الأمير. فقال له: يأمرك الأمير أن يبيت عندك الشيخان الليلة.
فدخل بنا الى بيت من الدار، وأتي لنا بشمعة. فقلت للخادم إن رأيت أن تنحي عنا هذه الشمعة، فافعل. فقال: إنما فعلته إكرامًا لكما. فنحاها. فلما - فراغ - يحيى بن عمر. فنام على فراش البيت. فلما كان بالغداة أرسل إلينا أبو العباس، لا تصلوا حتى أصلي معكما. فخرجت الى الطريق، فتوضأت من الماء المستنقع فيه. ثم خرج، وجعل يسألني عن أشياء. فقلت: ما شئت أن تسأل عنه من شيء. فعليك بالشيخ يعني ابن عمر. فإنك تجد عنده ما تريد. فسأل عن أشياء. ثم صلى بنا، يحيى بن عمر. وجاء رسول الأمير ابراهيم، يستدعينا، فدخلنا عليه، وطال المجلس في المذاكرة. فقال لي: من أين عيشك؟ وفي كم أنت من العيال؟ فقلت: في ستة. ثم قلت له: لي الى الأمير حاجة. فنشط لها. وقال أذكر: فقلت تعافيني من المجيء إليك في هذا المجلس. فإنك لا تجد عندي ما تريد، مما يكون عونًا لك. فسكت ساعة، ثم قال: قد فعلت. فقال يحيى بن عمر، وأنا أيها الأمير. فقال: لا. لست أفعل. ثم وجه إليّ حين ولي عيسى بن مسكين القضاء. فقلت للرسول: قد سألته معافاتي. فقال لي: لا تفعل. يأتيك صاحب المدينة ويمضي بك. فقلت مشافهة. ليَكبر ما أرسله. فانصرف الرسول، وجاءني أحمد الصواف، وقد بلغه الأمر. وكان لي أخ صدق. وقال لي: لا تفعل: أخشى أن يكون هذا منه مكرًا بك. فيجد إليك السبيل. فتوجهت.
стр. 877
فلما دخلت عطف على ابنه، وقال: والله ما وجهت
إليك - كالمعتذر - فقلت: والله ما أتيتك إلا تِقاءَ؟ فقال لي: اجلس. فلعل الله يجعل في مجيئك بركة. وذكر قصة ولاية ابن مسكين. توفي سنة تسع وثمانين ومائتين. وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون. مولده في رجب سنة ثلاثين ومائتين.
حمديس بن ابراهيم بن صخر اللخمي
من أهل قفصة. ونزل مصر وبها توفي. رحمه الله تعالى. قال أبو العرب: هو فقيه ثقة. سمع بالقيروان ومصر من ابن عون، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس الصوفي. وكان لقمان الفقيه، يتكلم فيه. وله في الفقه كتاب مشهور، في اختصار مسائل المدونة. رواه عنه مؤمّل بن يحيى، والناس. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
ثابت بن سليمان
قال اللبدي رحمه الله تعالى: كان رجلًا جليلًا، في أصحاب سحنون رحمه الله تعالى. قال يحيى بن عمر: إذا رأيت محمد بن سحنون يقول: حدثني الثقة عن سحنون. فهو ثابت بن سليمان. وكان ثابت بقصر زياد، وكان حمى قصور زياد، المرابطة بساحل إفريقية، دار ملك، بكثرة من فيه من العلماء، والعباد، والصالحين من أصحاب مالك. قال اللبدي: كان به من أصحاب سحنون أربعة عشر رجلًا.
стр. 878
عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي
أبو حفص رحمه الله تعالى من أكابر أصحاب سحنون. وسمع منه أبو العرب. وابن اللباد وغيرهما وعالم كثير. قال أبو العرب: كان شيخًا صالحًا. ثقة متعبدًا. طويل الصلاة. كثير الذكر. كان يختم القرآن في كل ليلتين من رمضان، من عقلاء شيوخ إفريقية. من أصحاب سحنون. قال ابن حارث: كان صاحبًا لحمديس بن القطّان. وبهما يضرب المثل في الفضل، والدين. إلا أن عبد الجبار، كان أنبَه
وأفهم، لمعاني العلم والفقه من حمديس. قال: وكان ذا رئاسة في العلم، ونظر تام. قال أبو عياش: عبد الجبار عالم واسع العلم، فهم نطّاق بالحكمة. قال: ودرّس عبد الجبار العلم حتى بلغ، أو كاد مبلغ سحنون. ثم لما حجّ الحجة الثانية. قال: قد نلنا من هذا العلم، ما علمت. وقد ماحت نفسي الى هذه الناحية من العبادة. فبلغ فيها مبلغ البهلول، أو رباح. وقال سحنون: عبد الجبار، تقي في بطن أمه. وقال حمديس القطّان: ما رأيت أورع من عبد الجبار رضي الله تعالى عنه.
ذكر أخباره وفضائله
وذكر القابسي: أن عبد الجبار راح إلي الجمعة، على بغل الراوية، يوم طين. فلما صلى. لم يجد ما يرجع عليه. وكان بعيد الدار من الجامع. فرفع إليه رجل جندي، فرسه. فركبه. فنظر إليه أصحابه. فقال:
стр. 879
ما بالكم. أما ورَعٌ نقَص، أو علم زاد. قال بعضهم: إنما فعل لضرورة. إذ لم يقدر، على المشي. ولعله تصدق بقدر انتفاعه. وخرج من عند الأمير ابراهيم، وكان يكبره، ويجلّه. فشيّعه الى أن ركب وأصلحت عليه ثيابه. وكان بينه وبين حمديس القطان، صحبة عظيمة. وشركة في القطن، يعملان في سوق الأحد، الى أن تهاجرا، بسبب كتب محمد بن مهدي البكري. كان عبد الجبار يقرأها، فنهاه عنها حمديس. وقال له: سمعت سحنون يقول: ابن مهدي هذا. ضال، مضلّ. فلم ينته عنها، عبد الجبار، فهجره حمديس. ولم يزالا متهاجرين أربعًا وعشرين سنة. وكان حمديس لا ينهى الناس عن السماع منه. وكان عبد الجبار إذا مرّ بمسجد حمديس، سلم عليه، فلا يرد عليه¬ السلام، يعني حمديس. فيقول عبد الجبار: ما هجرني إلا لله. ويقول: حمديس، رجل صالح. وكان ابن طالب صديقًا لعبد الجبار، فهم بتأديب حمديس بسببه، الى أن فسد أيضًا ما بينه وبين عبد الجبار. وكان سببه أن عبد الجبار كتب إليه في بعض أسبابه.
فلم يلتفت الى كتابه. فكتب بذلك للأمير، وكان ابن طالب يسمي ذكره. وطلبه ابن طالب عند الأمير، وأوقع فيه الشهادة بمخالفة مذهبه. وشهد عليه ابن الحداد وابن أبي سليمان وجماعة من أصحاب سحنون. واستدعى الشهادة عليه، حمديس. فأبى. وقال: هجرته ديانة. رأى شيئًا، ورأيت أنا خلافه. لم أهجره على مال أكله. أو عرض. فمضى القوم. قال ابن أبي سليمان: فما قام منا أحد حتى نفر عبد الجبار، وكان سحنون ينتظره حتى يحضر. فإذا حضر
стр. 880
أمر القارئ، فقرأ. قال عبد الجبار: ما قرأ سحنون كتابًا قط، في باذية ولا حاضرة، إلا وأنا حاضر. وكان ما بينه وبين أبي طالب القاضي، بينًا جدًا بعد صداقة، كانت بينهما. وعبد الجبار، أول من شهد عليه عند ابن الأغلب. قال ابن اللباد: وكنا نسمع على عبد الجبار في جامع ابن وهب، ألا يمشي الرجل أمام والده. فقال من برّه به، أن يمشي أمامه في الظلام. قال ابن اللباد: واجتمع عبد الجبار مع سليمان بن عمران، يتذاكران السنّ. فقال له سليمان: نفعك الله بعمرك. فقال له عبد الجبار: وكان سيئ الرأي فيه. وأنت نفعك الله ومتعك بباقي عمرك. وحكى المالكي عن عبد الجبار، أنه ختم في مسجد، ثلاثين ختمة. وكان يختم في مسجده، كل ليلة ختمة. وكان إذا تعايا في الكلمة أو اشتبه عليه، الحرف. تركه. وقرأ، ما يليه. ثم قد يذكره بعد العشرين آية أو الثلاثين فيرجع إليه ويقرأه، مفردًا. ويعود من حيث رجع. وذكر أنه كان غاديًا الى الجمعة، فإذا بشاب جميل حسن البشرة، يمشي في أثر صبية. فاتكأ عبد الجبار، فقطع شسعه، وناداه: يا شاب. فوقف، ومشى إليه عبد الجبار، وقال له: أنا شيخ ضعف بصري، وانقطع شسعي، فأصلحه. وأخذ منه النعل فأصلحه.
ومشى في أثر الصبية فقطعه ثانية. وناداه ليصلحه فعطف. وقال له: أنا قطعته يا شاب. إشفاقًا على هذا الشباب من لفح النار، وبكى. فبكى الفتى. وجزاه خيرًا.
وصحبه الى الجامع وحسنت توبته.
