← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

واقنع بحلسك أن تقبل نصيحتها … أو أن تحيز فما يغنيك تسآل وشعره كثير وخطبه ورسائله كثيرة متعددة مسطّرة على طريق كلام الصوفية ورموزهم رضي الله تعالى عنهم. ذكر جمل براهينه وكراماته قيل لأبي الحسن القابسي: هل بلغك أن أحدًا اجتمع مع الخضر ﵇، قال: نعم. فذكر أنه كان يجتمع مع ربيع في غرفته. قال أحمد أخو ربيع: خرج للحج معتقدًا أن لا يظهر بمصر. فكان يأتي الى حلقة الدينوري متحصنًا. فإذا دخل، رفع أبو الحسن الدينوري رأسه الى نحو سقف الجامع، ينظر مليًا، ثم يومئ بطرفه الى الجهة التي فيها ربيع، فيكشف له الناس، حتى يقع بصره عليه، ثم يقول: نعم، وربيع متستر بالناس. فصار ربيع بعد ذلك يقعد في غير ذلك المكان. فيفعل الدينوري مثل فعله، فينكشف له الناس عنه. كأن مخبرًا يخبره به. ففعل يومًا مثل فعله، ثم صرف بصره عن الجهة التي كان فيها، وقال: إنه ليكاد يغشي بصري نورًا، فما أرى القوم. ولم يلتق ربيع معه في تلك السفرة. قال بعضهم: وأعدت أبا سليمان يومًا، على كتاب يقابله معي. فقال آتيك الليلة أقابله معك. فانتظرته بعد العشاء، وقد غلقت الأبواب، إذ سمعت حسه، وهو يتحدث مع إنسان. ثم ضرب، ففتحت له، وخرجت أنظر، فلم أر أحدًا. فأقسمت عليه من الذي كان يحدثك. فقال: لا تفعل.

стр. 947

فكررت عليه. فقال: ومن وقع بقلبك؟ فقلت: الخضر. فقال: هو والله. وكان السلطان قد رمى على القطّانين قطنًا، وكان عنده بثمن سماه. فرمى على أخيه أحمد منه ثلاثة قناطير. قال: فعزمت على عمله وبيعه، وزيادة ما أعجز عن ثمنه من عندي. فنهاني عن ذلك أخي ربيع. وهزني الأعوان في الثمن. وهو ينهاني حتى ضجرت وكابرته. فقال لي: يا بغيض إنه يزول عنك، ويرجع الى صاحبه، فإني جالس إذا رسولٌ من الوالي، فقال لي: اصرف القطن الذي طرحته عليك. فطرحته. ومحا اسمي. وكان أخوه سعيد قد ركب في مركب الى مصر. فانفتح، وفرغ بعض شحنه، وضعفت قلوب من فيه، وأرادوا ترك الكراء لصاحبه، والخروج منه، إذ ورد عليهم كتاب ربيع الى أخيه: فبلغني ضعف قلوبكم، وإرادة بعضكم الخروج، فلا تخرجوا. فإن المركب يصل سالمًا بكل ما فيه. فقويت قلوبهم وقال صاحب المركب: سلم والله مركبي. فإن ربيعًا لم يتكلم بهذا الأمر إلا عن صحة. فوصل المركب سالمًا. وكان يتكلم على الأحوال. قال بعضهم: كثيرًا ما كنت أغشى مجلس ربيع، أريد سؤاله عن أشياء تختلج في صدري، فأنصرف. فعلم ما أردت منه دون مسألة. وهذا خطر ببالي يومًا من بعض كرامات الصالحين، ما هالني واستعظمته. فنظر إلي وقال: قالوا أتعجبن من أمر الله. وقال: حكى ابن يوسف - وكان مختصًا به - عنه، قال: كنت أمشي وحدي في خلاء من الأرض، وبين يدي جبل، فوقع في قلبي شيء من القرب الى الله تعالى. فخشيت أن تكون نفسي سخرت. وأنه ليس من قبل الحق. فقلت: اللهم إن كان هذا شيئًا من قبلك، فأرني برهانه، لئلا أشك فيه لتطمئن إليه نفسي. فنظرت إليه، فإذا الجبل كله ذهب، يلوح. فنظرت إليه، ثم أعرضت عنه. وقال ابراهيم بن مسرور: وفي سري الحاجة ضقت بها. فبينما أنا

стр. 948

نائم أقبل إلي شخص عليه بردة، ورائحة طيبة. فقال: ما لك ضقت لحاجتك. اذهب الى الوالي، فإنه يجريها الله على يديه. قلت: ومن الوالي؟ قال: الوالي كما ذكرت لك. فكررت عليه. فقال: هو ربيع القطان، فاذهب إليه، وبشره بالولاية. فأتاه فبشره. فقال له ربيع: أما علمت يا أخي أن المؤمنين كلهم أولياء الله. قال أخوه أحمد: دخلت عليه يومًا، وهو متفكر. فسألته عن فكرته، فقال: تفكرت في أمر. قلت: فيم؟ قال يراد بي وبرأسي أمر عظيم. فسألته. قال: رأيت في رؤياي الحق جل ذكره. فأمرني. فدنوت منه. فشرّف موضعًا مني، وعظّمه، ما بين صدغي، وأذني من الجانب الأيسر. فكانت والدته تأمره إذا حلق أن يأخذ شعر ذلك الموضع. فجمعت منه كثيرًا. وأوصت حين موتها أن يدفن معها. فضرب حين قتل في ذلك الموضع رحمه الله تعالى. قال لي ربيع رحمه الله تعالى: ليُرادنّ بهذا الرأس. يعني رأسه. وكان ذلك لما مثلوه، أخذوا رأسه، فداروا به في البلاد، رضي الله تعالى عنه ورحمه. بقية أخباره ووفاته وكان ربيع رحمه الله تعالى، ممن عقد الخروج لغزو الروافض. وجد في ذلك، كما قدمناه، في أخبار الممسي، فقتل شهيدًا، رحمه الله تعالى، في وادي المالح، في حصار المهدية، لسنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وكان أبو علي بن الكاتب العابد، يقول: ما رأيت ربيعًا قط إلا ورأيت دم الشهادة يلوح على وجهه، قال القابسي: وكانت رغبة بني عبيد ورجالهم، أخذ ربيع حيًا، ليشفوا منه نفوسهم. فلما لقوه في القتال، أقبل وهو

стр. 949

يطعن فيهم، ويضرب وهم يتوقفون عنه، رجاء أخذه. فلما أثخنهم بالضرب حملوا عليه، فقتلوه. وأخذوا رأسه، ومضوا به الى إمامهم، فطيف برأسه. قال بعضهم: رأيت السيف يثخن فيه، وهو يقول: قد وهن المشركون يقتلون المؤمنين. وما ولى دابرًا حتى قتل. قال أبو محمد بن تبّان: رأيت ربيعًا القطان بعد أن قتل. فسألته عن حاله. فقال لي: تارة يزخرف لنا الجنان. وتارة يشرف علينا الحور. وتارة تصطك لنا الحجب. فقلت له: من أعلى درجة، أنت أو الممسي؟ قال: جُمعنا في حديق واحد. ورثاه أحمد أخوه. بمراث كثيرة، منها: من قصيدة طويلة أولها: خليليّ عوجا بمهجتي عزّيانيا … وإن كنت حيًا لم أمت وابكيانيا ومنها: رزيت ربيعًا كان للناس كلهم … ربيعًا ترى فيه القلوب رواعيا رزيت أبي فيه وأمي وعترتي … وأهلي وإخواني فلم يبق باقيا رثيتك مقروحًا وأي مصيبة … بأعظم لي من أن أرى لك راثيا ومن ذلك قوله: جعلت أخي ذكراك فرضًا من الفرض … وطول عزائي فيك من دينك المحض إذا جن الظلام أراني ممثلًا … دجى الليل ما بين المدامع والعضّ تخيل لي في كل نفر وبلدة … كأنك لا تخلي مكانًا من الأرض ومولد ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين. وكان بينه وبين المحيسي ستة أشهر. ذكر إخوته رحمهم الله تعالى كان أبوه رحمه الله تعالى، من أهل العبادة. وكان رأى رؤيا فقصها على عابر، فقال له: تتزوج امرأة تطابق حالك، ويخرج من بينكما أولاد

стр. 950

علماء. قال أحمد أخو ربيع: كنا إذا جلسنا مع والدي، وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه يبحث بين يدي ربيع ابنه. فيقوم ربيع إليه ويقول: لم فعلت هذا؟ فيقول أردت أن أسألك عن شيء من العلم. فيقول: وهلا وأنت في مكانك؟ فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه. كان إخوة ربيع هذا: أحمد، وربيع، وسعيد، وعطا الله. كلهم عباد. قال الأجدابي: فأما ربيع، فهو الذي أوتي علمًا عظيمًا. وأما سعيد، فسمع بالقيروان، وطلب الفقه، وسمع بمصر كثيرًا، ومات بها. وأما أبو جعفر أحمد، فكان من أهل العلم والقرآن. قرأ على أبي بكر الهواري بإفريقية، وبمصر على الأنماطي وأحمد بن يوسف وغيرهم، وبالأندلس، على غيرهم. وصحب بمصر أبا إسحاق بن شعبان، وأبا علي بن الكاتب. وكان مرسلًا شاعرًا، وموثقًا حسن الخط، عالمًا بالعروض. وكان أعبدَ حلقة أخيه ربيع. وكان رئيسها، ويتولى الإلقاء بها. وكان ابن التبان ممن يغشاها. ولما انقضت أيام أبي يزيد، سافر أحمد الى الأندلس، وأقام بها عشر سنين، وخالط بها القاضي منذر بن سعيد. ثم أخذ له سجلًا من معدّ. فرجع الى القيروان، ومات سنة إحدى أو اثنين وتسعين وثلاثمائة. وكان كثير الحديث والشواهد والملح. محمد بن ابراهيم أبو بكر المعروف بالكتّاني. بتاء مشددة باثنين من فوق. صحب موسى القطان، وأحمد بن نصر، وسمع من غيرهما. قال ابن حارث: وكان يتكلم في المسائل كلامًا صالحًا. ذا دين، وطهارة، وحفظ، ودرس، ومناظرة، وصيانة، وحسن انقباض، وخير، وفضل. وكان يختم القرآن

