← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

٢٤٨ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيْسَى (١) بْنِ أَبِي الحَسَنِ، عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ البُزُوْرِيِّ

стр. 1227

البَغْدَادِيُّ، البَابَصْرِيُّ، الوَاعِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَبُو الفَرَجِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَهِبَةِ اللهِ الشِّبْلِيِّ (١)، وَأَبِي المُظَفَّرِ بْنِ التُّرَيْكِيِّ (٢)، وَأَبِي مُحَمَّدٍ المَادِحِ، وَأَبِي المَعَالِي بْنِ النَّحَّاسِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ الوَعَظَ، وَالفِقْهَ، وَالحَدِيْثَ، علَى الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوزِي، وكَان خِصِّيْصًا بِهِ، ثُمَّ تَهَاجَرَا، وَتَبَايَنَا إلَى أَنْ فَرَّقَ المَوْتُ بَيْنَهُمَا. قَالَ سِبْطُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ثُمَّ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِمُضَاهَاةِ جَدِّي، وَكَنَّى نَفْسَهُ بِكُنْيَتِهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ سَفْسَافُ (٣) أَهْلِ "بَابِ البَصْرَةِ" وَانْقَطَعَ عَنْ جَدِّي، وَلَمَّا جَاءَ مِنْ "وَاسِطَ" مَا جَاءَ إِلَيْهِ، وَلَا زَارَهُ، وَتزَوَّجَ صَبِيَّةً وَهُوَ فِي عَشْرِ السَّبْعِيْنَ، فَاغْتَسَلَ فِي يَوْمِ بَارِدٍ، فَانْتَفَخَ ذَكَرُهُ، فَمَاتَ. وَقَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ تِلْمِيْذُ شَيْخِنَا ابْنِ الجَوْزِيِّ، وَصَحِبَهُ مُدَّةً، وَانْتَفَعَ بِهِ، ووَعَظَ بِجَامِعِ المَنْصُورِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ بَعْضَ الأَيَّامَ عَلَى الكُرْسِيِّ: إِنَّ الثُّعْبَانَ لَمْ يَلْدَغْ أَبا بَكْرِ الصِّدِّيْقَ، وَلَمْ يَصَحَّ ذلِكَ، فَذَكَرْنَا ذلِكَ لِشَيْخِنَا ابنِ الجَوْزِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الحَدِيْثِ قَدْ ذَكَرَهُ الَّلالَكَائِيُّ (٤)، وَكَانَ مِنْ

стр. 1228

سَادَةِ أَهْلِ الحَدِيْثِ، وَأَنَّ ابنَ عِيْسَى قَالَ كَلِمَاتٍ كَتَبَهَا مِنْ عِنْدِي. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: إِنَّ مَشْهَدَ المُسْتَقَةِ (١) لَمْ يَصِحَّ أَنَّ عَلِيًا اشْتَرَاهُ بِمُسْتُقَتِهِ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُ، وَأَنَّ الرَّافِضَةَ وَضَعُوا ذلِكَ، قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا ابْنِ الجَوْزِيِّ بِكَذِبِهِ؛ لِمَا بَانَ لَهُ مِنْهُ. قُلْتُ: لَا رَيْبَ فِي وُقُوعِ العَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قَرْيَةِ "بُزُوْرَ" (٢) قَرْيَةٌ بِـ"دُجَيْلٍ" وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: رَفِيْقنَا، كَانَ فِيْهِ دِيْنٌ، وَأَنْشَدَنِي مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: وَتَفَقَّهَ علَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَوَعَظَ، وَكَانَ صَالِحًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، خَشِنَ العَيْشِ، غَزِيْرَ الدَّمْعَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ، كَتَبْتُ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ "سِيْرَةَ ابْنِ المَنِّيِّ وَطَبَقَاتِ أَصْحَابِهِ"، وَذَكَرَ فِيْهَا: أَنَّهُ لَزِمَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، وَكَلَامُهُ فِيْهَا يَدُلُّ عَلَى فَصَاحَتِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالفِقْهِ وَالأُصُوْلِ وَالجَدَلِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الحَافِظُ الضِّيَاءِ، فَقَالَ: شَيْخُنَا، الإِمَامُ، الوَاعِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلكِنَّ ابْنَ الجَوْزِيِّ وَأَصْحَابَهُ يَذُمُّوْنَهُ.

стр. 1229

تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ السَّادِسِ مِنْ شَعْبَانَ (١) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ المَنْصُورِ، وَحَمَلَهُ النَّاسُ عَلَى رُءُوسهِمْ إِلَى بَابِ حَرْبٍ، وَدُفِنَ هُنَاكَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. ٢٤٩ - مُحَمَّدُ بْنُ النَّفِيْسِ (٢) بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أَبِي سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ السَّلَامِيُّ، الطَّحَّانُ الفَقِيْهُ، الأَدِيْبُ، أَبُو سَعْدِ بْنِ الفَقِيْهِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ "شَمْسُ الدِّيْنِ" وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ. وُلِدَ أَبُو سَعْدٍ فِي رَبِيْعِ الآخِرِ (٣) سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ،

стр. 1230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1232

وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّحْبِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشَّابِ النَّحْوِيِّ، وَشُهْدَةَ، وَقَرَأَ الفِقْهَ علَى ابْنِ المَنِّيِّ. وَذَكَرَهُ القَطِيْعِيُّ فَقَالَ: شَابٌّ حَسَنُ الخَلْقِ وَالخُلُقِ، مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ وَالفِقْهِ، كَانَ يَسْمَعُ مَعَنَا الحَدِيْثَ. وَقَال ابْنُ القَادِسِيِّ: كَانَ فَقِيْهًا، حَسَنًا، خَيِّرًا مُتَمَيِّزًا.

стр. 1233

وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: حَدَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ تَأْلِيْفِهِ، تُوُفَّيَ لَيْلَةَ ثَانِي عِشْرِيْنَ مِنْ شَوَّالٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَستِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بمَقْبَرةِ "الزَّرَّادِيْنَ"، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَادِسِيِّ، وَزَادَ: لَيْلِةَ الجُمُعَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَقَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: فِي ذِي القَعْدَةِ. قُرِئَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ المَيْدُوْمِيِّ بِـ"مِصْرَ" وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ سَمَاعًا، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ وَأَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ النَّفِيْسِ منْ شِعْرِهِ لِنَفْسِهِ (١): رِقَّ يَا مَنْ قَلْبُهُ حَجَرٌ … لِجُفُونٍ حَشْوُهَا سَهَرُ ولِجِسْيم مَا لِنَاظِرِهِ … مِنْهُ إِلَّا الرَّسْمُ وَالأثَرُ فَغَرَامِي لَوْ تَحَمَّلَهُ … صَخْرُ رَضْوَى كَادَ يَنْفَطِرُ إِنَّ لَوْمِي فِي هَوَاك لَمِنْ … شَرِّ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ يَا بَدِيْعًا جَلَّ عَنْ شَبَهٍ … مَا يُدَانِي حُسْنَكَ القَمَرُ صِلْ وَوَجْهُ الدَّهْرِ مُقْتَبِلٌ … فَزَمَانُ الوَصَلِ مُخْتَصَرُ وَقَدْ كَتَبَهَا القَطِيْعِيُّ عَنْهُ، وَزَادَ بَيْتًا آخَرَ، وَهُوَ: كَمْ رَأَيْنَا وَجْنَةٌ فَتَنَتْ … فَمَحَى آثَارَهَا الشَّعَرُ ٢٥٠ - عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الحَسَنِ (٢) بنِ أَبي الفَرَجِ الجُبَّائِيُّ، الطَّرَابُلُسِيُّ، الشَّامِيُّ،