ذكر شيء من حكمته رحمه الله تعالى
قال أبو العرب: كان عبد الجبار من عقلاء الشيوخ، ثقة. وكان كثيرًا
стр. 881
ما ينطق بلفظ قليل. يدل على معنى كثير، كقوله، من قلّ كلامه قلّت آثامه. ومن كانت له وليّة، لم يعدم بليّة. الصوم عن الكلام، أثقل من الصوم عن الطعام. من خزن لسانه، كثر في الدنيا والآخرة أمانه. ومن خلا بربه، لم يعدم النور من قلبه. ومن خلا بغيره، لم يعدم الزيادة في ذنبه. ومن كلامه: من كان في الله همه، قلّ في الدنيا والآخرة غمّه. ومن كلام عبد الجبار، رحمه الله تعالى: من أصبح وأمسى، وهمه بغير الله مجتمع، لم يسأل الله تعالى عنه في أي واد من أودية الدنيا، وقع. وقال: لو همّك شأنك، لكل لسانك، وهيجتك أحزانك. ولولا الفضول لصفَتِ العقول، ولكان المجهول عندك معقول. ومن كان بالليل نائمًا، وبالنهار هائمًا، متى ينال الغنائم؟ ومن سكت سلم. ومن تكلم بذكر الله غنم. ومن خاض أثم. ومن وبخك فقد نفعك. ومن نفعك فقد رفعك. وقال: ما أبعدنا منه على قربه منا. إذا لم يرنا. وقال كنت أخلو لأهتم. ثم صرت أخلو لأغتمّ. وفي رواية: كنت أخلو لأعلم، ثم صرت أخلو لأغنم. وقال: كل كلمة لم يتقدمها نظر. فالكلام فيها خطر. وإن كانت من أسباب النظر. وتوفي رحمه الله تعالى في غرة رجب سنة إحدى وثمانين ومائتين. وصلى عليه حمديس، صاحبه، فيما قال ابن أبي خالد. وقال أبو العرب: بل في جمادى الأخيرة من السنة. مولده سنة أربع وسبعين ومائة.
عمر بن يوسف بن عمر بن عيسى
أبو حفص رحمه الله تعالى. عداده في أهل إفريقية. وأصله من
стр. 882
إشبيلية. سمع يحيى بن عمر، ومحمد بن وضاح. ذكره الشيرازي في عداد فقهاء المالكية.
وزعم أنه سمع من سحنون، ولم يذكر أبو العرب عنه سماعه. قال أبو العرب: كان صالحًا ثقة، ثبتًا ضابطًا سمع من سحنون ولم يذكر يحيى بن عمر ولا غيره. وسمعت منه. وكان سمع بمصر، من محمد بن عبد الحكم، وأخيه سعد، وابراهيم بن مرزوق، وابن عزيز الإيلي. وسكن سوسة. وتوفي بها، رحمه الله تعالى. سنة ست وثمانين ومائتين. والأول أصح؟ وذكر ابن حارث، فيمن ولي قضاء طليطلة: عمر بن يوسف بن عمر بن يوسف بن عمر في رأس ثلاثمائة سنة. وأراه آخر، وافق اسمه. والله سبحانه أعلم. وكان قليل ذات اليد، لا يتعرض لشيء مما في أيدي الناس. وكان كثيرًا ما يقول:
أيا نفس قد أثقلتني بذنوبِ … أيا نفس كفي عن هواك وتوبي
كيف التصابي بعدما ذهب الصبا … وما حل بعارضتي عتاب مشيبي
سمع منه أبو العرب، وعبد الله بن الباجي رحمهم الله تعالى.
أبو الأحوص أحمد بن عبد الله
كان رجلًا من أهل الفضل، مكفوف البصر، بعد صحة. وهو من المغرب. وسكناه بسوسة. له صحبة مع سحنون. وسمع كثيرًا منه، ومن ابن زُغبة بمصر، قال أبو العرب: وكان يصلي من الضحى الى صلاة العصر، ثم يجلس، يسمع منه. سمع منه أحمد القصري. قال ابن حارث:
стр. 883
وكان الخير والعبادة أغلب عليه من الفقه. وبلغني أنه كتب كتابًا، الى ابراهيم بن أحمد بن الأغلب يعظه فيه، بلفظ غليظ. فأرسل إليهم ابراهيم. وقيل: بل أتاه ابراهيم بباليل، فقال له: أنت وجهت إليّ هذا. قال: نعم. قال فمن كتبه لك. فأبى أن يخبره. فوقاه الله شرّه. وذكر ابن اللباد: أن رجلًا رآه كأنه واقف على باب الجنة. وأبو الأحوص يريد أن يدخل الجنة، ورجل زيات من أهل سوسة، يمنعه الدخول، ويقول: لا أدعك تدخل، حتى تدفع إليّ حقي. قال: هذا قصر أعطيكه. قال: لا. قال: فقصرين. قال: لا. قلت
أيا هذا، أيعطيك قصرين في الجنة وتأبى. وإنما لك عليه درهمان فنفضني نفضة، وقال: إن الله تعالى ما كذب ولا يكذب، بل لابد من القصاص يوم القيامة. فانتبهت لنفضته، وأنا أعرف الزيات. فغدوت الى المسجد الجامع، وجلست بين الأبواب حتى دخل الرجل، فأشرت إليه، فأتى. فلما انقضت الصلاة قلت له: يا فلان ما لك على أبي الأحوص؟ فقد أوصاني إليك بشيء نسيته. فقال: درهمان. فدفعتهما إليه. وأخبرته بالرؤيا. وكان أبو الأحوص، متقللًا من الدنيا، زاهدًا فيها. وكان سبب سكناه بسوسة، أنه أقام بها مرابطًا، مدة. حتى فرغت نفقته. فأراد الرجوع الى بلده. فبينما هو يركع بجامعها، إذا بعصفور جاء بشيء الى فراخه، فسقط من فيه ما جاء به، فخرج فأر من خلف الحصير، فأكل ما أسقط. فقال في نفسه: فأر خلف الحصير، قيّض الله له خلف رزقه، فلم يضيعه. فكيف أضيع أنا. لله عليّ ألا أضيّع مدينة الرباط. وكان ابن الأغلب يزوره. فإن وجده يطحن جلس على التراب. وإن وجده يأكل جلس على جلد المطحنة. لأنه لم يكن عنده حصير في البيت، ولا غيرها. وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة. كتب إليه بالفحمة على شقفة. وسأله الأمير مرة: هل لك
стр. 884
حاجة؟ فامتنع. فعزم عليه.
فقال ثلاث حوائج. قال: هي مقضية. قال فما هي: فطلب منه الزيادة في الجامع لضيقه عن الناس، وإجراء سقاية من خارج المدينة الى مواجلها. وإخراج من سجن. فأجابه. قال أبو الأحوص: غاب إما الجامع يومًا عن صلاة العصر، فعزم علي، فتقدمت. فلقد صحّ عندي أني ما سلمت من الصلاة حتى بدأ قوم يفتشون عن عيوبي. وما سمعت من يذكر ذلك قبل، كأنه يقول: إن الخمول من أسباب الستر. قال ابن اللباد: ذكر أبو العدل، قال: كنت بمدينة سوسة مرابطًا. فبلغني أن سعيدًا الضرير قدم، فتوجهت إليه مع أبي الأحوص، أسلّم عليه. فوجدناه عنده ناسًا. وذلك بعد العصر. فدعا وقرأ. ثم افترقنا بعد المغرب. وكان وقت قحط
ومصيف، وحاجة الناس الى الماء. وقد فرغت مواجلهم. فوقف أبو الأحوص في بعض الطريق، فوقفنا لوقوفه. فقال: اللهم إن كنت استجبت لنا في مجلسنا هذا، فعرفنا بركة ذلك، بأن تسقينا الغيث. فما دخلنا المسجد إلا ونحن نخوض الماء من المطر. قال أبو الأحوص: أتيت للسماع من سحنون، فبقيت عنده مدة، لا يسأل عني، فلما أردت الرجوع الى بلدي، أتيته لأسلم عليه. وذكرت له أني أريد الرجوع. فسلّم عليّ وقال: يا بني لا تنسنا من دعائك. فقلت في نفسي: يسألني الدعاء - أزري على نفسي - وكنت أظنه لا يعرفني. وقال عبد الوهاب الزاهد: قمت على برج، على شاطئ البحر، فإذا أبو الأحوص رحمه الله تعالى، بين شرافتين في سواد الليل يقول:
أبوا أن يرقدوا ليلًا … فهم لله قُوّامُ
أبوا أن يفطروا دهرًا … فهم لله صُوّام
أبوا أن يخدموا الدنيا … فهم لله خدّام
لا إله إلا الله والله أكبر. ولله الحمد. ثم اندفع في السباحة حتى سمع
стр. 885
حسي. فقال لي: من أنت؟ فقلت: عبد الوهاب. فقال يا بني: يا أبا القاسم. إنما نقطع الدنيا بالهموم والعلل، والأحزان والأمراض، والأعمال. وإنما نفرح غدًا بالنظر الى الله تعالى. إذا صرنا الى دار السلام. فقال أبو الأحوص: سئل سحنون عما يأتيه به أهل الشام، من الرخص في الفتيا. قال سحنون: يؤخذ هذا العلم من الموثوق بهم في دينهم المحسوس بخيرهم فإن أخذوا بالتشديد، فعن علم، وإن أخذوا بالرّخص فعن علم. وتوفي بسوسة يوم الأحد سنة أربع وثمانين ومائتين. رضي الله تعالى عنه ورحمه.