стр. 951

في كل ليلة. وحج سنة سبع وعشرين. ومات في رجوعه بالحوراء في هذه السنة. محمد بن عباس النحاس رحمه الله تعالى بحاء مهملة. قال ابن حارث: كان مذهبه المسائل، والفقه خاصة. جالسَنا عند جميع الشيوخ. وتوفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. أبو عبد الله محمد بن مسرور النجار يعرف بابن الأصلع. ويقال: الأقرع. كان مذهبه الدرس والحفظ والمناظرة. وسمع يحيى بن عمر وسعيد بن الحداد وغيرهما. قال ابن حارث: وكان حسن القريحة، فقيه البدن، وشيخًا مسنًا. وكان جليسنا في كل مجتمع. وكان شأنه الفقه البارع والمناظرة فيه. حسن المناظرة متواضعًا. قال المالكي: كان شيخًا فقيهًا عالمًا بالحجة والنظر. ولم يكن صاحب كتب ورواية. وإليه أسندت الحلقة بعد أحمد بن نصر. فرفعا أبي الفضل الممسي وقال: داري ضيقة وأنا حديث عهد بعرس، وهو رابع أربعة كانوا بالقيروان في وقتهم، على طريقة واحدة، في الفقه والنظر للمسائل، وتعليلها. هو، وربيع القطان، وابن حارث، والممسي. ولأحمد بن النظر كتاب في الرد عليهم. سماهم فيه: العملية. وساعده عليهم أحمد بن نصر. وكتب خطه فيه. وأبو ميسرة. قال صاحب الكتاب المعروف: كان فقيهًا بمذهب مالك، عالمًا بالحجة والنظر. توفي فيما ذكره ابن حارث والمالكي: سنة ثمان وعشرين. وفي خط ابن عمران سنة سبع. وذلك بتونس. ووجدته أيضًا بخط ابن حارث رحمه الله تعالى.

стр. 952

أبو الحسن عبد الله بن محمد بن زرقون الغسال بن أبي مريم يعرف بابن الطيارة، في التعليق. كان من أهل المذهب، والفقه، على مذهب المدنيين بالقيروان. وكان أبوه صاحب صلاتهم. وقد ذكرته في أصحاب سحنون. وكان أبو الحسن ثالث ثلاثة إذا حضروا في مجلس، لم يتكلم أحد غيرهم. هو وأبو محمد عبد الله بن أبي عثمان بن الحداد، وأبو ابراهيم القرشي، المعلم، كثير حكاية، وحسن إيراد. قال الخراط: كان رجلًا صالحًا، ثقة مأمونًا، فقيهًا خيّرًا. سمع من سهل القبرياني، وأبي داود العطار. وسمع منه أبو الحسن بن زياد، وأبو الأزهر بن ناقد. توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. مولده سنة أربع وأربعين ومائتين. أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي. كان جده تمام بن تميم، من أمراء إفريقية. وكان أبوه أحمد ممن سمع من شجرة بن عيسى، وسليمان بن عمران، وبكر بن حماد. وسمع أبو العرب من جماعة أصحاب سحنون، وأكثر رجال إفريقية. كأحمد بن عمر، وأبي داود العطار، وعيسى، ومحمد بن مسكين، وابن طالب، وعبد الجبار، وأبي العباس، وسهل القبرياني، وحماس، وحبيب بن نصر، وجبلة، وابن أبي سليمان، وسعيد بن إسحاق، وجماعة. قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلًا صالحًا، ثقة عالمًا بالسّنن، والرجال، من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخُلق. كتب بخطه كثيرًا في الحديث والفق. يقال إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة. وشيوخه

стр. 953

تنيف على عشرين ومائة شيخ. سمع منه أبو محمد بن أبي زيد، والحسين بن سعيد، وابناه، والشذوذي، والناس. قال ابن أبي دليم: وكان حافظًا للمذهب، معتنيًا به. وغلب عليه الحديث والرجال، وتصنيف الكتب والرواية، والاسماع. وألّف طبقات علماء إفريقية، وكتاب عباد إفريقية، ومسند حديث مالك، وكتاب التاريخ، سبعة عشر جزءًا، وكتاب مناقب بني تميم، وجزأين في موت العلماء، وكتاب المحن، وكتاب فضائل مالك، وكتاب فضائل سحنون، وكتاب الوضوء والطهارة، وكتاب الجنائز، وذكر الموت، وعذاب القبر، وكتاب عوالي حديثه، وكتاب في الصلة، وغير ذلك. ودارت عليه محنة من الشيعي. حبسه وقيّده مع ابنه، مرة بسبب بني الأغلب، والتهمة في السلطان. وهو أحد من خرج لحرب بني عبيد، وحاصر المهدية. وسمع عليه هناك كتاب الإمامة، محمد بن سحنون. وكان يقول: سماع هذين الكتابين هنا، علي أفضل من كل ما كتبت. وكان سبب طلبه للعلم، أنه أتى يومًا الى دار محمد بن يحيى بن سلام، فأعجبه من الطلبة. فاختلف إليه أيامًا، وهو من أبناء السلاطين. قال: فقال رجل: لا تتزيا بهذا الزيّ، فليس بزي طلبة العلم. فرجعت فذكرت ذلك لأمي، فأبت علي وقالت إنما تكون مثل آبائك السلاطين. فاشتريت ثيابًا ورداء، وجعلتهم عند صباغ. فإذا أتيت لبست تلك الثياب علي، في حانوته. ومضيت الى ابن سلام. فإذا انصرفت من عنده، رجعت الى حانوت الصباغ، وكشفت ما علي، ولبست ثيابي التي جئت بها، ورجعت الى دري. فقال لي رجل: أراك تلازم وتسمع، ولا تكتب. فقلت له: والديّ رغباني في هذا الأمر، والمعونة عليه، ولم يمكّناني من شيء. فقال: أعطيك جلدًا تكتبه لنفسك. وتكتب لي آخر. فرضيت بذلك، وفعلته معه مدة. الى أن يسر الله لي فيما اشتريت

стр. 954

به الرق. وقويت به على طلب العلم. وكان أبو العرب شاعرًا. أنشد له ابنه تميم: إذا ولى الصديق لغير عذر … فزاد الله خلته انقطاع الى يوم التناد بلا رجوع … فإن رام الرجوع فلا استطاعا إذا ولى أخوك قفاه عنك … فولّ قفاك عنه وزده باعا وناد وراءه يا ربّ تمّم … ولا تجعل لفرقته اجتماعا وله: ضعفت حيلتي وقلّ اصطباري … والى الله التشكي كل ما بي وهن العظم بعد أن كان صلبًا … وفقدت الشباب أي شباب وتوفي فيما قال ابن حارث: يوم الأحد لثمان بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وقرأ السبع أفراده سنة نيف وخمسين ومائتين. وكان له ابنان: أبو العباس تمام، سكن إفريقية. وأبو جعفر تميم، سكن الأندلس، وروى بها كتب أبيه وغيرها. وكان يضعّف. تكلم فيه أخوه. أبو جعفر أحمد ويقال حمود، بن ابراهيم. ويقال ابن سعدون المتعبد. سكن سوسة. ويعرف بالاريسي. ويقال أيضًا ابن السرداني. لأنه غزى السردانية. قال أبو بكر المالكي: وكان رجلًا صالحًا فاضلًا. فقيهًا ثقة. ذا سمت حسن ووقار، وورع. سمع منه الناس، وكتب جميع كتب يحيى ابن

стр. 955

أبي الأزهر. ما رأيت في المتعبدين مثله. وكان قد اعتلّ، فلم يبق في بدنه عضو، إلا معتلًا، سوى لسانه وعقله وبصره. فكان إخوانه يزورونه وهو ملقى على ظهره، ما يستطيع الجلوس. ولقد كان يأتيه جماعة من إخوانه بينهم اختلاف، رجاء أن يصلح بينهم. فيذكر كل واحد منهم لأقف على صحة جوابه، وفهمه. فربما جازت عليّ أشياء من أقاويلهم، لا أذكرها إلا بجوابهم. وكان مع ذلك قد أدرك الثمانين. وكان من الزّهاد المتعبدين المستجابين. دخل سوسة بألف مثقال، فأنفقها. وكانت له مروءة، وهو كان القائم بأمر أبي جعفر العمودي، العابد، صاحبه. وذكر عنه أنه لقيه رجل يومًا، طالع الى السجن، وهو على عنقه كساء، وبيده طعام. فسأله فقال: حبس لي صديق اليوم، فأردت تأنيسه بالمبيت عنده. ولما اشتد مرضه، كان أبو جعفر العمودي، إذا سلّم من صلاته، يمضي وينظر إليه من الباب، ثم يرجع الى صلاته. فإذا سلّم عاد فنظر إليه. فوجده مرة في حالة النزع، وقد انقطع كلامه. فقال العمودي: الحمد لله رب العالمين. الآن قد طابت نفسي عليك. خلصت وبقيت أنا موحولًا. فلما سمعه الاريسي وهو لا يتكلم، أشار بيده الى حلقه، يريد أن نفسه لم تخرج بعد. ولما مات، وقف عليه فقال: خلصت ورويت عليك. لا يصل إليك سلطان ولا شيطان. وتركتنا بعدك موحولين، في بحر نسبح فيه لا ندري، نغرق أم ننجو. قال الخراط: رأى ثقة في منامه، كأن قائلًا يقول: إذا أردت أن تنظر الى أبي بكر الصديق، فانظر الى أبي جعفر السرداني. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين. وقيل أربع وعشرين وثلاثمائة.