стр. 1234

الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَزِيْلُ "أَصْبَهَانَ" وَسَمَّى المُنْذِرِيُّ جَدَّهُ أَبَا الفَضْلِ، وَالأوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ القَطِيْعِيُّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلدِهِ فَقَالَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: مَوْلدُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: سَأَلْتُهُ عَنْ نَسَبِهِ فَقَالَ لِي: نَحْنُ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: "الجُبَّةُ" مِنْ نَاحِيَةِ "بَشَرَّى" مِنْ أَعْمَالِ "طَرَابُلُسَ" فِي جَبَلِ "لُبْنَانَ" وَكُنَّا قَوْمًا نَصَارَى، فتوُفِّيَ أَبِي وَنَحْنُ صِغَارٌ، وَكَانَ أَبِي مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيْهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمَّا مَاتَ نَفَذْتُ إِلَى المُعَلِّمِ، فَقَالَتْ وَالِدَتِي: وَلَدِي الكَبِيْرُ لِلْكَسْبِ وَعِمَارَةِ أَرْضِنَا، وَوَلَدِي الصَّغِيْرُ يَضْعَفُ عَنِ الكَسْبِ وَأَشَارَتْ إِلَيَّ، وَلَنَا أَخُ أَوْسَطُ، فَقَالَ المُعَلِّمُ: أَمَّا هذَا الصَّغِيْرُ يَعْنِيْنِي فَلَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ، وَلكِنَّ هَذَا -وَأَشَارَ إِلَى أَخِي- فَأَخَذَهُ وَعَلَّمَهُ؛ لِيَكُونَ مَقَامَ أَبِي، فَقَدَّرَ اللهُ أَنْ وَقَعَتْ حُرُوبٌ، فَخَرَجْنَا مِنْ قَرْيَتِنَا، فَهَاجَرْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَكَانَ فِي قَرْيَتِنَا جَمَاعَةٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، فَإِذَا سَمِعْتُهُمْ أَبْكَى، فَلَمَّا دَخَلْتُ أَرْضَ الإِسْلَامِ أَسْلَمْتُ، وَعُمْرِي أَحَدَ عَشَرَ

стр. 1235

سَنَةً، ثُمَّ بَلَغَنِي إِسْلَامُ أَخِي الكَبِيْرِ، وَتُوُفِّيَ مُرَابِطًا، ثُمَّ أَسْلَمَ أَخِي الصَّغِيْرُ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ المُعَلِّمُ، وَدَخَلْتُ "بَغْدَادَ" فِي سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائةَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَصَابَهُ سَبْيٌ وَاسْتُرِقَّ. فَذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ -وَنَقَلْتهُ مِنْ خَطِّهِ- قَالَ: كَانَ مَمْلُوْكًا، فَقَرَأَ القُرْآنَ فِي حَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ يَعْنِي بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" فَحَفِظَهُ، وَحَفِظَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَاتِ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ، فَقَامَ قَوْمٌ إِلَى الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ نَجَا الوَاعِظِ (١)، وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الوَعْظِ، فَقَالُوا: هَذَا الصَّبِيُّ قَدْ حَفِظَ القُرآنَ وَهوَ عَلَى خَيْرٍ، نُرِيْدُ أَنْ نَشْتَرِيَهُ وَيَعْتِقُ، فَاشْتُرِيَ مِنْ سَيِّدِهِ وَأُعْتِقَ، وَسَافَرَ عَنْ "دِمَشْقَ" وَطَلَبَ "هَمْذَانَ" (٢) وَلَقِيَ الحَافِظَ أَبَا العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَقَرأَ عَلَيْهِ القُرآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ، وَصَارَ عِنْدَ الحَافِظِ مُصَدَّرًا يُقْرِيءُ النَّاسَ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ، وَاشْتُهِرَ بِالخَيْرِ وَالعِلْمِ، وَدَخَلَ العَجَمَ، وَسَمِعَ الكَثيْرَ، وَرَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ حَدِيْثُهَا، وَلَقِيَ مَشَايِخَهَا، قَالَ: وَلَقِيْتُهُ بـ"بَغْدَادَ" وَاسْتَزَارَنِي إِلَى بَيْتِهِ، وَقَالَ لِجَمَاعَتِهِ: أَنَا مَمْلُوْكُ بَيْتِ الحَنْبَلِيِّ (٣)، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى "أَصْبَهَانَ". وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ: كَانَ -يَعْنِي الجَبَّائِيَّ- رَجُلًا

стр. 1236

صَالِحًا، وَهُوَ مِنْ "جُبَّةَ طَرَابُلُسَ" وَسُبِيَ مِنْ "طَرَابُلُسَ" صَغِيْرًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ابْنُ نُجَيَّةٍ وَأَعْتَقَهُ، فَسَافَرَ إِلَى "بَغْدَادَ" ثُمَّ إِلَى "أَصْبَهَانَ" وَكَانَ يَسْمَعُ مَعَنَا الحِدِيْثَ، انْتَهَى. سَمِعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِـ"بَغْدَادَ" مِنِ ابْن نَاصِرٍ الحَافِظُ (١)، والأُرْمَوِيِّ، وَابْنِ الطَّلَّايَةِ وَسَعِيْدِ بْنِ البَنَّاءِ، وَدَعْوَانَ بْنِ عَليِّ الجُبِّيَّ (٢)، وَأَبِي عَلِيٍّ حَمْدِ بْنِ شَاتِيْلَ القَاضي، وَأَبِي المُعَمَّرِ الأنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ بِـ"أَصبَهَانَ" مِنْ أَبِي الخَيْرِ البَاغْبَانِ (٣)، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ بِـ"بَغْدَادَ" عَلى أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ القِطْعَةَ الَّتِي كَتَبَهَا مِنْ "شَرْحِ الهِدَايَةِ" وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ الجِيْلِيَّ مُدَّةً، مَائِلًا إِلَى التَّزَهُّدِ وَالصَّلَاحِ وَالخَيْرِ وَالاِنْقِطَاعِ، وَانْتَفعَ بِهِ، وَكَانَ يَحْكِي عَنْهُ كَثيْرًا مِنْ أَحْوَالِهِ وَكَرَامَاتِهِ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ كِتَابَ (حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ) عَلَى شيْخِنَا أَبي الفَضْلِ بْنِ نَاصِرٍ، فَرَقَّ قَلْبِي، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَشْتَهِي أَنْ أَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ، وَأَشْتَغِلَ بِالعِبَادِ، وَمَضَيْتُ وَصَلَّيْتُ خَلْفَ الشَّيْخَ عَبْدِ القَادِرِ، فَلَمَّا صَلَّى جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ الاِنْقِطَاعَ فَلَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تتَفَقَّهَ وَتُجَالِسَ