أبو عياش أحمد بن موسى بن مخلد من العجم. رحمه الله تعالى
وينتمي الى غافق. ويقال له: عيشون. وقال ابن أبي دليم في كنيته: أبو العباس بباء واحدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى. وهو وهم لا شك فيه منه، أو من النقلة. وصوابه أبو العياش. بياء باثنين من أسفل. وقال أبو العرب التميمي: كان شيخًا صالحًا، ثقة فقيهًا، عالمًا ثبتًا زاهدًا، متعبدًا ورعًا. صحيح الكتاب، حسن التقييد، معدودًا في كبار أصحاب سحنون، وعليه اعتمد. سمع منه ومن عبد العزيز بن يحيى المدني. وابن رمح. وأبي إسحاق البرقي. وهارون بن سعيد الإيلي، ومن غيرهم. وسمع أيضًا من الوقّار. سمع منه أبو العرب وأبو القاسم بن تمام، وعبد الله بن مسرور، ومحمد بن يونس السدري، ولقمان بن يوسف وغير واحد من الأجلّة. وعالم كثير. وكان لا يذكر أحد بحضرته
стр. 886
لغيبة. وبلغ من تقشفه، وزهده، أنه كان يركب ثورًا من باب أبي الربيع، بالقيروان، حتى ينتهي الى منزله بالرّوحا فإذا كلم في ذلك، قال: حسبك من الدواب ما يبلغك المنهل. وولاه ابن طالب قضاء قسطلية. ويقال، سحنون. وامتنع. حتى تخلّص، وكان عالمًا بأخبار علماء إفريقية. وطال عمره. قال ابن أبي خالد: كان زاهدًا ورعًا، متعبدًا، فاضلًا عالمًا بكتبه.
قال أبو القاسم ابن تمام: رأينا منه من الإجابات والفراسات أمرًا عظيمًا. مرض ابني أحمد، قلت له أريد السفر، فإن حدث بأحمد الموت توليته، وصليت عليه. فقال اذهب الى سفرك. فما هو بميت من هذه العلة. وأراه يقوم فلم يمت منها. قال محمد بن يونس القروي: سألت أبا عياش عن التجارة بالقمح، وحكرته. فأباح لي ذلك في وقت كثرته ورُخصه. ومنعه في وقت غلائه. إلا ما لابد منه. وقال: هذا بخلاف الزيت. يريد إباحته في كل وقت. واحتجّ بأن ابن المسيب، كان يحتكر الزيت. وكان يميل الى الرقائق، والمواعظ. ويختم بذلك مجلسه. ويقطع له ولغيره، بأنه مؤمن عند الله، على رأي محمد بن سحنون، ومن قاله قبله. توفي
رحمه الله تعالى في صفر سنة خمس وسبعين ومائتين ومولده سنة سبع وثمانين.
أحمد بن مروان الصوّاف
أبو جعفر. رحمه الله تعالى. سمع من سحنون. ومن مروان بن أبي شحمة. قال ابن حارث: كان من الفضلاء المتقدمين والعباد المجتهدين.
стр. 887
كان من أصحاب سحنون. وغلبت عليه العبادة والخير. ويقال إنه كان مستجاب الدعوة. قال أبو العرب: كان فقيهًا عالمًا بالفقه، والمناظرة عليه. ثقة، حسن العقل. ذا اجتهاد في العبادة. وكان يسمى جوهرة أصحاب سحنون. قل من أخذ عنه، إذ لم ينصب نفسه لذلك. وكان إذا قام للصلاة، لم يشغل نفسه بسواها. فلو جرى ما شاء الله تعالى، لم يعلم بشيء منه. ذكر ذلك ابن أبي زيد، الفقيه رحمه الله تعالى. قال: كان له ابن، له أصحاب يجتمعون على اللهو، والغناء، وكانت والدته تقول له: لا تتحركوا حتى يأخذ والدك في الصلاة. فإذا أخذ في الصلاة، أخذوا في شأنهم. فلا يشعر بهم. فإذا أحست الوالدة بانصرافه منها. ضربت الحائط فكفوا.
أبو داود العطّار
واسمه حمد بن موسى بن جرير الأزدي. أصله من الجند الداخلين ويقال أسلم جده على يدي يزيد بن حاتم. وأبوه موسى من شيوخ إفريقية. سمع ابن سلام وغيره. وكان أبو داود، رحمه الله تعالى عطارًا. قال أبو العرب: كان صالحًا، ثقة في نفسه. سمع سحنونًا، وهو من كبار أصحابه. ومن يحيى بن سلام وابن أبي خارجة. ومعاوية الصمادحي. وأسد بن الفرات. وابن غانم، مسألة واحدة، يأخذ عنه الناس، وفي كتبه خطأ وتصحيف. قال محمد بن حارث: كان ظاهر الوجدانية والتقدم. معدودًا في أصحاب سحنون. قال أبو العباس الإبياني: كان أبو داود العطار، قرب سحنونًا إليه. وكان يرضاه جدًا. وكان مختلطًا
стр. 888
بأهل دار سحنون،
لمكانه عنده. يشهد عنه بشهادة قضائه. فكتب سحنون إلى ابن عبدوس فيه، فلم يمض شهادته. وكان ابن عبدوس يكتب إليه وسأله عن سبب رده له. وقال له: هل لأحد في أبي داود، توقف؟ فقال له ابن عبدوس: حضرت يومًا بحانوته، فرأيت بعض أهل التعريف يشتري من غلامه، فبلغ ذلك أبا داود، فأتى ابن عبدوس وقال له: أخبرنا ما أنكرت علينا، لعلنا نصلحه. فذكر له القصة. فقال له أبو داود: الغلام صرّف ماله. فأخبر ابن عبدوس سحنون بذلك. فسرّ به. وقال: قد علمت أنه يبعد عن الريبة. توفي رحمه الله تعالى. في ذي الحجة سنة أربع وسبعين ومائتين. وهو ابن إحدى وتسعين سنة. مولده سنة ثلاث. وقيل اثنين وثمانين، ومائة. وله ابن اسمه محمد. ويكنّى: أبا عبد الله، سمع أيضًا من سحنون. وتوفي سنة ثلاثمائة.
ابراهيم بن عتّاب الخولاني
أبو إسحاق. رحمه الله تعالى. من أصحاب سحنون رحمه الله تعالى. وكتب له أيام قضائه، وسمع أيضًا من عبد العزيز المدني. قال أبو العرب رحمه الله تعالى: وهو ثقة مأمون. قال ابن حارث: رحمه الله تعالى، كان قليل الفهم، غاليًا في مذهب ابن سحنون في مسألة الإيمان، شديد الحمل على محمد بن عبدوس، عصبيةً لابن سحنون. حتى أنه لم يصلّ على ابن عبدوس. وقد تقدم على جنازته، فوجه فيه ابن طالب رحمه الله تعالى. وأراه كان إذ ذاك على مظالم القيروان. فسأله: لمَ فعل ذلك؟ قال: لأنه
стр. 889
شكوكي، يقول إنه ليس بمؤمن، عند الله تعالى. فقال ابن حمدوس: أشهد أن ابن عبدوس، قال: من قال إنه ليس بمؤمن عند الله تعالى، فهو كافر عند الله تعالى. فأمر ابن طالب بسجن ابن عتاب، وكان ابن عتاب هذا إمام مسجد سحنون رضي الله تعالى عنهما. وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين رحمه الله تعالى.
عبد الله بن غافق التونسي
أبو عبد الرحمن رحمه الله تعالى. سمع من سحنون وزيد بن بشير. ولقي ابن عبد الحكم. وكان موصوفًا بالورع والعلم والكرم. قال أبو العرب: كان فقيهًا، ذا هيبة ونسك، معدودًا في أصحاب سحنون، ثقة مأمونًا. وكانت له طاعة بتونس، لا يتقدمه أحد منهم في وقته، ولا يخالف أمره. وعرض عليه ابراهيم بن أحمد قضاء القيروان. فامتنع. وكان قبل قد استشار ابن طالب، فقال: رجل صالح. وأشار هو بابن طالب، وكان ابن عمران القاضي يقول: ما يحل لي أن أولى القضاء بتونس، حتى أعرض ذلك على ابن غافق. فحينئذ أولّى. وكان من كان وليها عن رأيه يصدر، وبقوله يأخذ الشيرازي. وعليه كان اعتماد أهل بلده، في الفتوى. وزعم أنه تفقه بعلي بن زياد. وهذا وهم كبير. لأن ابن غافق، ولد بعد موت علي بأزيد من عشرين سنة. توفي علي سنة ثلاث وثمانين ومائة. وولد ابن غافق سنة أربع ومائتين. سمع محمد بن عمر، وقال ابن حارث: كان من الحفاظ المعدودين من وجوه هذه الطبقة. فقيهًا نبيلًا
стр. 890
عاقلًا. من أهل المروءة. وكان سحنون إذا أراد أن يحرض ابنه، يقول له: ادرس، لا يجيئك كبير الرأس، يعنيه. وكان رأسه كبيرًا. وسمعت بعض الشيوخ يحكي، أن ابن غافق كان حليمًا، كريمًا. كثير الأخذ والفضل. وكان له عدوّ من أهل بلده. فقدم عدوّه الى القيروان يبدأ بثلبه. ونقضه لا يقعده في مجالس أهل العلم. فبلغ ذلك ابن غافق، فبدأ بإرسال التحف والهدايا، الى من خلف ذلك الرجل، في داره بتونس، من أهله وولده. فأغرقهم بها. وكتبوا إليه الى القيروان يعلمونه أن ابن غافق، أغرقنا بالنعم. فاستحيا ذلك الرجل، الذي يثلبه، وقلب لسانه بحمده وشكره. وجعل يعتذر الى كل من حفظ عنه فيه مقالًا سيئًا. ولما حجّ ابن غافق، أهدى إليه رجل هدية في سفره. فكافأه عليها في حينه. ثم أهدى إليه ثانية، فكافأه. فجعل الآخر يكثر في تهاديه، وابن غافق من مكافأته،
فلما أكثر عليه، لقيه، فقال له: ابن غافق: إن كان يسرّك أن أرجع الى بلدي، وعليّ دين فتمادَ في فعلك. فكف الرجل عنه. ويقال: ثلاثة رجال من أهل العلم، لم يكن أحد في الناس أطوع منهم. محمد بن سحنون بالقيروان، وأحمد بن مخلد بقسطلية، وابن غافق بتونس. وكان ينزل في القيروان، على أحمد بن أبي زاهر. ورحل ابن غافق الى رجل بالجزيرة. يتعلم منه الأدب. فبقي عنده عشر سنين. وبعد هذا وصل الى سحنون. ولما وصل الى مصر، لقي محمد بن عبد الحكم، وكان أتى مجلسه، وهو لا يعرفه، فسأل محمد أصحابه عن مسألة. فأجابه عنها بعضهم. فقال ابن عبد الحكم وكان أتى مجلسه
стр. 891
وهو لا يعرفه. بل فقال ابن عبد الحكم: من أين لك هذا الجواب؟ فقال من هذا؟ يعني ابن غافق. وكان جلس الى جانبه. فسأله محمد من أين الرجل؟ فقال: من تونس.
