← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

إلا ما في كتب أبيه. وولي قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وردها ولبس السواد وحكم في جامعها، واستخلف الفقيه أبا الذكر المالكي على فرض النساء. وكانت في خلقه حدة. وتوفي في ربيع الأول سنة اثنين وعشرين، بعد صرفه. وكانت ولايته القضاء بمصر ثلاثة أشهر. وله ابن اسمه عبد الواحد، روى عن أبيه. سمع منه أبو عبد الله الوشاء المصري. من أهل مصر ابن القرطي هو أبو إسحاق: محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن أيوب الصيقل بن عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. كذا حكى أبو القاسم بن سهل الحافظ. وذكر أنه نسب له نفسه كذا. يقال ابن عمار بن عبس، وعبس بن مذحج ويعرف بابن القرطي. بقاف مضمومة وراء ساكنة وبعدها طاء مكسورة وياء النسب. قال الفرغاني: كان رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، من الخبر والتاريخ والأدب، الى التديّن والورع. وذكر أنه كان يلحن. ولم يكن له بصر بالعربية، مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية كثير الحديث، مليح التأليف. قال ابن مفرّج العنسي: هو شيخ الفتوى وحافظ البلد. وكذلك قال أيضًا ابن أبي زيد فيه. وقال الشيرازي: وإليه انتهت رئاسة المالكيين بمصر، ووافق موته دخول بني عبيد الروافض، وكان شديد الذمّ لهم. ويقال إنه كان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم. ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر، فكان كذلك. قال القابسي: أرسل معزّ بني عبيد، قبل دخوله مصر، الى أبي إسحاق بن شعبان، صلة

стр. 912

من مائة مثقال، وكتابًا مع رسوله ابن الديلمي. فقرض ابن شعبان من الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وأحرق باقيه، في الشمعة أمام الرسول، ورد المائة عليه، وقال للرسول: لولا أنه ثبت عندي أنك سنّي، ما خرجتَ من هذه الدار، ولجعلتُ من يقتلك. وذكر لي أن أبا الحسن القابسي وأبا محمد بن أبي زيد رحمهما الله تعالى، وغالب ظني أنه أبو الحسن، كان يقول في ابن شعبان: إنه ليّن الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست مما رواه ثقات أصحابه، واستقر من مذهبه. قال ابن حيان: كان الحكم المستنصر، أمير المؤمنين بالأندلس، فوجه كل عام الى كل واحد منهم مائة مثقال، وبضعفها لأبي إسحاق. وفعل ذلك بعده، صاحب القيروان. فردها ابن شعبان. فاعتذر له. فأعرض عنه ابن شعبان. ولم يوافقه على قبوله إياها. وألف كتابه الزاهي الشعباني، المشهور في الفقه. وكتاب في أحكام القرآن. وكتاب مختصر ما ليس في المختصر. وكتاب مناقب مالك. وكتاب شيوخ مالك. وكتاب الرواة عن مالك. وكتاب جماع النسوان. وكتاب مواعظ ذي النون الأخميمي. وكتاب النوادر. وكتاب الاشراط. وكتاب المناسك. وكتاب السنن من الوضوء. قال الفرغاني: وتوفي ابن شعبان يوم السبت، لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. ودفن يوم الأحد، وقد جاوز سنه ثمانين سنة. وصلى عليه أبو علي الصيرفي رضي الله تعالى عنه، وخلق عظيم. أبو علي الحسين ابن أيوب بن سليمان المعروف بالصيرفي. قال الفرغاني: كان من وجوه

стр. 913

المالكيين بمصر. مقدّمًا فيهم مع عفة وسعة جاه. وكان إليه أمر الوقت بمصر، وأعمالها. وتوفي في ذي الحجة، بعد ابن شعبان، بنحو سبعة أشهر، في السنة التي مات فيها. وحضر جنازته كافور، أمير مصر، وقلّ من تخلّف عنها. ودفن بالمقطّم، وهو ابن أربع وتسعين سنة. أبو الحسن السلفاني رحمه الله تعالى. اسمه علي بن جعفر بن أحمد القاضي. روى عن ابن أبي مطر. يروى عنه أبو الحسن القابسي. وأبو زيد بن أبي عامر الكتامي، من أهل سبتة. وكان أخذ مشيخة المالكيين بمصر. ثم نزل جزيرة اقريطش. قال أبو الوليد الباجي: هو فقيه معروف. قال الفرغاني: وكان أهل اقريطش كتبوا الى مصر، يسألون أن يوجه إليهم من يفقههم. ويتقلد حكمهم. فوقع الاتفاق عليه. فخرج إليها وأقام بها، الى أن دخلها الروم، واستحوذوا عليها. من سنة خمسين وثلاثمائة وملكوها الى وقتنا هذا. ردها الله تعالى لدار الإسلام، بمنه. محنته وأخباره في أسره وكان أبو الحسن فيمن أُسر باقريطش. وحمل الى القسطنطينية، دمرها الله تعالى. وجرت بينه وبين نقفور الطاغية ملكها مناظرة. قال السلفاني أحضرني نقفور ليلًا، بالقسطنطينية. فكان أول ما خاطبني به أن قال لي:

стр. 914

ما علمت أنك هاهنا، حتى عرفت أنه مات ابنك اليوم. فذكر لي أمرك. فتذكرت أمرك. فدعوت له. ثم قال لي: أنت تقول الخير من الله والشر من الله. قلت: نعم. وذلك أن النصارى كلهم على مذهب القدرية في الاستطاعة. فقال لي: نقفور. فكيف يقدر عليه. إذ هذا ظلم، لا يشبهه. فقلت له: لم يظهره الى ما خلق، مسيطر. قلت له: هل كان حقًا عليه أن يخلق أم لا؟ فلم يجد جوابًا. ثم قال لي: عيسى بشّر به جميع الأنبياء. ونبيّكم لم يبشّر به أحد من الأنبياء. فقلت له: نبيّنا قد بشر به، جميع الأنبياء أيضًا. قال ما وجد منه في كتابكم، فهو عندنا. فقلت له: أنا أوجده في كتابكم، وكتابنا. قال: لئن لم تفعل تموت. قلت: مَن يحكم بيننا إذا اختلفنا؟ قال: اليهود. قلت أعداؤنا، وأعداؤكم، كيف تحكم علينا؟ فسكت. فقال لي أيضًا: وأنتم لم تجمعوا على نبيّكم. فإن منكم من يقول: إن النبي عليّ. فقلت: ليس من يقول هذا عندنا مسلمًا. فجسرت فقلت: وأنتم أيضًا مختلفون في الباري تعالى. وذكرت له مقالاتهم. فقال لي في بعض كلامه خرج رجل فأظلته سحابة. فنظر فيها، فعمي. وكان فيها عيسى. فقلت: وهذا أيضًا من أعجب العجب. أن أقام عيسى بين الناس مدة، ينظرون إليه، وينظر إليهم، ويكلمهم، فلم يعمَ من ينظر إليه، ويكلمونه فلما تباعد، عمي من نظر إليه. فسكت. وتكلم معي في غير هذا أيضًا. فرأيت أنه نظر في شيء من الكلام لم يحسنه، وذهب به العجب مذهبه. وكان صاحبه رجل من معتزلة البصرة، طرق له شيء من الكلام هوسه.

стр. 915

أبو بكر محمد بن سليمان ابن أبي شريف. واسمه ابراهيم بن عبد الله المهلب. القضاعي الحويكي الحويسي. وقد ذكرناه. وأبو بكر هذا، من فقهاء المالكية بالفسطاط، والمدرسين في جامعه. يروى عن محمد بن مكي الخولاني، وعن أبي الحسن بن تدمير، روى عنه أبو القاسم الجوهري، ويحيى بن عابد، وأبو الحسن القابسي. وذكر أبو القاسم بن أبي يزيد في تاريخه: أن أبا بكر هذا، هو الذي حجّ بالناس سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، باجتماع من حضر الموسم، لفتنة كانت بالموسم. فصلى بالناس في مسجد ابراهيم ﵇. أبو القاسم بن النحاس رحمه الله تعالى من كبار فقهاء المالكية بمصر. وكانت له حلقة تلي حلقة ابن شعبان بجامع الفسطاط. ذكر ذلك الفرغاني، رحمه الله تعالى. أبو بكر بن مهبي رحمه الله تعالى من فقهاء هذه الطبقة. ودرس بجامع الفسطاط. مكان أبي بكر بن أبي الأصبغ بعد وفاته. ذكره الفرغاني. أبو الذكر محمد ابن يحيى بن مهدي التّمّار. من أهل أسوان. قاضي مصر. قال الشيرازي: تفقه بالمغامي، سمع منه أبو الطاهر محمد بن عبد الغني. ولي قضاء

стр. 916

مصر، سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. خليفة لأبي يحيى عبد الله بن مكرم، لما ولي قضاءها، وهو ببغداد. كتب الى الطحاوي، وعلي بن أحمد بن سليمان، وموسى بن عبد الله، وعبد الله بن محمد السجستاني، في اختيار رجل يرضونه. ينظر بين الناس. فوقع اختيارهم عليه. ثم ولاه ابن طفح، بعد سنة ثلاثين وثلاثمائة أيضًا. النظر بين أهل مصر، عند موت القاضي أبي بدر الصيرفي. قال ابن حارث: كان فقيه مصر في وقته. وكانت له حلقة في جامعها. وبه كان يلوذ كل مالكي، إلا قليلًا. وتناظر عنده فقهاء من القرويين، أبو محمد العتمي وأبو الفضل المهلبي. وكان يجلس للتفقه بجامع الفسطاط، من صلاة الصبح الى الزوال، ومن الظهر الى العصر. وذكر بعضهم أن أبا بكر بن الحداد، الشافعي، أيام نظره في قضاء مصر. تقدم إليه رجل جحد ابنة له من زوجته. فنظر في لعانها. وأعدّ رجلًا يضرب على فم الزوج عند فراغه. وأمره أن يضرب على فم المرأة عند فراغها. ويقولا إنها موجبة على مذهبه. مذهب الشافعي. وتبادر الناس للاجتماع لذلك. فتلطف أبو الذكر، بالرجل، حتى اعترف بالبنت، وبالمرأة حتى أعفته من الحدّ، ورفع الأمر الى أبي بكر بن الحداد. فعلم أنه قطع به عن مراده بأمر: - بحمل البنت على أبيها، والنداء عليهما بمصر - هذا الذي جحد ابنته فاعرفوه. وأمر بإيقافها بمجلس أبي الذكر. قال ابن حارث رحمه الله تعالى: وتوفي قريبًا من سنة عشرين وثلاثمائة. وذكر الشيرازي غير هذا. والذي يأتي على ما تقدم، من ولايته، أن وفاته بعد هذا كله، والصحيح أن وفاته سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. هكذا قيدها ابن أبي يزيد في تاريخه، في المصريين، سنة وفاة أبي بكر الصموت، بها.