стр. 956

أخوه أبو عطاء يزيد بن سعدون الاريسي قال المالكي عنه: كان رجلًا فاضلًا من أهل العلم، والفضل، والورع، والعناية، والكتب وضبطها. وسمع أكثر كتب يحيى بن عمر، وكتبها وحبسها بعد موته، ﵀، بسوسة. أبو جعفر أحمد بن موسى التمار من نبط تونس. سمع من فرات ويحيى بن عمر، وغيرهما. وسمع منه عالم كثير. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم بالجدل، على معاني المتكلمين في النظر على مذاهب الفقهاء. ويتكلم في ذلك كلامًا جيدًا. وكان لطيف الفهم، دقيق الاستخراج، قد صحب أبا عثمان بن الحداد، واحتوى على معانيه. وكان حسن التصرف، جميل الأدب، كريم المروءة، محمود الأخلاق، كثير الحكاية. قال الخراط: كان صالحًا ثقة فقيهًا عالمًا، يحسن النحو والعربية. سأله يومًا بعضهم على الفرق بين المفلس الحي، والمفلس الميت، إذا وجد البائع عين متاعه. فقال: لأن الميت انتقل ملك ماله الى غيره، والحي ملكه باق على ماله. وامتحن هو وأخوه محمد، أيام الشيعي. فأمر عبيد الله بضرب أخيه مائتي سوط، فمات. ودارت على أناس كثير من المدنيين وغيرهم، محن كثيرة، كمحنة عمروس في خلع لسانه، وابن معتب في ضرب ظهره، وابن المدني في ضرب ظهره، وصفعه. وابن اللباد بسجنه. وابن البرذون وابن هذيل بقتلهما، وصلبهما.

стр. 957

وأشياء كثيرة من جهة ترك: حيّ على خير العمل في الأذان. وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. والفتيا بمذهب مالك رضي الله تعالى عنه. وله في عبيد الله وآله: أنا أقول بأنني ممن برأ فيه - يرى أنه كان منهم علي أو كان فيهم علي - وتوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. ابراهيم بن أبي حفص أبو إسحاق المعروف بابن فتت سمع من يحيى بن عمر وغيره وكان جيد العقل يميل الى النظر، حسن الحكاية. قتله اللصوص في داره لأجل ماله وكان كثيرًا وكان وحيدًا فذبح بالليل هو وجاريته وحمل ماله رحمه الله تعالي. أبو عبيد الله محمد بن أبي المنظور عبد الله بن حسان ويقال أبو محمد الأنصاري من أنفسهم ويقال مولاهم وأصله من الأندلس وبها ولد من جزيرة طريق ورحل فسمع النفري واسماعيل القاضي وابن قتيبة وابنه والحارث بن أبي السامة والكسوري وعلي بن عبد العزيز وغيرهم. وكتب في رحلته علمًا كثيرًا وأوطن القيروان وأغلق على نفسه باب السماع والعلم واشتغل بالتّجر. وكانت له في البلد جلالة السن، والعلم والصيانة. ولاه أبو القاسم بن عبيد الله، قضاء القيروان. على ملأ من الناس. أرادت الشيعة بتوليته: تسكين نفوس أهل السنة والناس. وما كان منهم بعد فتنة أبي يزيد. وكان شرط على اسماعيل حين ولاهم أن لا يأخذ لهم صلة. ولا يركب لهم دابة، ولا يقبل شهادة من قاربهم. ولا يركن إليهم. فأجابوه الى ذلك. وكان صليبًا في قضائه. سالكًا

стр. 958

طريق العدل في أمره. ورفع إليه أن يهوديًا، سبّ النبي ﷺ . فقال: لم أُعطَ السيف فأحضر وعرض عليه الإسلام، فأبى. فأجلسه وأمر بضربه وقال للضارب اقصِد حذاء قلبه. فضربه حتى مات. وعليَت عليه الرواية. سمع منه أبو جعفر النصري، وابن التِبان، وابن نظيف، وعبد الله بن أبي هاشم، وولي القضاء وهو ابن تسعين سنة. لم يستنب. ولا أخذ على قضائه أجرًا. ولا ركب في قضائه. وتوفي وهو كبير السن. سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. في الثانية من قضائه. وهو قاض. قال بعضهم: كان له إدراك وسماع كثير. وعلم مشهود. وكان مالكيًا عالمًا. عاملًا بأصول الفقه. وليس ينسب الى الحفظ كثيرًا. ذا سمت وخشوع وثناء. أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن الحداد. شيخ عاقل، حصيف. عالي الهمة. سمع من أبيه وأحمد بن يزيد، وغيرهما من شيوخ القيروان. حدّث عنه، أبو محمد بن أبي يزيد رحمه الله تعالى، وغيره. وكان مليح المجلس. كثير الحكاية. توفي بعد العشرين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى. عبد الله بن أبي القاسم بن مسرور التجيبي مولاهم. المعروف بابن الحجّاج. مولى بني عبيد التجيبي، أبو محمد. سمع من عيسى، ومحمد بن ابني مسكين، وسعد بن إسحاق، وعبد الله بن سهل الأندلسي، وأبي عيّاش، وفرات، وحمديس القطان، وعمر بن

стр. 959

يوسف، وابن أبي سليمان، ويحيى بن زكريا الأموي، والمغامي، وغيرهم من شيوخ إفريقية. ورحل فسمع في رحلته بمصر، وجدة وغيرهما. من جماعة منهم: ابراهيم بن حميد، ومحمد بن ابراهيم الويلي، وابن الإعرابي، وابن أبي مطر، وعبد الله بن حمويه، ومحمد بن الحسين الطويبي، والحضرمي. وغلب عليه الجمع والرواية. يقال أكثر سماعه من ابن مسكين، إجازةً. قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو محمد ورعًا مسمّتًا خاشعًا، رقيق القلب، غزير الدمعة، مهيبًا في نفسه. لا يكاد أحدٌ ينطق في مجلسه، بغير الصواب. يشبه في أموره كلها ابن عمر، وحمديسًا القطان. حسن التقييد صحيح الكتاب. وكانت كتبه كلها بخطه. وكان كثير التصنيف في أنواع العلوم. كثير الكتب. فقال القابسي: ترك أبو محمد هذا سبع قناطير كتب، بخطه. فلما توفي رفع جميعها الى سلطان الوقت. فأخذها ومنع الناس منها. وذكر بعض أصحابه أنه لما اشتد به المرض قال له أصحابه: نخشى أن يأخذ السلطان كتبك، ويمنعها الناس، الانتفاع بحبسها، على المسلمين، ووجّهها أثلاثًا في ثلاثة مواضع. ففعل ذلك. فلما كان من الغد، قال: لم أنم البارحة. لما فقدت كتبي، فردوها عليّ، فردوا الثلثين، وتركوا الثلث الذي كان في دار أبي محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى. فلما وصل إليه الثلثان مات. فقبض السلطان على ذلك، وسلم الثلث. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: بلغني أن أهله، اشتروا له جارية، فزينوها وأدخلوها عليه. فلما كان الليل أخذ الكتاب، وكتب الليل كله، ولم يلتفت إليها. وأقام على ذلك نحوًا من شهر. فلما طال على الجارية ذلك، قالت له: إن كان ليس لك غرض فيّ، فبعني.

стр. 960

فقال لها: من أنت؟ قالت: جاريتك. قال: أنا ما اشتريت جارية. امض الى من اشتراك، يبعك. ففعلت. فأقام على حاله، الى أن مات. وكان القابسي يقول لمن قال لم يدرك، يحيى بن عمر الاسباطي: بل أدركه، صحيحًا. ولكن كان أبو محمد أولًا منقطعًا، فلهذا لم يسمع من يحيى. وحكى أن النعمان قاضي الشيعة، مرّ به، بباب داره. فقال: السلام عليك يا أبا محمد. فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكرر عليه. فرد مثله. فلما انصرف النعما، قال له من حوله: تكون قاضي قضاة السلطان وداعيته، تسلم على صبي فما رد عليك. أذللت نفسك وأذللتنا. فرجع إليه يتوقد غضبًا. فلما رآه أبو محمد، قام، وجعل يده على أذنه، وقال: جعلت أذنك قمعًا لمن يقرب الى النار، لحمك ودمَك. قال: صدقت يا أبا محمد. فانصرف قائلًا لأصحابه: هذا بشر من أهل الدنيا. فيتم فيه ما نريد. ولقيه ابن هاشم قاضي القيروان في حفدته، فترجّل له وسلّم عليه. فاتب ابن مسرر في حق له، في قضاء القوم. فاعتذر له، وقال: هل لك من حاجة؟ فقال له: لا حاجة لي عندك. فسلم عليه. فقال للقاضي بعض من معه: إن أردت قضاء حاجته فكلم السلطان في الدار التي غصبها له. فقال: معن. وسأل السلطان فيها، فأجابه. فأخبر بذلك ابن مسرور. فقال والله لا فعلت شيئًا، تركته لله. ارجع فيه. لا حاجة لي فيه. وألّف كتبًا كثيرة في أنواع من العلوم، منها: كتاب المواقيت، ومعرفة النجوم، والأزمان. سمع منه أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، والقابسي، ومحمد بن ادريس، وأبو عبد الله الصدفي، وغيرهم من أهل إفريقية، ومصر، والأندلس. وكان رحمه الله تعالى قد نبذ جماعة من أصحابه، لأشياء اطلع