فقال أنت ابن غافق؟ قال: نعم. فسلم عليه. وسأله عن مسألة الإيمان، وما وقع فيها من الاختلافات بالقيروان. فقال له: قال قوم، نحن مؤمنون عند الله، مذنبون. وقال قوم نحن مؤمنون، ولا ندري، ما نحن عند الله. فقال: ما قال بها محمد بن سحنون؟ فقال له: مؤمنون عند الله. فقال دعني بهذين فبعث إليه. فقال الصواب ما قاله محمد بن سحنون. فلما قدم ابن غافق، وضع رسالته في الإيمان ولم ينسبها الى نفسه. فكتبها الناس واستحسنوها، فأذاعها رجل نحوي. فبلغ الخبر ابن غافق. فقال: إنما ظننت أنكم تعملون بما فيها. فلما نسبت لغير أهل العلم، والله لم يسعنِ السكوت. أنا وضعتها. وقرأتها على يحيى بن عمر، فاستحسنها. وقال: أنا أرويها عنك. وكان حمديس، وموسى القطان، يعجبان بها، وذكر أنه ناظر ابن الكوفي يومًا فلما ضيّق ابن غافق عليه بالحجة، قال له ابن الكوفي: إن مشورتك كبيرة - يعني رأسك - وكان طويل الرأس. فقال ابن غافق: ذلك أكثر لحشوها. وتوفي بتونس، رحمه الله تعالى سنة خمس. ويقال سبع وسبعين ومائتين. وسنه
ثلاث وسبعين سنة. مولده سنة أربع وثمانين.
محمد بن بشار الرويني
فقيه، ثقة. أخذ عن سحنون. قال بعضهم: مررت به مرة، فرأيت
стр. 892
فيه إنكارًا، فسألته. فقال: ما لي لا أغتمّ، وكانت لي خادم تمنعني من الفِرن، وإنما أصبت بها، فأعلمت بذلك، سحنونًا. فبعث الى خمسة رجال من أهل الساحل. وبعث الى جامع العطار، فأخذ منه خمسين دينارًا وقال: ادفعها عشرة، عشرة، للخمسة الرجال. وقال لهم: فرقوها على ثقات في الزيت ففعلوا وكان ذلك قريبًا من جمع الزيتون. فلما أتم، كتبوا إليه باجتماع الزيت، فأمرهم ببيعه، فباعوه بمائة دينار. فردّ منها الى العطار خمسين دينارًا وبعث بالخمسين الى الزويلي فأخذها، ودعا له. وقال له يفتقدنا في دنيانا وآخرتنا. رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين.
سهل بن عبد الله بن سهل الفبرياني
رحمه الله تعالى. تقدم ذكر أبيه. يكنى بأبي يزيد وكان معدودًا في أصحاب سحنون. وسمع منه، ومن عبد العزيز بن يحيى المدني، ومن أبيه. وكان فقيهًا ثقة. وكان كثير المال، فعالًا للخير، بنى قصر الرباط على البحر بسوسة. فأنفق فيه مالًا عظيمًا. وكان قوم أرادوا بناءه، فأتوه يستعينونه في ذلك. فتولى جميعه. وقيل بل كان موضعه ربوة رمل كبيرة. كان محمد بن سحنون يجلس عليه، بعد العصر مع أصحابه. إذ كان بقصر الطوب، مع أصحابه، ينظر في البحر، والتفرّج به. فقال يومًا وددت لو بُني هاهنا قصر. فقال له سهل: أنا أبنيه. فبناه. وأنفق فيه نحو ألف مثقال. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. مولده سنة تسع ومائتين سمع منه عالم كثير، منهم أبو العرب، وأحمد بن محمد القصري، وغيرهم.
стр. 893
يحيى بن عون بن يوسف
أبو زكريا. رحمه الله تعالى. تقدم ذكر أبيه. له سماع من أبيه. وسحنون وأبي زكريا الجعفري، وجماعة. وسمع منه الناس، وكان مصابًا بإحدى عينيه. وذكره في كتاب المالكي، فقال: كان رجلًا صالحًا، من أهل العلم والفقه، وكان إذا كان يوم الشك جعل آنية الماء في المسجد الى جانبه. فإذا سأله أحد عن الصوم شرب الماء. وذكر ابن حارث أنه كان يتهم ويطعن عليه. وضربه سحنون لما صلى على ولده بغير أمره. وقد كان جالسًا عند داره، ينتظرالصلاة عليه. حتى مرّ عليه الى قبره. فأخبر أن والده صلى عليه. فمنعه بالسوط بيده. ثم أمربإنزاله واعاد الصلاة عليه. وله كتاب في الردّ على أهل البدع. توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.
محمد بن زرقون
ابن أبي مريم. المعروف بابن الطيارة. من العجم رحمه الله تعالى. كان كاتبًا لابن طالب، أول قضائه. وكان إمامًا خطيبًا بجامع القيروان. وكان صالحًا، ثقة كثير الكتب. سمع من سحنون وابنه، وعلي بن معبد وعبد الله بن عبد الله، وغيرهم،
. . . . . . [¬*]. . . . . .
من أهل وشقة. سمع بالأندلس والمشرق كثيرًا، وشُهِر بالعلم والفضل والزهد (١). ويكنى محمد: أبو عبد الله.
стр. 894
توفي يونس سنة ست وتسعين. وتوفي محمد سنة سبع عشرة وثلاثمائة. قال ابن الفرضي، في باب أحمد بن مؤذن ولقي أحد العبّاد، ورحل. فسمع يحيى بن عمر، وكان ذا قدر جليل، يقال إنه فك من أسرى المسلمين مائة وخمسين. توفي سنة سبع وثلاثمائة.
عمر بن يوسف
ابن فِهر، بن خصيب الأموي، مولاهم. يكنى أبا حفص. يعرف بابن الإمام.
وبيتهم بالثغر معروف بالعلم، والجلاة. قال ابن الفرضي: كان حافظًا للمسائل، وامتحن بالأسر هو وابنه وأخوه. فافتدوا بخمسة عشر ألف دينار وعمّر. ولّي قضاء بلده، سنة خمس وعشرين، الى أن توفي، سنة سبع وثلاثين. وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. مولده سنة أربع وأربعين ومائتين.
أبو عبد الله
الفهري. فقيه تطيلة وكبيرها. ذكره ابن حارث، وقال: لقيته بتطيلة، سنة خمس وعشرين. فرأيت عليه جلالة السنّ، وسمت العلم وهديه. وتكلمت معه فأفضيت منه الى كل علم، وفقه ومذاهب مستحسنة. ولعله والد المذكور أولًا. والله أعلم بالصواب.
стр. 895
طبقة أخرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
قال الفقيه الإمام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، ﵁، وغفر له آمين. ثم صار المذهب بعد هذه الطبقة، في طبقة أخرى،
فمنهم من أهل المدينة:
أبو مروان قاضيها، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحمن.
قال ابن حارث: كذا كتبت نسبه من خط المديني، ويعرف بالمرواني، ويعرف أيضًا بالمالكي. وكان يزعم أن جده كان منقطعًا لمروان. يعرف وأهل بيته بذلك. وليس بقرشي. قال أبو الحسن بن معاوية، ابن مصلح، وذكره في شيوخه: كان ثقة مأمونًا. روينا عنه كتاب المشكل من تآليفه. وغير ذلك. كذا قال: المشكل. وأظنه المسكر. ألف كتاب الأشربة، وتحريم المسكر، وهو كتاب الرد على أبي جعفر الإسكافي. وسمع منه الناس كثيرًا. فمن سمع منه من أهل الأندلس: أبو محمد الأصيلي. والقاضي ابن السليم، وأبو عبد الله بن مفرج. وابن عون، وخطاب بن زيد، وأبو الحسن بن وضيء الحجازي، وغيرهم. ومن أهل المشرق أحمد بن ابراهيم الوندقاني. ﵏ ورضي عن جميعهم.
стр. 896
من هذه الطبقة من أهل مكة
عبد الله بن سعيد
ابن نافع. كان بمكة من فقهاء المالكية. قال الفرغاني: وكان من أهل السيرة والعلم. أخذ عنه فيما أرى، عبد الوهاب بن نصر. فقد رأيته والله أعلم في مشيخته.