стр. 1237

الشُّيُوْخَ وَتَتَأَدَّبَ بِهِمْ، فَحِيْنَئِذٍ يَصْلُحُ لَكَ الاِنْقِطَاعَ، وَإِلَّا فتمْضِي وَتَنْقَطِعُ قَبْلَ أَنْ تتَفَقَّهَ، وَأَنْتَ فُرَيْخٌ مَا رَيَّشْتَ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيكَ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ دِيْنِكَ تَخْرُجُ مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَتَسْأَلَ النَّاسَ عَنْ أَمْر دِيْنِكَ، يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الزَّاوِيَةِ أَنْ يَكُوْنَ كَالشَّمْعَةِ يَسْتَضَاءُ بِنُوْرهِ. قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ يَوْمًا يَتَكَلَّمُ فِي الإِخْلَاصِ وَالرُّيَاءِ وَالعَجَبِ، وَأَنَا حَاضِرٌ فِي المَجْلِسِ، فَخَطَرَ فِي نَفْسِي، كَيْفَ الخَلَاصُ مِنَ العَجَبِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الشَّيْخُ، وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الأَشْيَاءَ مِنَ اللهِ، وَأَنَّهُ وُفَقَّكَ لِعَمَلِ الخَيْرِ، وَأَخْرَجْتَ نَفْسَكَ مِنَ الشِّيْنِ سَلِمْتَ مِنَ العَجَبِ. قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ -وَكَتَبْتُهُ مِنْ خَطِّهِ- كَانَتْ حُرْمَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ الجُبَّائِيِّ كَبِيْرَةٌ بِـ"بَغْدَادَ" فَلَمَّا دَخَلْتُ "أَصْبَهَانَ" سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَجَدْتُهُ بِهَا وَهُوَ عَظِيْمُ الحُرْمَةِ، فَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي إِلَى زِيَارَتي، وَبِجَاهِهِ سَمِعْتُ عَلى الحَافِظِ أَبِي مُوْسَى (١) الجُزْءَ مِنَ "السُّبَاعِيَّاتِ"، فَإِنَّهُ كَانَ مَرِيْضًا، وَقَدْ حُجِبَ النَّاسُ عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَجْبِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ، فَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَأَخَذَ الإِذْنَ مِنَ الحَافِظِ أَبِي مُوسَى لِي فِي القِرَاءَةِ علَيْهِ، وَكَانَ إِذَا مَشَى فِي السُّوْقِ قَامَ لَهُ أَهْلُ السُّوْقِ. وَحَكَى لِي الشَّيْخُ طَلْحَةُ -يَعْنِي العَلْثِيَّ- أَنَّ لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ -يَعْنِي الجُبَّائِيَّ- رِيَاضَاتٌ وَمُجَاهَدَاتٌ يَطُوْلُ ذِكْرُهَا. وَحَدَّثَنِي الشَّيْخُ طَلْحَةُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَيُثَابُ الرَّجُلُ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ،

стр. 1238

بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ؟ فَقَالَ: بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَلَامُ اللهِ بِحَرْفٍ وَبِصَوْتٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَكُوْنُ كَلَامٌ بِغَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ؟! وَهَلْ يَكُوْنُ كَلَامٌ بِغَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ؟! قَالَ: وَهَذَا المَنَامُ عِنْدِي بِخَطِّ الشَّيْخِ طَلْحَةَ، ﵀. حَدَّثَ الجُبَّائِيُّ ﵀ بِـ"بَغْدَادَ" وَ"أَصْبَهَانَ" وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِدَّةَ مَنَامَاتٍ فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ: كَانَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ. وَسَمِعَ مِنْهُ القَطِيْعِيُّ وَغَيْرُهُ بِـ"بَغْدَادَ" وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ فِي "مُعْجَمَهِ" (١) سَمِعَ مِنْهُ بِـ"أَصْبَهَانَ". وَتُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمَائَةَ بِـ"أَصْبَهَانَ" ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ وَالمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: فِي مُسْتَهَلِّ الشَّهْرِ المَذْكُوْرِ. أَخْبَرنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ -إِذْنًا- (أَثَنَا) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنُ أَبِي غَالِبِ بْنِ الطَّلَّايَةِ (أَنَا) أَبُو الَقَاسِمِ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الأَنْمَاطِيُّ (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن الذَّهَبِيُّ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ ابْنُ مُحَمَّدٍ (ثَنَا) عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ (ثَنَا) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ

стр. 1239

أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) "أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيْدُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَخًا لِي فِي قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُّبُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ تَعَالَى، قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ: أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيْهِ". ٢٥١ - عَلِيُّ بْنُ رَشِيْدِ (٢) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسيتا الحَرْبَوِيُّ، مِنْ أَهْلِ "حَرْبَى الدُّجَيْلِ" مِنْ سَوَادِ "بَغْدَادَ" (٣). قَدِمَ "بَغْدَادَ" فِي صِبَاهُ وَصَحِبَ عَمَّهُ لأُمِّهِ أَبَا المَعَالِي سَعْدَ بنَ عَلِيٍّ

стр. 1240

الحَظِيْرِيُّ (١)، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الأَدَبَ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَنَصْرٍ العُكْبَرِيِّ، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَشَهِدَ عِنْدَ الحُكَّامِ، وَتَوَكَّلَ لِلْخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْ الوَكَالَةِ، وَكَانَ ذَا طَرِيْقَةٍ حَمِيْدَةٍ، وَحُسْنِ سَمْتٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَعِفَّةٍ، وَنَزَاهَةٍ، فَاضِلًا، خَيِّرًا، يَكْتُبُ خَطًّا حَسَنًا عَلَى طَرِيْقَةِ ابْنِ مُقْلَةَ (٢) حَدَّثَ بِشَيءٍ يَسِيْرٍ. سَمِعَ مِنْهُ إِسْحَاقُ العَلْثِيُّ، وَكَانَ

стр. 1241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1242

يَكْرَهُ الرِّوَايَةَ، وَيُقِلُّ مُخَالَطَةَ النَّاسِ. ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ، وقَالَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسُتِّمَائَةَ، وَصُلّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِالمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَدُفِنَ بِـ"بَابِ حَرْبٍ" قَالَ: وَأَظُنُّهُ قَارَبَ السَّبْعِيْنَ، ﵀. ٢٥٢ - إسْمَاعيْل بْنُ عُمَرَ (١) بْنِ نِعْمَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ شَبِيْبٍ الرُّؤْبِيُّ، المِصْرِيُّ،