стр. 917

مؤمّل بن يحيى أخوه. رحمه الله تعالى. أكثر الناس يقوله بفتح الميم الثانية. ووجدته بخط بعضهم: مكسورة مع التشديد في الوجهين. جلس مجلس أخيه بعد موته. وكانا معًا ممن يدرّس في جامع الفسطاط. سمع مؤمّل من حمديس ومحمد بن عمر، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز، وأبي الطاهر محمد بن جعفر البرسيمي. سمع منه حمزة الحافظ، وسلمة بن سعيد الاسبحي، وأبو القاسم الجوهري، رحمهم الله تعالى. أبو جعفر أحمد بن محمد بن هارون بن موسى، المعروف بابن الأسواني. من مشاهير فقهاء المالكية بالفسطاط، والمدرسين بجامعه، من هذه الطبقة. يروي عن أبي القاسم بن مدى، ومحمد بن عمر بن النفاح الباهلي، وموسى بن عبد الله بن أبي مروان، وغيلان البداري، وأبي طالب الخشاب. روى عنه أبو القاسم بن يحيى الحضرمي، وعبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو الحسن بن الطفال، وأبو الحسن بن فهر، وأبو هارون الصديني الفارسي، رضي الله تعالى عنهم. أبو مطر حسن بن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مطر العامري. تقدم ذكر أبيه. فقال ابن أبي يزيد المصري: ولي قضاء مصر، عند وفاة أبيه، سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. قال الفرغاني: وهو شيخ صالح، يروي عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن خزيمة. روى عنه أبو القاسم المكتب خلف

стр. 918

بن محمد. قال الفرغاني: ولما توفي، ولي ابنه بعده، ولم يسمه. قال القاضي: ولده اسمه عبد الله. وقد ولي بعده ابنه، علي بن عبد الله. قال أبو ذرّ: وسنذكره بعد إن شاء الله تعالى. وذكر الفرغاني أن وفاة أبي مطر سنة سبع وثلاثين أيضًا. رحمه الله تعالى. أبو الحسن أحمد ابن عبد الرحمن بن حُبَيش بن سليمان بن برد. مولى حبيب. تقدم ذكر سلفه. وهو بيت جلالة في العلم بمصر. تكرر فيهم العلم والحديث والفق، من سليمان جدهم، صاحب مالك رضي الله تعالى عنه الى هذا الوقت. عمر بن محمد ابن أبي حجر، أبو حفص. قرطبي. ولزم فسطاط مصر. وحدّث بها عن ابن النفاح وغيره. ورأس بها في الفتيا، على مذهب مالك. حدّث عنه من الأندلسيين العايدي، ومحمد بن أحمد بن يحيى. قاله القرطبي رحمة الله تعالى. ولد أبي بكر محمد بن رمضان بن شاكر، الحميري. وكذا قرأت نسبه بخط الحكم، أمير المؤمنين. وأبوه أحد مشاهير فقهاء المالكية بمصر. وكانت له حلقة بجامعها، مع أبي بكر الحداد، وأبي جعفر الطحاوي، وطبقته. وقد ذكر ابن أبي دليم ولده هذا. وقال: كان صاحب حجة المالكية في وقته، والمناظر دونهم، ولم يذكر باسمه. وكذلك في كتاب ابن حارث، إلا

стр. 919

أني وجدت أبا مروان الضبي، ذكر أبا الحسن علي بن يعقوب الزيات، المعروف برمضان. وذكر له زيادة أقوال بعض الفقهاء، في مختصر ابن عبد الحكم. على ما زاده البرقي. فلا أدري أهو ذاك غلط في اسم أبيه، أو هو أحد آل رمضان. والله أعلم. والتأويل الأول أشبه. أبو محمد عبد الله بن أحمد بن القاسم بن يوسف بن موسى الأنصاري، المعروف بابن بهلول. أندلسي الأصل، من وشقة. وسكن مصر. وسمع الصموت والفرغاني، وأبا بكر بن داود البغدادي. واعتنى بالاريخ الخبر، وهو كان الغالب عليه مع الأدب. وصنّف. قال أبو محمد الفرغاني: كان عالمًا متفننًا، حافظًا، متقدمًا في فنون العلم، له نظر ثاقب، وشعر حسن. قال ابن الفرضي: دخلت عليه بمصر، وهو عليل، فقال: ناولني تلك المحبرة فأنشد: يا خدّ إنك إن توسّد ليّنًا … وسّدتَ بعد الموت صمّ جبال فافعل لنفسك صالحًا تنجُ به … فلتندمنّ غدًا إذا لم تفعل وتوفي بمصر في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. من الشاميين أبو بكر محمد بن علي النابلسي. كبير أهل مدينة الرملة. وفقيه مطاع في بلده.

стр. 920

مسموعًا فيه. يتبع الرأي. وكان فقيهًا زاهدًا. مالكي المذهب ذا رئاسة وظهور. وكان شديدًا على بني عبيد، حين ملكوا مصر والشام، ذامًّا لهم، منفرًا للعامة عنهم. قائلًا لهم. قال ابن سعدون: وكان شيخًا صالحًا. قال أبو إسحاق الرقيق في تاريخه: هو رجل معروف بالعلم، وكان يفتي في المحافل، باستحلال دم من أتى من المغرب. ويستفز الناس لقتالهم. يريد بني عبيد. قال: وكان أغلظ عليهم من القرامطة. قال القاضي رضي الله تعالى عنه: وإنما سلك في هذا، مسلك شيوخ القيروان في خروجهم عليهم، مع أبي يزيد، لاعتقادهم كفر بني عبيد قطعًا. وقالوا لأبي يزيد: أنت رجل من أهل القبلة، نقاتل بك، من كفر بالله ورسوله. ذكر محنته رحمه الله تعالى ومما ذكره الرقيق، وابن أبي يزيد، وابن سعدون، وكان رحمه الله تعالى، لما قام الأعصم القرمطي الجنّابي، ونهض الى الشام، واسمه الحسن. فرأى المنصور. وأتى من موضعه بالإحساء، فحل بالرّملة بجيوشه. سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وأمامه أميرها، لا يسع أبي بكر إلا مداراته على بلده، لئلا يستبيحه. فأدخله الرملة. ولم يخالفه أهل البلد. ووقَوا كثيرًا من شره، ثم زحف الأعصم، الى مصر، وحصر القاهرة. وبها العبيدي، صاحب القيروان الملقب بالمعز إثر وصوله إليها. وغلامه جوهر الصقلبي، الى أن هزموا الأعصم، وفر أمامهم الى بلده، الإحساء. وذلك في سنة أربع وستين. وانبعث عساكرهم. فخرج أبو بكر النابلسي من الرملة خائفًا منهم الى دمشق. فلما حصل بها، قبض عليه بعض

стр. 921

عظمائها، وحمل الى مصر مع ابنه، في جملة الأسرى الذين قبض عليهم في الهزيمة. وكانوا نحو ثلاثمائة فشهروا على الجمال، وأمر بضرب أعناقهم على النيل، ورمي جثثهم به، إلا النابلسي، فإنه أمر أن يسلخ من جلده. وقال لجوهر: عرّف السلطان، أني أفدي نفسي بخمسمائة ألف. فدخل جوهر ثم خرج. فقال: اذهبوا به واسلخوه. فرمى بنفسه ثانية. فلطم شديدًا، وحمل بهذا المنظر، فطرح على وجهه بالأرض، وجلس على صدره ووركيه، ومسك جدًا. وشق السلاخون عرقوبيه، ونفخ كما تنفخ الشاة. ثم سلخ، وهو في كل هذا يقرأ القرآن بصوت قوي، وترتيل. الى أن انتهى السلخ الى كتفيه. فتغاشى. ثم مات. فصلب جسده، ناحية. ثم جلده، بعد أن حُشي ناحية. رحمة الله تعالى عليه. وذكر أبو الحسن بن جهضم في كتابه، في صدق فراسة المؤمن. قال: لما قدم أبو الحسن علي بن محمد بن سهل، الرملة. خرج إليه جماعة يتلقونه، ومنهم والد أبي بكر النابلسي، وابنه أبو بكر معه. فلما نظر الشيخ إليه، قال: مرحبًا بشهيد مصر. وكان هذا في سنة عشرين، واستشهد في التاريخ المتقدم بعد هذا، بنيف وأربعين سنة. وذكر ابن جهضم: أن قتله كان سنة ثلاث وستين. والأول أصح. قال ابن سعدون: لما أُتي بأبي بكر، وبابنه أسيرين، اختار الشيخ أن يقتل ابنه قبله، حتى يحتسبه، ويكون في ميزانه. فكان ذلك. فدعا الله على فاعله أن يفجعه الله بابنه. وكان لمعد ابن، اسمه: عبد الله، لقبه المهدي. ودعى له، وفيه دعاوي. فقبل الله دعاء الشيخ، وأماته في حياة أبيه، وأفجعه به. قال القاضي عياض: رأيت مثل هذه الحكاية لغيره وحكيت لنا من طرق، عن عبد الله