ثم من آل حماد بن زيد
قاضي القضاة أبو الحسين: عمر بن قاضي القضاة، أبي عمر، محمد بن القاضي يوسف بن القاضي يعقوب بن اسماعيل، بن حماد بن زيد. كذا اسمه وقد وهم في اسمه أبو القاسم عبد الله بن محمد البغدادي الشافعي. فسماه أحمد. وقال: كان من أحذق من رأيناه من أحداث المالكيين. وقال ابن حارث وغيره: وكان ذكيًا فطنًا، حاذقًا بالمذهب. أخذ من كل علم بنصيب. قال الشيرازي: وناظر أبا بكر الصيرفي، فقيه الشافعية. وقال الصولي، وذكر القاضي أبا عمر، ووفاته، فقال: وولي بعده ابنه أبو الحسين نظيره، في الفضل وتاليه في العقل، السالك مسلك سلفه، والجاري على مذاهب أوله. الحامل لعلوم قلما اجتمعت في مثله، من أهل زمانه. ولا يعرف قاضٍ في سنه، ولا أعلى منه، يشتغل بالعلوم التي يشتغل بها، من حفظ الحديث، وعلم به. واستبحار في الفقه، واحتجاج له. وتقدم في النحو، واللغة. وحظ جزيل من البلاغة، نظمًا ونثرًا، وقرأ عليّ من كتب اللغة والأخبار، ما يقارب عشرة آلاف ورقة. قال: وكان بلغ في العلوم مبلغًا عظيمًا. وله إليّ أشعار ملاح، لها مني جوابات. فقد أفردت لها كتابًا عملتها في وصفه، ووصف أبيه أبي عمر القاضي. وللقاضي
стр. 897
أبي الحسين كتاب في الرد على من أنكر إجماع أهل المدينة. وهو نقض كتاب الصيرفي. وله كتاب سمّاه الفرج بعد الشدة. ولم يدرك عمه اسماعيل بن إسحاق. وإنما تفقّه عند أبيه، وكبار أصحاب اسماعيل. وعن القاضي أبي الحسين، وأبيه أبي عمر أخذ الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره. وعندهما تفقّه.
ولايته القضاء وبقية أخباره
كان أبو الحسين، يخلف أباه في قضائه. وهو صغير السن. ثم ولي قضاء مدينة المنصور. سنة عشرين وثلاثمائة. فلما توفي أبوه في رمضان، من هذه السنة. قلّد أبو الحسين جميع ما كان يتقلّده أبوه، من أعمال القضاء. إلا قضاء القضاة. وخلع عليه. فلما كان في صفر، سنة خمس وعشرين، وليَ قضاء القضاة. ثم قلّد في
سنة ست وعشرين الخطبة، في مجلس الخلفاء. وذلك أنهم حضروا بين يدي الخليفة الراضي، عقد مصاهرة، بين بعض كبار أصحابه. فقام بعض الحاضرين، يخطب، فمنعه أبو الحسين. قيل إنه ابن أبي العزافير وكان يذهب الى مذهب الحلاج رضي الله تعالى عنه ويقول بالحلول، والتأله. فشهد على قوله. وأفتى أبو الحسين بقتله. وفي أيام أبيه أبي عمر قتل أبو منصور الحلاج، بفتواه. وعدم قبول توبته، على مذهبه. فأخذ بفتوى من قال بقتله، بعد أن ضرب ألفي صوت. وقطعت أطرافه، وضرب بها وجهه، ثم طرح من أعلى الركنة، الى الأرض وأُحرق ابنه أبا الحسين، فلما عاد، قصده الناس، إلا هما؟
стр. 898
فكتبت إليه أستجفي أبا عمر:
أأستجفي أبا عمر وأشكو … أمَ استجفي فتاهُ أبا الحسين
فما زارا ولا بعثا رسولا … ولا كانا لحقي قاضيين
بأي قضية وبأي حكم … ألحّا في قطيعة واصلين
فقال أبو عمر، لابنه: أجبه. فكتب إليه:
تجنَ واظلم فلست تقلى … عن سالم العهد أيها الظالم
حكمت ظنًا فما هديت ولن … يحكم بالظن والهوى حاكم
أمران لن يذهبا على فطن … وأنت بالحكم فيهما عالم
تركت حقّ الوداع منصرفًا … وجئت تبغي زيارة القادم
كل حقي عليك مطرح … وحق ما تدعيه فيّ لازم
وكل هذا عتاب ذي مقة … وصدره من حفظه سالم
وذكر القاضي أبو علي الحسين بن علي التنوخي، في كتابه عن أبي الربيع ابن داود، خادم أبي عمر القاضي، قال: حججت مع القاضي أبي الحسين ابن أبي عمر، فذكر حكاية معناها أنه دخل مكة في حر شديد، فلما طاف وسعى، أدركه
قلق وشدة من الحر، فقال: أشتهي على الله شربة ماء مثلوج. فقيل له إن هذا ما لا يوجد في هذا المكان. فقال: هو ما قلت، أو نحو هذا. فلم يكن إلا أن نشأت سحابة، وأبرقت وأرعدت شديدًا، ثم أمطرت ببرد كثير، فجمعنا منه شيئًا عظيمًا، وكان صائمًا. فلما كان وقت المغرب، جئته منه بما أراد، ونحو هذا من الخبر، وقد عزيت هذه القصة الى غيره، وقال الصولي، في القاضي أبي الحسين، يخاطب
стр. 899
أباه أبا عمر:
وما يُخالج القاضي ارتياب … بأنك طرف حليته الحداد
أعرب خلاله فينا ولولا … كمالك لم يكن مما يعاد
فأنت خليفة منهم تسود ال … بنين الأشرفين يخلفها الرماد
وبعضهم تكون بنوه منه … مكان النار يخلفها الرماد
قدرت على المكارم لانتقاص … بعينك قدرهن ولا ازدياد
قال الصولي. وكتب إليّ القاضي أبو الحسين:
أيها الصديق كل الصديق … في مكاني التحصيل والتحقيق
والذي لم أخنه عهدًا وثيقًا … لا ولا خانني بعهد وثيق
لمَ أخلفت يا خليلي وعدًا … حاصلًا في زيارتي وطريقي
إن من ساءه جفاؤك إياه … بطول الجفاء غير حقيق
وهي طويلة فأجابه الصولي بقصيدة طويلة أولها:
يا مقرًا بالوعد عين الصديق … وأجل الورى على التحقيق
وتوفي، أبو الحسين ببغداد. وهو يتولى قضاء القضاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. واخترمته المنية قبل استيفاء أقرانه، وطبقته. وسنّه يوم مات تسع وثلاثون سنة. وأمه أم ولد: اسمها لُبنى. ولم يتخلّف عن جنازته جليل، وصلى عليه ابنه أبو نصر. قال الصولي: ووجد عليه الراضي
أمير المؤمنين، وجدًا شديدًا، حتى كان يبكي بحضرتنا، ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعًا حتى أراه فيوسعه عليّ برأيه. قال: وكنا عند الراضي ليلة، فأمر جواريه أن يضربن العود وينُحْن عليه، حتى خفنا عليه. وجعلنا نعزيه. قال: والله لا بقيت بعده.
стр. 900
ابناه أبو نصر يوسف، وأبو محمد الحسين، رحمهما الله تعالى
ذكر الإمام أبو إسحاق الشيرازي، أبا نصر في طبقة أبيه أبي الحسين. ولم يذكر أبا محمد. قال أبو إسحاق: وكان أبو نصر فقيهًا فاضلًا. وهو آخر من ولي القضاء، ببغداد، من ولد حماد بن زيد. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: ما زال أبو نصر، قد نشأ نبيلًا، نظيفًا جميلًا، عفيفًا متوسطًا، في علمه بالفقه، حاذقًا بصناعة القضاء، بارعًا في الأدب والكتابة. حسن الفصاحة، واسع العلم باللغة، والشعر. تام الهيئة. اقتدر على أمره بالنزاهة والتصاون، والعفة. حتى وصفه الناس من ذلك بما لم يصفوا به أباه، وجده، مع حداثة سنه. وقرب ميلاده من رئاسته. قال: ولم نعلم قاضيًا تقلده - يعني بغداد - أعرق في القضاء منه ومن أخيه الحسين. لأن أباه أبا الحسين: وجده أبا عمر، وولد أبي عمر يوسف بن يعقوب، وأباه يعقوب، كلهم ولوا القضاء ببغداد. ما خلا يعقوب، فإنه ولي قضاء المدينة. ثم قضاء فارس. قال الخطيب: وليَ أبو نصر القضاء في حياة أبيه، وبعد وفاته.