стр. 961

عليهم فيها. فكتب عليهم محضرًا يقول فيه: يشهد من تسمى في هذا الكتاب، أن عبد الله بن مسرور أشهدهم: أن فلانًا، وفلانًا، كانوا يأخذون عنه من العلم. فسألوا أن أجيزهم كتبي، ففعلت. فأشهدوا عليّ أني رجعت فيما رووا عني، وعن إجازتي لهم كتبي، لما ظهر فيهم من سوء حالهم. وكذا، وكذا. قال القاضي: مثل هذا لا يضر الرواية. وقد فعله بعض من لقيناه ببعض من سخطه من أصحابه. ولعله لم يخف عليهم أن الرجوع فيها لا يصح. لكنه كالردع والتجريح لهم، بمثل هذا. وقد بينا هذا الفشل بيانًا شافيًا، في كتاب الإلماع. وتوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة. وسنّه سبع وثمانون سنة. مولده سنة ثلاث وستين ومائتين. وكان سبب موته، أنه اصطلى ونعس، فالتهبت النار بثيابه، واحترق إلا موضع سجوده. رحمه الله تعالى. حبيب بن الربيع مولى أحمد بن أبي سليمان الفقيه. كان فقيهًا عابدًا. كناه أبو الوليد الباجي: بأبي القاسم. وغيره: بأبي نصر. يروي عن مولاه أحمد، ويحيى بن عمر، ومحمد أخيه، والمغامي، وحماس، وابن أبي داود العطار، وعبد الجبار وأبي عياش، ويحيى بن عبد العزيز، وعمر بن يوسف، وابن بسطام، وابن الحداد، وعبد الرحمن الورقة، وغيرهم. وروى عنه: أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، وابن ادريس، وعلي بن إسحاق، وجماعة. قال القاضي أبو الوليد الباجي: هو فقيه. قال الخراط: كان فقيه البدن، يميل الى الحجة، عالمًا بكتبه، حسن الأخلاق، بارًا سمحًا. وكان مولاه أحمد يقول: الذي خسرته في ابني، ربحته في حبيب. وكان يقول: قال لي مولاي أحمد:

стр. 962

تخلّقْ بخُلقي في كل شيء، إلا في الدينار والدرهم - لسعة يده - قال حبيب: فتخلقت بخلقه في كل شيء إلا في الدينار والدرهم. وكان حبيب هذا شاعرًا. وهو القائل: إن الزمان وإن أتى بصروفه … فأنا له من أعظمي رجاله ما إن تغير حاله من حاله … إلا سمَت هممي على أحواله ولقد أتيت وما لصاحب نعمة … من ماله قبلي ولا أفضاله واصدق ما بذل امرؤ من وجهه … لصديقه أو غيره لسؤاله إن الصديق وإن تغير حاله … لم يجز ذاك الفعل من أفعاله وصفحت عنه حافظًا لمحبتي … ووصلت حبلي إن نأى بحباله ووقفت على جزء من مسائله، مما سأله عنه مولاه، وابن الحداد، وعبد الرحمن الورقة، وابن بطريقة. وأفتى حبيب فيمن دفن وأكله السبع، أن كفنه لورثته. وقال غيره: لا يورث. كمن لا وارث له. قال أبو علي البصري في كتاب المعرب من أخبار المغرب: كان حبيب هذا فقيهًا، وهو الذي عناه مولاه أحمد ﵀ في شعره: تسمع يا حبيبي هديت قولي … تنل بسماعه خيرًا كثيرا سمعتك تذكر الشعراء طرًّا … وتنشد شعرهم جمعًا كثيرا وليس مؤلفٌ قولًا حليمًا … كآخر قائلًا إفكًا وزورا وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وهو ابن نيف وثلاثين سنة، رحمه الله تعالى. حبيب بن نصر مولى أحمد بن سليمان أيضًا. سمع من مولاه، ويحيى وغيرهما. وعنى بالمسائل والمناظرة فيها. وكان منقبضًا.

стр. 963

إسحاق بن مسلم أبو ابراهيم. مولى أحمد أيضًا. كان يتكلم في الفقه على مذاهب النظر. وفي الأسماء والصفات على طريق المتكلمين وأهل السنّة. وكان نبيلًا متصرفًا، إلا أن ابن حارث، حكى عنه أنه يقول، بالجسم ولا كالأجسام. وهذا إن صحّ عنه ينفي كل ما وصفت به من فهم، ونبل. ويدل على إغراق في الجهل وغباوة تامة وقلة علم. أبو عبد الله محمد بن العباس بن الوليد الذهلي المعروف بدُعدُع. بدالين، مهملتين، مضمومتين، كان عالمًا فقيهًا بمذهب مالك. ذا حفظ. سمع محمد بن سحنون. ومحمد بن يحيى بن سالم. ومحمد بن تميم العنبري. وكان شديد البغض لبني عبيد، كثير السبّ لهم. لا يخاف في الله لومة لائم. وحكم عليه ابن طالب، وعلى أخيه الملقب بشريشر: أنهما موالي، لامرأة من العجم، وبالكذب. أرى ذلك لانتمائهما الى هذيل. وضرب النفطي قاضي الشيعة، محمدًا هذا. في جميع القيروان عريانًا. وصفع قفاه. حتى سال الدم من رأسه. وبُرّح عليه في الأسواق، وأطافه عريانًا على حمار إذا رُفع عنه أنه كان يفتي بمذهب مالك، ويطعن على السلطان. ثم حبس. ووجدت في التعليق لأبي عمران، أنه سقط آخر عمره. وتوفي سنة تسع وعشرين، وثلاثمائة. من خط أبي عمران.

стр. 964

محمد، المعروف بالبرقشاني سمع من يحيى بن عمر. وموسى القطان. وقرأ عليه. وكان يختم القرآن في كل ليلة. توفي سنة ثلاث وثلاثين. أبو عبد الله محمد بن غليون الصنهاجي من أهل باجة إفريقية. المعروف بالوقّاد. مشدد القاف. وآخره دال. قال: كان من أصحاب حمديس. روى عنه السّدري. وفي التعليق، أنه كان فقيهًا بمذهب مالك. قال المالكي: كان من أهل الفقه، ذا فهم جيد. وكان يجري بينه وبين ربيع القطان مناظرات في الفقه. قال ابن حارث: كان فقيهًا حافظًا. وكان الفقه والمناظرة وجودة القريحة، أغلب عليه، من الحفظ. وكان إذا ألقيت عليه مسألة، ينظر فيها. وقيل له: اسمع جوابها. قال: لا. حتى أعرف ما يظهر لي. إنما أريد أن أنتفع فيها. وقيل له: بل انتفع بعلم نفسي. وكان يتكلم في معاني الأحاديث، كلامًا حسنًا. وكان من ذوي المروءة والهيئة الحسنة. وحكى عنه الفارسي: مسألة القملة، تسقط في قفيز قمح، لا يؤكل. مات بباجه. سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ﵀ تعالى.

стр. 965

أبو العباس عبد الله بن أحمد بن ابراهيم بن إسحاق، المعروف بالإبياني. كذا يقال. بكسر الهمزة وتشديد الباء. ويقال: صوابه تخفيفها. التميمي. تفقه بيحيى بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان، وحمديس، ويحيى بن عبد العزيز، وحماس بن مروان وغيرهم. وصحبه لقمان بن يوسف، وعبد الله بن عامر، وذك أبا بكر بن اللباد، يروى عنه الأصيلي، وأبو الحسن اللواتي، وعمرون بن محمد، وعبد الله بن أبي زريق، وعيسى بن سعادة، وابن أبي زيد، رحمهم الله تعالى، وغيرهم. قال بعضهم، كان أبو العباس عالم إفريقية، غير مدافع. وقال بعضهم: كان من شيوخ أهل العلم، وحافظ مذهب مالك. قال ابن أبي دليم: كان من أهل الخير، والوجاهة، وله ميل الى مذهب الشافعي. قال ابن حارث: هو شيخ من أهل الصيانة والانقباض، والحفظ والكلام في الفقه. قال المالكي: كان شيخًا ثقة، مأمونًا، إمامًا، فقيهًا عاقلًا، حليمًا نبيلًا، فصيحًا عالمًا بما في كتبه، حسن الضبط، جيد الاستنباط. كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، رضي الله تعالى عنه، إذا نزلت به نازلة، مشكلة، كتب إليه، يبينها له. ولما وصل الى مصر، تلقاه نحو أربعين فقيهًا، لم يكن فيهم أفقه منه. وقال أبو اسحاق بن شعبان: ما يزال بالمغرب عالم ما دام بين أظهرهم، وما عدي النّيل منذ خمسين سنة، أعلم منه. وقال أبو حفص بن عمرون: صحبت الحسن بن نصر، وغيره. وذكر من أحوالهم وفضائلهم، ما رأيت مثل