стр. 1243

العَطَّارُ الأدِيْبُ، البَارِعُ، أَبُو الطَّاهِرِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْدِيْرًا، وَكَانَ بَارِعًا فِي الأَدَبِ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ أَدَبِيَّهٌ، مِنْهَا: "مَائَةُ جَارِيَةٍ وَمائَةُ غُلَامٍ" (١)، وَغَيْرِ ذلِكَ، وَكَانَ بَارِعًا فِي مَعْرِفَةِ العَقَاقِيْرِ، ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ وَقالَ: رَأَيْتُهُ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي السَّمَاعُ مِنْهُ، وكَتَبْتُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ عَنِ الفَقِيْهِ أَبِي الحَرَمِ مَكِّيِّ بْنِ عُمَرَ [. وَتُوُفِّيَ فِي عِشْرِيْنَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمَائَةَ بِـ"مِصْرَ" وَدُفِنَ إِلَى جنْبِ أبِيهِ بِـ"سَفْحِ المُقَطَّمِ" عَلَى جَانِبِ "الخَنْدَقِ"، وَكَانَ أَبُوْهُ رَجُلًا صَالِحًا مُقْرِئًا، وَأَخُوهُ مَكِّيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَ الضِّيَاءُ أَنَّهُ جَمَعَ سِيْرَةَ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ، وَذَكَرْنَا ذلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَكِّيٍّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى] (٢). ٢٥٣ - أسْعَدُ، ويُسَمَّى مُحَمَّدَ المُنَجَّي (٣) بْنِ بَرَكَاتِ بْنِ المُؤَمِّلِ التَّنُوخِيُّ

стр. 1244

المَعَرِّيُّ (١)، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، القَاضِي، وَجِيْهُ الدِّيْنِ، أَبُو المَعَالِي، وَيُقَالُ فِي أَبِيْهِ:

стр. 1245

أَبُو المُنَجَّى و (١) فِي جَدِّهِ: أَبُو البَرَكَاتِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ بِـ"دِمَشْق" مِنْ أَبِي القَاسِمِ نَصْرِ ابْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُقَاتِلٍ السُّوْسِيِّ، وَبِـ"بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي العَبَّاسِ المَنْدَائِيِّ (٢)، وَأَنُوُشَتْكِيْنَ (٣) الرَّضْوَانِيِّ، وَالنَّقِيْبِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ ابْنِ مُحَمَّدٍ العَبَّاسِيِّ. قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَتَفَقَّهَ بِـ"بَغْدَادَ" عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ مُدَّةً، وَحَصَّلَ طَرَفًا مِنْ مَعْرِفَةِ المَذْهَبِ. وَقَالَ الدُّبَيْثِيُّ (٤): ارْتَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ، وَأَخَذَ الفِقْهَ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجِيْلِيِّ وَغَيْرهِ، وَتَفَقَّهَ بِـ"دِمَشْقَ" عَلَى شَرَفِ الإِسْلَامِ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ، أَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ (٥)، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّيْنِ بْنِ أبِي (٦) الفَرَجِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ فِي حَقِّهِ،

стр. 1246

كَانَ رَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" فَقَرَأَ علَى الفَقِيْهِ أَحْمَدَ الحَرْبِيِّ الحَنْبَلِيِّ (١) كِتَابَ "الهِدَايَةِ" وَكَتَبَ خَطَّهُ لَهُ بِذلِكَ، وَعَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَكَانَ رَأَى شَرَفَ الإِسْلَامِ (٢) جَدِّي، وَانْتَمَى (٣) إِلَيْهِ، وَطَلَبَ الفَقِيْهُ حَامِدُ بْنُ أَبِي الحَجَرِ (٤) شَيْخُ "حَرَّانَ" قَاضِيًابِ "حَرَّانَ" مِنْ نُوْرِ الدِّيْنِ -وَنُوْرُ الدِّيْنِ يَوْمَئِذٍ صَاحِبُ "دِمَشْق"- فَأَشَارَ بِهِ (٥)، فَسُيِّرَ إِلَى "حَرَّانَ" قَاضِيًا، فَأَقَامَ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "دِمَشْقَ" فَأَقَامَ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "حَرَّانَ" قَاضِيًا، وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ أَيْضًا، كَانَ أَبُو المَعَالِي بْنُ المُنَجَّى يُدَرِّسُ فِي المِسْمَارِيَّةِ (٦) يَوْمًا وَأَنا يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَقَلَّيْتُ بِهَا فِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ لَهُ اتِّصَالٌ بِالدَّوْلَةِ، وَخِدْمَةِ السَّلَاطِيْنَ وَأَسَنَّ وَكَبُرَ، وَكُفَّ بَصرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. وَلَهُ تَصَانِيْفُ، مِنْهَا: كِتَابُ "الخُلَاصَةِ فِي الفِقْهِ" مُجَلَّدٌ، وَكِتَابُ "العُمْدَةِ" فِي الفِقْهِ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَكِتَابُ "النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ الهِدَايَةِ" فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا. وَفِيْهَا فُرُوعٌ وَمَسَائِلُ كَثِيْرَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فِي المَذْهَبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُهَا

стр. 1247

مِنْ كُتُبِ غَيْرِ الأَصْحَابِ، وَيُخَرِّجُهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيْهِ المَذْهَبُ عِنْدَهُ (١)، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنهُمْ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ (٢) فِي "مُعْجَمِهِ" وَابْنُ البُخَارِيِّ (٣). وَتُوُفِّيَ فِي ثَانِي عِشْرِيْنَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَستِّمِائَةَ (٤) وَدُفِنَ بِسَفْحِ

стр. 1248

قَاسِيُونَ، ﵀. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ أَحْمَدَ المَقْدِسِيُّ (أَنَا) أَبُو المَعَالِي أَسْعَدُ بْنُ المُنَجَّى التَّنُوْخِيُّ (أَنَا) أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ العَبَّاسِيُّ (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكِّيُّ (أَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ أَحْمَدَ ابْنِ فِرَاسٍ المَكِّيُّ (ثَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيْدَ المُقْرِئُ (ثَنَا) جَدِّي (ثَنَا) سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (١) "صَبَّحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "خَيْبَرَ" فَخَرَجُوا إِلَيْنَا وَمَعَهُمْ المَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيْسُ، وَرَجَعُوا إِلَى الحِصْنِ يَسْعَوْنَ، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يدَيْهِ وَقَالَ: اللهُ أَكبَرُ، خَرِبَتْ "خَيْبَرُ" -ثَلَاثًا- إِنَا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِيْنَ، قَالَ: فَأَصَبْنَا فِيْهَا حُمُرًا، فَطَبَخْنَاهَا، فَإِذَا مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُوْمِ الحُمُرِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ". قَرَأْتُ بِخَطِّ السَّيْفِ بْنِ المَجْدِ الحَافِظِ قَالَ: حَدَّثَنِي الإِمَامُ ﵀

стр. 1249

يَعْنِي الشَّيخَ مُوَفَّقَ الدِّيْنِ -حَدَّثَنِي القَاضِي أَبُو المَعَالِي أَسْعَدُ بْنُ المُنَجَّى قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي البَيَانِ (١)، وَقَدْ جَاءَهُ ابْنُ تَمِيْمٍ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، الحَنَابِلَةُ إِذَا قِيْلَ لَهُمْ: مِنْ أَينَ لَكُمْ أَنَّ القُرَآنَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ؟ قَالُوا: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الم﴾، ﴿حم﴾، ﴿كهيعص﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَأَعْرَبَه فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ" وَقَالَ ﵊: "يَجْمَعُ اللهُ الخَلَائِقَ" وَذكَرَ الحَدِيْثَ. وَأَنْتُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمْ: مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ إِنَّ القُرْآنَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ؟ قُلْتُمْ: قَالَ الأَخْطَلُ (٢): إِنَّ الكَلَامَ مِن الفُؤَادِ، وَإِنَّمَا … جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَلِيْلًا فَالحَنَابِلَةُ أَتَوْا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَالُوا: قَالَ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ رَسُوْلُهُ، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ: قَالَ الأَخْطَلُ، شَاعِرٌ نَصْرَانِيٌّ خَبِيْثٌ، أَمَا اسْتَحْيَيْتُمْ مِنْ هَذَا