قال طلحة: لما خرج الراضي، الى الموصل، سنة سبع وعشرين. ومعه قاضي القضاة أبو الحسين، أمره أن يستخلف ابنه أبا نصر على مدينة السلام بأسرها. إذ علم أنه لا أحد بعد أبيه يجاريه، ولا إنسان يساويه، فتبيّن الناس من أمره، ما بهر
عقولهم، ومضى في الحكم على سبيل معروفة له، ولسلفه. فلم يزل يخلف أباه في القضاء، الى أن توفي أبوه. قال الصولي: لما جلس القاضي أبو نصر، خلفًا لأبيه عند خروجه الى الموصل، لحرب ابن حمدان، حضر محمد بن بدر الشزابي، صاحب الشرطة، ونثر عليه دراهم ودنانير. وذلك سنة سبع وعشرين
стр. 901
وثلاثمائة. وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة. قال ابن سنان، والصولي قلّد الراضي أبا نصر، يوسف. وأبا محمد الحسين. فكان إليهما لسبع من وفاته. فجعل لأبي نصر، قضاء القضاة ببغداد، الى المدائن. ولأبي محمد ما بين المدائن، الى البصرة. وخلع عليهما. فمرّ في الشارع الأعظم، فكان مما كلم به أبو نصر أمير المؤمنين الراضي، حين ولاه: قد استوفى سيدنا الأنعام وكمّله وشدّ بآخره أوله. فثبت الله وطأته. وأدام دولته. وقيل إن السلطان صادرهما بعد موت أبيهما، على عشرين ألف دينار، باعا فيها فيما حكاه ابن كامل من كسوة أبيهما خاصة، بأربعة آلاف دينار، وخمسمائة دينار. ثم قلد أبو محمد مدينة المنصور، مما كان بيد أخيه أبي نصر، سنة تسع وعشرين. وفي هذه السنة عزلا جميعًا عن القضاء ببغداد. وكان السبب فيه ما جرى بين أبي نصر، وبين أبي عبد الله بن أبي موسى الهاشمي. وكان أبو موسى هذا أولًا ممن سعى للقاضي أبي نصر، في الولاية. ثم اتهمه أبو نصر بالسعي عليه، لأخيه. فوقعت بينهما وحشة. فأخذ أبو نصر شهادة العدول، بأن ابن أبي موسى ليس أهلًا للشهادة، فأسقطه. وأشهد ابن أبي موسى ثلاثين عدلًا، أنه لا يشهد عند أبي نصر أبدًا. وتجرّد في السعي عليه. وأنفق من ماله ألوفًا كثيرة، حتى صرفه. وولي أبو محمد مكانه. فخلع عليه لعشر خلون من محرم، سنة تسع وعشرين. وقال ابن سنان: صرف أبو نصر عن القضاء في جمادى الأولى، من هذه السنة. ثم رد الى الجانب الشرقي في شعبان منها. ثم عزلا جميعًا، في هذه السنة. وزعم القاضي أبو بكر بن الأخضر الداودي، في
كتابه في أخبار أهل الظاهر: أن أبا نصر هذا انتقل آخرًا عن مذهب مالك، الى مذهب داود. وتقدم فيه. وتمم كتاب الإيجاز لمحمد بن داود. رحمه الله تعالى. وأنشد الخطيب أبو بكر، لأبي نصر القاضي:
стр. 902
يا محنة الله كفي … إن لم تكفي فخفّي
ما آنَ أن ترحمينا … من طول هذا التشفي
ذهبت أطلب بختي … وجدته قد توفي
ثورٌ ينالُ الثريا … وعالم مستخفِ
الحمد لله شكرًا … على بقائه خفي
وتوفي يوم الأربعاء، لثمان خلون من ذي القعدة، سنة ست وخمسين وثلاثمائة. ومولده سنة خمس وثلاثين. رحمه الله تعالى.
هارون بن ابراهيم بن حماد بن إسحاق بن اسماعيل بن حماد كنيته أبو بكر
ولي قضاء مصر، سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. وهو ببغداد. فكتب الى عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معمر الجوهري، والى محمد بن علي بن الحسن بن شعيب، المدايني. فتسلما ديوان القضاء وقرأ الجوهري كتاب عهده، بجامع مصر. وقد تضمن ولاية الصدقات، فسلماه الديوان. ثم أفرد الجوهري منهما، بالنظر، والحكم. وكان الجوهري عفيفًا عن أموال الناس، يذهب مذهب أبي حنيفة. فتولى ذلك الى أن قدم أحمد بن ابراهيم، خليفة لأخيه هارون. فعزل سنة ست عشرة وثلاثمائة. ثم وليها خليفة لأخيه هارون، ثانية، سنة سبع عشرة الى أن صرف بصرف أخيه، في سنة عشرين. ثم وليها من قبل القاهر أمير المؤمنين، سنة إحدى وعشرين. ثم صرف صدر سنة اثنتين وعشرين، بعد عزل ابن قتيبة.
ثم صرف سنة اثنتين وعشرين. وتوفي فجأة في جمادى الأولى سنة ثمان
стр. 903
وعشرين وثلاثمائة. ولد ببغداد، وكان يخضب بالسواد، وسنّه يوم مات ثمان وخمسون سنة. رحمه الله تعالى.
أحمد بن ابراهيم أخوه، رحمه الله تعالى
كنيته أبو عثمان. يروى عن أبيه. وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن عبد العزيز العمري. حدث عنه أبو محمد بن أبي زيد. رحمه الله تعالى. وخلف أخاه، على قضاء مصر، مورده لها سنة أربع عشرة وثلاثمائة. فحكم قضاءها الى آخر سنة ست عشرة، فعزل. وولي قضاءها بعد ذلك، بين خلافة وقضاء، ست مرات.
سيرته رحمه الله تعالى
قال القاضي أبو طاهر الذهلي: كان أبو عثمان مشهورًا بالحياء، وخفض الصوت. أخبرني من حجّ معه: أنه كان إذا لبّى، أتى بأخفض صوت ما يكون. حتى كان النساء أرفع منه صوتًا. قال غيره: كان لا يكاد يفهم كلامه، من الحياء واسكتب أبا حفص، عمر بن أحمد بن شجاع. وفرض للمرابطين والأعراض، لأول ولايته. ففرض لألف رجل ونيف. وأصلح ثمانين علمًا. وفي ولايته الأولى، حكم بتوريث ذوي الأرحام، وورد الكتاب بالأمر بذلك، من بغداد. وهذا أول من خرج من القضاة يمضي الى مسجد، مجبور لرؤية هلال رجب. احتياطًا لرمضان. وكان في مدة قضائه بمصر يسمع من أبي جعفر الطحاوي، ويتردد عليه. الى أن مات أبو جعفر. قال بعضهم: حضرت مجلس أبي جعفر الطحاوي، وعنده
стр. 904
أبو عثمان بن حماد، وهو يومئذ قاضي مصر، فدخل إليه رجل، فسأل أبا جعفر عن مسألة. فقال له أبو جعفر: مذهب القاضي أيده الله، كذا وكذا. فقال له السائل: ما جئت الى القاضي، إنما جئت إليك. فقال: يا هذا، مذهب القاضي، ما قلت لك. فقال له
السائل: مثل ما قال له أولًا. فقال: أبو عثمان تفتيه أيدك الله. فقال أبو جعفر إذا أذن القاضي أيده الله أفتيه. ثم أفتاه بعد ذلك. هذا من فضلهما وأدبهما. مولد أبي عثمان سنة خمس وسبعين ومائتين وتوفي بمصر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وقد لحقته حاجة وفقر. كفنه حين مات أبو بكر المدراني صاحب خراجها.
علي بن ابراهيم أخوهما
كنيته أبو الحسين. يروى عن أبيه، والحارث ابن أبي أسامة. ومحمد بن خلف. ووكيع. والبهلول بن إسحاق، ابن البهلول. روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الوهاب، وأبو عبد الله التستري، وأبو الحسن الدارقطني.
عبد الصمد بن الحسين بن يوسف بن يعقوب أبو الحسن
ويعرف بابن أبي يعلى. كنيته أبو الحسين. يسمع من عمه القاضي أبي عمر. ذكر أنه سمع من اسماعيل. روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى.
أبو الطاهر الذهلي
رحمه الله تعالى. قال الدارقطني: هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، ابني يحيى بن عبد الله بن صالح بن أسامة الذهلي. من بيوتات العلم
стр. 905
ببغداد. وذوي الأقدار بها. سمع بشر بن موسى، وأبا أحمد بن عبدوس، وموسى بن هارون، وأبا بكر الفريابي، وجعفر بن يحيى القطان، وأبا إسحاق الزجاج. ومن شيوخه أيضًا أبو بكر محمد بن سليمان الشروري، والقاضي أبو عمر الحمادي. سمع منه أبو الحسن الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد، وأبو القاسم الجوهري، وأبو الحسن بن
علي، وأبو القاسم بن أبي زيد. وانتخب له أبو الحسن الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد أجزاءً من حديثه. قال الدارقطني: كتبت عنه بمصر وأبو القاضي أبو العباس، أحمد، قاضي واسط. ويروي عن الدورقي، ومحمد بن خراش، ومحمد بن عبد الله المخزومي، وعمران بن بكّار، وابن النّطاح، ومحمد بن خالد. كتبنا عنه أمالينا. قال الفرغاني: كان أبوه من شيوخ القضاة بالعراق. وولي بها جليل الأعمال، كالبصرة وواسط. وحدث عنهم، وهم من أهل البيوتات ببغداد. قال الدارقطني، وأخوه نصر بن عبد الله بن نصر بن يحيى، يروى عن علي بن الجعد، وعاصم بن علي، وأبي بلال، قال الأمير فيه: كان ثقة ثبتًا. كان كثير السماع فاضلًا. بيته بيت جليل، في الحديث والقضاء. قال الفرغاني: كان أبو الطاهر مسندًا في الحديث، فقيهًا بمذهب مالك، ثبتًا أديبًا، كاملًا، ذا قدر وجلالة وقدم في دولة بني العباس. وكان من شهود القاضي أبي الحسين بن حماد. وله به خاصة. ولاه القضاء بواسط فنكبه بها بحكم التركي. فتخلص بعد أن أشقى على الهلكة.
