الأمير. فقال له: يأمرك الأمير أن يبيت عندك الشيخان الليلة.
فدخل بنا الى بيت من الدار، وأتي لنا بشمعة. فقلت للخادم إن رأيت أن تنحي عنا هذه الشمعة، فافعل. فقال: إنما فعلته إكرامًا لكما. فنحاها. فلما - فراغ - يحيى بن عمر. فنام على فراش البيت. فلما كان بالغداة أرسل إلينا أبو العباس، لا تصلوا حتى أصلي معكما. فخرجت الى الطريق، فتوضأت من الماء المستنقع فيه. ثم خرج، وجعل يسألني عن أشياء. فقلت: ما شئت أن تسأل عنه من شيء. فعليك بالشيخ يعني ابن عمر. فإنك تجد عنده ما تريد. فسأل عن أشياء. ثم صلى بنا، يحيى بن عمر. وجاء رسول الأمير ابراهيم، يستدعينا، فدخلنا عليه، وطال المجلس في المذاكرة. فقال لي: من أين عيشك؟ وفي كم أنت من العيال؟ فقلت: في ستة. ثم قلت له: لي الى الأمير حاجة. فنشط لها. وقال أذكر: فقلت تعافيني من المجيء إليك في هذا المجلس. فإنك لا تجد عندي ما تريد، مما يكون عونًا لك. فسكت ساعة، ثم قال: قد فعلت. فقال يحيى بن عمر، وأنا أيها الأمير. فقال: لا. لست أفعل. ثم وجه إليّ حين ولي عيسى بن مسكين القضاء. فقلت للرسول: قد سألته معافاتي. فقال لي: لا تفعل. يأتيك صاحب المدينة ويمضي بك. فقلت مشافهة. ليَكبر ما أرسله. فانصرف الرسول، وجاءني أحمد الصواف، وقد بلغه الأمر. وكان لي أخ صدق. وقال لي: لا تفعل: أخشى أن يكون هذا منه مكرًا بك. فيجد إليك السبيل. فتوجهت.
стр. 877
فلما دخلت عطف على ابنه، وقال: والله ما وجهت
إليك - كالمعتذر - فقلت: والله ما أتيتك إلا تِقاءَ؟ فقال لي: اجلس. فلعل الله يجعل في مجيئك بركة. وذكر قصة ولاية ابن مسكين. توفي سنة تسع وثمانين ومائتين. وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون. مولده في رجب سنة ثلاثين ومائتين.
حمديس بن ابراهيم بن صخر اللخمي
من أهل قفصة. ونزل مصر وبها توفي. رحمه الله تعالى. قال أبو العرب: هو فقيه ثقة. سمع بالقيروان ومصر من ابن عون، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس الصوفي. وكان لقمان الفقيه، يتكلم فيه. وله في الفقه كتاب مشهور، في اختصار مسائل المدونة. رواه عنه مؤمّل بن يحيى، والناس. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
ثابت بن سليمان
قال اللبدي رحمه الله تعالى: كان رجلًا جليلًا، في أصحاب سحنون رحمه الله تعالى. قال يحيى بن عمر: إذا رأيت محمد بن سحنون يقول: حدثني الثقة عن سحنون. فهو ثابت بن سليمان. وكان ثابت بقصر زياد، وكان حمى قصور زياد، المرابطة بساحل إفريقية، دار ملك، بكثرة من فيه من العلماء، والعباد، والصالحين من أصحاب مالك. قال اللبدي: كان به من أصحاب سحنون أربعة عشر رجلًا.
стр. 878
عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي
أبو حفص رحمه الله تعالى من أكابر أصحاب سحنون. وسمع منه أبو العرب. وابن اللباد وغيرهما وعالم كثير. قال أبو العرب: كان شيخًا صالحًا. ثقة متعبدًا. طويل الصلاة. كثير الذكر. كان يختم القرآن في كل ليلتين من رمضان، من عقلاء شيوخ إفريقية. من أصحاب سحنون. قال ابن حارث: كان صاحبًا لحمديس بن القطّان. وبهما يضرب المثل في الفضل، والدين. إلا أن عبد الجبار، كان أنبَه
وأفهم، لمعاني العلم والفقه من حمديس. قال: وكان ذا رئاسة في العلم، ونظر تام. قال أبو عياش: عبد الجبار عالم واسع العلم، فهم نطّاق بالحكمة. قال: ودرّس عبد الجبار العلم حتى بلغ، أو كاد مبلغ سحنون. ثم لما حجّ الحجة الثانية. قال: قد نلنا من هذا العلم، ما علمت. وقد ماحت نفسي الى هذه الناحية من العبادة. فبلغ فيها مبلغ البهلول، أو رباح. وقال سحنون: عبد الجبار، تقي في بطن أمه. وقال حمديس القطّان: ما رأيت أورع من عبد الجبار رضي الله تعالى عنه.