стр. 1250

القَبِيْحِ؟ جَعَلْتُمْ دِيْنكُمْ مُبِيِّنًا عَلَى قَوْلِ نَصْرَانِيِّ، وَخَالَفْتُمْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى، وَقَوْلَ الرَّسُوْلِ ﷺ ، أَوْ كَمَا قَالَ (١). وَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الخَشَّابِ النَّحْوِيُّ: فَتَّشْتُ دَوَاوِيْنَ الأَخْطَلِ (٢) العَتِيْقَةِ، فَلَمْ أَجِدْ فِيْهَا هَذَا البَيْتَ، فَقَال أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ (٣)، إِنَّمَا قَالَ

стр. 1251

الأَخْطَلُ: "إِنَّ البَيَانَ مِنَ الفُؤَادِ" فَحَرَّفُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ الكَلَامَ. ٢٥٤ - المُبَاركُ بْنُ أنُوشتكين بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّجْميُّ، (١) السَّيِّدِيُّ، البَغْدَادِيُّ،

стр. 1252

المُعدَّلُ، الأَدِيْبُ، أَبُو القَاسِمِ. وُلِدَ بَعْدَ الأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِقَلِيْلٍ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي المُظَفَّرِ التُّرَيْكِيِّ (١)، الخَطِيْبِ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشَّابِ، وَأَبي مُحَمَّدِ بْنِ المَادِحِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ الأَدَبَ علَى أَبِي الحَسَنِ العَصَّارِ (٢) وَجَالَسَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ الخَشَّابِ، وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالأَدَبِ. وَقَالَ القَادِسِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ فَاضِلًا، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي القَاسِمِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ، وَكَانَ وَكِيْلَ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ بِـ"بَابِ طِرَادٍ" وَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ إِلَى مَوْتِهِ. قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، عَالِمًا، فَاضِلًا، مُتَمَيِّزًا، أَدِيْبًا، حَنْبَلِيَّ المَذْهَبِ، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ فِي "مُعْجَمِهِ" (٣). تُوُفِّيَ فِي حَادِي عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سَبعٍ وَسِتِّمِائَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ نُقْطَةَ، وَالمُنْذِرِيُّ، وَزَادَ: وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِـ"بَابِ حَرْبٍ". وَذَكَرَ القَادِسِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ

стр. 1253

عَشَرَ صَفَرٍ، قَالَ: وَصَلَّى عَلَيْهِ بِجَامِعِ القَصْرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَعْيَانِ، ﵀. قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَهُوَ مَنْسُوْبٌ إِلَى وَلَاءِ خَادِمٍ يُقَالُ لَهُ: نَجْمٌ، مَمْلُوْكُ السَّيِّدَةِ أُخْتِ المُسْتَنْجِدِ بِاللهِ. ٢٥٥ - مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ (١) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ مِقْدَامَ بْنِ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ

стр. 1254

الجَمَّاعِيْلِيُّ، المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الصَّالِحِيُّ، الزَّاهِدُ، العَابِدُ، الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ. قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ الحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّيْنِ (١) مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ"جَمَّاعِيْلَ" شَاهَدْتُهُ بِخَطِّ وَالِدِهِ، وَهَاجَرَ بهِ وَالِدُهُ وَبِأَخِيْهِ الشَّيْخِ المُوَفَّقُ وَأَهْلِهِمْ إِلَى "دِمَشْقَ" سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ (٢) لاِسْتِيْلَاءِ الفِرِنْجَ عَلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَنَزَلُوا بِـ"مَسْجِدِ أَبِي صَالِحٍ" (٣) ظَاهِرِ "بَابِ شَرْقِي" فَأَقَامُوا

стр. 1255

بِهِ مُدَّةً نَحْوَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى "الجَبَلِ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَقَالَ النَّاسُ: الصَّالِحِيَّةُ، يَنْسِبُونَا إِلَى "مَسْجِدِ أَبِي صَالِحٍ" لَا أَنَّا صَالِحُوْنَ. قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ -وَنَقَلَتْهُ مِنْ خَطِّهِ-: أَنْزَلَهُمْ وَالِدِي فِي "مَسْجِدِ أَبي صَالِحٍ" فَاستَوْخَمَ المَسْجِدُ عَلَيْهِمْ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ قَرِيْبُ أَرْبَعِيْنَ نَفْسًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ وَالِدِي بِالاِنْتِقَالِ إِلَى "الجَبَلِ" حَيْثُ هُمُ الآنَ، فَانْتَقَلُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ رَأْيًا مُبَارَكًا. حَفِظَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ القُرْآنَ وَقَرَأَهُ بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ وَالِدِهِ، وَأَبِي المَكَارِمِ بنِ هِلَالٍ، وَأَبِي تَمِيْمٍ سَلْمَانَ بْنِ الرَّحْبِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيْمِ بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَبِي الفَتْحِ عُمَرَ بْنِ عَليِّ

стр. 1256

ابْنِ حَمُّوْيَه، وَأَبِي المَعَالِي بْنِ صَابِرٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ الكِنَانِيِّ (١)، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الحَرَّانِيِّ، وَأَبي الفَهْمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الأَزْدِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الصَّقْرِ. وَقَدِمَ "مِصْرَ" فَسَمِعَ بِهَا مِنَ الشَّرِيْفِ أَبِي المَفَاخِرِ سَعِيْدِ بْنِ الحَسَنِ المَأْمُوْنِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ بَرِّيِّ النَّحْوِيِّ، وَخَرَجَ لَهُ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ "أَرْبَعِيْنَ حَدِيْثًا" مِنْ رِوَايَاتِهِ، وَحَدَّثَ بِهَا. وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الضِّيَاءُ، وَالمُنْذِرِيُّ، وَرَوَي عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ (٢)، وَوَلَدُهُ أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَاضِي القُضَاةِ، وَحَفِظَ مِنْهُ "مُخْتَصَرَ الخِرَقِيِّ" فِي الفِقْهِ (٣). وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَقَرَأَ النَّحْوَ عَلَى ابْنِ بَرِّي بِـ "مِصْرَ" وَأَظُّنُّهُ