ولي قضاء لمدينة وعملها أيام المتقي، سنة تسع وعشرين. وقال الصولي: إنه لما ولي في هذه السنة قضاء مدينة المنصور، ببغداد، عند آل حماد، ثم لفظته العراق بأسباب الفتنة، بعد أن ولي
стр. 906
جانبي بغداد، فخرج الى مصر، وولي قضاء دمشق، فاختلف عليه أهلها، فصرف. ثم ولي قضاء مصر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، بعد الحصبي وابنه. ودخل جوهر غلام بني عبيد مصر، وهو قاضيها. فبقي على قضائها. قال الفرغاني: وكان حسن السيرة والعلم بالعربية، والآداب. قال القاضي أبو عبد الله بن الحداد: وكان محدث زمانه، وطال عمره. قال غيره: روى كتب الأدب عن ثعلب، وأبي الفرج الأصبهاني. قال ابن أبي زيد رحمه الله تعالى: كان فقيهًا بمذهب مالك، وأديبًا كاملًا. وكانت له جلالة وقدر. مسندًا في الحديث. قال
القاضي أبو عبد الله: وتوفي أبو الطاهر سنة تسع وستين وثلاثمائة ومولده سنة سبع وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى.
أبو عبد الله التستري
هو محمد بن أحمد القاضي. من أهل البصرة. ويعرف بالتُّستري. وهو قريب لسهل بن عبد التستري العابد، ذي الأقاصيص العجيبة. أخذ عن ابراهيم بن حماد، ومحمد بن خشنان والبرنكاني، وغيرهم من أئمة المالكيين، وسمع من أبيه، وأحمد بن علي بن الحسن، وابراهيم بن محمد الحلواني، وجرير بن محمد الغطفاني، وأبي عبد الله الزبيري، وأبي بكر بن أبي داود، وموسى بن سهل بن عبد الحميد، والحسن بن المثنى، والحسين بن إسحاق، والدميني، ومحمد بن سليمان الباغندي، وعبد الله بن جامع الحلواني، واللؤلؤي وغير واحد. وكان له اتساع في الرواية والحديث، وحظ من العربية. وكان ملازمًا للسنّة، نافرًا من البدعة. حدث عنه ابنه، وجعفر بن نصر الخلدي. قال الفرغاني: وأدرك سهلًا. وسمع منه حكايتين. قال: سمعته وهو يقول: من أصبح ولم يعتقد أنه يمسي في القبر، لعبت به الشياطين
стр. 907
طول يومه. قال: وسمعته يقول: الأكل على ثلاثة أصناف فآكل يأكل نورًا، وإيمانًا، من أول طعامه الى آخره. وآخر: يأكل طعامًا. وآخر يأكل سرجينًا. فأما الذي يأكل نورًا وإيمانًا من أول طعامه الى آخره: فالذي يمسي الله عند كل لقمة، ويحمده عند إساغتها. وأما الذي يأكل طعامًا فالذي يسمي الله أول طعامه، ويحمده في آخر.
وأما الذي يأكل سرجينًا: فالذي لا يذكر الله في أول طعامه، ولا في آخره. أو كما قال. فإني كتبته من حفظي. قال الفرغاني: وتوفي سهل وهو صغير ابن عشر سنين. مولده سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ووفاة سهل رضي الله تعالى عنه: سنة ثلاث وثمانين ومائتين. قال: وكان أبو عبد الله هذا، عالمًا بمذهب مالك. شديد
التعصب له. ووضع في مناقبه نحو عشرين جزءًا. وقد طالعتها وانتقيت في هذا الكتاب في أخبار مالك عيونها. وقد أدخل جميع ما له فيها من كلام صاحب الاستيعاب، في جامعه. وله كتاب في فضائل أهل المدينة، والحجة. وكان ندب في أيام علي بن الجراح لتعقبه أهل مدينة الرسول ﷺ . فأقام بها زمانًا طويلًا. ثم عاد الى العراق. وتقلد قضاء البصرة بلده، سنين. ثم قصده أحد رؤسائها بمكروه كثير، لوحشة جرت بينهما. فصرف عن القضاء. وقصد الوزير المهلبي الى الأهواز، فشكا إليه أمره. فوعده بكل جميل، ونوى صرفه الى القضاء، فغير عليه. فعاد الى البصرة. فجرت له بها أقاصيص مع المعتزلة. فنبت به الدار، وقصد بغداد سنة خمس وأربعين. فلقيه بها الشريف أبو عبد الله بن المراغي، الصغير العلوي، في بعض الطرق. فقال له: أنت تقول إن الله يُرى يوم القيامة. وإن القرآن غير مخلوق. فقال:
стр. 908
نعم. فبصق في وجهه. وقيل إنه لعنه وسبه، أقبح سب. ففت ذلك في عضده، وأعلّه وأحدث به ورمًا. وقيل إنه قال لولده: هذه علة لم أعتلّ بمثلها قط، وأحسبها علة الموت. فإذا مت، فلا تزدني على ثوبين تدرجني فيهما، إدراجًا بثمن أربعين درهمًا، وتبخرهما بنصف أوقية عود، وادفنّي عند قبر معروف، فإنها بُقعة مباركة. فمات رحمه الله تعالى، في شهر ربيع الأول من السنة التي قدم فيها بغداد. وهي سنة خمس وأربعين المذكورة. وسنّه اثنان وسبعون سنة. وقد تقدم مولده رحمه الله تعالى.
بكر بن العلاء
القشيري. وهو بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد بن الوليد بن الحميم بن ملك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن بشير بن كعب القشيري. كذا نسبه غير واحد. كنيته أبو الفضل. وأمه من ولد عمران بن حُصَين صاحب رسول الله ﷺ . وكذا حكى عنه محمد بن عمر بن عيشون الطيطلي. وهو من أهل البصرة، وانتقل الى مصر، وهو من كبار فقهاء المالكيين، رواية للحديث. وذكره أبو إسحاق الشيرازي في أصحاب إسماعيل. وقال الفرغاني وغيره: إنه لم يدرك اسماعيل، ولا سمع منه. وقد ذكر بكر، اسماعيل في كتبه بالإجازة. ولا يبعد سماعه من اسماعيل. إذ قد أدركه بالسن، كما تراه في وفاته، وسنّه. سمع من كبار أصحاب اسماعيل وغيرهم، كابن حسام، والبرنكاني، والقاضي أبي عمر وابراهيم بن حماد، وجعفر بن محمد الفريابي، وروى عن أحمد بن ابراهيم بن عبد، وسعيد بن عبد الرحمان الكرابيسي، ومحمد بن صالح الطبري، وأبي خليفة الجمحي، وغيرهم، من أئمة الفقه والحديث. حدث عنه من لا يعد، من المصريين والأندلسيين والقرويين، وغيرهم. بل ممن حدث عنه
стр. 909
أبو عراك، والنعال، وأبو محمد النحاس، وابن مفرج وابن عيشون، وأحمد بن ثابت، وابن عون الله، وأبو زيد بن أبي عامر البستي. قال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر. وتقلّد أعمالًا للقضاء. وكان راوية للحديث. وأوله من البصرة. ثم خرج من العراق لأمر اضطره. فنزل مصر، قبل الثلاثين والثلاثمائة. وأدرك فيها رياسة عظيمة. وكان قد ولي القضاء ببعض نواحي العراق، وعده أبو القاسم الشافعي في شيوخ المالكية الذين لقيهم، وأثنى عليه. وألف بكر كتبًا جليلة، منها: كتاب الأحكام، المختصر من كتاب اسماعيل بن إسحاق. الزيادة عليه. وكتاب الرد على المزني.
وكتاب الأشربة، وهو نقيض كتاب الطحاوي. وكتاب أصول الفقه. وكتاب القياس. وكتاب في مسائل الخلاف. وكتاب الرد على الشافعي، في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة. وكتاب الرد على القدرية. وكتاب الرد على من غلط في التفسير، والحد، ومسألة الرضاع، ومسألة بسم الله الرحمن الرحيم، ورسالة الى من جهل محل مابك بن أنس، من العلم. ورأيت له كتاب أحد
الأصول، وكتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وكتاب ما في القرآن من دلائل النبوة، وغير ذلك. وذكر أبو مروان بن مالك الفقيه، القرطبي: أن بكر قال: احتبس بولي، وأنا صبي نحو سبعة أيام، فأتى بي والدي، الى سهل. يعني: التستري، ليدعو لي، فمسح يده على بطني. فما هو إلا أن خرجنا بلت على عنق الغلام. توفي بمصر، ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأولى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر، وشهدت جنازته، ودفن بالمقطم. قال أبو عبد الله بن عيشون: وأنشدنا بك ب العلء:
ومن شيمتي أن لا أفارق صاحبًا … على حاله إلا سألت له رشدا
فإن عادني ودي رجعت ولم أكن … كآخر لا يرعى ذمامًا ولا عهدا
стр. 910
أبو علي محمد بن سليمان بن علي المالكي
البصري. القاضي بها. يروي عن زيد بن أخزم. وأبي حفص القلاس. والنضر بن طاهر، وبندار، ومحمد بن عبد الملك، حدّث عنه الدارقطني. وسمع منه بالبصرة، أبو محمد بن اسماعيل.