стр. 922

بن يربوع من أهل بلدنا، وكبيره، وفقيهه، حين قتله بسوق أحد أمراء سبتة، هو وابنه أحمد، أنه اختار تقديم ابنه. فإن كان هذا باللفظ والرغبة، فهو خطأ في الفقه. وغفلة عظيمة في العلم. لأنه معين على تقديم من قدمه، معجلًا له قبل نفسه، ولعل القدر لو قدّر، فحال بينه وبين ولده، ونجاه من القتل، بلطف من ألطاف الله. غير واحد، عن قتل أصحابه. ولعلها أيضًا كحكاية أبي الحسن النوري، حين قدم الصوفية ببغداد، للقتل. فمرّ الى السياف متقدمًا، سابقًا لهم. قال: أتصدّق بهذه الساعة التي أقتل فيها عن أصحابي، وهذا لا شك، معين على نفسه، وتقديمها لما لعل الله يلطف به في الساعة، لو تأخر، وينجّيه. من أهل إفريقية أبو بكر بن اللباد واسمه محمد بن محمد بن وشاح. مولى الأقرع. مولى موسى بن نصير اللخمي. وكان وشاح حائكًا، من أصحاب يحيى بن عمر، وبه تفقه. وأخذ عن أخيه محمد بن عمر، وابن طالب رحمه الله تعالى. وحمديس القطان. وأحمد بن يزيد، وعبد الجبار بن خالد، والمغامي، وأحمد بن أبي سليمان، وسمع من الشيوخ الذين كانوا في وقته: كأبي بكر بن عبد العزيز الأندلسي، المعروف بابن الجزار. وحبيب بن نصر، وأبي عمران البغدادي، وأحمد بن يزيد، وأبي الطاهر، ومحمد بن المنذر، والزبيري، وأبي محمد عبد الله بن محمد بن معمر، وزيدان، وغيرهم. سمع منه حماد بن إلياس، وتفقه به أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى، وابن حارث،

стр. 923

وغيرهم. وممن روى عنه زياد بن عبد الرحمن القروي، ومحمد بن الناظور، ودراس بن اسماعيل. ولم يذكر له رحلة ولا حجّ. ذكر الثناء عليه وفضله ودينه قال ابن حارث: وكان عنده حفظ كثير، وجمع للكتب. وله حظ وافر م نالفقه، والحفظ. شغله: إسماع الكتب عن التكلم في الفقه. وكانت مذاكرته تعسر، لم يشفع به لضيق في خلقه. وكان خلقه سيئًا. قال أبو العرب: وكان فقيهًا جليل القدر، عالمًا باختلاف أهل المدينة، واجتماعهم، مهيبًا مطاعًا. قال ابن حارث: وكان أولًا يكتب لابن الخشاب، إذ كان على مظالم القيروان. وكان الغالب على خلقه الحرج. وفي تعليق أبي عمر: أنه كان من أهل الحفظ، والضبط لكتبه، حافظًا. وذكره أبو بكر بن عبد الرحمن فأثنى عليه بالدين والورع والزهد. قال: وكان من الحفاظ المعدودين والفقهاء المبرزين. وذكر عن الابياني أنه قال: إنما انتفعت بصحبة ابن اللباد. ودرست معه عشرين سنة. وقال محمد بن ادريس: صحبت العلماء بالمشرق والمغرب، ما رأيت مثل ثلاثة: أبي بكر بن اللباد، وأبي الفضل المَمْسي، وأبي إسحاق بن شعبان. وذكر بعض ثقات أصحابه: أنه نظر الى رجليه بعد أن فلج، وقد تغيرتا، وانتفختا، فبكى ثم قال: اللهم ثبتهما على الصراط يوم تزول الأقدام. وأنت العالم بهما، والشاهد عليهما، أنهما ما مشتا لك في معصية. وألّف أبو بكر كتاب الطهارة، وكتاب عصمة النبيين صلى الله وسلم عليهم أجمعين. وهو

стр. 924

كتاب إثبات الحجة في بيان العصمة، وكتاب فضائل مالك، وكتاب الآثار والفرائد عشرة أجزاء. ذكر أخباره وإجابة دعوته وبراهينه وجمل من فضائله قال محمد بن إدريس: كنا يومًا عند ابن اللباد نقرأ عليه، حتى سمعنا فوق البيت حركة. فسأل الشيخ خادمه عنها. فقالت: جعفر بن النوام يطارد الحمام. فقال: اللهم أصلحه. فما كان إلا بعد يوم أو يومين، حتى قرع علينا الباب، فأذن له. وجلس في الحلقة. فقال له الشيخ: اجلس يا مؤمن الى أن نفرغ. وكان أجداده كلهم عراقيون. فواظب على السماع، وانتفع بدعائه، ولزم السبائي وبلغ من العبادة مبلغًا عظيمًا. وحكى المالكي أنه دعا على ثلاثة، فأجيبت فيهم دعوته. أما أحدهم، فدعا عليه بالجنون، وعلى الآخر بالعمى، فرأيتهما كذلك، وآخر بالجلاء، فمات في بلد السودان. قال محمد بن ادريس لأبي بكر ابن اللباد: استخلصت لك دَينًا بثلاثين دينارًا، ففرح بها، وأقبل يصبها من يد الى يد، ويقول: زكّها. فوالله ما زكيت قبلها قط. قال: وأدخل على عبيد الله صاحب إفريقية، فأقبل عليه، وقال: يا محمد أنت منا، وبلدك. في كم من العيال أنت؟ فأخبره. فقال نفرض لك في بيت المال ما يكفيك، من النفقة، والكسوة وغيرها. فقال: قبلت، ولكن يترك ذلك في بيت المال، حتى أحتاج إليه. قال: وكانت له امرأة سليطة، تؤذيه بلسانها. فحكى أنها قالت له يومًا: يا زاني. فقال: سلوها، فبمن زنيت؟ قالت: بالخادم. قال: سلوها لمن الخادم. قالت: له. فقال له أصحابه: طلقها،

стр. 925

ونحن نؤدي حقها. فقال: أخشى إن طلقتها، أن يبتلي بها مسلم. ولعل الله دفع عني بمقاساتها بلاءً عظيمًا. فقال: بل حفظتها في والدها، فإني خطبت الى جماعة فردّوني، وزوجني هو لله تعالى. وكان يفعل معي جميلًا. أفتكون مكافأته طلاقها؟ وكان يقول: لكل مؤمن محنة. وهي محنتي. قال ابن ادريس: شوّر رجل ابنته بشوار حسن، كثير. فعجب الناس منه، وحضر أبو بكر بن اللباد، فانصرف الناس يهنئون صاحب الشوار. فقال أبو بكر: لا أخلف الله عليك بخير، فقد كمدت جارك، وعضلت ابنته، وخالفت سنّة رسول الله ﷺ . فجعلت أنظر إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله، إن أزهد الناس في العالِم، قرابته وجيرانه. وقال مرة أخرى في مثلها: ما قرب الخير من قوم قط، إلا زهدوا فيه. وذكر الأجدابي: أن أبا بكر، جلس يومًا عند اسماعيل المؤدب جاره، ليتفرج ويرى الناس. فكان الناس إذا جازوا من ذلك الموضع رجعوا من طريق آخر هيبة له. فقال: ما بالهم؟ فقالوا: من أجلك وهيبتك. فقال: إنما جلسنا في هذا الموضع لنتفرج. لا لأن نضرّ بالناس في طريقهم. ثم قام. وكان يحضر مجلس السبت بالقيروان، ويقول لمن أنكر عليه ذلك. قال: ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفّار. قال: وحضور السبت مما يغيظ بني عبيد. ورفع الى المهدية لعبد الله ليتولى قضاء صقلية، فاعتذر، وقال: صرت في حد، لو كنت على القضاء لوجب أن لا أولّى. فكيف أبتدئ وقد كبرت سني، ودخلتني زمانة. ثم عرض لهم قضًا من كفه اليمنى، قد سمُح. وكان أبو بكر يقول: أكبر شيء من محقه، وكلام لين. ومن أخباره رحمه الله تعالى. قال أبو بكر: أدركت بالقيروان أقوامًا، كانوا

стр. 926

أغنياء فافتقروا. وما ذاك إلا أنهم اتجروا في الحنطة في إبان الشدائد. قال: وحدثتني امرأة سماها، توفي ابن لها بالفسطاط، فقدمت القيروان. قالت: وكنت أخرج الى باب سلم، كل وقت، فأبكي الى جانب قبر. فرأيت في المنام: كأني هناك. فإذا أهل القبور قعود، على قبورهم. الرجال والنساء. فسمعتهم يقولون: قد جاءت هذه المرأة تبكي. ألها عندنا قبر تبكي عليه؟ فقالوا: لا. فقالوا: لم تؤذينا ببكائها؟ فلطمني ميت، لطمة بيده الشمال، في خدي اليمنى. فقلت: لم تلطم وجهي؟ وقد مسست به الركن والحجر. فقالوا لي: حزنك بمصر، وتؤذينا ها هنا. فانتبهت، وأثر اللطمة في خدها. فكشفت لي وجهها، وفيه أثر السواد. فأقام نحو أربعين يومًا، ثم ذهب. قال أبو بك: خرجت امرأتي في فرح، فبت وحدي. فكلمني جني من ناحية الدار. فقال لي: امرأتك تلبس المعصفرات وتحبسها في مسكننا. فقلت له: ومن أين لك عندنا مسكن يا شيطان؟ فقال لي: ولا تدري ما قلت لك، من ديك أفرق. فلما قال هذا، أدركني منه شيء. قلت: هذا حرز في دجانة. وكان أبو بكر يتخذ ديوكًا. فيجد فيهم أمواتًا. كان ذلك الجني يخنقهم. لأن الدين الأفرق يطرد الشياطين. محنته وأخباره فيها كان أصل محنته، أنه صلى على جنازة استؤذن لها. وقد حضر ابن أبي المنهال القاضي، حينئذ، بجنازة أخرى. كلم عليها. فصلى أبو بكر ابن اللباد. ومد رجليه. واستدبر القبلة. ولم يصلّ وراءه في جماعة منهم. فشق ذلك على ابن أبي المنهال، وأغرته به المشارقة فوجه وراءه جماعة منهم