ذكر أخباره وفضائله
وذكر القابسي: أن عبد الجبار راح إلي الجمعة، على بغل الراوية، يوم طين. فلما صلى. لم يجد ما يرجع عليه. وكان بعيد الدار من الجامع. فرفع إليه رجل جندي، فرسه. فركبه. فنظر إليه أصحابه. فقال:
стр. 879
ما بالكم. أما ورَعٌ نقَص، أو علم زاد. قال بعضهم: إنما فعل لضرورة. إذ لم يقدر، على المشي. ولعله تصدق بقدر انتفاعه. وخرج من عند الأمير ابراهيم، وكان يكبره، ويجلّه. فشيّعه الى أن ركب وأصلحت عليه ثيابه. وكان بينه وبين حمديس القطان، صحبة عظيمة. وشركة في القطن، يعملان في سوق الأحد، الى أن تهاجرا، بسبب كتب محمد بن مهدي البكري. كان عبد الجبار يقرأها، فنهاه عنها حمديس. وقال له: سمعت سحنون يقول: ابن مهدي هذا. ضال، مضلّ. فلم ينته عنها، عبد الجبار، فهجره حمديس. ولم يزالا متهاجرين أربعًا وعشرين سنة. وكان حمديس لا ينهى الناس عن السماع منه. وكان عبد الجبار إذا مرّ بمسجد حمديس، سلم عليه، فلا يرد عليه¬ السلام، يعني حمديس. فيقول عبد الجبار: ما هجرني إلا لله. ويقول: حمديس، رجل صالح. وكان ابن طالب صديقًا لعبد الجبار، فهم بتأديب حمديس بسببه، الى أن فسد أيضًا ما بينه وبين عبد الجبار. وكان سببه أن عبد الجبار كتب إليه في بعض أسبابه.
فلم يلتفت الى كتابه. فكتب بذلك للأمير، وكان ابن طالب يسمي ذكره. وطلبه ابن طالب عند الأمير، وأوقع فيه الشهادة بمخالفة مذهبه. وشهد عليه ابن الحداد وابن أبي سليمان وجماعة من أصحاب سحنون. واستدعى الشهادة عليه، حمديس. فأبى. وقال: هجرته ديانة. رأى شيئًا، ورأيت أنا خلافه. لم أهجره على مال أكله. أو عرض. فمضى القوم. قال ابن أبي سليمان: فما قام منا أحد حتى نفر عبد الجبار، وكان سحنون ينتظره حتى يحضر. فإذا حضر
стр. 880
أمر القارئ، فقرأ. قال عبد الجبار: ما قرأ سحنون كتابًا قط، في باذية ولا حاضرة، إلا وأنا حاضر. وكان ما بينه وبين أبي طالب القاضي، بينًا جدًا بعد صداقة، كانت بينهما. وعبد الجبار، أول من شهد عليه عند ابن الأغلب. قال ابن اللباد: وكنا نسمع على عبد الجبار في جامع ابن وهب، ألا يمشي الرجل أمام والده. فقال من برّه به، أن يمشي أمامه في الظلام. قال ابن اللباد: واجتمع عبد الجبار مع سليمان بن عمران، يتذاكران السنّ. فقال له سليمان: نفعك الله بعمرك. فقال له عبد الجبار: وكان سيئ الرأي فيه. وأنت نفعك الله ومتعك بباقي عمرك. وحكى المالكي عن عبد الجبار، أنه ختم في مسجد، ثلاثين ختمة. وكان يختم في مسجده، كل ليلة ختمة. وكان إذا تعايا في الكلمة أو اشتبه عليه، الحرف. تركه. وقرأ، ما يليه. ثم قد يذكره بعد العشرين آية أو الثلاثين فيرجع إليه ويقرأه، مفردًا. ويعود من حيث رجع. وذكر أنه كان غاديًا الى الجمعة، فإذا بشاب جميل حسن البشرة، يمشي في أثر صبية. فاتكأ عبد الجبار، فقطع شسعه، وناداه: يا شاب. فوقف، ومشى إليه عبد الجبار، وقال له: أنا شيخ ضعف بصري، وانقطع شسعي، فأصلحه. وأخذ منه النعل فأصلحه.
ومشى في أثر الصبية فقطعه ثانية. وناداه ليصلحه فعطف. وقال له: أنا قطعته يا شاب. إشفاقًا على هذا الشباب من لفح النار، وبكى. فبكى الفتى. وجزاه خيرًا.
وصحبه الى الجامع وحسنت توبته.
ذكر شيء من حكمته رحمه الله تعالى
قال أبو العرب: كان عبد الجبار من عقلاء الشيوخ، ثقة. وكان كثيرًا
следующие страницы →