стр. 966

أبي العباس في الفقه. وكان أبو الحسن القابسي يقول: ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس. وكان يفصل المسائل، كتفصيل الجزار الحاذق اللحم. وكان يحب المذاكرة في العلم، ويقول: دعونا من السماع، ألقوا علينا المسائل. وربما دخل عليه أصحابه وهو ملتاث. فإذا أخذوا في المذاكرة زال التياثه، وظهر نشاطه. وكان يدرس كتاب ابن حبيب، وكان ابن اللباد إذا ذاكره، يضجر لكثرة معارضته، ودقة فهمه. فيُسرّ به أبو العباس. وذكر اللواتي: أنه قرأ على أبي العباس في الواضحة، صدرًا من كتاب البيوع. فقال له: بقي من الكتاب حديث كذا، ومسألة كذا. وذكر أحاديث ومسائل. فنظرنا فلم نرَ شيئًا. فتأملنا، فإذا ورقتان منه التصقتا، وتجاوزناهما. فإذا في الصفحتين كل ما ذكره. فعجبنا من حفظه. وكان قليل الفتوى. ذكر فضائله وأخباره رحمه الله تعالى لما حج في زمن كافور، دخل الجامع بمصر، فوقعت عليه عين ابن القرطي فقال: هذه مشية فقيه. وكان قد فاتته صلاة العصر، فأحرم، وابن القرطي ينظر إليه، فقال: احرام فقيه. فلما صلى كان بجواره، رجل من أهل العلم، فتحدث معه، ثم قال: كيف رأيت مصر؟ فقال: رأيت ظلمًا ظاهرًا. وكان قد حُبس. فقال الناس فرفعت رقعة بمقاله، الى كافور. وكان يجلس يوم السبت للمظالم، ويجلس معه الفقهاء، وفيهم ابن شعبان. فلما جلسوا أُتي بالرقة. فقال كافور من المتكلم بهذا؟ وكان

стр. 967

الخبر وصل الى ابن شعبان، وحرض على رؤيته. فقال ابن شعبان: هو أبو العباس الإبياني، ما عدى النيل منذ خمسين سنة أعلم منه. فقال كافور: يطلق. فقال الناس، يبيعون في السوق إن شاءوا ومما أردنا اشترينا. فكثر دعاء المغاربة لأبي العباس. وعرف أبو العباس بمقال أبي إسحاق. فركب إليه. فلما رآه أبو إسحاق، وثب من مجلسه، فأجلسه فيه. ثم ذاكره في أشياء. ثم قال له: أنت اليوم ضيف. فقال له أبو العباس: تعلم أنه لا ضيافة على أهل الحضر. فقال أبو إسحاق: قال ابن عبد الحكم: عليهم الضيافة. ثم قال أبو إسحاق: وهل لك في لمذاكرة. فقال له: ذلك إليك. فقال له: أو ندع للصلح موضعًا. فقال له ذلك إليك. وقيل إن أبا إسحاق ألقى عليه، لما أكمل الصلاة في الجامع، عشر مسائل. فأجابه في تسع، وأخطأ في العاشرة. وقال بعضهم: بل ما أجاب به، كان الصواب. والمسألة: المدبّر يقرّ بالجناية في حياة سيده، ثم يموت سيده. والجواب فيه: أنه ينظر، فإن كان قد اختدمه سيده، بمثل ما يختدمه المجني عليه، في حياته، فلا شيء على المدبر، وإن كان اختدمه السيد بمثل نصفها، بقي عليه نصف الجناية. وعلى هذا الحساب قال عبد الله بن أبي رزيق. قال أبو العباس: تحبّ إن نفاه قلت: نعم. قال: فلتكن نفسك عندك أهون من الزبل، الذي على المزبلة. وكان اسماعيل أشخص فيه ليوليه القضاء. فعرضه عليه، فامتنع. فأوقفه اسماعيل أيامًا، يقتفي أمره، ويدسّ عليه من يسمع كلامه، وأدخله على نفسه. فدخل عليه في زي بدوي، حافيًا، ونعلاه في يده. وكان قد سبق الى السلطان، من قدم من أحواله. فلما رآه السلطان بتلك الهيئة، صدّق ما

стр. 968

قاله القائل. فعرض عليه، فامتنع، فعافاه. وخرج من عنده عشاء متوجهًا الى تونس، لحينه. مخافة أن يبدو في أمره. فعافاه الله. وقيل إن الذي أراد أن يوليه القضاء معدّ، وكان غداء أبي العباس نصف حجلة تثرد له في نصف خبزة. وكان متحفظًا في طعامه. كثير الحِمية. ورأى رؤيا تدل، أن في طعامه شيئًا. فسأل عن الخبر، فلم يجد شيئًا. فإذا بالأندُر الذي ذري فيه قمحه، غير حسن الأصل، فتحفظ بعد ذلك. وكان متواضعًا، كثير التواضع. وكان إذا قيل له الفقيه. يقول: لقب لقبنا به. وحكى أنه يعقد السّفافل في وجهه، ازراء بنفسه، وتحقيرًا لها. وقد سئل يومًا عن فقيهين من أصحابه، وتلاميذه، وهما أبو القاسم بن زيد، وسعيد بن ميمون. فقيل له: أيهما أفقه. فقال: إنما يفصل بين عالمين من هو أعلم منهما. وكان رحمه الله تعالى: يقرأ السبع، كل يوم. وما استكمل حفظ القرآن، إلا وهو ابن سبعين سنة. قال بعضهم: كنا عند أبي العباس، حتى أتى عطية الجزري العابد. فنظر يمينًا وشمالًا، ثم انصرف وهو يقول: ما هنا من أصحابنا أحد. فصاح أبو العباس عليه. فرجع. ثم قال له: وما نحن من أصحابك، واندفع في البكاء. ويكرر قول عطية. ويقول من أين أكون من أصحابك؟ وأنت تأتي القيروان، وعليك تليس، وطرابلس وعليك تليس، ومصر وعليك تليس، ونحن نتخذ للحاضرة ثيابًا، لا نلبسها للبادية. وقيابًا للبادية، لا نلبسها للحاضرة. ونتزين ونتطيّب. ويبكي وعطية يقول: يا شيخ: لا تفعل. فأنت إمامنا في ديننا، بك نقتدي، في أمورنا. وكانت له فراسة. لا يكاد أن يخطئ. يذكر أنه قال لأبي الحسن القابسي، وهو يطلب عليه: والله

стр. 969

لتضربن إليك آباط الإبل، من أقصى المغرب. فكان كما قال: ودخل عليه عطية الجزري، فرحب به أبو العباس، فقال: أتيتك زائرًا، ومودعًا الى مكة. فقال له أبو العباس: لا تخلنا من بركة دعائك. وبكى. وكان مع عطية ركوة ولاقى ودًا. فخرج مع أصحابه، ثم أتاه بأثر ذلك رجل، فقال له: أصلحك الله، عندي خمسون مثقالًا، ولي بغل، فهل ترى في الخروج الى مكة؟ فقال: لا تعجل، حتى توفر هذه الدنانير، فعجبنا من ذلك. واختلاف جوابه للرجلين، مع اختلاف أحدهما. فقال، عطية جاءني مودعًا غير مستشير، قد وثق بالله. وجاءني هذا يستشير، ويذكر ما عنده. فعلمت ضعف نيته. فأمرته بما رأيته. قال بعضهم: مر عطية المتعبد يومًا برجل يزمر. فمزّق زقه. فأقبل الزامر يرميه بطوب الحزق. وعطية يقول: اللهم تب عليه. فعرف ذلك الإبياني، فقال: ضرب عطية؟ اللهم اقطع يمينه. قال الحاكي: فرأيت الزامر بعد ذلك في الطواف، فقلت له: أنت صاحب عطية؟ قال بدعوته انتفعت. فذكرت له دعوة أبي العباس فقال: ما له ولي. هلا دعا لي كما دعا عطية. وأخرج يده مقطوعة. وكتب أبو الفضل بن نصر التابرتي الى أبي العباس الإبياني شعرًا أوله: ماذا تريك حوادث الأزمان … وصروفها وطوارق الحدثان ومنها: وأشد ما ألقى وأفضح للحشا … عدم الوفاة وجفوة الإخوان هذا أبو العباس واحد عصره … وفقيهه والفائت الأقران

стр. 970

أنِفَت به أخلاقه عن وصلنا … وسلامنا في السرّ والإعلان إني أتيتك شاكرًا ومخبرًا … أشكو إليك حوادث الأزمان فكتب إليه أبو العباس الإبياني، رحمه الله تعالى: دهرك يا أبا الفضل ذو تغلاب … يريد العجائب بعد العجاب فكن جليس بيتك مستوحشًا … من الناس والأهل حتى الإياب وتوفي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة. وقال المالكي: سنة إحدى وستين. وهو ابن مائة سنة، غير أربعة أشهر. تميم بن حمدان بن تميم السرتي أبو محمد. سمع من ابن عياش، وجبلة، وحماس، وموسى القطان، وابن بسطام وغيرهم. قال ابن أبي دليم: وكان يتكلم في العلم كلامًا صالحًا. وعني بالوثائق، والمناظرة عليها، وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته. قال أبو بكر المالكي: كان فقيهًا له علم بأخبار إفريقية، عالم بالوثائق. ويقال إنه كتب لرجل وثيقة، فقال: لا يا هذا. احتفظ بها. فإني ما أبقيت لك فيها وجهًا إلا تكلمت لك عليه. وإني أضمن لك جميع دركها إلا شيئين: شاهد زور، وقاضيًا مرتشيًا. وكان عالمًا بأخبار إفريقية، وأنساب أهلها. أنيس المجلس. ويقال إنه صام ثلاثين سنة. وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته. توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ويقال اثنتين. رحمه الله تعالى. أبو يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة الحضرمي قال أبو القاسم اللبيدي: كان من أهل العلم، والفهم، والعبادة، والورع.