стр. 927

فلما دخل، قال له: اجلس. ثم عقد عليه محضرًا بشهادة القوم، بفتحه بابه، وانتصابه للفتوى، والسماع، بخلاف مذهب أمير المؤمنين. وأنه يلبس السواد، ويخضب في الأعياد. فقال له أبو بكر: لمن أدعو؟ قال: لبني أمية. يلبسون السواد. وأراد فضيحته عند من حضر. ثم قال له أيضًا: بأن الخطبة لا تكون بأقل من خمسين رجلًا. وداري لا تحمل ذلك. ثم قال له: ومتى كان هذا: بعد صلاة الجنازة أو قبلها؟ فقال له ابن أبي المنهال: وأي حجة لك في ذلك؟ فقال: إن كان قبل الصلاة عليها، فقد غششت أمير المؤمنين، إذ كتمت عنه هذا. وإن كان بعدها، فأنت خصمي، ولا يقبل قولك. فأمر ابن أبي المنهال بسجنه. فجاء الغلام ليأخذ بيده، فانتهره، وقال: دع. أشهدكم أني محبوس. ومضى الى السجن. فوجد فيه المراودي. وكان سجن على سب النبي ﷺ . فلما دخل الشيخ تلقاه. فأعرض عنه. فقال المراودي: والله إني لأبغضك قديمًا. فقال أبو بكر: الحمد لله يا فاسق، الذي لم يجعل قلبك بغض النبي ﷺ وحبي. فأقام مسجونًا حتى ذهب محمد ابن أخيه الى المهدية. فأخبر بذلك البغدادي. وكان يحبه. فسعى له عند عبيد الله، حتى أمره أن يكتب الى ابن أبي المنهال بإخراجه من السجن، على أن لا يفتي ولا يجتمع إليه أحد. ولا يفتي إلا بمذهب السلطان. وكتب في رقعة داخل الكتاب، وقال: ما هذا الذي فعلت؟ عمدت الى عمدة بلده، فأحدثت فيه هذه الأحدوثة، وأثرت البلدة. وهذا مما كرهه أمير المؤمنين. فلا تعد الى مثل هذا. فلما وصل الكتاب أخرجه، وشرط عليه أن لا يخشن عليه الجواب. فلما رفع مجلسه، وقال هذا كتاب أمير المؤمنين، عهد فيه أن لا تفتي، ولا يجتمع إليك أحد، وإن مرضت فلا تعاد. فقال أبو بكر: هذه مسألة لم تنزل بعد. ثم خرج الى المهدية، فقصد البغدادي، فذكر وصوله لعبيد الله. فقال له:

стр. 928

اكتب له كل ما يحب ولا تدخله عليّ. فكتب سجلًا أن لا ينظر في أمره ابن أبي المنهال. فأراد أن يأخذه. فقال له البغدادي: ليس مثلك، يحمل عناية أمره؟ تصل الى بلدك، ويصل مع البريد إليك ذلك. وبقي أبو بكر، لا يسمع إلا في خفية. فلزم داره، وأغلق بابه. وكان ربما خرج الى المسجد، فيأتي الطلبة الى بابه، فتفتح لهم خادمه، فإذا اجتمعوا أتته. فيدخل، وتغلق عليهم، فيقرأون. وكان منهم أبو محمد التبان، وابن أبي زيد رحمهما الله تعالى. وغيرهم. وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم، حتى تبتل بأعراقهم. فأقاموا على ذلك الى أن توفي رحمه الله تعالى. وكان قد امتحن أيضًا، على يد التاهرتي، طلبه بوديعة. قال له: لا أعرف ما تقول. ولا أودعني هذا الرجل شيئًا. ولا أعرف من هو. ولا رأيت هذا العدد قط، إلا على مائدة صيرفي. فدعا أعوانه، فأخذوه وبطحوه على وجهه. وجلس أحدهم على أكتافه، والآخر على رجليه. وضربوه ثلاثة عصي. فقال: اصبر أكلمك. فقال: دعوه. فما رق قلبي لأحد رقته عليه. قال ابن ادريس: لما امتحن أبو بكر على يد التاهرتي، وضرب إليتيه، قال: تضرب إليتين والله ما عصتا الله قط. وتوفي في منتصف صفر يوم السبت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، قبل دخول أبي يزيد القيروان بخمسة أيام. وأظهر أهل القيروان بسبب ظهور أبي يزيد بينهم الترحم على أبي بكر، وعمر. ولعنوا من لا يترحم على أصحاب النبي ﷺ . وهدموا بيوت المتقلبين. وكان فلج آخر عمره. ورثاه أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى، بقصيدة طويلة أولها: يا من لمستقرب في ليلة حزنًا … مستوطن من بقايا آية وطنا يا عين فابكِ لمن بفقده فقدت … جوامع العلم والخيرات إذ دفنا لهفي على ميّت ماتت به الخيرا … ت قد كان أحيا الدين والسننا

стр. 929

نفسي تقيك أبا بكر ولو قبلت … فدتك من كل مكروه إليك دنا إنا فقدناك فقد الأرض وابلها … فنحن بعدك نلقى الضيم والفتنا ونحن بعدك أيتام بغير أب … إذ غيب الترب عنا وجهك الحسنا ومنها ذكر محنته وذكره: قد كان يعتز بالرحمان إذ قصدوا … لذلّه بهوان السجن إذ سجنا كم محنة طرقته في الآله فلم … يجِد لذلك إذ في ربه امتحنا بل كان حصنًا لدين الله ينصره … ويحتمي مغضبًا لله إن فتنا إن صال في الحق لم يرهب عواذله … ولا ملامة من في قوله طعنا حتى استنار به الإسلام في بلد … لولاه مات به الإيمان واندفنا الفقه خلّته، والعلم حلته … والدين زينته والله شاهدنا أب لأصغرنا كفل لأكبرنا … وفي النوازل ملجانا ومفزعنا يا من هو العلَمُ المشهود منظره … ومن تأدب بالتقوى وأدّبنا ومن به تكشف الظلمات إذ نزلت … ومن بدعوته الرحمان ينفعنا لقمان بن يوسف الغساني كان بالقيروان. وسكن صقلية مدة. ثم استوطن تونس. فسمع من يحيى بن عمر، وعليه اعتمد. وعيسى بن مسكين، وحماس، وعبد الجبار، وابن بسطام، وغيرهم من أصحاب سحنون. وحجّ، فسمع بمصر كثيرًا. وأخذ عن علي بن عبد العزيز، ويحيى بن أيوب الغالب، وقرأ على الأنماطي، والوداني. وكان محسنًا للقراءة. يقرأ بقراءة نافع. قال ابن حارث: كان من أهل العبادة والصيام، والقيام، والتقشّف، والتواضع، حافظًا لمذهب مالك، حسن القريحة فيه. متفننًا، فقيهًا مبرزًا في ذلك. عالمًا

стр. 930

باللغة، والحديث، والرجال، والقرآن. يميل الى طريقة ابن عبدوس في فقهه وفي مسألة الإيمان، والاستثناء فيه. وفي جميع معانيه. من أحسن الناس مجلسًا، وأغزرهم خبرًا، وأعرفهم بأخبار القيروان وشيوخها. لا يكاد يفرغ من حديث، حتى يصله بغيره. قال ابن حارث: وكان إذا مضت مسألة - يعني في وقت القراءة - يحتاج إليّ. كلمني فيها. وإذا مر اسم رجل، كلم فيه محمد بن صامت. وإذا مر بشيء من اللغة، كلم فيه سعد بن ميمون. قال أبو العرب: كان فقيهًا يسمع معنا من مشائخنا. قال أبو عبد الله الخراط: كان فقيه البدن، ثقة صالحًا متقشفًا. يحسن اللغة والنحو، فكان الأبياني يثني عليه، ثناء حسنًا. ويقال إنه كان عالمًا باثني عشر صنفًا من العلوم. سمع منه الناس. قال الأبياني: غسل لقمان رجليه في يوم مطر، في جامع تونس، فأنكر ذلك عليه إنسان. فقال لقمان: عطاء بن أبي رباح يتوضأ في المسجد الحرام، وهذا يمنعني أن أغسل رجلي في جامع تونس. قال الأبياني: كنت أسمع من يحيى بن عمر، ثم آتي لقمان، فأفسر ما أشكل فيها، فسألني عن ذلك يحيى، فأخبرته. فقال لي: بل حدثني يحيى بن عمر، ونبأني بمعناها لقمان بن يوسف. قال الأبياني: ومكث لقمان أربعة عشر سنة، يدرس المدونة ويكتبها في اللوح. حتى خرج له في جسمه خراج من دسّ اللوح. كان سبب موته، وأصل علته. قال الأبياني: قال لي لقمان بن يوسف: ركعتا تحية المسجد أوجب من ركعتي الفجر. وعرض له عارض في بصره فعمي، وبقي مدة أعمى ثم رد الله إليه بصره، فصحبته أيامًا، وهو صحيح البصر يقرأ الخط الرقيق، بلا معالجة. ولا اكتحال. وسألته عن الخمير تجعل على الدمل، فقال لا