стр. 1257

حَفِظَ "اللُّمَعَ" (١) لابْنِ جِنِّيِّ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، مِنْ ذلِكَ: "الحِلْيَةُ" لأَبِي نُعَيْمٍ، وَ"تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ"، وَ"المُغْنِيِّ" فِي الفِقْهِ لأَخِيْهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ، وَ"الإِبَانَةُ" لابْنِ بَطَّةَ، وَكَتَب مَصَاحِفَ كَثِيْرَةً لأَهْلِهِ، وَكَتَبَ "الخِرَقِيَّ" للنَّاسِ، وَالكُلُّ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَكَانَ سَرِيْعَ الكِتَابَةِ، وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي اليَوْمِ كُرَّاسَيْنِ بِالقَطْعِ الكَبِيْرِ. قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءِ (٢): وَكَانَ اللهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ مَعْرِفَةَ الفِقْهِ، وَالفَرَائِضِ، وَالنَّحْوِ، مَعَ الزُّهْدِ، وَالعَمَلِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَكَادُ يَسْمَعُ دُعَاءً إِلَّا حَفِظَهُ وَدَعَا بِهِ، وَلَا يَسْمَعُ ذِكْرَ صَلَاةٍ إِلَّا صَلَّاهَا، وَلَا يَسْمَعُ حَدِيْثًا إِلَّا عَمِلَ بِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ مَائَةَ رَكْعَةٍ (٣)، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيْرٌ، وَكَأَنَّهُ أَنْشَطُ الجَمَاعَةِ، وَكَانَ لَا يَتْرُكُ قِيَامَ اللَّيْلِ مِنْ وَقْتِ شُبُوْبِيَّتِهِ، وَسَافَرَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ (٤)، فَقَامَ فِي اللَّيْلِ يُصَلِّي وَيَحْرِسُ الجَمَاعَةَ، وَقَلَّلَ (٥) الأَكْلَ في مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، حَتَّى عَادَ كَالعُوْدِ، وَمَاتَ وَهُوَ عَاقِدٌ عَلَى أَصَابِعِهِ

стр. 1258

يُسَبِّحُ. قَالَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ زَوْجَتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَقُوْمُ اللَّيْلَ، فَإِذَا جَاءَهُ النَّوْمُ عِنْدَهُ قَضِيْبُ يَضْرِبُ بِهِ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَيَذْهَبُ عَنْهُ النَّوْمُ. قَالَ: وَكَانَ كَثِيْرَ الصِّيَامِ سَفَرًا وَحَضَرًا. قَالَ وَلَدُهُ عَبْدُ الله: إِنَّهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ سَرَدَ الصَّوْمَ، فَلَامَهُ أَهْلُهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصُوْمُ أَغْتَنِمُ أَيَّامِي؛ لأَنِّي إِنْ ضَعُفْتُ عَجَزْتُ عَنِ الصَّوْمِ، وإِنْ مِتُّ انْقَطَعَ عَمَلِي، وَكَانَ لَا يَكَادُ يَسْمَعُ بِجِنَازَةٍ (١): إِلَّا حَضَرَهَا، وَلَا بِمَرِيْضٍ إِلَّا عَادَهُ وَلَا جِهَادٍ (٢) إِلَّا خَرَجَ فِيْهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ لَيْلَةٍ سُبْعًا مُرَتِّلًا، وَيَقْرَأُ فِي النَّهَارِ سُبْعًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَإِذَا صَلَّى الفَجْرَ (٣) قَرَأَ آيَاتِ الحِرْسِ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ التَّسْبِيْحِ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ فِي ذلِكَ كُرَّاسَةً، وَهِيَ مُعلَّقَةٌ فِي المِحْرَابِ، وَرُبَّمَا قَرَأَ فِيْهَا خَوْفًا مِنَ النُّعَاسِ، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيُلَقِّنُ إِلَى ارْتفَاعِ النَّهَارِ، ثُمَّ يُصَلِّي الضُّحَى صَلَاةً طَوِيْلَةً، وَكَانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا فِي اللَّيْلِ، وَالأُخْرَى فِي النَّهَارِ، يُطِيْلُ فِيهِمَا السُّجُوْدَ، وَيُصَلِّي بَعْدَ أَذَانِ الظُّهْرِ، قَبْلَ سُنَّتِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الأُولَى أَوَّلُ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَّةِ آخِرِ ﴿الْفُرْقَانَ﴾، وَكَان يُصَلِّي بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِيْهِنَّ ﴿السَّجْدَةَ﴾ و ﴿يس﴾، و ﴿تَبَارَكَ﴾، و ﴿الدُّخَان﴾ وَيُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةِ

стр. 1259

جُمُعَةٍ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ صَلَاةَ التَّسْبِيْحِ [ويُطِيْلُهَا، وَيُصَلِّي يَوْمَ الجُمُعةِ رَكْعَتَيْنِ بِمِائَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (١) وَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ رَكْعَةً نَافِلَةً، وَلَهُ أَوْرَادٌ كَثيْرَةٌ، وَكَانَ يَزُوْرُ القُبُوْرَ كُلَّ جُمُعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ]، وَلَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى وُضُوْءٍ، وَيُحَافِظُ علَى سُنَنٍ وَأَذْكَارٍ عِنْدَ نَوْمِهِ مِنَ التَّسْبِيْحِ، وَالتَّكْبِيْرِ، وَالتَّحْمِيْدِ، وَقِرَاءَةِ "تبَارَكَ" وَغَيْرِهَا مِنَ القُرْآنِ، وَيَقُوْلُ بَيْنَ سُنَّةِ الفَجْرِ وَالفَرْضِ أَرْبَعِيْنَ مَرَّةً: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ (٢). وَكَانَ لَا يَتْرُكُ غُسْلَ الجُمُعَةِ (٣) وَلَا يَخْرُجُ إِلَى الجُمُعَةِ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ يَحْمِلُ هَمَّ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَافَرَ مِنهُمْ تَفَقَّدَ أَهْلَهُ، وَكَانَ يَتَفَقَّدُ الأَشيَاءَ النَّافِعَةِ، مِثْلَ النَّهْرِ، وَالسِّقَايَةِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِمَّا فِيْهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَكَانَ يُؤَثِّرُ بِمَا عِنْدَهُ لأَقَارِبِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَتَصَدَّقُ كَثِيْرًا بِبَعْضِ ثِيَابِهِ، حَتَّى يَبْقَى فِي الشِّتَاءِ بِجُبَّةٍ بِغَيْرِ قَمِيْصٍ، وَكَثِيْرًا مِنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ سَرَاوِيْلَ وَكَانَتْ عِمَامَتُهُ قِطْعَةَ بِطَانَةٍ، فَإِذَا احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى خِرْقَةٍ، أَوْ مَاتَ صَغِيْرٌ قَطَعَ مِنْهَا لَهُ، وَكَانَ يَلْبَسُ الخَشِنَ، وَيَنَامُ عَلَى الحَصِيْرِ، وَكانَ ثَوْبُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقِهِ، وَكُمُّهُ إِلَى رُسْغِهِ، وَرُبَّمَا تَصَدَّقَ بالشَّيءِ وَأَهْلُهُ مُحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ، وَمَكَثَ مُدَّةً لَا يَأْكُلُ أَهْلُ الدَّيْرِ إِلَّا مِنْ بَيْتِهِ يَجْمَعُ الرِّجَالَ نَاحِيَةً وَالنِّسَاءَ نَاحِيَةً، وَكَانَ إِذَا جَاءَ شَيْءٌ إِلَى بَيْتِهِ فَرَّقَهُ علَى الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَكَانَ يَقُوْلُ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا دَخَلَ