أبو جعفر بن قتيبة
رحمه الله تعالى. هو أحمد بن عبد الله بن مسلم الدينوري، البغدادي النسّابة. كان مالكي المذهب، من أهل العلم، والحفظ لكتب أبيه من حفظه. وكان يحفظها كما يحفظ القرآن. ويرد فيها من حفظه، النقطة والشكلة. وما معه نسخة. كان أبوه: أبو محمد حفّظه إياها في اللوح. وعدتها إحدى وعشرون مصنفًا. كتاب المشكل. وكتاب معاني القرآن. وكتاب غريب القرآن. وكتاب عيون الأخبار. وكتاب مختلف الحديث. وكتاب غريب الحديث. وكتاب التفسير. وكتاب الفقه. وكتاب المعارف. وكتاب أعلام النبوة. وكتاب العرب والعجم. وكتاب الأنواء. وكتاب
الميسر. وكتاب طبقات الشعراء. وكتاب الشعر. وكتاب إصلاح الغلط. وكتاب أدب الكاتب. وكتاب الأبنية. وكتاب النحو. وكتاب المسائل. وكتاب القرآن. سمع منه خلق عظيم، من الجلة. بالعراق ومصر. كأحمد بن ولاء، وأبي جعفر النحاس، وأبي عاصم المظفّر بن أحمد، وأبي علي القالي، وغيرهم من جلّة أهل الأدب والرواية. وكان مجلسه، لعيون الناس، وأعيان الفقهاء. ولم يكن عنده حديث،
стр. 911
إلا ما في كتب أبيه. وولي قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وردها ولبس السواد وحكم في جامعها، واستخلف الفقيه أبا الذكر المالكي على فرض النساء. وكانت في خلقه حدة. وتوفي في ربيع الأول سنة اثنين وعشرين، بعد صرفه. وكانت ولايته القضاء بمصر ثلاثة أشهر. وله ابن اسمه عبد الواحد، روى عن أبيه. سمع منه أبو عبد الله الوشاء المصري.
من أهل مصر
ابن القرطي
هو أبو إسحاق: محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن أيوب الصيقل بن عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. كذا حكى أبو القاسم بن سهل الحافظ. وذكر أنه نسب له نفسه كذا. يقال ابن عمار بن عبس، وعبس بن مذحج ويعرف بابن القرطي. بقاف مضمومة وراء ساكنة وبعدها طاء مكسورة وياء النسب. قال الفرغاني: كان رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، من الخبر والتاريخ والأدب، الى التديّن والورع. وذكر أنه كان يلحن. ولم يكن له بصر بالعربية، مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية كثير الحديث، مليح التأليف. قال ابن مفرّج العنسي: هو شيخ الفتوى وحافظ البلد. وكذلك قال أيضًا ابن أبي زيد فيه. وقال الشيرازي: وإليه انتهت رئاسة المالكيين بمصر، ووافق موته دخول بني عبيد الروافض، وكان شديد الذمّ لهم. ويقال إنه كان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم. ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر، فكان كذلك. قال القابسي: أرسل معزّ بني عبيد، قبل دخوله مصر، الى أبي إسحاق بن شعبان، صلة
стр. 912
من مائة مثقال، وكتابًا مع رسوله ابن الديلمي. فقرض ابن شعبان من الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وأحرق باقيه، في الشمعة أمام الرسول، ورد المائة عليه، وقال للرسول: لولا أنه ثبت عندي أنك سنّي، ما خرجتَ من هذه الدار، ولجعلتُ من يقتلك. وذكر لي أن أبا الحسن القابسي وأبا محمد بن أبي زيد رحمهما الله تعالى، وغالب ظني أنه أبو الحسن، كان يقول في ابن شعبان: إنه ليّن الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست مما رواه ثقات أصحابه، واستقر من مذهبه. قال ابن حيان: كان الحكم المستنصر، أمير المؤمنين بالأندلس،
فوجه كل عام الى كل واحد منهم مائة مثقال، وبضعفها لأبي إسحاق. وفعل ذلك بعده، صاحب القيروان. فردها ابن شعبان. فاعتذر له. فأعرض عنه ابن شعبان. ولم يوافقه على قبوله إياها. وألف كتابه الزاهي الشعباني، المشهور في الفقه. وكتاب في أحكام القرآن. وكتاب مختصر ما ليس في المختصر. وكتاب مناقب مالك. وكتاب شيوخ مالك. وكتاب الرواة عن مالك. وكتاب جماع النسوان. وكتاب مواعظ ذي النون الأخميمي. وكتاب النوادر. وكتاب الاشراط. وكتاب المناسك. وكتاب السنن من الوضوء. قال الفرغاني: وتوفي ابن شعبان يوم السبت، لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. ودفن يوم الأحد، وقد جاوز سنه ثمانين سنة. وصلى عليه أبو علي الصيرفي رضي الله تعالى عنه، وخلق عظيم.
أبو علي الحسين
ابن أيوب بن سليمان المعروف بالصيرفي. قال الفرغاني: كان من وجوه
стр. 913
المالكيين بمصر. مقدّمًا فيهم مع عفة وسعة جاه. وكان إليه أمر الوقت بمصر، وأعمالها. وتوفي في ذي الحجة، بعد ابن شعبان، بنحو سبعة أشهر، في السنة التي مات فيها. وحضر جنازته كافور، أمير مصر، وقلّ من تخلّف عنها. ودفن بالمقطّم، وهو ابن أربع وتسعين سنة.
أبو الحسن السلفاني
رحمه الله تعالى. اسمه علي بن جعفر بن أحمد القاضي. روى عن ابن أبي مطر. يروى عنه أبو الحسن القابسي. وأبو زيد بن أبي عامر الكتامي، من أهل سبتة. وكان أخذ مشيخة المالكيين بمصر. ثم نزل جزيرة اقريطش. قال أبو الوليد الباجي: هو فقيه معروف. قال الفرغاني: وكان أهل اقريطش كتبوا الى مصر،
يسألون أن يوجه إليهم من يفقههم. ويتقلد حكمهم. فوقع الاتفاق عليه. فخرج إليها وأقام بها، الى أن دخلها الروم، واستحوذوا عليها. من سنة خمسين وثلاثمائة وملكوها الى وقتنا هذا. ردها الله تعالى لدار الإسلام، بمنه.
محنته وأخباره في أسره
وكان أبو الحسن فيمن أُسر باقريطش. وحمل الى القسطنطينية، دمرها الله تعالى. وجرت بينه وبين نقفور الطاغية ملكها مناظرة. قال السلفاني أحضرني نقفور ليلًا، بالقسطنطينية. فكان أول ما خاطبني به أن قال لي:
стр. 914
ما علمت أنك هاهنا، حتى عرفت أنه مات ابنك اليوم. فذكر لي أمرك. فتذكرت أمرك. فدعوت له. ثم قال لي: أنت تقول الخير من الله والشر من الله. قلت: نعم. وذلك أن النصارى كلهم على مذهب القدرية في الاستطاعة. فقال لي: نقفور. فكيف يقدر عليه. إذ هذا ظلم، لا يشبهه. فقلت له: لم يظهره الى ما خلق، مسيطر. قلت له: هل كان حقًا عليه أن يخلق أم لا؟ فلم يجد جوابًا. ثم قال لي: عيسى بشّر به جميع الأنبياء. ونبيّكم لم يبشّر به أحد من الأنبياء. فقلت له: نبيّنا قد بشر به، جميع الأنبياء أيضًا. قال ما وجد منه في كتابكم، فهو عندنا. فقلت له: أنا أوجده في كتابكم، وكتابنا. قال: لئن لم تفعل تموت. قلت: مَن يحكم بيننا إذا اختلفنا؟ قال: اليهود. قلت أعداؤنا، وأعداؤكم، كيف تحكم علينا؟ فسكت. فقال لي أيضًا: وأنتم لم تجمعوا على نبيّكم. فإن منكم من يقول: إن النبي عليّ. فقلت: ليس من يقول هذا عندنا مسلمًا. فجسرت فقلت: وأنتم أيضًا مختلفون في الباري تعالى. وذكرت له مقالاتهم. فقال لي في بعض كلامه خرج رجل فأظلته سحابة. فنظر فيها، فعمي. وكان فيها عيسى. فقلت: وهذا أيضًا من أعجب العجب. أن أقام عيسى بين الناس مدة، ينظرون إليه، وينظر إليهم، ويكلمهم، فلم يعمَ من ينظر إليه، ويكلمونه فلما تباعد، عمي من نظر إليه. فسكت. وتكلم معي في غير هذا أيضًا. فرأيت أنه نظر
في شيء من الكلام لم يحسنه، وذهب به العجب مذهبه.
وكان صاحبه رجل من معتزلة البصرة، طرق له شيء من الكلام هوسه.
стр. 915
أبو بكر محمد بن سليمان
ابن أبي شريف. واسمه ابراهيم بن عبد الله المهلب. القضاعي الحويكي الحويسي. وقد ذكرناه. وأبو بكر هذا، من فقهاء المالكية بالفسطاط، والمدرسين في جامعه. يروى عن محمد بن مكي الخولاني، وعن أبي الحسن بن تدمير، روى عنه أبو القاسم الجوهري، ويحيى بن عابد، وأبو الحسن القابسي. وذكر أبو القاسم بن أبي يزيد في تاريخه: أن أبا بكر هذا، هو الذي حجّ بالناس سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، باجتماع من حضر الموسم، لفتنة كانت بالموسم. فصلى بالناس في مسجد ابراهيم ﵇.
أبو القاسم بن النحاس رحمه الله تعالى
من كبار فقهاء المالكية بمصر. وكانت له حلقة تلي حلقة ابن شعبان بجامع الفسطاط. ذكر ذلك الفرغاني، رحمه الله تعالى.
أبو بكر بن مهبي رحمه الله تعالى
من فقهاء هذه الطبقة. ودرس بجامع الفسطاط. مكان أبي بكر بن أبي الأصبغ بعد وفاته. ذكره الفرغاني.
أبو الذكر محمد
ابن يحيى بن مهدي التّمّار. من أهل أسوان. قاضي مصر. قال الشيرازي: تفقه بالمغامي، سمع منه أبو الطاهر محمد بن عبد الغني. ولي قضاء