стр. 931

بأس به. ومات بتونس سنة تسع عشرة وثلاثمائة. وقيل ثمان عشرة. قال أبو العرب: في نيف وعشرين. أبو الفضل الممسي رحمه الله تعالى واسمه العباس بن عيسى. وممسى قرية هناك. كان فقيهًا فاضلًا، دينًا عابدًا. أثنى عليه أهل بمصر. سمع من موسى القطان، والبجائي وجبلة بن حمود. وأحمد بن أبي سليمان. قال ابن حارث: كان يتكلم في علم مالك كلامًا عاليًا. ويفهم علم الوثائق فهمًا جيدًا. ويناظر في الجدل، وفي مذاهل أهل النظر، على رسم المتكلمين والفقهاء، مناظرة حسنة. وكان لسانه مبينًا وقلمه بليغًا مع حصافة العقل وذكاء الفهم وكان في المناظرة والفقه أجزل منه في الكلام. وقال في كتاب آخر: كان من أهل المروءة والانقباض والصيانة. لم يكن في طبقته أفقه منه، ولا أصون. وعني بالنظر والخلاف، ولكنه كان مالكيًا، محضًا. وقد ألف الأجزاء في فضائله. وقال ابن أبي دليم: كان من أهل الحفظ والذكاء، والعلم بالوثائق. قال أبو عبد الله الأجزالي كان أبو الفضل صالحًا، قوامًا صوامًا، ورعًا حافظًا للفقه، والحجة لمذهب مالك. درس كلام القاضي اسماعيل. قال: وذكره أبو الحسن القابسي، وفضله وقال: ما بين محمد بن سحنون وأبي الفضل، أشبه بمحمد منه. لعلمه وورعه، وزهده، واجتهاده. وكان من العاملين. ويقال إن أهل مصر لم يعجبوا

стр. 932

ممن ورد إليهم من المغرب إلا من ثلاثة: من ابن طالب. أعجب به أولئك الجلة. وموسى القطان. فإنه كان من أجل أصحاب محمد بن سحنون. وأبي الفضل الممسي. وكان يقال ما كان ببلدنا على معنى اسماعيل بن إسحاق، في الكلام على العلم ومعانيه، إلا موسى القطان، وبعده أبو الفضل. وجاء أبو بكر بن سعدون مرة الى البجائي الشافعي ليسلّم عليه؟ وإذا أبو الفضل خارج من عنده. فقال البجائي: أي شاب نشأ للمؤمنين. فكررها. ما بيدي من هو، فسألناه. فقال هذا الشاب الخارج أبو الفضل العباس. ليسودنّ أو نحو هذا. وكان السبائي يحبه جدًا. ويقدمه في هديه وعلمه، وورعه. ولقد قال أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى عند قتله، وددت أن القيروان سبيت، ولم يقتل أبو الفضل. وكان أبو محمد يثني عليه خيرًا. قال ابن حارث، وخرج الى الحج، سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فأقام عامه ذلك بمصر. ولزم في السنّة الفقيه، أبا الذكر. وكان له قدر فيهم، وجاه عندهم. وألّف كتابًا في تحريم المسكر، ناقض به كتاب الطحاوي. وله أيضًا كتاب في قبول الأعمال. وكتاب اختصار كتاب محمد بن المواز. وسمع في حجته تلك حديثًا كثيرًا. قال غيره سمع بمصر من أحمد بن جعفر بن أحمد بن عبد السلام، الحضرمي وأبي عبد الله الجيزي، وأبي بكر بن مروان المالكي. روى عن الذهلي وابن عبد الوارث، وأبي الحسن بن سوادة وأبي الحسين بن المنتاب بمكة، وغيرهم. أخذ عنه أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى، ومحمد بن حارث، وأبو بكر الزويلي، وأبو الحسن بن الخلاف، وأبو الأزهر بن معتّب.

стр. 933

ذكر عبادته وزهده وبعض أخياره وشمائله قال ابن حارث: ولما انصرف من رحلته، لزم الانقباض والنسك. فكانت تلك حاله الى سنة قيام مخلد بن كيداد، أبي يزيد، علي بني عبيد، فخرج معه علماء القيروان. فكان ممن خرج. فمات رحمه الله تعالى بباب المردية. قال القاضي: يريد ابن حارث بالمردية: المهدية. مناقضة لاسمها. الذي سماها به بنو عبيد. إذ كانت عش كفرهم. ودار ضلالهم. ووجدت أبا عمران الفقيه يكني عنها بالمهدومة: نظيرًا لها. قال أبو الأزهر بن معتب: صحبته من سنة عشر الى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين. وهو على حالته من الاجتهاد. قال أبو بكر بن سعدون: صام أبو الفضل عندنا رمضان. فكان لا يتعشى، حتى يصلي العشاء الأخيرة. يتنفل بين العشاءين. وكنت أتعاهده بالليل، فأجده قائمًا يصلي. وكان لا يتوضأ إلا في البحر، ويبعد وذلك أنه كان شديدًا في وضوئه، وطهارته. ورأى بعضهم السبائي يتوضأ، فتعجب من وضوئه، فقال: لا تعجب. لو رأيت وضوء أبي الفضل الممسي، ما عجبت من وضوئي. وأهدى له أبو الأزهر بن معتب بسوسة، كعكًا. عمل بسكر. فرده. وقال أنا لا آكل سكر صقلية. لأنه من ضياع السلطان. قال أبو الحسن بن الخلاف: لما جعل على الملح القبالة بالقيروان. أرسلني أبو الفضل لأشتري له ملحًا من بعض القرى. ووجه مرة ليشرى له سلعة من السوق، فقال: لا تشترها من صاحب دكان. فيلزمنا الكراء بمقدار مقامها عنده. ولكن اشترها من المناداة. وكان يلبس ثيابًا جليلة، وخفًا أسود. وإذا أتى موضعًا، جلس في أشرفه. وكان يحضر الاملاكات عند ولي الزوجة. ولا يحضرها عند الزوج، لسلوكه معه في خلط من يحضر الأزفة على رسمهم. صيانة للعلم. وكان

стр. 934

من النظافة وعلاء الهمة، والنزاهة على غاية. وكان له نعل لبيت مائه. وأخرى لمشيه في داره، وأخرى يمشي بها الى مصلاه. قال الإجدابي: وإنما سلك أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى في هديه، وهمته، وسمته طريقته. وحكى أبو محمد بن أبي زيد وغيره عنه: أنه كان يذهب الى أن ينوي الإنسان في كل تطوع، ووصية يوصي بها، وصدقة. ردًا لتبعات المجهولة. لأن ردها أوجب من التطوع. قال ابن الخلاف: وكذلك في الصلوات. ينبغي إذا أحب أن يتنفّل، أن يصلي صلاة يوم، ينوي بها الخمس. تكون قضاءً عما لا يدري، أنه فرط فيه، أو فسد عليه. قال أبو الحسين بن الخلاف: كانت عندنا بضيعة الوادي، دولاب مغصوبة. يباع فيها البقل، فربما احتجت الى شراء البقل منها، وتحرجت من ذلك، وسألت أبا الفضل الممسي، وأبا حفص بن العسال، رحمهما الله تعالى، فقالا - كان أحدهما يسمع صاحبه - تصدق بقدر مال البقل فيها، من بعد شرائك، الى أن قبضت. فقلت إنما كراؤها في الشهر ربع درهم. ويشترى فيها في اليوم بقل باثني عشر درهمًا. وإنما اشتريت بحبة. فقالا لي: إنها مثاقيل الزراء. فلا تجتمع في السنة حبتان. قال: وسألت أبا الفضل عن رجل من جيراني، أصحاب السلطان، أراد أن يودع عندي مائة دينار؟ فقال لي: إذا أتاك فطلبها تردها عليه. قلت: نعم. فقال لي: إن كانت عندك مائة أخرى، تتصدق بها، فافعل. لأنه غاصب. حقه أن يرد ما غصبه على أربابه. فإن لم يعرفهم تصدّق بها، عنهم. وذكر أن رجلًا عند نهب تونس، جاء يشتري ثوبًا لامرأته. فوجد جنديًا يبيع ثوبًا، فظنه ثوب امرأته، فاشتراه بستة دنانير. ودفعها الى الجندي.

стр. 935

فجعلها في منطقته مع غيرها. وإذا الثوب ليس بثوب امرأة الرجل. فسأل الجندي أن يقبله، ففعل. فأخذه منه، ودفع إليه دنانيره من منطقته. فسأل عنها جماعة من أصحاب سحنون؟ فما اختلف عليه منهم أحد، بأنه يتصدق بهذه الدنانير، لاختلاطها بدراهم الجندي. وأنها لا تتميز. ويتصدق بقيمة الثوب، لأن كونه في يده من قبل الجندي الغاصب، صار هو كالغاصب له. فوجب عليه رده الى ربه، أو الصدقة به إن جهلهم. فإذا ردّه الى الجندي، لزمته قيمته، يتصدق بها على المساكين. إذ أربابه مجهولون. وكان بينه وبين أبي ميسرة بن نزار الفقيه بعد. وكذلك مع غيره من علماء القيروان، بسبب مسألة الإيمان، واختلافهم فيها. وكان أبو ميسرة يقول له: تب، وأنا أخدمك. فكان أبو الفضل يقول: مماذا أتوب؟ بل أبو الفضل يقول: لماذا أتوب؟ وكان أبو ميسرة، قد أخذ محضرًا عليه. فاجتمع بالجبنياني: أبي إسحاق. فعرفه وغضب واسترجع وقال: هكذا يوقع الشيطان بين المؤمنين العداوة والبغضاء. والله لا رضيت بسماع هذا في أبي الفضل. رجل نشأ على الطهارة وحفظ القرآن، من ثمان سنين، وحفظ الموطأ ابن خمس عشرة سنة. يقال هذا فيه. وخرج. فبهت أبو ميسرة. ولامه من حضره ومن كان يغري بينهما. وقال: إن ذكره أحد منكم بلفظة، إن دخل عليّ. وقطع المحضر، وقام الى دار أبي الفضل، فدخل عليه، وخاله وأصلح بينهما.