стр. 1260

مَعَ صَاحِبِهِ القَبْرَ. وَيَقُوْلُ: إِذَا لَمْ تَتَصَدَّقُوا لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ عَنْكُمْ، وَإِذَا لَمْ تُعْطُوا السَّائِلَ أَنْتُمْ أَعْطَاهُ غَيْرُكُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ اللَّبَنَ المُصَفَّى بِخِرْقَةٍ، فَعَمِلَ لَهُ مِنْهُ مَرَّةً فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَقِيْلَ لَهُ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ لِحُبِّي إِيَّاهُ، ثُمَّ لَمْ يَأْكُلْهُ بَعْدَ ذلِكَ، وَكَانَ إِذَا خَطَبَ تَرِقُّ القُلُوْبُ، وَيَبْكِي بَعْضُ النَّاسِ بُكَاءً كَثِيرًا، وَكَانَ لَهُ هَيْبَةٌ عَظِيْمَةٌ فِي القُلُوْبِ، حَتَّى كَانَ أَحَدُ الطَّلَبَةِ يُرِيْدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيءٍ فَمَا يَجْسُرُ أَنْ يَسْأَلَهُ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ سَكَتُوا، وَخَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَإِذَا عَبَرَ فِي طَرِيْقٍ وَالصِّبْيَانُ يَلْعَبُوْنَ هَرَبُوا، وَإِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ لَا يَجْسُرُ أَحَدٌ أَنْ يُخَالِفَهُ، وَكَانَ كَثِيْرًا مَا يَكْتُبُ إِلَى أَرْبَابِ الوِلَايَاتِ شَفَاعَاتٍ لِمَنْ يَقْصِدُهُ، فَقَالَ لَهُ المُتَوَلِّي يَوْمًا: إِنَّكَ تَكْتُبُ إِلَيْنَا فِي قَوْمٍ لَا نُرِيْدُ أَنْ نَقْبَلَ فِيْهِمْ شَفَاعَةً، وَنَشْتَهِي أَنْ لَا نَرُدَّ رُقْعَتَكَ، فَقَالَ: أمَّا أَنَا فَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَةَ مَنْ قَصَدَنِي، وَأَنْتُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا وَرَقَتِي وَإِلَّا فَلَا، فَقَالَ لَهُ: لَا نَرُدَّهَا أَبَدًا، وَاحْتَاجَ النَّاسُ فِي سَنَةٍ إِلَى المَطَرِ، فَطَلَعَ مَعَهُمْ إِلَى "مَغَارَةِ الدَّمِ" وَمَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ مَحَارِمِهِ، وَاسْتَسْقَى وَدَعَا، فَجَاءَ المَطَرُ حِيْنَئِذٍ، وَجَرَتْ الأَوْدِيَةُ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ مِنْ مُدَّةٍ، وَلَهُ كَرَامَاتٌ كَثِيْرَةٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَالَ: جِئْنَا مَرَّةً إِلَى عِنْدَهُ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ جِيَاعٌ، فَقَدَّمَ إِلَيْنَا سُكُرُّجَةُ (١) فِيْهَا لَبَنٌ، وَكُسَيْرَاتٌ، فَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا، وَأَنا أَنْظُرُ إِلَيْهَا

стр. 1261

كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَسَمِعْتُ الإِمَامَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ (١) يَقُولُ: دَعَانِي الشَّيْخُ مَرَّةً، وَكُنْتُ أَخَافُ مِنْ ضَرَرِ الأَكْلِ، فَابْتَدَأَنِي وَقَالَ: إِذَا قَرَأَ الإِنْسَانُ قَبْلَ الأَكْلِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وَ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ (٣)، ثُمَّ أَكَلَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَسَنِ بْنِ النَّحَّاسِ (٤)، يَقُوْلُ: كَانَ وَالِدِي يُحِبُّ الشَّيْخَ أَبَا عُمَرَ، فَقَالَ لِي يَوْمَ جُمَعَةٍ: أَنَا أُصَلِّي الجُمُعَةَ خَلْفَ الشَّيْخِ، وَمَذْهَبِي أَنَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِي شَيْءٌ، فَمَضَيْنَا إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْنَا الشَّيْخَ، فَسَلَّمَ عَلَى وَالِدِي وَعَانَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخِي، صَلِّ وَأَنْتَ طَيِّبُ القَلْبِ؛ فَإِنَّنِي مَا تَرَكْتُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي نَافِلَةٍ، وَلَا فَرِيْضةٍ، مُنْذُ أُمِّمْتُ بِالنَّاسِ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَالِدِي وَقَالَ: احْفَظْ. وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُرْسِلُ إِلَى الشَّيْخِ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَيْئًا فَيَقْبَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً دِيْنَارَيْنِ فَرَدَّهُمَا فَتَأَلَّمَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا مِنْ جِهَّةِ غَيْرِ

стр. 1262

طَيِّبَةٍ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ غَيْرَهُمَا فَقَبِلَهُمَا. قَالَ الضِّيَاءُ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُثْمَانَ (١)، قَالَ: جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّ قُرَاجَى [قَدْ أَخَذَ فُلَانًا وَحَبْسِهِ، فَادْعُ عَلَيْهِ، فَبَاتَا عِنْدَ الشَّيْخِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ: قُضِيَتِ الحَاجَةُ، وَإِذَا جَنَازَةُ قُرَاجَى] (٢) عَابِرَةٌ، وأَطَالَ الضِّيَاءُ تَرْجَمَةَ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، وَكَذلِكَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ فِي "المِرْآةِ" وَقَالَ: كَانَ مُعْتَدِلَ القَامَةِ، حَسَنَ الوَجْهِ، عَلَيْهِ أَنْوَارُ العِبَادَةِ، لَا يَزَالُ مُبْتَسِمًا، نَحِيْلَ الجِسْمِ مِنْ كَثْرَةِ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ "الجَبَلِ" لِزِيَارَةِ القُبُوْرِ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ جَمَعَ الشِّيْحَ مِن "الجَبَلِ" وَرَبَطَهُ بِحَبْلٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى بُيُوْتِ الأَرَامِلِ وَاليَتَامَى، وَيَحْمِلُ فِي اللَّيْلِ إِلَيْهِمْ الدَّراهِمْ وَالدَّقِيْقِ، وَلا يَعْرِفُوْنَهُ، قَالَ: وَمَا نَهَرَ أَحَدًا، وَلَا أَوْجَعَ قَلْبَ أَحَدٍ، وَكَانَ يَقُوْلُ: أَنَا زَاهِدٌ، وَلَكِنْ فِي الحَرَامِ، وَلَمَّا نَزَلَ صَلَاحُ الدِّيْنِ عَلَى "القُدْسِ" كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ المُوَفَّقُ وَالجَمَاعَةُ فِي خَيْمَةٍ، فَجَاءَ العَادِلُ إِلَى زِيَارَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَمَا قَطَعَهَا، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا تَرَكَ وِرْدَهُ، وَكَانَ يَصْعَدُ المِنْبَرَ فِي "الجَبَلِ" وَعَلَيْهِ ثَوْبُ خَامٍ مَهْدُوْلُ