стр. 971

قد لقي جماعة من أصحاب سحنون، ولقي بمصر أصحاب الحارث بن مسكين، ولقي بمكة ابن الجارود، وابن المنذر، والبغوي، وغيرهم. أخذ عن الجبنياني، وهو أخو ميسرة بن مسلم، وأكبر منه، ويعرف بسكردون، وهم أهل بيت قرآن وعلم وعبادة. وأبو يوسف، ويزيد، وميسرة، وأحمد كلهم ممن سمع العلم، وتعبدوا. وكان أكثر منفعتهم بأبي عاصم المتعبد، الذي انتفع به الجبنياني. وكان كل واحد منهم يقوم بربع القرآن. ليث بن محمد بن صفوان بن الحارث قال اللبيدي: كان من الفقهاء. وكان من المنقطعين في العبادة. وكان من أصحاب عيسى بن مسكين. وكان منزويًا عن الناس، متبتلًا. يسكن قصر زياد. فإذا أكثر عليه الناس هرب. وعنه أخذ عمر بن مثنى رحمه الله تعالى. أبو اليسر مطر بن بشار. مولى بني كيسان. قال أبو العرب: سكن تونس. وكان فقيهًا. سمع معنا من أصحاب سحنون، وغيرهم. وتوفي سنة نيف وعشرين وثلاثمائة. محمد بن أحمد بن يونس أبو البشر السوسي نزيلها قال أبو الرب: سمع معنا من أحمد بن يزيد. ويحيى بن عمر، وأحمد بن معتب، وجماعة من شيوخنا. وكان حسن الطبع. روى عنه أبو بكر الزويلي. قال أبو جعفر القصري، قبل الإلقاء على يحيى بن عمر. وقال غيره: كان أبو البشر من الخاشعين العاملين المجتهدين. طويل السجود بين

стр. 972

عينيه كوكبة تُلقي بنور ساطع في وجهه. سكن سوسة، تونس. توفي في سوسة. وكان خروجه من القيروان ونزوله في تونس - كما حُكي عنه - هربًا من الرئاسة ورغبة في الخمول. قال: وذلك أن أهل القيروان لما اشتهر فيهم، رفعوا قدره وأكبروه، وأهل تونس بخلاف ذلك. قال أبو عثمان بن جرير: كلمته يومًا في أن يقرأ لي. فقال: ويحك. أدلك على أحمد بن عبد الرحمن فهو أكثر كتبًا مني. وكان ربما سمع عامل سوسة، يضرب أحدًا فيخرج رأسه من طاقة، وينتهره، حتى يتركه. وكان مجاورًا له. وكان كثيرًا ما يخرج الى السوق، وقت عمارته. فيذكر الله في مواضع منه. ويخرج الى أهل الضرّ والبلاء، فيسألهم ويهوّن عليهم، ويرغّبهم فيما ما لهم عند الله. ولا ينصرف عنهم، إلا وقد هان عليهم، ما يقاسونه. لما يرجون من ثواب الله تعالى. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد ربه أبو عبد الله، ابن أخي عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد. صاحب سحنون. كان من الصالحين العلماء. الثقات الحفاظ. سكن ساحل إفريقية. وخلف عمه بتلك الجهة. ولازم الرباط. سمع من أبيه. وعيسى بن مسكين. وأبي زكريا الأموي. وأخذ عنه أبو إسحاق الجبنياني، الزاهد. وعمر بن مثنى، صاحبه، وغيرهما. وتوفي بقصر زياد، سنة ست وأربعين. رحمه الله تعالى. علي بن محمد تدميري الأصل. أبو سهيل وينبؤ بالقصد له سكن مدينة بونه سمع

стр. 973

بإفريقية من لقمان بن يوسف وأبي البشر بن مساور. وابن اللباد، وبمصر من جعفر بن عبد السلام البزرا، وغيرهم. وكان رجلًا صالحًا فاضلًا. فقيه البدن كثير الكتب. حسن التقييد. توفي ببونه آخر سنة سبع وأربعين. أبو عبد الله بن صامت تونسي أبو العباس. قال ابن حارث: كانت له عناية محمودة بالحديث، والفقه والرجال. أخذ عن أبي جعفر بن نصر، ولقمان بن يوسف. قال غيره: ولي حكم تونس. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. أبو حبيب نصر الرومي، التونسي. قال ابن حارث: كان يتكلم في الفقه، كلامًا صالحًا. ودرس ببلده تونس. وأخذ عنه الناس، وكان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. وكان أصله مملوكًا فأتى الى مصر، وجلس في حلق العلماء، ولازم حلقة بن عبد الحكم، حتى انتفع بها. وكان يستعير الكتب، ويجعل لمن يقرأها عليه أجرًا. فحفظ علمًا كثيرًا، وتفقه ورجع الى مولاه. فأعلمه خبره، فأعتقه، فانصرف الى مصر، وتمادى الى العلم، الى أن صار من أهله. ثم انصرف الى القيروان، وجالس الفقهاء بها. حتى صار كواحد منهم. وجالس كثيرًا، حماسًا بن مروان. وسكن تونس. وكان معظمًا بها. وحدث بغريب أبي عبيد بن علي بن عبد العزيز. وبقي كذلك. أثنى عليه ابن حارث، وغيره. توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 974

عبد الله بن سعيد اللحّام. أبو محمد. حكى المالكي عن أبي عبد الله الخراط: أنه كان رجلًا صالحًا من طلبة العلم، والعناية بالتقييد. سمع من محمد بن أبي زاهد، وأبي جعفر القصري، وعبد الله بن محمد بن زرقون وغيرهم. قال أبو بكر المالكي: وكان يحسن الفقه والحديث، وسمع على الأئمة. وكتب بخطه كتبها. وسلك مسلك ربيع القطان. عن بعضهم أنه كان ينتقده، فدخل عليه ليلة، فوجد مصباحه قد انطفأ، فقال: وأخذت الفتيلة لأوقدها. فجئت فوجدت سراجه يزهر، فقلت: ما هذا؟ فتبسم، وقال: غيظك يا من لا يقول بالكرامات. فقلت: دخل عليك أحد. قال: لا والله، ما أوقده إلا مولاي. وكان يقول الشعر في معاني الزهد. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. مولده رحمه الله تعالى سنة سبعين ومائتين. يوسف بن عبد الله القفصي التميمي قال بعض المؤرخين، كان من أجلّ أهل زمانه. وأفقههم مع أدب بارع، وعقل رصين وصبر، وزهد في كل ما يتنافس فيه من الدنيا، نظّارًا في الفقه، عالمًا بأخلاق العلماء، والحديث واللغة. يقول جيد الشعر. روى عن مالك القفصي وغيره. وكان أهل بلده مجمعين على فضله وعلمه. وله كتاب نص فيه أبو عبيد بن سلام على ابن قتيبة. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 975

أبو القاسم عبد الرحمن بن تمام القطان قال أبو بكر المالكي: كان من أهل الفضل والدين والورع والعبادة والنسك والعلم والعناية والسماع والضبط. سمع من جماعة من أصحاب سحنون. وكان من أقران أبي العرب، وأبي بكر بن اللباد. وسمع منه ربيع القطان وغيره. توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ﵀. محمد بن عمر الحلاج أبو عبد الله. قال الخراط: كان رجلًا صالحًا، ثقة حسنًا، فقيهًا، حسن الاتباع لأهل المدينة ولإمامهم مالك. سمع ابن سبيل، وموسى القطان، وسعيدًا بن حكمون، وأبا الغصن، وابن بسطام، وغيرهم. وكان لا يحدث إلا بما سمع. وعين الإجازة من سماعه، ولم يكن يحسن تقييد الكتب. توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. محمد بن ابراهيم بن أبي صبيح قال أبو عبد الله الخراط: كان من أهل الجزيرة، رجلًا فاضلًا، فقيه البدن، له رحلة قديمة. سمع فيها من يونس الصدفي، ومحمد بن عبد الحكم. وسمع من أصحاب سحنون. حدث عنه حبيب الجزري. ولاه حماس قضاء صقلية. فقيل إنه حمل إليها من إفريقية، حتى الملح، تورعًا. وترك النظر بينهم، حتى رفعه زيادة الله، فسجنه. وسجن أيضًا في أيام المشارقة. توفي بسوسة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة رحمه الله تعالى.