стр. 936

شرح مقتل الممسي وأصحابه كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد، في حالة شديدة من الاهتضام والتستر. كأنهم ذمة. تجري عليهم في كثرة الأيام محن شديدة. ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينًا الأعمى السبّاب لعنه الله تعالى، في الأسواق، للسب بأسجاعٍ لُقِّنها. يوصل منها الى سب النبي ﷺ ، في ألفاظ حفظها. كقوله لعنه الله: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى. وغير ذلك. وعلقت رؤوس الأكباش والحمر، على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة، مكتوب فيها أسماء الصحابة. اشتد الأمر على أهل السنة. فمن تكلم أو تحرك قتل، ومثّل به. وذلك في أيام الثالث من بني عبيد، وهو اسماعيل الملقب بالمنصور، لعنه الله تعالى، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وكان في قبائل زناتة، رجل منهم، يكنى بأبي يزيد، ويعرف بالأعرج صاحب الحمار، واسمه مخلد بن كيداد، من بني يفرن، وكان يتحلى بنسك عظيم، ويلبس جبة صوف قصيرة الكمين، ويركب حمارًا، وقومه له على طاعة عظيمة. وكان يبطن رأي الصفرية. ويتمذهب بمذهب الخوارج. فقام على بني عبيد، والناس يتمنون قائمًا عليهم. فتحرك الناس لقيامه، واستجابوا له. وفتح البلاد، ودخل القيروان، وفرّ اسماعيل الى مدينة المهدية، فنفر الناس مع أبي يزيد، الى حربه. وخرج بهم فقهاء القيروان، وصلحاؤهم، ورأوا أن الخروج معه متعين، لكفرهم. إذ هو من أهل القبلة. وقد وجدوه يقاتلوهم معهم. وكذلك كان أبو إسحاق السبائي، يقول. ويشير بيده الى أصحاب أبي يزيد. هؤلاء من أهل القبلة

стр. 937

لقتالهم. فإن ظفرنا بهم، لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، والله يسلط عليه إمامًا عادلًا، يخرجه عنا. وحكى أبو عبد الله بن محمد المالكي، فيمن خرج معه أبو الفضل الممسي، وربيع بن سليمان القطان، وأبو العرب بن تميم، وأبو إسحاق السبائي، وأبو عبد الملك بن مروان بن منصور الزاهد، وأبو حفص عمر بن محمد الغسال، وعبد الله بن محمد الشقيقي، في جماعة المدنيين، وابراهيم بن محمد المعروف بالعشّاء الحنفي، وغيرهم. ولم يخلف من فقهاء المدنيين المشهورين، إلا أبو ميسرة لعماه، ولكنه مشى شاهرًا للسلاح في القيروان مع الناس، باجتماع المشيخة على الخروج. ووجهوا الى الممسي ليروا رأيه في ذلك. وكان عباس الممسي في ذلك الحين مريضًا، بمنزله. وأنذر الناس الى الجامع فحضروا، وتكلموا في الأمر. فذكر ربيع جبر والديه، وذكر العشّاء ثقل وضوئه. فقال العباس الممسي: قد تعلمون أنه يشق عليّ من الوضوء والوالدة، أكثر مما ذكرتم. وغير ذلك من علتي هذه الظاهرة. ولكن لما بلغني من رد الناس الأمر إلي زالت العذُر، وإن عزمتم عزيمة رجل واحد، فلا أضن عليكم، لما وجب علي من جهادكم. فقال أبو إسحاق السبائي: جزاك الله، يا أبا الفضل عن الإسلام وأهله خيرًا. إنا والله نشمر ونجد في قتال اللعين المبدل للدين. فلعل الله أن يكفر عنا بجهادنا، تفريطنا وتقصيرنا عن واجب جهادهم. فكلمهم أبو الفضل واحدًا واحدًا. فقال ربيع القطان: أنا أول من يسارع ويندب الناس. وتسارع جميع الناس الى ذلك. وذلك يوم الإثنين لثلاث عشرة بقيت بجمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وعقدوا أمرهم على الخروج الى المصلى بالسلاح الشاك. فلما كان الغد، خرجوا واجتمعوا بالمصلى بالعدة الظاهرة، فضاق بهم الفضاء من

стр. 938

كثرتهم. وتواعدوا للخروج والنظر في الازواء. ثم اجتمعوا يوم الأربعاء في السلاح. فركب ربيع فرسًا، عليه درع مصبوغ. وتقلد سيفًا، وحبس رمحًا، وقد تعمم بعمامة حمراء، وأبو سعيد ابن أخي هشام يمشي معه على عنقه السيف مصلتًا. وركب أبو العرب، وتقلد مصحفًا. وركب غيرهما في السلاح الشاك. وشقوا القيروان، ينادون بالجهاد، وقد شهروا السلاح، وأعلنوا بالتهليل والتكبير، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ وعلى آله، والترحم على أصحابه، وأزواجه رضي الله تعالى عنهم. فاستنهضوا الناس للجهاد، ورغبوهم فيه. فلما كان يوم الجمعة، ركبوا بالسلاح التام، والبنود والطبول، وأتوا حتى ركزوا بنودهم قبالة الجامع. وكانت سبعة بنود. بند أحمر للممسي فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا حكم إلا لله، وهو خير الحاكمين. وبندان أحمران لربيع، في أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي أحدهما: نصر من الله وفتح قريب، على يد الشيخ أبي يزيد. اللهم انصر وليك على من سب نبيّك، وأصحاب نبيّك. وبند أصفر لأبي العرب متكوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. قاتلوا أئمّة الكُفر الآية. وبند أخضر لأبي نصر الزاهد، فيه: لا إله إلا الله. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم. وبند أبيض للسبائي، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق، وعمر الفاروق. وبند أبيض للعشّاء، وهو أكبرهم، فيه مكتوب: لا إله إلا الله. ألا تنصروه فقد نصره الله الآية. وحضرت صلاة الجمعة، فخطب خطيبهم، أحمد بن أبي الوليد، خطبة بليغة. وحرّض الناس على الجهاد. وسب بني عبيد، ولعنهم وأغرى بهم. وتلا: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية. وأعلم الناس

стр. 939

بالخروج من غدهم، يوم السبت. فخرج الناس مع أبي يزيد لجهادهم. فرزقوا الظفر بهم، وحصروهم في مدينة المهدية. فلما رأى أبو يزيد ذلك، ولم يشك في غلبته، أظهر ما أكنّه من الخارجية. فقال لأصحابه: إذا لقيتم القوم فانكشفوا عن علماء القيروان، حتى يتمكن أعداؤهم منهم. فقتلوا منهم، من أراد الله سعادته، ورزقه الشهادة. فمنهم الممسي، وربيع، ومحمد بن علي البقال. وكان نبيلًا من أهل العلم، في خمسة وثلاثين رجلًا، من الفقهاء والصالحين. وذلك في رجب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ففارق الناس أبا يزيد بالقيروان. وأظهروا السنّة وحلّقوا بالجامع. فكان لربيع حلقة يجتمع إليه فيها، للفقه من علماء المالكية: أبو الأزهر بن معتب، ومحمد بن أحمد السيوري، وابن أخي هشام، وعمر بن محمد الغسال، وعبد الله بن عامر بن عبد الله بن الحداد، وأبو الليث مولى ابن اللباد، وأبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى، وعبد الله بن الأجدابي. فلما ظفر اسماعيل بأبي يزيد ودخل القيروان، سلط الله به على جماعة منهم، سوط عذاب. واختلف في قتل الممسي، كيف كان. فقيل سقط من دابته، وقت الهزيمة، فانكسر وركه، فداسته الدواب. وقيل وقعت به جراح، فأثخنته، فسقط الى الأرض. فقيل إنه لما سقط، وقع ظهره الى ناحية المهدية. فمر به رجل، فقال له: بفضلك رد وجهي الى ناحيتها لئلا نلقى الله موليًا ظهري عنهم. قال محمد ابنه: كان أبي لا يدخل مرحاضه أحد سواه. وفيه جميع ما يحتاج. ومفتاحه معه. فيوم قُتل، سمعنا آنيته قد انكسرت فيه، ولها وجبة. فقالت الوالدة: أعطانا الله خيرها. فإذا بها الساعة التي استشهد فيها. قال مروان العابد: رأيته بعد موته، وقال لي: قد جمعنا الله وأصحابنا من أهل العلم. فنحن نتناظر في العلوم، كما ترى، عند مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنه. ورثاه أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى،

стр. 940

بقصيدة أولها: يا ناصر الدين قمت مسارعًا … وبذلت نفسك مخلصًا ومؤيدا وذببت عن دين الإله مجاهدًا … وابتعت بيعًا رابحًا محمودا عهدي به بين الأسنة لم يكن … لله عند لقاء العدو كمودا كانت حياتك طاعة وعبادة … فسعدت في المحيا ومت شهيدا يا قرة للناظرين وعصمة … للمسلمين وعدة وعديدا يا فاتق الرتق الخفي بعلمه … ومينًا للمشكلات مفيد جمعت كل فضيلة ونقيبة … وحويت علمًا طارفًا وتليدا وبرعت بين أصوله وفروعه … فقهرت ما قد كان منه عتيدا يا أيها المحسود في أخلاقه … وفعاله لا لمت فيك حسودا أفديك من ورع عليم فاضل … لك في الورى ما إن رأيت عنيدا يبكي إذا غسقَ الدجى بمدامع … قد خدّدتْ في خده أخدودا إن فاتني نظري إليك فلم يفت … ذكر عليك من السلو عمودا ومدامع تشفي وتطفي بالحشا … نارًا إذا طفيت تزيد وقودا ورثاه أيضًا أبو القاسم الفزاري بقصيدة أولها: عليك أبا الفضل استباق دموعي … وشغلي بأنواع الأسى وولوعي ومنها: منوع من الفحشاء والإثم نفسه … وليس لباغي فضله بمنوع بنفسي صريع جالت الخيل حوله … بمعترك الأبطال أي صريع ولست له أبكي ولكن لمعشر … أصيب بن من مُفرَد وجميع