стр. 1263

الجَيْبِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، وَالمِنْبَرُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُ مَرَاقٍ، وَكَانَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَيَحْضُرُ الغَزَوَاتِ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ. وَكَانَ أَخُوْهُ المُوَفَّقُ يَقُوْلُ عَنْهُ: هُوَ شَيْخُنَا، رَبَّانًا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَعَلَّمَنَا، وَحَرِصَ عَلَيْنَا، وَكَانَ لِلْجَمَاعَةِ كَالوَلَدِ يَقُومُ بمَصَالِحِهِمْ، وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ خَلفَهُ فِي أَهْلِهِ، قَالَ: وَكَانَ أَبِي أَحْمَدُ قَدْ تَخَلًّى عَنْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا وَهمُوْمِهَا، فَكَانَ المَرْجِعُ فِي مَصَالِحِ الأَهْلِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي هَاجَرَ بِنَا، وَسَفَّرَنَا إِلَى "بَغْدَادَ" وَبَنَى الدَّيْرَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ "بَغْدَادَ" زَوَّجَنَا وَبَنَى لَنَا دُوْرًا خَارِجَةً عَنِ الدَّيْرِ وَكَفَانَا هُمُوْمَ الدُّنْيَا، وَكَانَ يُؤثِرُنَا، وَيَدَعُ أَهْلَهُ مُحْتَاجِيْنَ، وَبَنَى المَدْرَسَةَ وَالمَصْنَعَ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَا كَتَبَ لأَحَدٍ وَرَقَةً للْحُمَى إِلَّا شَفَاهُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ أبو المُظَفرِ (١): وَكَرَامَاتُهُ كَثِيْرَةٌ، وَفَضَائِلُهُ غَزِيْرَةٌ، فَمِنْهَا: أَنِّي صَلَّيْتُ يَوْمَ جُمُعَةٍ بِجَامِعِ الجَبَلِ فِي أَوَّلِ سنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمَائَةَ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ اليُوْنَانِي (٢) إِلَى جَانِبِي، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الخُطْبَةِ وَأَبُو عُمَرَ يَخْطُبُ نَهِضَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ مُسْرِعًا، وَصَعَدَ إِلَى مَغَارَةٍ قَرِيْبَةٍ وَكَانَ نَازِلًا بِهَا، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ احْتَاجَ إِلَى الوُضُوْءِ، أَوْ آلَمَهُ شَيءٌ، فَلَمَّا صَلَّيتُ الجُمُعَةَ صَعَدْتُ وَرَاءَهُ، وَقُلْتُ لَهُ:

стр. 1264

خَيْرٌ مَا الَّذِي أَصَابَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُو عُمَرَ، مَا تَحِلُّ خَلْفَهُ صَلَاةٌ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ يَقُوْلُ علَى المِنْبَرِ مَا لَا يَصْلُحُ. قُلْتُ: وَمَا الَّذِي يَقُوْلُ؟ قَالَ المَلِكُ العَادِلُ، وَهُوَ ظَالِمٌ، فَمَا يَصْدُقُ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ يَقُوْلُ فِي آخِرِ الخُطْبَةِ: اللَّهُمَّ، أَصْلِحْ عَبْدَكَ المَلِكَ العَادِلَ سَيْفَ الدِّيْنِ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَبِي عُمَرَ لَا تَصِحُّ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي خَلْفَ مَنْ تَصِحُّ؟ وَبَيْنَا نَحنُ فِي الحَدِيْثِ، وَإِذَا بِالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ قَدْ دَخَلَ وَمَعَه مِئْزَرٌ، فَسَلَّمَ وَحَلَّ المِئْزَرَ، وَفِيْهِ رَغِيْفٌ وَخِيَارَتَانِ، فَكَسَرَ الجَمِيعَ، وَقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الصَّلَاةُ (١)، ثُمَّ قَالَ ابْتِدَاءً، قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (٢) قَالَ: "وُلِدْتُ فِي زَمَنِ المَلِكِ العَادِلِ كِسْرَى" فَنَظَرَ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ: وَتَبَّسَمَ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَكَلَ، وَقَامَ أَبُو عُمَرَ فَنَزَلَ، فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ: مَاذَا إِلَّا رَجلٌ صَالِحٌ. قَالَ أَبُو المَظَفَّرِ: وَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَوَّلُ مَا قَدِمْتُ "الشَّامَ" مَا كَانَ يَرُدُّ أَحَدًا فِي شَفَاعَتِهِ إِلَى مَنْ كَانَ، وَقَدْ كَتَبَ وَرَقَةٍ إِلَى المَلِكِ المُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ العَادِلِ، وَقَالَ فِيْهَا: إِلَى الوَالِدِ المَلِكِ المُعَظَّمِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَكْتُبُ هَذَا وَالمَلِكُ المُعَظَّمُ علَى الحَقِيْقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى؟ فَتَبَسَّمَ ورَمَى بِالوَرَقَةِ، وَقَالَ: تَأَمَّلَهَا وَإِذَا بِهِ لَمَّا كَتَبَ "المَلِكِ المُعَظِّمِ" كَسَرَ الظَّاءَ، فَصَارَ المُعَظِّمِ،

стр. 1265

وقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكوْنَ يَوْمًا قَدْ عَظَّمَ اللهَ تَعَالَى، فَعَجِبْتُ مِنْ وَرَعِهِ وَتَحَفُّظِهِ فِي مَنْطِقِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا. قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ: وَأَصَابَنِي قُوْلَنْجُ (١) عَانَيْتُ مِنْهُ شِدَّةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ أَبُو عُمَرَ وَبِيَدِهِ خَرُّوْبٌ شَامِيٌّ مَدْقُوقٌ، فَقَالَ: اسْتَفَّ هَذَا، وَكَان عِنْدِي جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: هَذَا يَزِيْدُ القُولَنْجَ وَيَضُرُّهُ، فَمَا الْتَفَتُّ إِلَى قَولِهِمْ، فَأَخَذْتُهُ مِنْ يَدِهِ فَأَكَلْتُهُ، فَبَرِأْتُ فِي الحَالِ. قَالَ: وَحَكَى الجَمَالُ البُصْرَاوِيُّ الوَاعِظُ قَالَ: أَصَابَنِي قُوْلَنْجُ فِي رَمَضَانَ، فَاجْتَهَدُوا فِي أَنْ أُفْطِرَ، فَلَمْ أَفْعَلْ، وَصَعَدْتُ إِلَى "قَاسِيُوْنَ" فَقَعَدْتُ مَوْضِعَ الجَامِعِ اليَوْمَ، وإِذَا بِالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الجَبَلِ، وَبِيَدِهِ حَشِيْشَةٌ، فَقَالَ: شُمَّ هَذِهِ تَنْفَعُكَ، فَأَخَذْتُهَا وَشَمَمْتُهَا، فَبَرِأْتُ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ أَبُو عُمَرَ فَقِيْهًا، زَاهِدًا، عابِدًا، كَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكِتَابَ "المُغْنِي" لأَخِيْهِ، وَكَانَ مَعَ ذلِكَ لَهُ أَوْرَادٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ، يَقُوْمُ بِهَا، وَحَجَّ وَغَزَا وَكَانَ شَيْخَ جَمَاعَتِهِ، مُطَاعًا فِيْهِمْ، مُحْتَرِمًا عِنْدَ نُوْرِ الدِّينِ مَحْمُوْدِ بْنِ زَنْكِيِّ، وَزَارَهُ وَبَنَى لَهُمْ فِي الجَبَلِ مَسْجِدًا وَسِقَايَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ آثَارٌ جَمِيْلَةٌ، مِنْهَا: "مَدْرَسَتُه" بِالجَبَلِ، وَهِيَ وَقْفٌ
следующие страницы →