стр. 976

موسى بن أحمد الغرابلي السوسي قال أبو عبيد الله: كان رجلًا صالحًا، فقيهًا، ثقة، ذا ورع وسكينة، مصفرّ اللون، طويل اللحية. سمع من أبي الغصن، ومحمد بن بسطام، ويحيى بن عمر، وعيسى. توفي بسوسة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. أبو ميسرة أحمد بن نزار. يكنى أبا جعفر. من الفقهاء العباد، المتبتلين الخائفين الورعين. روى عن حمديس القطان، وأحمد بن أبي سليمان، وفرات بن محمد، وسعيد بن أبي إسحاق، وموسى القطان، وابن حكمون، ومحمد بن عبادة، وأبي الغصن. حدث عنه الليث، والحسن بن سعيد الخراط، وأحمد بن سفيان الدراوردي. قال أبو محمد بن هبة الله: كان أبو ميسرة، من متعبدي شيوخ القيروان، المشهورين بالعبادة منهم. قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلًا صالحًا مأمونًا ثقة، خيرًا فقيهًا حسن الاتباع، لا يخالف في فتواه ابن القاسم، مجانبًا لأهل الأهواء، كثير الصلاة والذكر. عرض عليه قضاء إفريقية فامتنع. وكانت كتبه بغير خطه. قليل الضبط، لضعف بصره. وكان علماء وقته: أبو بكر اللباد، وغيره، يعظمونه. وذكر أنه كانت له ختمة كل ليلة في محرابه. وكان قد عمي آخر عمره. فلم يعرف بذلك أحد، حتى اجتمع شيوخ القيروان للخروج مع أبي يزيد، على

стр. 977

بني عبيد. فأعلم بعذره. فحينئذ علم عماه وأخرج ابنه معهم، وسُمع، وهو يقول: اللم أدخلني في شفاعة السود. رمي فيهم بحجر. وقيل إنه لم يعرف أنه عمي، حتى اعتذر بذلك إذ طلب للقضاء. جمل من كراماته وبراهينه وإجابته وحكم من كلامه رحمه الله تعالى ذكر ابن اسماعيل العبيدي وجه في أبي ميسرة، ليوليه قضاء إفريقية بعد فتنة أبي يزيد، فأناه الرسول فقال له: مولاي يقرئك السلام، ويقول لك: لابد أن تلي القضاء رجل أعمى، يبول تحته. ولم يعلم أحد أنه أعمى، إلا ذلك اليوم. فقال: منذ كم عميت؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة. ثم قال: اللهم أنك تعلم أني انقطعت إليك، وأنا ابن ثمان عشرة. فلا تمكنهم مني. فما جاء العصر إلا وقد توفي. فغسل، وكفن، وخرج به. فوجه إليه اسماعيل كفنًا وطيبًا في الأطباق. فرافقه الرسول على النعش. فجعل إليه الكفن من فوقه. وذكر عنه أنه بينما هو يتهجد ليلة من الليالي، ويبكي، ويدعو، إذ بنور عظيم خرج له من حائط المحراب، ووجه كالبدر. فقال له: تأمل من وجهي، يا أبا ميسرة، بأني ربك الأعلى. فبصق في وجهه، وقال له: اذهب يا ملعون. فعليك لعنة الله. قال الإجدابي: اشتهى أبو ميسرة مدة طويلة، فقوصًا. فلما غلبته شهوته، أمر رجلًا فاشتراه له. فأكل منه عند إفطاره، وجلس ساعة. ثم بصق. فوق بصاقه بلحيته. فقال: ما هذا إلا لذنب فعلته. ثم بحث عن الفقوص، فإذا هو من أرض السلطان، فتقيأه، وحلف أن لا يأكل فقوصًا أبدًا. قال غيره:

стр. 978

وكان بجوار أبي ميسرة أسود ينهب ويسرق، ولا يبالي ما يصنع. فقال له الجيران: ارحل عنا. فشتمهم. فأتوا أبا ميسرة، وسألوه الدعاء عليه. فقال: اللهم إنه عبدك ونحن نخافه، لأنه لا يخافك. فصلّحه. وإن لم يسبق في علمك إصلاحه، فخذه، وأزل عنه حلمك، وفاجئه بسوطك، ونقمتك. فلما أصبح أخرجه الشرطة، وضربوا عنقه. وحمل مرة خبزته الى الفرن، فخرج من الفرن خبز للبيع، فإذا بسائل يسأل، فلم يطعمه أصحاب الخبز شيئًا. فاشترى منها خبزة. ودفعها أبو ميسرة الى السائل. فلما انصرف الى المسجد وقت الصلاة، وجد الخبزة فيه. وقال رجل لأبي ميسرة: ادع الله أن يغنيني عن الهم كله. قال: ما دمت في الدنيا فلابد لك من الهم. وشكا إليه بعض إخوانه، بعد عهده به، فقال: إنما فائدة الاجتماع الدعاء. فإذا ذكرتني، دعوت لي، وإذا ذكرتك دعوت لك. فكأنّا التقينا، ولم نلتق. وقال له رجل: فلانة تقرئك السلام. فقال: لا يبلّغ الرجال عن النساء السلام. بقية أخباره ووفاته قال أبو بكر بن سفيان: دخلت إليه، فسألته عن حاله. وكنت لم ألتح. وكان ضعيف البصر فقال: معك أحد. فقلت: لا. فقال: اخرج، فإذا جاء أصحابك، دخلت معهم. قالوا: وأتت إليه امرأة تسأله عن شيء. فقال: ارفعي صوتك. قال: خفت أن تمرض كلامها. وجاز في بعض طريقه الى جبانة. فرأى رجلًا قد مكنته امرأة من نفسها، فقال: لا حول، ولا قوة، إلا بالله. وقصد إليهما. ففرّ الرجل، وقصدت المرأة أبي ميسرة، وتعلقت به، وقالت: يا معاشر المسلمين، هذا راودني

стр. 979

عن نفسي. وأبو ميسرة ساكت. فلما رأت حاله، تركته وقالت: لا تغير المنكر إلا ومعك غيرك. فانصرف وهو يقول: لا تكثروا الروايات، فيدخل في فتياكم الذمامات. قال أبو الحسن بن خلاف: كان سبب التزام أبي ميسرة الدار، وشغله بالعلم، والعبادة، أنه قال: رمتني والدتي عند رجل من الرهادنة، ومعه صبيان. فكان يدفع إليهم سلع الناس، يبيعونها، ولا يعطيه هو شيئًا. فسأل بعض جيرانه عن سبب ذلك. فقال: لأنك تستقصي، وهؤلاء يبيعون ذلك منه من تحت يده. فيبيعونه. فتركته، وجلست في البركة. فباعوا رأسًا، فشرطوا به عيوبً. فلم يقبله المشتري. فلما كان ذلك آخر النهار، باعوا ذلك من آخر. ولم يبينوا. فقلت لهم، غدوة ذكرتم به عيوبًا؟ فقال بعضهم لبعض: من أين جئتم لنا بهذا؟ وتركت البركة. وكنت في باب الغنم، فجاءني يومًا صاحب الموضع، فقال لي: اقرأ ما على فلان. فقلت: كذا. فقال لي: إن قال لك إنما هو كذا. فقلت: بل أقول عليك كذا. فقال: فإن قال لك كذا، بل امرأته طالق، ما عندي إلا كذا. ما تقول له؟ قلت: أقول له ما عندك إلا كذا. وأراد أن أحلف له بمثل ما حلف. فقال: دع الدفتر من يدك. فلزمت الدار. فبلغ أبو ميسرة من العبادة مبلغًا عظيمًا. وكان كثير التهجّد، والتلاوة، وقيام الليل، وصيام النهار، متواضعًا. تأكل خادمه معه، على مائدته. وكان إذا أكل، جعل مائدته في السقيف، حذاء الباب. فإذا أتى سائل، فتح الباب وأعطاه، لئلا يقيم الخادم، وهم يأكلون دونها. ولما ولي حماس، منع الناس من النداء في الأسواق، إلا من ثبتت عدالته، إلا أبا ميسرة، لثقته. وكان أبو ميسرة، مهاجرًا لحماس، بسبب مسألة الإيمان، لا يسلم عليه، ولا يرد عليه¬ السلام. وكان يقول:

стр. 980

تركت السلام عليك لمن هو خير مني. حمديس: أمرني بذلك. وإلا، فرِجل حماس، في الأرض، خير من كذا وكذا من أبي ميسرة. وجرى بينه بسببها وبين أبي الفضل الممسي، مهاجرة عظيمة، ذكرناها في خبره. وكان أبو محمد يتعصب للممسي، ويثني عليه، ويقول: ما كان أبو ميسرة، ممن يتخذ إمامًا، في دين الله. واحتج القابسي بمسألة من هذا الباب. فقال له أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى: لو سمعك أبو ميسرة؟ فقال أبو الحسن: إنما حكيت قول غيري. وتوفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. عبد الله بن إسحاق البرقي أبو محمد. قال ابن حارث: كان من أهل الفقه والأدب. له مناظرة حسنة، وحفظ جيد. من أصحاب أحمد بن محمد بن نصر. غلب عليه آخرًا، الورع والزهد. ومات مرابطًا بسوسة من رعدة قاصفة سمعها. وقد أغفى فزهقت لها نفسه. وكان اشرب قلبه الخوف، للبكاء. ولسانه لتعظيم الله وتحميده، والصلاة على نبيه ﷺ . وبدني للتراب والبلاء، وقلبي للخوف والرجاء. ولم أخلق للّعب والهوى. وإنما خلقت للعمل الصالح. وكان يختم القرآن في كل يوم ختمة. وينظر، ويعتبر بالجنة في منامه. وتوفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فيما حكاه المالكي. سنة عشر ولم يدرك أعمار طبقته. رحمه الله تعالى. أبو علي، تميم بن أحمد رحمه الله تعالى كان يعرف بابن السّامة. كان حامل علم كثير، مائلًا الى الحجة والانتصار لمذهب مالك، رضي الله تعالى عنه. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.