стр. 941

وللفقه والإسلام والدين والتقى … وطول اجتماع واصطناع منيع مضى علم العلم الرفيع وطالما … أصابت مناه الموت كل رفيع ولأبي عبد الله الدارمي فيه وفي مجلسه: ما أشرف العلم ويا حبذا … مجلسنا عند أبي الفضل يفيض في علم وفي حكمة … يصدر منها القول عن فضل وفي لغات العرب قد زانها … شواهد تعرب عن أصل وصاحب المجلس بادي الحجا … قد خصّ بالعلم وبالعقل والدين والفضل معًا والتقى … والخلق الواسع والبذل وقال أبو عبد الله بن سعيد المؤدب: أبو الفضل كهف للعلومبأسرها … ومعدنها عند احتكاك المحافل فأجابه الدارمي: وقرة عين الطالبين إذا غدوا … إليه ليَعروا من ثياب المجاهل فقال المؤدب: على وجهه نور يكاد ضياؤه … يجلّي الدجى والليل ملقي الكلاكل فقال الدارمي: لقد نال في الدنيا ثواب إمامة … مواهب عام جاوزت كل قائل وإن وإن أطنبت فيك مقصر … وما أنا وحدي بل كذا كل قائل ربيع القطان رحمه الله تعالى هو أبو سليمان ربيع بن عطاء الله، ينتسبون الى قريش صليبه، ابن نوفل. قال المالكي: وكان ربيع من الفقهاء المعدودين والعبّاد المجتهدين، والنساك أهل الورع والدين. كان عالمًا بالقرآن وقراءته، وتفسير معانيه. حافظًا

стр. 942

للحديث. عالمًا بمعانيه، وعلله ورجاله. وغريبه. معتنيًا بالمسائل والفقه. كانت له بجامع القيروان، حلقة. يحضرها أبو القاسم ابن شبلون وغيره، أيام أبي يزيد، ووصفه ابن شبلون بالتقى والتفقه، وجودة الذهن والفقه الجيد، والضبط. وكان يتفقه عند أحمد بن نصر، ولازمه. وكان من كبار أصحابه، وكان عالمًا بالوثائق، حسن الخط، أخذها عن أبي زياد. وكان عالمًا باللغة والنحو. أخذ ذلك عن أبي علي المكفوف، والدارمي وغيرهما. وكان يؤلف الخطب والرسائل، ويقول الشعر. وكان لسان إفريقية في زمانه في الزهد، والرقائق. سمع القطان ابن نصر. وابن أبي زاهر. ومحمد سليمان بن نسل. وأحمد بن زياد وابن اللباد، وأبا العرب، وأبا جعفر القصري، والتمار وغيرهم. وبمصر من أبي عبد الله الحمري، ومأمون، وأبي محمد بن رشيد. وبمكة من ابن شاذان الجلاب، وأبي محمد بن يزيد المقرئ وغيرهم. قال ابن أبي دليم: وكان من أهل الدراسة والاعتناء بالعلم، والمسائل وحفظ الوثائق. ثم لزم الانقباض، والاشغال بنفسه. قال المالكي: وكان أبو محمد ابن التبان يحبه كثيرًا. ويثني عليه، ويكرمه. قال أبو عبد الله الأجدابي: كان ربيع من حفاظ كتاب الله، القوامين به. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: كان من الفقهاء والعلماء المجتهدين في العبادة. قال ابن حارث: كان من أهل الحفظ والفهم، فقيهًا مفتيًا، حسن التصرف. نظر في مذهب الناس، وأهل النظر، مع الالتزام لمذهب مالك. وكان صاحبي في كل مجلس علم، وسماع، ومناظرة. ثم حجّ سنة أربع وعشرين. وانحرف عن كل ما كان عليه من التكلم في الرأي، وذهب الى العلم الباطن، والنسك والعبادة، وتلاوة القرآن،

стр. 943

وتفهمه على طريق أهل الإرادة. وصار داعية إليه. فنفع الله به خلقًا كثيرًا. وكانت له حلقة بجامع القيروان، أيام أبي يزيد، يجتمع إليه الأهل هذه الطبقة. ذكر أخباره وفضائله وزهده وتعظيم الكبار له رحمه الله تعالى قال عبد بن محمد القروي: كان ربيع لسان أهل إفريقية في الزهد، والرقة، والكلام على الأحوال والمقامات. لا يفوقه في ذلك أحد في وقته، انتفع في ذلك بصحبة أبي الحسن علي بن سهيل الدينوري. وأبي علي بن الكاتب، وأبي علي الروذباري وغيرهم. وحكى الأجدابي، أنه خرج الى الحج مرتين: الأولى سمع فيها الحديث. والثانية خرج متنكرًا في زي طنجي، حتى لا يؤبه به. ويخلص له عمله. فاجتمع في تلك السفر بجماعة من المتعبدين. وكان أبو علي بن الكاتب يقول: ما رأيت رجلًا جعل رحلته الأولى في أول درجة من هذا العلم. وجعل رحلته الثانية في أعلى درجة إلا ربيعًا القطان. كأنما جاءه الأمر دفعة واحدة، صلة من الله تعالى. وفي كتاب زهرون الطرابلسي إليه: أنتم العلماء بأمر، والطرق إليه والإدلاء عليه. أسأل الله أن يجعلني حسنة من بعض حسناته. وكان أبو مالك الدبّاغ، له حلقة، يجتمع إليه أيضًا فيها أصحابه، في علم الباطن. فكان إذا اختلفوا قام أبو مالك الى حلقة ربيع. فيبحثوا بين يديه، فيسأله عما يريد. وكان قد نحل جسمه، ورق عظمه، من صيام النهار، وقيام الليل. قال بعضهم: كان بعض أهل العلم ينال من ربيع، ويأخذ

стр. 944

عليه في مجلس وعظه. وكان لا ينقد عليه. فرأيت رجلًا ليس للدنيا عنده ذكر. وعظم حاله وحال مجلسه، وكان جعل على نفسه، أن لا يشبع من طعام، ولا نوم، حتى يقطع الله دولة بني عبيد. وكان مع ذلك ملتزمًا في حانوته، يبيع القطن. وفيه يأتيه من يطلب منه، ويسأله. قال أخوه أحمد: جاء قوم فسألوا ربيعًا عن مسائل. فرأيت أخانا سعيدًا قد اغتم. فسألته عن غمه. فقال من أجل هذا، يأتي إليه قوم يقعدون عنده، فيسألونه عن علم رفيع. فيجيبهم بكلام عال. فإذا قاموا عنه، رجع الى حلقة القطن يبيض فيها، ويطلب الحبة، والخروبة. فذكرت ذلك لربيع فقال عادكم برُّ أريحُ لم تصرخوا؟ وقال بعضهم: كنت يومًا في مجلس، وهو محتفل. فوقع بقلبي شيء فأقلقني ولم أقدر على الصبر، الى خفة الناس. فقمت، فأعدت الكلام فنهرني وقال: اجلس. فغضبت. فقلت له: لا يحل لك كتم العلم. فلم آته أيامًا. ثم قلت لنفسي: إنما وقع الضرر بك حيث قطعت حظك منه، مما يفوتك من الخير. فسرت إليه فوجدت بابه مردودًا بلا حديدة. وكانت علامة جلوسه. فدخلت دون إذن، فوجدته جالسًا على رجليه. فأخذَتْه حالٌ وهو يبكي ويقول: أنت دائي ودوائي. أنت عيدي ومناي. أنت كنزي وعتادي. فبقيت أنظر إليه، وقد هاج. فسلمت عليه فانتبه وقال: مرحبًا بك. وقام وأخذ بأطواقي، وجمعها علي. ثم جلس. وقال: صارت لك نفس تغضب وتندم. فقلت أي شيء أعمل. وقع بقلبي شيء فاحترقت، فقمت إليك أرجو الفرج، وأنت تجلسني. فقال: قد رأيتك، وأحسست الذي بك.

стр. 945

فما مسألتك؟ فأخبرته. فقال: تلومني على هذا، وهذه مسألة ينبغي أن لا تذكر قدّام الناس. الجواب فيهما، كذا وكذا. قال أبو محمد يحيى: قلت لربيع: إذا أتى العدو، فقال: العدو إنما هو السارق. والسارق لا يدخل بيتًا خاليًا. إنما يدخل بيتًا عامرًا. ولكن إذا قال لك: هكذا. ومد يديه، يشير الى الدعاء والتضرّع واللجوء الى الله، في كشف ما طرأ عليك، منه. فإنه يذهب. قال: وسألنا ربيعًا عن حضور مجلس السبت، فامتنع. فألححنا عليه، فوعد ومضى معنا إليه. وجلس ورأسه بين ركبتيه. ونحن نسمع تنهيده، حتى انصرف. فلما وصل منزله عصر القميص الذي كان عليه عصرًا، من الدموع، وبيّته على الحبل. فصول من كلامه رحمه الله تعالى من كلامه: الدنيا أمل ووجل، والآخرة جزاء وعمل، ومتوسط بينهما أجل. ومن كلامه: لا ترضَ على نفسك في أمسك. وعظة لك، في سرور غيرك بالتغيير. وفي صفاته بالتكدير. وفي عزّه بالذل. وفي عقده بالحل. وكان يقول: أخبركم بالحازم العازم، الذي قال: هاؤم اقرأوا كتابيه. إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه. ومن نظمه قوله رحمه الله تعالى: لا تطمئنوا فإن الناس قد حالوا … واقبض لسانك عما قلت أو قالوا واحذر زمانًا إذا حدثت عن زمن … نادى النصيحة أما ملت أو مالوا وابك الدماء على ما فات من زمن … فيه الوفاء وفيه الدين والمال لله أنت وقد غدوت في زمن … أعلى الفضائح آداب وأعمال

стр. 946

واقنع بحلسك أن تقبل نصيحتها … أو أن تحيز فما يغنيك تسآل وشعره كثير وخطبه ورسائله كثيرة متعددة مسطّرة على طريق كلام الصوفية ورموزهم رضي الله تعالى عنهم. ذكر جمل براهينه وكراماته قيل لأبي الحسن القابسي: هل بلغك أن أحدًا اجتمع مع الخضر ﵇، قال: نعم. فذكر أنه كان يجتمع مع ربيع في غرفته. قال أحمد أخو ربيع: خرج للحج معتقدًا أن لا يظهر بمصر. فكان يأتي الى حلقة الدينوري متحصنًا. فإذا دخل، رفع أبو الحسن الدينوري رأسه الى نحو سقف الجامع، ينظر مليًا، ثم يومئ بطرفه الى الجهة التي فيها ربيع، فيكشف له الناس، حتى يقع بصره عليه، ثم يقول: نعم، وربيع متستر بالناس. فصار ربيع بعد ذلك يقعد في غير ذلك المكان. فيفعل الدينوري مثل فعله، فينكشف له الناس عنه. كأن مخبرًا يخبره به. ففعل يومًا مثل فعله، ثم صرف بصره عن الجهة التي كان فيها، وقال: إنه ليكاد يغشي بصري نورًا، فما أرى القوم. ولم يلتق ربيع معه في تلك السفرة. قال بعضهم: وأعدت أبا سليمان يومًا، على كتاب يقابله معي. فقال آتيك الليلة أقابله معك. فانتظرته بعد العشاء، وقد غلقت الأبواب، إذ سمعت حسه، وهو يتحدث مع إنسان. ثم ضرب، ففتحت له، وخرجت أنظر، فلم أر أحدًا. فأقسمت عليه من الذي كان يحدثك. فقال: لا تفعل.

стр. 947

فكررت عليه. فقال: ومن وقع بقلبك؟ فقلت: الخضر. فقال: هو والله. وكان السلطان قد رمى على القطّانين قطنًا، وكان عنده بثمن سماه. فرمى على أخيه أحمد منه ثلاثة قناطير. قال: فعزمت على عمله وبيعه، وزيادة ما أعجز عن ثمنه من عندي. فنهاني عن ذلك أخي ربيع. وهزني الأعوان في الثمن. وهو ينهاني حتى ضجرت وكابرته. فقال لي: يا بغيض إنه يزول عنك، ويرجع الى صاحبه، فإني جالس إذا رسولٌ من الوالي، فقال لي: اصرف القطن الذي طرحته عليك. فطرحته. ومحا اسمي. وكان أخوه سعيد قد ركب في مركب الى مصر. فانفتح، وفرغ بعض شحنه، وضعفت قلوب من فيه، وأرادوا ترك الكراء لصاحبه، والخروج منه، إذ ورد عليهم كتاب ربيع الى أخيه: فبلغني ضعف قلوبكم، وإرادة بعضكم الخروج، فلا تخرجوا. فإن المركب يصل سالمًا بكل ما فيه. فقويت قلوبهم وقال صاحب المركب: سلم والله مركبي. فإن ربيعًا لم يتكلم بهذا الأمر إلا عن صحة. فوصل المركب سالمًا. وكان يتكلم على الأحوال. قال بعضهم: كثيرًا ما كنت أغشى مجلس ربيع، أريد سؤاله عن أشياء تختلج في صدري، فأنصرف. فعلم ما أردت منه دون مسألة. وهذا خطر ببالي يومًا من بعض كرامات الصالحين، ما هالني واستعظمته. فنظر إلي وقال: قالوا أتعجبن من أمر الله. وقال: حكى ابن يوسف - وكان مختصًا به - عنه، قال: كنت أمشي وحدي في خلاء من الأرض، وبين يدي جبل، فوقع في قلبي شيء من القرب الى الله تعالى. فخشيت أن تكون نفسي سخرت. وأنه ليس من قبل الحق. فقلت: اللهم إن كان هذا شيئًا من قبلك، فأرني برهانه، لئلا أشك فيه لتطمئن إليه نفسي. فنظرت إليه، فإذا الجبل كله ذهب، يلوح. فنظرت إليه، ثم أعرضت عنه. وقال ابراهيم بن مسرور: وفي سري الحاجة ضقت بها. فبينما أنا

стр. 948

نائم أقبل إلي شخص عليه بردة، ورائحة طيبة. فقال: ما لك ضقت لحاجتك. اذهب الى الوالي، فإنه يجريها الله على يديه. قلت: ومن الوالي؟ قال: الوالي كما ذكرت لك. فكررت عليه. فقال: هو ربيع القطان، فاذهب إليه، وبشره بالولاية. فأتاه فبشره. فقال له ربيع: أما علمت يا أخي أن المؤمنين كلهم أولياء الله. قال أخوه أحمد: دخلت عليه يومًا، وهو متفكر. فسألته عن فكرته، فقال: تفكرت في أمر. قلت: فيم؟ قال يراد بي وبرأسي أمر عظيم. فسألته. قال: رأيت في رؤياي الحق جل ذكره. فأمرني. فدنوت منه. فشرّف موضعًا مني، وعظّمه، ما بين صدغي، وأذني من الجانب الأيسر. فكانت والدته تأمره إذا حلق أن يأخذ شعر ذلك الموضع. فجمعت منه كثيرًا. وأوصت حين موتها أن يدفن معها. فضرب حين قتل في ذلك الموضع رحمه الله تعالى. قال لي ربيع رحمه الله تعالى: ليُرادنّ بهذا الرأس. يعني رأسه. وكان ذلك لما مثلوه، أخذوا رأسه، فداروا به في البلاد، رضي الله تعالى عنه ورحمه. بقية أخباره ووفاته وكان ربيع رحمه الله تعالى، ممن عقد الخروج لغزو الروافض. وجد في ذلك، كما قدمناه، في أخبار الممسي، فقتل شهيدًا، رحمه الله تعالى، في وادي المالح، في حصار المهدية، لسنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وكان أبو علي بن الكاتب العابد، يقول: ما رأيت ربيعًا قط إلا ورأيت دم الشهادة يلوح على وجهه، قال القابسي: وكانت رغبة بني عبيد ورجالهم، أخذ ربيع حيًا، ليشفوا منه نفوسهم. فلما لقوه في القتال، أقبل وهو

стр. 949

يطعن فيهم، ويضرب وهم يتوقفون عنه، رجاء أخذه. فلما أثخنهم بالضرب حملوا عليه، فقتلوه. وأخذوا رأسه، ومضوا به الى إمامهم، فطيف برأسه. قال بعضهم: رأيت السيف يثخن فيه، وهو يقول: قد وهن المشركون يقتلون المؤمنين. وما ولى دابرًا حتى قتل. قال أبو محمد بن تبّان: رأيت ربيعًا القطان بعد أن قتل. فسألته عن حاله. فقال لي: تارة يزخرف لنا الجنان. وتارة يشرف علينا الحور. وتارة تصطك لنا الحجب. فقلت له: من أعلى درجة، أنت أو الممسي؟ قال: جُمعنا في حديق واحد. ورثاه أحمد أخوه. بمراث كثيرة، منها: من قصيدة طويلة أولها: خليليّ عوجا بمهجتي عزّيانيا … وإن كنت حيًا لم أمت وابكيانيا ومنها: رزيت ربيعًا كان للناس كلهم … ربيعًا ترى فيه القلوب رواعيا رزيت أبي فيه وأمي وعترتي … وأهلي وإخواني فلم يبق باقيا رثيتك مقروحًا وأي مصيبة … بأعظم لي من أن أرى لك راثيا ومن ذلك قوله: جعلت أخي ذكراك فرضًا من الفرض … وطول عزائي فيك من دينك المحض إذا جن الظلام أراني ممثلًا … دجى الليل ما بين المدامع والعضّ تخيل لي في كل نفر وبلدة … كأنك لا تخلي مكانًا من الأرض ومولد ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين. وكان بينه وبين المحيسي ستة أشهر. ذكر إخوته رحمهم الله تعالى كان أبوه رحمه الله تعالى، من أهل العبادة. وكان رأى رؤيا فقصها على عابر، فقال له: تتزوج امرأة تطابق حالك، ويخرج من بينكما أولاد

стр. 950

علماء. قال أحمد أخو ربيع: كنا إذا جلسنا مع والدي، وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه يبحث بين يدي ربيع ابنه. فيقوم ربيع إليه ويقول: لم فعلت هذا؟ فيقول أردت أن أسألك عن شيء من العلم. فيقول: وهلا وأنت في مكانك؟ فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه. كان إخوة ربيع هذا: أحمد، وربيع، وسعيد، وعطا الله. كلهم عباد. قال الأجدابي: فأما ربيع، فهو الذي أوتي علمًا عظيمًا. وأما سعيد، فسمع بالقيروان، وطلب الفقه، وسمع بمصر كثيرًا، ومات بها. وأما أبو جعفر أحمد، فكان من أهل العلم والقرآن. قرأ على أبي بكر الهواري بإفريقية، وبمصر على الأنماطي وأحمد بن يوسف وغيرهم، وبالأندلس، على غيرهم. وصحب بمصر أبا إسحاق بن شعبان، وأبا علي بن الكاتب. وكان مرسلًا شاعرًا، وموثقًا حسن الخط، عالمًا بالعروض. وكان أعبدَ حلقة أخيه ربيع. وكان رئيسها، ويتولى الإلقاء بها. وكان ابن التبان ممن يغشاها. ولما انقضت أيام أبي يزيد، سافر أحمد الى الأندلس، وأقام بها عشر سنين، وخالط بها القاضي منذر بن سعيد. ثم أخذ له سجلًا من معدّ. فرجع الى القيروان، ومات سنة إحدى أو اثنين وتسعين وثلاثمائة. وكان كثير الحديث والشواهد والملح. محمد بن ابراهيم أبو بكر المعروف بالكتّاني. بتاء مشددة باثنين من فوق. صحب موسى القطان، وأحمد بن نصر، وسمع من غيرهما. قال ابن حارث: وكان يتكلم في المسائل كلامًا صالحًا. ذا دين، وطهارة، وحفظ، ودرس، ومناظرة، وصيانة، وحسن انقباض، وخير، وفضل. وكان يختم القرآن
следующие страницы →