стр. 981

أبو بكر عتيق ابن أبي صبيح الجزري وكان فقيهًا، مفتي أهل الجزيرة بإفريقية. كان صاحبًا لأبي العباس الإبياني، في قراءة له ممن طلب معه. فبلغ أمره بني عبيد، فرفعه مع أبيه محمد، وطلبهما بالدخول في دعوتهم. ويليا قضاء صقلية. فأبيا فعذبوهما عذابًا شديدًا. وفرقوا بينهما. ويقولون لكل واحد عن الآخر، إنه دخل في دعوتهم، فيقول كل واحد عن الآخر: دعه يفعل ما أحب. لن يغني عني من الله شيئًا. أبو علي الحسن بن نصر السّوسي مولى امرأة من أهل قسطلية. ومنها أصله. ثم انتقل الى سوسة. سمع بإفريقية من المغامي. ويحيى بن عمر، وخالد بن نصر، وأحمد بن يزيد، وزيد بن خالد، وأحمد بن ملوك، وعبد الرحمن الورقة. وزيدان بن اسماعيل. وأحمد بن أبي سليمان، وأبي الغصن وغيرهم. وعزم على الرحلة الى محمد بن عبد الحكم. بلغه وفاته. فقال: ما اغتممت لشيء مثل غمي لذلك. وسمع من علي بن عبد العزيز، وهشام بن عمر، وأبي بكر بن المنذر، والوليد بن عمر وابن بشير، وابن جناح. أخذ عنه عمر بن محمد، وأحمد بن سلمون وغيرهما. ذكر محنته وثناء أهل الجلة عليه، وشمائله قال الخراط: كان شيخًا صالحًا، فاضلًا، ثقة ورعًا، زاهدًا فقيهًا،

стр. 982

عدلًا في أحكامه، صادقًا في الحق، لا يهاب سلطانًا، مشهورًا بالعلم، صحيح الكتب. قال أبو عبد الله الخراط: وكان مع ذلك كثير الاجتهاد في العبادة، على قيام الليل، وصيام النهار، وتلاوة كتاب الله تعالى. كثير الخشوع، والتواضع. وكان أبو الفضل الممسي، يشرّف قدر الحسن بن نصر بسوسة، وحمود بن سهلون بالساحل، وحمود بقابس: قال الزويلي: كان طويل الصلاة. لا تذكر الدنيا في مجلسه. أقام فوق أربعين سنة، إذا دخل شهر رمضان، لم يكلم أحدًا من الناس، ولا أهلًا ولا ولدًا. فإذا أراد حاجة، كتب بها. وكان زاهدًا في الدنيا. راغبًا في الآخرة. حكت عنه زوجته، وكانت امرأة صالحة: أنه كان يختم في رمضان كل ليلة ختمة. حتى كانت رجلاه تتورم من القيام، وتتفطر بالماء الأصفر، وكان إذا جاء الليل، وحضر وقت القيام، أقام جميع من عنده الى بيوتهم، وأخرج عنه السراج، فإذا هدأ أهل الدار، سمعت قراءته الى الصبح، فيصليه بوضوء قيامه في مسجده. ثم يدخل داره، فلا يزال في تسبيح، وذكر الى طلوع الشمس، فيدخل إليه الناس يأخذون عليه، الى ارتفاع النهار. فيركع الضحى، ويضطجع الى الهاجرة. هذا دأبه. وكان يتورع أن يقبل من أحد شيئًا. وحكى أن ابنه محمد، قال في سنة غلا فيها السعر بسوسة: اشترِ يا أبتِ طعامًا. فإني أرى السعر قد غلا. فقال له: ادع بحِسانَ خادمه. فقال لها: إكتالي ما عندنا من القمح. فقالت له: ثمانون. فقال لها: امضي بها الى السوق، لفلان يبيعه. ثم قال لابنه: يا محمد لست من المتوكلين على الله. وأنت قليل اليقين. كان القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء الله تعالى عليك. من توكل

стр. 983

على الله كفاه. وكان يلبس جبة صوف. فإذا اتّسخ صدرها رده الى ظهره. وأخذ ظهره الى صدره. ويجعل على صدره مرقعة، أهله، وهي خرقة لطيفة. وكان يلبس فروًا، وقلنسوة، منه. ولما وصل اسماعيل الى سوسة، وجه جوهرًا فتاه إليه، بالليل، ليأتيه به. فجاءه وهو في ورده فخرج ابنه إليه، ورجع الى الشيخ وأعلمه بمكان جوهر، فلم يلتفت إليه، حتى قضى ورده. وقد اعتذر ابنه إليه. فقال لا أبرح حتى أراه. وجوهر في هذا كله واقف على الباب. وقد فرق من ذلك، كل من بالجهة. فلما أحلّ انتهر ابنه. وقال له: أكون بين يدي الله، وتقول جوهر بالباب. وقام يخرج إليه. فجاءه ابنه بقميصه، ومنديله. وكان عليه فرو مغلوف. وقال له: إلبس هذا، يرهم عليك. فقال له: ما أقل حياءك، أكون بين يدي الله في هذه الحال، وأتهيب لجوهر. فخرج الى جوهر، واعتذر له باعتذار، حتى قال له جوهر: أنا أجتمع بمولاي، وأعتذر له عنك. فمضى. فرجع إليه في الحين، وأخبره بقبوله عذره، ومشقة عدم اجتماعه به عليه، وأنه يقرؤه السلام ويسأله الدعاء. فقال له: قل له: أحياك الله للمسائل، وأصلح جميع صفاتك. قال: وجاء جوهر بمال كثير من عند اسماعيل، ليفرقه على الفقراء، فلم يقبله، ورجع به جوهر. ذكر سيرته في أحكامه رحمه الله تعالى كان قد ولي أحكام سوسة، لحماس بن مروان، أيام زيادة الله. وعرض عليه بنو عبيد قضاءها. ورجع الى القيروان، فامتنع. ولم يلبث إلا يسيرًا، حتى مات. فذكر أنه دعا على نفسه، ولم يأخذ إذ كان حاكمًا لحماس أجرًا، ولا صلة. وسار في ولايته بالعدل. وكان

стр. 984

فقيهًا صليبًا، مغيرًا للمناكير، لا يهاب في إقامة الحق سلطانًا، ولا غيره. وكان يتسمى بالحكم. وكان إذا وردت عليه الكتب من السلطان، في أمر يخوف أصحابه، الى نفسه، وقرأ عليهم الكتاب، واستشارهم. فإن اتفقوا على شيء خاطب به السلطان، وإن اختلفوا، قال لكل واحد: اكتب ما رأيت، بخطك. ثم ينظر ما كتبوه. فيكتب ما يختار منه. وأسقط شهادة رجل كان ينزل من حانوته، فينصرف متزرًا بميزر، عاري البدن. وقال له: أسقطت مروءتك، وهمتك. وكان يأمر من يمشي على شاطئ البحر، والمواضع الخالية، فإن وجدوا رجلًا مع غلام حدث، أتوا بهما إليه. فإن لم تقم بينة، أنه ابنه أو أخوه، عاقبه. وكان يجلس أيام مراسم الرباط، من حيث يتشرف لاطلاع مثل هذا. وبلغه أن رجلًا جاء ابنته بمزهر لطيف، تلعب به. فمزقه، وزجره. وكان لا يضمن صاحب الحمام بسوسة، ما تلف عنده، وإلزامه الثمن، على مشهور النص. فكثر مشتكوه. فحكم عليه بالضمان. لما حدث به يحيى بن عمر، عن الحارث، عن ابن وهب، عن مالك في تضمين صاحب الحمام. قال: فما اشتكى رليه أحد بعد. وكتب إليه حماس، في أمر نظر فيه الحسن بن نصر، أن يلتزم فيه الرفق والتؤدة والمداراة. فكتب إليه الحسن: بالتشديد في إقامته. وكان عنوان الكتاب: من الحاكم ابن نصر. فلما رأى حماس الكتاب، رمى به، وقال: من الحاكم؟ وكأنه عزّ عليه ذلك. وكان حماس لا يكتب، من القاضي، إلا في الأحكام. ثم نظر في الكتاب، ورأى فيه من صرامته في الحق، ما أعجبه. وكان فيه: قد أنفذت الحق كما يجب، وما كان لله، فلا مراء فيه. فسكن عنه ما كان به، ثم قال: نعم، يا أبا علي، من الحاكم. وإن شئت أكتب: من القاضي. فإنك أهل لذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 985

ذكر وفاته توفي رحمه الله تعالى، فيما حكاه أبو بكر المالكي: في صفر سنة إحدى وأربعين، وقد جاوز السبعين. وخرج الناس من القيروان وغيرها، الى جنازته بسوسة. قال ابنه: قال لي أبي ليلة من الليالي، في مرضه الذي توفي فيه: وا بني، اربط لي حبلًا في السقف، لعلي أقدر أصلي قائمًا. ففعلت. وحملناه حتى وقف. وغلب، ولم يستطع القيام. فبكى، وقال: وا حزناه. حيل بيني وبين طاعة ربي. فذكرت له الصلاة جالسًا. فقال: يا بني، العمر قصير، والعمل قليل. وإنما أردت أن أعمل أكثر مما عملت. ولما أطال به المرض قال لزوجته: قد توليت مني خيرًا. فاصبري. فما أشك أن أجلي قد اقترب. فإني سمعت هاتفًا من هذا الطاق يقول: أحسن غدًا صلاة الظهر، يفرج عنك. فمات ذلك الوقت. الشيخ أبو الحسن الكانشي رحمه الله تعالى هو حسن بن محمد بن حسن الخولاني. قال أبو عبد الله الخراط، وأبو بكر المالكي، وبعضهم يزيد على بعض: كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا مشهورًا بالعلم متعبدًا مجتهدًا ورعًا خائفًا رقيق القلب كثير النياحة والبكاء، سمعًا كثير المعروف، باع ضياعه كلها وتصدق بها، وكان صارمًا في مذهبه مجانبًا لأهل الأهواء. ومن يخالف مذهب أهل المدينة. وكان أبو العباس الإبياني، إذا ذكره يقول: ذلك العالم حقًا. قال أبو بكر بن خلف: كان من العالمين بالله، وبأمره. سكن المنستير، سمع من عيسى بن مسكين، ويحيى بن عمر، وأحمد بن يزيد، وأبي إسحاق بن شعبان،
следующие страницы →